Полный текст (156 стр.). Показаны 141–156 · переход к 146.
стр. 141
بالأزلام، ما شأن إبراهيم والأزلام؟ ?وما كان ابراهيم يهودياً ولا نصرانياً، ولكن كان حنيفاً مسلماً، وما كان من المشركين?، [آل عمران: ٦٨] ثم أمر بتلك الصور كلها، فطمست.
قال ابن عباس: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح على راحلته، فطاف عليها، وحول البيت أصنام مشدودة بالرصاص، فجعل النبي ﷺ يشير بقضيب في يده الى الأصنام ويقول: ?جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً? [الاسراء: ٨١] فما أشار الى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقي منها صنم إلا وقع.
ولم تمض على فتح مكة إلا شهور، حتى كانت أصنام جزيرة العرب كلها قد سقطت عن عروشها، وكفر بها عبَّادها، وأصبح من كان يعبدها بالأمس يخجل من تفاهة رأيه إذ كان يعبد حجراً لا يضر ولا ينفع ولا يغني عن حوادث الدهر شيئاً.
لقد قامت رسالة الإسلام أول ما قامت على التشهير بهذه الأصنام الآلهة، والتشنيع على عبادتها والدعوة إلى دين الفطرة: عبادة الله خالق الكون ورب العالمين، وقاومت جزيرة العرب وفي مقدمتها قريش هذه الدعوة، ورأت فيها عجباً عجاباً ?أجعل الآلهة إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب? [ص:٥].
وماجت جزيرة العرب واضطربت لهذا الدين الجديد، وحاولت وأْده والقضاء على رسوله بكل وسيلة، ولكن النصر كان أخيراً لرسول الله ﷺ بعد نضال استمر إحدى وعشرين سنة،
стр. 142
فافتتح عاصمة الوثنية، وحطم آلهتها، وهزم جيوشها، وتغلب على مؤامرات زعمائها، هل يصدق العقل آن ذلك كله قد تم خلال هذه الفترة القصيرة، ولم يكن مع رسول الله ﷺ حين ابتدأ هذه الدعوة إنسان لولا أن يكون الله من ورائها، يهيء كتائبها، ويوجه معاركها؟ ?وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى? [الأنفال: ١٧].
لقد أنهى محمد بن عبد الله مأساة العرب الفكرية التي استمرت زهاء خمسمائة عام أو تزيد، وحرر العقل العربي من أغلال الوثنية وخرافاتها، وأنقذ الكرامة العربية من مهانة الوثنية وحقارتها، وفتح أبواب الخلود للعرب يدخلون منه ثم لا يخرجون، ولقد صدق رسول الله ﷺ حين قال: لا عزى بعدها للعرب، إما إنها لن تعبد بعد اليوم فقد ودعت جزيرة العرب حياة الوثنية إلى الأبد، وبلغ العقل العربي سن الرشد، فلم يعد يرضى بعودته إلى طفولته: طفولة الوثنية التي تحمل صاحبها على أن يضع جبهته عند أقدام حجارة صماء بكماء، ولقد قامت بعد وفاة الرسول ﷺ حروب وفتن، وادعى النبوة من ادعاها، وعارض القرآن من عارضه، ولكنا لم نسمع أن عربياً واحداً فكر في العودة إلى الوثنية وآلهتها، ذلك أن الراشد لن يعود طفلاً، وكل ذلك إنما تم بفضل محمد ﷺ ورسالته، فله على كل عربي إلى انتهاء الدنيا فضل الإنقاذ والتحرير، ثم فضل زيادة الهدى لشعوب الأرض من اتبع الهدى ومن أعرض عنه، وجل الله حين يقول: ?هو الذي بعث في الأميين رسولاً
стр. 143
منهم يتلو عليهم آياته، ويزكّيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين? [الجمعة: ٢].
