← Фикх шафии

Фикх шафии · id 20561

عجالة المحتاج إلى توجيه المنهاج

ابن الملقن

Полный текст (1 877 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

بَابُ صَلاَةِ الْعِيْدَيْنِ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ (٧٢٧)، قِيْلَ: الْمُرَادُ بِالصَّلاَةِ صَلاَةُ عِيْدِ النَّحْرِ؛ وَبِالنَّحْرِ الأُضْحِيَّةُ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَوْدِ. هِيَ سُنَّةٌ، لمواظبته ﵊ عليها، غير واجبة لحديث الأعرابي الصحيح: [هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: لاَ؛ إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ] (٧٢٨)، وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ، لأنها من شعائر الإسلام كرَدِّ السَّلامِ، ويُستثنى من ذلك الحاج بِمِنَى فإنه لا يخاطب بالعيد، نص عليه كما نقله الماوردي في كتاب الحج. وَتُشْرَعُ جَمَاعَةً، بالإجماع، وَلِلْمُنْفَرِدِ؛ وَالْعَبْدِ؛ وَالْمَرْأَةِ؛ وَالْمُسَافِرِ، كسائر النوافل، وَوَقْتُهَا بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَزَوَالِهَا، وَيُسَنُّ تَأْخِيرُهَا لِتَرْتَفِعَ كَرُمْحٍ، لخروج وقت الكراهة، وإن كان لها سبباً، ويقتضي كلام المصنف الفوات إذا شهدوا بالرؤية بعد الزوال يوم الثلاثين وعدلوا بعد الغروب، وقلنا الْعِبْرَةُ بالتعديل وهو الأصح، وليس كذلك بل يصلي من الغد أداءً

стр. 387

وَهِيَ رَكْعَتَانِ، بالإجماع (٧٢٩)، يُحْرِمُ بِهِمَا، أي بِيِنَّةِ صلاةِ العيدِ، ثُمَّ يَأْتِي بِدُعَاءِ الاِفْتِتَاحِ، كسائر الصلوات، ثُمَّ سَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ، لأنه ﵊ كَبَّرَ في العيدين الأضحى والفطر ثنتى عشرة تكبيرة في الأُوْلى سَبْعاً وفي الاخرة خَمْساً سوى تكبيرة الإحرام، رواه الدارقطني وصححه البخاري (٧٣٠). فَرْعٌ: لو صلى خلف من يكبّر ثلاثاً أو ستاً تابعه على الأظهر لئلا يخالفه. يَقِفُ بَيْنَ كُلِّ ثِنْتَيْنِ كَآيَةِ مُعْتَدِلَةٍ، يُهَلِّلُ؛ وَيُكَبِّرُ؛ وَيُمَجِّدُ، لأثر فيه في البيهقي عن ابن مسعود بنحوه بسند جيد (٧٣١)، قال المصنف في شرح مسلم: وجمهور العلماء على أن هذه التكبيرات ولاءً، خلافاً لعطاء والشافعي وأحمد (٧٣٢).

стр. 388

وَيَحْسُنُ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلَّا الله، وَالله أَكْبَرُ، هذا ما ذكره الجمهور، وهى الباقيات الصالحات على قول ابن عباس وجماعة (٧٣٣)، ثُمَّ يَتَعَوَّذُ لأنه استفتاح للقراءة فلتكن عَقِبَهَا، وَيَقْرَأُ، أي الفاتحة كما في سائر الصلوات، وَيُكَبِّرُ فِي الثَّانِيَةِ خَمْساً، أي سوى تكبيرة القيام، قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، للحديث السالف (٧٣٤)، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْجَمِيعِ، لحديث مرسل وأثر عن عمر ﵁ منقطع ضعيف (٧٣٥). فَرْعٌ: يُسَنُّ أَنْ يَضَعَ يُمْنَاهُ عَلَى يُسْرَاهُ بين كُلِّ تكبيرتين على الأصح.

стр. 389

وَلَسْنَ، أي هذه التكبيرات الزائدة، فَرْضًا وَلاَ بَعْضًا، أى فلا سجود بتركهن عمدًا أو سهوًا، نعم يُكْرَهُ تركهُنَّ أو ترك واحدة منهن والزيادة فيهن نصَّ عليه، وَلَوْ نَسِيَهَا، أى التكبيرات، وَشَرَعَ فِي القِرَاءَةِ فَاتَتْ، لأن محلها قبل القراءه، فلو عاد لم تبطل صلاته والظاهر أن العمد كالنسيان، وَفِي الْقَدِيمِ يُكَبَّرُ مَا لَمْ يَرْكَعْ، لبقاء القيام، وهو محله فإن ركع مضى في صلاته ولم يكبِّر، فإن عاد بطلت صلاته جزمًا، قاله الرافعي ولعله مع العلم، أما الجاهل فيعذر. وَيَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي الأُوْلَى ﴿ق﴾ وَفِي الثَّانيةِ ﴿اقْتَرَبَتْ﴾ بِكَمَالِهِمَا، اقتداء به ﷺ كما رواه مسلم (٧٣٦)، وثبت فيه أيضًا أنه قرأ فيهما ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ (٧٣٧) قال في الروضة: وهو سُنَّة أيضًا، جَهْرًا، بالإجماع (٧٣٨).

стр. 390

وَيُسَنُّ بَعْدَهُمَا خُطْبَتَانِ، اقتداءً به ﷺ وبالخلفاء الراشدين فإنهم خطبوا بعدها، والمعتمد في التكرار القياس على الجمعة (٧٣٩). أَرْكَانُهُمَا كَهِيَ فِي الْجُمْعَةِ، أي كما بيناها في بابها، ولا يجب القيام هنا على الأصح، وَيُعَلِّمُهُمْ فِي الْفِطْرِ الْفِطْرَةَ وَفِي الأَضْحَى الأُضْحِيَةَ، أى يذكر من أحكامهما ما تعم الحاجة إليه لأنه لائق بالحال، يَفْتَتِحُ الأُوْلَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ، وَالثَّانِيَةَ بِسَبْعٍ، تكبيرات، وَلاَءً، لقول بعض التابعين أنه من السُّنَّة وهو موقوف على الأصح (٧٤٠)، قال الإمام: وتُشبه الخطبتين بصلاة العيد، فإن الركعة الأُولى تشمل على سبع تكبيراتٍ مع تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع، وفي الثانية خمس تكبيرات مع تكبيرة القيام والركوع، وهذه التكبيرات ليست من نفس الخطبة، وإنما هي مقدماتها نص عليه. وَيُنْدَبُ الغُسْلُ، كالجمعة، وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ، كما في الأذان للصبح، وَفِي قَوْلِ بِالْفَجْرِ، كالجمعة والفرق ظاهر، وَالتَّطَيُّبُ وَالتَّزَيُّنُ كَالْجُمُعَةِ، وَفِعْلُهَا بِالْمَسْجِدِ أَفْضَلُ، أي عند اتساعه؛ لأنه أفضل، وإنما خرج ﷺ إلى الصحراء لضيق مسجده، وَقِيلَ بِالصَّحْرَاءِ، تأسيًا به ﵊ (٧٤١)، إِلاَّ لِعُذْرٍ، أي

стр. 391

كمطر وغيره؛ لأنه ﵊ صلَّى بِهِمْ فِي مَسْجِدِهِ يَوْمَ عِيْدٍ لأَجْلِ الْمَطَرِ، رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح الإسناد (٧٤٢)، واعلم أنه استثنى من ذلك مسجد مكة شَرَّفَهَا الله تعالى لسعته وفضله، وأَلْحَقَ الصيدلاني وجماعة به الصلاة في المسجد الأقصى وسكت عنه الجمهور. وَيَسْتَخْلِفُ مَنْ يُصَلِّي بِالضَّعَفَةِ، يعني عند خروج الإمام إلى الصحراء اقتداءً بعلي كرَّم الله وجهه (٧٤٣)، وَيَذْهَبُ فِي طَرِيقٍ وَيَرْجِعُ فِي أُخْرَى، اقتداءً به عَلَيْهِ

стр. 392

الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، كما رواه البخاري وغيره (٧٤٤)، والأصح في سببه: أنه كان يذهب في أطول الطريقين، ويَرجع في أقصرهما، لأَنَّ الذهاب أفضل من الرجوع، ويقال: إنه ما مَرَّ من طريق إلّا وتفوح منها رائحة المسك، وقيل: فعل ذلك لتشهد له البقاع، فقد روي: [منْ مَشَى فِي حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ شَهِدَتْ لَهُ الْبِقَاعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ] (٧٤٥)، قال الماوردي: في معنى شهادة البقاع تأويلان، الأول: أن الله تعالى ينطقها بذلك، والثاني: أن الشاهد أهلها لقوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ (٧٤٦). وقال ابن أبي حمزة في اقليد التقليد: هذا الحديث هو معنى قول يعقوب لبنيه: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ (٧٤٧). فَرْعٌ: سائر العبادات كالجمعة، والصلاة وغيرها يُستحب الذهاب إليها في طريق والرجوع في أخرى، نبّه عليه المصنف في رياضه. وَيُبَكِّرُ النَّاسُ، ليحصل القرب من الإمام، وَيَحْضُرُ الإِمَامُ وَقْتَ صَلاَتِهِ، لظاهر حديث أبي سعيد في الصحيحين (٧٤٨)، وَيُعَجِّلُ، إلى الخروج، فِي الأَضْحَى، للأمر

