← Акыда

Акыда · id 205

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 033 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٣٢) شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل تأليف الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ هـ - ٧٥١ هـ) تحقيق زاهر بن سالم بَلفقيه وفق المنهج المعتمد من الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد (رحمه الله تعالى) دار عطاءات العلم - دار ابن حزم

стр. 2

راجع هذا الجزء سليمان بن عبد الله العمير أحمد حاج عثمان

стр. 3

مقدمة التحقيق الحمد لله حمدًا يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، وصلاةً وسلامًا دائمين على سيد الخلائق، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين. أما بعد، فهذه مَعْلمة كبرى في سادس أركان الإيمان، ومصنَّف حافل في أصل عظيم من أصول العقيدة: القضاء والقدر، جمع فيه مؤلفه شمس الدين ابن قيِّم الجوزية ﵀ ما تناثر من مباحث الباب، فلملم عيون مطالبه، وحرّر ما أشكلَ مِن مسائله، وجلّى ما خفي من غوامضه، وأجاب عما أُورِد فيه من شبهات، واستفرغ فيه جهده بما عُهِد عنه من التحقيق وطول النّفَس في تحرير دقائق المباحث وعويص المسائل. ليجيء هذا السفر في ثلاثين بابًا، مشتملة على فصولٍ عديدة وأوجه ومقدمات، جامعة بين المنقول والمعقول، والبحث والتحرير، والمناقشة والترجيح، والمناظرة والتقرير، مشحونًا بالفوائد العزيزة، والاستطرادات النفيسة، على ما جرت به عادته رحمة الله عليه في عامة تواليفه. حتى أضحى الكتاب من أوسع المصنفات في موضوعه ـ إن لم يكن أوسعها ــ، وأغزرها مادة، وأجمعها موردًا، وأكثرها نفعًا، ليصبح مرجعًا أصيلًا لا غنى عنه للباحثين، ويكون شفاء للعليل، ورواء للغليل، وبلاغًا لأهل السنة والدليل، وفي كلٍّ خير. إن الكلام في مسائل القضاء والقدر مما نشأ مبكّرًا في التاريخ الإسلامي أواخر عصر الصحابة رضوان الله عليهم، ولم يزل شرخ الخلاف يتسع في الأمة شيئًا فشيئًا، حتى تعددت فيه الآراء، واضطربت الأفهام، وزلّت

стр. 4

الأقدام، ونبتت تلك الطوائف والفرق على اختلاف آرائها وتباين مشاربها، يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا. وقد وضع عدد من الأئمة المتقدمين في هذه المسألة الكبيرة مصنفات مفردة، كالإمام عبد الله بن وهب، والإمام البخاري، والإمام الفريابي وغيرهم. وفي هذا العصر تزداد أهمية التحرير والبيان في أبواب القضاء والقدر ومدافعة ما يثار من شبهات؛ إذ باتت مسائل الإرادة والاختيار والحكمة والتعليل ووقوع الشر في الكون بوابةً للإلحاد، وذريعة للطعن في مقامات الربوبية، والتشكيك في وجود الخالق العظيم سبحانه، ولم يزل الملاحدة والمرجفون يدندنون حولها، ويقذفون بشبهاتهم بين ظَهْراني شباب المسلمين في وسائل التواصل الاجتماعي والفضاء الإلكتروني؛ ليُرْدوهم في دركات الشك ومهاوي الحيرة، والله المستعان (١). وهذه مباحث بين يدي الكتاب مشتملة على: - توثيق نسبة الكتاب - عنوان الكتاب - تاريخ تأليف الكتاب - موضوع الكتاب ومباحثه - منهج المؤلف في الكتاب - أهمية الكتاب _________ (١) ينظر: "مشكلة الشر" لسامي العامري (١٧ - ٢٠).

стр. 5

- موارد الكتاب - وصف مخطوطات الكتاب - طبعات الكتاب - منهج التحقيق * * * *

стр. 6

توثيق نسبة الكتاب تظافرت عدة أمور في إثبات نسبة الكتاب إلى مؤلفه شمس الدين ابن قيِّم الجوزية، نوجزها في الآتي: * الإحالة فيه إلى كتبه: جرت عادة المؤلفين ـ ومنهم ابن القيم ـ بإحالة القارئ إلى مؤلفاتهم الأخرى طلبًا للاختصار وعدم تكرار بعض المسائل والمناقشات؛ إذ كان المؤلف قد أشبعها بحثًا في الكتاب المحال إليه، أو كان العزم قد وقع على إفراد المسألة بمصنَّف مستقل، وقد أحال ابن القيم في هذا الكتاب إلى مؤلَّفين له صراحة هما: "مفتاح دار السعادة" و "أحكام أهل الملل"، واحتمالًا: "الصواعق المرسلة". فمن الأول قوله في (١/ ٤١٥): "وقد بيّنا بطلانه من أكثر من خمسين وجهًا في كتاب "المفتاح"". وهذه الأوجه وزيادة في كتابه "مفتاح دار السعادة" (٢/ ١٠١٧ - ١١٣٥). ومنه أيضًا ما جاء في (٢/ ٤٤١): "وليس المقصود ذكر هذه المسائل وما يصير به الطفل مسلمًا؛ فإنا قد استوفيناها في كتابنا في "أحكام أهل الملل""، وهو في المطبوع من "أحكام أهل الذمة" (٢/ ٨٩٣) وما بعدها. ومن الضرب الثاني الإشارة إلى عزم المؤلف على إفراد كتاب يكشف فيه جناية المتأولين على الدنيا والدين في (١/ ٢٧٣)، فهل يقصد بهذه الإحالة عزمه على إفراد هذا الباب بكتاب مستقل، أم هو وصف لما ضمّنه كتابه "الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة" (٢/ ٣٨٤ - ٤١٧)

стр. 7

من فصول في جناية التأويل على أديان الرسل، وأن خراب العالم وفساد الدنيا والدين بسبب فتح باب التأويل؟ * الإحالة في كتبه إليه: أحال ابن القيم إلى "شفاء العليل" في كتابين له: الأول: "إغاثة اللهفان" (١/ ٩٤)، وذلك بعد إشارته إلى طرف من مباحث الإرادة الدينية والكونية ولوازم كل منهما، حيث قال: "وقد أشبعنا الكلام في ذلك في كتابنا الكبير في القدر"، ولا ريب أن هذا الوصف مطابق لما في الكتاب من إشباع لذيول هذه المسألة في الباب التاسع والعشرين (٢/ ٣٧٧) عدا ما نثره في أبواب أخر. والثاني: "الفوائد" (٣٦)، إذ قال بعد ذكره لشيء من مسائل تقدير الله تعالى المعاصي على بعض العباد وعدله فيهم: "وقد استوفينا الكلام في هذا في كتابنا الكبير في القضاء والقدر". * الإشارة إلى شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية: أشار إليه في أكثر من خمسة عشر موضعًا، منها ما وقع في (٢/ ٣٩٠): "قال شيخنا أبو العباس ابن تيمية: أحمد لم يذكر العهد الأول، وإنما قال: الفطرة الأولى التي فُطِر الناس عليها". وقوله في مسألة فناء النار (٢/ ٣٢٧): "وكنت سألتُ عنها شيخ الإسلام ــ قدّس الله روحه ــ فقال لي: هذه مسألة عظيمة كبيرة، ولم يُجِب فيها بشيء". وقوله (١/ ٢٧٠): "قال شيخنا: ولما كان العبد في كل حال مفتقرًا إلى هذه الهداية في جميع ما يأتيه ويذره من أمور قد أتاها على غير الهداية، فهو