الفصل السادس - في أهم الأحداث التي وقعت بعد فتح مكة إلى وفاة الرسول ﷺ
غزوة تبوك وأهم ما في هذه الغزوة من عبر ودروس هو ما نوجز الكلام عنه
أولاً- كان سبب هذه الغزوة أن الروم قد جمعت جموعاً كثيرة بالشام، وأن هرقل قد رزق أصحابه سنة، وانضمت اليه من القبائل العربية، لخم، وجذام، وغسان، وعاملة، ثم قدموا طلائعهم إلى البلقاء - كورة من أعمال دمشق بين الشام ووادي القرى، فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ ، ندب الناس للخروج إلى تبوك، ودعاهم إلى التأهب والاستعداد، ودعا الأغنياء إلى البذل والإنفاق.
وهذا يفسر لنا طبيعة الحرب في الاسلام، فهي ليست عدوانية، ولا استفزازية، ولكنها للدفاع عن الدين والبلاد، وردع المعتدين، ومنعهم عن الأذى والفساد، وهذا ما صرحت به آيات كثيرة من القرآن الكريم، وقد تكلمنا عن أسباب مشروعية الحرب في الاسلام، وأهدافه، وطرائقه، في مذكرات السنة الأولى. وفي خروج رسول الله ﷺ إلى تبوك بعد تأهب الروم وجمعهم للجموع تأييد لما قلناه هناك.
стр. 144
وفي انضمام بعض القبائل العربية إلى الروم ضد المسلمين، دليل على أنهم كانوا بعيدين عن فهم الاسلام ورسالته التحريرية للناس عامة وللعرب خاصة، ولو كانوا يعلمون ذلك لأبوا أن يكونوا أعواناً للروم على أبناء قومهم من العرب المسلمين.
ثانياً- لقد كانت دعوة الرسول ﷺ للتأهب في وقت عسر وحر وموسم لجني الثمار، فأما المؤمنون الصادقون، فقد سارعوا إلى تلبيتهم للرسول غير عابئين بمشقة ولا حرمان، وأما المنافقون، فقد تخلفوا، وأخذوا يعتذرون بشتى الأعذار، وهكذا يتبين المخلصون من المنافقين في أيام الشدائد، وينكشف أمر الأدعياء في أيام المحن، وقد قال الله تعالى: ?الم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين? [العنكبوت: ١ - ٣].
وإنما تقوم الدعوات، وتنهض الأمم بتطهير صفوفها من المنافقين والمخادعين، ولا يثبت للشدة إلا كل صادق العزيمة، مخلص النية، ثابت المبدأ، وكثيراً ما عوق الضعاف والمخادعون سير دعوات الاصلاح في الأمة، وحالوا بينها وبين النصر، أو أخروها ولو إلى حين، ولقد تخلص جيش العسرة في غزوة تبوك من أمثال هؤلاء بفضل افتضاح أمرهم، وانكشاف ضعف إيمانهم، وخور عزائمهم، وإن جيشاً متراص الصف، متحد الكلمة، قوي الإيمان، صادق العهد، أجدى للأمة - ولو كان قليل العدد - وأدعى لاكتساب النصر من جيش
стр. 145
كثير العدد، متفاوت الفكرة والقوة والثبات ?كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين? [البقرة: ٢٤٩].
ثالثاً- ان في مسارعة الموسرين من الصحابة إلى البذل والإنفاق، كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وغيرهم، دليلاً على ما يفعله الإيمان في نفوس المؤمنين من مسارعة إلى فعل الخير ومقاومة لأهواء النفس وغرائزها، مما تحتاج إليه كل أمة، وكل دعوة، لضمان النصر على أعدائها، وتأمين الموارد اللازمة لها، وهذا ما نجد أمتنا اليوم أشد الحاجة إليه، فالأعداء كثر، والأعباء ثقيلة، والمعركة رهيبة، والعدو قوي ماكر، فلا نستطيع التغلب عليه إلا بمزيد من التضحيات في الأموال والأنفس والأهواء والشهوات، ولا يحقق ذلك إلا الدين الصحيح المفهوم على حقيقته الذي يربي النفوس على احتساب الانفاق والتعب في سبيل الأمة جهاداً يثيب الله عليه كما يثيب المجاهدين في ميادين النضال.