стр. 393

به، قال الماوردي في الإقناع: والاختيار أن يصلِّي الأضحى إذا مضى من النهار سُدُسُهُ وفي الفطر رُبُعُهُ (٧٤٩). قُلْتُ: وَيَأْكُلُ فِي عِيدِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلاَةِ، ويُمْسِكُ فِي الأَضْحَى، للاتباع؛ والفرق لائح، وفي الصحيح [أَنَّهُ ﵇ كَانَ لاَ يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمْرَاتٍ وِتْرًا] (٧٥٠) قال الداودي: إنما استحب الفطر على التمر، لأن النخلة ممثلة بالمسلم، ولأنه قيل: إنها الشجرة الطيبة. وَيَذْهَبُ مَاشِيًا بِسَكِينَةٍ، كالجمعة، وَلاَ يُكْرَهُ النَّفْلُ قَبْلَهَا لِغَيْرِ الإِمَامِ، وَالله أَعْلَمُ، لأن أنَسًا وغيره كانوا يصلون يوم العيد قبل خروج الإمام كما رواه البيهقي (٧٥١)، أما الإمام فيكره له التنفل مطلقًا لأنه متبوع. فَرْعٌ: دخل المسجد والإمام يخطب صلى العيد لا التحية في الأصح، وصحح صاحب البيان مقابله، وهذا إذا فرعنا على الأصح، بأن المنفرد يصلي العيد كما جزم به المصنف، وموضع الخلاف إذا اتسع وقت العيد وإلا فلا صلاَة قطعًا قاله صاحبُ الْمُعِيْنِ. فَصْلٌ: يُنْدَبُ التَّكْبِيرُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَتَي الْعِيدِ فِي الْمَنَازِلِ وَالطُّرُقِ

стр. 394

وَالْمَسَاجِدِ وَالأَسْوَاقِ بِرَفْعِ الصَّوْتِ، أما في عيد الفطر فلقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ أي عدة صوم رمضان ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ (٧٥٢) عند إكمالها، وأما في عيد الأضحى فالقياس على الفطر، وقال الماوردي: إنه إجماع. فَرْعٌ: المرأةُ لا ترفع الصوت وكذا الخنثى فيما يظهر. وَالأَظْهَرُ إِدَامَتُهُ حَتَّى يُحْرِمَ الإِمَامُ بِصَلاَةِ الْعِيدِ، لأن الكلام يباح إلى تلك الغاية، والتكبير أَولى ما يشتغل بهِ، فإنه ذِكْرُ اللهِ تعالى وشعارُ اليوم، والثاني: إلى أن يخرج الإمام إلى الصلاة لاشتغالهم بالتَّأَهُّبِ حينئذ، وَلاَ يُكَبِّرُ الْحَاجُّ لَيْلَةَ الأَضْحَى بَلْ يُلَبِّي، لأنها شعاره، وَلاَ يُسَنُّ، أي التكبير المقيد، لَيْلَةَ الْفِطْر عَقِبَ الصَّلَوَاتِ فِي الأَصَحِّ، لأنه لم ينقل، ولو شرع لَفُعِل ونُقِلَ، والثاني: يُسن كالأضحى؛ فيكبر خلف المغرب والعشاء والصبح، ونقله البيهقي في كتابه فضائل الأوقات عن نص الشافعي، وأنه استدل بالآية السالفة، وجزم به المصنف في الأذكار (٧٥٣). وَيُكَبِّرُ الْحَاجُّ مِنْ ظُهْرِ النَّحْرِ، لأن شعارهم التلبية، وإنما يتركونها بالتكبير مع أول حصاة يرمونها يوم النحر، والظهر أول الصلاة ينتهون إليها من وقت قطع التلبية، وَيَخْتِمُ بِصُبْحِ آخِرِ، أيام، التَّشْرِيقِ، لأنه آخر صلاة يصلونها بمنى، وَغَيْرُهُ كَهُوَ، أى غيرُ الحاجِّ كالحاجِّ، فِي الأَظْهَرِ، تبعًا لهم، وَفِي قَوْلٍ: مِنْ مَغْرِبِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، كما أن في عيد الفطر يبتدي بالتكبير عقيب الغروب، وَفِي قَوْلِ: مِنْ صُبْحِ عَرَفَةَ، ويَخْتِمُ بِعَصْرِ آخِرِ التَّشْرِيقِ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا، اقتداء به ﷺ كما رواه

стр. 395

الحاكم وصحح إسناده وفيه نظر (٧٥٤)، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ لِلْفَائِتَةِ وَالرَّاتِبَةِ وَالنَّافِلَةِ، أي المطلقة لأنه شعار الوقت (٧٥٥)، والثاني: لا، ويجعل ذلك من شعار الأداء والفرائض، والخلاف في الفوائت إذا قلنا: لا يُكبر للنوافل، أما إذا قلنا: يُكبرُ لها فيكبر هنا قطعًا، قاله في الحلية، والمراد هنا بالراتبة التابعة للفرائض وغيرها، وإن كان الأصح في غير هذا الباب الأول، وَصِيغَتُهُ الْمَحْبُوبَةُ: (اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَالله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدُ) وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ كَبِيرًا، أي بعد التكبيرة الثالثة، وَالْحَمْدُ للهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، وفي فضائل الأوقات للبيهقي بإسناده إلى أبي عثمان النَّهْدِيِّ قال: كان سلمانُ ﵁ يعلمنا التكبير يَقُولُ: [كَبِّرُواْ الله بِقَوْلِ الله أَكْبَرُ، الله أَكْبَرُ كَبِيْرًا، أَوْ قَالَ: تَكْبِيْرًا، اللَّهُمَّ أَنْتَ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ صَاحِبَةٌ أَوْ يَكُونَ لَكَ وَلَدٌ أَوْ يَكُونَ لَكَ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ أَوْ يَكُونَ لَكَ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيْرًا اللَّهُمَّ أغْفِرْ لَنَا اللَّهُمَّ ارْحَمْنَا] (٧٥٦). فَائِدَةٌ: في هذا الكتاب أيضًا من حديث أنس رفعه، [إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ نَزَلَ جِبْرِيْلُ ﵇ فِي كَبْكَبَةٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ يُصَلُّونَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ قَائِمٍ أَوْ قَاعِدٍ يَذْكُرُ الله

стр. 396

تَعَالَى، فَإذَا كَانَ يَوْمُ عِيْدِهِمْ يعني يَوْمَ فِطْرِهِمْ بَاهَى بِهِمْ مَلاَئِكَتَهُ فَقَالَ: يَا مَلاَئِكَتِي مَا جَزَاءُ أَجِيْرٍ وَفَّي عَمَلَهُ، قَالُوا: رَبَّنَا جَزَاؤُهُ أَنْ يُوَفَّى أَجْرَهُ، قَالَ: مَلاَئِكَتِي عَبِيْدِي وَإِمَائِى قَضَوْا فَرِيْضَتِي عَلَيْهِمْ ثُمَّ خَرَجُواْ يَعُجُّونَ إِلَيَّ بِالدُّعَاءِ، وَعِزَّتِي وَجَلاَلِي وَكَرَمِي وَعُلُوِّي لأُجِيْبَنَّهُمْ، فَيَقُولُ: ارْجِعُواْ قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ وَبَدَّلْتُ سَيِّئَاتِكُمْ حَسَنَاتٍ. قال: فَيَرْجِعُونَ مَغْفُورًا لَهُمْ]، قال البيهقي: انفرد به أصرم بن حوشب الهمذاني بهذا الإسناد (٧٥٧). فَصْلٌ: وَلَوْ شَهِدُواْ يَوْمَ الثْلاَثِينَ قَبْلَ الزَّوَالِ بِرُؤْيَةِ الهِلاَلِ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ أَفْطَرْنَا وَصَلَّيْنَا الْعِيدَ، لبقاء الوقت، وقَيَّدَ الرافعي ذلك بما إذا بقي من الوقت ما يمكن جمع الناس فيه وإقامة الصلاة (٧٥٨)، وَإِنْ شَهِدُواْ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَمْ تُقْبَلِ الشَّهَادَةُ، أي في صلاة العيد خاصة، أَوْ بَيْنَ الزَّوَالِ وَالْغُرُوبِ أَفْطَرْنَا، وَفَاتَتِ الصَّلاَةُ، لخروج وقتها بالزوال، وَيُشْرَعُ قَضَاؤُهَا مَتَى شَاءَ فِي الأَظْهَرِ، أي في باقي اليوم وضحوة الْغَدِ وبعده متى اتفق كالفرائض إذا فاتت لا يتعين وقت قضائها، والثاني: لا يجوز تأخيرها عن الحادي والثلاثين؛ لجواز كونه عيدًا بأن يخرج الشهر كاملًا، بخلاف ما بعده من الأيام، وَقِيلَ: فِي قَوْلٍ: تُصَلِّى مِنَ الْغَدِ أَدَاءً، لأن الغلط في الهلال كثير فلا يفوت به هذا الشعار العظيم، يؤيده الوقوف في العاشر غلطًا، والأصح: أن العبرة

