فَصْلٌ: وَنِكَاحُ عَبْد بِلاَ إِذْنِ سَيدِهِ بَاطل، لقوله ﷺ : [أيمَا مَملُوك تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذنِ مَوْلاَهُ فَهُوَ عَاهِر] رواه أبو داود والترمذي وحسَّنهُ الحاكم وصححَهُ (٤٤٧). وفي رواية لأبى داود [فَهُوَ بَاطِل] وضعَّفها، وقال: هو موقوف (٤٤٨)، قال الترمذيُّ: والعملُ عليهِ عندَ أهلِ العلمِ من الصحابَةِ وغيرِهِمْ (٤٤٩)، وَبإذْنِهِ صَحِيْح، لأنه عبارتَهُ صحيحة، وإنما المنعُ لتحصيلِ رِضَى السَّيِّدِ حتَّى لو أذنَتِ المرأةُ لعبدِها في النكاح صَح، وإنْ لم يكُنْ لها عبارة في النكاح، قال الماورديُّ: والصحيحُ أن لهُ أنْ يتزوَّجَ بإذنِها وحدها، وقيل: لا بُد من إذنِ ولِيهَا أيضاً، قال: وهذا إذا كان عبداً بالغًا، فإنْ كانَ صغيراً فأذنَتْ لهُ؛ فعَنِ المتولي لتزويجِهِ وجهانِ أحدُهما: وليُّها في النكاح كالأمَةِ، والثاني: مَن تأذنُ لهُ من الناسِ، وهذا بناءً منهُ على جزمِهِ بجوازِ إجبارِ العبدِ الصغيرِ، وَلَهُ إِطلاَقُ الإِذْن، وَلَهُ تَقييدُهُ بامرَأَةِ أَو قَبيلَةِ أَو بَلَدِ، وَلاَ يَعدِلُ عَما أَذِنَ فِيهِ، مراعاةً لهُ، وإذا أطلقَ الإذنَ فلهُ نَكاحُ حُرَّةٍ أو أمةٍ وفي تلكَ البلدِ أو غيرِها، نَعَمْ: لِلسيدِ منعُهُ مِنَ الخرُوج إلى البلدةِ الأُخرى.
فَرْعٌ: لو قَدرَ مَهْرًا فزادَ فالزيادةُ في ذِمتِهِ يُتبعُ بها إذا أعْتِقَ، وأبدَى الإمامُ احتمالًا: أن الزيادَةَ لا تلزمُ أصلاً.
فَرْعٌ: لو نكحَ بِالمُقَدرِ امرأةً مَهرُ مثلِها أقل؟ فالأصحُّ الصحّةُ ووُجوبُ المسمى.
فَرْعٌ: لو رجعَ عن الإذنِ ولم يعلم بهِ العبدُ حتى نكَحَ فعلى الخلافِ في الوكيلِ، قالهُ ابنُ كَجٍّ.
стр. 1227
فَرْعٌ: طَلَّقَ العبدُ ما نكَحَ بالإذنِ لم ينكح أخرى إلا بإذن جديدٍ قالهُ الرافعيُّ، وهل لهُ أنْ ينكِحَ التي طلقَها إذا كان الطلاقُ بائناً؟ فيه نظر، والظاهرُ المنعُ. وهل لهُ رَجْعَتَهَا إذا كانَ رجعِيًّا بدونِ إذنِ السيدِ؟ فيه خلافٌ مذكورٌ في بابِهِ.
فَرْعٌ: لو نكَحَ نكاحاً فاسداً هل لهُ نكاحُ أخرى؟ فيه خلافٌ مبني على الإذنِ يتناوَلُ الفاسِدَ أَمْ يختَصُّ بالصحيح.
فَرْعٌ: المدبرُ والمعلقُ عَتْقُهُ بصفة والمبعَضُ كالقِنّ. والمكاتَبُ لا يصحُّ نكاحُهُ بإذنِ السيدِ على المذهبِ، وقيل: قولانِ كتبرُّعاتِهِ.
وَالأظْهَرُ أَنَّهُ لَيسَ لِلسيِّدِ إجْبَارُ عَبْدِهِ عَلَى النِّكاح، لأنه لا يملِكُ رفعَ النكاحِ بالطلاقِ، فكيفَ يُجبرُ على ما لا يملِكُ رفعُهُ؟ الثاني: له إجبارُهُ كالأمَةِ وهذا هُو القديمُ، والأولُ حكاهُ الرافعيُّ عن الجديدِ، والثالث: يُجْبَرُ العبدُ الصغيرُ دونَ الكبيرِ، قال في المَطْلَبِ: ويجيء وجهٌ رَابِع عكسُهُ والكبير المجنونُ كالصغيرِ، ثمَّ هذا كلهُ إذا كانَ العبدُ مُوافقاً لهُ في الدِّين، أما إذا كانَ العبدُ مُسلِماً والمولى كافراً فهل لهُ إجبارُهُ؟ إذا رَأينَا للمسلِمِ إجبارَ العبدِ فيه الخلافُ الآتى فيما لو كانَ السيدُ مسلِماً ولهُ أَمَة كافرَة هل يملِكُ تزويجَها قالهُ الرافعيُّ.
فَرْعٌ: إذا جوَّزنا الإجبارَ فللسّيدِ أنْ يقبلَ النكاحَ للبالغ ولهُ أن يكرهَهُ على القَبُولِ، ويصح لأنهُ إكراهٌ بِحَقّ قالهُ البغويُّ، وفي التتمَّةِ: لا يصحُّ قبولَهُ كُرْهاً، ويقبلُ إقرارُ السَّيدِ على العبدِ بالنكاح كإقرارِ الأبِ على بنتِهِ ويجوزُ أن يزوِّجَ أَمتَهُ بعبدِهِ الصغيرِ والكبيرِ ولا مهْرَ كما ذكرهُ المصنِّفُ فيما سيأتى، وَلاَ عَكْسِهِ، أي لا يجبَرُ السَّيِّدُ على نكاح عبدِهِ إذا طلبَهُ منهُ، لأنه يُشَوِّش عليهِ مقاصِدَ الْمِلْكِ وفوائدَهُ فلا يُجبَرُ عليهِ كنكاح الأمَةِ، والثانى: يُجبرُ عليهِ أو على البيع، لأنَّ المنعَ من ذلِكَ يوقِعُهُ في الْفُجُورِ، واستحسَنَهُ في الكِفايةِ.
فَرْعٌ: المدبَّرُ والمعلقُ عتقُهُ كالقِنَ ومَن بعضُهُ حُرٌّ لا يجبرُ وفي وجوبِ إجابتِهِ الخلافُ. والمكاتَبُ لا يُجبر وفي وجوبِ الخلافِ كالقِن وأَوْلى بالوُجُوبِ وصحَّحَ
стр. 1228
الْجُرْجَانِىُّ في شافِيهِ أن السيدَ يُخترُ عَلَيْهِ.
فَرْعٌ: العبدُ المُشْتَرَكُ هل لِسَيدَيهِ إجبارُهُ وعليهما الإجابةُ؟ فيه الخلافُ المذكورُ في الطرفينِ ولو دعاهُ أحدُهما إلى النكاح وامتنَعَ الآخرُ والعبدُ فلا إجبارَ، ولو طلَبَ أحدُهما معَ العبدِ وامتنَعَ الآخَرُ فعَنِ الشيخ أبى حامِدٍ أنهُ كالمُكَاتَبِ. وقال ابنُ الصباغ: لا توثرُ موافقةُ الآخَرِ.
وَلَهُ إِجْبَار أُمَتِهِ بِأي صِفَة كَانَت، أي بِكْراً أو ثيِّباً؛ صغيرة أو كبيرةً؛ عاقلةً كانت أو مجنونة؛ رضيَتْ أو سَخِطَتْ؛ لأنَّ النكاحَ يُرَدُّ على منافِع البُضْع وهىَ مملوكة لهُ وبهذا فارقتِ العبدَ، نَعَمْ: لا يجوزُ أنْ يزوجَها من مَجْذُوم أوْ أَبْرَصَ أوْ مَجنونٍ بغيرِ رِضَاهَا، وإن كانَ يجوزُ أن يَبِيْعَهَا مِمن هذا حالُهُ وإنْ كرهَتْ وأبَتْ كما نص عليهِ وجزمَ به الرافعيُّ وفيه وفي بقيةِ العيوبِ المُثبِتَةِ للخِيَارِ ويلزَمُها التمْكِينُ في مسألةِ البيع كما صححَهُ المتولى فلو خالَفَ السيدُ وأجبرَها على نكاح مَن بِهِ عَيْب ثَبَتَ الخيارُ أو على مَن لا يُكَافِئُهَا بسببٍ أخرَ، فهل يبطُلُ النكاحُ أو يصح ولها الخيار؟ فيهِ مثلُ الخلافِ السابقِ، وقيل: يصحُّ ولا خيارَ ولا خلافَ. إِن لهُ أنْ يزوجَها برقيقِ ودَنِىِّ النَّسَبِ، لأنهُ لا نسَبَ لهَا.
فَإن طَلبت لَم يَلْزَمْهُ تَزوِيجهَا، لأنهُ يُنْقِصُ قيمَتها أو يُفَوِّتُ الاستمتاعَ عليهِ فيمَنْ تَحِل لهُ، وَقِيلَ: إِن حَرُمَتْ عَلَيْهِ، أي تحريماً مؤبداً كنسبِ أو رَضَاع، لَزِمَه، إذ لا يتوقعُ منهُ قضاءُ شهوةٍ ولا بُدَّ من إعفافها وحكاهُ في النهاية قولاً وصحَّحَهُ الْجُرْجَانِىُّ في الْمُهَايَأَةِ وَالشَّافِى، فإنْ كانَ تحرِيماً لعارضٍ بأن مَلَكَ أُختيْنِ فَوَطِئَ إِحْدَاهُمَا ثم طَلَبَتِ الأُخْرَى تَزْوِيجَهَا، فإنهُ لا يَجِبُ عليهِ إجابَتُها، لأنَّ تحريمهَا ليسَ مؤيداً، جزَمَ بِهِ في الروضَةِ تبعاً للرافعى وأطْلَقَ في الوسيطِ الخلافَ ولم يُقيدْ بِكَوْنهَا مُحَرَّمَةَ عليهِ.
فُرُوعٌ: المدبرةُ والمعلَّقُ عِتقُها كالقِنةِ وكذا أمُّ الولَدِ على الصحيح في الروضَةِ وهو الظَّاهرُ في الرافعى وخالفَ الْجُرجَانِىُّ فقالَ: لا يملِكُ إجبَارَهَا لأنهُ لا يملِكُ
стр. 1229
بيعَها فهى كالْمُكَاتَبَةِ، وقيلَ: يَملِكُهُ، وقيل: لاَ يملِكُ تزويجَها بحالٍ وإنِ اختارَتْ، قال: وعلى هَذا هل للحاكِمِ تزويجُها؟ على وجهين. وأمَةُ المُبعَضِ لا تُزَوَّجُ كما قالهُ البغويُّ في فتاويهِ، ومَن بعضُها حُرٌّ لا تُجبَرُ ولا يُجبرُ سيِّدُها على الصحيح في الروضة، وقيل: يجبَرُ سيِّدُها على الأصحِّ، والمكاتَبَةُ لا يجبِرُها سيِّدُها ولا تنكحُ بدون إذنِهِ ولا تجبُ إجابتُها على الصحيح في الروضة، وقيل: لا تزوجُ أصلاً لاختلاَلِ مِلك المولَى وعدمِ استقلالِها.
وَإِذَا زَوجَهَا فَالأصَح أنَّهُ بِالمِلْكِ لاَ بِالوِلاَيَةِ، لأنهُ يملِكُ الاستمتاعَ بها كما يملِكُ تزويجَها، ووجهُ مقابلِهِ وهر أنهُ بالولايةِ أنَّ عليهِ النظر ورعايَةَ الحَظِّ لها حتى لا يجوزُ تزويجَها من مَعِيْب بِعَيبٍ يُثْبِتُ الخِيَارَ بغيرِ رِضَاها كما سلَفَ قريباً. وكلامُ المصنّف في كونِ التزويج بالمِلْك أوْ بالولايَةِ مقصور على تزويج الأمَةِ وكذلك كلامُ كثيرٍ من الأصحابِ، لكن كلامُ الغزالي كالصريح في أنَّ الخلافَ فيها وفي العبدِ جميعاَ، وقال الرافعى: إنهُ لا يجرِي في العبدِ إلا إذا قلنا بإجبارِهِ عليهِ. قال ابنُ الرفعةِ: وليعرفْ أن السَّيِّدَ إذا قُلنا يزوِّجُ بطريقِ الولايةِ، فسببُ الولايةِ المِلْكُ كما أن سببَ ولايةِ الأبِ القرابةُ، ويتأكدُ القولُ بهذا في العبدِ، فإنَّ مُسْتَمْتَعَهُ غيرُ مملوكٍ للمولَى والعقدُ واردٌ عليهِ فيظهرُ كونُهُ مُتَصَرِّفاً بالولايةِ ولا جَرَمَ خَصَّ مَنْ قَالَ: إنَّ الصحيحَ يتصرفُ بحكْمِ المِلْك ذلكَ بتزوِيج الأمَةِ.
فيُزَوِّجُ مُسلم أمَتَهُ الكَافِرَةَ، أيِ الكتابِيةَ كما هو لفظُ المُحَرَّرِ، وإنما يُتَصَورُ تزويجُهُ إياها بعبدٍ أو حُرٍّ كتابِى إذا أحلَلناهَا لَهُمَا وهُو الصحيحُ كما ذكرَهُ المصنفُ في الباب الآتى، وَفَاسق وَمُكَاتَب، وهذا فرعُهُ على التزويج بالملْك ولهذا أتى بالفاء الْمُفْهِمَةِ لِذَلِكَ وإنْ قُلنا بالولايةِ فلا يزوِّجُ أَمَتَهُ الكافرةَ كما يزوِّجُ ابنتَهُ الكافرةَ، ولا الفاسِقَ إن قلنا الفِسقُ يَسلُبُ الولايَةَ، وكذا المكاتَبُ، لأن الرِّقِّ يمنعُ الولايةَ ولو كان لِكَافِرِ أمَة مسلِمَةٌ أو أمُّ ولَدِ فقال ابنُ الحداد: يُزَوِّجُهَا بِحُكْمِ الْمِلْك، والأصَحُّ المنعُ، لأنَّ المسلِمَ في الولايةِ آكدُ، ولأنهُ يملِكُ الاستمتاعَ بِبُضْعِهَا بخلافِهِ ولو كانَ لمسلِمِ أمَة وَثَنِية أو مَجُوسِية فهل له تزويجُها؟ وجهان مبنيَّان على هاتين العِلَّتين إن قلنا بالأوَّل
стр. 1230
فلهُ، وإن قلنا بالثاني فلا، وهو المذكور في التهذيب وصحَّحَ الشيخُ أبو على: الجَوَازَ، واستشهدَ عليه بأن من مَلَكَ أُختَهُ من الرضاع أو النسَبِ كانَ لهُ تزويجُها، وإن لم يكُنِ الاستمتاعُ لهُ وهو ظاهرُ إطلاقِ المصنِّف، ولعلَّهُ عَدَلَ عن لفظ الْمُحَرَّرِ الكتابِيَّةَ إلى قوله الكَافِرَةَ ولهذا لو كان للكافرِ عبدٌ مسلم فقد أسلفْتُ عليه الكلامَ قريباً.
وَلاَ يُزَوِّجُ وَليٌّ عَبدَ صَبِي، أي ومجنون وسفيه لما فيه من انقطاع اكتسابِهِ وفوائدِهِ عنهُم، وهذه العبارةُ أصْوَبُ من قولِ المُحَرَّرِ: وَلاَ يُجْبِرُ، لأنهُ لا يلزَمُ من عَدَمِ إجبارِهِ مَنْعُ تزويجِهِ برِضَاهُ والصحيحُ منعُهُ.
ويزَوِّجُ أَمَتَهُ فِي الأصَحِّ، أى إذا ظهرَتِ الغِبطَةُ كما قيَّدَهُ في الروضة تَبَعاً للرافعيِّ اكتساباً للمَهرِ والنَّفَقَةِ، والثانى: المنعُ، لأنهُ يُنْقِصُ قِيمَتَهَا، وقد تَحبلَ فَتَهْلَكَ، والثالث: يُزَوجُ أَمَةَ الصبيةِ دونَ الصَّبِي، لأنهُ قد يحتاجُ إليها إذا بَلَغَ، وقال ابنُ الرفعةِ: إنهُ المنصوصُ وحكاهُ عن ابنِ داودَ والرافعيُّ حكاهُ عن بعضِ الشُّرُوح، وهو مرادُهُ كما اسْتُقْرِئَ مِنْ كلامِهِ وإن لَم يُصَرِّح بِهِ.