стр. 8

محتاج إلى التوبة منها، انتهى كلامه" والنقل من "بيان الدليل على بطلان التحليل" لشيخ الإسلام (ص ١٥). * اشتراك بعض مباحثه مع كتبه الأخرى: وهو كثير جدًّا في كتب ابن القيم، ومن أمثلته هنا: الاشتراك في مباحث حديث "كل مولود يولد على الفطرة" كما تراه في كتابنا هذا (٢/ ٤١٣)، و"أحكام أهل الذمة" (٢/ ٨٩٣) وما بعدها. ومنه إيراده حكاية عن شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابنا هذا (١/ ١١)، وهي في "طريق الهجرتين" (١٨٥، ٦٥٨) و "مدارج السالكين" (٣/ ٣٧٨). ومثله ما وقع في قصة استقباح النمل للكذب بما تراه في (١/ ٢٣٢) من الكتاب، والقصة بتمامها في "مفتاح دار السعادة" (٢/ ٦٩٠). * النقل عنه: وهو عزيز بحسب ما وسعه بحثي، فمنه ما جاء عند ابن حجر (٨٥٢ هـ) في "فتح الباري" (٣/ ٣٤٩ - ٣٥٠) عند شرح حديث "كل مولود يولد على الفطرة": "وقال ابن القيم: ليس المراد بقوله: "يولد على الفطرة" أنه خرج من بطن أمه يعلم الدين؛ لأن الله يقول: ﴿قَدِيرٌ (٧٧) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا﴾ [النحل: ٧٨]، ولكن المراد أن فطرته مقتضية لمعرفة دين الإسلام ومحبته" الخ ما نقله بتصرف واختصار من "شفاء العليل" (٢/ ٤٠٧) فيما يظهر. وأصرح منه ما أورده إبراهيم بن حسن الكوراني الشافعي (١١٠١ هـ) في "شرح منظومة شيخه القشاشي" فيما نقله عنه السفاريني (١١٨٨ هـ) في "لوامع

стр. 9

الأنوار" (١/ ٣١٥ - ٣١٩): "قال الكوراني: وهذا الكتاب الذي ذكر فيه [يعني الجويني] آخر قوليه هو كتابه المترجم "بالنظامية" فيما وقفت على كلامه منقولًا عنه بلفظه في كتاب "شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل" للعلامة شمس الدين بن القيم في الباب السابع عشر منه، ولفظه ... ". ثم قال الكوراني: "ثم وقفنا على كتاب "شفاء العليل" لابن القيم المنقول فيه كلام إمام الحرمين في "النظامية" فأعجبه ذلك، وأمر بإلحاقه بآخر "اختصار الانتصار"". وكلام الجويني المشار إليه في (١/ ٤٠١) من كتابنا هذا. ثم كثر النقل عن الكتاب في القرن الرابع عشر الهجري كما هو مشاهد في مؤلفات محمود شكري الألوسي (١٣٤٢ هـ)، وسليمان بن سحمان (١٣٤٩ هـ)، ومحمد أنور الكشميري (١٣٥٢ هـ)، ومحمد رشيد رضا (١٣٥٤ هـ) وغيرهم. * عدّه ضمن مؤلفاته عند المترجمين له: نسبه إليه ابن حجر في "الدرر الكامنة" (٣/ ٤٠٢) باسم "القضاء والقدر"، ومثله الشوكاني في "البدر الطالع" (٢/ ١٤٤)، وصرّح باسمه الصريح صاحب "كشف الظنون" (٢/ ١٠٥١). * التصريح بنسبته في الأصول الخطية: جاءت هذه النسبة صريحة على غلاف النسخة العتيقة المحفوظة بجامع أبي العباس المرسي.

стр. 10

عنوان الكتاب درج ابن قيِّم الجوزية على تسمية كثير من مؤلفاته في مقدماتها بعنوانات مسجوعة مركّبة، تنبئ عن موضوع الكتاب، وتفصح عن مضمونه، بما يقطع اجتهادات النساخ وظنون الناشرين، وذلك في غالب مصنفاته. كذلك صنع في هذا الكتاب، حيث قال في (١/ ١٤) من تقدمته: "وسمّيتُه: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل". وكذا جاء العنوان واضحًا على غلاف مخطوطتي جامع المرسي وتركيا. وذكره كذلك صاحب "كشف الظنون" (٢/ ١٠٥١)، والكوراني كما تقدمت الإشارة إليه. بينما أورده ابن حجر والشوكاني في ترجمة المؤلف بعنوان موضوعه "القضاء والقدر" (١). * * * * _________ (١) ينظر: "ابن قيم الجوزية: حياته آثاره موارده" (٢٦٦).

стр. 11

تاريخ تأليف الكتاب لم يشر المؤلف إلى زمان تأليفه، ولم تسعفنا به الأصول الخطية، لكن ثمة علامات يُستأنس بها في ذلك. ولعل أول إشارة يمكن أن تفيد في تاريخ تأليفه ما سطّره المؤلف في "تهذيب السنن" (٣/ ٢٠٥) ــ انتهى من تأليفه سنة ٧٣٢ هـ ــ من عزمه على وضع مصنف في مسائل القدر، حيث قال: "وقد نظرت في أدلة إثبات القدر والرد على القدرية المجوسية فإذا هي تقارب خمسمائة دليل، وإن قدّر الله تعالى أفردتُ لها مصنفًا مستقلًّا"، فيمكن أن يكون الكتاب الذي بين أيدينا هو المصنف المفرد المشار إليه. فيفيد هذا النص أن تأليفه لهذا الكتاب بعد سنة ٧٣٢ هـ، وفيه ــ إن صح ــ دلالة على سبق اهتمامه بمسائل القضاء والقدر، وبكور نية التأليف فيها. ومما يُستأنس به أيضًا أن "شفاء العليل" مسبوق بـ "مفتاح دار السعادة" و "أحكام أهل الملل"؛ إذ أحال المؤلف عليهما هنا كما سلف. و "شفاء العليل" فيما يظهر ملحوق بـ "الصواعق المرسلة" و "إغاثة اللهفان" ــ وأقدم نسخه كُتِبت سنة (٧٣٨ هـ) و "إغاثة اللهفان" مؤلَّف بعد "الصواعق" (١) ــ و "الفوائد"، كما تقدم بيانه. فعلى هذه التقديرات يكون تأليف "شفاء العليل" بين الأعوام (٧٣٣ - ٧٣٨ هـ) ظنًّا، والعلم عند الله. _________ (١) انظر: مقدمة تحقيق "إغاثة اللهفان" (١/ ٨، ١١).

стр. 12

موضوع الكتاب ومباحثه قصد المؤلف بكتابه ــ كما هو ظاهر من عنوانه ــ جَمْع ما تفرق من مسائل القضاء والقدر، وما اتصل بها من مباحث حكمة الباري وتعليل أفعاله سبحانه، وبيان المذهب الحق في كل ذلك. فاستهلّ كتابه بخطبة أبان فيها عن موضع الإيمان بالقضاء والقدر من الدين، وخطورة الانحراف عنه، مع إلماحة إلى نشأة الكلام في القدر، ومذاهب الناس فيه، واتساع الخُلْف بينهم، بين غالٍ في النفي وزائغٍ في الإثبات، خلا من اقتبس من مشكاة الوحيين وسلك طريق الأصحاب، ومن صلح من أسلافهم. ليعرض بعدها إلى بواعث التأليف في الباب، والضرورة التي ألجأته إلى الخوض في هذا الميدان، في ثلاثين بابًا سرد عنواناتها تامة في هذه الخطبة. وهذه الأبواب مختلفة في الطول والقصر، فبعضها لا يتجاوز الصفحتين كما تراه في الباب الخامس، وبعضها تربو على المائة كما في الباب الخامس عشر. وقد خصص المؤلف الأبواب: الأول، والثاني، والرابع، والخامس، والسادس؛ في ذكر أنواع التقدير الإلهي، مُفْرِدًا كل نوع بباب مستقل، مستقصيًا ما جاء في هذا التقدير من أحاديث مرفوعة وآثار موقوفة، تارة يسوقها بإسنادها من مصادرها، وأخرى دون إسناد، مع حرصه الشديد على تتبع الألفاظ وتحريرها وإزالة التعارض بينها، وتوضيح وجه الدلالة منها، وربما تكلّم في طرقها تصحيحًا وتضعيفًا.