стр. 397

في الشهادة بالتعديل كما سلف لا بوقتها، لأنه وقت جواز الحكم بها، وَاعْلَمْ: أن القضاء واجب إذا قلنا: إنها فرضُ كفايةٍ ولم يُصَلِّ في ذلك الموضع، كما نبَّهَ عليه ابن عَجِيْلٍ وصاحبُ الْمُعِيْنِ. بَابُ صَلاَةِ الكُسُوفَيْنِ اَلكُسُوفُ: مَا انْكَسَفَتْ حَالُهُ أَيْ تَغَيَّرَتْ (•)، وَالأَشْهَرُ فِي أَلْسِنَةِ الْفُقَهَاءِ تَخْصِيْصُ الْكُسُوفِ بالشَّمْسِ، والْخُسُوفِ بِالْقَمَرِ، وَادَّعَى الْجَوْهَرِىُّ أَنَّهُ أَفْصَحُ (٧٥٩). هِيَ سُنَّةٌ، بالإجماع؛ وقول من قال: إنها فرضُ كفايةٍ شاذ، فَيُحْرِمُ بِنِيَّةِ صَلاَةِ الْكُسُوفِ، وَيَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ وَيَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ، ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ ثُمَّ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَعْتَدِلُ، ثُمَّ يَسْجُدُ، فَهَذِهِ رَكْعَةٌ. ثُمَّ يُصَلِّي ثَانِيَةً كَذَلِكَ، أي ففي كل ركعة قيامان وركوعان صحت الأخبار بذلك ولم أر فيها قراءة الفاتحة فى كل قيام وإنما فيها أنه قرأ فيهما، وكأنَّ الشافعي أَلحق القيام الثاني بالركعة الكاملة (٧٦٠)، وَلاَ يَجُوزُ زَيِادَةُ رُكُوعٍ ثَالِثٍ، أي وكذا رابع وخامس وأكثر، لِتَمَادِي الْكُسُوفِ، وَلاَ نَقْصُهُ، إلى

стр. 398

الركوع الثاني، لِلإِنْجِلاَءِ فِي الأَصَحِّ، كسائر الصلوات لا يزاد على أركانها ولا ينقص منها، والثاني: تجوز الزيادة حتى ينجلي، لأنه ثَبَتَتِ الزيادةُ على ذلك، ولا محمل لذلك إلاّ الحمل على تمادي الكسوف، ووجه النقص أن سببها الكسوف فيزيد بزيادته وينقص بنقصانه (٧٦١). فَرْعٌ: لو صلى الكسوفَ كهيئة سُنَّةِ الظُّهْرِ ونحوها صَحَّتْ صلاته للكسوف، وكان تاركًا للأفضل، نقله في شرح المهذب عن مقتضى كلام الأصحاب، ولا يجتمع مع تصحيح منع النقص عند الانجلاء فَتَأَمَّلْهُ. وَالأَكْمَلُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْقِيَامِ الأَوَّلِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، أي وسوابقها من دعاء الافتتاح والتعوذ، الْبَقَرَةَ، أي إن أحسنها أو قَدْرَها إن لم يحسنها، وَفِي الثَّاني كَمَائَتَيْ آيِةٍ مِنْهَا، وَفِي الثَّالِثِ مَائَةٍ وَخَمْسِينَ، وَالرَّابِعُ مَائَةٍ تَقْرِيبًا، هذا نصُّهُ في الأُمِّ والمختصر، وله نصٌّ آخر في البويطي لا يخالفه، وَيُسَبِّحُ فِي الرُّكُوعِ الأَوَّلِ قَدْرَ مَائَةٍ، آية، مِنَ الْبَقَرَةِ، وَفِي الثَّانِي ثَمَانِينَ، والثَّالِثِ سَبْعِينَ، أي بتقديم السِّيْن على الباء، وَالرَّابِعِ خَمْسِينَ تقْرِيبًا، هذا نصهُ في الأُمِّ والمختصر والبويطى، وفي موضع آخر منه أنه يسبح في كل ركوع بقدر قراءته، والظاهر: أن المراد بالآيات المذكورة المتوسطة لا الطوال ولا القصار، وَلاَ يُطَوِّلُ السَّجَدَاتِ فِي الأَصَحِّ، كما لا يزيد في التشهد، ولو عبَّرَ بالأظهر كما عبر به في الروضة كان أحسن. قُلْتُ: الصَّحِيحُ تَطْوِيلُهَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، أي من حديث ابن عمرو وغيره (٧٦٢)، وَنَصَّ فِي الْبُوَيْطِيّ أَنَّهُ يُطَوِّلُها نَحْوَ الرُّكُوعِ الَّذِي قَبْلَهَا، وَالله أَعْلَمُ، هو كما قاله وقد رأيته في موضعين منه، واختار في الروضة أن السجود الأول كالركوع الأول والثاني كالثاني، قال:

стр. 399

وحديث عبد الله بن عمرو يقتضي استحباب إطالة الجلوس بين السجدتين، قُلْتُ: وحديث جابر في مسلم أنه يطول الاعتدال الثانى أيضًا (٧٦٣). وَتُسَنُّ جَمَاعَةً، اقتداء به ﵊، ويَجْهَرُ بِقِرَاءَةِ كُسُوفِ الْقَمَرِ، لأنها صلاة ليل وهو إجماع، لاَ الشَّمْسِ، اقتداء به ﵊ كمَا صححه الترمذي وغيره (٧٦٤)، ثُمَّ يَخْطُبُ الإِمَامُ، للأتباع، خُطْبَتَيْنِ، كما في الجمعة وتجزي واحدة نص عليه، بِأَرْكَانِهِمَا فِي الْجُمُعَةِ، أي وشرائطهما، قال الرافعي: وكتب الأصحاب ساكنة عن التكبير في أولهما، وَيَحُثُّ عَلَى التَّوْبَةِ وَالْخَيْرِ، أي من فعل الأعتاق والصدقة، وقد ثبتا في الصحيح (٧٦٥). فَصْلٌ: وَمَنْ أَدْرَكَ الإِمَامَ فِي رُكُوعٍ أَوَّلَ، أي من الركعة الأولى أو من الثانية، أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ، كما في سائر الصلوات، أَوْ فِي ثَانٍ، أَوْ قِيَامٍ ثَانٍ فَلاَ فِي الأَظْهَرِ، لأن الأصل هو الركوع الأول والثاني تابع، والثاني: يدركها به، لأنه ركوع صحيح

стр. 400

وقيام صحيح، وَتَفُوتُ صَلاَةُ الشَّمْسِ بِالإِنْجِلاَءِ، لأنَّا نصلي طلبًا له وقد حصل، وَبِغُرُوبِهَا كَاسِفَةً، لزوال سلطانها وهو النهار، وَالْقَمَرِ بِالإِنْجِلاَءِ، لِما مَرَّ، وَطُلُوعِ الشَّمْسِ، لزوال سلطانه وهو الليل، لاَ الْفَجْرِ فِي الْجَدِيدِ، لبقاء ظلمة الليل والانتفاع بضوئه، والقديم: أنها تفوت به لذهاب الليل وهو سلطانه، وفي موضع القولين طريقان، أحدهما، قاله ابنُ كج وأقرّه الرافعي: أنهما فيما إذا غاب خاسفًا بين طلوع الفجر والشمس، فأما إذا لم يغب وبقي خاسفًا فيجوز الشروع في الصلاة قطعًا، والثاني: جريانُ القولين في الحالين وهو ظاهر إيراد المصنف تبعًا للجمهور كما نقله عنهم المصنف في شرح المهذب، وَلاَ بِغُرُوبِهِ خَاسفًا، لأن سلطان القمر الليل وهو باقٍ، فغروبه كغيبوبته تحت السحاب خاسفًا. فَرْعٌ: لا تفوتُ الخطبة بكل حال؛ صَرَّحَ بِهِ الجرجانيُّ في تحريره والمصنفُ في شرح مسلم. وَلَوِ اجْتَمَعَ كُسُوفٌ وَجُمُعَةٌ أَوْ فَرْضٌ آخَرُ، قُدِّمَ الْفَرْضُ إِنْ خِيفَ فَوْتُهُ، اهتمامًا به لوجوبه، وَإِلاَّ، أي وإن لم يخف فوت الفرض، فَالأَظْهَرُ تقْدِيمُ الْكُسُوفِ، لخوف فوته بالإنجلاء، والثاني: تقديم الفرض لوجوبه، وصحح في شرح المهذب القطع بالأول، ثُمَّ يَخْطُبُ لِلْجُمُعَةِ مُتَعَرِّضًا لِلْكُسُوفِ، كما أنه ﵊ استسقى في خطبة الجمعة (٧٦٦)، ثُمَّ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ، أي ولا يحتاج إلى أربع خطب، ويقصد بالخطبتين الجمعة خاصة، ولا يجوز أن يقصد الكسوف معها للتشريك. وَلَوِ اجْتَمَعَ عِيدٌ أَوْ كُسُوفٌ وَجَنَازَةٌ قُدِّمَتِ الْجَنَازَةُ، لما يخشى من حدوث التغيّر في الميت، ولو اجتمعت الجمعة مع الجنازة فكذلك إن لم يضِق الوقت، فإن ضاق قُدِّمَت الجمعة لافتراضها.

стр. 401

بَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِ الاسْتِسْقَاءُ: هُوَ طَلَبُ السُّقْيَا وَهُوَ أَنْوَاعٌ، أَدْنَاهُ الدُّعَاءُ بِلاَ صَلاَةٍ وَلاَ خَلْفَ صَلاَةِ، وَأَوْسَطُهُ الدُّعَاءُ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ، وَأفْضَلُهُ الاسْتِسْقَاءُ بِرَكْعَتَيْنِ وَخُطْبَتَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي. هِيَ سُنَّةٌ، أى للاتباع غير واجبة لقصة الأعرابي (٧٦٧)، عِنْدَ الْحَاجَةِ، أي فلو انقطعت المياه ولم تمس إليها حاجة فلا تشرع، وتُسنُّ أيضًا للإستزادة على الأصح، وَتُعَادُ ثَانِيًا وَثَالِثًا، أي وأكثر كما صرح به الماوردي، إِنْ لَمْ يُسْقَوْا، لأن الله تعالى يُحِبُّ الْمُلِحِّين فِي الدُّعاء، قال أُصبغُ: استسقى للنيل بمصر خمسة وعشرون يومًا متوالية، وحضره ابن القاسم وابن وهب وغيرهما، فَإِنْ تَأَهَّبُواْ لِلصَّلاَةِ فَسُقُواْ قَبْلَهَا اجْتَمَعُواْ لِلشُّكْرِ وَالدُّعَاءِ، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (٧٦٨)، وَيُصَلُّونَ، أي شكرًا، عَلَى الصَّحِيحِ، كما يجتمعون ويدعون، والثاني: لا، لأنها لم تُفعل إلّا عند الحاجة وصحَّحهُ ابن الصلاح وقطع الأكثرون بالأول.