فَرْعٌ: إنْ جوَّزْناهُ، قال الإمامُ: يجوزُ تزويجُ أمَةِ البنتِ الصغيرةِ وإنْ لم يَجُزْ تزويجَها، ولا يجوزُ للأبِ تزويجُ أمَةِ البِكْرِ البالغَةِ قَهْراً وإنْ كانَ يَقهَرُهَا.
فَرْعٌ: فيمن يزوجُ أمةَ الصغيرِ والمجنونِ وجهان أحدُهما: وليُّ مالِهِ، وأصحُّهما: وليُّ نكاحِهِ الذي يلى المالَ، وعلى هذا غيرُ الأبِ والجدِّ لا يزوجُها. والأبُ لا يزوّجُ أمَةَ البنتِ الصغيرةِ، فإنْ كانَتْ مجنونَة زوَّجَ وإنْ كانت لسفيهةِ، فلا بُدَّ مِن إذنِهِ قالهُ الرافعي. قال ابنُ الرفعة: ويشبِهُ أن يكونَ هذا الإذنُ، لأجْلِ تركِ حقَّهِ من الاستمتاعِ بها، فلو كانتْ مُحَرَّمَة عليهِ لم يُشْتَرَط، وقال الماوردىُّ: إنْ كانَتِ السيِّدَة صغيرة، لم يكُنْ لأحد من أوليائِها سِوَى الأبِ والجد تزويجُ أمَتِهَا، وفي جوازِهِ للأبِ وجهانِ. وهل للأبِ إذا كان لابنهِ الصغيرِ أَمَةٌ أنْ يزوجها؟ على هذين الوجهين.
فَرْعٌ: هذا كله إذا لم تطلُبِ الأمَةُ التزويجَ، فإنْ طلبتْهُ، قال ابنُ الرفعة: ينبغي إنْ كانَتْ مُحَرَّمَة على سيّدِها تحريماً مؤبداً أو كانَتْ لأنثى، وقُلنا يُجبرُ السيدُ الرشيدُ
стр. 1231
على التزويج؛ زوَّجَها الوليُّ قطعًا، وإلَّا كانَ الحُكمُ كما لو لم تطلُب. قال: ويظهرُ في حالِ الطلبِ إذا أوجبنا تزويجَها، أنْ لا يُفَرق في الوليّ بين الأبِ وغيرِهِ، بل يكونُ ذلك على وليِّ المالِ إنْ كانَتْ لِذَكَرِ. وإنْ كانت لأنثَى فعلى الخلافِ. وإن لم تكُنْ مُحَرَّمَةَ على السيدِ فإنْ كانَ مجنونًا أو سفيهاً فنكاحُهُ مُرْجُوٌّ في الحالِ، والمشهورُ أنهُ لو كانَ رشيداً لا يجبرُ، فإن قلنا يجبَرُ فَكَالأمَةِ المُحَرَّمَةِ، ولعل البعيدَ يُضبطُ بمدَّةٍ تزيدُ، وإنْ كانَ السيدُ صغيراً، فهل يُلْحَقُ بأمَةِ المرأةِ أو بأمَةِ المجنونِ والسفيهِ؟ فيه نظر، ويقوَى إلحاقُها بأمَةِ المجنونِ إذا قربَ زمنُ البلوغ، وبالأمَةِ الْمُحَرَّمةِ إذا بَعُدَ، ولعل البعيدَ يضبطُ بمدَّة تزيدُ على مُدةِ الإيْلاَءِ، قال: وهذه المباحثاتُ لم أَرَهَا في كتابٍ فَلتتَأمَّل.
فَرْعٌ: أَمَةُ المرأةِ إنْ كانت مالكَتُها مَحْجُوراً عليها فقد سبقَ بيانُها، وإلا فيزوجُها وليُّ المرأةِ تبعاً لولايتِهِ عليها، وسواء الوليُّ بالنسبِ وغيرِهِ، والأمَةُ العاقلَةُ والمجنونَةُ والصغيرَةُ والكبيرَةُ، ولا حاجَةَ إلى إذنِ الأمَةِ ويُشترطُ إذنُ مالكَتِها نُطْقًا، وإنْ كانتْ بِكْراً، لأنها لا تَسْتَحِي من ذلك. وَنَسَبَ الإمامُ والغزاليُّ إلى صاحِبِ التلخيصِ: أن الذي يزوج أمَةَ المرأةِ السلطانُ، وذكرَهُ الرافعيُّ مُوَهِّناً لنقلِهِ وأسقطَهُ في الروضةِ وأصَابَ، لأن الذي قالَهُ صاحبُ التلخيصِ في عَتِيْقَة المرأةِ لا في أمَتِهَا.
فَرْعٌ: لاَ يُزَوِّجُ السّيدُ أَمَةَ مكاتَبِهِ ولا عبدَهُ ولا يزوجهُما المكاتَبُ بغير إذنِ سيِّدِه وبإذنِهِ قولانِ كتبرُّعِهِ.
بَابُ مَا يَحْرُمُ مِنَ النِّكاح
تَحْرُمُ الأمهَاتُ، لقولهِ تعالَى (•): ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ (٤٥٠)، وَكُل مَنْ
стр. 1232
وَلَدَتكَ أَوْ وَلَدَت مَن وَلَدَكَ فَهِيَ أمكَ. وَالبناتُ، للآية، وَكُل مَنْ وَلَدتهَا أَوْ وَلَدْتَ مَنْ وَلَدَهَا فَبِنتكَ. قُلْتُ: وَالمَخْلُوقَةُ مِنْ زِنَاهُ تحِل لَهُ، لأنها أجنبيَّة عنه بدليل انتفاءِ سائرِ أحَكامِ النسبِ، نَعَمْ: يكرَهُ خروجاً من الخلاف أو لاحتمال أنها منهُ، قال في الروضة: وسواء طاوعتْهُ على الزِّنَا أو أكْرَهَهَا، ويحْرُمُ عَلَى المرأَةِ وَلَدُهَا مِنْ زِناً، وَالله أعلَمُ، بالإجماع كما أجمعُوا على أنَّهُ يَرِثُهَا.
فَرْعٌ: البنتُ المنفيةُ بِاللِّعَانِ يحرُمُ على المُلاَعِنِ نِكَاحُهَا وإن لم يدخل بأمها لأنها لا تَنتفِي عنهُ قطعاً أَلاَ تَرَى أنهُ لو أكْذَبَ نفسَهُ لَحِقَتْهُ، وَالأخَوَاتُ وَبَنَاتُ الإخْوَةِ وَالأخَوَاتِ، وَالعَماتُ، وَالخالاَتُ، للآية، وَكُلُّ مَن هِيَ أخْتُ ذَكَرِ وَلَدَكَ فَعَمتُكَ، أَو أخْتُ أنْثَى وَلدتكَ فَخَالَتُكَ، ويحْرُمُ هَؤُلاَء السبعُ بالرضَاع أيضاً، لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٤٥١) فنصَّ على الأم والأختِ وقِسْنَا الباقي عليهما؛ وفي الصحيحين من حديث عائشة مرفوعاً [يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاع مَا يَحرُمُ مِنَ الوِلاَدَةِ] وفي رواية لهما [مِنَ النَّسَبِ] (٤٥٢)، وَكُلُّ مَن أرضَعَتكَ أَوْ أَرْضَعت مَن أرضَعَتكَ أَوْ مَن وَلَدَكَ أو وَلَدَت مُرضعَتَكَ، أَو ذَا لَبَنِهَا فَأم رَضَاعٍ، وَقِسِ الباقي، أي باقي الأصناف المتقدمة فَبِنْتكَ كل امرأةٍ أرضعَتْ بلَبَنِكَ أو بِلَبَنِ مَنْ وَلَدتَهُ أوْ أَرْضَعَتْهَا امْرَأَة وَلَدْتَهَا وكذا بَنَاتُهَا من النَّسَبِ وَالرُّضَاع؛ وأختكَ كلُّ امرأةٍ أَرْضَعَتْهَا أمُّكَ أو أرْضِعَتْ بِلَبَنِ أبيكَ وكذا كُل بِنْت وَلَدَتهَا المُرضعَةُ أوِ الْفَحلُ وكذا الباقي وهو واضح لا يخفَى.
стр. 1233
وَلاَ يَحْرُمُ عَلَيكَ مَنْ أرْضَعَتْ أخَاكَ، أيّ أو أُختُكَ؛ أي بخلافِ أمِّ الأخِ وَالأخْتِ في النسَبِ فإنها حرام لأنها إما أمّ أو مَوْطُوءَةُ أَبٍ، وفي الرضاع إذا كانت كذلك حُرِّمَتْ أيضاً، وإنْ لم يكُنْ كما إذا أرْضَعَتْ أجنبيةٌ أخاكَ أو أختَكَ فلا كما ذكرَهُ المصنِّفُ، وَنَافِلَتَكَ، أي وهي ولدُ الابن أو البِنْتِ قال تعالى: ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ (٤٥٣) وأمُّ نافلتكَ في النسبِ حرام لأنها اما بنتُك أو موطوءَةُ ولدِكَ وَطْءاً محتَرَماً بخلاف الرضاع قد لا تكون بنتاً ولا زوجة ابن. بأنْ تُرْضعَ نافلتكَ أجنبيةٌ، وَلاَ أمُّ مُرضعَةِ وَلَدِكَ، أى بخلاف النسبِ لأنها إما أمُّكَ أو أم زوجتِكَ وفي الرضاع قد لا يكون كذلك كما إذا أرضعَتْ أجنبيةٌ ولدَكَ فإنَّ أمهَا جدتُهُ وليسَت بأمِّكَ ولا أمِّ زوجتِكَ، وَبِنتهَا، أى بخلاف النسب فإن أختَ ولدكَ فيه حرام عليك لأنها إما بنتُكَ أو رَبِيْبَتُكَ فإذا أرضعَتْ أجنبية ولدَكَ فبِنتهَا أختُ ولدِكَ وليسَت بِبِنْتٍ ولا رَبِيبةٍ، وَلاَ أخْتُ أخِيْكَ، مِنْ نَسَبِ وَلاَ رَضَاع وَهِيَ أخْتُ أَخِيكَ لأبِيكَ لأمه وَعَكسُهُ، أي لا تحرمُ أختُ الأخ في النسب ولا في الرضاع وصورتُهُ في النسب أنْ يكونَ لكَ أخْ لأبٍ وأخْتٌ لأمّ فلهُ أن ينكِحَ أختكَ من الأم. وفي الرضاع أنْ تُرْضعَكَ امرأة وتُرضعَ صغيرةً أجنبيةً منكَ يجوزُ لأخيكَ نكاحُها وهي أختكَ من الرضاع وإذا وَلَدَتْ هذهِ وَلَداً كنْتَ أنتَ عَماً لهُ وخَالاً وقد نَظَمَ هذه الصورةِ بعضُهم:
أربعٌ هُنَّ فِى الرضاع حَلاَلُ ... وَإِذَا مَا نَاسَبْتَهُنَّ حَرَامُ
جدَّةُ ابنٍ ثُمَّ أُختهُ ثُمَّ أم ... لأخِيهِ وَحَافِدٍ وَالسَّلاَمُ
واستثنى آخرون غير ذلك، والمحقِّقون على أنه لا حاجةَ إلى استثناءِ شيءٍ لأنها ليست داخلةَ في الضابط، ولهذا لم يَسْتَثْنِهَا الشافعي ولا جمهورُ أصحابهِ، ولا اسْتثْنِيَتْ في الحديثِ الصحيح السالف، لأن أم الأخ، لم تَحْرُمْ لكونِهَا أُمُّ أَخٍ وإنما حُرِّمَتْ لكونها أُمَاَ أو حليلةَ أبٍ، ولم يوجد ذلك في الصورة الأولى، وكذا القول في الباقي.
стр. 1234
وَتحرُمُ زَوجةُ مَن وَلَدتَ، لقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ (٤٥٤)، أو وَلَدَكَ، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (٤٥٥). قال في الأمِّ: أي في الجاهليَّةِ قبلَ علمِكُم بتحريمهِ؛ فإنهُ كانَ أكبرَ ولدٍ للرجُلِ يَخْلِفُ من امرأةِ أبيهِ. مِن نَسَبٍ أوْ رَضَاع، أما النسبُ فللآية وأما الرضاعُ فللحديث المتقدم.
وَأمهَاتُ زَوجَتِكَ، لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ (٤٥٤)، مِنْهُمَا، أى من النسب والرضاع لما مرَّ، وَكَذَا بَنَاتهَا إن دَخَلْتَ بِهَا، لقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ .. الآية﴾. وذكر الحجور جرياً على الغالب لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٤٥٦) وسواء بنتُ النسبِ والرضاع. وَاعلم أنَّ الثلاثَ الأوَلَ أعنى زوجةَ الأَبِ والابنِ وأمَّ الزوجَةِ يَحْرُمْنَّ بمجرَّدِ العقدِ الصحيح، أما الفاسِدُ فلا يتعلْقُ به حُرْمَةُ المُصَاهَرَةِ، كما لا يتعلقُ به حِلُّ المنكوحَةِ، هذا هو الصوابُ، وقد صرح به الرافعي في المُحَرَّرِ، وحذفَهُ المصنفُ، وقال في الدقائِقِ: إن الصوابَ حذفُهُ، وعلَّلهُ بأن حرمَةَ المصاهرَةِ تثبُتُ بالنكاح الفاسدِ، وهو عجيب فَاجتنبهُ.
وَمَن وَطِئ امْرَأةَ بِمِلكٍ حَرُمَ عَلَيهِ أمهَاتُهَا وَبَنَاتهَا وَحَرُمت عَلَى آبائهِ وَأبنَائهِ، لأن الوطءَ في مِلْك اليمينِ نازل منزلةَ عقدِ النكاح، ولهذا يحرُمُ الجمعُ بينَ وطءِ الأُختينِ في الملك كما يحرُمُ الجمعُ في النكاح، وَكَذَا الموطُوءَةُ بِشبهَةٍ، كما يثبتُ النسب ويوجِبُ العِدة، في حَقِّهِ، أي يثبتُ التحريمُ إذا اشتبَهَ الحالُ عليه ولا يثبتُ إذا لم يشتبِهْ عليه كما في النسبِ والعِدَّةِ فيهما، قِيلَ: أوْ حَقهَا، اتباعاً لها، وعلى هذا وجهان أحدُهما: يختَصُّ بمنِ اختصتِ الشبهَةُ بهِ، والثانى: أنها تَعُمُّ الطرفينِ كالنسب.
فَرْعٌ: لو كانَتِ المرأةُ مَيِّتَةً فلا تثبتُ حرمةُ المصاهرةِ بوطْئِها كما حزم به الرافعيُّ أولَ الرضاع، وحكى في البحر هنا احتمالين عن والدهِ ثم قال: وعندى أنه لا يتعلَّقُ به تحريم لأنها كالبهيمةِ.
стр. 1235
فَرْعٌ: لو كانَ الوَاطِئُ خُنْثَى فلا يثبتُ به حرمةُ المصاهرة أيضًا، لاحتمال كونِ العُضْوِ زائدًا قاله أبو الفُتُوحِ، لاَ الْمَزنِيُّ بِهَا، أي فإنهُ لا يثبتُ لها به حَق حرمَةِ المصاهرَةِ؛ لأنها نعمة من اللهِ فلا يثبتُ به كالنسبِ، وَلَيسَت بُماشَرَة بِشَهْوَةٍ كَوطْء في الأظْهَرِ؛ لأنهُ لا يوجِبُ العِدَّةَ فكذا لا يوجِبُ الحُرمةَ وقد قال تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ شرَطَ الدخولَ في التحريمِ، والثانى: هو كالوطءِ لأنه تلذذ بمباشرته فأشبهته، قال الرافعيُّ في أحكام إتيان الدبر: وهو قوله. ولم يقيد في الْمُحَرَّرِ الملامَسَةَ بشهوةٍ وهي طريقة حكاهَا الإمامُ. وخرجَ بالمباشرَةِ النظَرُ بشهوةِ فإنهُ لا يثبتُ حرمةَ المصاهرَةِ على المذهبِ.