стр. 13

وقام بين ذلك بإفراد الباب الثالث في ذكر مرويات المحاجّة المشهورة في القدَر بين آدم وموسى ﵉، وبيان اختلاف الناس في فهم الحديث وأوجه تفسيره، واستطرد في الدفاع عن صاحب "منازل السائرين" في كلام له موهِمٍ لباطل. وفي الباب السابع ناقش المصنف أنّ سبق المقادير بالشقاوة والسعادة لا يقتضي ترك الأعمال، بل يقتضي الاجتهاد والحرص. ودار الكلام في الباب الثامن حول تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، وفي التاسع حول قوله سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩]، وما يتعلق بهما من فوائد واستنباطات. ثم أعاد الحديث مرة أخرى في الأبواب: العاشر، والحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر، في مراتب القضاء والقدر، واستقصاء ما جاء فيها من حجج نقلية ــ لم يسبق له إيرادها فيما تقدم من أبواب ــ وبراهين عقلية، وأرخى للقلم العنان في البحث والمناقشة. ففي العاشر بسط النقاش في المرتبة الأولى: علم الرب سبحانه بالأشياء قبل كونها، والمرويات في ذلك، ولم يخل من استطراد في رد بعض شبه القدرية، والحديث عن حكمة الله سبحانه ومظاهر لطفه وفوائد وثمرات ابتلائه أحباءه. وفي الباب الذي يليه ساق بعض ما فاته من نصوص القرآن والسنة الصحيحة الصريحة في المرتبة الثانية وهي مرتبة الكتابة.

стр. 14

وأما الباب الثاني عشر في المرتبة الثالثة من مراتب القضاء والقدر ــ وهي مرتبة المشيئة والإرادة ــ فقد حشد فيه رحمة الله عليه ما أمكنه من الآيات والأحاديث الدالة على هذه المرتبة بأصنافها وألفاظها، ثم عقد فصلًا بحث فيه علاقة المشيئة والإرادة بمحبة الله وأوامره. وختم تلك المراتب في الباب الثالث عشر بذكر مرتبة خلق الله سبحانه الأعمال وتكوينه وإيجاده لها، وأطال النفس في تفنيد بعض أصول الأشاعرة وغيرهم في مسائل الجبر وتأثير القدرة وفروعها، والخلق والاختراع وذيولها، وبيان هدي القرآن والسنة فيها، وإيضاح سبيل المؤمنين، وقاده المقام للغوص في أسرار سورة الفاتحة المتعلقة بهذه المسائل العقدية. ثم استكمل في الباب الرابع عشر مباحث الهدى والضلال ومراتبهما، وهذا الباب وصفه المصنّف بقوله: "هو قلب أبواب القدر ومسائله"، وعرض فيه مراتب الهدى والضلال في القرآن، كل مرتبة منها في فصل مستقلّ أشبع فيه الحديث حولها، واستطرد طويلًا في مرتبة التقدير والهداية بذكر نماذج من هداية الله تعالى لبعض المخلوقات كالنحلة والنملة والهدهد وغيرها، ثم استطرد مرة أخرى في المرتبة الثالثة من الهداية: هداية التوفيق والإلهام في توضيح جناية التأويل الفاسد على نصوص الوحيين لدى القدرية والجبرية. وجمع المؤلف في الباب الخامس عشر الآيات الواردة في الطبع والختم والقفل ونحوها على وجه التفصيل، ثم ذكر أوجه ضلال القدرية والجبرية في تحريف هذه الآيات، وأطال النفس في الرد عليها آية آية، وهذا من أطول أبواب الكتاب.

стр. 15

وفي الباب السادس عشر استقصى ما جاء في السنة النبوية من تفرد الرب تعالى بخلق أعمال العباد، فجمع أحاديث الباب وتكلم عليها وعلى معانيها، ثم عرض للكلام على التوبة والاستغفار، وفقر العباد إلى الجبّار. ومع أن المؤلف ناقش طرفًا من مذهب الأشاعرة في الكسب والجبر ضمن مباحث الباب الثالث عشر عَرَضًا؛ إلا أنه أعاد وأفرد هذه المباحث ومتعلقاتها في البابين: السابع عشر والثامن عشر بمزيد عناية وتفصيل، ذكر خلاله ما وقع بين الأشاعرة من خلاف واضطراب في مسائل القدر، ونقل فيه عن كبار محققيهم، ثم ناقش مفردات الباب كلمة كلمة: فَعَل وأفعلَ، والفعل والانفعال، وبيّن ضلال الطائفتيَن: القدرية والجبرية، وختم الباب باستطراد في مسألة طلاق السكران والغضبان. ثم ساق المصنف في البابين: التاسع عشر والعشرين مناظرة مفترضة في مهمات مسائل القدر بين جبريّ وسنّي في الباب الأول منهما، وفي الثاني بين بين قدري وسُنّي ناقش فيها أنواع التعطيل وآثاره، ومباحث التسلسل وأنواعه ولوازمه، وأعاد البحث مع القدرية والجبرية في مسائل المشيئة والإرادة والأسباب والحكمة والتعليل. وفي الباب الحادي والعشرين عرض للعلاقة بين القدر ووقوع الشر في الكون، وأجاب عما أشكل ودقّ من أسئلة الباب، بعد أن أصّل القواعد، وشيّد أركان مذهب أهل السنة والجماعة في الحكمة والتعليل. ولم يكتف ابن قيم الجوزية ﵀ بما سلف في هذا المبحث ــ أعني الحكمة والتعليل ــ بل عقد بابين كاملين بعد ذلك من أجلهما، استوعب في أحدهما نصوص الوحيين في اثنين وعشرين نوعًا، كل نوع في فصل مستقل،

стр. 16

وخصص الآخر لاستيفاء شُبَه النافين، وذِكْر الأجوبة عنها في عدة فصول وعشرات الأوجه، وحسبك أنه أجاب عن الحكمة في خلق الكفر والفسوق ونحوها من الشرور في أربعين وجهًا، ضمّن أحدها ما في الصلاة من حِكَم العبودية ومنازلها، وأورد في آخرَ شيئًا من أسرار الكون وغايات خلقه في المجرات والأفلاك، وعقد فصلًا مطوّلًا في المسألة الشهيرة: فناء الجنة والنار. وهذا الباب الثالث والعشرون يعد أطول أبواب الكتاب، وقد استغرق نحوًا من مائة وثمانين صفحة من المطبوع. وفي الباب الرابع والعشرين ــ وهو من أوجز الأبواب ــ بحث معنى قول السلف: "من أصول الإيمان: الإيمان بالقدر خيره وشرّه، حلوه ومرّه"، وجُلّ مسائله مما تقدمت مناقشته في الباب السابق. وقريب منه في الإيجاز الباب الذي يليه: في امتناع إطلاق القول نفيًا وإثباتًا: "إن الربّ تعالى مريد للشرّ وفاعل له"، حيث أعاد المؤلف كثيرًا مما تقدم بسطه في الكتاب، كالكلام على المحبة والإرادة وأنواعهما. وكذلك أوجز الحديث في البابين السادس والعشرين والسابع والعشرين، فشَرَح في الأول منهما قوله ﷺ : "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك"، وفي الثاني قوله ﷺ : "ماضٍ فيّ حكمك، عدلٌ فيّ قضاؤك"، وذَكَر ما تضمّنه كل منهما من قواعد وفوائد ولطائف. أما البابان: الثامن والعشرون والتاسع والعشرون فقد عرض فيهما المصنف أحكام الرضا بالقضاء، واختلاف الناس في ذلك، وتحقيق القول فيه، وانقسام القضاء والحكم ونحوهما إلى كوني وديني، دون إسهاب.

