الترمذي وقال: حسن غريب؛ والحاكمُ وقال: صحيحٌ على شرط مسلمٍ (٥٠٢)، فَإِنْ كَانَ يَزُولُ بِحُضُورِهِ فَلْيَحْضُرْ، إجابةً للدعوَةِ وإزالةً للمنكَرِ، وإنْ لم يَزُلْ بحضورِهِ فَيَحْرُمُ الحضورُ على الأصحِّ؛ لأنهُ كَالرِّضَى به، ويدخلُ في قولِ المصنِّفِ: (وَلَا مُنكَرَ) ما إذا كان هناكَ داعيَةٌ إلى الْبِدْعَةِ ولا يقدرُ المدعوُّ على رَدِّةِ، وما إذا كان هناكَ من يضحكُ بِالْفُحْشِ وَالْكَذِبِ، وبهِ صَرَّحَ الغزاليُّ في الإِحْيَاءِ، وأهمَلَ المصنِّفُ شروطًا أُخَرَ لوجوبِ الإجابَةِ أو استحبابِها: أَحَدُهَا: أنْ يَخُصَّهُ بالدعوَةِ، ثَانِيْهَا: أنْ يدعُوهُ مُسْلِمٌ، ثَالِثُهَا: كونُ طعامِ الدَّاعِي مُباحًا، رَابِعُهَا: وجُودُ مَحْرَمٍ إذا دَعَتْ أجنبيَّةٌ رَجُلًا إلى دَارِهَا، خَامِسُهَا: كونُ المدعوِّ غيرُ قَاضٍ، وكلُّ ذلكَ مُوَضَّحٌ في الأصلِ فَرَاجِعْهُ، ومنها أيضًا الأعذارُ المرخصَةُ في التخلُّفِ عن الجماعةِ وليسَ منها أنْ لا يكونَ الدَّاعِي عدُوَّ المدعُو، ولا أنْ يكونَ في الدعوةِ من هُو عَدُوٌّ لهُ، وبهِ صرَّحَ الماورديُّ، ولو اعتذرَ المدعوُّ إلى صاحبِ الدَّعْوَةِ فَرَضِيَ بتخلُّفِهِ زالَ الوجوبُ، ولو غلبَ على ظَنِّهِ أنَّ الدَّاعِي لا يتألَّمُ بانقطاعِهِ ففيهِ تردُّدٌ حكاهُ في الذَّخَائِرِ، وظاهرُ الحديثِ يقتَضي المنعَ، ولو قال: إِنْ رَأيْتَ أنْ تُحَمِّلَنِي لَزِمَهُ الإجابةُ؛ قالهُ في البَحْرِ، وذَكَرَ أنَّ الشَّبَعَ وَالزِّحَامَ ليسا بعذْرٍ.
وَمِنَ الْمُنْكَرِ فِرَاشُ حَرِيْرٍ، لِحُرمَتِهِ، وَصُورَةُ حَيوَانٍ عَلَى سَقْفٍ أَوْ جِدَارٍ أَوْ وِسَادَةٍ؛ أي منصوبةٍ، أَوْ سِتْرٍ أَوْ ثَوْبٍ مَلْبُوسٍ وَيَجُوزُ مَا عَلَى أَرْضٍ وَبِسَاطٍ وَمَخَدَّةٍ وَمَقْطُوعُ الرَّأْسِ وَصُوَرُ شَجَرٍ، لأنَّ ما يُوْطَأَ ويطرحَ مهانٌ مبتذَلٌ، والمنصوبُ منها يشبِهُ الأصنامَ، ووجهُ الجوازِ في صور الشجرِ وكذا الشَّمْسُ والقَمَرُ كونُها تشابِهُ النقوشَ وهي غيرُ ممنوعةٍ، ولو كانت صورةُ الحيوانِ مقطوعَةَ الرأسِ فلا
стр. 1297
بأسَ كما جزمَ به المصنِّفُ وخالَفَ المتولِّي، وَالْوِسَادَةُ بكسر الواو الْمِخَدَّةُ والجمعُ وَسَائِدُ، وقد ذكرَ المصنِّفُ بعد هذا المخدَّةَ فَغَايَرَ.
وَيَحْرُمُ تَصْوِيْرُ حَيْوَانٍ، أي على الحِيطانِ وغيرِها لِمَا في الصحيح من قوله ﷺ : [أشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْذِيْنَ يُصَوِّرُوْنَ هَذِهِ الصُّوَرَ] (٥٠٣) والأصحُّ في الروضة تحريمُ نسجِ الثيابِ الْمُصَوَّرَةِ أيضًا.
وَلَا تَسْقُطُ إِجَابَةٌ بِصَوْمٍ، لقوله ﷺ : [إِذَا دُعِيَ أحَدُكُمْ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ، وَمَنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، رواه مسلم (٥٠٤)، وفي رواية ابن السُّني [فَإِنْ كَانَ صَائِمًا دَعَى لَهُ بِالْبَرَكَةِ]، فَإِنْ شَقَّ عَلَى الصَّائِمِ صَوْمُ نَفْلٍ فَالْفِطْرُ أفْضَلُ، ويَنْوِي بإفطارِهِ إدخالَ السُّرورِ على قلبهِ، وإنْ لم يشق فالإتمامُ أفضلُ، وخرجَ بالنفلِ الفرضُ، فإنهُ لا يجوزُ الخروجُ منه مُضَيَّقًا كانَ أو مُوَسَّعًا.
فَرْعٌ: لو كانَ المدعوُّ مفطرًا يستحبُّ الأكلُ ولا يجبُ على الأصحِّ.
وَيَأكُلُ الضَّيْفُ، مِمَّا قُدِّم لَهُ بِلَا لَفْظٍ، أي سواءٌ دعاهُ أمْ لا بشرطِ أنْ لا يكونَ منتظِرًا غيرَهُ اكتفاءً بالقرينَةِ، وهل يملكُ ما يأكلُهُ؟ فيه وجهان، أصحُّهما عندَ الجمهورِ: نَعَمْ! وفي وقت المِلْكِ أوجهٌ؛ أرجَحُها في الشرح الصغير: عندَ الوضعِ في
стр. 1298
الفَمِ؛ لأنهُ وقتُ التصرُّف بالإتلافِ فلا بدَّ أنْ يتقدَّمَهُ، وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيْهِ إِلَّا بِأَكْلٍ، أيْ فلا يتصرَّفُ فيه بِهِبَةٍ وبيعٍ كما لا يُعِيْرُ المستعارَ، وَلَهُ أَخْذُ مَا يَعْلَمُ رِضَاهُ بِهِ، لأنَّ مَدَارَ الضيافَةِ على طِيْبِ النفسِ فإذا تحقَّقَ ولو بالقرينةِ رَتَّبَ عليهِ مقتضاهُ، ويختلفُ ذلك بقدرِ المأخُوذِ وجنسِهِ ومجالِ الْمُضَيِّفِ وبالدعوةِ، فإنْ شَكَّ في وقوعِهِ في مَحِلِّ الْمُسَامَحَةِ فالأصحُّ التحريمُ.
وَيَحِلُّ نَثْرُ سُكَّرٍ، أي وهو رميُهُ مفرَّقًا، وَغَيْرِهِ لى الإِمْلَاكِ، أيْ كالجَوْزِ واللَّوْزِ وكذا الدَّرَاهِمَ والدَّنَانِيْرَ كما ذكرهُ المسعوديُّ وإنْ سكَتَ عنهُ الأكثرونَ، وَلَا يُكْرَهُ في الأصَحِّ، أيْ بلْ تركُهُ أَوْلى؛ لأنهُ وَرَدَ فعلُهُ، والثانى: نَعَمْ، لأنَّ التقاطَهُ دَنَاءَةٌ، ونقلَهُ الماورديُّ عن الجمهورِ، والثالثُ: أنهُ مستحَبٌّ، وَيَحِلُّ الْتِقَاطُهُ، وَتَرْكُهُ أَوْلَى، أيْ إلَّا إذا عَرَفَ أنَّ النَّاثِرَ لا يُؤْثِرُ بعضَهم على بعضٍ، ولم يقدَحِ الالتقاطُ في مروءتِهِ، ونصَّ الشافعي في الأُمِّ على كراهَةِ التقاطِهِ. ونقلَهُ في الروضة من زوائدِهِ في كتابِ الشهاداتِ عن الشَّامِلِ، قال ابنُ داود: الأَوْلى أنْ يقسم النُّثَار على الحُضُورِ، أمَّا أخذُهُ من الهواءِ قبل وقُوعِهِ على الأرضِ فمكروهٌّ قطعًا، نَعَمْ؛ إنْ أخَذَهُ مَلَكَهُ.
فَرْعٌ: لو التقطَ النثارَ صبيٌّ مَلَكَهُ، وكذا لو التقطَهُ عبدٌ مَلَكَهُ سيِّدُهُ؛ والختانُ في هذا كالإِمْلَاكِ ذكرَهُ في الروضةِ من زوائدهِ.
فَائِدَةٌ: نَخْتِمُ بِهَا الْبَابَ: مِنْ أدَبِ الضَّيْفِ أنْ لا يخرُجَ إلَّا بِرِضَى صاحِبِ المنزِلِ وإذنِهِ. ومِنْ أدَبِ الْمُضَيِّفِ أنْ يُشَيِّعَهُ عِنْدَ خُرُوجِهِ إلى بابِ الدَّارِ فَهُوَ سُنَّة. وينبغي للضيفِ أنْ لا يجلُسَ في مقابلةِ حُجْرَةِ النِّساءِ وَسَتْرِهِنَّ، ولا يُكْثِرَ النظرَ إلى الموضعِ الذي يخرجُ منهُ الطعامُ، وإذا حضرَ المدعُوُّونَ وتأخَّرَ واحدٌ أو إثنانِ عن الوقتِ الموعودِ فَحَقُّ الحاضرينَ في التعجيلِ أَوْلى من حقِّهِما في التأخير إلَّا أنْ يكونَ المتأخِّرُ فقيرًا ينكسرُ قلبُهُ بذلكَ فلا بأسَ بانتظارِهِ، وينبغي أن تقدَّمَ الفاكهةُ إنْ كانَتْ لسرعَةِ انهضامِها ثم اللَّحْمُ ثم الحلاوَةُ، ويستحبُّ أنْ يكونَ على المائدَةِ الْبَقْلُ، وإذا دخلَ ضَيْفٌ لِلْمَبِيْتِ فَلْيُعَرِّفْهُ ربُّ الدارِ عند الدخولِ الْقِبْلَةَ وبيتَ الماءِ وموضِعَ الوضُوءِ،
стр. 1299
ويستحبُّ أنْ ينوِيَ بأكلِهِ وشُربِهِ التَّقَوِّيَ على الطاعَةِ، وأنْ تكونَ باليمينِ إلَّا لعذرٍ، قال الغزاليُّ: ويبدأُ بالملْحِ ونحوِهِ، ولا يكرهُ الأكلُ على المائدةِ وإنْ كانَتْ بدعةً، فلم يكن ﷺ يأكُلُ إلَّا على السُّفْرَةِ، ويكرَهُ الأكلُ والشربُ مضطَجِعًا؛ قال الغزالي: إلّا ما يُتَنَقَّلُ بهِ من الْحُبُوبِ، والمختارُ في الروضةِ أنَّ الشربَ قائمًا بلا عذرٍ خلافُ الأَوْلى، قال الغزاليُّ: ويكرَهُ الأكلُ قائمًا، قال: ويأكُلُ من استدارَةِ الرغيفِ إلَّا إذا قَلَّ الْخُبْزُ فيكرَهُ، ولا يقطعُ بالسكِّينِ ولا يقطعُ اللَّحْمَ ولا يوضَعُ على الخبزِ إلَّا ما يؤكَلُ بهِ، ولا يَمسَحُ يدَهُ فيهِ في الخُبْزِ، ويستحبُّ أنَّ يُصَغِّرَ اللُّقْمَةَ ويُطِيْلَ مَضْغَهَا، ولا يمدُّ يدَهُ إلى أُخرى ما لم يَبْلَعْهَا، ولا ينفخُ في الطعامِ الحَارِّ ولا يجمعُ بينَ التمرِ والنوَى في طبقٍ ولا يترُكُ ما اسْتَرْذلهُ من الطعامِ في القَصْعَةِ بل يجعلُهُ في الثفلِ لِئَلَّا يلتبِسَ على غيرِهِ فيأكله، ولا يغمِسُ اللقمةَ الدَّسمَةَ في الْخَلِّ ولا الْخَلَّ في الدَّسمَةِ، وإذا قلَّلَ رفيقُهُ الأكلَ نَشَّطَهُ، ولا يزيدُ في قولهِ على ثلاثِ مرَّات، قال الغزالي: وأمَّا الحلفُ عليه بالأكلِ فممنوعٌ، ولا يقومُ حتَّى ترفَعَ المائدةُ، ولا يبتدِئُ بالطعامِ ومعهُ من يستحقُّ التقديمَ إلَّا أنْ يكونَ هو المتبوعُ، ولا يشربُ في أثناء الطعامِ إلَّا لضرورةٍ، ووردَ النهيُ عن الشربِ من ثُلْمَةِ القدح، ويستحبُّ إدارَةُ المشروبِ عن يمين المبدَّأ بالشرابِ، قال الرويانيُّ: ويكرهُ أنْ يزيدَ على قدرِ الشبع وهو ما ذكرَهُ الرافعيُّ في أواخِرِ الأطعمَةِ، وتبعَهُ في الروضة وفي الحاوي تحريمُهُ وهو ما اقتضاهُ كلامُ الشيخ عِزُّ الدِّيْنِ قال: ولا يأكل فوق ما يقتضيهِ العُرْفُ في المقدارِ، قال: وكذا لو كان الطعامُ قليلًا فأكَلَ لُقَمًا كِبارًا مُسْرِعًا مضغِها وابتلاعِها حتَّى يَحْرِمَ أصحابَهُ، ولا يكرهُ غسلُ اليدِ بالأشنانِ وإنْ كان مُحْدَثًا، قال الغزاليُّ: وكيفيَّتُهُ أنْ يغسِلَ الأصابِعَ الثلاثَ من اليمينِ أوَّلًا ويضرِبَ أصابعَهُ على الأشنانِ اليابسِ فيمسحُ به شَفتَيْهِ، ولا يكرهُ الغسلُ في الطِّسْتِ، ولهُ أنْ يَتَنَخَّمَ فيهِ إنْ كان وحدَهُ وأنْ يقدِّمَ المتبوعَ ويكونُ الخادمُ قائمًا، ويَصُبُّ صاحبُ المنزِلِ الماءَ على يَدِ ضيفِهِ، وَمِنْ آدَابِهِ حَمْدُ اللهِ تعالى في آخِرِ الأكْلِ وَالشُّرْبِ فيقولُ: الحمدُ للهِ حَمْدًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فيهِ غيرُ مَكْفِىٍّ ولا مكفورٌ ولا مودِّعٌ ولا مستغني عنهُ رَبُّنا، ومن آدَابِهِ أن يَتَبَسمَلَ أوَّلًا جهْرًا فإنْ تركَ
стр. 1300
قالَ: بسمِ اللهِ أولهِ وأخرِه، ويكفى التسميةُ من واحدٍ، وقال الغزاليُّ: يقولُ مع اللُّقمةِ الأُوْلى: بسمِ اللهِ، ويزيدُ في الثانيةِ: الرَّحْمَنِ، وفي الثالثة: الرَّحِيْمِ، وأنْ يغسِلَ يديهِ قبلَ الأكلِ وبعدَهُ وغَسَلَهُمَا مالكٌ ﵀ أوَّلَ القومِ وآخِرَهُم وقال: هُوَ الأَوْلَى، وأنْ يأكُلَ بأصابعِهِ الثلاثِ وأنْ يدعُو لصاحِبِ الطعامِ إنْ كانَ ضيفًا فيقولُ: أكلَ طعامَكُمُ الأبرارُ وأفطَرَ عندكُمُ الصائمونَ وَصَلَّتْ عليكُمُ الملائكةُ، وإنْ كان صائمًا دَعَى أيضًا، قال الغزاليُّ: وإنْ أكلَ طعامًا حَلَالًا قال: الحمدُ للهِ الَّذي بنعمتِهِ تَتِم الصالحاتُ وتنزِلُ البركاتُ، اللَّهُمَّ أَطْعِمْنَا طيِّبًا وَاسْتَعْمِلْنَا صَالِحًا، وإنْ كانَ فيه شبهةٌ قال: الحمدُ للهِ على كُلِّ حالٍ، اللَّهُمَّ لا تجعلْهُ قوَّةً لنا على معصِيَتكَ، قال: ويقرأ بعدَ الطعامِ ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وإنْ كانَ المأكولُ لَبَنًا قالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لنا فيما رزقتَنَا وزِدْنا منهُ، وإنْ كانَ المأكولُ غيرَهُ قال: اللَّهُم بارِكْ لنَا فيما رزقتنا وَارْزُقْنَا خَيْرًا منهُ، ويكرهُ أنْ يأكلَ مُتَّكِئًا، وأنْ يأكلَ مما يَلِي أَكِيْلَهُ، وأنْ يأكلَ من وسطِ الْقَصْعَةِ وأعلَى الثَّرِيْدِ ونحوِهِ، وخصَّهُ بعضُهم بما إذا أكلَ مع غيرهِ، ولا بأسَ بذلك في الفواكِهِ، ونصَّ الشافعىُّ في الاُمِّ على تحريمِ أكلِهِ من غيرِ ما يليهِ ومن رأسِ الطعامِ إذا كان عالِمًا بالنهي، وكذا نصَّ عليهِ في البويطيِّ والرسالَةِ، ويكرهُ أنْ يَعِيْبَ الطعامَ ولا بأسَ بقولهِ لَا أَشْتَهِيْهِ وما اعتدْتُ أكلَهُ لحديثِ الضَّبِّ (٥٠٥)، ويكرهُ أنْ يَقْرِنَ بين تمرتينِ ونحوِهما كما في الروضةِ تبعًا
стр. 1301
للرافعيِّ، وفصلَ في غيرها بين الطعامِ المشتركِ وغيرهِ، ويكرهُ أنْ يَتَنَفَّسَ في الإناءِ وأنْ يَنْفُخَ فيهِ، وإذا أكلَ جماعةٌ فالأدبُ أنْ يتحدَّثُوا على طعامهمْ بما لا إِثْمَ فيهِ، ويكرهُ أن يَتَمَخَّطَ وَيَبْزُقَ في حالِ أكلِهِمْ إلَّا لضرورةٍ، ويكرهُ أنْ يُقَرِّبَ فَمَهُ منَ الْقِصْعَةِ بحيثُ يرجِعَ من فمِهِ إليها شَيْءٌ، ويستحبُّ أنْ يَلْعَقَ القصعةَ، وأنْ يَلْعَقَ أصابعَهُ وأنْ يأكُلَ اللقمَةَ الساقطَةَ ما لم تَتَنجَّسْ ويتعذَّرُ تطهيرُها، والأوْلى أنْ لا يأكلَ وحدَهُ وأن لا يرتفِعَ عن مُوَاكَلَةِ الغلامِ ونحوِه، وأنْ لا يتميَّزَ عن جُلَسَائِهِ بنوعٍ إلَّا لحاجةٍ كدواءٍ ونحوِهِ، وأن يمُدَّ الأكلَ مع رِفْقَتِهِ ما دامَ يَظُنُّ لهم حاجةُ الأكلِ، وأن يُؤْثِرَهُمْ بفاخِرِ الطعامِ، ويستحبُّ التَّرحِيْبُ بالضيفِ وحمدُ اللهِ تعالى على حصولهِ ضَيْفًا عندَهُ وسرورُهُ بهِ وثناؤُهُ عليهِ يجعلِهِ أهْلًا لتضييفِهِ، ورأيتُ في كتابِ الخصالِ لأبي بكرِ الخفَّافِ من أصحابنا: أنَّ من سُنَنِ الأكلِ قِلَّةَ النظرِ في وجهِ صاحِبِكَ والجلوسَ على إحدَى راحتَيْكَ والرضى والشكرُ، وله آدابٌ أُخرى وفي هذا كفايةٌ لِمَنْ وُفِّقَ
стр. 1302
كِتَابُ الْقَسْمِ وَالنُّشُوزَ
القَسْمُ: بِفَتْحِ الْقَافِ مَصْدَرٌ، وَالنُّشُوزُ: الِارْتِفَاعُ (١).