وخير ما يفعله المصلحون وزعماء النهضات، هو غرس الدين في نفوس الناس غرساً كريماً، وكل مقاومة للدين، أو دعوة إلى التحرر منه، أو تظاهر بالاستخفاف من شأنه، جريمة وطنية تؤدي إلى أسوأ النتائج، وأخطر الآثار، كذلك علمنا الله، وكذلك أثبت لنا التاريخ في الماضي، وأثبتت التجربة في الحاضر، وكل انكار لهذه الحقيقة مغالطة لا يلجأ اليها إلا الذين لم تخلص للحق نفوسهم، ولم تتفتح للخير أفئدتهم، ولم تتحل بالسمو والنبل طباعهم.
رابعاً- وفي قصة الذين جاؤوا الى رسول الله يطلبون أن يأخذهم
стр. 146
معه إلى الجهاد، فردهم لأنه لم يجد ما يحملهم عليه. فولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً على حرمانهم من شرف الجهاد مع رسول الله ﷺ . في هذه القصة التي حكاها الله في كتابه أروع الأمثلة على صنع الإيمان للمعجزات، فطبيعة الانسان أن يفرح لنجاته من الأخطار، وابتعاده عن الحروب، ولكن هؤلاء المؤمنين الصادقين بكوا من أجل ذلك، إذ اعتبروا أنفسهم قد فاتهم حظ كبير من ثواب الله والتعرض للشهادة في سبيله، فأي مبدأ يعمل في النفوس كما فعل الإيمان في نفوس هؤلاء؟ وأي خسارة تلحق بالأمة حين تخلو من أمثال هؤلاء؟
خامساً- وفي قصة الثلاثة الذين تخلفوا عن الجهاد إيثاراً للراحة على التعب، والظل على الحر، والإقامة على السفر، مع أنهم مؤمنون صادقون، درس اجتماعي من أعظم الدروس، فقد استيقظ الإيمان في نفوسهم بعد قليل، فعلموا أنهم ارتكبوا بتخلفهم عن رسول الله والمؤمنون إثماً كبيراً، ومع هذا فلم يعفهم ذلك من العقوبة، وكانت عقوبتهم قاسية رادعة، فقد عزلوا عن المجتمع عزلاً تاماً، ونهي الناس - حتى زوجاتهم - عن كلامهم والتحدث إليهم، ولما علم الله منهم صدق التوبة، وبلغ منهم الندم والألم والحسرة مداه، تاب الله عليهم، فلما بشروا بذلك كانت فرحتهم لا تقدر، حتى انسلخ بعضهم عن ماله وثيابه شكراً لله على نعمة الرضى والغفران.
إن مثل هذه الدروس تمنع المؤمن الصادق في إيمانه عن أن يتخلف عن عمل يقتضيه الواجب أو يرضى لنفسه بالراحة والناس يتعبون،
стр. 147
والنعيم والناس يبتئسون، وتلك هي طبيعة الإيمان: أن تشعر دائماً وأبداً أنك فرد من جماعة، وجزء من كل، وأن ما يصيب الجماعة يصيبك، وما يفيدها يفيدك، وأن النعيم لا معنى له مع شقاء الأمة وبؤسها، والراحة لا لذة لها مع تعب الناس وعنائهم، وأن التخلف عن الواجب نقص في الإيمان، وخلل في الدين، وإثم لا بد فيه من التوبة والانابة.
كما تعطينا القصة درساً بأن العقيدة فوق القرابة، وأن تنفيذ النظام المشروع مقدم على طاعة الهوى والعاطفة، وأن القرابة لا تغني شيئاً إزاء غضب الله ومقته ?فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم? [النور: ٦٣].