стр. 17

ثم كانت خاتمة أبواب الكتاب الثلاثين بالحديث عن الفطرة التي فطر الله الناسَ عليها، والخلاف في المراد بها، وشرح حديث: "كل مولود يولد على الفطرة" وتتبع ألفاظه بتوسّع. * * * *

стр. 18

منهج المؤلف في الكتاب ثمة معالم رئيسة تشترك فيها سائر مصنفات ابن قيم الجوزية ﵀، وسمات متشابهة تنتظمها في عقد تأليفي واحد، لا تكاد تخطئها عين المطالع، وهذا الكتاب له منها نصيب وافر، يتجلّى في عامة أبوابه وطريقة سياقه، بناء ومحتوًى وأسلوبًا في العرض والصياغة، سنشير إلى بعضها في عجالة. فمن تلك السمات التكوينية: تقسيمه الكتاب إلى أبواب، لكل باب مقصد مستقل وعنوان يضم مسائل من جنس واحد في عموم مباحثه، وربما دعته الحاجة إلى إبراز بعض المباحث داخل الباب بكلمة "فصل"، إما لأهمية المبحث، أو طوله، أو انفصاله عما قبله من حيث الفكرة، وليس هذا التقسيم بمطّرد. وغالبًا ما يسوق الأجوبة على الشبهات والاعتراضات على هيئة أوجه متسلسلة الأرقام. ومن أظهر سمات المصنف: انطلاقه في تقرير المسائل ومواطن الاستدلال من نصوص القرآن والسنة الصحيحة، فلا يكاد يخلو مبحث إلا وفيه احتجاج بآية أو حديث، وكثيرًا ما يحشد الآيات المتماثلة في موضع واحد، ويتتبع ألفاظ الرواية حرفًا حرفًا، وقد يسوق الطرق ويرفع الأسانيد، مع الكلام عليها؛ إذ شَرَط على نفسه أن لا يستدل إلا بما ثبت. ويتصل بالأمر حرصه على تعضيد نصوص الوحيين بفهم السلف الصالح عليهم رحمة الله لهذه النصوص، وتعد كتبه مظنة لأقوال الصحابة في المسائل التي بسط القولَ في بحثها.

стр. 19

ومن سمات منهجه في هذا الكتاب ونظائره: استناده في حكاية أقوال الفرق وأرباب الطوائف على أصولهم المعتمدة مباشرة، قطعًا لدعوى التحريف والتصرّف في نصوص المخالفين، وكذلك الشأن في الإفادة من كتب الكلام دون واسطة في مواضع الحجاج واللجاج، وسيأتي تفصيل بعضه عند الحديث عن موارد الكتاب. ومما يحسن ذكره هنا مقدرة المؤلف على توظيف الخلاف داخل المذهب الواحد، وإظهار اضطراب أصحابه، وعجز أتباعه؛ ليبين عواره وانحرافه، ويضرب حُجَجَهم بحُجَجِهم، ويبطل كلام المتكلمين بكلام المتكلمين. ومن تلك المعالم البارزة: مراعاته لجنس الدليل في مقام الاحتجاج، ففي تأصيل القواعد يصدر عن الوحيين، وفي مواطن الجدال يقارع الحجة العقلية بمثلها، ويدفع الشبهة اللفظية بالمأثور من كلام الفصحاء وقريض الشعراء، وهكذا دواليك. أما الإفادة من كتب شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية والاقتباس منها والاتّكاء عليها في المهمات والمعضلات العلمية فكثير، كما هو معهود عنه في سائر كتبه. وربما استعان المؤلف في تقرير بعض المباحث والغوص في أعماقها والكشف عن مكنوناتها بأسلوب المناظرة، وهي طريق سلكها المصنف في بعض كتبه، فمنه ما في "أعلام الموقعين" (٣/ ٤٧٠) حيث عقد مجلس مناظرة بين مقلِّد وصاحبِ حُجة، وفي "روضة المحبين" (١٦٧) أفرد بابًا في مناظرة بين القلب والعين ولوم كل منهما صاحبه والحكم بينهما، أما في

стр. 20

كتابنا هذا فقد أفرد بابين للمناظرة، أحدهما بين جَبْري وسُنّي، والآخر بين قَدَري وسُنّي. ثم إن المصنف على ما جرت به عادته قد يستطرد في فروع بعض المباحث وذيولها لأغراض مختلفة، كزيادة في التقرير، أو توسّع في التمثيل، ونحو ذلك. وقريب من هذه السمة في صناعة التأليف لدى ابن قيم الجوزية رحمة الله عليه حرصه الشديد على الإحاطة بفروع المسائل، وعنايته البالغة باستيعاب النصوص والأقوال، وإطالة النفس في اشتقاق الأوجه، وتشقيق المجملات، وتفتيق الأجوبة، وتفتيت الشبهات، ولذا وقع التكرار في معالجة بعض مسائل الكتاب. وهذه السمة الموسوعية قد ألمح إليها ابن حجر في "الدرر الكامنة" (٣/ ٤٠٢) بقوله: "وكل تصانيفه مرغوب فيها بين الطوائف، وهو طويل النفس فيها، يتعانى الإيضاح جهده فيسهب جدًّا". ولأن مقام الربوية عظيم، والمتجرّئون في الكلام عليه كثير، والمتقحّمون في مسائله قد يغفلون عمّن يتحدثون، فربما استطالوا في التعبير، فافترضوا عليه الواجبات واللوازم والممتنعات، وأساؤوا الأدب مع الجبار القدير ﷻ = من هنا ظهرت عناية المصنف ﵀ في عدة مواضع بالتذكير بعظمة صاحب المقام، واستحضار قدسيته وجلاله، والالتفات إلى تعظيمه في النفوس، تبارك اسمه، وتقدّست أسماؤه. * * * *

стр. 21

أهمية الكتاب يستمد هذا الكتاب أهميته من جملة أمور، منها: ما يتعلق بخطورة موضوعه: القضاء والقدر، وموضعه من أركان الدين، واتصال مباحثه بالحديث عن أفعال الرب جل شأنه، فضلًا عما أدخله عليه المتكلمون والمشّاؤون من دقائق علم المنطق والكلام، ومحارات العقول، مع شدة الحاجة إلى بيان الحق فيها، وتزييف الباطل، وهو ما عبّر عنه المؤلف في خطبة الكتاب: "ولما كانت معرفةُ الصواب في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل واقعةً في مرتبة الحاجة، بل في مرتبة الضرورة؛ اجتهدتُ في جمع هذا الكتاب وتهذيبه، وتحريره وتقريبه، فجاء فَرْدًا في معناه، بديعًا في مَغْزاه". فإذا أضيف إلى ذلك قلة مصنفات أهل السنة والجماعة المفردة الجائية على هذا الطراز، الجامع بين الرواية والدراية، الحاوي للمنقول والمعقول= علت رتبة "الشفاء"، وتجلّت منزلته بين أضرابه، كـ "القدر" لابن وهب (١٩٧ هـ)، وأبي داود (٢٧٥ هـ)، والفريابي (٣١٠ هـ)، والبيهقي (٤٥٨ هـ)، وغيرها؛ إذ عامتها من كتب الرواية (١). وهو مع هذه الخصّيصة من أبسط ما دوّن في بابه، وأغزره مادة، وأعزه فائدة، وأكثره تنوّعًا في أساليب العرض والمعالجة والرد على الشبهات، بما لا يكاد يوجد إلا فيه. وقد قصد المؤلف الاستيعاب ما وسعه ذلك، كما _________ (١) ينظر في تواليف الباب المفردة: "معجم الموضوعات المطروقة في التأليف الإسلامي" للحبشي (١٥٦٦ - ١٥٦٨).