يَخْتَصُّ الْقَسْم بِزَوْجَاتٍ ، أي فلا قَسْمَ لمستولداتٍ وإماءٍ، بل هو من خصائص النِّكَاح، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٢) أشْعَرَ ذلكَ بأنهُ لا يجبُ العدلُ في مِلْكِ اليمينِ، وَمَنْ بَاتَ عِنْدَ بَعْضِ نِسْوَتِهِ لَزِمَهُ عِندَ مَنْ بَقِيَ، تسويةً بينهُنَّ فلو لم يفعل ذلك عصَى (٣)، وَلَوْ أَعْرَضَ عَنْهُنَّ أَوْ عَنِ
стр. 1303
الْوَاحِدَةِ لَمْ يَأْثَمْ، لأنَّ المبيتَ حَقُّهُ فجازَ له تركُهُ، وَيُسْتَحَبُّ أنْ لَا يُعَطِّلَهُنَّ، للإضرار بهِنَّ، وَتَسْتَحِقُّ الْقَسْم مَرِيْضَةٌ وَرَتْقَاءُ وَحَائِضٌ وَنُفَسَاءُ، أيْ وكذا مجنونةٌ لا يُخَافُ منها وَمُحْرِمَةٌ والتي آلَى مِنْهَا أو ظَاهَرَ مِنْهَا، قال الغزاليُّ: كُلُّ مَنْ بِهَا عُذْرٌ طَبْعِيٌّ وَشَرْعِيٌّ تَسْتَحِقُّ الْقَسْم لأنَّ المقصودَ الأُنْسُ لا الوَطْءُ، ولهذا لا يجبُ التسويةُ فيهِ، وفي التتمَّة: أنَّ المعتدَّةَ عن وطئٍ بشُبْهَةٍ لا قَسْمَ لها لحرمةِ الخلوةِ بها، وهذا فرعٌ مستثنًى من كلامِ الغزاليِّ، لَا نَاشِزَةٌ، أي فإنها لا تستحقُّ القَسْم كالنفقةِ.
فَرْعٌ: قد سَلَفَ قُبَيْلَ الصَّدَاقِ متَى تستحقُّ الأمَةُ النفقةَ؛ والْقَسْم دائرٌ عليهِ، وسيأتي أيضًا في الباب، ولم يذكُرِ المصنِّفُ من يستحقُّ عليهِ الْقَسْمُ؛ وقد ذكرتُهُ في الشرح فَرَاجِعْهُ مِنْهُ.
فَإِنْ لَمْ يَنْفَرِدْ بِمَسْكَنٍ دَارَ عَلَيْهِنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ، توفيةً لِحَقِّ الْقَسمِ، وَإنِ انْفَرَدَ؛ فَالأَفْضَلُ الْمُضِيُّ إِلَيهِنَّ، للاتباعِ، وَلَهُ دُعَاؤُهُنَّ، لأنَّ ذلك حقٌّ لهُ ومن امتنعَتْ فهي ناشزةٌ، قال الماورديُّ: اللهم إلَّا إذا كانت المراةُ ذاتُ حِشْمَةٍ وَمَنْصِبٍ، واستغربَهُ الرويانيُّ، وَالأصَحُّ تَحْرِيْمُ ذَهَابِهِ إِلَى بَعْضٍ وَدُعَاءِ بَعْضٍ، لما فيه من الْوَحْشَةِ وَالتَّنْفِيْرِ، والثاني: لا، كما تخصص بالمسافِرةِ، لكن للأَوَّلِ أنْ نقولَ: هذا يقعُ بالقُرْعَةِ فلا تخصيصَ، فإنْ أقرَعَ؟ ! هنا قال الرافعىُّ: وجبَ أن يجوِّزه، إِلَّا لِغَرَضٍ كَقُرْبِ مَسْكَنِ مَنْ مَضَى إِلَيْهَا أَوْ خَوْفٍ عَلَيْهَا، أي فإنهُ لا يحرُمُ لِتُخَفَّفَ عنهُ مُؤْنَةُ السيرِ، وكذا لو كان تحتَهُ عجوزٌ وشابَّةٌ فحضرَ بيتَ الشابةِ لكراهةِ
стр. 1304
خروجِها، ودعَى العجوزَ؛ فإنهُ يلزَمُها الإجابةُ؛ فإن أَبتْ بَطَلَ حقُّهَا.
وَيَحْرُمُ أَنْ يُقِيْمَ بِمَسْكَنِ وَاحِدَةٍ وَيَدْعُوهُنَّ إِلَيْهِ، لأنَّ إتيانَ بيتِ الضُّرَّةِ شاقٌّ عليهِنَّ ولا تجبُ مُسَاكَنَتُهَا، فلو وقعَتِ الإجابةُ فلصاحبَةِ البيتِ الامتناعُ من ذلكَ، وإنْ كانَ مِلْكَ الزوجِ؛ لأنَّ حقَّ السَّكَنِ فيهِ لها قاله ابن داود، وَأَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ ضُرَّتَيْنِ فِي مَسْكَنٍ وَاحِدٍ، أي إنْ لم تنفصِلْ مرافقُهُ؛ لأنهُ يُشَوِّشُ العِشْرَةَ بالمعروفِ، قال الرويانيُّ: والجمعُ بين الْحُرَّةِ وَالسُّرِّيَّةِ في مسكنٍ واحدٍ كالْحُرَّتَيْنِ، واحتَجَّ بقصة مَارِيَّةَ (٤) فإنِ انفصلَتِ المرافقُ وَلاَقَ بالحالِ؛ فيجوزُ؛ لأنهُ كَالْمَسْكَنَيْنِ، إِلاَّ بِرِضَاهُمَا، لأنَّ الحقَّ لهما ولا يعدُوهُما، نَعَمْ يكرَهُ أنْ يطأَ إحداهُما بحضرةِ الأُخرى.
فَصْلٌ: وَلَهُ أَنْ يُرَتِّبَ الْقَسْم عَلَى لَيْلَةٍ وَيوْمٍ قَبْلَهَا، أي قبلَ الليلة، أَوْ بَعْدَهَا، والثاني: هو الذى عليه التواريخُ الشرعيةُ فإنَّ أوَّلَ الأشهُرِ اللَّيَالِي، قال الماورديُّ: الأَوْلى الاتفاقُ عليهِ، قال في المطلبِ: لكنَّ الخبرَ يدُلُّ على خلافهِ؛ والعُرْفُ في الْقَسْمِ عليهِ، والظاهرُ أنهُ لا يجبُ الدخولُ عند صاحبَةِ النَّوْبَةِ من الغروبِ والمرجِعُ فيه إلى العُرْفِ الغالِبِ كما نَبَّهَ عليه صاحبُ الْمَطْلَبِ، وَالأَصْلُ اللَّيْلُ، لأنَّ الله جعلَهُ سَكَنًا، كما جعلَ الزوجَ سَكَناً فمعنَى السَّكَنِ يَجْمَعُهُمَا، وَالنَّهَارُ تَبَعٌ، لأنهُ وقتُ التردُّدِ والانتشارِ، فَإِنْ عَمِلَ لَيْلاً وَسَكَنَ نَهَاراً كَحَارِسٍ، أيْ وأَتُونى (٥) بتشديد التاء المثناة فوق، قال الجوهري: والعامَّةُ تُخَفِّفُهَا، فَعَكْسُهُ، أي فيكونُ النهارُ في حقِّهِ أصلٌ والليلُ تابِعٌ؛ لأنَّ نهارَهُ كَلَيْلِ غيرهِ.
стр. 1305
فَرْعٌ: هذا كلُّهُ في الْمُقِيْمِ، أمَّا المسافرُ فعمادُ الْقَسْمِ في حقّهِ وقتُ النزولِ.
فَرْعٌ: لو أراد أنْ يبدِّلَ الأصلَ بالتابِعِ؛ فالأصحُّ في الروضة المنعُ.
وَلَيْسَ لِلأوَّلِ دُخُولٌ فِي نَوْبَةٍ، أي وهو الذى عمادُ الْقَسْم في حقّهِ الليلُ، دخولٌ في نوبةٍ، عَلَى أُخْرَى، أي وإن كان لحاجةٍ كعبادةٍ لما فيه من إبطالِ حقِّ صاحبةِ النَّوْبَةِ، واحترزَ بالأولِ عن الثانى الذي عمادُ الْقَسْم فِى حقِّهِ النهارُ، فإنه يجوزُ له أنْ يدخلَ، لَيْلاً، إلى غيرَ صاحبةِ النوبةِ لوضعِ متاعٍ ونحوِهِ كما يفعلهُ هذا نهاراً كما سيأتي؛ لأنَّ الليلَ في حقِّ الثاني كالنهارِ في حق الأوَّلِ، إِلاَّ لِضَرُورَةٍ كَمَرَضِهَا الْمُخَوِّفِ، أي ولو ظَنًّا دفعًا للضررِ، قال في الوسيط: والمرضُ الذى يمكن أنْ يكونَ مخوِّفًا يدخلُ لِيَتَبَيَّنَ الحالَ، وَحِيْنَئِذٍ إنْ طَالَ مُكْثُهُ قَضَى، لأنَّ السَّكَنَ يحصلُ بهِ، وَإِلاَّ فَلاَ، لانتفائِهِ، وهذا إذا لم يجامع المدخولَ عليها، فإنْ جامَعَها لم يقضهِ على الأصحِّ، وَلَهُ الدُّخُولُ نَهَاراً لِوَضْعِ مَتَاعٍ وَنَحْوِهِ، أي كتسليمِ نفقةٍ وتفريقٍ وتعرُّف خبرٍ لحديثِ عائشَةَ: [كَانَ رَسُوْلُ الله ﷺ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيْعًا فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيْسٍ حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى الَّتِى هُوَ يَوْمُهَا فَيَبِيْتُ عِنْدَهَا] رواه أبو داود، وقال الحاكم: صحيحُ الإسنادِ (٦)، وَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يَطُولَ مُكْثَهُ، أيْ ولا يعتادَ أيضًا الدخولَ على واحدةٍ في نَوْبَةِ الأُخرياتِ؛ ولا في نوبةِ واحدةٍ الدخولُ على غيرِها، كذا في الرافعيِّ، قال ابن الرفعة: ومقتضاهُ أنه إذا فعلَهُ لا إِثْمَ عليهِ فيهِ ولا قضاءَ، وفي المهذب: أنهُ يجبُ عليه القضاءُ إذا طالَ لأنه يزيلُ الإِيْوَاءَ المقصودَ ونصَّ عليه في الأُمِّ أيضًا، وَالصَّحِيْحُ أَنَّهُ لاَ يَقْضِي إِذَا دَخَلَ لِحَاجَةٍ، لأنهُ لم يُنْقَلْ، والثانى: يقضِي إنْ تعدَّى بالدخولِ، وَأَنَّ لَهُ مَا سِوَى وَطْءٍ مِنَ اسْتِمْتَاعٍ، لحديث
стр. 1306
عائشةَ السالف، والثاني: لا يجوزُ ذلكَ، لأنه مما يحصلُ به السكنُ فأشبهَ الوطءَ، وأمَّا الوطءُ فَيَحْرُمُ وفيهِ وجهٌ شاذٌّ.
فَرْعٌ: هل يَتَّصِفُ الوطءُ بالتحريمِ في غير النوبةِ، ذكَرَ الإمامُ أنَّ اللائِقَ بالتحقيقِ القطعُ بالإباحَةِ وصرفُ التحريمِ إلى إيقاع المعصيةِ لا إلى ما وقعَتِ المعصيةُ به، وملخَّصُ هذا أنَّ تحريمَ الوطءِ ليسَ لعينِهِ بل لأمرٍ خارجٍ، وَأَنَّهُ يَقْضِي إِنْ دَخلَ بِلاَ سَبَبٍ، لأنه تركَ الإيواءَ المقصودَ، والثاني: لا قضاءَ؛ لأنَّ النهارَ تابعٌ.
وَلاَ تَجِبُ تَسْوِيَةٌ فِي الإِقَامَةِ نَهَارًا، لأنهُ وقتُ الانتشارِ والتردُّدِ قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ (٧) أيْ وقتًا للمعاشِ.