تَنْبِيْهٌ: استدخال المني المحترم كماء الزوج والأجنبي بشبهة يثبت حرمة المصاهرة أيضًا.
تَنْبِيْهٌ آخَرُ: ذكره البخاري في صحيحه في باب ما يحلُّ من النساء وما يحرم مقالةً عجيبة لو نَزهَ كتابهُ عنها لكان أوْلى؛ وهي قوله: ويروَى عن يحيى الكندي عن الشعبيِّ وأبي جعفر فِيمَنْ يلعَبُ بالصبىِّ فأدخله فيه فلا يتزوجنَّ أمَّهُ. ثم قال: ويحيى هذا غيرُ معروفٍ؛ ولم يتابع عليه (٤٥٧).
وَلَوِ اخْتَلَطَت مَحْرَمٌ بِنِسْوَةِ قَريةٍ كَبِيرَةِ نَكَحَ مِنْهُن، أي وإلا انحسم عليه باب النكاح فإنه وإن سافر إلى بلدة أخرى لم تؤمن مسافرتها إليها, لاَ بِمَحْصُورَاتٍ، لأنَّ باب النكاح لا ينحسم هنا وتغليبا للتحريم ولا مَدْخَلَ لِلتحَريم في هذا الباب، قال الإمامُ: وغيرُ المحصورِ ما عَسُرَ عَدُّهُ على آحَادِ الناسِ أي بمجرَّدِ النظرِ كما قال الغزالي وإن سَهُلَ فَمَحصُورٌ، وَلَوْ طَرَأَ مُؤبدُ تحرِيمٍ عَلَى نِكاحٍ قَطَعَة كَوَطءِ زوجَةِ أبِيْهِ بِشُبْهَةٍ؛ لأنه معنى يوجب تحريمًا مؤبدًا فهذا طرأ على النكاحِ أبطلَهُ كالرضاع، وقوله (ابنه) وهو بالنون وبالياء أيضا وقد ضبطهُ بهما المصنفُ بخطِّهِ وقالَ معًا.
стр. 1236
فَصْلٌ: وَيحْرُمُ جَمْعُ المَرْأَةِ وَأخْتِهَا، أي من الأبوين أو أحدهما ابتداءً ودواماً بالإجماع، أو عَمتِهَا أَوْ خَالَتِهَا، أي ابتداء ودوامًا أيضًا ولا عبرة. ممن خالف فيه، مِن رَضَاعٍ أَوْ نَسَبٍ، أي في الأختين والعمة والخالة لإطلاق الأدلة.
تَنبِيْهٌ: يحرمُ أيضاً الجمعُ بين المرأةِ وخالةِ أحدِ أبوَيها أو عمَّةِ أحدِ أبوَيْها، فَإِن جَمَعَ بِعَقْدٍ بَطَلَ؛ لأنَّ النهىَ يقتضِيهِ، أَوْ مُرَكبًا فَالثانِي؛ لأن الجمعَ حصَلَ بهِ.
فَرْعٌ: يحرمُ الجمعُ بين المرأةِ وبنتها أيضًا فلو نكحهما معًا بَطَلَ نكاحُهُما ولو نكحُهما في عقدين فالثانية باطلةٌ، وإن كانت الثانية البنتُ جاز أن ينكحَها إنْ فارق الأمَّ قبلَ الدخولِ.
فَرْعٌ: يجوزُ الجمعُ بين بنتِ الرجُل ورَبِيبتِهِ وبينَ المرأةِ وربيبَةِ زوجِها من امرأةٍ أخرى وبين أخت الرجلِ من أمهِ وأخْتِهِ من أبيهِ.
وَمَنْ حَرُمَ جَمعُهُمَا بِنِكَاحٍ حَرُمَ في الوطءِ بِمِلْك, لأنه إذا حرم النكاح فلأن يحرُمَ الوطءُ وهو المقصودُ بطريق أَوْلى، لاَ مِلْكُهُمَا، بالإجماع لأن الملك قد يقصَدُ به غيرُ الوطئِ، فإن وَطئ وَاحِدَةَ حَرُمَتِ الأخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ الأوْلَى كَبَيعٍ؛ لأنه إزالَةُ مِلْكٍ، أوْ نِكاحٍ أوْ كِتابةٍ؛ لأنهما إزالة حِلٍّ، لاَ حَيْضٍ وَإحْرَامٍ، أي وكذا رِدَّةٍ وعدَّةُ شبهةٍ لأنها أسبابٌ عارضةٌ لم يُزَلِ المِلْكُ ولا الاستحقاقُ، وَكَذَا رَهنٌ في الأصَحِّ؛ لأنه لا يفيد استقلالًا كما تفيدُهُ الكتابةُ ولا حِلًّا كما يفيدُهُ التزويجُ ولا يزيلُ الحِلَّ، ألاَ ترى أنهُ لو أذِنَ المرتهن فيه جازَ مع بقاء الرهنِ، والثانى: يكفي قياسًا على الكتابَةِ والبيع.
فَرْعٌ: الوطىُء في الدُّبُرِ كَالقُبُلِ فَتَحرُمُ الأُخرَى بهِ، وفي اللمسِ وَالقبلَةِ وَالنظَرِ بِشَهْوَةٍ مِثْلُ الخلافِ السابقِ في حرمَةِ المصاهرَةِ.
فَرْعٌ: لو مَلَكَ أمًّا وَابنَتَهَا وَوَطَأ إحداهُما حُرمَتِ الأخرى أبدًا، فلو وَطَأَ الأخرى بعد ذلك جاهلًا بالتحريمِ حُرِّمَتِ الأُوْلَى أيضًا أبدًا، وإنْ كان عالمًا ففي وُجُوبِ الحَدِّ قولانِ؛ إنْ قلنا: لا؛ حُرِّمَتِ الأولى أيضا أبدًا وإلا فلا.
стр. 1237
فَرْعٌ: لو ملك رجل مملوكين جارية وخنثى وهما أخوان فوطئ الخنثى جاز له عقب ذلك وطء الجارية قاله أبو الفتوح.
وَلَوْ مَلَكَهَا ثُمَّ نَكَحَ أختهَا، أي أو عَمَّتَها، أَوْ عَكَسَ حَلَّتِ المنكُوحَةُ دُونَهَا، لقوَّة فراشِ النكاح.
فَصْلٌ: وَللعَبْدِ امْرَأَتَانِ، رُوِي ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِى وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوفٍ ولا يُعرف لهم مخالفٌ والمبعضُ كالقِنِّ قاله المحاملى في لبابه، وَللْحُرِّ أربَعٌ فَقَطْ، بأجمع من يعتدُّ به، فَإن نَكَحَ خَمسًا مَعًا بَطَلنَ، أي وكذلك العبدُ إذا نكحَ ثلاثًا لأنهُ ليس إبطالُ نكاح واحدةِ بأولى من الأخرى فبطل الجميع، أوْ مُرَتبًا فَالخامِسَةُ، لزيادتها على العدَدِ الشرعيِّ.
فَرْعٌ: لو نكحَ خمسًا في عقدٍ فيهِنَّ أختان بَطَلَ فيهما، وفي الباقي قولًا: تفريقُ الصفقةِ، والأظهرُ الصحَّةُ. ولو نكحَ سبعاً فيهِنَّ أُختانِ بَطَلَ الجميعُ.
وَتحِلُّ الأخْتُ وَالخامِسَةُ فِي عِدَّةِ بَائِنِ؛ لأنها أجنبية، لاَ رجعيةٍ؛ لأنها في حُكم الزوجاتِ، قال القفالُ في فتاويه: وكذا ليس لهُ أنْ يَطَأ أختها بملكِ اليمينِ.
فَرْعٌ: لو وطِئ امرأةَ بشبهة فلهُ نكاحُ أربع في عِدَّتِهَا.
فصل: وَإذَا طَلْقَ الحرُّ ثَلاَثًا أَوِ الْعَبْدُ طَلْقَتَينِ، قبل الدخول وبعده، لَمْ تحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ وَتَغِيبَ بِقُبُلِهَا حَشَفَتُهُ أَوْ قَدرُهَا، أي من مقطوع الحشفةِ ويطلِّقها وتنقضى عِدَّتُها كما صرَّح به في الْمُحَرَّر، أمًا في الْحُرِّ فلقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ أي الثالثة ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٤٥٨) أي يطأها كما دلَّت عليه السُّنة في قصة امرأة رفاعة (٤٥٩)، وأما في العبدِ فلأنهُ استوفى ما يملك من الطلاقِ
стр. 1238
فأشبهَ الحُرَّ، وأما الاكتفاءُ بالحشفة من الصحيح فلأنهُ به يثبتُ أحكامُ الوطءِ، وهذا في الثيبِ، أما البكْرِ فقال البغوي: أقلهُ الافتضاضُ بآلته، قال في الكفاية: وحكاهُ المحاملى عن الأم, لأنَّ التقاءَ الخِتَانَيْنِ لا يحصلُ إلا بعدَ الافتضاضِ، وقال في المطلب: هذا النصُّ ليس يجرى على إطلاقهِ بل هو محمول على أن ذلك في الغالبِ يحصلُ بتغييبِ الحشفةِ وخالفَ ذلك في كتاب الطلاق، وأما الاكتفاءُ بقدرِ الحشفةِ من مقطوعِها فلقيامهِ مقامَها، قال الإمامُ: والمعتبرُ الحشفةُ التي كانت لهذا العضوِ المخصوصِ، واحترزَ المصنِّفُ بالقُبُلِ عن الدبرِ وهو مما زادهُ على المُحَرَّر.
فَرْعٌ: لو لفَّ على ذكرهِ خرقةً وأولجَ حللَ على الصحيح في الروضة.
فَرْعٌ: إذا طلَّقَ الحر ذميَّةَ طلقةً ثم نقضَ العهدَ واسترقَّ ثم نكحها وطلقَها أخرج واستوفى عدَدَ طلاقِها ولو كان طلقها طلقتين فلهُ ثالثة على الأصح.
بِشَرْطِ الانْتِشَارِ، أي قوتهِ لأنهُ إذا لم يكن منتشرًا لِعِنةٍ أو لشللٍ فقد فاتَ ذوق العسيلة وهي مطلوبةُ، وَصِحةِ النِّكَاح، أيْ فالوطءُ في نكاحٍ فاسدٍ لا يحلِّلُ كما لا يحصل به التحصينُ، وَكَونهِ مِمَّنْ يُمكِنُ جِمَاعُهُ، أي سواء كان حُرًّا أو عبدًا؛ عاقلاً أو مجنونًا؛ بالغاً أو مراهقًا؛ مُسلمًا كان أو كافرًا إذا كانَتْ كافرةَ ووطئ في وقت لو ترافعوا إلينا فيه لقررناهم عليه، وسواءٌ في هذا الكافر الذمي والمجوسيُّ والوثنيُّ
стр. 1239
فإنهم يحلّلون الذميةَ للمسلمِ كما نقله في الروضة في المجوسي والوثنى عن إبراهيم المروروزي قال: كما يُحَصِّنَانِهَا، لاَ طِفْلاً عَلَى الْمَذْهَبِ فِيهِن، لعدم الغيرةِ، وقوله (فِيْهِنَّ) أي في المسائل الثلاث وهو موافقٌ لتعبيرهِ في الروضة في الأولى والثانية ومخالفٌ لما في الثالثة فإنه عبرَ بالصحيح فيها، ووجهُ الاكتفاءِ بالنكاح الفاسدِ القياسُ على المهرِ والنسَبِ وغيرهما ووجهُ الاكتفاءِ في الباقي حصولُ صورَةِ الوطءِ.
فَرْعٌ: لو وطأها في حال رِدتهِ ثم عادَ إلى الإِسلام فالأصح أنها لا تَحِل.
وَلَوْ نَكَحَ بِشَرْطِ إِذَا وَطئَ طَلَّقَ أَوْ بَانَتْ أَوْ فَلاَ نِكاحَ بَطَلَ؛ لأنه ضربٌ من نكاح المتعَةِ؛ وقد صحَّ لَعنُ الْمُحَلِّلِ وَالمُحَللِ لَهُ (٤٦٠)، وَفِي التطلِيقِ قَوْل، أي أنه يصح ويبطل الشرط ويجب مهر المثل لأنه شرط فاسد قارن العقد ولا يبطل به كما لو نكحها بشرط أن لا يتزوج عليها ولا يُسافر بها.
فَرْعٌ: لو لم يَجْرِ شرطٌ ولكن في عزمهِ أنْ يطلقَها إذا وطأها كُرِهَ وصحَّ العقدُ خلافًا لمالكٍ وأحمد.
فَصْلٌ: لاَ يَنْكِحُ مَن يَمْلِكهَا أوْ بَعضهَا، وَلَو مَلَكَ زَوْجَتَهُ أو بَعضَهَا بَطَلَ نِكاحُهُ؛ لأن مِلْكَ اليمينِ أقوَى من مِلْكِ النكاحِ لأنه يملكُ به الرَّقبَةَ والمنفعةَ والنِّكَاحُ لا يملِكُ به إلا ضَرْبًا من المنفعةِ فسقطَ الأضعفُ بالأقوَى، وَلاَ تنْكِحُ مَنْ تَمْلِكُهُ أوْ بَعْضَهُ، لتضادِّ الأحكام أيضًا؛ وجاءَتِ امرأة إلى عمر ﵁ فقالت: إنَّ لي عبدًا قد رضيتُ دِينَهُ وأمانتهُ وإنى أُريدُ أنْ أتزوجهُ. فقالَ: (ليس لكَ ذَلِكَ) قالَتْ: ولِمَ، أليس الله يقولُ: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قال عمر:
стр. 1240
(وَيحَكِ إِنَّمَا هُوَ لِلرجَالِ دُوْنَ النسَاءِ). قالت: واللهِ لا أدعُ تزويجَهُ حتى تقرأَ عَلَيَّ بها آيةً من كتابِ اللهِ أنهَا للرجالِ دونَ النساءِ؟ ! فقالَ عمرُ: (وَاللهِ لَئِنْ فَعَلْتِ لأجْلِدَنكِ حَداً! ) فَكَفتْ حين رأتِ الْجِدَّ منهُ (٤٦١).
وَلاَ الحُرُّ أمَةَ غَيرِهِ إِلَّا بِشُرُوطٍ: أَن لاَ يَكُون تَحْتَهُ حُرةٌ تصلُح لِلاِستمتَاع، أي ولو كتابيَّةً لما روى البيهقي عن الحسن مرسلاً [أَنهُ ﷺ نَهَى أنْ تُنكَحَ الأمَةُ عَلَى الْحُرة] ولهذا المرسل ما يؤكدُهُ (٤٦٢)، ولو عبَّرَ المصنفُ بالمنكوحةِ بدلَ الحُرَّةِ ليشمَلَها والرقيقة أيضًا، قِيلَ: وَلاَ غَيْرُ صَالِحَةِ، أي كالهرمة والصغيرة ونحوهما الظاهر النهي
стр. 1241
والأصح كما يفهمه كلامه الجوازُ لأن التي تحتَهُ لا تُغْنِيْهِ، وعبارةُ المُحَرر: الأحْوَطُ الْمَنْعُ؛ فكأنهُ فَهِمَ من لفظة الأحوطُ الاحتياط لا أنه لفظ ترجيح كالأعدل ونحوه، فلذلك صحح الجواز ولا تصحيح في الروضة تبعًا للشرح ووقع فيهما أن القاضي حُسين صححَ أحد الوجهين (•) وناقشه صاحب المطلب فيه فقال: الذي رأيتهُ في تعليقِهِ إطلاقُ الوجهينِ من غير ترجيح.
