← История

История · id 2034

الوجيز في أسباب ونتائج قتل عثمان

مصطفى يونس الراقي الفاخري

Полный текст (132 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

جامعة قار يونس كلية الآداب والعلوم إجدابيا قسم التاريخ بحث مقدم لنيل درجة الليسانس في الآداب بعنوان: الوجيز المفيد في تِبْيان أسباب ونتائج قتل عثمان بن عفان ﵁ إعداد الطالب: مصطفى يونس الراقي الفاخري إشراف الأستاذ: محمد سعيد بو حليقة الزوي للعام الجامعي ٢٠٠٥م- ٢٠٠٦م بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إلى الغيورين على شريعة الله العاملين بها أهدى هذا البحث مقدمة الحمد الله كريم المنّة، وناصر الدينِ بأهل السنة، الحمد الله كثيراً كما أنعم علينا كثيراً، وصلى الله وسلم على رسوله محمد الذي أرسلهُ شاهداً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنهِ وسراجاً منيراً، وعلى آله الذين أذهب عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً، وعلى جميع المؤمنين الذين أمر الله نبيهُ أن يبشرهم بأن لهم من الله فضلاً كبيراً. أما بعد:

стр. 2

أنا كغيري من شباب أهل السنة الذين رزقهم الله حب أصحاب رسوله ﷺ ، فعندما أخبرني أستاذي الفاضل الأستاذ محمد بو حليقة بأنه اختصني للبحث في هذا الموضوع، وذلك إحساساً منهُ للظن بي، بقيتُ عدة أيام وأنا متردد في البحث وجالت في ذهني عدة خواطر، حاولت مراراً وتكراراً الاعتذار عن الكتابة في هذا الموضوع، ولكنني استشرت من أثق بمشورتهم من أصدقائي، فتنوعت آراؤهم بين مؤيد يُحسن الظن بي ويرى إنني أستطيع الوصول إلى الحقيقة والتعبير عنها، وبين معارض يرى أن هذا الموضوع لا يبحث مطلقاً، وهناك طائفة أخرى من الأصدقاء أنا لا أبالي بهم، ولا بأقوالهم المثبطة، ففيهم شبه ممن قال اللهُ فيهم (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا) " التوبة.الآية٤٧ "، وبعد الاستخارة مرات ومرات شرح الله صدري للبحث، وشرعت في تجميع المصادر من هنا وهناك، فوالله لقد تحصلت على بعض المراجع التي ما كنتُ أحلمُ بها، ولولا أن العام الدراسي داهمني على الانقضاء وأنا منتسب ولدي تسع مواد أخرى تحتاج إلى اهتمام ودراسة لما توقفت عن تطوير هذا البحث وتنويره، وأرى أن هذا البحث موجز ولذلك سميتهُ "الوجيز المفيد في تبيان أسباب ونتائج قتل عثمان بن عفان ﵁" ولا يزال يستحق إلى دراسة عميقة ومتأنية، وكما قال العماد الأصفهاني:" إني رأيتُ أنه لا يكتب أحد كتاباً في يومه إلا قال في غَدِهِ: لوُ غَّيرَ هذا لكان أحسن ولو زيَّد هذا لكان يُستحَسن ولو قُدَّم هذا لكان أفضل ولو تُرِك هذا لكان أجمل. وهذا أعظم العبر وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر " أخي القاري الكريم لا أزعم أنني آتيك بشي جديد في هذا الموضوع من نفسي، إنما هي أقوال علماء بحثت عنها ورتبتها بطريقتي الخاصة فهو جهد بسيط يُضم إلى جهود بقية طلبة التاريخ في هذه الجامعة، ولدي تنبيهان اثنان أوّد أن أنبه عليهما كل من يطلع على هذا البحث وجعلتهما في

стр. 3

مقدمة هذا البحث لضرورتهما: - الأول: يقول الشيخ محب الدين (إن التاريخ الإسلامي لم يبدأ تدوينه إلا بعد زوال بني أمية وقيام دول لا يسر رجالها التحدث بمفاخر ذلك الماضي , ومحاسن أهله فتولى تدوين تاريخ الإسلام ثلاث طوائف: طائفة كانت تنشد العيش والجده من التقرب إلى مبغضي بني أمية بما تكتبه وتؤلفه وطائفة ظنت أن التدوين لا يتم ولا يكون التقرب إلى الله إلا بتشويه سمعة أبي بكر وعمر وعثمان وبني عبد شمس جميعاً وطائفة ثالثة من أهل الإنصاف والدين - كالطبري وابن عساكر وابن الأثير وابن كثير- رأت أن من الإنصاف أن تجمع أخبار الإخباريين من كل المذاهب والمشارب كلوط بن يحي الشيعي (أبو مخنف) المحترق وسيف بن عمر العراقي المعتدل ولعل بعضهم اضطر إلى ذلك إرضاءً لجهات كان يشعر بقوتها ومكانتها وقد أثبت أكثر هؤلاء أسماء رواة الأخبار التي أوردوها ليكون الباحث على بصيرة من كل خبر بالبحث عن حال راويه وقد وصلت إلينا هذه التركة لا على أنها تاريخنا بل على أنها مادة غزيرة للدرس والبحث يستخرج منها تاريخنا وهذا ممكن وميسور إذا تولاه من يلاحظ مواطن القوة والضعف في هذه المراجع وله من الألمعية ما يستخلص به حقيقة ما وقع ويجردها عن الذي لم يقع مكتفياً بأصول الأخبار الصحيحة مجردة عن الزيادات الطارئة عليها وأن الرجوع إلى كتب السنة وملاحظات أئمة الأمة مما يسهل هذه المهمة وقد آن لنا أن نقوم بهذا الواجب الذي أبطأنا فيه كل الإبطاء وأول من استيقظ في عصرنا للدسائس المدسوسة على تاريخ بني أمية العلامة الهندي الكبير الشيخ شلبي النعماني في انتقاده لكتب جرجي زيدان ثم أخذ أهل الألمعية من المنصفين في دراسة الحقائق فبدأت تظهر لهم وللناس منيرة مشرقة ولا يبعد إذا استمر هذا الجهاد في سبيل الحق أن يتغير فهم المسلمين لتاريخهم ويدركوا أسرار ما وقع في ماضيهم من معجزات) (١)

стр. 4

الثاني: بخصوص مسألة البحث فيما شجر بين الصحابة فأود أن أنقل بعض السطور التي اقتبستها من رسالة الشيخ محمد عبد الله المنشور في الشبكة الإسلامية من مطبوعات مكتبة السفير في الرياض (١) عندما تطرق لأسس البحث في تاريخ الصحابة حيث قال الشيخ: [أولا: إن الكلام عما شجر بين الصحابة ليس هو الأصل، بل الأصل الاعتقادي عند أهل السنة والجماعة هو الكف والإمساك عما شجر بين الصحابة، وهذا مبسوط في عامة كتب أهل السنة في العقيدة، كالسنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل، والسنة لابن أبي عاصم، وعقيدة أصحاب الحديث للصابوني، والإبانة لابن بطة، والطحاوية، وغيرها. ويتأكد هذا الإمساك عند من يُخشى عليه الالتباس والتشويش والفتنة، وذلك بتعارض ذلك بما في ذهنه عن الصحابة وفضلهم ومنزلتهم وعدالتهم وعدم إدراك مثله، لصغر سنه أو لحداثة عهده بالدين. . . لحقيقة ما حصل بين الصحابة، واختلاف اجتهادهم في ذلك، فيقع في الفتنة بانتقاصه للصحابة من حيث لا يعلم. وهذا مبني على قاعدة تربوية تعليمية مقررة عند السلف، وهي ألا يعرض على الناس من مسائل العلم إلا ما تبلغه عقولهم. قال الإمام البخاري ﵀: ((باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية ألا يفهموا)) . وقال علي ﵁: ((حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله)) . وقال الحافظ في الفتح تعليقا على ذلك: ((وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة. ومثله قول ابن مسعود: (ما أنت محدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة) . (رواه مسلم) . وممن كره التحدث ببعض دون بعض الأمام أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان، ومالك في أحاديث الصفات، وأبو يوسف في الغرائب.)) ، إلى أن قال: ((وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراده، فالإمساك عنه

стр. 5

عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب، والله أعلم. (صحيح البخاري ١ / ٤١، الفتح ١ / ١٩٩ -٢٠٠، وراجع أيضا كلاما جيدا للسلمي في كتابة التاريخ ٢٢٨) . ثانيا: إذا دعت الحاجة إلى ذكر ما شجر بينهم، فلابد من التحقيق والتثبت في الروايات المذكورة حول الفتن بين الصحابة، قال : ﴿يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين﴾ . وهذه الآية تأمر المؤمنين بالتثبت في الأخبار المنقولة إليهم عن طريق الفساق، لكيلا يحكموا بموجبها على الناس فيندموا. فوجوب التثبت والتحقيق فيما نقل عن الصحابة، وهم سادة المؤمنين أولى وأحرى، خصوصا ونحن نعلم أن هذه الروايات دخلها الكذب والتحريف، إما من جهة اصل الرواية أو تحريف بالزيادة والنقص يخرج الرواية مخرج الذم والطعن. وأكثر المنقول من المطاعن الصريحة هو من هذا الباب، يرويها الكذابون المعروفون بالكذب، مثل أبي مخنف لوط بن يحيى، ومثل هشام بن محمد بن السائب الكلبي وأمثالهما، ومن أجل ذلك لا يجوز أن يدفع النقل المتواتر في محاسن الصحابة وفضائلهم بنقول بعضها منقطع وبعضها محرف، وبعضها يقدح فيما علم، فإن اليقين لا يزول بالشك، ونحن تيقنا ما ثبت في فضائلهم، فلا يقدح في هذا أمور مشكوك فيها، فكيف إذا علم بطلانها. (منهاج السنة ٦ / ٣٠٥) .