فَصْلٌ: وَأَقَلُّ نُوَبِ الْقَسْمِ لَيْلَةٌ، أي ولا يجوزُ تبعيضُها لما فيه من تَنْغِيْصِ العيشِ وعُسْرِ الضبطِ، نَعَمْ في الأُمِّ ما يقتضِى جوازَهُ كما نَبَّهَ عليه في المطلبِ، وَهُوَ أَفْضَلُ، للاتباع، وَيَجُوزُ ثَلاَثًا، أي وإنْ لم يَرْضِيْنَ؛ لأنها مُّدَّةٌ قريبةٌ، لاَ زِيَادَةً عَلَى الْمَذْهَبِ، لما في ذلك من الإيحاشِ والهجرانِ للباقياتِ، اللَّهُمَّ إلاّ أنْ يَرْضِيْنَ بذلك، والطريقُ الثاني حكايةُ قولين أو وجهينِ وادَّعَى سُليم أنَّ المذهبَ الجوازُ، وقال ابن الرفعةِ: الصحيحُ أنهُ لا يجوزُ، وقيل: يجوزُ إذا رَضِيْنَ، فإنْ جوَّزنا الزيادةَ؛ فوجهانِ؛ أحدُهما: لا تجوزُ الزيادةُ على سبعةٍ، قالهُ صاحبُ التقريبِ؛ لأنَّ هذه المدَّةَ تُستحقُّ في الْقَسْمِ لتحديدِ النكاح، والثانى: يجوزُ ما لم تبلُغْ أربعةَ أشهُرٍ مدَّةُ تَرَبُّصِ الْمُوَلِّي، قالهُ الجوينيُّ وغيرُه، وَالصَّحِيحُ وُجُوبُ قُرْعَةٍ لِلاِبْتِدَاءِ، تحرُّزًا عن الترجيح فيبدأُ بالقارعةِ فإذا مَضَتْ نوبَتُها أقرعَ بين الباقياتِ ثم بينَ الأُخْرَتَيْنِ فإذا تَمَّتِ النوبةُ راعَى الترتيبَ ولا حاجةَ إلى إعادَةِ القُرعةِ، ولو بدأ بلا قُرْعَةٍ فقد ظَلَمَ، ويقرع بين الثلاثِ فإذا تَمَّتِ النوبةُ أقرعَ للابتداءِ، وَقِيْلَ: يتَخَيَّرُ، لأنَّ لهُ الإعراضُ عَنْهُنَّ، وقال في التتمة: إنهُ مكروهٌ.
وَلاَ يُفَضِّلُ فِي قَدْرِ نَوْبَةٍ، لأنَّ الْقَسْمَ مشروعٌ للعدلِ والاجتنابِ عن التفضيلِ
стр. 1307
المولِّدِ للوحشَةِ فلا يفضِّلُ امرأةً على امرأةٍ، وإنِ اختصَّتْ بخصالٍ شريفةٍ حتى يسوِّي بين المسلمةٍ والكافرةٍ، لَكِنْ لِحُرَّةٍ مِثْلاَ أَمَةٍ، لحديثٍ فيه مرسلٍ يؤكّدُهُ قولُ عليٍّ مثلَهُ (٨)، قال الماوردىُّ: ولا يعرفُ له مخالفٌ فكانَ إجماعًا، وخالفَ حقَّ الزَّفَافِ، فإنَّ الغرضَ به زوالُ الْحِشْمَةِ، وهذا إذا استحقَّتِ الأَمَةُ النفقةَ إمَّا بأنْ يسلِّمَها السيِّدُ ليلاً ونهاراً أو ليلاً وقلنا باستحقاقِها، أمَّا إذا قلنا بعدَمِهِ فلا، واجتماعُ الْحُرَّةِ والأَمَةِ في نكاحٍ واحدٍ يتصورُ في العبدِ فإنَّ لهُ أنْ يجمَعَ بينهُما كيفَ شاءَ، وقد يعتقُ وتحتَهُ حُرَّةٌ وأَمَةٌ فينكِحُ عليهِما حُرَّتَيْنِ، ويتصورُ في الْحُرِّ بأنْ ينكِحَ الأمَةَ أوَّلاً لوجودِ شرطِها ثم الْحُرَّةَ بعدَها.
فَرْعٌ: المدبَّرة وأمُّ الولدِ والْمُكَاتَبَةُ ومَنْ بعضُها رقيقٌ وباقيها حُرٌّ كالقِنَّةِ، قاله الماورديُّ.
فَرْعٌ: لو لم تعلَمِ الأَمةُ بالعتقِ حتى مَرَّتْ عليها أدوارٌ وهو يَقْسِمُ عليها قَسْمَ الإماءِ، قال الماورديُّ: تَسْتَقِلُّ بالتسويَةِ من حين العِلْمِ، ولا يقضِي لها ما مَضَى، قال في المطلبِ: والقياسُ أنْ يقضِيَ لها.
وتُخَصُّ، أي وُجُوباً، بِكْرٌ جَدِيْدَةٌ، أيْ ولو أَمَةٌ، عِنْدَ زَفَافٍ بِسَبْعٍ بِلاَ قَضَاءٍ، وَثَيِّبٌ، أي بنكاحٍ أو زنًا أو وطئِ شبهةٍ لا بمرضٍ ووثبَةٍ في الأصحِّ، بِثَلاَثِ، أي متواليَةٍ كالسبعةِ لقوله ﷺ [سَبْعٌ لِلْبِكْرِ وَثَلاَثٌ لِلثَّيِّبِ] رواه ابنُ حبان في صحيحه (٩) وهو مؤيّدٌ لرواية الصحيحين ذلك عن أنسٍ من قوله (١٠)، والمقصودُ منه
стр. 1308
أنْ تُرْفَعَ الحشمةُ ويحصل الأُنْسُ، وخُصَّتِ البِكرُ بزيادةٍ، لأنَّ حياءَها أكثرُ.
ويُسَنُّ تَخْيِيْرُهَا، أي الثيبِ، بَيْنَ ثَلاَثٍ بِلاَ قَضَاءٍ، وَسَبْعٍ بِقَضَاءِ، اقتداءً برسول الله ﷺ فإنهُ فعلَ ذلك بأُمِّ سَلَمَةَ (١١)، فإنِ اختارَتِ السَّبْعَ فأجابَها قضَى السبعَ للباقيَاتِ، وإنْ أقامَ بغيرِ اختيارِها لم يقْضِ إلاَّ الأربَعَ الزائدةَ.
فَصْلٌ: ومَنْ سَافَرَتْ وَحْدَهَا بِغَيرِ إِذْنِهِ فَنَاشِزَةٌ، أي سواءٌ كان في حاجَتِها أو حاجتِهِ فلا قَسْمَ لها كما لا نفقةَ، ويستثنَى من ذلكَ ما إذا كانَتِ الزوجةُ أمَةً فسافرَ بها السَّيِّدُ بعدَ أنْ بَاتَ عندَ الْحُرَّةِ ليلتَينِ؛ فإنهُ لا يسقطُ حقُّ الأمةِ من الْقَسْمِ بل على الزوجِ قضاءُ ما فَاتَ عند التمكينِ؛ لأنَّ الفواتَ حصلَ بغيرِ اختيارِها، كذا حكاهُ في التّتِمَّةِ، وَبِإِذْنِهِ لِغَرَضِهِ، أيْ كما إذا أرسَلَها في شغلهِ، يَقْضِي لَهَا، لوجودِ الإذنِ وغرضِهِ، وَلِغَرَضِهَا، أي كحَجٍّ وعُمْرَةٍ وتجارَةٍ، لاَ فِي الْجَدِيْدِ، لأنّ ذلك في مقابلَةِ الاستمتاعِ وقد تعذَّرَ، نَعَمْ؛ لا إثْمَ عليها لوجودِ الإذنِ، والقديمُ: نَعَمْ، لأنها سافرَتْ بإذنِهِ فصارَتْ كما لو سافرَتْ بإذنهِ لحاجتهِ أو معهُ.
فَرْعٌ: حكمُ النفقةِ حكمُ الْقسْمِ كما ذكرَهُ المصنِّفُ في بابهِ.
وَمَنْ سَافَرَ لِنُقْلَةٍ؛ حَرُمَ أَن يَسْتَصْحِبَ بَعْضَهُنَّ، أيْ بِقُرْعَةٍ ودونَها لما فيه من التخصيصِ، ويحرمُ عليه أنْ يخلفهنَّ أيضاً، بل إمَّا أن ينقلهُنَّ بنفسهِ أو بوكيلهِ أو يطلِّقهنَّ لما في تخلفهِنَّ من الإضرارِ؛ قالهُ الغزاليُّ في وسيطِهِ، وصرَّحَ صاحبُ التتمَّةِ
стр. 1309
بالجوازِ، فلو استصحَبَ بعضهُنَّ قضَى للمتخلفاتِ، وقيل: لا يقضى مدَّةَ السفرِ إنْ أَقْرَعَ.
وَفِي سَائِرِ الأَسْفَارِ الطَّوِيْلَةِ، وَكَذَا الْقَصِيْرَةِ فِي الأَصَحِّ يَسْتَصْحِبُ بَعْضَهُنَّ بِقُرْعَةٍ، أمَّا الطويلةُ فللنصِّ (١٢)، وأمَّا القصيرةُ فبالقياسِ وهو عمومُ وقوعهِ وغلبَةُ الحاجةِ إلى استصحابِ بعضِهِنَّ فيهِ، ووجهُ مقابلهِ: وهو أنه لا يجوزُ أن يستصحِبَ بعضَهُنَّ فيه بقرعةٍ ولو فعل قضَى لأنها في حُكمِ الإقامةِ، وليس للمقيمِ أنْ يخصِّصَ بعضَهُنَّ بالقرعةِ، وَلاَ يَقْضِي مُدِّةَ سَفَرِهِ، لأنه لم يُنقل، فَإنْ وَصَلَ الْمَقْصِدَ، أي بكسر الصاد، وَصَارَ مُقِيْماً قَضَى مُدَّةَ الإِقَامَةِ، لاَ الرُّجُوعِ فِي الأَصَحِّ، لأنه خرجَ بالقرعةِ فصارَ كمدَّةِ الذهابِ، والثاني: يقضِيها؛ لأنَّ السفرَ قد انقطعَ بالإقامةِ وهذا سفرٌ بغيرِ قرعةٍ.
فَرْعٌ: قال الغزاليُّ: شرطُ عدم القضاءِ أنْ يكونَ السفرُ طويلاً مرخصاً، قال الرافعيُّ: هذا يقتضي وجوبَ القضاءِ في سفرِ المعصيةِ، وفي الماورديِّ: أنهُ لا فرقَ في وجوبِ الإجابةِ على الزوجةِ عند أَمْنِ السفرِ بين أنْ يكونَ سفرُهُ في معصيةٍ أمْ لا! لأن حقَّهُ لا يسقطُ بالسفرِ بالمعصيةِ.
فَرْعٌ: هل يَلْزَمُهُنَّ ركوبُ البحرِ إذا كان الغالبُ فيهِ السلامةُ؟ قال صاحبُ المطلب: لم أرَ فيه نقلاً، ويشبِهُ أن يُخْرَّجَ على الخلافِ في ركوبهِ للحَجِّ إذا تعيَّنَ طريقاً إلاَّ أنْ يقالَ حَقُّ الله مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُسَاهلَةِ وَحَقُّ الآدَمِيِّ مَبْنيٌّ عَلَى الْمُضَايَقَةِ.
فَصْلٌ: وَمَنْ وَهَبَتْ حَقَّهَا لَمْ يَلْزَمِ الزَّوْجُ الرِّضَى، لأنها لا تملِكُ إسقاطَ حقِّهِ، فَإنْ رَضِيَ وَوَهَبَتْ لِمُعَيَّنَةٍ بَاتَ عِنْدَهَا لَيلَتَيْهِمَا، وَقِيْلَ: يُوَالِيْهِمَا، أي إذا رَضِي
стр. 1310
بالهبةِ وكانت لِمُعَيَّنَةٍ، فإنْ كانت نوبَةُ الواهبةِ تَلِى نوبةَ الموهُوبَةِ باتَ عندَها ليلتينِ متواليتينِ، وإنْ لم تكن تليها فوجهانِ؛ أحدُهما كذلك، ولا يفرِّقُ لأنهُ أسهلُ عليهِ، والمقدارُ لا يختلفُ، وهذا هو الْمُشَارُ إليهِ بقولهِ: (وَقِيْلَ: يُوَالِيْهِمَا)، وأصحُّهما: لا تجوزُ الموالاةُ، بل يبيتُ الليلتينِ المنفصلتينِ كما كان يبيتُ قبلَ الهبةِ، قال في الكفاية: وهذا إنما يَتَّجِهُ إذا كانَت ليلةُ الواهبَةِ متأخِّرةً، أما إذا كانت متقدِّمَةً وأرادَ أنْ يوخّرَها ليجمَعَ بينَ ليلتين فيتجِهُ القطعُ بالجوازِ.
فَرْعٌ: لا يشترط في الهبة رضَى الموهوبةِ على الصحيح بل يكفي رضاهُ.
أَوْ لَهُنَّ سَوَّى، لأنهُ ليسَتْ واحدةً بالتخصيصِ أَوْلى من غيرِها، أَوْ لَهُ فَلَهُ التَّخْصِيْصُ، لأنها جعلَتِ الحقَّ لهُ فيضعهُ حيثُ شاءَ، وَقِيْلَ: يُسَوِّيَ، لإفضاءِ تخصيصهِ الأوَّل إلى الوحشةِ، قال في الشرح الصغير: وهو الأشبهُ.
فَصْلٌ: ظَهَرَتْ أمَارَاتُ نُشُوزِهَا، أي فِعْلاً أو قَوْلاً، وَعَظَهَا بِلاَ هَجْرٍ، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ (١٣)، فَإِنْ تُحُقّقَ نُشُوْزٌ وَلَمْ يَتَكَرَّرْ وَعَظَ وَهَجَرَ فِي الْمَضْجَعِ، أي بفتح الجيم، وَلاَ يَضْرِبُ فِي الأَظْهَرِ، لأنَّ الجنايةَ لم تتأكَّدْ وقد يكون ما اتَّفَقَ لها لعارضٍ قريبِ الزوالِ لا يحتاجُ إلى التأديبِ بالإيلامِ. قُلْتُ: الأظهَرُ يَضْرِبُ، وَالله أَعْلَمُ، كما لو أصرَّتْ عليه وهو الموافقُ لظاهر الآيةِ السالفةِ، والخوفُ في الآية بمعنَى العِلْمِ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ (١٤) ولا حاجةَ إلى الإضمارِ، ومن قال بالأوَّلِ جعلَ في الآيةِ احتمالَيْنِ، وقالَ: المعنَىْ واللاَّتِي تخافونَ نشُوزهنَّ فعظوهُنَّ فإنْ نشزْنَ فاهجروهُن فإنْ أصرَرْنَ فاضربوهُنَّ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ. . .﴾ الآية (١٥)، فَإِنْ
стр. 1311
تَكَرَّرَ ضَرَبَ، أي ضَرْباً غيرَ مُبَرِّحٍ أي غيرُ شَاقٍّ وشديدِ الألَمِ إنْ كانَ يحصلُ به الإقلاعُ مع الوعْظِ والهجرانِ في الفراشِ دونَ الكلامِ بلا خلافٍ للآيةِ السالفةِ، في عددِ الضربِ وجهانِ، أحدُهما: دون الأربعين، والثاني: دون العشرين.
فَرْعٌ: هِجْرَانُهَا في الكلامِ فوقَ الثلاثِ مُحَرَّمٌ على الأصحِّ، وهو يخرجُ بقولهِ قبله فيما مضى: (وَهَجَرَ فِى الْمَضْجَع)، ويستثنَى من تحريمِ الهجرِ ما إذا رأَى فيهِ إصلاحاً للمهجورِ وما إذا رأى لنفسِهِ سلامةً فيه، ذكرهُما الغزاليُّ.
فَلَوْ مَنَعَهَا حَقًّا كَقَسْمٍ وَنَفَقَةٍ أَلْزَمَهُ الْقَاضِي تَوْفِيَتَهُ، لأنهُ الأعدلُ (•)، فَاِنْ أَسَاءَ خُلُقَهُ وَآذَاهَا بِلاَ سَبَبٍ نَهَاهُ، فَإِنْ عَادَ عَزَّرَهُ، لتعدِّيْهِ علَيْهَا ولم يتعرَّضْ أكثرُهم للحيلولَةِ، بل صرَّحَ الرويانىُّ بالمنعِ منها واعتبرَها الغزاليُّ، قُلْتُ: وَشَيْخُهُ وتبعَهُ الحاوِى الصغير، وَإِنْ قَالَ كُلٌّ: إِنَّ صَاحِبَهُ مُتَعَدٍّ، تَعَرَّفَ الْقَاضِي الْحَالَ بِثِقَةٍ يَخْبُرُهُمَا وَمَنَعَ الظَّالِمَ، أي من الظلمِ، قال الرافعيُّ: كذا أطلقوهُ وظاهرهُ الاكفتاءُ بقولِ عدلٍ ولا يخلو عن احتمالٍ، فَإِنِ اشْتَدَّ الشِّقَاقُ، أيِ الخلافُ والعداوَةُ، بَعَثَ حَكَماً مِنْ أهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا، أي وُجُوباً لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾. . . الآية (١٦)، وَهُمَا وَكِيْلاَنِ لَهُمَا، لأنَّ البُضْعَ حقُّ الزوجةِ والمالَ حقُّ الزوجِ وهما رشيدانِ فلا يُوَلَّى عليهِما، وَفِي قَوْلٍ: مُوَلَّيَانِ مِنَ الْحَاكِمِ، لأنَّ اللَه تعالى سمَّاهُما حَكَمَيْنِ، وَالْحَكَمُ مَنْ يَتَحَكَّمُ ولا امتناعَ أنْ يثبتَ على الرشيدِ الولايةُ عند الامتناعِ من أداءِ الحقوقِ كَالْمُفْلِسِ والمُولَّى عليهِ، فَعَلَى الأَوَّلِ يُشْتَرَطُ رِضَاهُمَا، فَيُوَكِّلُ حَكَمَهُ بِطَلاَقٍ وَقَبُولِ عِوَضِ خُلْعٍ، وَتُوَكِّلُ حَكَمَهَا بِبَذْلِ عِوَضٍ وَقَبُولِ طَلاَقٍ بِهِ، أيْ وعلى الثانى: لا يشترطُ رضاهُما في بعثهِ (١٧).