стр. 402

فَرْعٌ: مَن نذرَ أن يستسقي فَسُقِيَ، قال الشافعيُّ فِي الأُمِّ: عليه أن يستسقي لنفسه؛ فإن لم يفعل؛ فعليه القضاءُ وليس عليه الخروج بالناس لأنه لا يملكهم، ويستحب أن يخرج بمن أطاعه منهم (٧٦٩). وَيَأْمُرُهُمُ الإِمَامُ بِصِيَامِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أَوَّلًا، لأنه مَعُونَةٌ على رياضة النفس وخشوع القلب، ويجب عليهم الصوم والحالة هذه، كما صرح به المصنف فِي فتاويه، وحكى ابن التلمساني خلافًا فِي أن فرض الكفاية هل يتعين على من يعيِّنه الإمام أم لا؟ ويبني عليه مطالبته بالكَفَّارَةِ وَالنَّذْرِ، وَالتَّوْبَةِ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِوُجُوهِ الْبِرِّ، وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمَظَالِمِ، لأنه أرجى للإجابة وقد يكون منع الغيث بسبب هذه الأمور؛ والخروج من المظالم من جملة التوبة، ونصَّ عليها لِعِظَمِ شأنها، وَيَخْرُجُونَ إِلى الصَّحْرَاءِ، تأسيًا به ﵊، قال الخفاف من قدماء أصحابنا فِي خصاله: إلّا بمكة وهو حسن، ولم أرَ من تعرض له سواهُ. فَرْعٌ: عند المالكية حكاية خلاف فِي التكبير عند الخروج إلى الصحراء كالعيد، ولم أرهُ عندنا والظاهر منعه لعدم وروده هنا. فِي الرَّابِعِ صِيَامًا، لأن دعاؤُه لا يُرد كما صححه ابن حبان (٧٧٠)، فِي ثِيَابٍ بِذْلَةٍ، وَتَخَشُّعٍ، لأنهُ ﵊ خَرَجَ إِلَى الاِسْتِسْقَاءِ مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا مُتَضَرِّعًا، صححه الترمذي (٧٧١)، والبِذْلَةُ: بكسر الباء وإسكان الذال المعجمة ثِيَابُ

стр. 403

الْمِهْنَةِ، وَالتَّخَشُّعُ: التَّذَلُّلُ، وفي آداب الاستسقاء التي أفردها المصنف بالتأليف أنه يحترز الخارج عن الأمور المهوشة، فيقضى أشغاله قبل خروجه، ويقرب طهارته من خروجه لئلا يعرض له مدافعة الحدث، وينبغي أن يخفف غذاءَة وشرابه تلك الليلة، ويخرج من طريق ويرجع فِي أخرى وذكر أدابًا آخر، وَيُخْرِجُونَ الصِّبْيَانَ وَالشُّيُوخَ، لأن دعاءَهُمْ أسرعُ للإجابة، وَكَذَا الْبَهَائِمَ فِي الأَصَحِّ، لأنها تستسقي كما ورد، والثاني: يكره إخراجها، لأنه لم ينقل، وحكاه الماوردي عن الجمهور، والثالث: لا يستحب ولا يكره وهو ظاهر نصه فِي الأُمِّ، وَلاَ يُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْحُضُورَ، لأنهم مسترزقةٌ وقد يعجل دعاء الكافر استدراجًا له لكن، وَلاَ يَخْتَلِطُونَ بِنَا، لأنهم ملعونون وربما كانوا سبب القحط واحتباسِ المطر. وَهِيَ رَكْعَتَانِ كَالْعِيدِ، أي فِي التكبيرات والجهر والقراءة وغير ذلك، لَكِنْ قِيلَ: يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾، لمناسبتها وفي الأولى ﴿ق﴾، والمنصوص أنه يقرأ فيها ما يقرأ فِي العيد، وَلاَ تَخْتَصُّ، أى صلاة الاستسقاء، بِوَقْتِ الْعِيدِ فِي الأَصَحِّ، لأنها لا تختص بيوم فكذا وقتها، والثاني: نعم للاتباع، وقطع الأكثرون بالأول، وَيَخْطُبُ، للأتباع، كَالْعِيدِ، قياسًا، قال البندنيجي: وتكفي واحدة، لَكِنْ يَسْتَغْفِرُ الله تَعَالَى بَدَلَ التَّكْبِيرِ، لأنه أليق بالحال منه؛ لأن الله تعالى وعد بإرسال المطر عنده، وَيَدْعُو فِي الْخُطْبَةِ الأُوْلَى: [اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا هَنِيئًا مَرِيئًا مَرِيعًا غَدَقًا مُجَلِّلًا سَحًّا طَبَقًا دَائِمًا، أي إلى انقضاء الحاجة فإن دوامَهُ عذابٌ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلاَ تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا فَأَرْسِلِ السَّماَءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا]، للأتباع (٧٧٢)، وأهمل زيادة أخرى ذكرها الرافعي فِي

стр. 404

الْمُحَرَّرِ وهي واردة فِي الحديث المذكور، وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ بَعْدَ صَدْرِ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ، أي وهو نحو ثلثها، فإذا فرغ من الدعاء استقبل الناس وأتى بباقي الخطبة وقال: أستغفر الله لي ولكم، وَيُبَالِغُ فِي الدُّعَاءِ سِرًّا وَجَهْرًا، لقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ (٧٧٣)، ويجعل ظهر كفه إلى السماء للتأسي. وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ عِنْدَ اسْتِقْبَالِهِ فَيَجْعَلُ يَمِينَهُ يَسَارَهُ وَعَكْسُهُ، للاتباع، كما رواه أبو داود (٧٧٤) ويُكره تركه كما قاله العجلي، وَيُنَكِّسُهُ عَلَى الْجَدِيدِ فَيَجْعَلُ أَعْلاَهُ أَسْفَلَهُ وَعَكْسَهُ، لأنه ﵊ هَمَّ به فثقلت عليه الخميصة فقلبها على عاتقه كما صححه ابن حبان والحاكم (٧٧٥)، والقديم أنه لا يستحب، ومحل الخلاف فِي المربع، أما المدور فلا يستحب التنكيس بل يقتصر على التحويل قطعًا، والحكمةُ فِي كل ذلك التفاؤل بتغير الحال إلى الخصبِ والسَّعةِ. وَيُحَوِّلُ النَّاسُ مِثْلَهُ، للاتباع كما رواه أحمد (٧٧٦) وَيُنَكِّسُواْ أيضًا. قُلْتُ: وَيُتْرَكُ

стр. 405

مُحَوَّلًا حَتَّى يَنْزَعَ الثَّيَابَ، لأنه لم ينقل أنه ﵊ غيَّر رداءه بعد التحويل، وَلَوْ تَرَكَ الإِمَامُ الاِسْتِسْقَاءَ فَعَلَهُ النَّاسُ، إقامة لشعارها لكن قيَّده فِي الأُم بخلو الأمصار من الولاة، وَلَوْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلاَةِ جَازَ، للأتباع كما رواه أبو داود (٧٧٧). وَيُسَنُّ أَنْ يَبْرُزَ، أي يظهر، لأَوَّلِ مَطَرِ السَّنَةِ وَيَكْشِفَ غَيْرَ عَوْرَتِهِ لِيُصِيبَهُ، وَأَنْ يَغْتَسِلَ أَوْ يَتَوَضَّأَ فِي السَّيْلِ، للاتباع (٧٧٨)، وَيُسَبِّحَ عِنْدَ الرَّعْدِ وَالْبَرْقِ، وَلاَ يُتْبِعَ بَصَرَهُ الْبَرْقَ، لأثر فِي ذلك خلا البرق فلم أرَ له مستندًا (٧٧٩)، وَيَقُولُ عِنْدَ الْمَطَرِ: اللَّهُمَّ صَيِّبًا نَافِعًا، للاتباع (٧٨٠)، وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ، لأنه يستجاب الدعاء إذ ذاك، وَبَعْدَهُ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ، وَيُكْرَهُ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا، للتوعد عليه فِي الصحيح (٧٨١)، ولا يكره فِي نَوِّ كذا، وَسَبُّ الرِّيحِ،

стр. 406

لِلنَّهْيِ عَنْهُ صححه ابن حبان (٧٨٢). وَلَوْ تَضَرَّرُواْ بِكَثْرَةِ الْمَطَرِ فَالسُّنَّةُ أَنْ يَسْأَلُواْ الله تَعَالَى رَفْعَهُ: [اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلاَ عَلَيْنَا]، وَلاَ يُصَلِّي لِذَلِكَ، وَالله أَعْلَمُ، لحديث أنس فِي ذلك فِي الصحيحين (٧٨٣) قال فِي شرح مسلم: ولا يشرع لذلك اجتماع فِي الصحراء (٧٨٤). وفي معنى ذلك مكثُ نِيْلِ بَلَدِنَا مِصْرَ حَمَاهَا الله تعالى، وقد اتفق ذلك فيها فِي خامس ذى الحجة من سنة ستين وسبعمائة أُمِرَ النَّاسُ بالخروج إلى الصحراء لاستهباطه، ولا أعلم وقوع مثل ذلك فِي بلدنا، وكان جاوز فِي هذه السنة تسعة عشر ذراعًا بأصابع بلغني أنها ستة، ثم اتفق ثباته إلى أول يوم من هَتْوَرِ وهو خامس ذي الحجة، ثم حصل هبوط من حينئذ ولله الحمد، ثم فِي سنة إحدى وستين حصل نحو ذلك وعقبه وباءٌ شديدٌ، ولله الحمد على زواله، وفي سنة ثلاث وسبعين فِي خامس عشر ربيع الآخر أمر الناس بالاجتماع فِي جامع مصر وبعده بيوم بجامع الأزهر فكان بلغ ستة عشر من عشرين. فَرْعٌ: لو نذرَ صلاة الاستسقاء لأهل ناحية بُلُوا بالجدْبِ؛ والناذر من أهل الخصب؛ فهل يلزمه الوفاء بالنذر؟ فيه تردد فِي كلام الأئمة ذكره العجليُّ.