الفصل السادس - في أهم الأحداث التي وقعت بعد فتح مكة إلى وفاة الرسول ﷺ
حجّة الوداع
كانت حجة الوداع هي الحجة الوحيدة التي أداها رسول الله ﷺ بعد البعثة، ولما تسامع الناس أن رسول الله ﷺ سيحج في تلك السنة، توافدوا إلى الحج من مختلف أنحاء الجزيرة العربية حتى بلغوا - كما قال بعض المؤرخين - مائة وأربعة عشر ألفاً، ونحسب أن هذا العدد تقديري، وإلا فكيف أمكن إحصاؤهم وتحديد عددهم بهذا القدر؟
وقد خطب رسول الله ﷺ خطتبه الشهيرة التي يجب
стр. 148
أن يحفظها كل طالب علم، لما تضمنته من إعلان المبادئ العامة للاسلام، وهي آخر خطبه ﷺ ، وقد جاء فيها:
"أيها الناس، اسمعوا قولي، لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً" - وهذا من معجزات رسوله ﷺ أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، وحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت، فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها، وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله، وإن كل دم في الجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب - وكان مسترضعاً في بني ليث فقتلته هذيل - فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية.
أما بعد أيها الناس، فان الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبداً، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروا على دينكم.
أيها الناس إن النسيء زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً، ويحرمونه عاماً، ليواطئوا عدة ما حرم الله، فيحلوا ما حرم الله، ويحرموا ما أحل الله، وإن الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق الله السماوات والأرض، وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم: ثلاثة متوالية، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان.
стр. 149
أما بعد أيها الناس فان لكم على نسائكم حقاً، ولهن عليكم حقاً، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة، فان فعلن فان الله قد أذن لكم أن تهجروهنَّ في المضاجع وتضربوهنَّ ضرباً غير مبرح، فان انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيراً، فانهن عندكم عوان، لا يملكن لانفسهن شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله.
فاعقلوا أيها الناس قولي، فاني قد بلغت، وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به، فلن تضلوا أبداً، أمراً بيناً، كتاب الله وسنة نبيه، أيها الناس اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمن أنفسكم، اللهم هل بلغت؟ ".
إن أول ما يلفت النظر في حجة الوداع هذا الجمهور الضخم الذين حضروا مع الرسول ﷺ من مختلف أنحاء الجزيرة العربية، مؤمنين به، مصدقين برسالته، مطيعين لأمره، وقد كانوا جميعاً قبل ثلاثة وعشرين سنة فحسب على الوثنية والشرك، ينكرون مبادئ رسالته، ويعجبون من دعوته الى التوحيد، وينفرون من تنديده بآبائهم الوثنيين، وتسفيهه لاحلامهم، بل كان كثير منهم قد ناصبوه العداء، وتربصوا به الشر، وبيتوا على قتله، وألبّوا عليه الجموع، وجالدوه بالسيوف والرماح، فكيف تم هذا الانقلاب العجيب في مثل هذه المدة القصيرة، وكيف استطاع ﷺ أن يحول هذه الجموع
стр. 150
من وثنيتها وجاهليتها وترديها وتفرقها الى توحيد الله وعلم ذاته وصفاته، واجتماع الكلمة، ووحدة الهدف والغاية؟ وكيف كسب حب هذه القلوب بعد عداوتها، وهي المعروفة بشدة الشكيمة وعنف الخصام؟ ألا إن إنساناً مهما بلغت عبقريته، ودهاؤه، وقوة شخصيته ليستحيل أن يصل إلى هذا في مئات السنين، وما سمعنا بهذا في الأولين والآخرين، إن هو إلا صدق الرسالة، وتأييد السماء، ونصرة الله، ومعجزة الدين الشامل الكامل الذي أتم الله به نعمته على عباده، وختم به رسالاته للناس، وأراد أن ينهي به شقاء أمة كانت تائهة في دروب الحياة، مستذلة للأهواء العصبيات، وأن يدلها على طريق الهداية، ويفتح أعينها لأشعة الشمس، ويقلدها قيادة الأمم، ويحوُّل بها مجرى التاريخ، ويمحي بها مهانة الانسان، ويورثها الحكمة والكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب.