стр. 1312
تَنْبِيْهٌ: يشترطُ في المبعوثَيْنِ البلوغُ والعقلُ وكذا العدالَةُ والحريَّةُ والإسلامُ والاهتداءُ إلى التصرُّفِ لا كونَهُما من أهلِهِما على الأصحِّ في الكُلِّ، ويشترطُ الفقهُ لا تعدُّدهما على الأصحِّ فيهِما.
стр. 1313
كِتَابُ الْخُلْعِ
الخُلْعُ: هُوَ مَأخُوذٌ مِنَ الْخَلْعِ وَهُوَ النَّزْعُ. وَفِي الشَّرْعِ: هُوَ فُرْقَةٌ بِعِوَضٍ بِلَفْظِ طَلاَقٍ أَوْ خُلْعٍ، كما ذكره المصنف والأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (١٨) وقصة ثابت بن قيس في صحيح البخاري (١٩)، ويقال: إِنَّهُ أوَّلُ خُلْعٍ جَرَى فِي الإِسْلاَمِ (٢٠).
شَرْطُهُ زَوْجٌ يَصِحُّ طَلاَقُهُ، أيْ فلا يصحُّ خُلع الصبيِّ والمجنونِ كطَلاَقِهِما، فَلَوْ
стр. 1314
خَالَعَ عَبْدٌ أَوْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ صَحَّ، أيْ بالإذنِ ودونِهِ سواءٌ كان العِوَضُ دونَ مهرِ المثلِ أمْ قَدَرَهُ لاستقلالِهِما بالطلاقِ مَجَاناً فمَعَ العِوَضِ أَوْلى، وَوَجَبَ دَفعُ الْعِوَضِ إِلَى مَوْلاَهُ، أي فِى خُلع العبدِ كاكتسابِهِ، وَوَليِّهِ، أيْ في خُلع السفيهِ كسائِرِ أموالِهِ، نَعَمْ: لو أذِنَ لهُ الوليُّ في القبضِ ففى الاعتدادِ لقبضهِ وجهانِ تَقَدَّمَا في بابِ الْحَجْرِ.
فَرْعٌ: المكاتَبُ يصحُّ خُلعه ويُسَلَّمُ العِوَضُ إليهِ لصحَّةِ يدهِ واستقلالِهِ.
وَشرْطُ قَابِلِهِ إِطْلاَقُ تَصَرُّفهِ في الْمَالِ، لأنهُ تبرُّعٌ, فَإِنِ اخْتَلَعَت أَمَةٌ بلاَ إِذْنِ سَيِّدٍ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنِ مَالِهِ بَانَت، لِوُقُوعِهِ بعوضٍ فاسدٍ كالخُلع على خمرٍ، وَللزَّوج فِي ذِمَّتِهَا مَهْرُ مِثْلٍ في صُوْرَةِ الْعَيْنِ، لأنهُ الْمَرَدُّ حينئذٍ، وَفِي قَوْلٍ: قِيْمَتُهَا، أيْ إنْ كانَتْ متقومةً وإلا فالمثلُ، وَفِي صُوْرَةِ الدَّينِ الْمُسَمَّى، أيْ ويصحُّ التزامُها فيما يتعلَّقُ بالذمَّةِ؛ لأنهُ لا ضررَ فبه على السَّيِّدِ، وَفِي قَوْلِ: مَهْرُ مِثْلِ، كما لو تزوَّجَ العبدُ بغيرِ إذنِ السيدِ ووطئَ يكونُ الواجبُ مهرُ المثلِ، وهذا ما صحَّحَهُ الرافعيُّ في الْمُحَرَّرِ وخالفَهُ المصنِّف هُنا وفي أصلِ الروضةِ.
وَإِن أَذِن وَعَيَّنَ عَيْناً لَهُ أَوْ قَدَّرَ دَيْناً فَامْتَثَلَتْ تَعَلَّقَ بِالعَيْنِ وَبِكَسْبِهَا فِي الدَّيْنِ، لأنَّ العوضَ في الخُلع كالمهرِ في النكاح، والمهرُ في كسبِ العبدِ فكذلك هنا، وَإِن أَطْلَقَ الإذْن اقْتَضَى مَهْرَ الْمِثْلِ مِن كَسْبِهَا، أيْ فإنْ زادَتْ عليهِ فهىَ أيِ الزيادةُ في ذِمَّتِهَا.
وَإِن خَالَعَ سَفِيهَةً أَوْ قَالَ: طَلَّقتُكِ عَلَى أَلْفٍ فَقَبِلَت طُلِّقَتْ رَجْعِيًّا، أىْ سواء فعلَتْ ذلكَ بإذنِ الوليِّ أو بغيرِ إذنهِ ولا يلزمُها المالُ لأنها ليست من أهلِ التزامهِ، وليسَ للوليِّ صرفُ مالِها إلى هذه الجهةِ، فَإِن لَم تَقْبَلْ لَم تُطَلِّق، لأنَّ الصيغةَ تقتضى القبولَ فأشبه الطلاقَ المعلَّقَ على صفةٍ.
وَيصِحُّ اخْتِلاَعُ المَرِيْضَةِ مَرَضَ الْمَوْتِ، إذ غايتُها أنها صرفَتِ المالَ إلى أغراضِها ولها ذلك بخلاف السفيهةِ والمكاتَبَةِ، وَلاَ يُحْسَبُ مِنَ الثُّلُثِ إِلا زَائِدٌ عَلَى
стр. 1315
مَهْرِ مِثْلٍ، كالوصيَّةِ للزوج، ولا يكون كالوصيَّةِ لوارثٍ لخروجِهِ بالخُلع عن الإرثِ، وَرَجْعِيَّةٍ فِي الأَظْهَرِ، لأنها زوجةٌ، والثانى: لا، لعدمِ الحاجةِ إلى الافتداءِ، لاَ بَائِنٍ، أي بخُلع وغيرهِ، لأنَّ الزوجَ لا يملِكُ بُضْعَهَا حتى يزيلَهُ؛ وهو إجماعُ الصحابةِ.
وَيَصِحُّ عِوَضُهُ قَلِيلاً وَكَثِيْراً، دَيْناً وَعَيْناً وَمَنْفَعَةً، لعمومِ قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٢١) ولأنهُ عقدٌ على منفعةِ البُضْعِ فجازَ بما ذكرناهُ كالنكاح، وَلَوْ خَالَعَ بِمَجْهُولٍ، أي كَثَوْبٍ غيرِ مُعَيَّن، أَوْ خَمْرِ بَانَتْ بِمَهْرِ مِثْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: بِبَدَلِ الْخَمْرِ، هو كالخلافِ فيما إذا أَصْدَقَها خمراً أو خنزيراً وقد مَرَّ في موضعهِ.
فَصْلٌ: وَلَهُمَا التَّوْكِيْلُ، لأنَّ التوكيلَ في النكاح جائزٌ والخُلع أَوْلى، فَلَوْ قَالَ لِوَ كِيْلِهِ: خَالِعْهَا بِمِائَةٍ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهَا، لأنهُ دونَ المأذونِ فيهِ، وَإِن أَطْلَقَ لَمْ يَنقُصْ عَنْ مَهْرِ مِثْلٍ، كما إذا أطلَقَ لهُ الإذْنَ في البيعِ، فَإِن نَقَصَ فِيْهِمَا، أيْ نقصَ عن القدرِ أو عن مهرِ المثلِ في صورةِ الطلاقِ، لَمْ تُطَلَّق، لمخالفتهِ، وَفِي قَوْلٍ: يَقَعُ بِمَهْرِ مِثْلٍ، كما لو خالَعَها الزوجُ على عوضِ فاسدٍ، وصحَّحَهُ في التصحيحِ في الثانية، وجعلهُ في أصلِ الروضةِ الأظهرَ وتبِعَ هُنا الْمُحَرَّرَ.
وَلَوْ قَالَتْ لِوَكِيْلِهَا: اختَلِعْ بِأَلْفٍ فامْتَثَلَ نَفَذَ، لوقوعهِ كما أمَرَتْهُ، وكذا بما دونها من بابِ أَوْلى، وَإن زَادَ فَقَالَ: اخْتَلَعْتُهَا بِأَلْفَيْنِ مِنْ مَالِهَا بَوَكَالَتِهَا بَانَتْ، وَيلْزَمُهَا مَهْرُ مِثْلٍ، لأنَّ قضيةَ فسادِ العوضِ الرجوعُ إليهِ، وَفِي قَوْلٍ: الأَكْثَرُ مِنْهُ وَمِمَّا سَمَّتْهُ، لأنَّ مهرَ المثلِ إنْ كان أكثرَ فهو المرجوعُ إليهِ، وإنْ كان المسمَّى أكثرَ فقدْ رضيتْ بهِ، وعبارةُ أصلِ الروضةِ في حكاية هذا القولِ: أنه يلزمُها أكثرُ الأمرينِ من مهرِ المثلِ وما سمَّاهُ الوكيلُ؛ وبينهُما بعضُ تخالفٍ. ثم فرعَ عليهِ؛ فقالَ: فإنْ كانَ مهرُ المثلِ زائداً على ما سمَّاهُ الوكيلُ لم تجِبِ الزيادةُ على ما سمَّاهُ على هذا القولِ.
وَإن أَضَافَ الْوَكِيْلُ الْخُلْعَ إِلَى نَفسِهِ؛ فَخُلْعُ أَجْنَبِيٍّ وَالْمَالُ عَلَيْهِ، أي وليسَ
стр. 1316
لهُ عليها شيءٍ؛ لأنَّ اختلاعَ الأجنبىِّ بنفسهِ صحيحٌ، وَإن أَطْلَقَ فالأظْهَرُ أَنَّ عَلَيْهَا مَا سَمَّتْ، لأنها لم ترضَ بأكثرَ منه، وَعَلَيْهِ الزِّيَادَةُ، لأنَّ اللفظَ مطلقٌ، والصرفُ إليه ممكنٌ، وكأنْهُ افْتَدَاهَا بما سمَّتْ وبزيادةٍ من عندِ نفسهِ، والثاني: أنَّ عليها أكثرَ الأمرينِ من مهرِ المثلِ وما سمَّتْ؛ لأنهُ عَقَدَ لها فأشبَهَ ما إذا أضافَهُ إليها، فإن بقى شيءٌ مما سمَّاهُ الوكيلُ فَعَلَى الوكيلِ وإن زادَ مهرُ المثلِ على ما سمَّاهُ الوكيلُ لم تجِبْ تلكَ الزيادةُ، لأنَّ الزوجَ رَضِىَ بما سمَّاهُ الوكيلُ.
وَيجُوزُ تَوْكِيْلُهُ، أيِ الزوجُ في الخُلع، ذِمِّيًّا، لأنهُ قد يخالِعُ المسلمَةَ ويُطَلِّقُها، ألا تَرَى أنها لو أسلَمَتْ وتخلَّفَ فخالَعَها في العِدَّةِ ثم أسلَمَ؛ حُكِمَ بصحَّةِ الخُلْع، وَعَبْداً وَمَحْجُوْرًا عَلَيهِ بِسَفَهٍ، أيْ ولا يُشترط إذنُ السَّيِّدِ والوليِّ؛ لأنهُ لا يتعلَّقُ في الخُلع عُهْدَةُ وكيلِ الزوجِ.
وَلاَ يَجُوزُ تَوْكِيْلُ مَحْجُورٍ عَلَيهِ فِي قَبْضِ العِوَضِ، لأنهُ ليس أهْلاً لهُ، فإِنْ فَعَلَ وقَبَضَ ففى التتمَّةِ: أنَّ المختلِعَ يُبَرَّأُ ويكونُ الزوجُ مُضَيِّعاً لِمَالِهِ.
فرعٌ: يجوزُ أيضاً أنْ يكونَ وكيلُها ذِمِّيًّا وعبداً، قال البغوىُّ: لا سفيهاً، وإنْ أذِنَ لهُ الوليُّ وفيه وجهٌ في الحاوي.
وَالأصَحُّ صِحَّةُ تَوْكِيلِهِ امْرَأَةً بِخُلْعِ زَوْجَتِهِ أَوْ طَلاَقِهَا، لأنهُ لو قالَ لزوجَتِهِ: طَلِّقِى نفسَكِ، فقالَتْ: طَلَّقْتُ؛ يجوزُ؛ ويقعُ الطلاقُ، وذلك إمَّا تمليكٌ أو توكيلٌ، إنْ كانَ توكيلاً فذاكَ، أو تمليكاً فكما يجوزُ أنْ تَتَمَلَّكَ الطلاقُ يجوزُ أن تتوكلَ فيهِ، وهذا ما نقلَهُ العمرانىُّ عن النصِّ (٢٢)، والثانى: لا يصحُّ لأنها لا تستقِلُّ بهِ فلا تتوكَّلُ فيهِ.
стр. 1317
فَرْعٌ: لو وَكلَتِ المرأةُ امرأةً باختلاعِها جازَ قطعاً.
وَلَوْ وَكلاَ رَجُلاً تَوَلى طَرَفَاً، أي لا طرفين كما في البيع وسائرِ العقودِ، وَقِيلَ: الطرَفَيْنِ، لأنَّ الْخُلْعَ يكفى فيه اللفظُ من جانبٍ، والإعطاءُ من جانبٍ، وعلى هذا ففي الاكتفاءِ بأحَدِ شِقَّيِ العقدِ خلافٌ كبيعِ الأبِ ماله لولدِهِ؛ ولفظُ الشافِعِىِّ: يجوزُ أن يكونَ وكيلُ الزوجينِ واحداً، فمنهُم من أَجْرَاهُ على ظاهرهِ، ومنهُم من حملَهُ على ما إذا وَكَّلا؛ فيصْرَفُ لأحدِهما دونَ الآخر ذكرَهُ في البحر.
فَصْلٌ: الْفُرقَةُ بِلَفْظِ الْخُلْع طَلاَقٌ، أي فينقص العددُ؛ لأنه لفظٌ لا يملكهُ غيرُ الزوج فوجبَ أنْ يكونَ طلاقاً كالطلاقِ، وَفِي قَوْلٍ: فَسْخٌ لاَ يَنْقُصُ عَدَداً، لأنهُ فُرقة حصلَتْ بمعاوضةٍ فيكونُ فسخاً كشرائِهِ زوجتَهُ، وهذا القولُ هو المتصوَّرُ في الخلافِ واختارَهُ جماعةٌ من المتأخرينَ، فَعَلَى الأَوَّلِ لَفْظُ الفَسْخ كِنَايَة، كما لو استُعْمِلَ من غيرِ ذِكْرِ المالِ (٢٣).
стр. 1318
وَالْمُفَادَاةُ كَخُلْع فِي الأَصَحِّ، لوُرُودِ القُرآنِ به، قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٢٤)، والثاني: أنهُ كنايةٌ، لأنه لم يتكرَّرْ في القُرْآنِ ولا شَاعَ في لسانِ حَمَلَةِ الشريعةِ.
وَلَفْظُ الْخُلْع صَرِيحٌ، لأنه تكرَّرَ على لسانِ حَمَلَةِ الشَّرْعِ، وَفِي قَوْلِ: كِنَايَةٌ، لأنهُ لَمَّا كانَ كنايةَ فيهِ بغيرِ عِوَضٍ كان كنايةً فيهِ مع العِوَضِ كسائرِ كنايَاتِهِ، كذا وَجَّهَهُ الماورديُّ، ثم محِلُّ القولِ بصراحتهِ إذا ذُكِرَ المالُ؛ فإنْ لم يُذْكَر؛ فكنايةٌ على الأصحِّ، فَعَلَى الأَوَّلِ، أي وهو صراحةُ الْخُلْعِ، لَوْ جَرَى بِغَيْرِ ذِكْرِ مَالٍ وَجَبَ مَهْرُ مِثَلِ فِي الأصَحِّ، للعُرْفِ، والثاني: لا، لعدمِ الالتزامِ.
وَيَصِحُّ بِكِنَايَاتِ الطَّلاَقِ مَعَ النِّيَّةِ، أي سواء جعلناهُ طلاقاً أو فسخاً، وَبِالْعَجَمِيَّةِ، أي قطعاً ولا مجيءَ للخلافِ السابقِ في النكاح فيهِ، لانتفاءِ اللفظِ الْمُتَعَبَّدِ بهِ، وَلَوْ قَالَ: بِعْتُكِ نَفْسَكِ بِكَذَا، فَقَالَتْ: اشْتَرَيْتُ فَكِنَايَة خُلْعٍ، أي سواء جعلناهُ فسخاً أو طلاقاً.