стр. 6

ثالثا: إذا صحت الرواية في ميزان الجرح والتعديل، وكان ظاهرها القدح، فليلتمس لها أحسن المخارج والمعاذير. قال ابن أبي زيد: ((والإمساك عما شجر بينهم، وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج، ويظن بهم أحسن المذاهب)) . (مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني) . وقال ابن دقيق العيد: ((وما نقل عنهم فيما شجر بينهم واختلفوا فيه، فمنه ما هو باطل وكذب، فلا يلتفت إليه، وما كان صحيحا أولناه تأويلا حسنا، لأن الثناء عليهم من الله سابق، وما ذكر من الكلام اللاحق محتمل للتأويل، والمشكوك والموهوم لا يبطل الملحق المعلوم)) . هذا بالنسبة لعموم ما روي في قدحهم. رابعا: أما ما روي على الخصوص فيما شجر بينهم، وثبت في ميزان النقد العلمي، فهم فيه مجتهدون، وذلك أن القضايا كانت مشتبهة، فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم وصاروا ثلاثة أقسام: القسم الأول: ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في هذا الطرف، وأن مخالفه باغ، فوجب عليهم نصرته وقتال الباغي عليه، فيما اعتقدوه، ففعلوا ذلك، ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في اعتقاده. القسم الثاني: عكس هؤلاء، ظهر لهم بالاجتهاد إن الحق مع الطرف الآخر، فوجب عليهم مساعدته وقتال الباغي عليه. القسم الثالث: اشتبهت عليهم القضية، وتحيروا فيها، ولم يظهر لهم ترجيح أحد الطرفين، فاعتزلوا الفريقين، وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم، لأنه لا يحل الإقدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك. (مسلم بشرح النووي ١٥ / ١٤٩، ١٨ / ١١، وراجع الإصابة ٢ / ٥٠١، فتح الباري ١٣ / ٣٤) .

стр. 7

أيضا من المهم أن نعلم أن القتال الذي حصل بين الصحابة رضوان الله عليهم لم يكن على الإمامة، فإن أهل الجمل وصفين لم يقاتلوا على نصب إمام غير علي، ولا كان معاوية يقول إنه الإمام دون علي، ولا قال ذلك طلحة والزبير، وإنما كان القتال فتنة عند كثير من العلماء، بسبب اجتهادهم في كيفية القصاص من قاتلي عثمان ﵁، وهو من باب قتال أهل البغي والعدل، وهو قتال بتأويل سائغ لطاعة غير الإمام، لا على قاعدة دينية، أي ليس بسبب خلاف في أصول الدين. (منهاج السنة ٦ / ٣٢٧) . ويقول عمر بن شبه: ((إن أحدا لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا عليا في الخلافة، ولا دعوا أحدا ليولوه الخلافة، وإنما أنكروا على علياً منعه من قتال قتلة عثمان وترك الاقتصاص منهم)) . (أخبار البصرة لعمر بن شبه نقلا عن فتح الباري ١٣ / ٥٦) . ويؤيد هذا ما ذكره الذهبي: ((أن أبا مسلم الخولاني وأناساً معه، جاءوا إلى معاوية، وقالوا: أنت تنازع علياً أم أنت مثله؟ . فقال: لا والله، إني لأعلم أنه أفضل مني، وأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما، وأنا ابن عمته؟ والطالب بدمه، فائتوه فقولوا له، فليدفع إلي قتلة عثمان، وأسلم له. فأتوا عليا فكلموه، فلم يدفعهم إليه)) . (سير أعلام النبلاء للذهبي ٣ / ١٤٠، بسند رجاله ثقات كما قال الأرناؤوط) وفي رواية عند ابن كثير: ((فعند ذلك صمم أهل الشام على القتال مع معاوية)) . وأيضا فجمهور الصحابة وجمهور أفاضلهم ما دخلوا في فتنة. قال عبد الله بن الإمام أحمد: ((حدثنا أبي حدثنا إسماعيل بن علية حدثنا أيوب السختياني عن محمد بن سيرين، قال: هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ عشرات الألوف، فما حضرها منهم مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين)) . قال ابن تيمية: ((وهذا الإسناد من أصح إسناد على وجه الأرض، ومحمد بن سيرين من أورع الناس في منطقته،

стр. 8

ومراسيله من أصح المراسيل)) . (منهاج السنة ٦ / ٢٣٦) . فأين الباحثون المنصفون ليدرسوا مثل هذه النصوص الصحيحة؟ لتكون منطلقاً لهم لا أن يلطخوا أذهانهم بتشويشات الإخباريين، ثم يؤولوا النصوص الصحيحة حسب ما عندهم من البضاعة المزجاة. نقول أخيراً: أن أهل السنة والجماعة لا يعتقدون أن الصحابي معصوم من كبائر الإثم وصغائره، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، ثم إذا كان صدر من أحدهم ذنب فيكون إما قد تاب منه، أو أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بسابقته، أو بشفاعة محمد ﷺ ، وهم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف بالأمور التي هم مجتهدون فيها إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور، إذن فاعتقادنا بعدالة الصحابة لا يستلزم العصمة، فالعدالة استقامة السيرة والدين، ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا، حتى تحصل ثقة النفس بصدقه. . . ثم لا خلاف في أنه لا يشترط العصمة من جميع المعاصي، ومع ذلك يجب الكف عن ذكر معا يبهم ومساوئهم مطلقا -، وإن دعت الضرورة إلى ذكر زلة أو خطأ صحابي، فلا بد أن يقترن بذلك منزلة هذا الصحابي من توبته أو جهاده وسابقته - فمثلاً من الظلم أن نذكر زلة حاطب بن أبي بلتعة ﵁ دون ذكر توبته التي لو تابها صاحب مكس لقبل منه. . . وهكذا. (الإمامة لأبي نعيم ٣٤٠، ومنهاج السنة ٦ / ٢٠٧) . فالمرء لا يُعاب بزلة يسيرة حصلت منه في فترة من فترات حياته وتاب منها، فالعبرة بكمال النهاية، لا ينقص البداية، لا سيما وإن كانت له حسنات ومناقب ولو لم يزكه أحد فكيف إذا زكاه خالقه العليم بذات الصدور!] . ولا يسعني في نهاية هذه المقدمة إلا أن أشكر أستاذي أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة

стр. 9

إجدابيا الأستاذ محمد بو حليقة وكذلك أخي الشريف الشارف صاحب البداية أسال الله لنا ولهُ حسن النهاية، كما إنني أشكر الأستاذ خميس عبد الغني نشاد، والأستاذ السنوسي للوريدي، على ملاحظاتهم القيمة، وتصحيحا تهم لبعض الأخطاء التي وقفوا عليها، ولا يزال هذا البحث جهد بشري من طالب في بداية الطريق، فلا يخلو من هفوات وزلات وخاصة أن موضوع البحث هو أكبر بكثير من عقل الباحث وعلمه، وإن هذه القضية لا تقتصر على الجانب التاريخي فقط، وإنني أتمنى من كل من يطلع على هذا البحث وتكون لديه أي ملاحظة صغيرة كانت أو كبيرة، أن يبلغني عنها وله مني دعوة بظهر الغيب، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد،وعلى آلهِ وصحبه وسلم تسليماً كثيرا. كتبه أخوكم: مصطفى الراقي E.mail:wwwalragi@maktoob.coM الباب الأول ابن سبأ اليهودي وأثره في إحداث الفتنة (سبب هذه الفتنة التي حدثت في صدر الإسلام الأول رجل يقال له عبد الله بن سبأ، وشهرته ابن السوداء لأن أمه كانت سوداء من الحبشيات. وهو من صنعاء كان يهودياً من يهود اليمن أظهر الإسلام وأبطن الكفر والنفاق، ثم انتهج التشيع لعلي ﵁، وهو الذي تُنسب إليه فرقة السبئية الذين قالوا بألوهية علي.

стр. 10

فلما رأى هذا الرجل أن أمر الإسلام بدأ ينتشر بهذه الصورة وبدأ يظهر رأى أن هذا الأمر ليس له إلا فتنة من داخله، وكان بمنتهى الخبث فأول ما بدأ بدأ بالمدينة، وكانت المدينة يومها مليئة بالعلماء، فدُحر بالعلم كلما رمى شبهة رُدَّ عليها، فمن شبهه أنه أظهر بعض العقائد اليهودية، مثل القول بالرجعة؛ أي رجعة الرسول ﷺ واستدل بقوله تعالى: " إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد " القصص "٨٥"، وذكر تعجبه للناس ممن يصدق برجعة عيسى ﵇ -ويكذب برجعة محمد ﷺ ، وما كان قوله هذا إلا وسيلة للوصول إلى ما هو أكبر من ذلك، حيث قال بعد ذلك برجعة علي ﵁ وأنه سيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وهكذا. وللرد عليهم أشير إلى أن الآية التي استدل بها السبئية دليل عليهم، وقد نقل ابن كثير في تفسير هذه الآية، أقوال العلماء في ذلك، فمنهم من يقول: رادك يوم القيامة فيسألك عما استرعاك من أعباء النبوة. ومنهم من يقول: رادك إلى الجنة، أو إلى الموت، أو إلى مكة كما أخرجك قومك منها وقد أورد البخاري عن ابن عباس القول بالرد إلى مكة. وقد سَأل عاصم بن ضمرة "ت ٧٤هـ " الحسن بن علي فيما يزعمه الشيعة بأن علياً ﵁ -سيرجع، فقال: كذب أولئك الكذّابون، لو علمنا ذلك ما تزوج نساؤه ولا قسمنا ميراثه. المسند "١/١٤٨". ومن أقوال ابن سبأ أيضاً القول بالوصية والإمامة. يقول الشهر ستاني في الملل والنحل "١/١٧٤": أن ابن سبأ هو أول من أظهر القول بالنص بإمامة علي، ويذكر ابن تيميه في مجموع الفتاوى (٤/٤٣٥) : أن أصل الرفض من المنافقين الزنادقة، فإنه ابتدعه ابن سبأ الزنديق وأظهر الغلو في علي بدعوى الإمامة والنص عليه، وادّعى العصمة له) (١) . ومن المحدثين الشيعة الذين