مائة وأربعة عشر ألفاً كانوا له مكذبين، فأصبحوا له مصدقين، وكانوا له محاربين، فأصبحوا له مذعنين، وكانوا له مبغضين، فأصبحوا له محبين، وكانوا عليه متمردين، فأصبحوا له طائعين، كل ذلك في ثلاث وعشرين من السنين .. ذلك هو صنع الله الحق المبين، فتعالى الله عما يشركون، وتنزهت ذات رسوله عما يقول الملحدون، وسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وثاني ما يلفت النظر في حجة الوداع هذا الخطاب القوي الحكيم الذي خاطب به رسول الله الناس أجمعين، وتلك المبادئ التي أعلنها
стр. 151
بعد إتمام رسالته ونجاح قيادته، مؤكدة للمبادئ التي أعلنها في أول دعوته، يوم كان وحيداً مضطهداً، ويوم كان قليلاً مستضعفاً، مبادئ ثابتة لم تتغير في القلة والكثرة، والحرب والسلم، والهزيمة والنصر، وإعراض الدنيا وإقبالها، وقوة الأعداء وضعفهم، بينما عرفنا في زعماء الدنيا تقلباً في العقيدة والمبدأ، وتبايناً في الضعف والقوة، وتغيراً في الوسائل والأهداف، يظهرون خلاف ما يبطنون، وينادون بغير ما يعتقدون، ويلبسون في الضعف لبوس الرهبان، وفي القوة جلود الذئاب، وما ذلك إلا لأن هؤلاء رسل المصلحة، وأولئك رسل الله وشتان بين من يحوم فوق الجيف، وبين من يسبح في بحار النور، شتان بين الذين يعملون لأنفسهم، وبين الذين يعملون لإنسانيتهم، شتان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن ?الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور الى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون? [البقرة: ٢٥٧].
الفصل السادس - في أهم الأحداث التي وقعت بعد فتح مكة إلى وفاة الرسول ﷺ
بعث أسامة
إن آخر ما فعله رسول الله ﷺ لنشر الدعوة وحمايتها، ورد غارة المعتدين على الدولة الجديدة والمتربصين بها أن جهز جيشاً الى الشام تحت قيادة أسامة بن زيد وأمره أن يوطئ الخيل تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين، وقد كان في هذا الجيش جميع
стр. 152
المهاجرين والأنصار، ومن كان حول المدينة من المسلمين، لم يتخلف منهم أحد، ولما كان الجيش في ظاهر المدينة يتأهب للمسير ابتدأ مرض رسول الله ﷺ الذي توفي فيه، فتوقف الجيش عن السير انتظاراً لشفاء الرسول، ورغبة في تلقي تعاليمه وهديه، ولكن رسول الله ﷺ توفي بعد أيام، واختاره الله إلى جواره بعد أن أدى الأمانة وبلغ الرسالة، وهيأ جزيرة العرب كلها لحمل لواء الاسلام، ونشر حضارته وتعاليمه في أنحاء الأرض، وبعد أن تكون الجيش الذي يقوم بحمل أعباء هذه الأمانة العظيمة الأثر في التاريخ، بعد أن تهيأ جنوده الصالحون لخوض معاركها، والقادة الأكفاء لقيادة حروبها، والرجال العظماء الصالحون لادارة دولتها، فصلى الله وسلم على رسوله، وجزاه الله عنا وعن الانسانية خير الجزاء، فلولاه ولولا جنوده الأوفياء الذين أدّوا الأمانة من بعده لكنا الآن في ضلال مبين.