стр. 407

بَابُ تَارِكِ الصّلاَةِ إِنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ جَاحِدًا وُجُوبَهَا كَفَرَ، بالإجماع (٧٨٥)، والجاحد مَنْ أنكر شيئًا سبق اعترافه به، أَوْ كَسَلًا قُتِلَ حَدًّا، أي لا كفرًا لقوله ﵊: [خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ الله عَلَى الْعِبَادِ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ فَلَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدًا أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ] رواه أبو داود وصححه ابن حبان (٧٨٦)، قال الخفاف فِي خصاله: وكلُّ مَن ترك ركنًا من العبادات لم يَجُزْ قتله إلّا تاركَ الصَّلاةِ، قال: وقد زعم بعض أصحابنا أن مَن ترك شيئًا من الصلاة أو الزكاة وجب قتله، قال: وليس بشيء.

стр. 408

فَرْعٌ: فاقد الطهورين إذا ترك الصلاة متعمدًا لا يقتل، لأنه مُخْتَلَفٌ فِيْهِ، وكذا لو مس الذكرَ أو لمس امرأةً وهو معتقد مذهبنا وصلَّى متعمدًا، وكذا لو توضَّأَ ولم ينوِ، قاله القفال فِي فتاويه، قال: والخلافُ هناك فِي جواز ترك الصلاة لا فِي جوازها وبطلانها فهو كشرب النبيذ، فإن كان مختلفًا فيه فإنِّي أُحِدُّهُ، وَالصَّحِيحُ قَتْلُهُ بِصَلاَةٍ فَقَطْ؛ بِشَرْطِ إِخْرَاجِهَا عَنْ وَقْتِ الضَّرُورَةِ، أيْ ولا يقتل بتركِ الظُّهْرِ حتَّى تغرب الشمسُ ولا بالمغربِ حتَّى يطلع الفجرُ، لأن الوقت مشترك بين أرباب الأعذار فصار شبهة فِي تأخير القتل إليه، والثاني: لا يعتبر وقت الضرورة، وزعم الروياني: أنه المذهب، والثالث: يقتل، إذا ضاق وقت الثانية، والرابع: إذا ضاق وقت الرابعة؛ والخامس: إذا ترك أربع صلوات، والسادس: إذا صار التركُ له عادة. وَيُسْتَتَابُ، أي استحبابًا؛ لأنه ليس بأسوأ من المرتد، والأظهر أنَّها فِي الحال، ثُمَّ تُضْرَبُ عُنُقُهُ (•)، أي إن لم يَتُبْ لتحقق المفسدة الموجبة لقتله، وَقِيلَ: يُنْخَسُ بِحَدِيدَةٍ، حَتَّى يُصَلِّيَ أَوْ يَمُوتَ، كما يفعل بمن قصد النفس أو المال، وَيُغْسَلُ وَيُصَلِّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَلاَ يُطْمَسُ قَبْرُهُ، كسائر أصحاب الكبائر لأنه مسلم، وقال ابنُ أَبِي الدَّم فِي شرح الوسيط: غالب ظني إني وجدتُ الأصحاب أنه يدفنُ فِي مقبرة مفردة تُعرف بهم؛ لا فِي مقابر المسلمين؛ ولا فِي مقابر أهل الذمة ليتأكد انزجارهم، قال: وهو متجه.

стр. 409

كِتَابُ الْجَنَائِزِ اَلْجَنَائِزُ: بِالْفَتْحِ لاَ غَيْرَ، جَمْعُ جَنَازَةٍ بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ لُغَتَانِ، قِيْلَ: بِالْفَتْحِ لِلْمَيِّتِ؛ وَبِالْكَسْرِ لِلنَّعْشِ وَعَلَيْهِ الْمَيِّتُ، وَقِيْلَ: عَكْسُهُ، وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ جَنَزَ إِذَا سَتَرَ، وَذَكَرَ هَذَا الْبَابَ هُنَا وَإِنْ كَانَ مِنْ حَقِّهِ أَنْ يُذْكَرَ بَيْنَ الْوَصَايَا وَالْفَرَائِضِ، لأَنَّ الأَهَمَّ مِنْ هَذِهِ الثَّلاَثَةِ مَا يُفْعَلُ بِهِ، وَمِمَّا يُفْعَلُ بِهِ الصَّلاَةُ؛ فَلِهَذَا ذُكِرَ فِي رُبُعِ الْعِبَادَاتِ. لِيَكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ، أي استحبابًا؛ لأنه أزجر له عن المعاصي وأحضُّ له على فعل الطاعات (٧٨٧)، وَيَسْتَعِدَّ بِالتَّوْبَةِ وَرَدِّ الْمَظَالِمِ، أي استحبابًا أيضًا كما صرح به فِي البيان، لأنه ربما فاجأَهُ الموتُ وقد سلف فِي أول الاستسقاء حكمة رَدِّ المظالم بعد التوبة (٧٨٨)، وَالْمَرِيضُ آكَدُ، لأنه أقرب لرجوعه عن المعاصي، وَيُضْجَعُ

стр. 410

الْمُحْتَضِرُ، أي وهو من حضره الموت ولم يمت (٧٨٩)، لِجَنْبِهِ الأَيْمَنَ إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، كالموضوع فِي اللحد، لأنه أبلغُ فِي الاستقبال، فَإِنْ تَعَذَّرَ لِضِيقِ مَكَانِ وَنَحْوِهِ، أي كما إذا كانت به علَّة تمنع من ذلك، أُلْقِيَ عَلَى قَفَاهُ وَوَجْهُهُ وَأَخْمُصَاهُ لِلْقِبْلَةِ، والوجه الثاني: أنه يضجع على قفاه وَأَخْمَصَاهُ (٧٩٠) إلى القبلة كما يوضع

стр. 411

على المغتسل وعليه العمل، وَيُلَقَّنُ الشَّهَادَةَ، للأمر به فِي صحيح مسلم (٧٩١) والجمهور على الاقتصار على لا إله إلاّ الله، بِلاَ إِلْحَاحٍ، لئلا يضجر (٧٩٢). وهذا التلقين قبل التوجيه صرَّح به الماوردي. وَيُقْرَأُ عِنْدَهُ ﴿يس﴾، للأمر به كما أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان (٧٩٣)، وروى الآجريُّ فِي النصيحة من حديث أُمِّ الدرداء مرفوعًا [مَا مِنْ مَيِّتٍ يُقْرَأُ عَلَيْهِ ﴿يس﴾ إِلاّ هُوِّنَ عَلَيْهِ] (٧٩٤)، وَلْيُحْسِنْ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ ، للأمر به كما أخرجه مسلم (٧٩٥)، ومعناه أن يظُنَّ أن الله تعالى يرحمه ويرجو ذلك.

стр. 412

فَإِذَا مَاتَ غُمِّضَ، للاتباع كما أخرجه مسلم (٧٩٦)، وَشُدَّ لَحْيَاهُ بِعِصَابَةٍ، أي عريضةٍ تعمهما وتُربط فوق رأسهِ لئلا يقبح منظرهُ ويدخله الهوام، وَلُيِّنَتْ مَفَاصِلُهُ، تسهيلًا للغسل، وَسُتِرَ جَمِيعُ بَدَنِهِ بِثَوْبٍ خَفِيفٍ، للاتباع (٧٩٧)، وَوُضِعَ عَلَى بَطْنِهِ شَيْءٌ ثَقِيلٌ، لئلا ينتفخ (٧٩٨)، وقدَّره بعضُهم بعشرينَ درهمًا، وَوُضِعَ عَلَى سَرِيرٍ وَنَحْوِهِ، أي لا على فراش لئلا يحمى فيتغير (٧٩٩)، وَنُزِعَتْ ثِيَابُهُ، أي التي مات فيها،