стр. 11

ذكروا فكرة الوصي، محمد بن يعقوب الكليني الشيعي "ت ٣٢٩هـ" في كتابه الكافي في الأصول، حيث أورد النص التالي: (ولاية علي مكتوبة في جميع صحف الأنبياء، ولن يبعث الله رسولاً إلا بنبوة محمد ﷺ ، ووصية علي ﵇. كتاب الحجة من الكافي" ٤٣٨ ج١ ط إيران) (١) وإنني أتعجب أشد العجب من انحرافات (٢) الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي!! عندما قال في فتنته الكبري التي هي بحق فتنة كبرى على عقول الناشئة من أبناء المسلمين حيث قال: (إن أمر السبئية وصاحبهم ابن السوداء.. إنما كان متكلفاً منحولاً، قد اخترع بآخره ... أراد خصوم الشيعة أن يدخلوا في أصول هذا المذهب عنصراً يهودياً إمعاناً في الكيد لهم والنيل منهم.."؟! (الفتنة الكبرى ٢/٩٠-٩١) . وهذه مغالطة علمية، وإنكار لما لم ينكره (الشيعة) أنفسهم فضلاً عن كلام أهل السنة، وهاك البرهان فالشيعي سعد بن عبد الله القمّي (ت٢٢٩ هـ) يعتبر (ابن سبأ) أول من قال بفرض إمامة علي ورجعته.." (المقالات والفرق ص١٠-٢١) ، وأقدم كتاب عند الشيعة معتمد في علم الرجال، هو رجال الكشي، للكشي (من أهل القرن الرابع الهجري) . وقد جاء في الكتاب ما نصه: " إن عبد الله بن سبأ كان يهودياً فأسلم ووالى علياً ﵇ وكان يقول وهو على يهو ديته في يوشع بن نون وصي موسى (بالغلو) فقال في إسلامه بعد وفاة الرسول ﷺ في علي مثل ذلك، وكان أول من أشهر القول بفرض إمامة علي وأظهر

стр. 12

البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه وكفّرهم، من هنا قال من خالف الشيعة أن أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية " الكشي ص١٠٨، ١٠٩) . (١) وهذا النوبختي الشيعي من أعلام القرن الثالث للهجرة يقول في كتابه "فرق الشيعة": (عبد الله بن سبأ كان ممن أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة، وتبرأ منهم، وقال إن علياً ﵇ أمره بذلك، فأخذه علي فسأله عن قوله هذا فأقر به فأمر بقتله فصاح الناس إليه يا أمير المؤمنين أتقتل رجلاً يدعو إلى حبكم أهل البيت وإلى ولايتكم والبراءة من أعدائكم؟ فسيره (علي) إلى المدائن "عاصمة إيران آنذاك"، ولما بلغ عبد الله بن سبأ نعي علي بالمدائن، قال للذي نعاه: كذبت لو جئتنا بدماغه في سبعين صرة، وأقمت على قتله سبعين عدلاً، لعلمنا أنه لم يمت، ولم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض ["فرق الشيعة" للنوبختي ص٤٣ و٤٤ ط المطبعة الحيدرية بالنجف، العراق، سنة ١٩٥٩م] .) (٢) وخلاصة ما جاء به ابن سبأ، أنه أتى بمقدمات صادقة وبنى عليها مبادئ فاسدة راجت لدى السذّج والغلاة وأصحاب الأهواء من الناس، وقد طرق باب القرآن يتأوّله على زعمه الفاسد كما سلك طريق القياس الفاسد في ادعاء إثبات الوصية لعلي ﵁ بقوله: إنه كان ألف نبي، ولكل نبي وصي، وكان علي وصي محمداً ثم قال: محمد خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأولياء (٣)

стр. 13

(وذهب ابن سبأ إلى مصر، فأوحى إلى طائفة من الناس كلاماً اخترعه من عند نفسه مضمونه أنه يقول للرجل: أليس قد ثبت أن عيسى بن مريم سيعود إلى الدنيا؟ فيقول الرجل: نعم فيقول له: فرسول الله ﷺ أفضل منه فما تنكر أن يعود إلى هذه الدنيا، وهو أشرف من عيسى ابن مريم ﵇؟ ثم يقول: وقد كان أوصى إلى علي بن أبي طالب، فمحمد خاتم الأنبياء، وعلي خاتم الأوصياء، ثم يقول: فهو أحق بالإمرة من عثمان، وعثمان معتدٍ في ولايته ما ليس له، فأنكروا عليه وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فافتتن به بشر كثير من أهل مصر، وكتبوا إلى جماعات من عوام أهل الكوفة والبصرة، فتمالأوا على ذلك، وتكاتبوا فيه، وتواعدوا أن يجتمعوا في الإنكار على عثمان،) (١) (واستطاع ابن سبأ أن يجمع من مصر ما بين ستمائة إلى الألف من الرجال، ثم اتجه عبد الله بن سبأ إلى الكوفة فوجد فيها أرضاً خصبة للفتن فاستطاع أن يجمع حوله جماعة، ثم انتقل إلى البصرة فجمع فيها جماعة أخرى، وكان عددهم على أقل تقدير عند المؤرخين ستمائة رجل، واستخدم ابن سبأ كذلك الأعراب، فذهب إليهم وبدأ يثير عندهم الأكاذيب حول عثمان ويستدل على قوله بكتب مزيفة كتبها هو وأعوانه على ألسنة طلحة والزبير وعائشة فيها التذمر على سياسة عثمان في الحكم، فصار الأعراب وهم الذين لا يفقهون من دين الله الشيء الكثير يتأثرون بهذه الأكاذيب ويصدقونها فملئت قلوبهم على عثمان ﵁ بعد ذلك اتجه ابن سبأ إلى هدفه المرسوم، وهو خروج الناس على الخليفة عثمان ﵁) (٢) " فصادف ذلك هوى في نفوس بعض القوم فقال لهم: إن عثمان أخذ الأمر بغير حق وهذا وصي الرسول ﷺ ، فانهضوا في هذا الأمر فحركوه، و

стр. 14

ابدؤوا بالطعن في أمرائكم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا الأمر ثم إنه أخذ يحضّ أتباعه على إرسال الكتب بأخبار سيئة مفجعة عن مِصرهم إلى بقية الأمصار، فيتخيل أهل البصرة مثلاً أن حال أهل مصر أسوأ ما يكون من قبل واليهم، ويتخيل أهل مصر أن حال أهل الكوفة أسوأ ما يكون من قبل واليهم، وكان أهل المدينة يتلقّون الكتب من الأمصار بحالها وسوئها من أتباع ابن سبأ، وهكذا يتخيل الناس في جميع الأمصار أن الحال من السوء مالا مزيد عليه. والمستفيد من هذه الحال هم السبئية. لأن تصديق ذلك من الناس يفيدهم في إشعال شرارة الفتنة داخل المجتمع الإسلامي. هذا وقد شعر عثمان ﵁ بأن شيئاً ما يحاك في الأمصار وأن الأمة تمخض بشرّ فقال والله إن رحى الفتنة لدائرة فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها " (١) .

стр. 15

(والذي حصل أن أهل الفتنة أخذوا يتراسلون فيما بينهم، فلما رأوا أن عددهم قد كثر تواعدوا على أن يلتقوا عند المدينة في شوال من سنة (٣٥هـ) في صفة الحجاج، فخرج أهل مصر في أربع رفاق (١) على أربعة أمراء المقلّل يقول ستمائة والمكثر يقول ألف ولم يجترئوا أن يعلموا الناس بخروجهم إلى الحرب، وإنما خرجوا كالحجاج ومعهم المنافق ابن السوداء وخرج أهل الكوفة في عدد كعدد أهل مصر، وكذا أهل البصرة، ولما اقتربوا من المدينة شرعوا في تنفيذ مرحلة أخرى من خطتهم، فقد اتفق أمرهم أن يبعثوا اثنين منهم ليطلعا على أخبار المدينة ويعرفا أحوال أهلها، وذهب الرجلان فلقيا أزواج النبي ﷺ وعلياً وطلحة والزبير، وقالا: إنما جئنا نستعفي عثمان من بعض عمالنا، واستأذنا لرفاقهم بالدخول فأبى الصحابة، وقال علي ﵁: لا أمركم بالإقدام على عثمان فإن أبيتم فبيض سيفرخ (٢) , تظاهر القوم بالرجوع وهم يبطنون أمراً لا يعلمه الناس فوصلت الأنباء إلى أهل المدينة بانصراف أهل الفتنة فهدأ الناس، وفي الليل فوجئ أهل المدينة بأهل الفتنة يدخلون المدينة من كل مكان فتجمعوا في الشوارع وهم يكبرون، فجاء علي بن أبي طالب وقال: ما شأنكم؟ لماذا عدتم؟ فرد عليه الغافقي بأن عثمان غدر بهم، قال كيف؟ قال: قبضنا على رسول ومعه كتاب من عثمان يأمر فيه الأمراء بقتلنا!! ، فقال علي لأهل الكوفة والبصرة: وكيف علمتم بما لقي أهل مصر!! وقد سرتم مراحل ثم طويتم نحونا؟ هذا والله أمر أبرم بالمدينة، وكان أمر الكتاب الذي زوّر على لسان عثمان ﵁ -اتخذوه ذريعة ليستحلوا دمه ويحاصروه في داره إلى أن قتلوه - رضي