لقد أكرم الله رسوله بما لم يكرم نبياً من قبله، إذ طالت حياته حتى رأى ثمرة دعوته وكفاحه تلف الجزيرة كلها، فتطهرها من الأوثان تطهيراً أبدياً، وتجعل الذين حطموا هذه الأصنام بأيديهم فرحين بنعمة الله في إنقاذهم من الضلال، هم الذين عبدوها من قبل، وعفّروا لها وجوههم بالسجود لها، وطلب الزلفى عندها، ثم تجعل هؤلاء مستعدين تمام الاستعداد للانسياح في الارض، يحملون إلى الناس نور الهداية التي أنعم الله عليهم بها، إنه جيل واحد هو الذي كان يعبد الأصنام ويؤلِّهها، ويعيش في جاهليته هملاً مبعثراً الكفاءات والمواهب، ثم هو الذي حطم الأوثان، وأقام الدولة العربية الأولى في تاريخ العرب كله،
стр. 153
التي تحمل رسالة وتحدد هدفاً، وتقف من أقوى أمم الأرض حولها موقف المعلم المنقذ، والرائد المعتز بما يحمل من هدى ونور وخير المشفق على ما كانت تتردى فيه الأمم من جهالة وظلام وانحلال، بينما كان العرب يبظرون اليها قبل الاسلام نظر الإكبار والإعظام، ويقفون منها موقف التبعية السياسية والفكرية والاجتماعية، إنه حدث فريد في التاريخ قديمه وحديثه، وليس بعث أسامة إلا عنوان هذا الحدث ونتائج هذه الرسالة الميمونة المباركة.
ثم يتجلى من جعل رسول الله ﷺ قيادة الجيش لأسامة بن زيد وهو شاب في سن العشرين وتحت لوائه شيوخ المهاجرين والأنصار، كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وهم من هم في سبقهم الى الاسلام، وحسن بلائهم فيه، وتقدمهم في السن والمكانة على أسامة، ان في هذا سنة حميدة من سنن الاسلام في الغاء الفوارق بين الناس من جاه وسنٍّ وفضل، وتقديم الكفء الصالح لها مهما يكن سنِّه ومكانته، ثم في رضى هؤلاء العظماء الذين أثبت التاريخ من بعد أن التاريخ لم ينجب مثلهم في عظمتهم وكفاءاتهم، على أن يكونوا تحت إمرة أسامة الشاب، ما يدل على مدى التهذيب النفسي والخلقي الذين وصلوا اليه بفضل رسول الله ﷺ وهدايته وتربيته وإرشاده.
إن في تأمير أسامة على مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، سابقة عظيمة لم تعهدها أمة من الأمم، تدل على وجوب فسح المجال لكفاءات الشباب وعبقرياتهم، وتمكينهم من قيادة الأمور حين يكونون
стр. 154
صالحين لذلك، وهذا درس عظيم لو بقي المسلمون يذكرونه من بعد لاختفت من تاريخ الاسلام محن وكوارث، ومن تاريخ دولته عواصف وفتن زعزعت أركانها وأضعفت من قوتها، فنعم ما فعل رسول الله ﷺ المؤيد بوحي السماء، الموهوب من الحكمة والسداد، وبعد النظر، وعظيم السياسة، مالم يوهب نبي قبله، ولم يعرف عن عظيم في التاريخ من قبله ومن بعده، ورضي الله عن أسامة الشاب، وهنيئاً له ثقة رسول الله ﷺ بكفاءة قيادته وصدق عزيمته، وحسن إسلامه، ﵁ وجعله قدوة لشبابنا المؤمنين العاملين.