стр. 22

سلف بيانه عند الحديث عن منهج الكتاب. أشار إلى ذلك حاجي خليفة في "كشف الظنون" (٢/ ١٠٥١) بقوله: "بسط الكلام فيه كل البسط، وأطال كما هو دأبه". وقال محمد رشيد رضا "تفسير المنار" (٨/ ٥٤) في أثناء مناقشته لمذاهب الناس في القدر: "وأكبر أنصار مذهب السلف في القرون الوسطى وأقواهم حجة شيخا الإسلام أحمد تقي الدين ابن تيمية وشمس الدين محمد ابن قيِّم الجوزية، ومن أوسع كتب الأخير في هذا الموضوع الذي يخوض في أعضل مسائله كتاب "مفتاح دار السعادة" وكتاب "شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل"". وهذا الأمر أكّده المصنف عند إحالته للكتاب في "الفوائد" (٣٦) بوصفه: "وقد استوفينا الكلام في هذا في كتابنا الكبير في القضاء والقدر". وحُقّ لصاحب هذه الموسوعة العقدية أن يفخر بها في ديباجة الكتاب: "فيا أيُّها المتأمل له، الواقف عليه، لك غُنمه وعلى مؤلِّفه غُرمه، ولك فائدته وعليه عائدته، فلا تعجل بإنكار ما لم يتقدم لك أسباب معرفته، ولا يحملنّك شَنَآن مؤلفه وأصحابه على أن تُحرم ما فيه من الفوائد التي لعلك لا تظفر بها في كتاب، ولعل أكثر من تعظّمه ماتوا بحسرتها، ولم يصلوا إلى معرفتها، والله يقسم فضله بين خلقه بعلمه وحكمته، وهو العليم الحكيم، والفضل بيد الله يؤتيه مَن يشاء، والله ذو الفضل العظيم". * * *

стр. 23

موارد الكتاب من العسير في كتاب لمصنف في القرن الثامن تعيين جميع موارده، وما سيُذكر هاهنا لا يمثل جميع موارد المؤلف في كتابه. والسمة الظاهرة في سائر مصنفات ابن قيم الجوزية وفي كتابنا هي كثرة الموارد وتنوعها في أصناف العلوم، وعلوّها وأصالتها في أبوابها. ثم إنه رحمة الله عليه تارة ينقل مباشرة من المصدر، وأخرى ينقل بواسطة، يظهر هذا عند مقارنة الاقتباسات بمصادرها الأصيلة والوسيطة. وربما يسمّي الكتاب عند النقل، أو يكتفي باسم مؤلفه، أو يقتبس دون عزو، وقد يكتفي حينًا بالعزو في موضع واحد عند تعدده. وفيما يأتي عرض مجمل لأبرز تلك الموارد بحسب مجيئها في كل فن، وتمامه في فهرست المصنفات والأعلام بملاحق الكتاب: تقدمت الإشارة إلى اهتمام المؤلف بحشد الآيات القرآنية في مواطن الاستدلال وتأصيل القواعد، وكثيرًا ما يتبع تلك الآيات باقتباسات من تفسير الصحابة فمن بعدهم ومن بيان أهل اللسان؛ تعضيدًا لاستدلاله، ومورده الرئيس في علم التفسير هو كتاب "التفسير البسيط" لأبي الحسن الواحدي، ومع أن المصنف لم يصرّح باسم مؤلفه إلا مرتين فقط إلا أن مقابلة النقول المقتبسة وحكاية الأقوال، بل ومتابعته للواحدي في سياق الشواهد بحروفها تؤكد الأمر دون شك. ولعل النقل من تفاسير مقاتل ومجاهد و "معاني القرآن" للفراء وابن

стр. 24

قتيبة في "تفسير الغريب القرآن" و"تهذيب اللغة" للأزهري ومن أبي علي الفارسي؛ كلها بواسطة الواحدي. ويعد كتابا "معاني القرآن" للزجاج و "تفسير الطبري" من مصادره الرئيسة التي أكثر عنها مصرّحًا باسمي مؤلفيها. ومن موارد التفسير التي ذكر أصحابها عند الاقتباس: "التحصيل لفوائد كتاب التفصيل" للمهدوي، و "الكشف والبيان" للثعلبي، و "معالم التنزيل" للبغوي، و "الكشاف" للزمخشري، و "زاد المسير" لابن الجوزي. كما أن المصنف اقتبس كثيرًا في بيان المعاني وشرح الألفاظ من "الصحاح" للجوهري، تارة يسمي الكتاب وأخرى ينسبه إلى قائله. وفي باب الرواية وسَوْق المرويات بأسانيدها وألفاظها عند الحاجة اعتمد المؤلف على أمّات كتب السنة المشهورة "مسند أحمد" و "إسحاق" والسنن الأربعة ــ وخاصة "الكبرى" للنسائي ــ وغيرها من دواوين الإسلام. غير أنه في الأبواب الخمسة الأُوَل استند كثيرًا على كتابي "القدر" لابن وهب و "القدر" لأبي داود السجستاني ــ وهذا الأخير لم يصل إلينا ــ، و "القدر" و "الأسماء والصفات" كلاهما للبيهقي، وساق بعض المرويات بأسانيدها من كتابٍ لمحمد بن نصر المروزي، يظهر أنه كتاب خاص في القَدَر لم يصل إلينا، ونقل عددًا من الآثار من "تفسير ابن أبي حاتم" مصرّحًا باسمه. وفي شروح السنة ومعاني الحديث استند على كتابي "الاستذكار" و"التمهيد" لابن عبد البر، مصدّرًا للنقل بقوله: "قال أبو عمر".

стр. 25

على أنه ربما حكى أقوال أبي عمر وتحريراته بواسطة "درء التعارض"، كما صنع ذلك في عدة مواضع أثناء بحثه لحديث "كل مولود يولد على الفطرة" في الباب الثلاثين (٢/ ٤٠٤) وما بعدها، وقد نبهت عليها في محالها. وحين استطرد في بيان مظاهر هداية الحيوانات (١/ ٢٢٢) اقتبس الكثير من "الحيوان" للجاحظ مصرّحًا باسمه في موضعين، ويظهر أن أكثر مباحث الباب مقتبس منه. ومثل ذلك وقع عند ذكر ما في الكون وأجرامه من أسرار وغايات دالة على وجود الصانع، فقد أفاد فيما يظهر من "الدلائل والاعتبار" المنسوب للجاحظ، بيد أنه لم يسمّه. أما موارده التي صرّح بها في علم الكلام ــ ومذهب الأشاعرة خصوصًا ــ ففي مقدمتها مؤلفات الرازي "المباحث المشرقية" و "الأربعين"، إضافة إلى "مقالات الإسلاميين" للأشعري، وتجريدها لابن فورك، و "النظامية" للجويني، و "شرح الإرشاد" للأنصاري وغيرها. وهنالك عدة مواضع في تعريف "الكسب" وأقوال الناس فيه لم يفصح فيها عن مورده، ويغلب على الظن أنها من "نهاية الإقدام" للشهرستاني، و"المطالب العالية" للرازي. وليس بغريب على ابن قيم الجوزية أن يكون معتمده في مواطن عديدة على مصنفات شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليهما إفادة واقتباسًا، "وهو الذي هذب كتبه ونشر علمه" (١). _________ (١) "الدرر الكامنة" (٣/ ٤٠١).

стр. 26

وأكثر كتب شيخه التي ظهر لي اعتماده عليها هنا "درء تعارض العقل والنقل"، كما تراه في شرح حديث "فحج آدم موسى"، وحديث "كل مولود يولد على الفطرة" وغيرها، ونقل مباحث من رسالة "الرد على من قال بفناء الجنة والنار"، وفي بعض هذه المواضع جاء التصريح بنسبتها إلى شيخه بقوله: "قال شيخنا" ونحو ذلك. وتبقى مواضع استفادة أخرى مبثوثة في ثنايا الكتاب لم يعزها المؤلف يظهر أنها مستفادة من كتب شيخ الإسلام، كـ "منهاج السنة" في (٢/ ٧٠)، وفي (٢/ ٣٣) من "فصل في قوله تعالى: ﴿مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ﴾ " ضمن "مجموع الفتاوى" (١٤/ ٢٤٦ - ٢٨١)، وغيرها مما أمكن الوقوف عليه والتنبيه في حواشي الكتاب، والله أعلم. * * *