وَأَن يَعجِزَ عَن حُرةِ، أي إمَّا لفَقْدِهَا أو لِفَقدِ صَدَاقِهَا ولقولهِ تعالىَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ ... ﴾ الآية (٤٦٣) والطَّوَلُ السِّعَةُ وَالفَضلُ. تَصلُحُ، أي للاستمتاع، ولو قَدَرَ على حُرَّةٍ كتابيَّةٍ لم تَحِل الأمَةُ في الأصحِّ، وذكْرُ المؤمناتِ في الآية جرَى على الغالب، قَيلَ: أَوْ لاَ تَصْلُحُ، أيْ كما إذا كانت صَغيرة أو رَتقَاءَ أو قَرْنَاءَ أو مَجْذُومَة أو بَرْصَاءَ أو مُعْتَدَّةَ عن غيرهِ لحصُول بعض الاستمتاعات، والأصح الجوازُ لأنه لم يحصل منها ما هو المقصودُ الأصلي، وأحَالَ في المُحَرر الخلافَ هنا على الخلافِ السابقِ وقد عَلِمتَ ما فيهِ، نَعَمْ: صححَ في الشرح الصغير الجوازَ وأفهمَهُ إيرادُ الكبير أيضًا. وَاعلَم: أن المُعْتَدَّةَ لا يصح نكاحُها فكيفَ يمنعُ وجودُها من نِكاح الأمَةِ على وجهِ وتَمَحَّلَ لهُ في المطلبِ بصورةٍ: وهي ما إذا أبانَها بدُون ثلاثٍ؛ ثم وطِئَتْ بشبهةٍ فإنها تعتد لهُ بعد ذلك، وهل للمطلقِ أنْ يتزوَّجَها في عِدَّةِ نفسِهِ؟ وجهان. فإنْ قُلنا: لهُ ذلك لم يطأها، فَلَوْ قَدَرَ عَلَى غَائِبَةٍ حَلَّت لَهُ أَمَة إِنْ لَحِقَهُ مَشَقَّة ظَاهِرَة في قَصْدِهَا أَوْ خَافَ زِنَا مُدَّتَهُ، أي وإلاّ فلا. قال الإمامُ: والمشقَّةُ المعتبرَةُ أنَّ القدرَةَ يَنْسِبُ متحمِّلُها في طلبِ زوجةٍ إلى الإسرافِ ومجاوزَةِ الحدِّ.
فَرْعٌ: المال الغائب لا يمنع نكاح الأمَةَ كما لا يمنع ابن السبيل من الزكاة. وَلَوْ وَجَدَ حُرَّة بِمُؤَجل، أي وهو يتوقعُ القدرَةَ عليهِ عند المحلِّ أو وجدَ من يبيعَهُ نسيئة ما يفي بصداقها أو وجدَ من يستأجرْهُ بأجرةٍ معجلة، أَوْ بِدُونِ مَهْرِ مِثْلٍ، أي وهو يجدُهُ، فَالأصَح حِلُّ أَمَةٍ في الأوْلَى؛ لأن ذمتَهُ تصيرُ مشغولة في الحالِ
стр. 1242
وقد لا يظفَرُ بما يتوقعُهُ، والثاني: لا للقدرة على نكاحٍ حُرةٍ، دُوْن الثانِيَةِ، إذ المِنةُ فيهِ قليلة إذِ العَادَةُ المُسَامَحَةُ في المُهُورِ؛ والثانى: يجوزُ لما فيه من المِنةِ؛ وقد عرفْتَ جوابَهُ، وقطع بعضُهم بالأول لا جرم. قال في الروضة: على المذهبِ فلو رضيَتْ بلا مَهْر حلت أيضًا على الأصح وأوْلى.
فَرعٌ: لو أقْرِضَ مَهْرَهَا لم تجب القبولُ على المذهب لاحتمالِ المطالبةِ في الحالِ.
فَرْعٌ: لو وُهِبَ لهُ مالٌ أو جارية لم يلزَمْهُ القبولُ وحلتِ الأمَةُ.
وَأن يَخَافَ زِنًا، لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ (٤٦٤) وَالعَنَتُ المَشَقةُ الشدِيدَةُ فليس لِلْعَنِيْنِ نكاحُها وبه صرَّح القاضي، فلو أمكَنَهُ تسَرَّ فَلاَ خَوفَ فِي الأصَح، لا منهُ العنتُ ولا ضرورةَ به إلى إرقاقِ ولدهِ، والثانى: نعم؛ لأنهُ لا يستطعُ طَولَ حُرةٍ، وِإسلاَمُهَا، أي فلا يحِلُّ لهُ نكاحَ الأمَةِ الكتابيَّةِ لقوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ (١٨٤).
فَرْعٌ: لا يشترطُ كونها لمسلمِ في الأصحِّ.
وَتَحِل لِحُرٍّ وَعَبْدٍ كِتَابييْنِ أَمَة كِتَابِية عَلَى الصَّحِيحِ، لِلتْكَافُؤِ بينهما في الدينِ، والثانى: المنعُ كما لا ينكِحُها الحُرُّ المسلِمُ.
فَرْعٌ: نكاحُ الحرِّ المجوسي والوثنى الأمَةَ المجوسيَّةَ والوثنية كالكتابِي الأمَةَ الكتابيةَ ذكرهُ في الروضة ومن زوائده، لاَ لِعَبدٍ مُسْلِم في المَشهُورِ؛ لأن المنعَ من نكاحِها لكفرِهَا يستوِي فيه الحُرُّ والعبدُ كالمرتدَّةِ والمجوسيةِ، والثانى؛ لهُ نكاحُها لأنه تفاوتٌ بينهما في الرقِّ والحرية بل في الديْنِ خاصَّةَ وهو لا يمنعُ للنكاح ألا ترَى أنَّ الْحُرَّ المسلمَ ينكِحُ الحُرَّة الكتابيَّةَ.
فَرْعٌ: للحُرِّ المسلمِ وطءُ أمَتِهِ الكتابيَّةِ دونَ المجوسيَّةِ والوثنيةِ كالنكاحِ في حرائِرِهِمْ، وَمَن بَعضُهَا رَقِيق كَرَقِيقَةٍ، أي حتى لا ينكحها حُرٌّ إلَّا بالشروطِ السالفةِ لأن إرقاقَ بعضِ الولدِ محذورٌ أيضًا.
стр. 1243
فَرْعٌ: ولدُ الأمَةِ المنكوحَةِ رقيق لمالكِها سواء كان زوجُها الحُر عربيًّا أو غيرَهُ، وفي العربِى قولٌ؛ وهل على الزوج قيمتُهُ كالغرورِ أمْ لا شيءَ عليهِ؛ لأن السيِّدَ رضِيَ حينَ زوَّجَها عربيًّا قولان.
فَرْعٌ: في فتاوَى القاضي أنهُ لو زوَّجَ أمتَهُ بواحِدِ طَوْلَ حُرَّةٍ فأولَدَها فالأولادُ أرقاءٌ لأن شُبْهَةَ النكاح كالنكاح الصحيح.
وَلَوْ نَكَحَ حُر أَمَةً بِشَرْطِهِ ثُمَّ أَيْسَرَ أَوْ نَكَحَ حُرَّة لَم تَنْفَسِخ الأمَةُ، لقوَّةِ الدوام، وَلَوْ جَمَعَ مَنْ لاَ تَحِل لَهُ الأمَةُ حُرَّة وَأَمَةً بِعَقْدٍ، أي بأنْ زوجهُ أمتَهُ وبنتَهُ فقال: زوَّجتُكَ أمَتِى هذهِ وبنتي هذه بكذا؟ فقال: قَبِلْتُ نِكَاحَهُمَا، بَطَلَتِ الأمَةُ لاَ الْحُرَّةُ في الأظْهَرِ، لما عرفْتَ من قاعدةِ تفريقِ الصفقةِ، فإن كما كان ممَّنْ يحِلُّ لهُ نكاحُ الأمَةِ فنكاحُ الأمَةِ باطل قطعًا لاستغنائِهِ عنهُ. وفي نكاح الحُرِّ طريقان أصحهما في الشرح الصغير أنه على القولين، والثانى: القطعُ بالبطلانِ، وخرجَ بقوله (مَنْ لاَ تَحِلُّ لَهُ الأمَةُ) العبدُ فإنهُ يجوزُ أنْ يجمَعَ بينَ الحُرة والأمَةِ، ويجوزُ لهُ نكاحُ الأمةِ على الحُرة لأنه لا يتضرَّرُ بِرِق ولدهِ، وبقوله (بعَقْدِ) عما لو قال: زوجتُك هذهِ وزوجتُكَ هذه؛ فقال: قَبِلْتُ نكاحَ هذهِ ونكاحَ هذهِ، واقتصرَ على قبولِ البنتِ فنكاحُها صحيحٌ لا محالةَ، ونكاحُ الأمَةِ صحيح في الأولى إنْ تقدَّمَ لا إنْ تأخْرَ، وفي الثانية لا يصحُّ لعدمِ القبولِ.
فَرْعٌ: لو فَصَلَ أحدُهما وجمعَ الآخرُ فكما لو فصل أو جَمَعَا وجهانِ، أصحُّهما الأوَّل.
فَرْعٌ: لو تزوَّجَ أمَتَيْنِ في عقدٍ بطلَ نكاحُهما قطعًا كالأُختين.
تَنْبِيْهٌ: هذا كلهُ في نكاح غيرِ أمَةِ ولدِهِ، أنا أمَةُ ولدِهِ فَسَتَعلَمُهُ في الإعفافِ إن شاءَ الله.
فَصلٌ: يَحْرُمُ نِكَاحُ مَنْ لاَ كِتَابَ لَهَا كَوَثَنِيةٍ وَمَجُوسِيةٍ، أي ولو مِلْكَ اليمينِ
стр. 1244
لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٤٦٥) والأشبهُ أنهُ كان للمجوسِ كتابٌ لكن بدَّلوهُ فأصبحوا وقد أُسريَّ به (٤٦٦). فمرادُ المصنف أنهُ لا كتابَ لهم الآنَ وحكى القاضي عن القديم جوازُهُ، وَتَحِلُّ كتابِية، لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٤٦٧)، لَكِنْ تُكْرَهُ حَرْبِيَّة، خَوْفَ الفتنَةِ بها في دِينهِ وكذا يُكرَهُ نكاحُ المسلِمَةِ المقيمَةِ في دارِ الحربِ نصَّ عليهِ في الأمِّ، وَكَذَا ذِميَّة عَلَى الصحِيْح، لئلا يكون في ذلك إيثارٌ للمشركَةِ على المسلمَةِ، نَعَمْ الكراهَةُ فيها أخَفُّ من الحربيةِ، والثاني: لا كراهةَ لأنَّ الاستفراش إهانة والكافرَةُ جديرة بهِ؛ قال الجويني: لكن الأولى أنْ لاَ يَفْعَلُهُ، وَالْكِتَابِيَّةُ يَهُودِيَّة أَوْ نَصْرَانِيَّة، للآية المتقدِّمةِ، لاَ مُتَمَسِّكة بِالزبورِ وَغَيرِهِ، كصُحُفِ شيت وإدريس وإبراهيم ﵈، واختلف في سبب ذلك، فقيلَ: لأنها لَمْ تُنَزَّل عَلَيهِمْ بِنَظْمٍ يُدْرَسُ ويتلى وإِنمَا أوْحِيَ إليهِمْ مَعَانِيْهَا. وقيل: لأنها كانت مواعِظَ وحِكَمًا ولم تتضمنْ أحْكَامًا وشرائِعَ، فإن لَم تكُنِ الْكتَابِيةُ إِسرَائِيلِيةً؛ فالأظْهَرُ حِلُّهَا إِن عُلِمَ دُخُولُ قَوْمِهَا في ذَلِكَ الدِّيْنِ قَبْلَ نَسْخِهِ وَتَحْرِيْفِهِ، اكتفاء بتمسكهم بذلك الدينِ حينَ كان حقّا؛ ومنهُمْ من قطعَ بهذا كما يقرونَ بالجزيةِ قطعاٌ، والخلافُ مبني على أنَّ الإسرائيليَّاتِ يُنكَحنَ لفضيلتَي الدِّينِ والنسبِ جمعًا أو لفضيلة الذينِ وحدها، وَقِيلَ: يَكفِي قَبْلَ نَسْخِهِ،
стр. 1245
أيْ وبعدَ التحريفِ وهذا إذا دخلُوا في الْمُحَرَّفِ؛ فإن لم يدخُلُوا فيه فالأظهرُ الحِلُّ كما ذكرَهُ في الروضة تبعاً للرافعى، وَاعْلَمْ: أنَّ ما تقرَّرَ من التحريمِ في هذا القسمِ هو فيما إذا كان الدُّخُولُ في ذلك من دِينٍ لا يُقَرُّ أهلُهُ عليهِ كَالتَّوَثُّنِ وإلَّا فمَنْ تَهَوَّدَ اليومَ أو تَنَصَّرَ فقد دخلَ في ذلك الدِّينِ بعدَ النَّسْخِ والتَّحْرِيْفِ وفي مُنَاكَحَتِهِ قولانِ؛ منهما انتقلَ من دِينٍ يُقَرُّ أهلُهُ عليه إلى مثلهِ. وبقي من تتمَّةِ المسألةِ صورةٌ ثالثةٌ وهي ما إذا دخَلُوا بعدَ التحريفِ والنسخِ ولا تحِلُّ مناكحَتُهم قطعاً، واحترز المصنِّفُ بقولهِ أوَّلاً: (إِنْ عُلِمَ) عمَّا إذا لم يُعْلَمْ متى دخلُوا فلا تحِلُّ مناكحتهم أيضاً، وبقوله قبلَهُ: (فَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْكِتَابِيَّةُ إِسْرَائِيْلِيَّةً) عما إذا كانَتْ إسرائيليَّةً فإنه يجوزُ نكاحُها مطلقاً ويكفي العِلْمُ بالدُّخُولِ قبلَ النسخِ لشرفِ النسبِ، قالهُ الأصحابُ واستشكَلَهُ الرافعيُّ.
فَائِدَةٌ: الإسرائيليَّةُ نسبةٌ إلى إسرائيلَ وهو يعقوبُ ومعناهُ عَبْدُ اللهِ.
وَالْكِتَابِيَّةُ الْمَنْكُوحَةُ كَمُسْلِمَةٍ فِي نَفَقَةٍ وَقَسْمٍ وَطَلاَقٍ، أيْ وعامَّةِ أحكامِ النكاحِ لاشتراكهِما في الزوجيَّةِ المقتضِيَةِ لذلكَ، لكن لا تَوَارُثَ بينَها وبينَ المسلمِ ولا تغسِلُهُ إنِ اعتبرنا نيَّةَ الغاسِلِ ولم تصحَّح نيَّتُها، وَتُجْبَرُ عَلَى غُسْلِ حَيْضٍ وَنِفَاسٍ، لأنَّ التمكين من الوطءِ واجبٌ عليها وهو لا يحِلُّ بدونِهِ، فإن لم تفعل غَسَلَهَا الزوجُ واستفادَ الحِلَّ وإن لم ينوِ للضرورَةِ، كما تُجْبَرُ المسلمةُ المجنونةُ، وقيلَ: ينوِي عنها، قالهُ القاضي حُسين، وعن الحليميِّ تخريجاً على الإجبارِ على الغُسْلِ أنَّ للسَّيِّدِ إجبارَ أَمتِهِ المجوسيَّةِ والوثنيَّةِ على الإسلامِ، لأنَّ حِلَّ الاستمتاعِ يتوقَّفُ عليهِ والصحيحُ خلافُهُ لأنَّ الرِّقَّ أفادَها الأمانَ مِن القتلِ فلا تجبُ كالْمُستأمنةِ وليس كالغُسْلِ فإنهُ لا يَعْظَمُ الأمرُ فيه، وَكَذَا جَنَابَةٍ وَتَرْكِ أَكْلِ خِنْزِيرِ فِي الأطهَرِ، كما يجبرها على إزالة النجاسة. والثاني: لا إجبارَ؛ لأنه لا يمنعُ الاستمتاعَ والخلافُ جارٍ في كلِّ ما يمنعُ كمالَ الاستمتاعِ، وَتُجْبَرُ هِيَ وَمُسْلِمَةٌ عَلَى غَسْلِ مَا نَجُسَ مِنْ أَعْضَائِهِمَا، أي قطعاً ليتمكَّنَ من الاستمتاع بها، وأطلقَ البغويُّ إجبارَ المسلمَةِ على غسل الجَنابَةِ، قال في الروضة: وليس هو على إطلاقهِ، بل هو فيما إذا طَالَ بحيثُ
стр. 1246
حضرَ وقتُ الصلاةِ، وأما إذا لم يحضُرْ ففي إجبارِها قولانِ؛ أظهرُهما: نَعَمْ.
فَرْعٌ: يجبِرُها أيضاً على التنظيفِ بالاستحدادِ وقَلْمِ الأظافِرِ وإزالَةِ شَعر الإِبْطِ والأوساخ إذا تفاحَشَ شيءٌ من ذلكَ بحيثُ يُنَفِّرُ، فإن كان لا يمنعُ أصلَ الاستمتاعِ لكن يمنعُ كمالَهُ، فقولان كما في غسلِ الجنابةِ.