الفصل السادس - في أهم الأحداث التي وقعت بعد فتح مكة إلى وفاة الرسول ﷺ
وفاة رسول الله ﷺ
توفي رسول الله ﷺ بعد أن كان قد علم من طريق الوحي بقرب أجله، فودع الناس في حجة الوداع، وكانت قلوب الصحابة واجفة هلعة خشية أن يكون أجل رسول الله ﷺ قد اقترب، ولكن أجل الله إذا جاء لا يؤخر، فلما أشيع عن وفاة الرسول ﷺ اضطرب الصحابة جميعاً لهول الكارثة، وزلزلت المدينة زلزالها، وطاشت عقول كثير من كبار الصحابة والسابقين الى الاسلام، فمنهم من عقل لسانه، ومنهم من أقعد عن الحركة، ومنهم وهو عمر من شهر سيفه ينهى الناس أن يقولوا: إن
стр. 155
رسول الله ﷺ مات، ويزعم أنه غاب، وسيرجع اليهم، ولكن أبا بكر وحده هو الذي كان ثابت الجأش، فدخل على رسول الله ﷺ وهو مسجى على فراشه، فقبله وقال له: بأبي أنت وأمي يا رسول الله! ما أطيبك حياً وميتاً! أما الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبداً، يا رسول الله اذكرنا عند ربك.
ثم خرج أبو بكر الى الناس، فخطب فيهم وقال: أيها الناس! من كان يعبد محمداً، فان محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله، فان الله حيٌّ لا يموت، ثم تلا قوله تعالى: ?وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئاً، وسيجزي الله الشاكرين? [آل عمران: ١٤٤]. فلما تلاها أبو بكر أفاقوا من هول الصدمة، وكأنهم لم يسمعوها من قبل، قال أبو هريرة: قال عمر: فوالله ما هو الا أن سمعت أن أبا بكر تلاها فعقرت - أي دهشت وتحيرت - حتى وقعت الى الأرض وما تحملني رجلاي، وعرفت أن رسول الله ﷺ قد مات.
وهنا درسان بالغان:
أولهما: أن الصحابة دهشوا لموت رسول الله ﷺ ، حتى لكأن الموت لا يمكن أن يأتيه، مع أن الموت نهاية كل حي، وما ذلك إلا لحبهم لرسول الله ﷺ حباً امتزج بدمائهم وأعصابهم، والصدمة بفقد الأحباب تكون على قدر الحب، ونحن
стр. 156
نرى من يفقد ولداً أو أباً كيف يظل أياماً لا يصدق أنه فقده، وأي حب في الدنيا يبلغ حب هؤلاء الصحابة الأبرار لرسول الله ﷺ ، وقد هداهم الله به، وأنقذهم من الظلمات إلى النور، وغير حياتهم، وفتح عقولهم وأبصارهم، وسما بهم إلى مراتب القادة العظماء، ثم هو في حياته مربيهم وقاضيهم ومرشدهم يلجؤون اليه في النكبات، ويسترشدونه في الحوادث، ويأخذون منه خطاب الله لهم وحديثه اليهم وتعليمه لهم، فلما مات رسول الله ﷺ انقطع ذلك كله، فأي صدمة أبلغ من هذه الصدمة وأشدها أثراً.
ثانيهما: أن موقف أبي بكر دل على أنه يتمتع برباطة جأش وقوة أعصاب عند النكبات لا يتمتع بها صحابي آخر. وهذا ما جعله أولى الناس بخلافة رسول الله ﷺ ، وقد أثبت ذلك في حركة الردة في جزيرة العرب.
ملاحظة
إلى هنا ينتهي ملخص ما ألقي من محاضرات في فقه السيرة على طلاب السنة الثانية، وقد بقي من برنامج هذه المحاضرات أربعة فصول، ولم يتسع الوقت لإملاء بقية الفصول المقررة في المنهاج، كما ذكرناه في مقدمة مذكرة السنة الأولى، وذلك لضيق الوقت، فنرجو أن يوفق الله لكتابة بقية هذا المنهاج. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.