стр. 27

وصف مخطوطات الكتاب للكتاب خمس نسخ خطية في مكتبات العالم بحسب ما بلغه علمنا، يسّر الله تعالى الحصول على صور ثلاث منها، وهي الثلاث الأُول الآتي وصفها، وبقيت نسختان لم نتمكن من الحصول عليهما؛ لفقدان أصولهما من المكتبات التي تحتفظ بهما، وسنصفهما إجمالًا بالاعتماد على مَن وقف عليهما. النسخة الأولى: نسخة جامع أبي العباس المرسي "م" وهي محفوظة في مكتبة الجامع بالإسكندرية (المسمّاة بالمكتبة المركزية للمخطوطات الإسلامية بوزارة الأوقاف المصرية) برقم (عام: ٣٦١٤ - خاص: ٣١٧)، عدد أوراقها (٢٦١) (١)، ومسطرتها (٢٣) سطرًا. والنسخة مخرومة الآخر، سقط منها نحو (٨٠) ورقة من المطبوع، تمثّل جُلّ الباب الثلاثين مع الخاتمة، كما فُقِدت من مصوّرتها الملوّنة التي بين يدي الأوراق (٧٩، ١١٧) بترقيم المفهرس، وبها عدة بياضات يسيرة في أماكن متفرقة. يطالعنا على الغلاف اسم الكتاب واسم مؤلفه بالمداد الأحمر، وتحته وقفية غير مقروءة بالمداد الأسود، ودون ذلك بأسفل الصفحة ختم وزارة الأوقاف المصرية. _________ (١) وقع في بطاقة فهرسة الكتاب: (٢٥٠) ورقة، وهو خطأ، منشؤه حدوث خلل في العدّ ابتداء من الورقة (٩٨) حتى آخر الكتاب.

стр. 28

استخدم الناسخ المداد الأسود في متن الكتاب، والأحمر في عناوين الأبواب والفصول ونحوها، خطها معتاد واضح في عامته، يغلب عليها الإهمال، التزم ناسخها تدوين التعقيبة، وتظهر فيها علامات المقابلة والتصحيح، ومع ذلك لم تسلم من الوهم والسقط. وقد عاثت الرطوبة والأرضة فيها فسادًا، فأحدثت خرومًا كثيرة متفرقة متفاوتة المقدار، وربما ذهبت بثلث الورقة، كما تراه في الألواح (٦٧، ٦٨، ٩٥ - ٩٩) (١). ولا نعلم عن تاريخ نسخها ولا اسم ناسخها شيئًا؛ لخرم آخرها كما تقدم، وإن كان مظهرها وخطّها يشير إلى أنها نسخة قديمة قريبة العهد من مؤلف الكتاب. كما توجد عبارات متفرقة بخط الناسخ يظهر من خلالها أنها منقولة من أصل المصنف، أو من نسخة منقولة منه، كقوله في طرة (٢٢١/ب): "في أصل المصنف بياض بعد: لا تثاب ولا تعاقب"، وفي (٢٤١/أ): "في الأصل بياض". وفي الحواشي تعليقات نادرة بخطوط مختلفة بعضها استدراكات وتعقبات ولطائف أثبتُّ النافع منها، وبعضها شتائم وردود من بعض مطالعي الكتاب من الأشاعرة، ومناقشات للمصنف في مسائل الكسب أغفلتها كاملة، _________ (١) يشار إلى أن مجاورة هذه المكتبة للبحر جعل مخطوطاتها عرضة للتلف بسبب الرطوبة العالية بحسب ما جاء في "فهرس مخطوطات أبي العباس المرسي" (١/ ١٦)، ولم أعثر على مخطوطة كتابنا في المجلدين المطبوعين من الفهارس، والله أعلم.

стр. 29

وتقع في الأوراق (٥/ب، ١٠٥ - ١٠٨، ٢٤٨/أ)، وفي الورقة (٢٤٧) اعتراض ومنازعة في مسألة الإرادة بأبيات في عقيدة الأشاعرة. وعلى وجه الإجمال تعتبر هذه النسخة أجود نسخ الكتاب التي وقفت عليها، لولا وجود النقص في آخرها، ويغلب على الظن أنها أقدمها، والعلم عند الله. النسخة الثانية: نسخة دار الكتب "د" وهي مسجلة في دار الكتب المصرية برقم عام (٤٥٢٢٣٤) وخاص (٣٢٣ علم كلام)، وتقع في (٢٢٦) ورقة، في كل صفحة (٢٣ - ٢٥) سطرًا. مخرومة الأول بنحو (٤) صفحات من المطبوع، ذهب الخرم بجزء من مقدمة الكتاب، وثمة خروم أخرى في صفحات متفرقة ذهبت بأجزاء من الكتاب كما في يمين الصفحة الأولى، وآخر ورقتين، وقد خُرِم حَرْد المتن في الورقة الأخيرة. تبتدئ النسخة بقول المصنف: "والإيمان به قُطْب رحا التوحيد ... "، وفي أعلا هذه الصفحة ختمان مطموسان، وفي الطرة اليمنى قيد وقفية ذاهب بعضه، ونص ما بقي منه: "وقف هذا الكتاب فقير عفو الله ومغفرته أحمد الفوي على طلبة العلم الشريف، ينتفعون بذلك الانتفاع الشرعي، على الوجه الشرعي، وجعل مقره ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨١]، حُرِّر في أواسط ..... (١) ست وأربعين وألف"، وتحته ختم مطموس، بجانبه اسم لعله لصاحب الوقف _________ (١) كلمة غير واضحة.

стр. 30

المذكور على هيئة تشبه الطغراء، وبحاشية الصفحة السفلى بيانات فهرست الكتاب، كما يوجد ختم غير واضح أيضًا في آخر ورقة منها. النسخة مكتوبة بخط نسخي معتاد بمداد أسود، نشط الناسخ في إعجام أولها ثم بدأ يهمل كثيرًا حتى بات عزيزًا في نصفها الأخير، ويظهر أنه استعمل الحمرة في تدوين العناوين، لذا لم تظهر أجزاء كثيرة منها في مصورة النسخة التي بين يدي، وهي خلو من ترقيم الأوراق، وفي طرر النسخة علامات المقابلة والتصحيح والتعقيبة، وتوجد ردود على المؤلف بقلمين مختلفين في الورقة (٢٠/أ) وفي (١٣٨/أ). وهي نسخة صحيحة في مجملها، ولا تخلو مما وقع في نسخة جامع المرسي السابقة من أوهام وسقط، وأما البياضات فتتفق فيها مع نسخة الجامع، وتزيد عليها في موضع واحد. لم نعرف الناسخ ولا تاريخ النسخ للخرم الذاهب بحَرْد المتن، وهي جزمًا منسوخة قبل سنة الوقفية المذكورة آنفًا (١٠٤٦ هـ)، والله أعلم. وعند النظر في الفروق الواقعة بين هذه النسخة ونسخة جامع المرسي والمقارنة بينها يظهر جليًّا الاختلاف بين النسختين؛ مما ينفي احتمال أن تكون إحداهما منسوخة من الأخرى، أو أن يكون أصلهما واحدًا، والله أعلم. النسخة الثالثة: نسخة الجامعة "ج" محفوظة بالمكتبة المركزية للمخطوطات بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض برقم (٢٠٨٢)، وتقع في (١٧٠) ورقة. وهي نسخة بها نقص كبير، مخرومة الأول والوسط والآخر، سقط من أولها خطبة الكتاب وعامة الباب الأول، ثم سقط منها جل الباب الثاني إلى