فَصْلٌ: وَإِذَا بَدَأَ بِصِيْغَةِ مُعَاوَضَةٍ كَطَلَّقْتُكِ أَوْ خَالَعْتُكِ بِكذَا، وَقُلْنَا الْخُلْعُ طَلاَن، فَهُوَ مُعَاوَضَةٌ، لأنه يأخذُ مالاً في مقابلةِ ما يخرُجُ عن مِلْكِهِ، فِيْهَا شَوْبُ تَعْلِيْقٍ، لأنَّ وقوعَ الطلاقِ تَرَتَّبَ على قَبُولِ المالِ أو بَذْلِهِ كما تَرَتَّبَ الطلاقُ المعلَّقُ بالشرطِ عليها، وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ قَبُولِهَا، لأنَّ هذا شَأْنُ أحكامِ المعاوضَاتِ.
وَيُشْتَرَطُ قَبُولُهَا بلَفْظٍ غَيْرِ مُنْفَصِلٍ، كما في البيع وسائرِ العقودِ فيضرُّ الفصلُ الطويلُ والاشتغالُ بكَلامٍ آخرٍ، وقوله: (بِلَفْظٍ) ظاهرُهُ أنهُ لا يكفى إعطاؤُها المالَ من غيرِ لفظٍ، وهو ظاهرٌ على القولِ بعدمِ الاكتفاءِ بِالْمُعَاطَاةِ لكن صرَّحَ ابنُ الصَّبَّاغِ
стр. 1319
بالاكتفاءِ فيما إذا قالَ لهَا: أنتِ طالِقٌ على ألفٍ، فَلَوِ اخْتَلَفَ إِيْجَابٌ وَقَبُولٌ كَطَلقْتُكِ بِأَلْفٍ فَقَبِلَتْ بِأَلْفَيْنِ، وَعَكْسِهِ، أَوْ طَلَّقتُكِ ثَلاَثاً بِأَلْفٍ فَقَبِلَتْ وَاحِدَةً بِثُلُثِ أَلْفٍ فَلَغْوٌ، كما في البيع، وَلَوْ قَالَ: طَلَّقْتُكِ ثَلاَثاً بِأَلْفٍ فَقَبِلَتْ وَاحِدَةً بِألْفٍ فَالأَصَحُّ وُقُوعُ الثَّلاَثِ، لأنَّ قَبُولَهَا إنما يحتاجُ إليه للمال، وأصلُ الطلاقِ وعَدَدُهُ يستقلُّ بهِ الزوجُ، والثانى: وقوعُ واحدةٍ فإنها المقبولةٌ، والثالث: لا يقعُ شيءٌ كالبيع، وَوُجُوبُ أَلْفٍ، لأنَّ الإيجابَ والقَبُولَ تعلَّقَا بهِ، والثاني: يجبُ مهرُ المثلِ ويفسدُ العوضُ لاختلافِ الصيغةِ.
وَإن بَدَأَ بِصِيْغَةِ تَعْلِيقٍ كَمَتَى أَوْ مَتَى مَا أَعْطَيْتِنِي فَتَعْلِيْقٌ فَلاَ رُجُوعَ لَهُ، وَلاَ يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ لَفْظَاً وَلاَ الإِعْطَاءُ فِي المَجْلِسِ، أيْ بل مَتَى وجدَ الإعطاءَ طُلِّقَتْ.
وَإِنْ قَالَ: إِن أَوْ إِذَا أَعْطَيْتِنِي فَكَذَلِكَ، أي فلَا يُشترطُ القبولُ لفظاً، ولا رجوعَ للزوج قبل الإِعْطَاءِ، لَكِنْ يُشْتَرَطُ إِعْطَاءٌ عَلَى الْفَوْرِ، لأنَّ ذِكْرَ العِوَضِ قرينةٌ تقتضى التعجيلَ، وإنما تُرِكَتْ هذه في نحو مَتَى؛ لأنها صريحةٌ في جوازِ التأخيرِ شاملةٌ لجميع الأوقاتِ، وإنْ وإذَا بخلافِها، قال المتولِّى: واشتراطُ التعجيلِ خَاصٌّ بالْحُرَّةِ دونَ الأَمَةِ.
فَرْعٌ: المرادُ من المجلسِ؛ مجلسُ التَّوَاجُبِ؛ وهو ما يرتبطُ به القبولُ بالإيجابِ دونَ مكانِ العقدِ، ذكرَهُ الرافعيُّ في الْمُحَرَّرِ وأهملَهُ المصنِّفُ.
فَائِدَةٌ: في فتاوى ابن الصَّلاحِ: أنهُ إذا قالَ: إنْ وهبتِني صَداقَكِ وهو في ذمَّتِهِ فأنتِ طالقٌ طلقةً رجعيَّةً؛ فقالَتْ في غيرِ ذلكَ المجلسِ: أَبْرَأْتُكَ تُطَلَّقُ، قال: ولا يعتبرُ في هذا ما يعتبرُ في مثلهِ في الْخُلْعِ.
وَإن بَدَأَتْ بِطَلَبِ طَلاَق فَأَجَابَ، فَمُعَاوَضَة، لأنها تملكُ الْبُضْعَ بما يبذلهُ من العِوَضِ، مَعَ شَوْبُ جَعَالَةٍ، لأنها تبذلُ المالَ في مقابلةِ ما يستقلُّ به الزوجُ وهو الطلاقُ، فإذا أتَى به وقعَ الموقعُ وحصلَ غرضُها كما إنَّ في الْجَعَالَةِ يَبْذُلُ الْجَاعِلُ على المالِ في مقابلةِ ما يستقلُّ العاملُ بهِ في وقوعهِ الموقعَ ويحصلُ الغرضُ، فَلَهَا الرُّجُوعُ قَبْلَ جَوَابِهِ، لأنَّ هذا حكمُ الْمُعَاوَضَاتِ والْجَعَالاَتِ جميعاً.
стр. 1320
وَيُشْتَرَطَ فَوْرٌ لِجَوَابِهِ، جرياً على قاعِدَةِ التَّعليقاتِ، وَلَوْ طَلَبَتْ ثَلاَثاً بِأَلْفٍ، أيْ وهو يملكُ عليها الثلاثَ، فَطَلَّقَ طَلْقَةً بِثُلُثِهِ، فَوَاحِدَةٌ بِثُلثِهِ، أي سواء أعادَ ذِكْرَ المالِ أو اقتصرَ على الطلاقِ قياساً على ما لو قالَتْ: رُدَّ عبيدى ولكَ ألْفٌ فَرَدَّ أحدَهُمْ، وليس كما قالَ الزوجُ ابتداءً: طَلَّقْتُكِ ثلاثاً على ألفٍ، فقالت: قَبِلْتُ واحدةً بثُلُثِ الألفِ؛ فإنهُ لا يقعُ الطلاقُ، لأنَّ الخُلْعَ من جانِبِها معاوضةٌ مشبَّهةٌ بالجَعَالَةٍ، ومن جانبهِ تعليقٌ فيه شائبةُ المعاوضاتِ؛ ومن شَرْطِ الوقوعِ بالتعليقِ حصولُ الصفةِ المعلَّقِ عليها، ومن شَرْطِ المعاوضةِ توافُقُ الإيجابِ والقبولِ؛ ولم يتحقَّقْ واحدٌ من الشرطينِ، نَعَمْ: لو قبلَتْ واحدةً بألْفٍ وقعَتْ طلقةً على الأصحِّ، أما إذا لم يملك عليها إلاّ واحدة فسألتهُ أنْ يطلِّقَها ثلاثاً فطلقَ واحدة، استحق جميعَ الألفِ على الأصحِّ المنصوصِ كما سيأتِي.
فَصْلٌ: وَإِذَا خَالَعَ أَوْ طَلَّقَ بِعِوَضٍ فَلاَ رَجْعَةَ، أي سواء كان العوضُ صحيحاً أمْ فاسداً جعلناهُ فسخاً أم طلاقاً؛ لأنها بذلَتِ المالَ لتملِكَ البُضْعَ فلا يملكُ الزوجُ ولايةَ الرجوع إلى البُضع، كما أن الزوجَ إذا بَدَّلَ المالَ صداقاً لتملُّكِ البُضع لا يكونُ للمرأةِ ولايةَ الرجوعِ إلى البُضعٍ، فَإِنْ شَرَطَهَا، أيْ بأنْ قالَ: خَالَعْتُكِ أو طَلَّقْتكِ بكذا على أنَّ لي عليكِ الرجعةً، فَرَجْعِيٍّ وَلاَ مَالَ، لأنَّ شرطَ المالِ والرجعةِ مُتَنَافِيَانِ فيسقطانِ؛ ويبقى مجرَّدُ الطلاقِ وقضيتهُ ثبوتُ الرجعةِ، وَفِي قَوْلٍ: بَائِنٌ بِمَهْرِ مِثْلٍ، لأنَّ الخُلْعَ لا يفسدُ بفسادِ العوضِ كالنكاحِ، ورجَّحَ المعظمُ القطعَ بهِ كما نبَّهَ عليه الرافعيُّ.
فَرْعٌ: لو خالعَها بعوضٍ، على أنهُ متى شاءَ ردَّهُ وكان لهُ الرجعةُ، فالنصُّ فسادُ الشرطِ وحصولُ البينونَةِ بمهرِ المثلِ، فقيلَ بطردِ الخلافِ المتقدِّمِ، والمذهبُ الجزمُ بالمنصوصِ، لأنهُ رَضِيَ بسقوطِ الرجعةِ هُنا ومتَى سقطَتْ لا تعودُ.
وَلَوْ قَالَتْ طَلَّقْنِي بِكَذَا وَارْتَدَّت فَأَجَابَ، إِنْ كَان قَبْلَ دُخُول أَوْ بَعْدَهُ وَأَصَرَّتْ حَتَّى انْقَضَتِ الْعِدَّةُ بَانَتْ بِالرِّدَّةِ وَلاَ مَالَ، لانقطاعِ النكاحِ بالرِّدَّةِ، وَإِنْ
стр. 1321
أَسْلَمَتْ فِيْهَا طُلِّقَتْ بِالْمَالِ، أي تبيناً وإنْ أصرَّتْ إلى انقضائِها فكما تقدَّمَ، وَلاَ يَضُرُّ تَخَلُّلُ كَلاَمٍ يَسِيْرِ بَيْنَ إِيْجَابٍ وَقَبُولٍ، أي سواء كانَ الكلامُ من الرجُلِ أو من المرأَةِ، لأنَّ الكلامَ اليسيرَ لا يُعَدُّ قَائِلُهُ في العُرْفِ مُعْرِضاً عمَّا هُو فيهِ، وفي هذا تعارضٌ فَرَاجِعْهُ من الأصلِ.
فَصْلٌ: قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَعَلَيْكِ أوْ وَلِي عَلَيْكِ كَذَا، وَلَمْ يَسْبِق طَلَبُهَا بِمَالٍ وَقَعَ رَجْعِيًّا؛ قَبِلَتْ أَمْ لاَ وَلاَ مَالَ، لأنهُ أوقَعَ الطلاقَ مجاناً ثم استأنَفَ الإخبارَ عن إيجابِ العِوَضِ من غيرِ طلاقٍ فَأَشْبَهَ ما لو قالَ: وَعَلَيْكِ حَجٍّ، وهذا بخلافِ قولِها: طَلِّقْنِي وَلَكَ عَلَىَّ ألفٌ؛ فأجابَها؛ فإنَّهُ يقْعُ بائِناً بالألفِ، لأنَّ المتعلِّقَ بها من عقدِ الخُلْع الالتزامُ فيحملُ لفظُها عليهِ، والزوجُ ينفردُ بالطلاقِ فإذا لم يَأْتِ بصيغةِ المعاوضةِ حُمل كلامُهُ على ما ينفردُ بهِ، وصيغتهُ خَبَرُهُ، فَإن قَالَ: أَرَدْتُ مَا يُرَادُ بِطَلَّقْتُكِ بِكَذَا، وَصَدَّقَتْهُ فَكَهُوَ فِي الأصَحِّ، أيْ فَتَبِيَّنُ بالألفِ؛ لأنَّ ذلكَ لا ينحطُّ عن الكناياتِ في اقتضاءِ العوضِ، والثاني: لا يؤثر توافقُهُما؛ لأنَّ اللفظَ لا يصلحُ للالتزامِ، وِإنْ سَبَقَ، أي الطلبُ منها، بَانَتْ بِالْمَذْكُورِ، لأنهُ لو اقتصرَ على قولهِ طَلَّقْتُكِ كان كذلك، فقولهُ وَعَلَيْكِ ألْفٌ؛ إنْ لم يكن مؤكَّداً لا يكونُ مانعاً.
وَإنْ قَالَ: أنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَنَّ لِي عَلَيْكِ كَذَا، فَالْمَذْهَبُ أَنَّه كَطَلَّقْتكِ بِكَذَا، فَإِذَا قَبِلَتْ بَانَتْ وَوَجَب الْمَالُ، لأنَّ (عَلَى) للشرطِ فجعل كونه عِوَضٌ عليها شرطاً فإذا ضمنتْها في الحالِ وقعَ الطلاقُ، وجرى ذلك مجرَى قولهِ: أنتِ طالقٌ على ألفٍ، فإنها إذا ضمنتها في الحالِ وقعَ الطلاقُ، قال الرافعىُّ: وهذا ما نصَّ عليهِ، وهو المذكورُ في المهذبِ وغيره، والاعتمادُ عليهِ، وقال المصنفُ في أصلِ الروضةِ بدل هذا قطعَ به صاحبُ المهذبِ وسائرُ العِرَاقِيِّيْنَ، فلذلكَ عبَّرَ هُنا بالمذهبِ، ومقابلهُ قولُ الغزاليِّ: يقعُ الطلاقُ رجعيًّا ولا مالَ، لأنَّ الصيغةَ صيغةُ شرطٍ، وَالشَّرْطُ فِي الطَّلاَقِ يَلْغُوا إذَا لَمْ يَكُن مِنْ قَضَايَاهُ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ على أنْ لا أتزوَّجَ بعدَكِ، قال: فإنْ فَسَّرَ بالالتزامِ ففي قبولهِ وجهان، قال صاحبُ التقريبِ: لا وغيرهُ نَعَمْ.
وَإِنْ قَالَ: إِنْ ضَمِنْتِ لِي أَلْفاً فَأَنْتِ طَالِقٌ فَضَمِنَتْ فِي الْفَوْرِ بَانَتْ وَلَزِمَهَا
стр. 1322
الألْفُ، كما قدَّمْنَا في قولهِ إِنْ أَعْطَيْتِني، وَإِنْ قَالَ: مَتَى ضَمِنْتِ؛ فَمَتَى ضَمِنَتْ؛ طُلِّقَتْ، لأنَّ هذا اللفظَ صريحٌ في التراخى ونصٌّ عليهِ لا يحتملُ سواهُ، بدليل ما لو قالَ: متَى أعطيتِني الساعةَ كانَ مُحَالاً، وما كان كذلك فلا يتعيَّنُ بالقرائنِ أيْ لأنَّ النصَّ لا يتبدَّلُ معناهُ ولا ينقسِمُ مقتضاهُ، وهذا بخلافِ جانبٍ المرأةِ فإنها لو قَالَتْ: متى طلقتَني فَلَكَ ألفٌ عَلَيَّ اختصَّ الجوابُ بمجلسِ التجاوبِ، وفرَّقَ الغزاليُّ بينَهُما: بأنَّ الغالبَ على جانبهِ التعليقُ وعلى جانبِها المعاوضةُ.
وَإنْ ضَمِنَتْ دُوْن الأَلْفِ لَمْ تُطَلَّقْ، لعدم وجود الصيغة المعلق عليها، وَلَوْ ضَمِنَتْ أَلفَيْنِ طُلِّقَتْ، لوجودِ الصيغةِ مع زيادةٍ بخلافِ قولهِ طلقتُكِ على ألفٍ؛ فَقَالَتْ: قَبِلْتُ بألفَيْنِ، لأنَّ تلكَ الصيغةَ معاوضةٌ فيشترطُ فيها توافقُ الإيجابِ والقبولِ.
وَلَوْ قَالَ: طَلِّقِى نَفْسَكِ إِن ضَمِنْتِ لِي أَلْفاً، فَقَالَتْ: طَلَّقْتُ وَضَمِنْتُ أَوْ عَكْسُهُ، أي ضمنتُ وطلقتُ، بَانَتْ بِأَلْفٍ، لوجودِ العوضِ والشرطِ، فَإنِ اقْتَصَرَتْ عَلَى أَحَدِهِمَا، أي ضمنَتْ ولم تطلَّقْ أو طلّقَتْ ولم تضمَنْ، فَلاَ، لأنَّهُ فوَّضَ إليها التطليقَ في المجلسِ، وجعلَ لهُ شرطاً فلا بُدَّ من التطليقِ والشرطِ.