стр. 16

الله عنه -, وفوق هذا كله فالثائرون يفصحون عن هدفهم ويقولون: ضعوه على ما شئتم لا حاجة لنا في هذا الرجل ليعتزلنا ونحن نعتزله) (١) وعلاوة على ذلك هناك ما يؤكد تزوير هذا الكتاب، إذ ليس هو الكتاب الوحيد الذي يزوّر على لسان الصحابة، فهذه عائشة ﵁، تُتهم بأنها كتبت إلى الناس تأمرهم بالخروج على عثمان فتنفي وتقول: لا والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون ما كتبت لهم سواداً في بياض حتى جلست مجلسي هذا (٢) وما تلك اليد الخفية التي كانت تخط وراء الستار لتوقع الفرقة بين المسلمين، وتضع في سبيل ذلك الكتب على لسان الصحابة وتدبر مكيدة الكتاب المرسل إلى عامل عثمان على مصر، وتستغل الأمور لتقع الفتنة بالفعل إلا يد ذلك اليهودي الخبيث وأتباعه، فهم المحركون للفتنة. يقول عنه الشيخ الدكتور إحسان إلهي ظهير (ولقد أجمع المؤرخون قاطبة شيعة كانوا أم أهل السنة، أن الذي أضرم نار الفتنة والفساد، ومشى بين المدن والقرى بالتحريض والإغراء على أمير المؤمنين، وخليفة المسلمين عثمان بن عفان، ذي النورين ﵁، كان هذا اللعين وشرذمته اليهودية، وهم الذين أوقدوا نار العصيان، وأشعلوها كلما خمدت نيرانها، وكان يتجول من بلدة إلى بلدة، ويتنقل من قرية إلى قرية،) (٣) ولنذكر لك أخي القاري الكريم مجموعة من التهم الملفقة التي وجهت إلي سيدنا عثمان بن عفان ﵁، والتي استحلوا بها دمهُ ﵀ ورضي عنه وأرضاه، وقتل مظلوماً في داره، وهو الشهيد التقي النقي الذي تجاوز الثمانين من عمره وقطعت كف زوجته نائلة وهي تدافع عنه، كما سنرويه لك مفصلاً في هذا الباب وكان مقتلهُ بمثابة الشرارة الكبرى في

стр. 17

إشعال نار الفتنة في صدر الإسلام، وهذا العلامة القاضي أبي بكر بن العربي المالكي ﵀ المتوفى سنة ٥٤٣هـ ذكر هذه التهم السبئية وقام بتفنيدها واحدة تلو الأخرى فجزاهُ الله عن الصحابة خير الجزاء. التهم السبئية الموجهة ضد عثمان ﵁ ١- ضربه لعمار حتى فتق أمعاءه ٢- ضربه لابن مسعود حتى كسر أضلاعه ومنعه عطاءه ٣- ابتدع في جمع القرآن وتأليفه وفي حرق المصاحف ٤- وحمى الحمى ٥- أجلى أبا ذر إلى الربذه ٦- أخرج من الشام أبا الدر داء ٧- رد الحكَمَ بعد أن نفاه رسول الله ﷺ ٨- أبطل سنة القصر في الصلوات في السفر ٩- ولىّ معاوية بن أبي سفيان ١٠- ولىّ عبد الله بن عامر بن كريز. ١١-ولىّ مروان بن الحكم. ١٢- ولى الوليد بن عقبة بن معيط. ١٣- أعطى مروان خُمس أفريقية. ١٤- كان عمر يضرب بالدرة وهو يضرب بالعصا. ١٥- وعلا على درجة الرسول ﷺ وقد أنحط عنها أبو بكر وعمر. ١٦- لم يحضر بدراً، وانهزم يوم أحد, وغاب عن بيعة الرضوان. ١٧- لم يقتل عبيد الله بن عمر بالهرمزان (الذي أعطى السكين إلى أبي لؤلؤة، وحرضه على عمر حتى قتله) ١٨- وكتب مع عبده على جمله كتابًا إلى ابن أبي السرح في قتل من ذكر فيه (١) الرد على هذه التهم الملفقة ضد سيدنا عثمان ﵁ الرد على التهمة الأولى: -

стр. 18

يقول القاضي بن العربي ﵀:هذا كله باطل سنداً ومتناً لو أنه فتق أمعاءه ما عاش أبداً. وقد علق على ذلك محب الدين الخطيب في الحاشية فقال:"وقد روى الطبري (٥ / ٩٩) عن سعيد بن المسيب أنه كان بين عمار وعباس بن عتبة بن أبي لهب خلاف حمل عثمان على أن يؤدبهما عليه بالضرب. قلت هذا مما يفعله ولي أمر في مثل هذه الأحوال قبل عثمان وبعده، كما فعل عمر مثل ذلك بأمثال عمار ومن هم خير من عمار بما له من حق الولاية على المسلمين، ولما نظم السبئيون حركة الإشاعات، وصاروا يرسلون الكتب من كل مصر إلى الأمصار الأخرى بالأخبار الكاذبة فأشار الصحابة على عثمان بأن يبعث رجالاً ممن يثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليه بحقيقة الحال تناسى عثمان ما كان من عمار فأرسله إلى مصر ليكون موضع ثقته في كشف حالها. فأبطأ عمار في مصر والتف به السبئيون ليستميلوه إليهم، فتدارك عثمان وعامله على مصر هذا الأمر وجئ بعمار إلى المدينة مكرماً وعاتبه لما قدم عليه فقال له (يا أبا اليقضان قذفت ابن أبي لهب أن قذفك وغضبت علي أن أخذت لك بحقك وله بحقه اللهم قد وهبت ما بيني وبين أمتي من مظلمة اللهم إني متقرب إليك بإقامة حدودك في كل أحد ولا أبالي، اخرج عني يا عمار.وقال شيخ الإسلام ابن تيميه في منهاج السنة (٣/١٩٢-١٩٣) عثمان أفضل من كل من تكلم فيه، هو أفضل من ابن مسعود وعمار وأبي ذر ومن غيرهم من وجوه كثيرة كما ثبت ذلك بالدلائل فليس جعل كلام المفضول قادحاً في الفاضل بأولى من العكس، وكذلك ما نقل من ُتكلم عمار في عثمان وقول الحسن فيه (أي في عمار) نقل أن عمار قال: لقد كفر عثمان كفرة صلعاء. فأنكر الحسن بن علي ذلك عليه وكذلك علي وقال له: يا عمار، أتكفر برب آمن به عثمان؟ قال ابن تيميه: وقد تبين من ذلك أن الرجل المؤمن الذي هو ولي لله قد يعتقد كفر الرجل المؤمن الذي هو ولي لله،ويكون مخطئ في هذا الاعتقاد ولا يقدح هذا في إيمان

стр. 19

واحد منهما وولايته. وكما ثبت في الصحيح أن أسيد بن حضير قال لسعد بن عبادة بحضرة النبي ﷺ : إنك منافق تجادل عن المنافقين كما قال عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال ﷺ : (إنه قد شهد بدراً وما يدريك لعل الله أطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) فعمر أفضل من عمار وعثمان أفضل من حاطب بن أبي بلتعة بدرجات كثيرة. وحجة عمر فيما قال لحاطب أظهر من حجة عمار, مع هذا فكلاهما من أهل الجنة فكيف لا يكون عثمان وعمار من أهل الجنة وإن قال أحدهما للآخر ما قال؟ مع أن طائفة من العلماء أنكروا أن يكون عمار قال ذلك ثم قال شيخ الإسلام: وفي الجملة فإذا قيل أن عثمان ضرب ابن مسعود أو عمار فهذا لا يقدح في أحد منهم فإنا نشهد أن الثلاثة في الجنة وأنهم من أكابر أولياء الله المتقين، وأن ولي الله قد يصدر عنه ما يستحق عليه العقوبة الشرعية , فكيف بالتعزير، وقد ضرب عمر بن الخطاب أبي بن كعب بالدرة لما رأى الناس يمشون خلفه وقال: (هذه ذله للتابع وفتنة للمتبوع) " (١) الرد على التهمة الثانية: -

стр. 20

هذا القاضي أبو بكر ابن العربي المتوفى ٥٤٣هـ ﵀ يرد على هذه التهمه فيقول: أما ضرب عثمان لابن مسعود فهو زور وكذب، وعند ولاية عثمان كان ابن مسعود والياً لعمر على أموال الكوفة وسعد بن أبي وقاص واليًا على صلاتها وحربها فاختلف سعد وابن مسعود على قرض استقرضه سعد فعزل عثمان سعداً وأبقى ابن مسعود إلى هنا لا يوجد بين ابن مسعود وخليفته إلا الصفو، فعزم عثمان على تعميم مصحف واحد في العالم الإسلامي يجمع أصحاب رسول الله ﷺ -على أنه هو المصحف الكامل الموافق لآخر عرضة عرض بها كتاب الله على رسوله ﷺ -قبل وفاته , وكان ابن مسعود يود لو أن كتابة المصحف أنيطت به وكان أيضاً يود لو يبقى مصحفه الذي كان يكتبه لنفسه فيما مضى، فجاء عمل عثمان على خلاف ما كان يود ابن مسعود في الحالتين: أما اختيار عثمان زيد بن ثابت لكتابة المصحف الموحد فلأن أبا بكر وعمر اختاراه قبل ذلك لهذا العمل في خلافة أبي بكر بل إن أبا بكر وعمر اختارا زيد بن ثابت لأنه هو الذي حفظ العرضة الأخيرة لكتاب الله على الرسول ﷺ قبيل وفاته , فكان عثمان على حق في هذا وهو يعلم كما يعلم سائر الصحابة - مكانة ابن مسعود وعلمه وصدقه وإيمانه ثم أن عثمان كان على حق في غسل المصاحف الأخرى كلها ومنها مصحف ابن مسعود لأن توحيد كتابة المصحف على أكمل ما كان في استطاعة البشر هو من أعظم أعمال عثمان بإجماع الصحابة وكانت جهود الصحابة في كل ذلك مع عثمان على ابن مسعود (١) الرد على التهمة الثالثة: -