стр. 31

قبيل الباب الثاني عشر، وعاد السقط في آخرها من نهاية الباب الحادي والعشرين حتى نهاية الكتاب، فما بقي من أبوابها الكاملة (١٠)، تمثل ثلث الكتاب فقط، وبها آثار بلل يسير. بها عدة بياضات في مواضع متفرقة، كما في ورقة (١٦٨)، وعلّق في إحداها (٧٠/ب): "هنا بياض في المنقول عنه". مكتوبة بخط نسخ معتاد، من خطوط القرن الثاني عشر تقديرًا، مقابلة مصححة، استعمل الناسخ الحمرة في عناوين الأبواب والفصول والأوجه ونحوها. بقي أن يقال: إن هذه النسخة تتفق مع نسختي "م" و "د" في بعض المواضع وربما وافقت إحداهما فقط، والأهم أنها انفردت بالصواب في عدة مواطن مشكلة. النسخة الرابعة: نسخة تركيا "ت" (١) _________ (١) نسخة يوسف آغا هذه بذلنا جهودًا مضنية في طلب تصويرها، أولًا من المكتبة نفسها في تركيا، فذهب إليهم في مقرّ المكتبة غير واحد منهم الصديق أبو الفضل القونوي فأفادت القيّمة على المكتبة بأنها غير موجودة، وسُرِق أصلها مع مخطوطات أخرى، وذهب إليهم مرة أخرى غير واحد ممن سعى معنا في محاولة جلبها والنتيجة واحدة! ثم حاولنا تصويرها ممن صوّرها من مصدرها قبل أن تسرق (قبل سنة ١٤٢٠ هـ) ومنهم محققي الكتاب في رسالتين علميتين ــ طبعت مؤخرًا عن دار الصميعي ــ فوعد أحدهما خيرًا، ولم نحصل على شيء حتى كتابة هذه الأسطر، وقد اجتهد معنا في التواصل معهما الشيخ عبد الرحمن بن صالح السديس جزاه الله خيرًا. ثم طلبناها من محقق ط. العبيكان الأخ الشيخ عمر الحفيان (إذ كان صورها قبل أن تسرق) سعى في ذلك الصديقُ الشيخ عبد العزيز بن فيصل الراجحي، فوعده خيرًا، لكن لم تمكّنه الظروف من تصويرها! وقد أعلنّا مرارًا في وسائل مختلفة عن حاجتنا لهذه النسخة بمَنٍّ أو بثَمَن، فلم نفلح في الحصول على صورة منها. وما زلنا على أمل العثور على مصوّرتها. وقد كتبنا هذا التفصيل ليراه مَن عساه يهتمّ لأمر هذه النسخة فيسعى كما سعينا، فينال أجر الدلالة عليها، ويبلّ رحم العلم ببلالها. (علي العمران).

стр. 32

من مقتنيات مكتبة جامع يوسف آغا بقونية برقم (٥٤٤٠)، في (٣٢١) ورقة، في كل صفحة (٢٣) سطراً، بخط نسخ واضح جميل، وهي النسخة الوحيدة الكاملة من الكتاب فيما نعلم. كتبت فواصل المقدمة بالمداد الأحمر وكذا عناوين الأبواب ونحوها، ويظهر أنها نسخة منقولة من أصل المؤلف ومقابلة عليها، ولم تخل حواشيها من تصحيحات وتعليقات. قلت: ويغلب على الظن أن هذه النسخة منقولة من نسخة جامع المرسي أو يشتركان في أصل واحد؛ لما بينهما من الاتفاق في غالب المواضع عند اختلاف نسخ الكتاب الأخرى، والله أعلم. النسخة الخامسة: نسخة بغداد (١) كان مستقر هذه النسخة في مكتبة الأوقاف العامة ببغداد برقم (٧١٥٥)، _________ (١) انظر: "فهرس المخطوطات العربية في مكتبة الأوقاف العامة في بغداد" (٢/ ٤٤١)، ويظهر أن من فهرس المخطوط صحّف عنوانه إلى "شفاء الغليل ... "، واستدرك صانع الفهرس الصواب بين قوسين. وقد حاولنا الحصول على صورة من هذه النسخة من بغداد بواسطة الأستاذ محمد كمال عبيد جزاه الله خيرًا، فأفاد القائمون على المكتبة بأنها فُقِدت مع مجموعة من الأصول، والله المستعان.

стр. 33

في (٢١٠) ورقة، في كل صفحة (١٩) سطرًا، وهي مخرومة الأول والوسط والآخر، وهي من أوقاف المدرسة المرجانية ببغداد. كاتب هذه النسخة هو العلامة خير الدين نعمان بن محمود الآلوسي (١٣١٧ هـ)، كما نص على ذلك في الصفحة الأولى، ولم يذكر في هذه النسخة الأصل الذي نقلت عنه ولا تأريخ نسخها. * * *

стр. 34

طبعات الكتاب أولى طبعات "شفاء العليل" كانت قبل أزيد من قرن، وهي تلك التي اعتنى بها السيد محمد بدر الدين أبو فراس النعساني الحلبي (١) سنة (١٣٢٣ هـ) بالمطبعة الحسينية على نفقة محمد أمين الخانجي وشركائه، في مجلد واحد. أشار المصحح في آخر الكتاب (٣٠٧) إلى الأصول الخطية التي اعتمد عليها في عمله، بقوله: "تم ولله الحمد طبع كتاب "شفاء العليل" ... وذلك بعد عناء تصحيح النصف الأول منه على نسخة وصلتنا من صاحب الفضيلة علامة العراق على الإطلاق آلوسي زاده السيد محمود شكري أفندي حفظه الله، مع مقابلة ذلك على النسخة المحفوظة بدار الكتب الخديوية بمصر، ومن ثم إلى آخر الكتاب على نسخة دار الكتب الخديوية فقط". وهذان الأصلان تقدم وصفهما قريبًا، وبيان ما فيهما من خروم في أول الكتاب وآخره، ومن هنا وقع النقص في هذه الطبعة. كما وقع أيضًا خلط في تعداد أبواب الكتاب ابتداء من الباب الثاني والعشرين (١٩٠)، إذ سقطت جملة بنهاية الباب الحادي والعشرين تسببت في اعتقاد سقوط الباب الثاني والعشرين، وهي قول المصنف: "وهذا الباب يتصل بـ الباب الثاني والعشرين في إثبات حكمة الربِّ تعالى في خلقه وأمره .. ما دلَّ عليه القرآن والسنة"، وموضعه في هذه الطبعة: "فصل الأصل _________ (١) صاحب كتاب "التعليم والإرشاد" (ت ١٣٦٢ هـ) ترجمته في "الأعلام" للزركلي (٧/ ١٠٢).

стр. 35

الخامس"! ومع أن المعتني بالكتاب رحمة الله عليه قد بذل جهدًا كبيرًا في إخراجه أول مرة بما أتيح لديه من أصول ومصادر في ذلك الزمان غير أنه وقعت بالنص عشرات الأخطاء والتصحيفات والزيادات بقصد إتمام السياق في كثير من الصفحات. ولمّا كانت هذه الطبعة هي أصل أكثر الطبعات التي جاءت بعدها تابعتها أيضًا في أكثر ما وقع فيها من هنات، وربما زاد كل ناشر عليها مثلها. ومن أهم تلك الطبعات: طبعة دار التراث بعناية الحساني حسن عبد الله، والذي حاول تصويب المتن ما أمكنه، ونبّه في آخر الكتاب (٦٠٥) إلى وجود الخلل المشار إليه في الأبواب. توالت بعد ذلك عدة طبعات تجارية، يجمعها الاعتماد على الطبعة الأولى، وعدم الرجوع إلى شيء من نسخه الخطية. ثم صدرت طبعتان علميتان جيدتان إجمالًا: إحداهما: سنة (١٤٢٠ هـ) بتحقيق عمر بن سليمان الحفيان، عن مكتبة العبيكان، في مجلدين، اعتمد على النسخة التركية ونسخة جامع المرسي ونشرة النعساني. وتمتاز هذه الطبعة بأنها الطبعة الكاملة للكتاب، وقد بذل محققها جهدًا مشكورًا في تصحيح النص، وتخريج الأحاديث المرفوعة. غير أنها خلت من عزو الآثار وتوثيق الأقوال والنصوص إلا اليسير، ولم تسلم من خطأ وتحريف وتصرّف في المتن بما يخالف الأصول الخطية، كما أنها لم تذيَّل