стр. 413

لأنها تحمى عليه فيتغير، وقيَّدها فِي الوسيط بالمُدْفِية، وَوُجِّهَ لِلْقِبْلَةِ كَمُحْتَضَرٍ، لأنها أشرف الجهات، وَيَتَوَلَّى ذَلِكَ أَرْفَقُ مَحَارِمِهِ، لوفور شفقته، وَيُبَادِرُ بِغُسْلِهِ إِذَا تُيُقَّنَ مَوْتُهُ، للأمر به كما أخرجه أبو داود (٨٠٠). وَغُسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلاَةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ فُرُوضُ كِفَايَةٍ، بالإجماع؛ ومراده إذا كان الميت مُسلمًا، نعم يجب تكفين الذُّمِّي ودفنه فقط وفيه وقفة كما سيأتي، وَأَقَلُّ الْغُسْلِ تَعْمِيمُ بَدَنِهِ بَعْدَ إِزَالَةِ النَّجَسِ، كذا وافق هنا الرافعي على ذلك بخلاف ما صححه فِي غسل الجنابة كما سلف فِي بابه، وَلاَ تَجِبُ نِيَّةُ الْغَاسِلِ فِي الأَصَحِّ، لأن الميت ليس من أهلها، والثاني: نعم كغسل الجنابة وفيه قوة لأنه عمل، فَيَكْفِي غَرَقُهُ أَوْ غَسْلُ كاَفِرِ، بناءً على عدمِ وجوبِها. قُلْتُ: الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ وُجُوبُ غُسْلِ الْغَرِيقِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، لأنا مأمورون بغسله ولم يغسل. وَالأَكْمَلُ وَضْعُهُ بِمَوْضِعٍ خَالٍ مَسْتُورٍ، أيْ لا يدخله إلاّ الغاسل ومن يُعينه، لأنه كان فِي حياته يستتر عنده فكذلك يستتر بعد موته، عَلَى لَوْحٍ، لئلا يصيبه الرشاش، وَيُغَسَّلُ فِي قَمِيصٍ، لأنَّهُ ﷺ غُسِّلَ فِيْهِ كما صححه الحاكم (٨٠١)، بِمَاءٍ

стр. 414

بَارِدٍ، لأنه يصلبه، والحار يسرع إليه الفساد؛ اللَّهُمَّ إلاّ أن يحتاج إليه. وَيُجْلِسُهُ الغَاسِلُ عَلَى الْمُغْتَسَلِ مَائِلًا إِلَى وَرَائِهِ، لأن اعتداله يحبس الخارج، وَيَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى كَتِفِهِ، وَإِبْهَامَهُ فِي نُقْرَةِ قَفَاهُ، لئلا يتمايل رأسه، وَيُسْنِدُ ظَهْرَهُ إِلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى وَيَمِرُّ يَسَارَهُ عَلَى بَطْنِهِ إِمْرَارًا بَلِيغًا، أى فِي التكرار لا فِي شدة الإجهاد، قال الماوردي: بحيث لا يؤدي إلى هتك الميت؛ لأن احترامَهُ واجبٌ، لِيَخْرُجَ مَا فِيهِ (•)، أي من الفضلات كالحي يتغوط ويبول أوَّلًا، وخشية من خروجه بعد الغسل، ثُمَّ يُضْجِعُهُ لِقَفَاهُ وَيَغْسِلُ بِيَسَارِهِ وَعَلَيْهَا خِرْقَةٌ سَوْأَتَيْهِ، كما يستنجي الحيُّ بعد قضاء حاجته، ثُمَّ يَلُفُّ أُخْرَى، وَيْدْخِلُ أُصْبُعَهُ فَمَهُ وَيُمِرُّهَا عَلَى أَسْنَانِهِ، كما يستاك الحي، وَيُزِيلُ مَا فِي مِنْخَرَيْهِ مِنْ أَذًى كَالاِسْتِنْثَارِ وَيُوَضِّئُهُ كَالْحَيِّ، أي حتى يراعي المضمضة والاستنشاق، لقوله ﵊: [إِبْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا] متفق عليه (٨٠٢)، ثُمَّ يَغْسِلُ رَأْسَهُ ثُمَّ لِحْيَتَهُ بِسِدْرٍ وَنَحْوِهِ، أى كالخطمى لقوله ﵊: [اِغْسِلْنَهَا بَمَاءٍ وَسِدْرٍ] متفق عليه أيضًا (٨٠٣)، وَيُسَرِّحُهُمَا، أي شعر رأسه ولحيته، بِمِشْطٍ وَاسِعِ الأَسْنَانِ بِرِفْقٍ، ليقل الانتتاف، وَيَرُدُّ الْمُنْتَتَفَ إِلَيْهِ، أي ويدفنه معه (٨٠٤)، وَيَغْسِلُ شِقَّهُ الأَيْمَنَ، أى المقبل

стр. 415

من عنقه وصدره وفخذه وساقه، ثُمَّ الأَيْسَرَ، كذلك، ثُمَّ يُحَرِّفُهُ إِلَى شِقِّهِ الأَيْسَرَ فَيَغْسِلُ شِقَّهُ الأَيْمَنَ مِمَّا يَلِي الْقَفَا وَالظَّهْرَ إِلَى الْقَدَمِ ثُمَّ يُحَرِّفُهُ إِلَى شِقِّهِ الأَيْمَنَ فَيَغْسِلُ الأَيْسَرَ كَذَلِكَ، للحديث السالف [إِبْدَأْنَّ بِمَيَامِنِهَا] (٧٠٦)، فَهَذِهِ غَسْلَةٌ، أي منظفة، وَيُسْتَحَبُّ ثَانِيَةٌ وَثَالِثَةٌ، أي كغسل الجنابة فإن لم يُنَقَّ زاد وسُنَّ الإيتار (٨٠٥)، وَاعْلَمْ أنه يغسل بعد زوال السدر ثلاثًا بالقراح، وَأَنْ يُسْتَعَانَ فِي الأُوْلَى بِسِدْرٍ أَوْ خِطْمِيِّ، أما السدر فللحديث السالف، لكن ظاهره يقتضى أنه فِي الجميع، وأما الخطمى فلأنه قائم مقامه والخِطمى بكسر الخاء وحكى فتحها، ثُمَّ يُصَبُّ مَاءَ قَرَاحٍ، أي خالص وهو بفتح القاف، مِنْ فَوْقِهِ إِلَى قَدَمِهِ بَعْدَ زَوَالِ السِّدْرِ، أى وهذه أول الثلاث كما سلف، وَأَنْ يَجْعَلَ فِي كُلِّ غَسْلَةٍ قَلِيلَ كَافُورٍ، لأن الجسم يتصلَّبُ به وتَنْفِرُ الهوامُ من رائحتهِ، وفي الأخرة آكد للحديث الصحيح فيه (٨٠٦)، ويستثنى من ذلك الْمُحْرِمُ كما سيأتي، وخرج بالقليل الكثير إلاّ أن يكون صلبًا، وَلَوْ خَرَجَ بَعْدَهُ، أي بعد الغسل، نَجِسٌ، أي من الفرج وغيره، وَجَبَ إِزَالَتُهُ فَقَطْ، تطهيرًا له، وَقِيلَ، يجب إزالته، مَعَ الْغُسْلِ إِنْ خَرَجَ مِنَ الْفَرْجِ، ليختم أمره بالأكمل، وَقِيلَ: الْوُضُوءُ، أى وجب إزالته مع الوضوء إن خرج من الفرج كالحي، أما إذا خرج من غير الفرج فلا يجب غير إزالته قطعًا، وللإمام احتمال فِي إعادة الغسل، والخلاف فِي الخارج قبل التكفين، أما بعده فلا يجب وضوء ولا غسل قطعًا، قال المصنف فِي شرح المهذب: وإطلاق الجمهور يحمل عليه.

стр. 416

وَيُغَسِّلُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، إلحاقًا لكل جنس بجنسه، وَيُغَسِّلُ أَمَتَهُ، كالزوجة وأَولى، اللهم إلاّ أن تكون مزوجة أو معتدة أو مستبرأة، وَزَوْجَتَهُ، لحديث صحيح فيه (٨٠٧) ويستثى الرجعية، وَهِيَ زَوْجَهَا، بالإجماع كما نقله ابن المنذر؛ ويستثنى الرجعية أيضًا (٨٠٨)، وَيَلُفَّانِ خِرْقَةً، وَلاَ مَسَّ، أى عند غُسْلِ أَحَدِهِمَا صَاحِبَهُ خوفَ انتقاض طُهْرِ الْمَاسِّ (٨٠٩). فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ إِلاَّ أَجْنَبِيٌّ، أى والميتُ امرأة أجنبيةٌ، أَوْ أَجْنَبِيَّةٌ، أي وكان الميت رجُلًا، يُمِّمَ، أي الْمَيِّتُ، فِي الأَصَحِّ، إلحاقًا لفقد الغاسل بفقد آلة الغسل لما فِي الغسل من النظر الْمُحَرَّمِ، والثاني: يغسل فِي ثيابه ويلفُّ الغاسلُ خِرقةً على يدهِ ويغمض طرفَهُ ما أمكنه إلاّ لضرورة، وصححه الماوردى ونقله عن النص وزيف الأول. وَأَوْلَى الرِّجَالِ بِهِ أَوْلاَهُمْ بِالصَّلاَةِ، عليه كما سيأتي بيانه، والأصح: أن الزوجة لا تقدم عليهم بل يقدم رجال العصبات، ثم الرجال الأجانب ثم الزوجة ثم النساء المحارم، قال القاضي: لكن الخال أَولى من ابن العم لمحرميته ولا مدخل لتقديم