تَنْبِيْهٌ: المرادُ بالضمانِ في هذه المسائلِ القبولُ والالتزامُ لا العقدُ المعروفُ.
فَصْلٌ: وَإذَا عَلَّقَ بإِعْطَاءِ مَالٍ فَوَضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَيْهِ طُلِّقَتْ، لأنهُ إعطاءٌ عُرْفاً، قال في التتمة: وكذا لو قالت لوكيلِها: سَلِّمْهُ إليهِ؛ وبه أفتَى ابنُ الصلاحِ، وَالأصَحُّ دُخُولُهُ فِى مِلْكِهِ، لأنَّ التعليقَ يقتضِى الوقوعَ عندَ الإعطاءِ لا مجاناً، فإذا ملكَتِ العوضَ بوقوعِ الطلاقِ اقتضَتِ الضرورةُ دخولَ العرضِ في مِلْكِ الزَّوْج، والثانى: لا؛ لأنَّ حصولَ الْمِلْكِ من غيرِ لفظِ تمليكٍ من جهتِها بعيدٌ، فَيُرَدُّ الْمُعْطَى ويُرجع إلى مهرِ المثلِ.
وإنْ قَالَ: إِنْ أَقْبَضْتنِي، فَقِيْلَ: كَالإِعْطَاءِ، أيْ على ما ذكرناهُ فيهِ، لأنَّ ذِكْرهُ يُشْعِرُ بقصدِ تحصيلهِ، وَالأَصَحُّ كَسَائِرِ التَّعْلِيْقِ فَلاَ يَمْلِكُهُ وَلاَ يُشْتَرَطُ لِلإِقْبَاضِ
стр. 1323
مَجْلِسٌ، لأنَّ الإقباضَ لا يقتضِى التمليكَ بخلافِ الإعطاءِ وخصَّهُ أنهُ في التَّتِمَّةِ: إذا لم يسبِقْ منهُ كلام يدُلُّ على الإعتياضِ، فأمَّا إذا قالَ إنْ أقبضتِني ألفاً وجعلْتِهِ لي أو لأَصْرِفَهُ في حوائِجى وما أشبهَ ذلكَ فأنتِ طالقٌ فهو كالإعطاءِ، قال في الروضةِ: وهو متعيِّنٌ، قُلْتُ: وَيقَعُ رَجْعِيًّا، كما لو قالَ: إنْ دخلْتِ الدارَ.
ويشْتَرَطُ لِتَحَقُّقِ الصِّفَةِ أَخْذٌ بِيَدِهِ مِنْهَا، ولا يكفي الوضعُ بينَ يديهِ؛ لأنهُ لا يسمَّى قبضاً، ولو بعثَتْهُ مع وكيلِها لم يكْفِهِ، لأنهُ ما قبضَ منها. وما ذكرتُهُ في الوضع هو ما صرَّحَ بهِ الغزاليُّ وتبعَهُ الرافعىُّ لكن قال في النهايةِ: إنهُ يكفى الوضعُ بين يديهِ كالإعطاءِ، وَلَوْ مُكْرَهَةً، وَالله أَعْلَمُ، لوجودِ الصفةِ، قال في المطلبِ: وهذا إذا ما قلنا إنَّ ذلكَ لا يُثْبِتُ الْمِلْكَ كما قيَّدَهُ الإمامُ، أما إذا قلنا: إنهُ يُثْبِتُهُ؛ فيشبهُ أنْ لا يقعَ، وَاعْلَمْ: أنَّ ما ذكرَهُ المصنّفُ إنما فرضَهُ الرافعىُّ في القبضِ ولا يَتَأَتى في الإقباضِ، لأنَّ الإقباضَ بالإكراهِ الملغيِّ شرعاً لا اعتبارَ بهِ.
تَنْبِيْهٌ: ينعطفُ على ما مضَى وهو أن ما صحَّحَهُ المصنِّفُ في قولهِ: (إِنْ أقْبَضْتِنِى) موافقٌ لما صحَّحَهُ في الروضةِ في أثناءِ المسألةِ الخامسةِ؛ وقال قبلَها ما نصُّهُ: الرابعة سَبَقَ أنهُ إذا علَّقَ الطلاقَ بالإعطاءِ لا يقعُ إلاَّ في المجلِسِ على الصحيح، إلاَّ إذا كان بصيغةِ مَتَى وما في معنَاهَا فلا يختصُّ بالمجلسِ وكلُّ ذلكَ جارٍ في قوله إِنْ أَقْبَضْتِنِي، كذا وإِنْ أَدَّيْتِ إِلَىَّ. هَذَا لَفْظُهُ فَتَأَمَّلْهُ.
وَلَوْ عَلَّقَ بِإِعْطَاءِ عَبْدٍ وَوَصَفَهُ بصِفَةِ سَلَمٍ فَأَعْطَتْهُ لاَ بِالصِّفَةِ لَمْ تُطَلَّق، لعدم وجُودِ المعلَّقِ عليهِ، أَوْبِهَا مَعِيْباً فَلَهُ رَدُّهُ، لأنَّ الإطلاقَ يقتضِى السلامةَ، وَمَهْرُ مِثْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: قِيْمَتُهُ سَلِيْماً، الخلافُ مبنيٌّ على أنَّ بَدَلَ الْخُلْعِ في يدِ الزوجةِ مضمونٌ ضمانَ عقدٍ، وفي قولٍ: ضمانَ يدٍ وقد تقدَّمَ.
وَلَوْ قَالَ عَبْداً طُلِّقَتْ بِعَبْدٍ، أيْ كبيراً كان أو صغيراً، مدبرًا أو مُعلقاً عتقهُ بصفةٍ، مُسْلِماً كان أو كافراً، سليماً أو معيباً لوجودِ الصفةِ المعلَّقِ عليها، ولا يملكُهُ لجهالتِهِ فيجبُ مهرُ مثلٍ كما صرَّحَ بهِ المصنِّفُ بعدُ حيثُ قالَ: (وَلَهُ مَهْرُ مِثْلٍ)، إِلاَّ
стр. 1324
مَغْصُوبًا فِي الأصَحِّ وَلَهُ مَهْرُ مِثْلٍ، لأنَّ الإعطاءَ يَنْبَنِى على ما يقدِرُ على تمليكهِ، والثاني: يقعُ ويرجعُ بمهرِ المثلِ لحصولِ الاسمِ؛ ولأن الرجوعَ إلى مهرِ المثلِ فلا معنَى لاشتراطِ المِلْكِ.
فَرْعٌ: المشتركُ والمرهونُ والمستأجَرُ والمكاتَبُ إذا لم يَحُزْ بيعُهُ كالمغصوبِ.
فَصلٌ: وَلَو مَلَكَ طَلْقَةً فَقَطْ؛ فَقَالَت: طَلِّقْنِي ثَلاَثًا بِألفٍ؛ فَطَلَّقَ الطلْقَةَ؛ فَلَهُ أَلفٌ، لأنهُ حصلَ بها مقصودُ الثلاثِ وهو الحُرْمَةُ الكُبرَى وهذا ما نصَّ عليهِ، وَقِيلَ: ثُلُثُهُ، كما في الجَعَالَةِ، وَقِيلَ: إِن عَلِمَتِ الحَالَ فَأَلفٌ وِإلَّا فَثُلُثُهُ، قال ابن سُريج وأبو إسحاق: وفيه وجه رابع: أنهُ يستحقُّ مهرَ المثلِ، وخامسٌ: أنهُ لا يستحِقُّ شيئًا؛ لأنهُ لم يطلِّق كما سألَت.
وَلَو طَلَبَتْ طَلقَةً بِأَلفٍ فطَلقَ بِمِائَةٍ وَقَعَ بِمِائَةٍ، لأنهُ رَضىَ بهذا القدرِ وطلقَ عليهِ، وَقِيلَ: بِأَلْفٍ، لأنها بَانَتْ بقولهِ طَلَّقتكِ واستَحَقَّ الألفَ، وَقِيْلَ: لاَ تَقَعُ، للمخالفةِ كما لو خالفَتْ في قبولها.
فَرْعٌ: لو قالَت: طلّقْنِي واحدةً بألفٍ؛ فقالَ: أنتِ طالِقٌ ثلاثًا، وقعَ الثلاثُ واستحق الألفَ، ولو أعادَ ذِكْرَ الألفِ؛ فقال: أنتِ طالق ثلاثًا بألفٍ، فكذلك على الأظهرِ ذكرَهُ الرافعيُّ في المُحَرَّرِ في بعضِ النسخِ الصحيحة.
وَلَو قَالَت: طَلِّقْنِي غَدًا بأَلْفٍ؛ فَطَلَّقَ غَدًا أو قَبلَهُ بَانَت، لأنهُ إن طَلَّقَ في الغَدِ فقد حصلَ مقصودُها، وإنْ طلَّقَ قبلَهُ فقد زادَها كما لو سألَتْ طَلْقَة فطلَّقَ ثلاثًا، بِمَهرِ مِثْلٍ، وَقِيلَ: فِي قَولٍ بِالْمُسَمَّى، أشارَ المصنفُ بهذا إلى حكايَةِ طريقين؛ أصحُّهُما: القطعُ بالأوَّلِ، والثاني: حكايةُ قولين؛ أحدُهما: مهرُ المثلِ، والثاني: المسمَّى؛ كالقولينِ فيما إذا خَالَعَ على خمرٍ أو مغصوبٍ، وهل يفرقُ بين أنْ يطلقَها عالِمًا ببطلانِ ما جَرَى وبينَ أن يطلِّقَها جاهلًا ببطلانِهِ، قال القاضي حُسين: يفرق؛ ولا يلزَمُها شئٌ إذا طلَّقَها عالِمًا بل يقعُ رجعيًّا، وضعَّفَهُ الإمامُ واستشهدَ بالخُلْع على الخمرِ وسائرِ الأعواضِ الفاسدةِ؛ فإنه لا فرقَ في ثبوتِ المالِ بين العِلْمِ والجهلِ.
стр. 1325
فَرْعٌ: لو طلَّقَها بعد مُضِيّ الغَد يُعَدُّ رجعيًّا، لأنهُ خالفَ قولَها فكانَ مُبْتَدِئًا، فإن ذَكَرَ مالًا اشْتُرِطَ في وُقُوعِهِ القَبُولُ.
وَإن قَالَ: إِذَا دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنتِ طَالِقٌ بِأَلفٍ فَقَبلَتْ وَدَخَلَت طُلِّقَت عَلَى الصَّحِيح، لوجودِ المعلَّقِ عليهِ، والثانى: لا يطلق؛ لأنَّ المعاوضاتِ لا تقبلُ التعليقَ فيمتنعُ بثبوتِ المالِ، وإذا لم يثبُتْ لم يطلق لارتباطهِ بالمالِ، وقولهُ: (فَقَبِلَتْ) يؤخذُ منه اشتراطُ القَبُولِ على الاتصَالِ، وفيه احتمال للقفالِ: أنها بالخيارِ بينَ أنْ تقبلَ في الحالِ أو عندَ وجُودِ الصفةِ، بِالمُسَمَّى، أي ويجوزُ الاعتياضُ عن الطلاقِ المعلَّقِ كما يجوزُ عن المُنَجَّزِ، وَفِي وَجْهٍ أَوْ قَوْلٍ: بِمَهْرِ مِثْلٍ، لأن المعاوضاتِ لا يجوزُ تعليقُها، فيؤثرُ في فسادِ العوضِ، ولا يؤثِّرُ في الطلاقِ لقوَّتهِ وقبوله التعليقَ، وإذا فسدَ العوضُ وجبَ مهرُ المثلِ.
فَصْلٌ: ويصحُّ اختلاَعُ أَجْنَبِيّ وَإِن كَرِهَتِ الزوْجَةُ، كالتزامِ المالِ بعتقِ السَّيِّد عبدَهُ، وقد يكونُ له فيه غرضٌ، هذا إذا قُلنا: إِنَّ الخُلعَ طلاقٌ، فإذا قُلنا: هو فسخ لم يصحَّ؛ لأن الزوجَ لا ينفردُ بهِ بلا سببٍ، ولا يجيءُ هذا الخلافُ إذا سألَهُ الأجنبيُّ الطلاقَ؟ فأجابَهُ، لأنَّ الفُرقَةَ الحاصلَةَ عند استعمالِ الطلاق طلاقٌ قطعًا، وَهُوَ كاَختلاَعِهَا لَفْظًا وَحُكْمًا، أي فهو من جانبِ الزوج معاوضةٌ فيها معنَى التعليقِ، ومن جانبِ الأجنبىِّ معاوضة فيها شوبُ جَعَالَةٍ، فلو قال الأجنبي: طلقتُ امرأَتِي وعليكَ كذا طُلِّقَت رجعيًّا ولا مالَ، ولو قال أجنبيٌّ: طلقها وعليَّ ألفٌ أو لكَ ألفٌ فطلقَ وقعَ بائنًا ولزمَهُ المالُ، ولو اختلعَها عبدٌ كان المالُ في ذِمَّتِهِ كما لو اختلعَتْ أمَة نفسَها، وإنِ اختلعَها سفيهٌ وقعَ رجعيًّا كما لو اختلعَت سفيهةٌ نفسَها، وَلوَكِيلِهَا أَن يَخْتَلِعَ لَهُ، وَلأجْنَبِيٍّ تَوْكِيْلُهَا فَتَتخَيَّرُ هِيَ، أيْ يجوزُ أنْ يكونَ الأجنبي وكيلًا بالاختلاع من جهةِ الزوجةِ، وحينئذٍ فهو بالخيارِ بينَ أنْ يختَلِعَ استقلالًا وبينَ أنْ يختلِعَ بوكالةٍ عنها، ويجوزُ أنْ يوكِّلَ الأجنبيُّ الزوجةَ فحينئذٍ تتخيَّرُ هي.
وَلَوِ اختَلَعَ رَجُلٌ وَصَرَّحَ بِوَكَالَتِهَا كَاذِبًا لم تُطَلّق، لأنهُ مربوطٌ بالمالِ وهو لم
стр. 1326
يلتزِم في نفسِه، فأشبَهَ ما إذا خاطَبَها فلم تَقْبَلْ، وَأبوهَا كَأَجْنَبِيٍّ فَيَخْتَلِعُ بِمَالِهِ، أي صغيرةً كانت أو كبيرةً، فَإن اخْتَلَعَ بِمَالِهَما وَصَرَّحَ بِوَكَالَةٍ أَوْ وِلاَيَةٍ لم تُطَلَّق، كما لو بَانَ كَذِبُ مُدَّعِى كَذِبَ الوكالةِ في الاختلاع، فإنْ لم يتعرَّض لهُما فرجعِيٌّ على الأصحِّ، أَوْ بِاسْتِقْلاَلٍ فَخُلْع بِمَغْصُوبٍ، أيْ وإنِ اختلَعَ بمالِها مصرِّحًا بالاستقلالِ فهو كالاختلاع بمغصوبٍ، فيقعُ الطلاقُ بمهرِ المثلِ على الأظهرِ وبِبَذْلِ المسمَّى في قولٍ.
فَصلٌ: اِدَّعَتْ خُلْعًا فأَنْكرَهُ؛ صُدِّقَ بِيَمِيْنهِ، إذِ الأصلُ بقاءُ النكاح وعدمُ الْخُلع، وَإن قَالَ: طَلقتكِ بِكَذَا، فَقَالَتْ: مَجَانًا بَانَتْ، أيْ بإقرارِهِ، وَلاَ عِوَضَ، لأن الأصلَ براءَةُ ذِمَّتِهَا وعدمُ تطليقِهِ على العوضِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي جنْسِ عِوَضِهِ أَوْ قَدْرِهِ وَلاَ بَيِّنَةَ تَحَالَفَا، كَالْمُتَبَائِعِيْنِ، وَوَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ، لأنهُ تعذرَ رَدُّ البُضْع إليهِ فرجعَ إلى بدلِهِ وهو مهرُ المثلِ، كما لو وقعَ التحالُفُ بعد تَلَف المبيع، ثم القولُ في أنَّ الفسخَ يحصلُ بالتحالف أو يفسخ إنْ أصَرَّ على النزاعِ، وفي كيفيَّةِ اليمينِ ومن يبدأ بهِ على ما تقدَّمَ في الصَّدَاقِ وَالْبَيْع، وقوله: (وَلاَ بَيِّنةَ) يحترزُ بهِ عمَّا إذا أقامَ كُلُّ واحدٍ منهُما بَيِّنَةً على ما يقولهُ فإنهُ إن كانَ الاختلافُ في غيرِ عَدَدِ الطلاق فَتَتَهَايَرُ البَيِّنَتَانِ؛ أو فيهِ فَإِنْ أَرّختِ البَيِّنَتَانِ واتفَقَ الوقتُ تَحَالَفَا، وإنِ اختلَفَا فالتي هى أَسْبَقُ تَارِيخًا أَوْلى، وَلَو خَالَعَا بَأَلفٍ وَنَوَيَا نَوْعًا لَزِمَ، أيْ بخلافِ البيع والحالة هذهِ؛ لأنهُ يُحتَمَلُ في الخُلْع ما لا يُحْتَمَلُ في الْبَيْع ولذلك يحصلُ المِلْكُ بالإعطاءِ بخلافِ البيع، وَقِيلَ: مَهرُ مِثل، لفسادِ التسميَةِ كما يفسدُ البيعُ، وَلَو قَالَ: أَرَدْنَا دَنَانِيْرَ، فَقَالَتْ: بَل دَرَاهِمَ أَوْ فلُوسًا تَحَالَفَا عَلَى الأوَّلِ، لأنهُ نزاعٌ في جنس العِوَضِ فأشبهَ ما لو اختلَفَا فيما سمياهُ، وَوَجَبَ مَهْرُ مِثْل بِلاَ تَحَالُفٍ فِي الثانِي، وَالله أَعْلَمُ، لأنَّ هذا نزاعٌ في النيّةِ والإرادَةِ ولا مُطلِعَ عليهَا، وإذا امتنعَ التحالفُ ووقعَ الاختلافُ صارَ العوضُ مجهولًا فيجبُ الرجوعُ إلى مهرِ المثلِ، ومَنْ قالَ بالأوَّلِ قد يحصلُ الاطلاعُ على قَصْدِ الغيرِ وإرادتِهِ بالأمَارَاتِ والقرائِنِ.