стр. 36

بفهارس لا لفظية ولا علمية. والأخرى: سنة (١٤٢٧ هـ) بتحقيق أحمد بن صالح الصمعاني وعلي بن محمد العجلان، عن دار الصميعي، في ثلاثة مجلدات، وأصلها رسالتان علميتان للمحققَيْن، نوقشت الأولى سنة (١٤١٤ هـ) والثانية سنة (١٤٢٠ هـ)، طُبِعَتا بكامل ما فيهما من الحواشي الأكاديمية. وتمتاز هذه الطبعة باعتمادها على ثلاث نسخ خطية: النسخة التركية ونسخة دار الكتب المصرية ــ وكلتا النسختين تشتمل على خاتمة ــ والنسخة العراقية، إضافة إلى اشتمالها على دراسة علمية للكتاب، وفهارس متنوعة. ويؤخذ عليها كثرة الإقحامات في المتن بزيادة ألفاظ بين [] من مصادر أخرى لغير ضرورة، ووقوع جملة من التصحيفات والتحريفات والأخطاء. ومن الغريب وقوع نقص في آخر هذه الطبعة بمقدار (٦) صفحات من طبعتنا هذه، وهي من الوجه (١٧) في الباب الثلاثين إلى آخر الكتاب مع خاتمة المؤلف، وهو الموضع عينه الذي تنتهي فيه طبعة النعساني. *** ولـ "شفاء العليل" مختصر في مجلد واحد بمقدار الثلث، اختصره خالد عبد الرحمن العك، وصدر عن دار المعرفة، سنة ١٩٩٦ م. ورسالة مقتطفة من الكتاب بعنوان: "مقادير الخلائق"، استلها سيد بن إبراهيم، وصدرت عن دار الحديث بالقاهرة، سنة ١٤١٤ هـ. * * *

стр. 37

منهج التحقيق اعتمدت في تحقيق الكتاب على ما توفّر لدي من الأصول الخطية التي تقدم وصفها: نسخة جامع المرسي "م"، نسخة دار الكتب "م"، نسخة جامعة الإمام "ج"، وهذه الأخيرة قابلت عليها الكثير من المواضع، والمشكلة منها على وجه الخصوص، واستعنت على إتمام بعض الخروم في أول الكتاب وآخره وكذا بعض المواضع المشكلة بقراءة محققي طبعتَي الصميعي والعبيكان لاعتمادهم على النسخة التركية "ت" الكاملة من الكتاب، وربما أشرت لقراءة الحساني في مواضع يسيرة برمز "ط"، خاصة إذا تابعه عليها من جاء بعده من الناشرين. وأثبتّ أهم الفروق بين هذه النسخ، وخاصة ما كان منها مؤثرًا في المعنى، وأغفلت التنبيه على أوهام النساخ وتحريفاتهم البيّنة إلا اليسير عند الحاجة، ونبّهت على السقط الطويل كجملة ونحوها. ثم قمت بخدمة النص بما يتطلبه ذلك من توزيع النص على فقرات، وضبط للمشكل من المصطلحات والأعلام ونحوها، وعزو للآيات، التي حافظت في رسمها على قراءة أبي عمرو البصري؛ قراءة أهل الشام في زمن المؤلف (١)، وتخريج موجز للأحاديث والآثار، وتوثيق ما استطعت من الأقوال والأشعار ونحوها من مصادرها الأصيلة، وربما مسّت الحاجة إلى _________ (١) قال ابن الجزري (٨٣٣ هـ) في "غاية النهاية" (١/ ٢٩٢): "القراءة التي عليها الناس اليوم بالشام والحجاز واليمن ومصر هي قراءة أبي عمرو ... ولقد كانت الشام تقرأ بحرف ابن عامر إلى حدود الخمس مئة فتركوا ذلك".

стр. 38

التعريف بعلم أو بيان معنى أو إيضاح مبهم ونحوه. متوخّيًا في جميع ذلك ما يحقق المقصود بأقصر عبارة، وأوجز إشارة، دون إثقال للحواشي بتتبع الطرق والروايات وصنوف العلل وتعداد للمصادر وتعريف بالأعلام والكتب. هذا، ولمّا كان الغرض من التحقيق هو تقديم النص التراثي للقارئ أقرب ما يكون إلى ما تركه مؤلفه؛ فإني آثرت الحفاظ على ما اتفقت عليه الأصول الخطية وإثباته في المتن، حتى لو كان وهمًا أو خطأً أو تحريفًا، بشرط وجود قرينة ترجّح أن هذا الخلل من قلم المؤلف لا من وهم الناسخ أو تحريفه، والتزمت التنبيه عليها في الحواشي وبيان وجه الصواب منها ما وسعني ذلك، وتلك القرائن تختلف باختلاف المقام والتقدير، ومنها على سبيل المثال: أن يكون الوهم في نسبة القول إلى غير قائله، كما وقع في (١/ ٣٣٦): "قال لبيد ... "، ثم أنشد المصنف بيتًا مشهورًا لامرئ القيس، فلا يُتصوّر في مثله أن يتواطأ النسّاخ على الوهم عينه، أو يخلطون بين رسم "لبيد" و "امرئ القيس"، ليس هذا فحسب، بل عند الكشف عن مورد المؤلف هاهنا تبيّن أنه متابع للواحدي في هذه النسبة. وقريب منه صنيعه في (١/ ٣٣٣) حيث قال متابعة للواحدي أيضًا: "قال أبو عبيدة: يقال: ركست الشيء ... "، وهو تحريف محض، صوابه: أبو عبيد، وهو في "غريب الحديث" له. ومن أظهر القرائن فيما نحن بصدده أن يكون الخطأ أو التحريف في رجال الأسانيد بإبدال أو زيادة أو سقط؛ فإن البصير بكتب الرواية يدرك ما في

стр. 39

الباب من أنواع الاحتمالات التي يصعب معها الجزم بتخطئة الناقلين عنها، ويزيده تأكيدًا هنا وقوع عين الوهم في مصنفات المؤلف الأخرى. ويكفي ما جاء في (١/ ٣٣) حين نقل ابن القيم رواية بإسنادها من "مسند إسحاق": "أخبرنا بقية ... عن راشد بن سعد، عن عبد الرحمن بن أبي قتادة"، وهو في أكثر المصادر: "عبد الرحمن بن قتادة"، غير أن بقية كان يضطرب في اسمه على الوجهين، يضاف إلى ذلك أن المؤلف متابع فيه لمصدره، كما سيأتي بيانه في موضعه. ومما تكرر في الكتاب وغيره من كتب التراث أن يختصر المؤلف لفظ الحديث فيسقط بعض ألفاظه قصدًا في عدة مواضع، أو يسوقه بالمعنى، أو ينقل اللفظ بواسطة، فهذه قرينة أخرى شاهدة على ما نحن فيه، وهي غنية عن التمثيل لظهورها. ومنه أيضًا أن يكون المثبت من التراكيب اللغوية غير الفصيحة التي يكثر استعمالها في عصر المؤلف وما بعده، كما يقع كثيرًا في الأعداد وتمييزها، والفاء في جواب الشرط وغير ذلك. وعلى كل حال، فالمقصود هنا التنبيه بأمثلة تدل على المراد، سيأتي التنبيه على بعضها في محالّها، وقد كنت في غنى عن الإشارة إليها هنا لولا ما وقع في طبعات الكتاب القديمة والحديثة من عشرات الإصلاحات والتصرفات والزيادات في نص المؤلف داخل المتن، مخالفة للأصول الخطية، دون التفات للقرائن، أو انتفاع بالموارد. وبعد؛ فقد بذلت جهدي في إخراج نص الكتاب وخدمته بما يليق به حتى يكون أقرب ما يكون لما تركه عليه مؤلفه، بحسب ما بلغته طاقتي

стр. 40

المحدودة وعلمي القاصر، والمأمول في قارئه أن يكون باذلًا للعلم ناصحًا، فلعلك تصلنا بما وجدت من خطأ أو ترشد إلى صواب؛ فإن العلم رحم بين أهله. غفر الله لابن قيم الجوزية ولمحققه ولقارئه، وشملنا بواسع رحمته، إنه جواد كريم. والحمد لله أولًا وآخرًا. * * * *
следующие страницы →