стр. 21

وهذا الشيخ محب الدين عندما علق على رد ابن العربي أثناء ردهِ على هذه التهمة فقال: (العناية التي بذلها عظيما الإسلام أبو بكر وعمر , وأتمها أخوهما وصنوهما ذو النورين عثمان في جمع القرآن وتثبيته ورسمه، وكان لهم بها أعظم المنة على المسلمين , وبها حقق الله وعده، في قوله سبحانه" إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " وقد تولى الخلافة بعد هؤلاء الشيوخ الثلاثة أمير المؤمنين علي فأمضى عملهم وأقر مصحف عثمان برسمه وتلاوته في جميع أمصار ولايته , وبذلك انعقد إجماع المسلمين في الصدر الأول على أن ما قام به أبو بكر وعمر وعثمان هو أعظم حسناتهم. بل نقل بعض علماء الشيعة هذا الإجماع على لسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. وجاء في كتاب تاريخ القرآن لأبي عبد الله الزنجاني (ص ٤٦) من شيعة عصرنا أن علي بن موسى المعروف بابن الطاووس (٥٨٩- ٦٦٤) وهو من علمائهم نقل في كتابه (سعد السعود) عن الشهرستاني في مقدمة تفسيره عن سويد بن غفلة قال سمعت علي بن أبي طالب ﵁ -يقول: "أيها الناس الله الله إياكم والغلو في أمر عثمان وقولكم حرّا ق المصاحف فو الله ما حرقها إلا عن ملأ من أصحاب رسول الله ﷺ , جمعنا وقال: ما تقولون في هذه القراءة التي أختلف الناس فيها. يلقى الرجل يقول قراءتي خير من قراءتك: وهذا يجر إلى الكفر؟ فقلنا ما الرأي؟ قال: أريد أن أجمع الناس على مصحف واحد , فإنكم إن أخلفتم اليوم كان من بعدكم أشد اختلافاً فقلنا نعمّا رأيت "، ومما لا ريب فيه أن البغاة أنفسهم كانوا في خلافة علي ﵁ يقرأون في مصاحف عثمان التي أجمع عليها الصحابة وعلي فيهم) (١) . الرد على التهمة الرابعة: -

стр. 22

يقول ابن العربي: (وأما الحمى فكان قديماً فيقال أن عثمان زاد فيه لما زادت الرعية: وإذ جاز أصله للحاجة إليه جازت الزيادة لزيادة الحاجة) (١) ويقول محب الدين الخطيب: كان الشريف في الجاهلية إذا نزل أرضاً في حيه استعوى كلباً، فحمى لخيله وإبله وسوائمهِِ مدى عواء الكلب لا يشركه فيه غيره. فلما جاء الإسلام نهى النبي ﷺ عن ذلك واختص الحمى بإبل الزكاة المرصدة للجهاد والمصالح العامة فقال ﷺ لا حمى إلا لله ورسوله) رواه البخاري (٢) الرد على التهمة الخامسة: - يقول القاضي ابن العربي أثناء تفنيدهِ لهذهِ الشبهة: (وأما نفيه أبا ذر إلى الربذة فلم يفعل وكان أبو ذر زاهداً وكان ُيقرِّع عمال عثمان، ويتلو عليهم " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذابٍ اليم " التوبة [٣٤] ويراهم يتوسعون في المراكب والملابس حين وجدوا، فينكر ذلك عليهم، ويريد تفريق جميع ذلك من بين أيديهم، وهو غير لازم. قال ابن عمر وغيرهُ من الصحابة: إن ما أديت زكاته فليس بكنز، ... إلى أن قال ابن العربي وكلٌ على خير وبركة وفضل، وحال ُ أبي ذر أفضل. ولا تمكن لجميع الخلق، فلو كانوا عليها لهلكوا فسبحان مرتب المنازل) (٣) الرد على التهمة السادسة: - (ووقع بين أبي الدر داء ومعاوية كلام، وكان أبو الدر داء زاهداً فاضلاً قاضياً لهم، فلما اشتد في الحق وأخرج طريقة عمر في قوم لم يحتملوها عزلوه فخرج إلى المدينة، وهذه كلها مصالح لا تقدح في الدين، ولا تؤثر في منزلة أحد من المسلمين بحال، وأبو ذر وأبو الدر داء بريئان من عاب، وعثمان برئ أعظم براءة وأكثر نزاهة فمن روى أنه نفى وروى سبباً فهو كله باطل) (٤)

стр. 23

الرد على التهمة السابعة: - وهذه التهمة يقول عنها القاضي أبو بكر بن العربي ﵀: (وأما ردُّ الحَكَم فلم يصح) . وعلق محب الدين علي كلام ابن العربي بقول: شيخ الإسلام بن تيميه في منهاج السنة ٣/١٩٦: (طعن كثير من أهل العلم في نفيه وقالوا ذهب باختياره وقصة نفي الحكم ليست في الصحاح وليس لها إسناد يعرف به أمرها..... وقالوا هو ذهب باختياره ... وإذا كان النبي ﷺ -قد عزر رجلاً بالنفي لم يلزم أن يبقى منفيًا طول الزمان فإن هذا لا يعرف في شيء من الذنوب , ولم تأتِ الشريعة بذنب يبقي صاحبه منفيا دائما) (١) . الرد على التهمة الثامنة: - (أما ترك القصر فاجتهاد , إذ سمع أن الناس افتتنوا في القصر وفعلوا ذلك في منازلهم ,فرأى أن السنة ربما أدَّت إلى إسقاط الفريضة فتركها خوف الذريعة مع أن جماعة من العلماء قالوا: إن المسافر مخير بين القصر والإتمام , واختلف في ذلك الصحابة) (٢) الرد على التهمة التاسعة: - (أما معاوية فعمرُ ولاه , وجمع له الشامات كلها وأقرّه عثمان بل إنّما ولاه أبو بكر الصدَّيق ﵁. لأنه ولى أخاه يزيداً واستخلفه يزيد , فأقَّره عمرُ لتعلقه بولاية أبي بكر لأجل استخلاف واليه له , فتعلَّق عثمان بعمر واقرَّه.) (٣) الرد على التهمة العاشرة: -

стр. 24

(أما عبد الله بن [عامر بن] كريز فولاَّه لأنه كريم العمات والخالات) (١) يقول محب الدين الخطيب: فهو عبشمي الآباء وهاشمي الخئولة وكان سخياً كريماً شجاعاً افتتح خرسان كلها وأطراف فارس وسجستان وكرمان وقضى على يزد جرد بن شهريار آخر ملوك فارس وقال عنه ابن كثير: هو أول من اتخذ الحياض بعرفة لحجاج بيت الله الحرام وأجرى إليها الماء المعين (٢) الرد على التهمة الحادية عشر: - (وأما قول القائلين في مروان والوليد فشديد عليهم، وحكمهم عليهما بالفسق فسقٌ منهم، مروان بن الحكم رجل عادل من كبار الأُمة عند الصحابة التابعين وفقهاء المسلمين. أما الصحابة فإن سهل بن سعد الساعد ي روى عنه وأما التابعين فأصحابه في السن وإن جازهم باسم الصحبة في أحد القولين. وأما فقهاءُ الأمصار فكلهم على تعظيمه واعتبار خلافته والتلفت إلى فتواه والانقياد إلى روايته. وأما السفهاءُ من المؤرخين والأدباء يقولون على أقدارهم) (٣) الرد على التهمة الثانية عشر: -

стр. 25

(وأما تولية الوليد بن عقبة فإن الناس على فساد النيات – أسرعوا إلى السيئات قبل الحسنات.فذكر الإفترائيون أنه إنما ولاه للمعنى الذي تكلم به.قال عثمان: ما وليتُ الوليد لأنه أخي وإنما ولَّيته لأنه ابن أُم حكيم البيضاء عمة رسول الله ﷺ وتوأمة أبيه) وعلق الشيخ محب الدين الخطيب على كلام ابن العربي في الحاشية قائلاً: (قد يظن من لا يعرف صدر هذه الأمة إن أمير المؤمنين عثمان جاء بالوليد بن عقبة من عرض الطريق فولاه الكوفة. أما الذين أنعم الله عليهم بنعمة الأنس بأحوال ذلك العصر وأهله فيعلمون أن دولة الإسلام الأولى في الخلافة أبي بكر تلقفت هذا الشاب الماضي العزيمة الرضي الخلق الصادق الإيمان فاستعملت مواهبه في سبيل الله إلى أن توفي أبو بكر، وأول عمل له في خلافة أبي بكر أنه كان موضع سر في الرسائل الحربية التي دارت بين الخليفة وقائده خالد بن وليد في وقعة المذار مع الفرس سنة ١٢ (الطبري ٤: ٧) ، ثم وجهه مدداً إلى قائده عياض بن غنم الفهري (الطبري ٤: ٢٢) وفي سنة ١٣ كان الوليد يلي لأبي بكر صدقات قضاعة , ثم لما عزم الصديق على فتح الشام كان الوليد عنده بمنزلة عمرو بن العاص في الحرمة والثقة والكرامة , فكتب إلى عمرو بن العاص وإلى الوليد بن عقبة يدعوهما لقيادة فيالق الجهاد , فسار ابن العاص بلواء الإسلام نحو فلسطين , وسار الوليد بن عقبة قائداً إلى شرق الأردن (الطبري ٤: ٢٩-٣٠) , ثم رأينا الوليد في سنة ١٥ أميراً على بلاد بني تغلب وعرب الجزيرة (الطبري ٤: ١٥٥) يحمي ظهور المجاهدين في شمال الشام لئلا يؤتوا من خلفهم , فكانت تحت قيادته ربيعة وتنوخ مسلمهم وكافرهم. وانتهز الوليد بن عقبة فرصة ولايته وقيادته على هذه الجهة التي كانت لا تزال مليئة بنصارى القبائل العربية فكان – مع جهاده الحربي وعمله الإداري – داعياً إلى الله يستعمل جميع أساليب الحكمة والموعظة الحسنة لحمل نصارى إياد