стр. 1327
كتاب الطلاق
الطلاَقُ: هُوَ لُغَة؛ حَلُّ الْقَيْدِ وَالإطلاَقُ، وَمِنْهُ نَاقَةٌ طَالِقٌ. وَشَرْعًا: اسْم لِحَلِّ عَقْدِ النِّكَاح فَقَط. وَالأصْلُ فِيْهِ الكِتَابُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ (٢٥)، وَمِنَ السُّنة مَا سَيَأتِي، وَأجمَعَ المسلِمُونَ عَلَى أصْلِهِ.
يُشتَرَطُ لِنُفُوذِهِ التَّكلِيفُ، أي فلا يقعُ طلاقُ الصبيِّ والمجنونِ تَنْجِيْزًا وتَعلِيقًا، لأنَّ عِبَارَتَهُما غيرُ مُعتبرَةٍ في البيع والنكاح وغيرِهما من العقودِ، إِلا السَّكْرَان، أي فيقعُ طلاقهُ وإن كانَ غيرَ مُكَلّفٍ، كذا ذكرَهُ هُنا وفي الروضةِ، وعَزَى كونَهُ غيرَ مكلفٍ إلى قولِ أصحابِنا وغيرهم في كتبِ الأصولِ، قال: ولكن مرادُ أهلِ الأصولِ أنهُ غيرُ مُخَاطَب بهِ حَالَ السُّكرِ، ومُرَادُنَا هنا أنهُ مُكَلفٌ بقضاءِ العبادَاتِ بأمرٍ جديدٍ، انتهى، وظاهرُ هذا الكلامِ أنَّ الإيرادَ مندفعٌ فلا حاجَةَ إلى استثنائِهِ أيضًا فقد نصَّ القاضي حُسين والجويني والبغوي على أنه مكلفٌ؛ بل نصَّ عليه إمَامُنَا في الأمِّ.
ويقَعُ بِصَرِيْحِهِ بِلاَ نِيَّةِ وَبِكِنَايَةٍ بنِيَّةٍ، للإجماع، فَصَرِيحُهُ الطلاَقُ، بالإجمَاع، ويُستثنَى من ذلكَ مسألةُ الأعجميِّ الآتية فإنهُ ليسَ صريحًا فيهِ، وَكَذَا الفِرَاقُ وَالسَّرَاحُ عَلَى الْمَشْهُورِ، لِوُرُودِهِمَا في الشَّرع وتكررهِمَا في القُرآنِ بمعنَى الطلاقِ، والثاني: أنهُما كِنَايَتَانِ لاستعمالِهما فيهِ وفي غيرهِ كالحَرَامِ.
стр. 1328
فَرْعٌ: أسلَمَ كافرٌ على أكثرِ من أربع نسوةٍ، فقالَ لإحداهُنَّ: فارَقتك، فالأصح: أنهُ فسخٌ.
فَرْعٌ: صريحُ لفظ الطلاقِ عندَ الإكراهِ كناية كما سَتَعلَمُهُ في موضعِهِ.
فَرْعٌ: في صراحةِ لفظِ الْخُلْع ما مرَّ في بابهِ، قالهُ في المُحَرُّرِ وأهملَهُ المصنِّفُ.
كَطَلَّقتكِ، وَأَنْتِ طَالِقٌ، وَمُطَلّقَة، أي بتشديد اللامِ، ويا طَالِقُ، هذه أمثلة للصريح، لاَ أَنتِ طَلاَقٌ وَالطلاَقُ فِي الأصَحِّ، أي بل هما كنايتان، لأن المصادِرَ غيرُ موضوعة للأعيانِ، وتُسْتَعْمَلُ فيها على سبيل التوَسُّع، والثاني: أنهُما صريحَانِ كـ (يا طَالِقُ) والخلافُ جارٍ في أَنتِ طَلِقَةٌ، ولو قال: نِصْفُ طَلْقَةٍ فكناية أيضًا، وذكَرَ في التهذيبِ: أن قَولَهُ لَك طَلْقَة صريحٌ، وأنَّ أنتِ نِصْفُ طالِقٍ كقولهِ نصفُك طَالِقٌ، ووقعَ في الروضةِ بخطِّهِ كل طلقة بدلُ لك طلقة، وَتَرجَمَةُ الطْلاَقِ بِالعَجمِيَّةِ صَرِيْح عَلَى الْمَذْهَبِ، لشهرَةِ استعمالِها في معناها عندَ أهلِ تلكَ اللغَاتِ كشهرَةِ العربيَّةِ عندَ أهلِها، وقيل: وجهانِ، ثانيهِما: أنهُ كناية، لأن اللفظَ الوارِدَ في القُرآنِ هو العربيُّ، قال الرافعيُّ: ولم يورِد أكثرُهم سِوَى الأوَّلِ، فلذلكَ رجَّحَ المصنِّفُ في أصلِ الروضةِ القطعَ بهِ، ثم حكَى طريقَةَ الوجهينِ فَتَبِعْتُهُ. وترجَمةُ الفِرَاقِ وَالسَّرَاح فيهِما الخلافُ، لكن الأصح هنا أنها كناية قالهُ الإمامُ والروياني، لأن تَرْجُمَتَهُمَا بعيدة عن الاستعمالِ كذا في أصلِ الروضةِ، ومقتضى ما في المُحَرر أنهُما صريحَانِ ولذلك عبَّرَ هنا بالطلاقِ لِيُدْخُلَ ترجمتَهُما فيهِ، وَأَطْلَقتكِ وَأَنتِ مُطْلَقَة، أي بإسكانِ الطاءِ فيهما، كِنَايَة، لعدمِ اشتهارِهِ، وَلَو اشْتَهَرَ لَفظ لِلطلاَقِ كَالحَلاَلِ أَوْ حَلاَلُ اللهِ عَلَيَّ حَرَامٌ، أيْ وكذا أنتِ علَىْ حرامٌ، فَصَرِيح فى الأصَحِّ، لِغَلَبَةِ الاستعمالِ وحُصُولِ الفَهمِ، قُلْتُ: الأصَحُّ أَنهُ كِنَايَة، وَالله أعلَمُ، لأنها لم تَتَكَرَّرْ في القُرآن ولا على لِسَانِ حَمَلَةِ الشريعةِ فأشبهَتْ سائِرَ الألفاظِ، قلْتُ: وهو المنصوصُ في الأمِّ كما أفادَهُ في المطلبِ، وقال الرويانيُّ: كان القفالُ يقولُ إذا استُفتِىَ عن هذه المسألةِ: إذا سمعْتَ غيرَكَ قالَ لامرأتِهِ هذا ما كُنْتَ تَفْهَمُ منهُ؛ فإنْ فهمْتَ منهُ الصريحَ فهو صريحٌ لكَ، قال الروياني: وهو اختيارُ الأستاذِ أبى إسحاق وبهِ يُفتي كثيرٌ من مشايِخِ
стр. 1329
خُرَاسَانَ، واحترزَ المصنِّفُ بقولهِ: (اشْتَهَرَ لَفْظٌ) عن البلادِ الذي لم يشتهِرْ فيها هذا اللفظُ للطلاقِ؛ فإنهُ كناية في حق أهلِها قطعًا.
وَكِنايَتُهُ كَأَنتِ خَلِيةٌ، أي من الزوج فَعِيلَةَ بمعنى فَاعِلَةٌ، بَرِيَّةٌ، أي منهُ أيضًا، بَتْةٌ، أي مقطوعةُ الوصلةِ، بَتْلَةٌ، أي متروكَةُ النكاح، بَائِنٌ، أي مفارقة، اعتَدي إستَبرِئي رَحِمَكِ، أي لأنِّي طَلّقتكِ، إِلحَقِي بِأَهْلِكِ، أي لأني طَلَّقتكِ، حَبلُكِ عَلَى غَارِبِكِ، أي خَلَّيْتُ سَبِيلك كما يُخلى البعيرُ في الصحراءِ ويترَكُ زِمَامُهُ على غَارِبِهِ وهو ما تقدَّمَ من الظَّهرِ وارتفعَ من العُنُقِ ليرعَى كيفَ شاءَ، لاَ أَندَهُ سَربكِ، وهو بفتح السين وإسكان الراء، وأَندَهُ: معناهُ أزْجُرُ، والسَّرْبُ: الإبِلُ وما يرعَى من المالِ، فكأنهُ قالَ تَرَكتكِ لا أَهْتَم بِشَأنك، اعْزُبِي، أي بعين مهملةٍ ثم زاي أي تَبَاعَدِي مِنِّي واذْهَبِي، اغرُبِي، أي بغينٍ معجمةٍ ثم راء أي صِيْرِي غَرِيبة مِني، دَعِيْني وَدِعيني، أي لأنِّي طَلقتك، وَنَحْوِهَا، أي مما يحتملُ الفِرَاقَ والسَّرَاحَ ولم يَشِع استعمالُهُ فيهِ شرعًا ولا عُرْفًا كَتَجَرَّدِي وَتَزَوَّدِي واخرُجِى وسافِرِي ولا يكادُ ينحصرُ، وَالإعْتَاقُ كِنَايَةُ طَلاَقٍ وَعَكْسُهُ، أي والجامعُ أنَّ كُلا منهُما وُضِعَ لإزالةِ المِلك فَنَابَ أحدُهما مَنَابَ الآخر، فإذا قالَ لزوجتهِ: أنتِ حُرَّة ونوَى الطلاقَ طُلِّقَت، أو لعبدِهِ ونوَى العِتْقَ عُتِقَ.
فَرْعٌ: كما أنهُ صريح كل منهُما كناية في الآخرِ فكنايتهما مشتركة مؤثرَةٌ في العقدينِ جميعًا بالنيَّةِ كما ذكرَهُ المصنفُ في بابهِ، لكن لو قالَ للعبدِ: اعتَدَّ أو أسْتَبْرِء رَحِمَكَ ونوَى العتقَ لم ينفذ لاستحالتِهِ في حقِّهِ، ولو قال ذلك لأمَتِهِ ونوَى العتقَ أو لزوجتهِ قبلَ الدخولِ ونوى الطلاقَ نفذَ على الأصح.
وَلَيسَ الطلاَقُ كِنَايَةَ ظِهَار وَعَكسُهُ، لأنَّ كل واحدٍ مهما وجدَ نفاذًا في موضوعِهِ (•) الصريح فلا يعدِلُ إلى غيرِ موضوعهِ (•) بالنيةِ، قال في الوسيطِ: ولا يمكنُ تنفيذُهما جميعًا، لأنَّ اللفظَ لم يوضَعْ لهُما وَضْعَ العمومِ فيصرف إلى ما هو
стр. 1330
صريحٌ فيه، وَلَوْ قَالَ: أَنتِ عَلَيَّ حَرَام أَوْ حَرَّمتُكِ وَنَوَى طَلاَقًا أَوْ ظِهَارًا حَصَلَ، أي ما نواهُ؛ لأن الظهَارَ يقتضى التحريمَ حتى يكفِّرَ فجازَ أنْ يكنى بالحرامِ عنه، والطلاقُ سببٌ مُحَرِّمٌ ويكونُ هذا الطلاقُ رجعيًّا وإنْ نَوَى عددًا وقعَ ما نَوَى، أَوْ نَوَاهُمَا، أي معًا، تَخَيّرَ وَثبَتَ مَا اخْتَارَهُ، أي ولا يثبُتان جميعًا، لأنَّ الطلاقَ يزيلُ النكاحَ، والظهارُ يستدعى بفاءَهُ، وَقِيلَ: طَلاَقٌ، لأنهُ أقوَى من حيثُ أنهُ يزيلُ النكاحَ، وَقِيلَ: ظِهَارٌ، لأنَّ الأصلَ بقاءُ النكاح، أما إذا نواهُما مرتبًا فقال ابنُ الحداد: إنْ أرادَ الظهارَ ثم الطلاقَ صَحَّا جميعًا، وإن أرادَ الطلاقَ أوَّلًا؛ فإنْ كان بائِنًا فلا معنَى للظهارِ بعدهُ، وإن كان رجعيًّا كان الظهارُ مَوقُوفًا، فإنْ راجَعَها فهو صحيحٌ، والرجعةُ عَوْدٌ وإلّا فهو لَغْوٌ، قال الشيخ أبو على: وهذا التفصيلُ فاسدٌ عندي، لأن اللفظَ الواحدَ إذا لم يجُزْ أنْ يرادَ بهِ التصرفاتُ لم يختلِف الحكمُ بإرادتِهما معًا أو متعاقِبَين، أو تَحرِيْمَ عَينهَا، أي أو فرْجِها أو وطئِها، لم تحرُمْ، وَعَلَيهِ كَفارَةُ يَمِيْنٍ، كما لو قال ذلك لأمَتِهِ، ولا يكونُ يمينًا على الصواب، والأصح لُزُومُ الكفارةِ في الحالِ وإنْ لم يطأ، وَكَذَا إِن لَمْ تَكُن نِيَّةٌ فِي الأظْهَرِ، لأن قولهُ: أنتِ علَيَّ حرامٌ، صريحٌ في وجوبِ الكفارةِ، وَالثانِي لَغوٌ، أي ولا شيءَ عليهِ، ويكونُ هذا اللفظُ كنايةَ في الكفارةِ، وإلّا لم يَصِرْ كناية في الطلاقِ والظهارِ.
تَنْبِيهٌ: التفصيلُ المذكورُ في المسألةِ مستمرٌّ فيمنْ قالَ: أنتِ علَيَّ حرامٌ في البلاد التي لم يشتهِرْ فيها هذا اللفظُ في الطلاق، وكذا حيثُ اشتهرَ إذا قلنا: إنَّ الاشتهارَ لا يلحِقُهُ بالصرائح، أما إذا قلنا: إنه يلحَقُ بالصرائح فيتعيَّنُ الطلاقُ.
فَرْعٌ: لو قالَ أنتِ حرامٌ ولم يقُلْ علَيَّ، فإنهُ كناية بلا خلافٍ، قالهُ البغويُّ.
وَإن قَالَهُ لأمَتِهِ وَنَوَى عِتقًا ثَبَتَ، أي ولا مجالَ للطلاقِ والظهارِ، أَوْ تحرِيمَ عَيْنهَا أَوْ لاَ نِيَّةَ فَكَالزَّوْجَةِ، أي فلا تحرمُ وعليهِ يمين في الأظهرِ في الثانيةِ، وَلَو قَالَ: هَذَا الثَّوبُ أَوِ الطعَامُ أَوِ العَبْدُ حَرامٌ عَلَيَّ فَلَغْوٌ، أيْ لا يتعلقُ به كفارةٌ ولا غيرها، لأنهُ غيرُ قادرٍ على تحريمهِ بخلافِ الزوجةِ والأمَة فإنهُ يقدِرُ على تحريمِهِما بالطلاقِ
стр. 1331
والعتقِ، وقالَ ابن حربويه: تجبُ الكفارةُ، حكاهُ ابن الصلاح في طبقاتِهِ وهو غريبٌ، وَشَرْطُ نِيَّةِ الكِنَايَةِ اقْتِرَانُهَا بِكُل اللَّفْظِ، وَقِيْلَ: يَكْفِي بأوَّلهِ، تَبِعَ المُحَرَّرَ في تصحيح الأول لكنهُ قال في أصل الروضةِ: لو اقترنَتْ بأوَّلِ اللفظِ دونَ آخرهِ أو عكسه طلقَتْ على الأصحِّ، والمسألةُ موضحةٌ في الأصلِ فَرَاجِعْهَا مِنهُ، وقال الماوردىُّ: التفصيلُ أشبهُ بنصِّ الشافعيِّ وهو اعتبارُها في الأصلِ.