فَرْعٌ: له المنعُ من شُربِ ما تَسْكَرُ بهِ وفي القدر الذي لا تَسْكَرُ بهِ فقولان وحكَى الرويانيُّ وجهاً: أنهُ ليس له منعُها من شُربِ القدرِ الذي يرونهُ عبادةً في أعيادهم، وله منعُها من الزيادةِ عليه إنْ لم تسكَرْ، ويجري القولان في منعِ المسلمَةِ من القدر الذي لا يُسكِرُ من النبيذ إذا كانت تعتقدُ إباحتَهُ. وقيل: يمنعُها قطعاً، لأن ذلك القدر لا ينضبطُ ويختلفُ باختلافِ الأشخاصِ.
فَرْعٌ: له منعُها من لُبْسِ جلودِ الميتةِ قبل دباغِهِ ولُبْسِ ما لهُ رائحةٌ كريهةٌ.
فَرْعٌ: يمنعُ الكتابيَّةَ من البِيَع والكنائِسِ، كما يمنعُ المسلمَةَ من الجماعاتِ والمساجدِ.
فَائِدَةٌ: أفتَى العمادُ بن يونس وغيرُه: بأنه لا يحِلُّ للمرأةِ أنْ تستعملَ دواءً يمنعُ
الْحَبلَ. وفي أوائل أحكامِ المحبِّ الطبريِّ وهي أجمع ما صنِّفَ فيه: أنَّ بعضَهم ذهبَ إلى أنَّ النطفةَ قبل تمامِ الأربعين ليس لها حُرْمَةٌ ولا يثبتُ لها حكمُ السقطِ ولا حكمُ الولدِ وأنَّ بعضَهم ذهبَ إلى أنَّ لها حُرْمَةً ولا يباحُ إفسادُها ولا التسبُّبُ إلى إخراجِها بعد استقرارِها في الرَّحِمِ.
فَصْلٌ: وَتحْرُمُ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ وَثَنِيٍّ وَكتَابِيَّةٍ، لأنَّ الانتسابَ إلى الأبِ وهو لا تحِلُّ مناكحَتُهُ، وكذا بين مجوسيٍّ وكتابيَّةٍ، وَكَذَا عَكْسُهُ فِي الأظْهَرِ، تغليباً للتحريم، والثانى: تحِلُّ لأنَّ الولدَ يُنْسَبُ إلى أَبيهِ، والأبُ كتابيٌّ هذا في صغير المتولِّد منهُما؛ فإذا بلغَ وتَدَيَّنَ بِدِيْنِ الكتابيِّ منهُما، فقال الشَّافِعِيُّ: تحِلُّ مناكحتُهُ وذبيحتُهُ، فمنهم من أثبت هذا قولاً، ومنهُم مَن قال: لا أثرَ لبلوغِهِ، وحملَ النصَّ على ما إذا كان أحدُ أبوَيْهِ يهودِيًّا والآخرُ نصرانيًّا فبلغَ واختارَ دِيْنَ أحدِهما، ولو تولَّدَ بينَ يهوديٍّ
стр. 1247
ومجوسيَّةٍ فبلغَ واختارَ التَّمَجُّسَ؛ فعَنِ القفَّالِ: أنهُ يُمَكَّنُ منهُ وتجري عليهِ أحكامُ المجوسِ، وقال الإمامُ: لا يمنعُ أنْ يقالَ إذا أثبتنا لهُ حكمَ اليهودِ في الذبيحَةِ والمناكحَةِ أنْ يَمْنَعَهُ من التمجُّسِ إذا منَعْنَا انتقالَ الكافرِ من دِيْنٍ إلى دِيْنٍ، وَإِنْ خَالَفَتِ السَّامِرَةُ الْيَهُودَ وَالصَّابِئُونَ النَّصَارَى فِي أَصْلِ دِيْنِهِمْ، أي ولا يُأَوِّلُونَ نَصَّ كتابهم، حَرُمْنَ، أي كالمجوس، وَإِلَّا فَلاَ، وإن كانوا يخالفونهم في الفروع ويُؤوِّلون نصَّ كتابهم فلا بأس بمناكحتِهم وهذا هو المنصوصُ، وأطلقَ بعضُهم حكايةَ قولين في مناكحتهم، قال الإمام: لا مجالَ للخلافِ فيمن يكفِّرُهُم اليهودُ والنصارَى ويخرجونَهُم عنهُم؛ لكن يمكنُ الخلافُ فيمن جعلوهُ كالمبتدع، وإذا شَكَكْنَا في جماعةٍ أيخالفونَهُم في الأُصول أَمِ الفرُوعِ لم يناكحهم، والصابئون فيما نقل، فرقتان فرقةٌ توافِقُ النصارَى في أُصول الدِّينِ وفرقةٌ تُخَالِفُهُمْ وهم الذى أفتَى الاصطخري بقتلِهِم.
فَصْلٌ: وَلَوْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ أَوْ عَكْسُهُ، أي أو تنصَّرَ يهوديٌّ، لَمْ يُقَرَّ فِي الأَظْهَرِ، الخلافُ مبنيٌّ على أنَّ الكفرَ مِلَّةٌ واحدةٌ، أمْ لا؟ وصحَّحَ الرافعيُّ في الشرح الصغير أنه يُقَرُّ، فإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً لَمْ تَحِلَّ لِمُسْلِمٍ، كالمسلمة إذا ارتدَّتْ، فَإِنْ كَانَتْ مَنْكُوحَتَهُ فَكَرِدَّةِ مُسْلِمَةٍ، فتتنجزُ الفرقةُ قبلَ الدخول وتتوقف على انقضاء العِدَّةِ بعدهُ، وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهُ إِلَّا الإِسْلاَمُ، لقوله تعالى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٤٦٨)، وَفِي قَوْلٍ: أَوْ دِيْنُهُ الأَوَّلُ، لأنهُ كان مُقَرًّا عليه، وَلَوْ تَوَثَّنَ لَمْ يُقَرَّ، لأنَّ أهله لا يُقَرُّونَ عليه، وَفِيْمَا يُقْبَلُ الْقَوْلاَنِ، أي المذكوران، وَلَوْ تَهَوَّدَ وَثَنِيٌّ أَوْ تَنَصَّرَ لَمْ يُقَرَّ وَيتَعَيَّنُ الإِسْلاَمُ كَمُسْلِمٍ ارْتَدَّ، لأنهُ كان لا يُقَرُّ فلا يستفيدُهُ بباطلٍ.
وَلاَ تَحِلُّ مُرْتَدَّةٌ لأَحَدٍ، أيْ لا لمسلمٍ لأنها كافرةٌ لا تُقَرُّ؛ ولا لكافر لبقاء عُلقةِ الإسلامِ فيها، وَلَوِ ارْتَدَّ زَوْجَانِ، أي إمَّا معاً أو على التَّعَاقُبِ، أَوْ أَحَدِهِمَا قَبْلَ دُخُولٍ تَنَجَّزَتِ الْفُرْقَةُ، أَوْ بَعْدَهُ وُقِفَتْ، فَإِنْ جَمَعَهُمَا الإِسْلاَمُ فِي الْعِدَّةِ دَامَ النِّكَاحُ، وَإِلَّا فَالْفُرْقَةُ مِنَ الرِّدَّةِ، لأنهُ اختلافُ دِيْنٍ طَرَأَ بعدَ الْمَسِيْسِ؛ فلا يوجِبُ الفسخَ في الحالِ كإسلام أحدِ الزوجينِ الكافرينِ.
стр. 1248
وَيَحْرُمُ الْوَطْءُ فِي التَّوَقُّفِ، لِلتَّشَعُّبِ الحاصِلِ، وَلاَ حَدَّ، للشُّبهَةِ، وتجبُ العِدَّةُ وهما عِدَّتَانِ من شخصٍ فهو كوطءِ مطلَّقَتِهِ في عِدَّتِهِ واجتماعِهِما في الإسلامِ هُنا لرجعتِهِ هناكَ فيستمِرُّ النكاحُ إذا جمعَهُما الإسلامُ في الحالاتِ التي يُحكَمُ فيها بثبوتِ الرجعةِ هناكَ.
فَرْعٌ: لو طلَّقَها في مُدَّةِ التَّوَقُّفِ أو ظَاهَرَ منها أو آلَى توقَّفْنا. فإنْ جمعَهُما الإسلامُ قبلَ انقضاءِ العِدَّةِ تَبَيَّنَّا صِحَّتَها وإلَّا فلا.
فَرْعٌ: ليس للزوجِ إذا ارتدَّتْ أن ينكِحَ أُختَها في مدَّةِ التوقُّفِ، ولا أربعاً سِواها، ولا أنْ ينكِحَ أَمةً، فإنْ طلَّقَها ثلاثاً في مُدَّةِ التوقُّفِ أو خالَعَها جازَ لَهُ ذلكَ، لأنها لم تَعُدْ إلى الإسلامِ نقد بَانَتْ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ وإلَّا فبالطلاقِ أو الْخُلْعِ.
فَرْعٌ: قال القفال في فتاويه؛ ومنها نقلتُ: إذا قال لامرأتِهِ: يا كافرة؛ فإن أرادَ شَتْمَهَا لم تَبُنْ منهُ، وإن لم يكُنْ على وجهِ الشَّتْمِ، ونوَى فراقَهُ منها بأنها كافرةٌ فَتَبِيَّنُ منهُ كذا أطلقَهُ وفيهِ نظرٌ.
بَابُ نِكَاحِ الْمُشْرِكِ
الْمُشْرِكُ: هُوَ الْكَافِرُ عَلَى أَيِّ مِلَّةٍ كَانَ، أَسْلَمَ كِتَابِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ، أي كمجوسيٍّ وحربيٍّ ووثنيٍّ، وَتَحْتَهُ كِتَابِيَّةٌ دَامَ نِكَاحُهُ، لجوازِ ابتداءِ نكاحِ الكتابيَّةِ في الإسلامِ، أَوْ وَثَنِيَّةٌ أَوْ مَجُوسِيَّةٌ، أي وكذا غيرهما ممن لا يجوز نكاحُها من الكافرات، فَتَخَلَّفَتْ قَبْلَ دُخُولٍ تَنَجَّزَتِ الْفُرْقَةُ، لأنَّ النكاحَ غيرُ متأكِّدٍ بدليلِ أنهُ يرتفعُ بالطلقةِ الواحدةِ، أَوْ بَعْدَهُ وَأَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ دَامَ نِكَاحُهُ وإِلَّا، أي وإنْ أصَرَّت حتى انقضَتِ العِدَّةُ، فَالْفُرْقَةُ مِنْ إِسْلاَمِهِ، لحديثٍ فيهِ لا يحضُرُنِي من خرَّجَهُ بعدَ البحثِ الشديدِ عنهُ (٤٦٩)؛ والقياسُ على الطلاقِ كما قالهُ ابنُ يونس، وَلَوْ أسْلَمَتْ،
стр. 1249
أيِ المرأةُ، وَأَصَرَّ، أيْ الزوج على كفرِهِ أيَّ كفرٍ كانَ، فَكَعَكْسِهِ، أيْ تكونُ كما لو أسلمَ هُوَ وأصرَّتْ هي، وَلَوْ أَسْلَمَا مَعاً دَامَ النِّكَاحُ، بالإجماع كما نقلهُ ابنُ عَبْدِ الْبِرِّ، وَالْمَعِيَّةُ بِآخِرِ اللَّفْظِ، أي لا بأوَّلهِ إذْ به يحصُلُ الإسلامُ.
فَرْعٌ: هذه الفرقَةُ فرقةُ فسخٍ لا طلاقٍ.
فَرْعٌ: لو نكحَ كافرٌ لابنهِ الصغيرِ صغيرةً؛ فإسلامُ الأبوينِ أو أحدِهما قبلَ بلوغِهما كإسلامِ الزوجينِ أو أحدِهما، ولو نكحَ لطفلِهِ بالغةً وأسلمَ أبُو الطفلِ والمرأةُ معاً قال البغويُّ: يبطُلُ النكاحُ لأنَّ إسلامَ الولدِ يحصُل عَقِبَ إسلامِ الأبِ فتقدَّمَ إسلامُها على إسلامِ الزوجِ لكن ترتُّبُ إسلامِ الولدِ على إسلام الأبِ لا يقتضي تقدُّماً وتأخُّراً بالزمانِ فلا يظهرُ تقدُّمُ إسلامِها على إسلامِ الزوج. قال: وإنْ أسلمَتْ عَقِبَ إسلامِ الأبِ بَطَلَ النكاحُ أيضاً؛ لأنَّ إسلامَ الولدِ يحصلُ بالقولِ والحكميُّ يكون سابقاً للقوليِّ ولا يتحقَّقُ إسلامُهُما معاً.
وَحَيْثُ أَدَمْنَا لاَ تَضُرُّ مُقَارَنَةُ الْعَقْدِ لِمُفْسِدٍ هُوَ زَائِلٌ عِنْدَ الإِسْلاَمِ وَكَانَتْ بِحَيثُ تَحِلُّ لَهُ الآنَ، أي إلَّا إذا اعتقدوا فسادَهُ وانقطاعَهُ كما قيَّدَهُ في الروضة تبعاً للرافعيِّ، وإنما حكَمنا بالاستمرارِ مع اقترانِ المفسِدِ بالعقدِ على سبيلِ التخفيفِ، وَإِنْ بَقِيَ المُفْسِدُ، أيْ عندَ الإسلامِ، فَلاَ نِكَاحَ، أيْ وإنْ كانَ المفسدُ باقياً وقتَ الإسلامِ بحيثُ لا تحِلُّ لهُ لأن ابتداءَ نكاحِها فلا يضُرُّ بل يندفِعُ النكاح ويستخرج على هذا الضابط مسائلٌ ذكرَها المصنِّفُ حيثُ قالَ: فَيُقَرُّ، أي على نكاحٍ، بِلاَ وَلِيٍّ وَشُهُودٍ، إذ لا مفسدَ عند الإسلامِ ونكاحُها الآنَ جائزٌ، وكذا إذا أجبرَ البِكرَ
стр. 1250
غيرُ الأبِ والجدِّ أو أُجبرَتِ الثيِّبُ أو راجعَ في القُرْء الرابعِ وهم يعتقدونَ امتدادَ الرجعةِ إليه، وَفِي عِدَّةٍ، أي ولو بشبهةٍ، هِيَ مُنْقَضِيَةٌ عِنْدَ الإِسْلاَمِ، لأنها إذا كانت منقضيةٌ جازَ ابتداءً نكاحها فجاز التقريرُ بخلاف ما إذا كانت باقيةً، وَمُؤَقَّتٍ بِأَنِ اعْتَقَدُوْهُ مُؤَبَّداً، أيْ فإنِ اعْتَقَدُوهُ مؤقَّتاً فلا سواء أسلما بعد تمام المدَّةِ أو قبلها، لأنَّ بعدَ المدةِ لا نكاحَ في اعتقادهم وقبلها يعتقدونَهُ مؤقَّتاً ومثلُه لا يجوزُ ابتداؤُهُ، وَكَذَا لَوْ قَارَنَ الإِسْلاَمُ عِدَّةُ شُبْهَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، أيْ وإنْ كانَ لا يجوزُ ابتداءُ نكاحِ المعتدَّةِ، لأنَّ عِدَّةَ الشبهةِ لا تَقْطَعُ نكاحَ المسلمِ فَذَا أَوْلى، وقيل: يندفعُ كما لا يجوزُ ابتداءُ النكاحِ في العِدَّةِ، وتعبيرُهُ بالمذهبِ هو ما عبَّرَ بهِ في الروضةِ وعبارةُ الرافعيِّ: المشهورِ الاستمرارِ، وقيل: يندفعُ، وَاعْلَمْ: أنَّه في الروضة تبعاً للرافعيِّ صَحَّحَ أنَّ الاختيارَ والإمسَاكَ بالعقدِ الجارِي في الكُفر جارٍ مجرَى الابتداءِ لا الاسْتِدَامَةِ ونقلاً عن جماعةٍ بناءً على هذه المسألةِ على ذلكَ ومقتضاهُ ترجيحُ الاندفاعِ فَتَأَمَّلْهُ. لاَ نِكَاحُ مَحْرَمٍ، أيْ كَبِنْتِهِ وأُمِّهِ وزوجَةِ ابْنِهِ أو أبيهِ فإنهُ لا يُقَرُّ عليهِ؛ لأنه لاَ يجوزُ ابتداؤُهُ فاندفعَ عندَ الإسلامِ وكذا لو نكحَ مطلَّقَتَهُ ثلاثاً قبلَ التحليلِ.