стр. 26

وتغلب على أن يكونوا مسلمين كسائر العرب.) (١) الرد على التهمة الثالثة عشر: - (وأما إعطاؤه خُمس أفريقية لواحد فلم يصح. على أنه قد ذهب مالك وجماعة إلى أن الأمام يرى رأيه في الخُمس، وينفذ فيه ما أداهُ إليه اجتهاده، وأنَّ إعطاءه لواحد جائز) (٢) الرد على التهمة الرابعة عشر: - (وأما قولهم إنه ضرب بالعصا فما سمعته مما أطاع أو عصى، وإنما هو باطل يحكى وزور ُينثي (٣) فيالله وللنهى) (٤) الرد على التهمة الخامسة عشر: - (كان مسجد رسول الله ﷺ ضيق المساحة في عصر النبوة وخلافة أبي بكر وكان من مناقب عثمان في زمن النبي ﷺ -عندما زاد عدد الصحابة أن اشترى من مالهِ مساحة من الأرض وسع بها المسجد النبوي ثم وسعه أمير المؤمنين عمر فأدخل فيه دار العباس بن عبد المطلب. ثم ازداد عدد المصلين بازدياد عدد سكان المدينة وقاصديها فوسعه أمير المؤمنين عثمان مرة أخرى وجعل طوله ستين ومائة ذراع وعرضه خمسين ومائة ذراع وجدد بناءه. فاتساع المسجد وازدياد غاشيته وبعد أمكنة بعضهم عن منبر الخطابة يجوز أن يكون من ضرورات ارتفاع الخطيب ليراهم ويروه ويسمعوه) (٥) الرد على التهمة السادسة عشر: -

стр. 27

(قد أخرج الإمام البخاري من حديث عثمان بن عبد الله بن موهب قال: جاء رجل من أهل مصر يريد حج البيت فرأى قوماً جلوساً فقال: من هؤلاء القوم؟ قالوا: هؤلاء قريش , قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا عبد الله بن عمر. قال: يا ابن عمر , إني سائلك عن شيء فحدثني عنه. هل تعلم أن عثمان فرَّ يوم أحد؟ قال: نعم. فقال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم. قال: تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال الله أكبر! قال ابن عمر , وتعال أبين لك. أما فرارهُ يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر (١) له. وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنتُ رسول الله ﷺ وكانت مريضة فقال له رسول الله ﷺ إن لك أجر رجل ممن شهد بدر وسهمه. وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحدٌ أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه , فبعث رسول الله ﷺ -عثمان وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى (هذه يد عثمان) فضرب بها على يده فقال (هذه لعثمان) ثم قال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك) (٢) . الرد على التهمة السابعة عشر: -

стр. 28

(وأما امتناعه عن قتل عبيد الله بن عمر بن خطاب بالهرمزان فإن ذلك باطل فإن كان لم يفعل فالصحابة متوافرون والأمر في أوله وقد قيل: إن الهرمزان سعى في قتل عمر , وحمل الخنجر وظهر تحت ثيابه وكان قتل عُبيد الله لهُ وعثمان لم يلي بعد، ولعل عثمان كان لا يرى على عبيد الله حقاً لما ثبت عنده من حال الهرمزان وفعله، وأيضاً فإن أحدًا لم يقم بطلبه، وكيف يصح مع هذه الاحتمالات كلها أن ينظر في أمر لم يصح؟) (١) الرد على التهمة الثامنة عشر: - (وأما تعلُّقهم بأن الكتاب وجد مع راكب ,أو مع غلامه - ولم يقل أحد قط إنه كان غلامه - إلى عبد الله بن سعد بن أبي سرح. يأمره بقتل حامليه , فقد قال لهم عثمان: إما أن تقيموا شاهدين على ذلك وإلا فيميني أني ما كتبت ولا أمرت، وقد يكتب على لسان الرجل , ويضرب على خطه , وينقش على خاتمه) (٢) . وقد قال: شيخ الإسلام بن تيميه (كل ذي علم بحال عثمان يعلم أنه لم يكن ممن يأمر بقتل محمد بن أبي بكر ولا أمثاله , ولا عرف منه قط أنه قتل أحداً من هذا الضرب , وقد سعوا في قتله (أي في قتل أمير المؤمنين عثمان) ودخل عليه محمد فيمن دخل وهو لا يأمر بقتالهم دفعاً عن نفسه , فكيف يبتدئ بقتل معصوم الدم) (٣) حصار عثمان ﵁

стр. 29

يقول ابن كثير" كان حصار عثمان مستمراً من أواخر ذي القعدة إلى يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة، فلما كان قبل ذلك بيوم، قال عثمان للذين عنده في الدار من المهاجرين والأنصار، وكانوا قريباً من سبعمائة، فيهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين ومروان وأبو هريرة، وخلق من مواليه، ولو تركهم لمنعوه فقال لهم: أقسم على من لي عليه حق أن يكف يده وأن ينطلق إلى منزله، وعنده من أعيان الصحابة وأبنائهم جم غفير وقال لرقيقه: من أغمد سيفه فهو حر فبرد القتال من داخل، وحمي من خارج، واشتد الأمر، وكان سبب ذلك أن عثمان رأى في المنام رؤيا دلت على اقتراب أجله فاستسلم لأمر الله رجاء موعوده، وشوقاً إلى رسول الله ﷺ -وليكون خير ابني آدم حيث قال حين أراد أخوه قتله: إني أريدُ أن تبوء بإثْمِي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاءُ الظّالمين " (١) " المائدة:٢٩ "

стр. 30

ويقول ابن الأثير: (كان بمصر محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حُذيفة يحرضان على عثمان. فلما خرج المصريون خرج فيهم عبد الرحمن بن عديس البلوي في خمسمائة وقيل ألف وفيهم كنانة بن بشير الليثي , وسودان بن حمران وقتيرة بن فلان السكوني وعليهم جميعاً الغافقي بن حرب العكي , وخرج أهل الكوفة وفيهم زيد بن صوحان العبد ي , والأشتر النخعي وزياد بن النضر الحارثي وعبد الله بن الأصم العامر ي وهم في عداد أهل مصر، وخرج أهل البصرة وفيهم حكيم بن جبلة العبد ي وذريح بن عباد وبشر بن شريح القيسي وابن المحترش وهم بعداد أهل مصر وأميرهم حرقوص بن زهير السعدي , فخرجوا جميعاً في شوال من سنة ٣٥ هـ وأظهروا أنهم يريدون الحج , فلما كانوا من المدينة على ثلاث , تقدم ناس من أهل البصرة فنزلوا ذا خُشب وكان هواهم في طلحة , وتقدم ناس من الكوفة وكان هواهم في الزبير وتركوا الأعوص وجاءهم ناس من أهل مصر وكان هواهم في علي ونزلوا عامتهم بذي المروة ومشى فيما بين أهل مصر وأهل البصرة زياد بن النضر , وعبد الله بن الأصم , وقالا لهم: لا تعجلوا حتى ندخل المدينة ونرتاد لكم فقد بلغنا أنهم عسكروا لنا , فوالله إن كان هذا حقاً استحلوا قتالنا بعد علم حالنا إنِّ أمرنا لباطل , وإن كان الذي بلغنا باطلاً رجعنا إليكم بالخبر. قالوا: اذهبا. فذهبا فدخلا فلقيا أزواج النبي ﷺ -وعلياً وطلحة والزبير , فقالا: إنما نريد هذا البيت ونستعفي من بعض عمالنا , استأذناهم في الدخول فكلمهما أُبىّ ونهاهما ,فرجعا إلى أصحابهما. فاجتمع نفر من أهل مصر فأتوا علياً, ونفر من أهل البصرة فأتوا طلحة ونفر من أهل الكوفة فأتوا الزبير , وقال كل فريق منهم:إن بايعنا صاحبنا وإلا ّكذبناهم وفرقنا جماعتهم , ثم رجعنا عليهم حتى نبغتهم فأتى المصريون علياً وهو في عسكر عند أحجار الزيت متقلداً سيفه , وقد أرسل ابنه الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه , فسلموا عليه