فَصْلٌ: وَإِشارَةُ نَاطِقٍ بِطَلاَقٍ لَغْوٌ، لأنَّ عدولَة من العبارةِ إلى الإشارةِ يوهِم أنهُ غيرُ قاصدٍ للطلاقِ، وَقِيلَ: كِنَايَةٌ, لحصولِ الإفهامِ بها كالكنايةِ، وَيُعْتَدُّ بإشارَةَ أَخرَسَ فِي العُقُودِ وَالحُلُولِ، أي ولو كانَ قادرًا على الكنايةِ للضرورةِ كما تقدَّمَ في البيع، فَإن فَهِمَ طَلاَقَهُ بِهَا كُل أَحَدٍ فَصَرِيحَة وَإنِ اخْتَصّ بِفَهْمِهِ فَظِنُون فَكنَايَة، هذا ما قالهُ الإمامُ وآخرونَ، ومن الأصحابِ من أدارَ الحكمَ على إشارتهِ المُفْهِمَةِ وأوقعَ الطلاقَ بها نَوَى أم لم ينوِ، وَلَو كتَبَ نَاطِقٌ طَلاَقًا ولَم يَنوِهِ فَلَغوٌ، لأنهُ محتمل الفسخ وتجربةُ القلمِ ونحوها، وَإِن نَوَاهُ، أي ولم يتلفظ بما كتبَهُ، فَالأظهَرُ وقُوعُهُ، لأنها أحدُ الخطابَين فجازَ أن يقعَ بها الطلاقُ كاللفظِ، والثانى: لا؛ لأنهُ فِعلٌ من قادرٍ على القولِ فلم يقَعْ بهِ الطلاقُ كالإشارةِ من الناطقِ، والخلاف جارٍ في الغيبةِ والحضورِ على أصحِّ الطرقِ، أما إذا قرأَ ما كتبَهُ واقترنَتْ بها النيَّةُ طُلِّقَت جَزْمًا.
فَرْعٌ: كتابةُ الأخرسِ كنايةٌ أيضًا على الأصحِّ، فالتقييدُ بالنُّطْقِ ليس بجيِّدٍ.
فَإن كَتَبَ إذا بَلَغَكِ كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإنمَا تَطْلُقُ بِبُلوغِهِ، مراعاة للشرطِ، وَإِن كَتَبَ إِذَا قَرَأتِ كِتَابِي وَهِيَ قَارِئَةٌ فَقَرَأَتهُ طُلِّقَت، لوجودِ المعلقِ عليهِ، قالَ الإمامُ: والمعتبرُ أنْ تَطلِعَ على ما فيهِ، قال: واتَّفقَ علماؤُنا على أنها إذا طَالَعَتْهُ وَفَهِمَتْ ما فيهِ طُلِّقَت، وإن لم تتلفظْ بشيءٍ، وَإن قُرِئَ عَلَيهَا فَلاَ فِي الأصَح، لعدَمِ قراءَتها مع الإمكانِ، والثاني: نَعَمْ؛ لأنَّ المقصودَ اطِّلاَعُهَا، وإن لَم تكُن قَارِئَة فَقُرِئَ عَلَيهَا طُلِّقَت، لأن القراءَةَ في حقِّ الأُمّيِّ محمولةٌ على الإطلاَع، وذكرَ مجليُّ: أن ذلكَ يتخرَّجُ على التعليقِ بالْمُحَالِ وفيه نظرٌ؛ إذ التعليمُ ممكنٌ.
стр. 1332
فصلٌ: لَهُ تَفْوِيْضُ طَلاَقِهَا إِلَيْها، لأنهُ ﵊ خيرَ نِسَاءَهُ بين المقامِ معهُ والمفارقةِ لَمَّا نزلَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ. . .﴾ الآية (٢٦)، كذا استدَلُّوا بهِ وفيهِ نظر رَاجِعهُ من الأصلِ، وَهُوَ تَمْلِيك فى الجَدِيدِ، لأنهُ يتعلقُ بغرضِها وفائدَتِها فينزلُ منزِلَةَ قولهِ مَلكتك، فَيُشتَرَطُ لِوُقوعِهِ تَطلِيقُهَا عَلَى الفَورِ، لأنَّ التمليكَ يقتضي الجوابَ على الفورِ، فلو أخرَت بقدرِ ما ينقطعُ القَبُولُ عن الإيجابِ ثم طُلِّقَت لم يَقَعْ.
وِإن قَالَ: طَلقِي، نَفْسَك، بِألفٍ فَطَلقَت بَانَتْ وَلَزِمَهَا ألفٌ، أي ويكونُ تمليكًا بالعوضِ كالبيع، وَفِي قَوْلِ: تَوكِيلٌ، كما لو فَوَّضَ طلاقها إلى أجنبيّ، فَلاَ يُشْتَرَطُ فوْرٌ فِي الأصَح، كما في توكيلِ الأجنبيِّ، والثانى: يُشترطُ، لأنهُ يتضمَّنُ تمليكها نَفْسَها بلفظٍ يأتى بهِ وذلك يقتضي جوابًا عاجِلًا، وطردَهُ القاضى فيما لو قالَ وَكَّلتكِ في طلاقِ نفسَكِ، وَفِي اشْتِرَاطِ قَبولهُا خِلاَفُ الوَكِيلِ، أي المتقدَّمِ في بابهِ حتى يجيءُ الوجهُ الفارقُ بين صيغةِ الأمرِ بأن يقولَ طَلّقِى نَفْسَكِ، وصيغةِ العقدِ كقولهِ وَكلتك في طلاقِ نفسك، وَعَلَى القَولَينِ لَهُ الرجُوعُ قَبْلَ تَطْلِيقِهَا، لأنَّ التمليكَ والتوكيلَ يجوزُ الرجوعُ فيهِما قبلَ القُبولِ.
وَلَو قَالَ: إِذَا جَاءَ رَمَضَان فَطَلقَي لَغَا عَلَى التَّملِيكِ، كما لو قال: مَلْكتك هذا العبدَ إذا جاءَ رأسُ الشهرِ، وإن قلنا: توكيل جازَ كتوكيلِ الأجنبي بتطليقِ زوجتهِ بعدَ شهرٍ، كذا عَلّلَهُ الرافعيُّ.
وَلَو قَالَ: أبيْني نَفسَكِ، فَقَالَت: أبنْتُ وَنَوَيَا، أي هو عند قولهِ أبِيني نَفْسَك وهى عند قولهَا أبَنْتُ نَفْسِي الطلاَقَ، وَقَعَ، لأن لفظَ الإبانَةِ كناية وقد اقترنَتْ بهِ النيّةُ فقامَ مقامَ الصريح، وَإِلا، أيْ وإنْ لم ينوِيَا أو أحدُهما، فَلاَ، لأنهُ إنْ لم يَنوِ
стр. 1333
الزوجُ لم يفوِّضِ الطلاقَ، وإنْ لم تَنْوِ المرأةُ لم تأتِ بالمفوَّضِ إليها.
وَلَو قَالَ: طَلقِي فَقَالَت: أبَنْتُ ونَوَت، أي نفسها، أو أبِيني وَنَوَى، فَقَالَت: طَلَّقْتُ وَقَعَ، كما لو قال بِعْ فباعَ بلفظِ التمليك.
وَلَو قَالَ طَلقِي وَنَوَى ثَلاثًا فَقَالَت: طَلَّقتُ وَنَوَتهُنَّ فَثَلاَثٌ، لأنَّ اللفظَ يحتملُ العَدَدَ وقد نويَاهُ، وإلا، أي وإن لم تَنْوِ هي العددَ، فَوَاحِدَةٌ فِي الأصَح، لأنَّ صريحَ الطلاقِ كنايةٌ في العدَدِ، كما أن البينونةَ مثلًا كناية في أصلِ الطلاقِ، ولو قال: أبِيني نَفْسَك ونوَى فقالت: أبنْتُ ولم يَنْوِ لا يقعُ الطلاقُ فكذلك للعدَدُ، والثاني: يقعُ الثلاثُ وتُغْنِي نِيَّتُهُ في العدَدِ عن نِيَّتهَا وكأنهُ فوَّضَ إليها أصلَ الطلاقِ وتولّى بنفسهِ قصدَ العدَدِ، ولو قَالَ: ثلاثًا، فَوَحَّدَت أو عَكسَهُ، أي قالَت ثلاثًا، فوَاحِدَةٌ، أمَّا في الأولى: فلأَن ما أوقعتهُ داخل في المفوَّضِ إليها، وأما في الثانيةِ: فلأنَّ مَنْ مَلَكَ إيقاعَ طلقةٍ تقعُ الطلقةُ إذا طَلَّقَ ثلاثًا كما إذا لم يبقَ للزوج إلّا طلقة، فقال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا.
فَصلٌ: مَرَّ بلِسَانِ نَائِمٍ طَلاَق لَغَا، لقوله ﵊: [رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ؛ النائِمِ حَتَى يَستَيقِظَ] (٢٧) ولو استيقظَ وقالَ: أجزتُ ذلكَ الطلاقَ أو أوقعْتُهُ فلغوٌ.
فَرْعٌ: المُبَرسَمُ وَالمُغمَى عليهِ كالنائمِ.
وَلَو سَبَقَ لِسَانُهُ بِطَلاَقٍ بِلاَ قَصدٍ لَغَا، لأنهُ لم يصدُرْ عن قصدٍ فلم يترتب عليه موجبُهُ كاليمينِ باللهِ تعالَى، وَلاَ يُصَدَّقُ ظَاهِرًا إِلا بِقَرِينَةٍ، أي مثلَ إنْ كانَ اسمُ امرأتِهِ طارِقًا، ولو كَان اسمُهَا طَالِقًا، فَقَالَ: يَا طَالِقُ، وزعمَ أنهُ التَفَّ بلسانِهِ اللامُ من غيرِ قصدٍ كما سيأتى، وَقَصَدَ النِّدَاءَ لَم تُطَلق، وَكَذا إِن أطْلَقَ فِي الأصح، حَمْلًا على النداءِ، والثاني: نَعَمْ؛ لأنهُ يقصدُ النداءَ، وَإِن كَان اسْمُهَا طَارِقًا أَوْ طَالِبًا،
стр. 1334
فَقَالَ: يَا طَالِقُ، وَقَالَ: أرَدْتُ النِّدَاءَ فَالْتَفَّ الْحَرْفُ صُدِّقَ، لظهورِ القرينةِ.
وَلَوْ خَاطَبَهَا بِطَلاَقٍ هَازِلاً أوْ لاَعِباً أَوْ وَهُوَ يَظُنُّهَا أَجْنَبِيةً بِأَنْ كَانَتْ فِي ظُلْمَةٍ أَوْ نَكَحَهَا لَهُ وَلِيُّهُ أَوْ وَكِيْلُهُ وَلَمْ يَعْلَمْ وَقَعَ، لوجودِ الخطابِ في محلِّهِ، وفي الترمذيِّ في حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: [ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ الطَّلاَقُ وَالنِّكَاحُ وَالرَّجْعَةُ]، قال الترمذيُّ: حسنٌ غريبٌ، وقال الحاكمُ: صحيحُ الإسنادِ (٢٨).
وَلَوْ لَفَظَ أَعْجَمِيٌّ بِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهُ لَمْ يَقَعْ، كما لو لُقِّنَ كلمةَ الكُفْرِ وهو لا يعرفُ معناها فتكلَّمَ بها لا نحكُمُ بكفرِهِ، قال المتولّى: هذا إذا لم يكن لهُ مع أهلِ اللسانِ اختلاطٌ، فإنْ كانَ لم يُصَدَّقْ في الحكمِ ويديّن باطناً، وَقِيْلَ: إِنْ نَوَى مَعْنَاهَا وَقَعَ, لأنهُ نوى الطلاقَ، والأصحُّ المنعُ, لأنهُ إذا لم يعرِفْ معنَى الطلاقِ لا يصحُّ قصدُهُ.
فَرْعٌ: لو قَالَ: لم أَعْلَمْ أنَّ معنَاها قطعَ النكاحِ؛ ولكن نويْتُ بها الطلاقَ وقصدتُ قطعَ النكاحِ لم يقَعْ أيضاً كما لو خاطَبَها بكلمةٍ لا معنَى لها وقالَ: أردتُ الطلاقَ.
فَصْلٌ: وَلَا يَقَعُ طَلاَقُ مُكْرَهٍ، لقوله ﷺ : [لَا طَلاَقَ فِي إِغْلاَق]، رواه أبو داود وصححَهُ الحاكمُ على شرطِ مسلمٍ (٢٩)، وفَسَّرَ الشافعيُّ وجماعةٌ الإغلاقَ بالإكراهِ،
стр. 1335
وهو قولُ جماعةٍ من الصحابةِ والتابعين، فَإِنْ ظَهَرَتْ قَرِيْنَةُ اخْتِيَارٍ، بِأَنْ أُكْرِهَ عَلَى ثَلاَثٍ فَوَحَّدَ أَوْ صَرِيْحٍ أَوْ تَعْلِيْقٍ فَكَنَّى أَوْ نَجَّزَ أَوْ عَلَى طَلَّقْتُ فَسَرَّحَ أَوْ بِالْعُكُوسِ، أي أُكْرِهَ على واحدةٍ فَثَلَّثَ، أو على كنايةٍ فَصَرَّحَ، أو على التنجيزِ فعلَّقَ، أو على أن يقولَ سَرَّحْتُهَا فقالَ طَلَّقْتُهَا، وَقَعَ, لأنَّ مخالفتهُ له تُشْعِرُ باختيارهِ فيما أتَى بهِ.
فَرْعٌ: لو أُكْرِهَ على الطلاقِ فأتى بهِ ونوَى الطلاقَ، فالأصحُّ الوقوعُ لقصدهِ وتلفُّظِهِ، وعلى هذا فصريحُ لفظِ الطلاقِ عند الإكراهِ كنايةٌ إنْ نَوَى وقعَ وإلَّا فلا، ولو قصدَ لفظَ الطلاقِ دون إيقاعهِ ففي وقوعِهِ وجهانِ في الحاويِ.
فَرْعٌ: قالَ: طَلّقْ زَوْجَتِي وإلَّا قَتَلْتُكَ فَطَلَّقَهَا وقعَ الطلاقُ على الصحيحِ, لأنه أبلغُ في الإذنِ، وقيل: لَا، لسقوطِ حكمِ اللفظِ بالإكراهِ.
وَشَرْطُ الإِكْرَاهِ قُدْرَةُ الْمُكْرِهِ عَلَى تَحْقِيْقِ مَا هَدَّدَ بِهِ بِوِلَايَةٍ أَوْ تَغَلُّبٍ، أي عاجلاً، وَعَجْزُ الْمُكْرَهِ عَنْ دَفْعِهِ بِهَرَبٍ وَغَيْرِهِ وَظَنُّهُ أنَّهُ إِنْ امْتَنَعَ حَقَّقَهُ، أي وأَنْ لا يكونَ المحذورُ مستحِقًّا على الْمُكْرَهِ فلو قالَ وليُّ القصاصِ: طَلِّقِ امْرَأَتَكَ وإلَّا اقْتَصَصْتُ مِنْكَ فليس بإكراهٍ، واحترزْتُ بالعاجلِ عن التخويفِ بالأجلِ كقولهِ: لأَقْتُلَنَّكَ غَداً؛ فإنهُ ليس بإكراهٍ، ولا أثَرَ لقولهِ طلِّقْ وإلَّا قتلتُ نفسي أو كفرْتُ.
وَيَحْصُلُ، أي الإكراهُ، بِتَخْوِيْفٍ بِضَرْبٍ شَدِيْدٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ إِتْلَافِ مَالٍ وَنَحْوِهَا، أي كاستخفافٍ برجُلٍ وَجِيْهٍ، وَقِيْلَ: يُشْتَرَطُ قَتْلٌ، لحرمَةِ النَّفْسِ، وَقِيْلَ: قَتْلٌ أَوْ قَطْعٌ أَوْ ضَرْبٌ مُخَوِّفٌ، لإفضائِها إلى القتلِ ووراء ذلك أوجهٌ أربعةٌ صحَّحَ المصنِّفُ في الروضة منها واحداً وقال: في بعض تفصيلهِ نظرٌ، وكُلُّ ذلك موضَّحٌ في الأصلِ فَرَاجِعْهُ مِنْهُ.
وَلَا تُشْتَرَطُ التَّوْرِيَةُ بِأَنْ يَنْوِيَ غَيْرَهَا، أي بأنْ يريدَ بقولهِ طلقْتُ فاطمةَ غيرَ