وَلَوْ أَسْلَمَ ثُمَّ أَحْرَمَ ثُمَّ أَسْلَمَتْ، أي في العِدَّةِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ أُقِرُّ عَلَى الْمَذهَبِ، لأنَّ عُروض الإحرام لا تُؤَثِّرُ كما في أنكحَةِ المسلمينَ فلأنَّ الإمساكَ استدامَةٌ فأشبهَ الرجعةَ، والقول الثاني: المنعُ إلحاقاً للدوامِ بالابتداءِ، والطريقُ الثاني: القطعُ بهذا كما لو أسلمَ وتحتَهُ أَمَةٌ وهو مُوْسِرٌ لا يجوزُ إمساكُها.
وَلَوْ نَكَحَ حُرَّةً وَأَمَةً وَأَسْلَمُواْ تَعَيَّنَتِ الْحُرَّةُ وَانْدَفَعَتِ الأَمَةُ عَلَى الْمَذهَبِ، أيْ سواء نكحَهُما معاً أو مرتَّباً لأنَّا لم ننظُرْ في نكاحِ الأُختين إلى التقديمِ والتأخيرِ فكذلك في نكاحِ الْحُرَّةِ والأَمَةِ، ومنهم من خَرَّجَ اندفاعَ نكاحِ الأمة على قولينِ بناءً على أنَّ الاختيارَ والإمساكَ كابتداء العقدِ أو كاستدامتِهِ وفيه قولان مُستنبطان أظهَرُهما الأوَّلُ، ويندفعُ أيضاً نكاحُ الأَمَةِ باليَسَارِ المقارِنِ للإسلامِ؛ وقيل: قولانِ، بناءً على الأصلِ المذكورِ، والحاصلُ للفَتْوَى: أنهُ متَى أسلَمَ وتحتَهُ أَمةٌ وأسلمَتْ معهُ
стр. 1251
أو جمعَهُما الإسلامُ في العِدَّةِ فإنْ كانَ يحِلُّ لهُ نكاحُ الأَمةِ أمسَكَها، وإنْ لم يحِلَّ لِيَسَارٍ أو أَمْنٍ من عَنَتٍ اندَفَعَ نكاحُها.
فَصْلٌ: وَنكَاحُ الْكُفارِ صَحِيْحٌ عَلَى الصَّحِيْحِ، لقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ (٤٧٠) وقوله: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ﴾ (٤٧١)، وَقِيْلَ: فَاسِدٌ، لعدم مراعاتهم الشروط، لكن لا يفرق لو ترافعوا إلينا رعاية للعهدِ والذِّمَّةِ ونقررهم بعد الإسلام تخفيفاً، وَقِيْلَ: إِن أَسْلَمَ وَقُرِّرَ تَبَيَنَّا صِحَّتَهُ، وَإلَّا فَلاَ، وهذا يسمَّى قولُ الوقفِ، والصوابُ في الروضةِ تخصيصُ الخلافِ بالعُقُودِ التي يُحْكَمُ بفسادِ مثلِها في الإسلامِ لا في كُلِّ عقودِهِم، فَعَلَى الصَّحِيْحِ، أيْ وهي صِحَّةُ أنكِحَتِهم، لَوْ طَلَّقَ ثَلاَثاً ثُمَّ أَسْلَمَا لَمْ تَحِلَّ إِلَّا بِمُحَلِّلٍ، لظهور أثرِ الصحَّةِ وإن قلنا بفسادِها فالطلاقُ في النكاحِ الفاسدِ لا يحتاجُ إلى مُحَلِّلٍ، وَمَنْ قُرِّرَتْ فَلَهَا المُسَمَّى الصَّحِيْحُ، لما قلناهُ، وَأَمَّا الْفَاسِدُ كَخَمرٍ، فَإِنْ قَبَضَتْهُ قَبْلَ الإسْلاَمِ فَلاَ شَيْءَ لَهَا، لانفصالِ الأمرِ بينهُما، وَإِلَّا، أيْ وإنْ لم تقبِضْ قبلَ الإسلامِ، فَمَهْرُ مِثْلٍ، لأنها لم تَرْضَ إلَّا بالمهرِ والمطالبةُ بالخمرِ في الإسلامِ ممتنعةٌ ولا فرقَ بين أنْ يكونَ المسمَّى خمراً في الذَّمَّةِ أو خمراً معينةً، وَإِنْ قَبَضَتْ بَعْضَهُ فَلَهَا قِسْطُ مَا بَقِيَ مِنْ مَهْرِ مِثْلٍ، أي ولا يجوزُ تسليمُ الباقِي من الفاسدِ، وَمَنِ انْدَفَعَتْ بِإِسْلاَمٍ بَعْدَ دُخُولٍ فَلَهَا الْمُسَمَّى الصَّحِيْحُ إِنْ صُحِّحَ نِكَاحُهُمْ، وإِلَّا، أي وإنْ لم نصحِّحْهَا، فَمَهْرُ مِثْلٍ، جرياً على القاعدةِ، أَوْ قَبْلَهُ، أي قبلَ الدخولِ، وَصُحِّحَ، أي أنكحَتهم، فَإِنْ كَانَ الاِنْدِفَاعُ بِإِسْلاَمِهَا فَلاَ شَيْءَ لَهَا، لأنَّ الفِراقَ جاءَ من جهتِها، أَوْ بِإِسْلاَمِهِ فَنِصْفُ مُسَمًّى إِنْ كَانَ صَحِيْحاً، وَإِلَّا فَنِصْفُ مَهْرِ مِثْلٍ، أي وإن لم يكن مهرٌ فتجب متعةٌ، أما إذا لم نصحِّحْ أنكحَتهم فإنهُ لا مهرَ لها لأنَّ المهرَ لا يجبُ في النكاحِ الفاسدِ بلا دخولٍ.
فَرْعٌ: نكحَها مفوِّضة ويعتقدونَ أنْ لا مهرَ للمفوضة بحالٍ ثم أسلما فلا مهرَ
стр. 1252
وإنْ كانَ إسلامُهما بعد الدخولِ لأنه استحق وطْئاً بلا مهرٍ.
فَصْلٌ: وَلَوْ تَرَافَعَ إِلَيْنَا ذِمِّيٌّ وَمُسْلِمٌ وَجَبَ الْحُكْمُ، أي قطعاً لتعذُّر نُزُولِ الْمُسْلِمِ عَلَى حُكْمِ حَاكِمِ الْكُفَّارِ والمعاهِدُ كالذمِّيِّ، أَوْ ذِمِّيَّانِ، أي مُتَّفِقَي الْمِلَّةِ، وَجَبَ فِي الأَظْهرِ، لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٤٧٢)، والثاني: لا يجبُ، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ (٤٧٣) وهذه الآية في المعاهدين فنقيسُ أهلَ الذّمَّةِ عليهِم بجامِعِ الكُفْرِ لكن لا نترُكُهم على النزاعِ بل نحكُمُ أو نردُّهُمْ إلى حاكِمٍ مِلَّتِهمْ وهذه الآية منسوخة بالأولى كما قالهُ ابنُ عَبَّاسٍ (٤٧٤) والأظهرُ في الشرحِ الصغيرِ تعميمُ هذا الخلافِ في حقِّ الله وحقّ الآدمي،
стр. 1253
= مجالات الحياة الاجتماعية، وما يتعلق بعلاقات أهل الذمة الشخصية أي الفردية.
كما أن موضوع الآية ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أنها كانت في أهل موادعة لا أهل ذمة، والموادعة معاهدة مع كيان -دولة- لا مع أفراد، وهم لم ينزلوا لحكم الإسلام في كل قضاياهم؛ بل كان لهم حكامهم وسلطانهم؛ ولهذا جاء في صحيفة المدينه: (هذا كتاب من محمد النبي (رسول الله) بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم. أنهم أمة واحدة من دون الناس). وفيها (وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم) وهكذا جعل لجميع اليهود. ينظر نص المعاهدة كما في السيرة النبوية لابن هشام: كتاب الموادعة لليهود: ج ٢ ص ١٤٧. والروض الأنف تفسير السيرة النبوية للسهيلي: كتاب الموادعة لليهود: ج ٢ ص ٣٤٦ - ٣٤٧.
وفي مثل هذه الحال لا يجب على أمير المسلمين، وخليفتهم وقاضيهم الحكم بين الكفار من غير أهل الذمة، بل يجوز الحكم إن أراد الحاكم المسلم حين طلبهم. وهذا بالنسبة لأهل الموادعة والعهد معهم. وهذا غير الواقع الأول
أما حكم أهل الذمة إذا ترافعوا لحاكم المسلمين وخليفتهم، فهل يجب عليه الحكم بينهم؟ هذا موضوع المسألة وواقع الحكم الشرعي فيها.
والجواب:
إن واقع الحكم بين المسلمين، وممارسة الحاكم سلطانه الذي أعطته الأُمة له؛ أن ليس له النظر في رفع الخصومات بين الناس ما لم ترفع إليه، أي ينظر حين يترافع المختصمون إليه بقضاياهم؛ هذا ما لم يكن الأمر المشكلة، والقضية الجارية في حق من حقوق الله وحدٍّ من حدوده، أو أنها قضية من شؤون السلطان، فإنه يمنع تضييع الحدود وحقوق رب العالمين، ويمنع التدخل في شؤونه بوصفه سلطاناً للمسلمين وحاكماً لدارهم.
أما أنه ليس له النظر في القضايا بين الناس ما لم ترفع إليه، فلحديث سرقة رداء صفوان بن أمية، وغيره؛ فإن الرسول ﷺ قال: [تَعَافَوُا الْحُدُدَ بَيْنَكُمْ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ] وهذه الحال لا يُنظر المتخاصم فيها أنه ذِمِّيٌّ أو مسلم؛ وإنما ينظر إليه فيها أنه فرد من أفراد الرعية.
ولا خلاف فيما نعلم، أن قضايا أهل الكتاب الخاصة بهم، وما يرتبط بأصول دينهم وعقائدهم، ومواريثهم وأنكحتهم، ترجع إلى أهل دينهم، لقوله تعالى ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة / ٢٥٦]، قال الزهريُّ: (قضَتِ السُّنَّةُ أَنْ يُرَدُّواْ في حقوقهم==
стр. 1254
فإنْ كانا مختلِفَي الْمِلَّةِ كيهوديٍّ ونصرانيٍّ فيجبُ الحكمُ على أصحِّ الطريقين لأنَّ كُلاًّ لا يرضَى بملَّةِ صاحبهِ، وقيل: القولان.
فَرْعٌ: لو ترافعَ معاهدانِ لم يجبِ الحكمُ قطعاً، وإنِ اختلفَتْ مِلَّتُهُما لأنهم لم
стр. 1255
يلتزما حُكمنا ولم نلتزم دفعَ بعضهم عن بعضٍ، وقيل: هما كالذميين.
فَرعٌ: لو ترافع ذمِّيٌّ ومعاهد فكالذميين، وقيل: يجبُ قطعاً.
فَرْعٌ: حيث يجب الحكم فقضية كلام الغزالي اعتبار رضى الخصمين وعامة الأصحاب على اعتبار رضى أحدِهما.
وَنُقِرُّهُم عَلَى مَا نقِرُّ لَوْ أَسلمُوا وَنُبْطِلُ مَا لاَ نقِر، أيْ فإذا كان قد نكح بلا ولي وشهود أو ثيباً بلا رضاها قررنا النكاحَ وكذا لو نكحَ معتدَّة والعِدَّةُ منقضيةٌ فإنْ كانت باقيةً ألغينَاهُ وكذا لو نكحَ مجوسي مَحرَماً. وخالف الماوردي الاعتقاد بإباحتهم بخلاف اليهود.
فَرْعٌ: لو جاء كافر تحته أُختانِ وطلبوا فرضَ النفقةِ، قال الإمامُ: فيه ترددٌ لأنا نحكم بصحَّةِ نكاحِهِما وإنما تندفع إحداهما بالإسلام؛ قال: والذي أرَى القطعَ بهِ المنعُ لقيام المانِع.
فَرْعٌ: إذا التمسوا من حاكم المسلمين ابتداء نكاحٍ أجابَ؛ إن كانتِ المرأةُ كتابيَّة ولم يكن لها ولي كافر ولا يزوجُ إلا بشهودٍ مسلمين.
فَرْعٌ: قال المتولي: إذا لم يترافع إلينا المجوسُ لكن علِمنا منهم من نكحَ مَحرَمًا فالمشهور أنهُ لا يُتعرَّض لهم؛ وحكى الزبيري قولاً: أن الإمامَ إذا عرفَ ذلك فرَّقَ بينهُما كما لو عرفَ أنَّ المجوسى نكحَ مسلمةً أو مرتدَّة. قلت: يقوي هذا القول ما روى البخاريُّ عن بَجَالَةَ بْنَ عَبْدَةَ قال: أتانا كتابُ عمر قبل موتِهِ بِسَنَةٍ: (فَرقوا بَيْنَ كُل ذِى مَحرَمٍ مِنَ الْمَجُوسِ) (٤٧٥).
فَصل: أسْلَمَ وَتَحتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَربعٍ، وَأسلمنَ مَعَهُ أَوْ في الْعدَّةِ أَوْ كن كِتَابياتٍ
стр. 1256
لَزِمَهُ اخْتِيَارُ أَربَعِ، وَينْدَفِعُ مَنْ زَادَ، لأن غيلانَ أسلَمَ وتحتَهُ عَشْرُ نسوه ففال النبي ﷺ [أمْسِكْ أَربعاً وَفارِقْ سَائرَهُن] صححهُ ابن حبان والحاكم (٤٧٦). ولا فرقَ بين أنْ ينكحهنَّ معاً أو على الترتيبِ، فإن له أنْ يختارَ الأخيراتِ لترك الاستفصالِ في الحديثِ.
وَإن أَسلَمَ مَعَهُ قَبْلَ دُخُولٍ أَوْ فِي الْعِدَّةِ أَربع فَقَطْ تَعيَّن، أقوله واندفعَ نكاحُ من زادَ لتأخُّرِ إسلامهِنَّ عند إسلامهِ قبل الدخول، وعن العِدة ولو كان دخل بهِنَّ فاجتمعَ إسلامُهُ وإسلامُ أربع فقط في العِدةِ تعينَ للنكاح حتى لو أسلَمَ أربع من ثمانٍ وانقضَتْ عِدَّتُهُن أو مِتْنَ في الإسلامِ ثم أسلمَ الزوجُ وأسلمَتِ الباقياتُ في عدتِهِنَّ تعيَّنَتِ الأخرياتُ، ولو أسلمَ أربعٌ ثم أسلمَ الزوجُ قبلَ انقضاءِ عدَّتِهِن ثم أسلمتِ الباقياتُ قبل انقضاءِ عدَّتِهِنَّ مِن وقتِ إسلامِ الزوج اختارَ أربعاً من الأولياتِ والأخرياتِ كيفَ شاءَ فإن ماتَتِ الأولياتُ أو بعضُهُن جازَ لهُ اختيارُ الميِّتَاتِ وَيَرِثُ مِنْهُنَّ.
فَرْعٌ: قَبِلَ كافرٌ لابنهِ الصغيرِ نكاحَ أكثرِ من أربع نسوةٍ ثم أسلمَ وأسلمنَ اندفعَ نكاحُ الزيادةِ على الأربع لكن لا يختارُ الصبىُّ ولا الوليُّ لأنهُ خيارُ شهوةٍ فتوقف حتى يبلُغَ ونفقتهُنَّ في مالِ الصبيِّ لِحَبْسِهِنَّ عليهِ، وكذا لو أسلمَ رجل وجُنَّ قبلَ الاختيارِ.
وَلَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتَه أم وَبِنْتُها كتَابِيَّتَانِ أَوْ أَسلَمَتَا، فإِن دَخَلَ بِهِمَا حَرُمَتَا أَبَداً، أمَّا البنتُ فللدخول بالأمِّ، وأمَّا الأمُّ فللدخولِ بالبنتِ وبالعقدِ عليها إنْ قلنا بصِحَّةِ أنكحتِهِم، أَوْ لاَ بِوَاحِدَةٍ تَعينَتِ الْبِنْتُ، واندفعَ نكاحُ الأم لأنَّ نكاحَ البنتِ يدفعُ
стр. 1257
نكاحَ الأمِّ ولا عكسَ، وَفِى قَوْلٍ يَتَخيرُ، كما لو أَسلَمَ وتحتَهُ أُختانِ، أَوْ بالْبِنْتِ تَعَيَّنَتْ، لأنهُ لم يدخُلْ بالأُم والعقدُ عليها لا يُحَرمُ البنتَ ويحَرم نكاحَ الأُم على التأبيدِ، أَوْ بِالأم، حَرُمَتَا أَبَدأ، أمَّا البنتُ فللدخول بابهام، وأمَّا الأمُّ فللعقدِ على البنتِ، وهذا على القولِ بصحَّةِ أنكحَتِهم، وللأمِّ مهرُ المثلِ بالدخول قالهُ البغويُّ والرافعىُّ وفيه نظرٌ، وَفِى قَوْلٍ تَبْقَى الأمُّ، إذ لا مفسِدَ لهُ بخلافِ البنتِ للدخول بالأم، أَوْ وَتحتَهُ أمَة أَسْلَمَتْ مَعَهُ، أَوْ فِي العدة أُقِرَّ إِن حَلتْ لَهُ الأمَةُ، لأنه يجوزُ أنْ يبتدِئَ نكاحَها فيُقَرُّ عليها، وإن تَخَففَّتْ قَبْلَ دُخُولٍ تَنَجزَتِ الْفُرقَةُ، لأنها تَبِيْنُ بالتخَلفِ كالْحُرَّةِ، أَوْ إِمَاء وَأَسْلَمنَ مَعَهُ أَوْ فى الْعِدَّةِ اخْتَارَ أَمَةً إِن حلتْ لَهُ عِنْدَ اجْتِمَاع إِسْلاَمِهِ وَإِسْلاَمِهِنَّ، لأنهُ يجوزُ أن يبتدِئَ نكاحَها فجازَ اختيارُها كالحُرَّةِ وينفسخُ نكاحُ البَوَاقِي، وإلا انْدَفَعْنَ، لأنهُ لا يجوزُ له ابتداءُ نكاح واحدةٍ منهُنَّ فلا يجوزُ لهُ اختيارُها كالمعتدةِ عن غيرِهِ وذواتُ المحارِمِ، أَوْ حُرة وَإِمَاء وَأَسْلَمنَ مَعَه أوْ في الْعِدةِ تَعينَتْ وَانْدَفعنَ، لأنهُ لا يجوزُ أن يبتدِئَ نكاحَ أمةٍ مع وجُودِ حُرَّةٍ فلا يجوزُ أنْ يختارَها، وَإِن أَصرتْ فَانْقَضتْ عِدتُها اختارَ أَمَةً، إذ ظهرَ أنها بَانَتْ باختلافِ الديْنِ فأشبهَ ما إذا تمحضتِ الإماءُ، وَلَوْ أَسْلَمَتْ وَعَتَقْنَ ثُمَّ أَسْلمنَ فِي العدة فَكحَرَائِرَ فَيَخْتَارُ أَربعاً، لإلحاقِهِنَّ بالحَرَائِرِ الأَصلِياتِ.
فَصلٌ: وَالاِخْتِيَارُ: اخْتَرْتُكِ أَوْ قَرَرْتُ نِكَاحَكِ أَوْ أَمسَكْتُكِ أَوْ ثَبَّتُّكِ، أيْ وكُلُّ ذلكَ صريح كما اقتضاهُ كلامُ الأئمةِ. قال الرافعىُّ: والأقربُ أنْ يجعلَ قولهُ اخترتُكِ وأمسكتك من غررِ تعرُّضٍ للنكاح كنايةً.
وَالطلاَقُ اخْتِيَارٌ، أي مُنَجَّزاً ومُعَلقاً لتوقفِ وقوع الطلاقِ على ثبوتِ النكاح، لاَ الظهارُ وَالإِيْلاَءُ في الأصَحِّ، إذ معناهُما بالأجنبيَّةِ أَلْيَقُ. والثانى: نَعَم؛ لأنهُما تصرفانِ مختَصَّانِ بالنكاح فأشبها الطلاقَ.
وَلاَ يَصِحُّ تعلِيقُ اختِيَارٍ وَلاَ فَسْخٍ، أي بدخولِ الدارِ ونحوِهِ، لأن الاختيارَ إمَّا كابتداءِ النكاح وإما كالرجعَةِ. وَلَوْ حَصَرَ الاختِيَارَ فِي خَمس انْدَفَعَ مَنْ زَادَ، أيْ
стр. 1258
وإن لم يكن تعييناً تامَّاً فإنه يحصر (•) بهِ الإيهامُ، وَعَلَيهِ التعيِينُ، لقوله ﵊ لغيْلانَ: [اختر] (٤٧٧) وهو أمرٌ وهو للوجوب (٤٧٨)، وَنفقتهُن حَتى يَختارَ، لأنهُنَّ محبوسات بحكمِ النكاح، فإِن تَرَكَ الاخْتِيَارَ حُبسَ؛ لأنهُ امتنعَ من واجبٍ لا يقومُ غيرَهُ مقامَهُ فيهِ، فإنْ لم يُعَيِّن عُزِّرَ بما يراهُ الحاكمُ من ضربٍ وغيرِهِ ولا يختارُ الحاكمُ، بخلاف الإيلاءِ بحيثُ يُطَلِّقُ؛ لأنَّ هذا اختيارُ شهوةٍ لا تجرِى فيه النيابةُ، فإن مَاتَ قَبْلَة، أىْ قبلَ التعيينِ، اعتدتْ حَامِلَ بِهِ، أيْ بوضْع الحملِ كما سيأتي في بابِهِ، وَذَاتُ أَشْهُر وَغَيْرُ مَدخُول بِها بِأربَعَةِ أَشهُرٍ وَعَشْر، إذْ يحتملُ الزوجيَّةَ في كُلٍّ مِنْهُنَّ وهو الأقصَى في حقِّها، وَذَاتُ إِقْرَاء بَالأكْثَرِ مِنَ الأقْرَاءِ وَأَربَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، لأنَّ كُلَّ واحدةٍ يُحْتَمَلُ أنْ تكونَ زوجة فعليها عِدَّةُ الوفاةِ أو مفارقة في الحياةِ فعليها أنْ تعتد بالإقراءِ فوجبَ الاحتياطُ وتَحسِبُ عِدَّةَ الإقراءِ من إسلامِ واحدٍ منهُ أو منهُن لا من الموتِ.
ويوْقفُ نَصِيْبُ زَوْجَاتٍ حَتى يَصطلحنَ، أي إن لم يَخترْ ولا يُوَزَّعُ بينهُنَّ لأنا
стр. 1259
نعلمُ أنَّ فيهِنَّ أربعَ زوجاتٍ وقد جهِلنا عينهُنَّ فرجبَ التوقفُ؛ هذا إذا علِمنَا استحقاقَ الزوجاتِ للإرثِ، أمَّا إذا أسلمَ على ثمانِ كتابِيَّات وأسلَمَ منهُنَّ أربعٌ أو كان تحتَهُ أربعُ كتابيَّاتٍ وأربعُ وثنيَّاتٍ فأسلَمَ معهُ الوثنياتُ وماتَ قبلَ الاختيارِ فوجهانِ؛ أصحهما وهو المنصوص: لا يوقفُ شئٌ للزوجاتِ بل تقسَمُ كُلُّ التركَةِ بين باقى الورثَةِ، لأنَّ استحقاقَ الزوجاتِ يضرُ معلوم لاحتمالِ أنهُنَّ الكتابيَّات.
فَرْعٌ: ماتَ ذِمِّيٌّ عن أكثرِ من أربع نسوةٍ، قال صاحبُ التلخيصِ: الربعُ أوِ الثمُنُ لهُنَّ كُلهُنَّ؛ وقال آخرون: لا يرِث منهُنَّ إلاّ أربعٌ فيوقف بينَهُنَّ حتى يصطَلحنَ ويجعل الترافُعُ إلينا. بمثابَةِ إسلامِهِم، وبنَى الخلافَ القفالُ على صحةِ أنكحتهم.
فَرْعٌ: لو نكحَ مجوسيٌّ أُمَّهُ أو بِنتهُ وماتَ ففيه اضطراب للرافعى ذكرتهُ في آخرِ الفرائضِ فَرَاجِعهُ.
فَرْعٌ: المتعيِّناتُ للفرقةِ للزيادةِ على أربعٍ هل تُحْسَبُ عدَّتُهُنَّ من وقتِ الاختيارِ أم مِن وقتِ إسلامِ الزوجين؟ إنْ أسلَمَا معًا وإسلامُ السابقِ إنْ تعاقَبَا فيهِ وجهانِ؛ أصحُّهما عند الجمهور الثانى خِلافاً للبغويِّ، وقال الإمامُ: إنهُ ظاهرُ النصِّ، وأما القاضى فقالَ: ظاهرُ النصِّ الأوَّلُ.
فَصْلٌ: أَسْلَمَا مَعاً اسْتَمَرَّتِ النفَقَةُ، كما يستمِرُّ النكاحُ، وَلَوْ أَسْلَمَ وَأَصَرتْ، وهى غيرُ كتابيّة، حَتى انْقَضَتِ الْعِدةُ فَلاَ، لأنها ناشِزَةٌ بالتخلُّف، وَإِن أَسْلَمَتْ فِيْها لَمْ تَسْتَحِق لِمُدَّةِ التَّخَلُّفِ فِي الْجَدِيْدِ، لأنها أساءَتْ بالتخلفِ والامتناع عمَّا هو فرضٌ عليها فصارَ كما لو سافَرَ الزوجُ وأرادَ استصحابَها فتخلفَتْ، والقديمُ: أنها تستحِق لأنها ما أحدثَتْ شيئاً والزوجُ هو الذي بَدَّلَ الدِّيْنَ، وَلَوْ أَسْلَمَتْ أَولاً فَأَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ أَوْ أَصرَّ فَلها نَفَقَةُ الْعِدةِ عَلَى الصحِيْح، أمَّا في الأولى: فلأنها أدَّتْ فَرضاً مُضَيَّقاً فهو كصومِ رمضانَ، وأمَّا في الثانيةِ: فلأنها أَحسَنَتْ وَأَسَاءَ، والوجهُ الثانى: لا نفقةَ لها فيهما، أمَّا في الأولى: فلأنهُ استمَرَّ على دِينِهِ وهى التي أحدثَتِ المانِعَ من الاستمتاع، وأمَّا في الثانيةِ: فلأنهُ إذا أصَرَّ الزوجُ تَبَيَّنَ حصولُ الفرقةِ من
стр. 1260
وقتِ إسلامِها والبائِنُ لا تستحقُّ النفقةَ، وَإِن ارتدتْ فَلاَ نَفَقَةَ وَإن أَسلَمَتْ في الْعِدةِ، لِنُشُوزها، وَإنِ ارتدَّ فَلَها نَفَقَةُ الْعِدَةِ، لأنها لم تُحدِثْ شيئاً وهو الذي أحدَثَ الرِّدَّةَ.
فَرْعٌ: لو ارْتَدَّا معاً فلا نفقةً.
فَرعٌ: نكحَتْ في الكُفْرِ زوجينِ ثم أَسلَمُوا؛ فإنْ تَرَتبَ النكاحَانِ فهى زوجةُ الأوَّلِ؛ فإنْ ماتَ ثم أسلَمَتْ مع الثانى وهم يعتقدونَ جوازَ التزويج بزوجينِ ففي جوازِ التقرير وجهانِ؛ قال في الروضة: ينبغي أنْ يكونَ أصحهما التقريرُ؛ وإنْ وقعَ النكاحانِ معًا لم تُقَرَّ مع واحد منهُما سواء اعتقدُوا جوازَهُ أمْ لا؟ وفيما إذا اعتقدوهُ؛ وجهٌ: أنَّ المرأةَ تختارُ أحدَهما كما لو أسلَمَ على أُختينِ.
بَابُ الْخِيارِ والإعْفَافِ وَنكاحِ العَبْدِ
وَجَدَ أَحَدُ زَوْجينِ بِالآخَرِ جُنُوْناً، أي مُطبقاً أو متقطّعا، أَوْ جُذَاماً أَوْ بَرَصاً، أي مُستحكِمَين، أَوْ وَجَدَها رَتْقَاءَ، أي وهو انسدادُ محِلِّ الجماع باللحمِ، أَوْ قَرنَاءَ، أي وهو عظم في الفرج يمنعُ الجِماعَ، ويقال: لحمٌ ينبتُ فيهِ، أَوْ وَجَدَتْهُ عَنِيْناً، أي وهو الرجلُ العاجزُ عن الوطءِ، أَوْ مَحبوباً، أي وهو المقطوعُ ذَكَرُه كلهُ، ثَبَتَ الْخِيَارُ فِي فَسْخ النِّكَاح، كالبيع، وأَوْلى لفواتِ مقصودِ النكاح.
قال ابنُ الرفعة: ويثبتُ أيضاً بالمرض الْمُزْمِنِ الذي لا يُتَوَقَّعُ زوالُهُ ولا يمكنُ الجماعُ معهُ لأنه يُخِل بمقصودِ النكاح فأشبَهَ البَرَصَ بل أَوْلى؛ لأن البرصَ لا يمنعُه بالكليَّةِ بل يُنَفِّرُ منهُ وهذا لا يتصورُ معهُ ولو بقي من الذكَرِ قدرَ الحشفةِ فلا خيارَ في الأظهرِ، ويثبتُ الخيارُ أيضاً إذا وجدَ الزوجةَ مستأجَرَةً قاله الماوردي؛ وفيما إذا كان مُعْسِراً كما سيأتي في بابهِ.
стр. 1261
فرعٌ مُسْتَثنى: لو زال العيبُ قبل الفسخ فلا خيارَ قطعاً، وكذا إذا عُلِمَ به بعدَ الموتِ على الأصح.
تَنبِيْهٌ: أفْهمَ قيدُ الوُجْدانِ في كلام المصنّفِ أن أحدَهما إذا كان عالماً بالعيبِ لا خيارَ لهُ وكذا إذا زادَ على الذي رضى به في الأصحِّ، نَعَم لو حدثَ في موضع آخر؛ قال في التتِمَّةِ: لهُ الخيارُ، وكذا إذا كان من جنسٍ آخر.
وَقِيلَ: إِن وَجَدَ بِهِ مِثْلَ عَيْبِهِ، أي جِنساً وقَدراً، فَلاَ، لتساويهما في النقصِ، والأصحُّ نعَم، لأنَّ الإنسانَ يَعَافُّ مِن غيرِهِ ما لا يعافُّهُ مِن نفسهِ، قال الرافعى: وهذا غيرُ الجنونِ، أما إذا كانَا مجنونَين أيْ جُنُوناً مُطبَقاً فلا يمكنُ إثباتُ الخيارِ لواحدٍ منهُما، أمَّا إذا كان العيبُ في أحدِهما أكثرَ وأفحَشَ وجبَ أنْ يثبتَ للآخر من غيرِ خلافٍ.
وَلَوْ وَجَدَهُ خُنْثَى وَاضِحاً فَلاَ فِي الأظْهرِ، إذ ليس فيه إلَّا زيادةُ ثُقبَةٍ من الرجُلِ وسلعةٍ في المرأةِ، والثانى: نَعَم؛ لأنهُ عيبٌ مُنَفر فاحِش، وفي محل القولينِ طُرُق أصحُّها جريانُهُمَا فيما إذا اختارَ الذكورَةَ فنكَحَ امرأةً، والأنوثَةَ فنكحت رجُلاً لأنه قد تبيَّنَ خلاف الاختيارِ، أمَّا إذا اتضَحَ بالعلاماتِ الدَّالةِ على الذكورَةِ والأنوثَةِ فلا خيارَ؛ واحترز بالواضح عن الْمُشْكِلِ، فإنهُ لا يصح نكاحهُ وذلك من زياداته على المُحَرَّر.
وَلَوْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ تَخيرَتْ، أي قبلَ دخولٍ وبعده دفعاً للضررِ عنها؛ ويدخلُ في قولهِ (حَدَثَ) ما إذا جَبَّتْ ذَكَرَ زَوْجِها فإن الخيارَ يثبتُ لها على الأصح بخلافِ المشتري إذا عَيَّبَ المبيعَ، لأنها بالجَبِّ لا تصيرُ قابضَة لِحَقها كالمستأجِرِ؛ والمشتري بالتَّعيِيبِ قابض لِحَقِّهِ، إِلَّا عُنَّةً بَعْدَ دُخُولٍ، لأنها عرف قدرَتَهُ ووصلَتْ إلى حَقها بخلاف حديثِ الجَبِّ على الأصحِّ لأنه يورِثُ اليأسَ عن الوطئِ؛ والْعُنَّةُ قد يُرجَى زوالُها، أَوْ بِها تَخَيَّرَ فِي الْجَدِيدِ، قبلَ الدخولِ وبعدَهُ كما لو حدثَ بهِ، والقديمُ لا لتمَكنِهِ من الخلاصِ بالطلاقِ، وهو ضعيفٌ لتضرُّرِهِ بنِصْفِ الصَّدَاقِ، وَلاَ خِيَارَ لِوَليٍّ بِحَادِثٍ، إذ لا عارَ عليه فيه بدليلِ العُرف، وَكَذَا بِمُقَارِنِ جَبٍّ وَعُنَّةٍ، لأنه لا عارَ
стр. 1262
عليه بذلك وضرَرُهُ يعودُ عليها، وَيَتَخَيرُ بمُقَارِنِ جُنُونٍ، أىْ وإنْ رضيَتْ به لتعيُّرِهِ بذلكَ، وَكَذَا جُذَامٍ وَبَرَصٍ فِي الأصَح، لوجودِ العارِ، والثانى: لا؛ لأن الضرَرَ يختص بها.
فَرْعٌ: على هذا التفصيل يُخَرَّجُ حكمُ ابتداءِ التزويج؛ فإنْ دَعَت إلى تزويجِها
بمجبوبٍ أو عنينٍ فعليهم الإجابةُ؛ فإن امتنَعُوا كانوا عَاضِلِيْنَ، وإنْ دعَتْ إلى مجنونٍ فلهم الامتناعُ وكذا المجذومُ والأبرصُ في الأصح.
فَصْلٌ: وَالْخِيَارُ عَلَى الْفَوْرِ، لأنهُ خيارُ عَيْبٍ؛ فكان على الفَوْرِ كما في البيع ولا ينافي كونُهُ على الفورِ ضَربُ الْمدَّةِ في الْعُنةِ فإنها حينئَذٍ تتحققُ وإنما تُؤْمَرُ بالمبادرةِ إلى الفسخ بعد تحققِ العيبِ، والمعنى بكونه على الفور أنَّ المطالبةَ والرفعَ إلى الحاكمِ يكونُ على الفورِ، وَالفَسْخُ قَبْلَ دُخُولٍ يُسْقِطُ الْمَهرَ، إذ يقتضى الفسخ تَرَاد العوضين، وَبَعدَهُ، أي بعد الدخولِ، الأصَح أَنهُ يَجِبُ مَهْرُ المِثْلٍ إِن فَسَخَ بمُقَارِنٍ، لأنه قد اسْتَمتَعَ بِمَعِيبَةٍ وهو إنما بدل المسمَّى على ظن السلامةِ ولم تحصل فكاَن العقدَ جرى بلا تسميةٍ. والثانى: يجبُ المسمّى؛ لأن الدخولَ جرَى في عقدٍ صحيح مشتملٍ على تسميةٍ صحيحةٍ فأشبه الردة بعدَ الدخولِ، والثالث: إنْ فسخَ بعيبِها فمهرُ المثلِ وإنْ فسخَتْ بعَيْبِهِ فالمسمَّى، أَوْ بِحَادِثٍ بَينَ الْعَقْدِ وَالوَطْء جَهِلَهُ الْوَاطِئ، أي ويكونُ اقترانُهُ بالوطءِ المقرر للمهرِ كالاقترانِ بالعقدِ، وَالْمُسمَّى إن حَدَثَ بعدَ وَطءٍ، لأنهُ قدِ استقر به قبل وجوبِ سببِ الخيارِ فلا تغيير، والوجهُ الثانى: يجبُ المسمَى مطلقاً لوجوبه قبل سبب الخيار، والثالث: يجبُ مهرُ المثلِ مطلقاً كالمقارن.
وَلَوِ انْفَسَخَ بِرِدَّةٍ بَعْدَ وَطْء فَالْمُسَمَّى، لأنَّ الوطءَ قرر المسمَّى قبل وجودِها، وَلاَ يرجِعُ الزوْجُ بَعدَ الْفَسْخ بِالْمَهْرِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ فِي الْجَدِيْدِ، لأنهُ شرعَ في النكاح على أنْ يتقوَّم عليه البُضع فإذا استوفَى منفعتَهُ تقرَّرَ عليه عِوَضُهُ كما لو كان المبيعُ معيباً فأتلفَهُ ثم فسخَ العقدَ. والقديمُ يرجعُ كما يرجعُ بقيمةِ الولدِ المغرورِ بحريَّةِ أمهِ؛ وموضعُ الخلافِ ما إذا كان العيبُ مقارناً للعقدِ، أمَّا إذا فُسِخَ بعيبٍ حادثٍ
стр. 1263
فلا رجوعَ بالمهرِ قطعًا إذ لا غرور، وقال المتولى: القولان إذا كانَ الْمَغْرُومُ هو مهرُ المثلِ، أمَّا إذا كانَ المسمَّى فلا رجوعَ. والأصح ما ذكرَهُ البغوي: أنهُ لا فرقَ بين المسمَّى ومهرِ المثلِ.
ويشْتَرَطُ فِي الْعُنَّةِ رَفْعٌ إِلَى حَاكِمٍ وَكَذَا سائِرُ الْعُيُوبِ فِي الأصَح، لأنهُ مجتهدٌ فيه، والثاني: لا، كفسخ المبيع بالعيبِ، وهذا في غيرِ الْعُنةِ كما صرَّحَ به المصنفُ، أمَّا العُنةُ فيشترطُ فيها الرفعُ قطعاً، قال البغويُّ: وعلى الوجهينِ لو أخرَ إلى أنْ يأتي الحاكمُ ويفسِخُ بحضرتِهِ جازَ.
فَصلٌ: وَتَثْبُتُ الْعُنَّةُ بإِقْرَارِهِ، كغيرها من الحقوقِ ومن هذا يؤخذُ أنهُ لا تُسْمَعُ دعوَى امرأةِ الصبيِّ والمجنونِ العُنةَ عليهِما لسقوطِ قولِهِما، أَوْ بَيِّنةٍ عَلَى إِقْرَارِهِ، أيْ ولا يُتَصَوَّرُ ثُبُوتُها بالبَيِّنَةِ لأنهُ لا مُطلَعَ للشهُودِ عليها، وَكَذَا بِيَمِيْنِها بَعْدَ نُكُولِه، أيْ عن اليمينِ، فِي الأصَحِّ، لأنها تعرِف الحالَ بالقرائِنِ وطُوْلِ الصُّحبةِ والممارسَةِ، والثاني: يقضِي عليه بالنكولِ وتضرَبُ الْمُدَّةُ بغير يَميِنها، وَإِذا ثَبَتَتْ؛ ضَرَبَ الْقَاضِي لَهُ سَنَة، بالإجماع والمعنَى فيه مُضىُّ الفصول الأربعةِ، فإنْ كانَ ثم مانع زال فيها؛ وأوَّلُ هذهِ المدَّةِ من يومِ المرافعَةِ وضربِ القاضِي، بِطَلَبها، أي إنما يضربُ القاضي المدَّةَ بطلبِها فإنها حَقها فلو سكتَتْ فلا يَضْرِبُ. نَعَم: إنْ حملَ القاضِي سُكُوتَها على دَهشٍ أو جَهْل فلا بأسَ بتَنْبِيْهها، فَإِذَا تَمتْ، أي السَّنَةُ، رَفَعَتْهُ إِلَيْهِ، أي ولم يكنْ لها أنْ تفسِخَ النكاحَ، لأنَّ بناءَ الأمرِ على الإقرارِ والإنكارِ؛ فيحتاجُ إلى نظرِ الحاكمِ واجتهادِهِ، فإن قَالَ: وَطِئْتُ، أيْ إما بعدَ المُدَّةِ أو فيها وهى ثيب، حُلفَ، لأنهُ يتعذرُ إقامةُ البينَةِ عليهِ، والأصلُ سلامَةُ الشخصِ ودوامُ النكاح، وإنْ كانت بِكْرًا فالقولُ قولُها مع يمينِها، فإن نَكَلَ حُلفَتْ، أيْ وفيهِ الخلاف السالفُ، فإن حَلَفَتْ أَوْ أَقَرَّ اسْتَقلتْ بِالْفَسْخ، كما يستقِل بالفسخ من وجدَ بالمبيع تغيُّراً وأنكَرَ البائعُ كونَهُ عَيْباً وأقامَ المشتري على ذلك بَيِّنَة عندَ القاضِي، وَقِيلَ: يَحْتَاجُ إِلَى إِذْنِ الْقَاضِي أَوْ فَسْخِهِ، لأنهُ مَحِلُّ نظر واجتهادٍ، وجزمَ به الرافعىُّ في بابِ
стр. 1264
اختلافِ المتبائعين، وَلَوِ اعتَزَلَتْهُ أَوْ مَرِضَتْ أَوْ حُبِسَتْ فِي الْمُدَّةِ لَمْ تُحْسَبْ، لأنَّ أثرَ المُهْلَةِ يظهرُ إذا كان الزوجُ مُخَلى مع زوجتهِ، فأما إذا لم يكُنْ، فلا حُكْمَ للمُدُّةِ.
فَرْعٌ: لو مَرِضَ هو أو حُبِسَ؛ فإنه لا يمنعُ الاحتسابَ، وَلَوْ رَضِيَتْ بَعدَها بِهِ بَطَلَ حَقها، كما في سائرِ العيوبِ بخلافِ الإيلاءِ والإعسارِ؛ لأن الضرَرَ يتجدَّدُ والعُنةُ عيبٌ واحدٌ لا يُتَوَقعُ إزالَتُها إذا تحققَتْ، أما إذا رضيَتْ به في الْمُدةِ أو قَبْلَ ضربِها؛ فحقُّها باقٍ على الأظهرِ، وَكَذَا لَوْ أَخلَتْهُ عَلَى الصحِيح، أيْ بأنْ قالَتْ بعدَ مُضىِّ المدة: أجَّلتهُ سَنَةً أو شَهْراً آخرَ، لأنه على الفور، والثاني: لا، كما إذا أمهلَ بعدَ حلول الأجَلِ لا يلزم الإمهالُ.
فَصْلٌ: وَلَوْ نَكَحَ وَشُرِطَ فِيْها إِسلاَم أَوْ فِي أَحَدِهِمَا نَسَبٌ أَوْ حُريةٌ أَوْ غَيْرُهُمَا فَأخْلِفَ؛ فَالأظْهرُ صِحَّةُ النِّكَاحِ، لأنَّ الخُلفَ في الشرطِ لا يوجِبُ فساد البيع مع أنهُ عرَّضه للفسادِ بالشروطِ الفاسدةِ، فأَوْلى أنْ لا يفسدَ النكاحَ، والثاني: البطلانُ، لأنَّ النكاحَ يعتمدُ الأوصافَ دونَ المشاهدةِ، فيكونُ اختلاف الصفَةِ كاختلافِ العينِ، والقولان فيما إذا شرطَتْ حُريَّتَهُ فَبَانَ عَبْداً؛ هما إذا نكحَ بإذن السيّدِ، وإلاّ فلا يصحُّ قطعاً لعدمِ الإذن، وفيما إن شرطَتْ حرّيَّتُها فَبَانت أمَةً؛ هما إذا نكحَتْ بإذنِ السَّيدِ، وكان الزوجُ ممنْ يحِلُّ له نكاحُ الإماءِ، وإلا فلا يصحُّ قطعاً، ويجري القولانِ في كلِّ وصفٍ شُرِطَ ثم تَبَيَّنَ خلافُهُ سواءٌ كان المشروطُ صفةَ كمالٍ كالجمالِ والبَكَارَةِ والنسَبِ أو صفةُ نقصٍ كأضدادِها أو كان مما لا يتعلقُ به نقصٌ ولا كمالٌ وإليه أشارَ بقوله (أَوْ غَيْرُهُمَا).
فرعٌ: لو شرطَتْ حُرّيَّتَهُ فخرجَ مبعَّضاً فالذي يظهرُ أنه كما لو خرجَ عبداً.
ثُم إِن بَان خَيْراً مِما شُرِطَ فَلاَ خِيَارَ، أي كما إذا شُرط أنها كتابيَّةٌ فخرجَتْ مسلمةً، وَإن بَان دُوْنَهُ، أيْ بِأَنْ بَانَ نسبُهُ دونَ نسبِها، فَلَها الْخِيَارُ، أي وكذا لأوليائِها إنْ رضيَتْ لعدمِ الكفاءةِ، وإن كان مثلَ نسبِها أو فوقَهُ فالأظهرُ المنعُ لعدم
стр. 1265
العارِ بهِ، ووجهُ مقابلِهِ الطمعُ في الزيادةِ، وَكذا لَهُ فِي الأصَح، للغرور، والثانى: لا؛ لإمكانِ الطلاقِ، وصحَّحَ المصنّفُ في أصل الروضة فيما إذا شرطَ حُرِّيَّتَهَا فبانَتْ أَمَة ثبوتُ الخيار إذا كان حُرًّا دونَ ما إذا كانَ عبداً وهو خلافُ ما أطلقَهُ هنا.
فَرْعٌ: إذا شرطَتْ حُرِّيَّتَهُ فخرجَ عبدا فمقتضَى كلامِ المصنف ثبوتُ الخيارِ ولا ترجيحَ في المسألةِ في الرافعي والروضة وإذا ثبت فهو للسَّيِّدِ لا لَهَا.
وَلَوْ ظَنهَا مُسْلِمَةً أوْ حُرَّةَ فَبَانَتْ كِتَابِيَّةَ أَوْ أَمَةً وَهِيَ تَحِلَّ لَهُ فَلاَ خِيَارَ فِي الأظْهَرِ، كما لو اشترَى عبداً يظنُّهُ كاتباً فأخلفَ ظَنهُ، والثانى: لهُ الخيارُ، لأنَّ ظاهِرَ الدارِ الإسلامُ والحُرية فإذا خالفَ ذلك ثبتَ الخيارُ كما أنهُ لَما كانَ الظاهرُ في المبيع السلامَةُ فإذا اطَّلعَ على عيبٍ به ثبتَ الخيارُ؛ ومنهم من قطَعَ بثبوتِ الخيارِ في الكتابيَّةِ دونَ الأمَةِ كما هو المنصوصُ وفرَّقَ بأنَّ الكُفْرَ منفِرٌ وبتقصيرِ ولِىِّ الكافرةِ بِترْكِ الْعَلاَمَةِ.
فَرْعٌ: لو ظنَّهَا حُرَّةَ فَبَانَتْ مُبَعَّضَةً فالذي يظهرُ أنهُ كما لو بَانَتْ أمَةً.
وَلَوْ أَذِنَتْ في تَزْوِيجِهَا بِمَنْ ظَنتْهُ كفْوءاً فَبَان فِسْقُهُ أَوْ دَنَاءَةُ نَسَبِهِ وَحِرْفَتِهِ فَلاَ خِيَارَ لَهَا، لأن التقصيرَ منها ومن الوليِّ حيثُ لم يبحَثْ، وليس كظَن السلامَةِ عنِ العيبِ إذ الغالِبُ السلامَةُ وهنا لا يمكِنُ أنْ يقالَ الغالِبُ الكفاءَةُ، قُلتُ: لَو بَان مَعِيْباً أَوْ عبْداً فَلَهَا الْخِيَارُ، وَالله أَعلَمُ، نَصَّ على الأوْلى صاحِبُ الشَّامِلِ، وعلى الثانيةِ البغويُّ، وإطلاقُ الغزالي يقتضي المنعَ، وتبعَهُ في الحاوي الصغير، وقال الرافعي: ينبغي أنْ يكونَ الحكمُ في الرق كما لو نكحَ امرأة على ظَنِّ أنها حُرَّة فبانَتْ أَمَةً وهذا البحثُ من الرافعىِّ صرَّحَ به الإمامُ نقلًا.
فَرْعٌ الظاهرُ أن الْمُبَعَّضَ في ذلك كالعبدِ وإنْ لم أَرَهُ منقولًا.
وَمَتَى فُسيخَ بِخُلْفٍ فَحُكْمُ المَهْرِ وَالرُّجُوع بِهِ عَلَى الْغار مَا سبَقَ فِي الْعَيْبِ، أي فيسقطُ قبلَ الدخولِ ويجبُ بعدَهُ ولا يرجعُ به على من غَرَّهُ، وَالتغرِيرُ وَالْمُؤثَرُ تَغْرِيْرٌ قَارَن الْعَقْدَ، أيْ فإنْ كانَ سابقاً فلا اعتبارَ به في صحَّةِ العقدِ ولا في الخيارَ،