стр. 31

وعرضوا عليه فصاح بهم وطردهم وقال: لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وجيش ذي خُشُب والأعوص ملعونون على لسان محمد ﷺ , فانصرفوا عنه. وأتى البصريون طلحة فقال لهم مثل ذلك وكان قد أرسل أبنيه إلى عثمان , وأتى الكوفيون الزبير فقال لهم مثل ذلك وكان قد أرسل ابنه عبد الله إلى عثمان فرجعوا وتفرقوا عن ذي خُشُب وذي المروة والأعوص إلى عسكرهم ليتفرق أهل المدينة ثم يرجعوا إليهم. فلما بلغوا عسكرهم تفرق أهل المدينة فرجعوا إليهم فلم يشعر أهل المدينة إلا والتكبير في نواحيها ونزلوها وأحاطوا بعثمان وقالوا: من كف يده فهو آمن وصلى عثمان بالناس أياماً ولزم الناس بيوتهم وهم يصلون خلفه وهم في عينه أدق من التراب , وكانوا يمنعون الناس من الاجتماع ولما جاءت الجمعة التي على أثر دخولهم خرج عثمان فصلى بالناس ثم قام على المنبر فقال: يا هؤلاء الله , الله فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد ﷺ , فامحوا الخطأ بالصواب. فقام محمد بن مسلمة فقال: أنا أشهد بذلك فأقعده حكيم بن جبلة , وقام زيد بن ثابت فأقعده محمد بن أبي قتيرة وثار القوم بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد وحصبوا عثمان حتى ُصرع عن المنبر مغشياً عليه فأُدخل داره , ثم صلى عثمان بالناس بعدما نزلوا به في المسجد , ثم منعوه الصلاة وصلى بالناس أميرهم الغافقي , وتفرّق أهل المدينة في حيطانهم , ولزموا بيوتهم لا يجلس أحد ولا يخرج إلا بسيفه ليمتنع به وكان الحصار أربعين يوماً ومن تعرض لهم وضعوا فيه السلاح) (١) وهناك بعض الروايات تفيد أن عثمان ﵁ أرسل إلى الأمصار يطلب منهم العون بعد أن اشتد عليه التضييق والحصار وهذا خبر لا يصح منه شيء لأن منهج عثمان ﵁ -كان الصبر والكف عن القتال امتثالا لوصية الرسول - صلى الله

стр. 32

عليه وسلم - له وذلك لحديث عائشة رضى الله عنها قالت: (لما كان يوم الدار قيل لعثمان: ألا تقاتل؟ قال: قد عاهدت رسول الله ﷺ -على عهد سأصبر عليه , قالت عائشة: فكنا نرى أن رسول الله ﷺ -عهد إليه فيما يكون من أمره) (١) لهذا وضع مصلحة الرعية في المقام الأول، روى الطبري إن معاوية قال لعثمان بن عفان (يا أمير المؤمنين انطلق معي إلى الشام قبل أن يهجم عليك من لا قبل لك به فإن أهل الشام على الأمر لم يزالوا فقال أنا لا أبيع جوار رسول الله بشيء وإن كان فيه قطع خيط عنقي قال فابعث إليك جندا منهم يقيم بين ظهراني أهل المدينة لنائبة إن نابت المدينة أو إياك؟ قال أنا لا أقتر على جيران رسول الله الأرزاق بجند تساكنهم وأضيق على أهل دار الهجرة والنصرة قال والله يا أمير المؤمنين لتغتالن أو لتغزين قال حسبي الله ونعم الوكيل) (٢) وإلى جانب صبره واحتسابه حفظاً لكيان الأمة من التمزق والضياع وقف عثمان- ﵁ موقف آخر أشد صلابة وهو عدم إجابته الخارجين إلى خلع نفسه من الخلافة فلو أجابهم إلى ما يريدون لسن بذلك سنة , وهي كلما كره قوم أميرهم خلعوه , ومما لا شك فيه أن هذا الصنيع من عثمان كان أعظم وأقوى ما يستطيع أن يفعله إذ لجأ إلى أهون الشرين وأخف الضررين ليدعم بهذا الفداء نظام الخلافة الإسلامية ولهذا احتج عثمان ﵁ -على المحاصرين بقوله: إن وجدتم في الحق أن تضعوا رجلي في قيد فضعوها (٣) ، وفي هذه الظروف العصيبة التي عان منها هذا الشيخ الذي جاوز الثمانين من عمره فهو يتصرف مع هذه الأزمة بحكمة وصبر كما وصاه رسول الله فقد ثبت إن الرسول قال لعثمان (يا عثمان إن ولاك الله هذا الأمر يوما فأرادك المنافقون أن تخلع قميصك الذي قمصك الله فلا

стр. 33

تخلعه يقول ذلك ثلاث مرات قال النعمان: فقلت لعائشة ما منعك أن تعلمي الناس بهذا قالت أنسيته) (١) يقول ابن كثير: (ولهذا صمموا على حصره والتضييق عليه، حتى منعوه الميرة والماء والخروج إلى المسجد، وتهددوه بالقتل، ولهذا خاطبهم بما خاطبهم به من توسعة المسجد وهو أول من منع منه، ومن وقفه بئر رومه على المسلمين وهو أول من منع ماءها، ومن أنه سمع رسول الله يقول: " لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث، النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة" وذكر أنه لم يقتل نفساً، ولا ارتد بعد إيمانه، ولا زنى في جاهلية ولا إسلام، بل ولامسَّ فرجه بيمينه بعد أن بايع بها رسول الله ﷺ ، وفي رواية بعد أن كتب بها المفصل، ثم ذكر لهم من فضائله ومناقبه ما لعله ينجع فيهم بالكف عنه والرجوع إلى الطاعة لله ولرسوله ولأولي الأمر منهم، فأبوا إلا الاستمرار على ما هم عليه من البغي والعدوان، ومنعوا الناس من الدخول إليه) (٢) واستمر الحصار عليه ﵁ -حتى أنهم منعوا عنه الماء , فوصل الخبر إلى أمهات المؤمنين فجاءت أم حبيبة ﵂ وكانت من أقارب عثمان فأخذت الماء وجعلته تحت ثوبها , وركبت بغله وحولها حشمها وخدمها، فقالوا: ما جاءبك؟ فقالت: إن عنده وصايا بني أمية لأيتام وأرامل، فأحببت أن أذكره بها، فكذبوها في ذلك ونالها منهم شدة عظيمة، وقطعوا حزام البغلة وندَّت بها، وكادت أو سقطت عنها، وكادت تقتل لولا تلاحق بها الناس فأمسكوا بدابتها، ووقع أمر كبير جداً، ولم يبق يحصل لعثمان وأهله من الماء إلا ما يوصله إليهم آل عمرو بن حزم في الخفية ليلاً فإنا لله وإنا إليه راجعون (٣) ، واستمر الحصار

стр. 34

على عثمان ﵁ وكان خلال هذه المدة في غاية الشجاعة وضبط النفس رغم قسوة الظروف ورغم الحصار , ولطالما كان يطل على المحاصرين ويخطب فيهم ويذكرهم بمواقفه لعلهم يلينون لكنهم لم يفعلوا. روى الطبري عن أبي سعيد مولى أبي أسيد الأنصاري. (قال: أشرف عليهم عثمان ﵁ -ذات يوم فقال: السلام عليكم قال فما سمع أحد من الناس رد عليه إلا أن يرد رجل في نفسه فقال: أنشدكم بالله هل علمتم أني اشتريت بئر رومه من مالي يستعذب بها فجعلت رشائي منها كرشاء رجل من المسلمين؟ قال: قيل نعم قال فما يمنعني أن أشرب منها حتى أفطر على ماء البحر قال أنشدكم الله هل علمتم أني اشتريت كذا وكذا من الأرض فزدته في المسجد قيل نعم قال فهل علمتم أحداً من الناس منع أن يصلي فيه من قبلي؟ قال: أنشدكم الله هل سمعتم نبي الله يذكر كذا وكذا أشياء بشأنه إلى أن قال فوعظهم وذكرهم فلم تأخذ فيهم الموعظة وكان الناس تأخذ فيهم الموعظة أول ما يسمعونها فإذا أعيدت عليهم لم تأخذ فيهم قال ثم أنه فتح الباب ووضع المصحف بين يديه قال وذاك أنه رأى من الليل أن نبي الله يقول افطر عندنا الليلة) (١) وقال أبو هريرة ﵁ -للذين حاصروا عثمان ﵁ -يوم الدار: (إني سمعت رسول الله ﷺ يقول إنكم تلقون بعدي فتنة واختلافاً , أو قال: اختلافاً وفتنة , فقال له قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله؟ فقال: عليكم بالأمين وأصحابه , وهو يشير إلى عثمان بذلك) (٢) روى ابن ماجة في السنن إن رسول الله ﷺ -قال: (في مرضه وددت أن عندي بعض أصحابي قلنا: يا رسول الله ألا ندعو لك أبا بكر؟ فسكت قلنا: ألا ندعو لك عمر؟ فسكت قلنا: ألا ندعو لك عثمان؟ قال: نعم فجاء فخلا به فجعل النبي ﷺ يكلمه ووجه عثمان

стр. 35

يتغير قال: قيس فحدثني أبو سهلة مولى عثمان أن عثمان بن عفان قال: يوم الدار إن رسول الله ﷺ عهد إلي عهدا فأنا صائر إليه أو قال علي في حديثه وأنا صابر عليه قال قيس فكانوا يرونه ذلك اليوم) ، (١) وكان أهل الفتنة أثناء حصارهم لعثمان في داره ومنعه من الصلاة بالناس , هم الذين يصلون بهم وكان الذي يصلي بالناس الغافقي بن حرب (٢) . وأخرج البخاري في صحيحه عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن , عن عبد الله بن خيار": أنه دخل على عثمان وهو محصور فقال: إنك إمام عامة ونزل بك ما نرى ويصلي بنا إمام الفتنة ونتحرج فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس , فإذا أحسن الناس فأحسن معهم , وإذا أساءوا فأجتنب إساءتهم" (٣) . وحدثت بعض المناوشات بين شباب الصحابة والثوار فخرج خلالها بعض الصحابة أمثال الحسن بن علي وغيره وهذا الخبر يؤيده ما ذكره ابن عبد البر عن كنانة مولى صفية بنت حيي بن الأخطب قال: (شهدت مقتل عثمان , فأخرج من الدار أمامي أربع من شبان قريش ملطخين بالدم محمولين. وكانوا يدرؤون عن عثمان ﵁ وهم: الحسن والحسين أبناء علي, وعبد الله بن الزبير ,ومروان بن الحكم) (٤) . مقتل عثمان ﵁.