стр. 417

الوالي هنا وإن قبل به فِي الصلاة، وَبِهَا، أى وأولى النساء بغسلها، قَرَابَاتُهَا، لوفور شفقتهن، وَيُقَدَّمْنَ عَلَى زَوْجٍ فِي الأَصَحِّ، لأنهن أليق، والثاني: أنه يقدم عليهن، لأنه يطَّلِعُ على ما لا يَطَّلِعْنَ عليه، وَأَوْلاَهُنَّ ذَاتُ مَحْرَمِيَّةٍ، لوفور الشفقة، ثُمَّ الأَجْنَبِيَّةُ، قُلْتُ: ويقدم عليها ذوات الولاء كما نص عليه إمامنا، ثُمَّ رِجَالُ الْقَرَابَةِ كَتَرْتِيبِ صَلاَتِهِمْ، لأنهم يطلعون على ما لا يِطلع غيرهم عليه. قُلْتُ: إِلَّا ابْنَ العَمِّ وَنَحْوَهُ، أي وهو كل قريب ليس بِمَحْرَمٍ، فَكَالأَجْنَبِيِّ، وَاللهُ أَعْلَمْ، أى لا حَقَّ لهُ فِي الغسل، وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمُ، أى على رجال القرابة، الزَّوْجُ فِي الأَصَحِّ، لأنه يطلع منها على ما لا يطلعون عليه، والثاني: لا؛ بل يقدمون عليه؛ لأن النكاح ينتهي بالموت وسبب المحرمية يدوم ويبقى. فَرْعٌ: كل مَن قدمناه شرطه الإسلام وأن لا يكون قاتلًا. وَلاَ يُقْرَبُ الْمُحْرِمُ طِيبًا، وَلاَ يُؤْخَذُ شَعْرُهُ وَظُفْرُهُ، إبقاءًا لأثر إحرامه (٨١٠)، وَتُطَيَّبُ الْمُعْتَدَّةُ، أى الْمُحِدَّةُ، فِي الأَصَحِّ، لزوال المعنى فيها وهو التفجع ونحوه بالموت، والثاني: لا، كَالْمُحْرِمِ. واحترزتُ بِالْمُحِدَّةِ عن الرجعية! فإنه لا إحداد عليها. وَالْجَدِيدُ أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْمُحْرِمِ أَخْذُ ظُفْرِهِ وَشَعْرِ إِبْطِهِ وَعَانَتِهِ وَشَارِبِهِ، كما يتنظف الحيُّ بها، لأنها من كمال الطهارة. قُلْتُ: الأَظْهَرُ، أي المنصوص فِي الأُمِّ والمختصر، كَرَاهَتُهُ وَالله أَعْلَمُ، لأنه لم يصح فهو مُحْدَثٌ، وصحَّ النهىُّ عن محدثات الأمور (٨١١)، وكما لا يختن، قال فِي الروضة: وصرح الأكثرون

стр. 418

أو الكثيرون بأن الجديد: أنه لا يستحب؛ والقديم: أنه يكره، وهذه الأمور تفعل قبل الغسل. ورأيتُ فِي كتاب الخصال لأبي بكر الخفاف من قدماء أصحابنا: أن من سنن الغسل أخذ الشعر والتشهد عند غسله هذا لفظه. فَصْلٌ: يُكَفَّنُ بِمَا لَهُ لُبْسُهُ حَيًّا، أي فيجوزُ تكفين المرأة بالحرير بخلاف الرجل والخنثى، وفي فتاوى الحناطي: أن بعض الورثة إذا أسرف فِي كفن الميت يَغْرَمُ للباقين قِيْمَةَ ما أسرفَ فيه، وَأَقَلُّهُ ثَوْبٌ، لأن ما دونه لا يسمى كفنًا، نعم يكفي ما يستر العورة على الأصح قاله فِي الروضة وخالف فِي مناسكه الكبرى فصحح: أن أقلَّه ثوب ساتر لجميع البدن (٨١٢)، وَلاَ تُنَفَّذُ وَصِيَّتُهُ بِإِسْقَاطِهِ، أي بخلاف الثوب الثاني والثالث؛ لأنهما حقه، والأول حقُّ الله تعالى. وَالأَفْضَلُ لِلرَّجُلِ ثَلاَثَة، لأنه ﵊ كُفِّنَ فِيها، متفق عليه (٨١٣)، ولو عبَّر بالذِّكَرِ لكانَ أَولى؛ لأنه ذَكَرَ فِي آخر الباب أن الصبى كالرجل فِي ذلك، نعم يستثنى ما لو كفن من بيت المال حيث يجب، فإن الأصح تكفينه فِي واحد

стр. 419

لتأدي الواجب به لا فِي ثلاثة، قال القاضي والبغوي: وكذا مالُ المسلمين عند فقد بيت المال، قال ابن الصلاح فِي فتاويه: وكذا وقفُ الأكفان، وَيَجُوزُ رَابِعٌ وَخَامِسٌ، أى من غير كراهة؛ لأن ابن عمر كَفِّنَ ابنًا له فِي خمسة أثواب قميص وعمامة وثلاث لفائف، رواه البيهقى (٨١٤)، والزيادة على الخمسة لا يبعد تحريمها ثم رأيته بعده مصرحًا به فِي شرح ابن يونس، وَلَهَا خَمْسَةٌ، لأنه ﵊ كفَّنَ بنته أُمُّ كلثوم فِي الحَقاءِ وهو الإزارُ؛ ثم الدرع؛ ثم الخمار؛ ثم الملحفة؛ ثم أُدرجت بعد فِي الثوب الآخر، رواه أبو داود ولم يضعفه (٨١٥). فَرْعٌ: الخنثى كالمرأة. وَمَنْ كُفِّنَ مِنْهُمَا بِثَلاَثَةٍ فَهِيَ لَفَائِفُ، أى ليس فيها قميص ولا عمامة فِي حق الرجل تأسيًا به ﵊ فلو كانا فيه لم يكره على الأصح، والثَّلاَثُ سوابغ للمراة وكذا للرجل على الأصح، وَإِنْ كُفِّنَ فِي خَمْسَةٍ زِيدَ قَمِيصٌ وَعِمَامَةٌ تَحْتَهُنَّ، إقتداءً بفعل ابن عمر كما سلف، وَإِنْ كُفِّنَتْ فِي خَمْسَةٍ فَإِزَارٌ، وَخِمَارٌ، وَقَمِيصٌ، وَلِفَافَتَانِ، اقتداء بفعله ﵊ بأم كلثوم كما سلف، وَفِي قَوْلٍ: ثَلاَثُ لَفَائِفَ وَإِزَارٌ وَخِمَارٌ، أى واللفافة الثالثة بدل القميص، لأن القميص لم يكن فِي كفنه ﵊ وهذا منصوص الجديد؛ والأوَّل ينسيب إلى القديم. وَيُسَنُّ الأَبْيَضُ، للأمر به كما صححه الترمذي (٨١٦)، فلو كانت كلها حِبْرَةً لم

стр. 420

تُكره، وَمَحَلُّهُ أَصْلُ التَّرِكَةِ، بالإجماع، نعم إن تعلق بعين التركة حقٌّ قُدِّمَ عليه كما سيأتي فِي الفرائض إن شاء الله تعالى، وسائر التجهيز من أصل التركة أيضًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، أي تركة، فَعَلَى مَن عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، مِنْ قَرِيبٍ وَسَيِّدٍ، اعتبارًا بحال الحياة، وَكَذَا الزَّوْجُ فِي الأَصَحِّ، لأنها فِي نفقته فِي الحياة فيلزمه مؤنتها بعد الموت كالسيد مع العبد، والثاني: لا يجب عليه، ونقله الجويني عن أكثر الأصحاب؛ لزوال التمكن المقابل للنفقة. وظاهر كلام المصنف يوهم أنه لا يجب على الزوج ذلك إلاّ إذا لم يكن لها تركة لِعَطْفِهِ إِيَّاهُ على ما قدمه وهو خلاف ما فِي الروضة تبعًا للشرح فإنهما اعتبرا مالها عند عدم ماله. فَرْعٌ: حكم مؤن التجهيز حكم الكفن ذكره الرافعي فِي الْمُحَرَّرِ. فَرْعٌ: هل يلزمه كفن خادم الزوجة وتجهيزها؟ فيه الوجهان فِي الروضة قاله الرافعي فِي النفقات. وَيُبْسَطُ أَحْسَنُ اللَّفَائِفِ، وَأَوْسَعُهَا، وَالثَّانِيَةُ فَوْقَهَا وَكَذَا الثَّالِثَةُ، قياسًا على الحيِّ؛ فإنه يجعل أجمل ثيابه فوق (٨١٧)، وَيُذَرُّ عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ حَنُوطٌ وَكَافُورٌ، لئلا يسرع بلاء الأكفان، قال الماوردي: وهذا من افراد الشافعي ﵁ (٨١٨)، وَيُوضَعُ

стр. 421

الْمَيِّتُ فَوْقَهَا مُسْتَلْقِيًا وَعَلَيْهِ حَنُوطٌ وَكَافُورٌ، لدرء الهوام عنه وتقويته كما مضى فِي غسله، ولو حذف قوله (وَكَافُورٌ) كان أولى؛ لأنه يدخل فِي الحنوط، وَيُشَدَّ أَلْيَاهُ، إحكامًا لمنع الخارج، وَيُجْعَلُ عَلَى مَنَافِذِ بِدَنِهِ، أي كالعين والأذن والمنخر والمخرج، قُطْنٌ، أى مع حنوط لينشف فضلاتها المفسدة للبدن، ويجعل الطيب على مساجده أيضًا، أي بقطن، وَيُلَفُّ عَلَيْهِ اللَّفَائِفُ وَتُشَدُّ، لئلا ينتشر بحركته، وكيفية اللف أن يثني جنبه الأيسر ثم الأيمن على الأصح كما يلبس الحي القباء، فَإِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ نُزِعَ الشِّدَادُ، لاستتاره بالقبر فلا يضر انتشار كفنه (٨١٩)، وَلاَ يُلْبَسُ الْمُحْرِمُ الذِّكَرُ مُخِيطًا، وَلاَ يُسْتَرُ رَأْسُهُ وَلاَ وَجْهُ الْمُحْرِمَةِ، إبقاء لأثر الإحرام، ووقع فِي الْمُحَرَّرِ: أنه لا تلبسُ الْمُحْرِمَةُ مَخِيْطًا وَهُوَ وَهْمٌ. فَرْعٌ: لا يعقد على الرجل المحرم ثوبه كعقد الرداء. فَرْعٌ: الخنثى المشكل ينبغى أن يُكتفى بكشف وجهه أو رأسه. فَصْلٌ: وَحَمْلُ الْجَنَازَةِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ أَفْضَلُ مِنَ التَّرْبِيعِ فِي الأَصَحِّ، للاتباع (٨٢٠) والثاني: التربيع وهو واهٍ، والثالث: أنهما سواء، وهذا إذا أراد أن يقتصر على أحدهما، والأفضل أن يجمع بينهما بأن يحمل تارة كذا وتارة كذا، وقال الماوردي:

стр. 422

بأن يحملها خمسة، وَهُوَ، أي الحمل بين العمودين، أَنْ يَضَعَ الْخَشَبَتَيْنِ الْمُقَدَّمَتَيْنِ عَلَى عَاتِقِهِ وَرَأْسَهُ بَيْنَهُمَا، إي فإن عجز أعانَهُ رجلان خارجها، وَيَحْمِلُ الْمُؤَخِّرَتَيْنِ رَجُلاَنِ، وَالتَّرْبِيعُ أَنْ يَقَدَّمَ رَجُلاَنِ وَيَتَأَخَّرَ آخَرَانِ، وَالْمَشْيُ أَمَامَهَا بِقُرْبِهَا أَفْضَلُ، للاتباع فيهما (٨٢١)، وَيُسْرَعُ بِهَا، استحبابًا للأمر به، متفق عليه (٨٢٢)، إِنْ لَمْ يُخَفْ تَغَيُّرُهُ، أي فيتأنى، فإن خيف عليه تغيرًا أوِ انفجارًا أو انتفاخًا زِيْدَ فِي الإسراع. فَرْعٌ: يُستحب لمن مَرَّت به الجنازة أن يدعو لها وأن يُثني عليها إن كانت له أهلًا، وأن يقول من رآها: سبحان الله الحىِّ الذي لا يموتُ، أو سبحان الملك القدوس، وفي الدعاء للطبراني من حديث أنس رفعه [مَنْ رَأَى جَنَازَةً فَقَالَ: الله أَكْبَرُ صَدَقَ الله وَرَسُولُهُ هَذَا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ زِدْنَا إِيْمَانًا وَتَسْلِيْمًا، كُتِبَ لَهُ عُشْرُونَ حَسَنَةً] (٨٢٣) وعن نافع قال: [كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا رَأَى جَنَازَةً قَالَ: هَذَا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ زِدْنَا إِيْمَانًا وَتَسْلِيْمًا]. فَصْلٌ: لِصَلاَتِهِ أَرْكَانُ: أَحَدُهَا: النِّيَّةُ، كغيرها من الصلوات، وَوَقْتُهَا كَغَيرهَا، أي من الصلوات كما سلف فِي بابه، وَتَكْفِي نِيَّةُ الْفَرْضِ، أي ولا يحتاج إلى التعرض

стр. 423

لكونها فرض كفاية؛ لأن نية الفرض فِي هذا المقام تغنى عنه، وَقِيلَ: تُشْتَرَطُ نِيَّةُ فَرْضِ كِفَايَةٍ، ليتميز عن فرض العين، وَلاَ يَجِبُ تَعْيِينُ الْمَيِّتِ، أى ولا معرفته، بل لو نوى الصَّلاةَ على مَن يُصَلِّي عليهِ الإمامُ جَازَ، وهذا بخلاف الصلاة على الغائب فإنه لابد من تعيينه بقلبه، كما قاله ابن عجيل اليمني؛ وعُزِيَ إلى البسيط أيضًا، فَإِنْ عَيَّنَ، أي الميت، وَأَخْطَأَ، بأن نوى الصلاة على زيد فَبَانَ عَمْروًا، بَطَلَتْ، لأنه لَمْ يَحْضُرُ مَا نَوَاهُ، نَعَمْ لو أشار إليه صحت على الأصح تغليبًا للإشارة، وَإنْ حَضَرَ مَوْتَى نَوَاهُمْ، أى سواء عرف عددهم أم لا؟ ! الثَّانِي: أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ، لدوامه ﷺ عليها من حين موت النجاشي إلى أن توفي كما قاله القاضي عياض (٨٢٤)، فَإِنْ خَمَّسَ، أي عامدًا، لَمْ تَبْطُلْ فِي الأَصَحِّ، لثبوتها فِي مسلم (٨٢٥)، والثاني: نعم، كزيادة ركعة، وأجراه الجيلي فيما لو كبر سبعًا أو تسعًا وصحح الصحة، أما إذا كان ساهيًا فإن صلاته لا تبطل جزمًا، وأبدل فِي الكفاية العامد بالعالم؛ والساهي بالجاهل وعزاه إلى الرافعى وليس يجيد، وَلَوْ خَمَّسَ إِمَامُهُ لَمْ يُتَابِعْهُ فِي الأَصَحِّ، لأن هذه الزيادة ليست مسنونة للإمام، بَلْ يُسَلِّمُ أَوْ يَنْتَظِرُهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ، والثاني: يتابعه لتأكد المتابعة على الأصح. الثَّالِثُ: السَّلاَمُ كَغَيْرِهَا، أى من الصلوات بصفته. الرَّابِعُ: قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ، لأن ابن عباس قرأ بها وقال [لِتَعْلَمُواْ أَنَّهَا سُنَّةٌ] رواه

стр. 424

البخاري (٨٢٦)، بَعْدَ الأُوْلَى، للاتباع كما رواه الشافعي واستشهد به الحاكم (٨٢٧). قُلْتُ: تُجْزِئُ الْفَاتِحَةُ بَعْدَ غَيْرِ الأُوْلَى، وَالله أَعْلَمُ، صرح به جماعة؛ وأشعر به نصه فِي موضع من الأُمِّ، وظاهر هذا أنه لو أخَّر قراءتها إلى الثانية فصاعدًا أنه يجزئ، والذي فِي الرافعي حكاية عن النص تأخيرها إلى الثانية، قُلْتُ: لكن روى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المروزي عن أبى أُمَامَةَ ﵁ قال: [السُّنَّةُ فِي الصَّلاَةِ عَلَى الْجَنَائِزِ أَنْ يُكَبِّرَ ثُمَّ يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ ثُمَّ يُصَلِّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَخْلُصُ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ وَلاَ يَقْرَأُ إِلَّا فِي التَّكْبِيْرَةِ الأُوْلَى ثُمَّ يُسَلِّمُ]، وهو حديث صحيح ملحق بالمسند (٨٢٨). فَرْعٌ: لا يستحبُّ قراءة السورة على الأصح.

стр. 425

اَلْخَامِسُ: الصَّلاَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، لأنه من السُنَّة كما رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين (٨٢٩)، بَعْدَ الثَّانِيَةِ، كذا جزمَ به، وقياس ما سبق فِي الفاتحة عدمُ تعيينها فيها، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الصَّلاَةَ عَلَى الآلِ لاَ تَجِبُ، كغيرها وأَولى لبنائها على التحقيق، قال فِي شرح المهذب: وبه قطع الجمهور، والثاني: تجبُ. فَرْعٌ: يندبُ الدُّعاءُ للمؤمنين والمؤمنات عَقِبَ الصلاة على الأصح تقريبًا للإجابةِ، وهل يستحبُّ الحمدُ قبل الصَّلاَةِ؟ فيه وجهان؛ أرجحهما فِي الروضة: نعم، والثاني: لا، هو مقتضى كلام الأكثرين؛ كما قاله الرافعي. قال فِي الروضة: ولا يشترط ترتيب هذه الثلاثة لكِنَّهُ أَوْلى. السَّادِسُ: الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ، لأنه المقصود الأعظم منها وما قبله مقدمات له، وأقله ما يقع عليه الاسم، ولا بد من تخصيصه بالدعاء، ولا يكفي أرساله للمؤمنين والمؤمنات على الأصح، بَعْدَ الثَّالِثَةِ، يعني أن محله بعد التكبيرة الثالثة، قال فِي شرح المهذب: لا يجزي فِي غيرها بلا خلاف، وليس لتخصيصه بها دليل واضح، وقياس ما تقدم فِي الفاتحة؛ أنه لا يتعين الدعاء فِي الثالثة. السَّابِعُ: الْقِيَامُ عَلَى الْمَذْهَبِ إِنْ قَدَرَ، لأنها صلاة مفروضة فوجب فيها القيام مع القدرة كسائر الفرائض، وقيل: وجهان؛ أحدهما: إلحاقها بالنافلة، والثاني: إن تعينت عليه لم تصح إلاّ قائمًا وإلاّ صحَّت قاعدًا. وَيُسَنُّ رَفْعُ يَدَيْهِ فِي التَّكْبِيرَاتِ، أى حذو منكبيه اقتداءً بابن عمر، كما رواه الشَّافِعِيُّ (٨٣٠) ويضع يديه بعدَ كُلِّ تكبيرة على صدره كما فِي غيرها، وَإسْرَارُ الْقِرَاءَةِ، لقول أبي أُمَامَة بْنِ سَهْلٍ إنَّهُ السُنَّة، رواه النسائي (٨٣١)، وَقِيلَ: يَجْهَرُ لَيْلًا،
следующие страницы →