стр. 36

يقول ابن كثير: (قال سيف بن عمر التميمي ﵀ عن العيص بن القاسم عن رجل عن الخنساء مولاة أسامة بن زيد وكانت تكون مع نائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان.أنها كانت في الدار ودخل محمد بن أبي بكر وأخذ بلحيته فقال: مهلاً يا بن أخي فوالله لقد أخذت مأخذاً ما كان أبوك ليأخذ به , فتركه وانصرف مستحيياً نادماً فاستقبله القوم على باب الصّفة فردهم طويلاً حتى غلبوه ودخلوا وخرج محمد راجعاً، فأتاه رجل بيده جريدة يقدمهم حتى قام على عثمان فضرب بها رأسه فشجه , فقطر دمه على المصحف حتى لطخه , ثم تعاوروا عليه فأتاه رجل فضربه على الثدي بالسيف , ووثبت نائلة بنت الفرافصة الكلبية فصاحت وألقت نفسها عليه , وقالت يا بنت شيبة أيقتل أمير المؤمنين؟ وأخذت السيف فقطع الرجل يدها , وانتهبوا متاع الدار ومر رجل على عثمان ورأسه مع المصحف فضرب رأسه برجله ونحاه عن المصحف وقال: ما رأيت كاليوم وجه كافر أحسن ولا مضجع كافر أكرم. قال والله ما تركوا في داره شيئاً حتى الأقداح إلا ذهبوا به ويروي ابن كثير عن ابن عساكر أنهُ جاء رجل من كنده من أهل مصر يلقب حماراً ويكنى بأبي رومان , وقال قتادة: اسمه رومان , وقال غيره كان أزرق أشقر , وقيل كان اسمه سودان بن رومان المراد ي. وعن ابن عمر قال كان اسم الذي قتل عثمان أسود بن حمران ضربه بحربة وبيده السيف صلتا ًقال: ثم جاء فضربه في صدره حتى أقعصه. ثم وضع ذباب السيف في بطنه واتكأ عليه وتحامل حتى قتله. وقامت نائلة دونه فقطع السيف أصابعها ﵂. ويقول ابن كثير: وثبت من غير وجه أن أول قطرة من دمه سقطت على قوله تعالى: فسيكفيكهُمُ الله وهو السميع العليم. البقرة: ١٣٧ويروى أنه وصل إليها في التلاوة أيضاً حين دخلوا عليه، وليس ببعيد فإنه كان قد وضع المصحف يقرأ فيه القرآن. قلت: نعم لقد اقتص الله من القتلة الخوراج،" وقد أقسم بعض السلف بالله إنه ما مات أحد من قتلة عثمان

стр. 37

إلا مقتولاً رواه ابن جرير وقال بعضهم: ما مات أحد منهم حتى جن. " ويروى أن محمد بن أبي بكر طعنه بمشاقص في أذنه حتى دخلت في حلقه، والصحيح أن الذي فعل ذلك غيره وأنه استحى ورجع حين قال له عثمان: لقد أخذت بلحيةٍ كان أبوك يكرمها. فتذمر من ذلك وغطى وجهه ورجع وحاجرَ دونه فلم يفد وكان أمر الله قدراً مقدوراً وكان ذلك في الكتاب مسطورا ً وروى ابن عساكر أن عمر وبن الحمق وثب على عثمان فجلس على صدره وبه رمق فطعنه تسع طعنات وقال: أما الثلاث فهن لله وست لما كان في صدري عليه) (١) . يقول ابن كثير: (كانت مدة حصار عثمان في داره أربعين يوماً على المشهور , وكان قتله في يوم الجمعة بلا خلاف وكان ذلك في ثماني ليلة خلت من ذي الحجة سنة ٣٥هـ على الصحيح المشهور , فكانت خلافته اثنتي عشر سنة إلا اثني عشر يوماً، وأما عمره ﵁ فجاوز اثنتين وثمانين سنة , وقيل أربعة وثمانين سنة وقال قتادة: توفي عن ثمان وثمانين أو تسعين سنة. وأما موضع قبره بلا خلاف دفن بحش كوكب شرقي البقيع وقال الإمام مالك: بلغني أن عثمان ﵁ كان يمر بمكان قبره من حش كوكب فيقول: سيدفن هنا رجل صالح وقال البخاري في التاريخ: حدثنا موسى بن إسماعيل عن عيسى بن منهال حدثنا غالب عن محمد بن سيرين قال: كنت أطوف بالكعبة وإذا رجل يقول: اللهم اغفر لي، وما أظن أن تغفر لي، فقلت: يا عبد الله ما سمعتُ أحداً يقول ما تقول، قال: كنت أعطيت لله عهداً إن قدرت أن ألطم وجه عثمان إلا لطمته فلما قتل ووضع على سريره في بيته والناس يجيئون يصلون عليه. فدخلت وكأني أصلي عليه فوجدت خلوة فرفعت الثوب عن وجهه ولحيته ولطمته وقد يبست يميني. قال ابن سيرين رأيتها يابسة كأنها عود) (٢) فرحم الله عثمان ﵁ وأسكنه فسيح الجنان

стр. 38

ذكر ما حدث إثر مقتل عثمان ﵁ يقول الإمام ابن كثير ولما وقع هذا الأمر العظيم , الفضيع الشنيع أسقط في أيدي الناس , فأعظموه جداً وندم أكثر هؤلاء الجهلة الخوارج بما صنعوا , وأشبهوا من تقدمهم ممن قص الله علينا في كتابه العزيز , من الذين عبدوا العجل , في قوله تعالى: (ولما سُقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكو نن من الخاسرين) (١) ولما بلغ الزبير مقتل عثمان وكان قد خرج من المدينة. قال: إنا لله وإنا إليه راجعون وترحم على عثمان وبلغه أن الذين قتلوه ندموا فقال: تباً لهم ثم تلا قوله تعالى: ((ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون. فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون)) (٢) وبلغ علياً قتله فترحم عليه وسمع بندم الذين قتلوه فتلا قوله: ((كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين)) (٣) ولما بلغ سعد بن أبي وقاص قتل عثمان استغفر له وترحم عليه وتلا في حق الذين قتلوه قوله تعالى: ((قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً. الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً) (٤) ثم قال سعد بن أبي وقاص: اللهم اندمهم ثم خذهم (٥) . ومعلوم أن سعداً مستجاب الدعوة وقد ثبت أن الرسول ﷺ -قال: " اللهم استجب لسعد إذا دعاك " (٦) " إذا قال قائل، كيف ُيقتل عثمان بالمدينة وفيها جماعة من كبار الصحابة رضى الله عنهم؟ الجواب: -

стр. 39

إن كثيراً منهم بل أكثرهم أو كلهم لم يكن يظن أنه يبلغ الأمر إلى قتله، فإن أولئك الثوار كانوا يطلبون منه ثلاثة أمور وهي: أما أن يعزل نفسه, أو يسلم إليهم مروان بن الحكم، أن الصحابة مانعوا دونه أشد الممانعة ولكن لما وقع التضييق الشديد عزم عثمان على الناس أن يكفوا أيديهم ويغمدوا أسلحتهم ففعلوا. فتمكن أولئك مما أرادوا. أن هؤلاء الخوارج اغتنموا غيبة كثير من أهل المدينة في أيام الحج أن هؤلاء الخوارج كانوا قريباً من ألفي مقاتل من الأبطال ربما لم تكن هناك قوات عسكرية في المدينة تستطيع ردع هؤلاء الثوار لأن الناس كانوا في الثغور وفي الأقاليم في كل جهة.) (١) نبذه مختصرة عن عثمان بن عفان ﵁ -.

стр. 40

(هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب، أبو عمر وأبو عبد الله القرشي الأموي أمير المؤمنين ذو النورين وصاحب الهجرتين وزوج الابنتين وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن عبد شمس ,أمها أم حكيم وهي البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ -وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة , وأحد الستة أصحاب الشورى , وأحداً الثلاثة الذين خلصت لهم الخلافة من الستة ثم تعينت فيه بإجماع المهاجرين والأنصار ﵁ ,أسلم عثمان قديماً على يدي أبي بكر الصديق , وهاجر إلى الحبشة أول الناس ومعه زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ ثم عاد إلى مكة وهاجر إلى المدينة , فلما كانت وقعة بدر اشتغل بتمريض ابنة رسول الله وضرب له رسول الله بسهمه منه وأجره فيها , فهو معدود فيمن شهدها. فلما توفيت زوجهُ رسول الله بأختها أم كلثوم فتوفيت أيضاً في صحبته وشهد أحداً وشهد الخندق والحديبية وبايع عنه رسول الله بإحدى يديه , وشهد خيبر وعمرة القضاء , وحضر الفتح وهوازن والطائف وغزوة تبوك وجهز جيش العسرة , فقال يومها رسول الله "ما ضر عثمان ما فعل بعد هذا اليوم " مرتين. وحج مع رسول الله حجة الوداع , وتوفي وهو عنه راضٍ ,وصحب أبا بكر فأحسن صحبته , وتوفي وهو عنه راضٍ , وصحب عمر وتوفي وهو عنه راضٍ ونص عليه في أهل الشورى الستة فكان خيرهم , وقد كان ﵁ مليح الوجه كريم الأخلاق ذا حياء كثير , وكرم غزير , يؤثر أهله وأقاربه في الله تأليفاً لقلوبهم من متاع الحياة الدنيا الفاني , لعله يرغبهم في إيثار ما يبقى على ما يفنى , كما كان النبي ﷺ يعطي أقواماً ويدع آخرين , وقد تعنت عليه بسبب هذه الخصلة أقوام , كما تعنت بعض الخوارج على رسول الله في غزوة حنين.) (١) الفصل الثاني
следующие страницы →