Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
الفَاعِل
الجملة المفيدةُ على قسمين: جملة اسمية، وجملة فعلية؛ فالجملة الاسميّة هى جملة المبتدأ والخبر، وهى التى فَرَغ الآن من ذكرها وذكرِ أحكامها وعوارِضها. والجملة الفعلية هى: جملة الفعل والفاعل، وهى التى شَرَع الآن فى ذكرها وذكر أحكامها، وابتدأ بتعريف الفاعل فقال:
الفَاعِلُ الّذِى كَمَرفُوعَى: أَتَى
زَيدٌ مُنِيرًا وَجْهُه، نْعم الفَتَى
وَبَعْدَ فِعْلٍ فَاعِلُ فَإِنْ ظَهَرْ
فَهْوَ، وَإِلَّا فَضَمِيرٌ اسْتَتَرْ
يعنى أن الفاعلَ فى اصطلاح النُّحاةِ كلُّ ما كان شاكلة الاسمين المرفوعين فى هذا الكلام، وهما: زيد المرفوع بأتى، ووجهه المرفوع بمنيرًا، وجامعًا لأوصافهما، فكل ما كان هكذا فهو الفعل المصطلح/ عليه؛ فيجب حينئذ أن ننظر فى أوصاف هذين المرفوعين فنعدّها ثُمَّ نعتبر، فكل اسم اجتمعت فيه تلك الأوصاف فهو فاعل، وجملتها خمسة أوصاف؛ فإِن زيدًا قد أُسندَ إِليه فعل، تامّ، فارغ لطلبه، غير مصوغ للمفعول، وقدّم عليه، وذلك الفعل هو: أتى. وكذلك وجهه قد أسند إليه اسم يعطى معنى الفعل، تام، فارغ لطلبه، غير مصُوغ للمفعول ولا فى معنى المصوغ له، وقدم عليه.
стр. 1192
وَلْنتكلَّم أولًا على أوصاف زيد:
فالأَوّلُ: أن يكون مسندًا إليه فِعْلُ كأتى، إذا قلت: أتى زيدٌ. فلو أُسند إليه اسم وليس فى معنى الفعل نحو: أخوك زيدُ، أو: زيد أخُوك، وهذا زيد، أو: زيد هذا- لم يُسمَّ فاعلًا.
والثانى: أن يكون ذلك الفعل تامّاً كقام زيدُ، وجلس عَمْرو، وأتى فى مثاله. فلو كان الفعل غير تام نحو: كان زيد قائما، لم يُسمَّ فاعلًا.
ومعنى التمام: أن يكتفى الفعلُ بمرفوع من غير احتياجٍ إلى منصور، وإن كان طلبُه، كضربت زيدًا، فإن ضربت يطلبُ منصوبًا مع أنه يكتفى فى الإفادة بمرفوعه؛ إذ كنت تقول: ضربتُ -مقتصرًا عليه- فُيُفِيدُ، وكذلك: أكرمت وأعطيت. وأمَّا كان وأخواتها فلا تكتفى به أصلًا؛ لأنها داخلة على ما أصله المبتدأ والخبر، فمرفوعها وحده غير مفيد دون منصوبها، فكان زيدٌ بمنزلة زيد وحده. وأيضا فالخبر عِوَضُ من مصدرها، فهو كالجزء منها. فإذًا زيدُ من قولك: كان زيدُ قائما، لا يسمى فى العرف الجارى فاعلًا لفقد التمام فى كان، وإن سمى فاعلا كما فعل سيبويه فتجوَّز فى العرف. ولو فرضت كان تامّة، كان زيدُ فاعلًا؛ لأنه إذ ذاك يكتفى به كما يكتفى أتى بزيد فى مثال الناظم. وكذلك زيد فى: عسى زيد أن يقدم، وجعل زيد يقوم، وسائر أفعال المقاربة، لا يسمى معها فاعلًا؛ لعدم اكتفائها به.
فإن قلت: فيلتزمُ على هذا أن لا يكون زيدُ مع ظن وأخواتها فاعلًا، إذا قلت: ظن زيدُ عمرًا أخاك؛ لأنها لا تكتفى به دون ذكر المنصوبين، ولا
стр. 1193
سيّما على مذهب الناظم، حيث منع الاقتصار فيها على المرفوع؛ إذ لا فائدة فيه عنده، فقد ساوت كان وأخوتها في هذا المعنى، لكن النحويين يجعلون مرفوع ظن وأخواتها فاعلًا باتفاق، فأشكل هذا. وهو يلزمه في التسهيل حيث صرّح بهذا القيد ثَمَّة. ولا يقال إنّ معنى التمام أن يأخذ الفعل فعله خاصّةً، لا أَنْ تحصُل الفائدة معه بدون غيره خاصّة؛ لأنا نقول: لا يُعْرفُ إذًا معنى التمام إلا بعد معرفة كون المرفوع فاعلًا، ونحن قد جعلنا التمام جزءًا من تعريف الفاعل، فلا يعرف الفاعل إلا بعد معرفته فيلزم الدورُ.
فالجواب: أَنَّ هذا القيد هو المثير للإشكال، وعدمه غير مُخِلٍّ، فلترجع، فنقول: إنه عندنا غير مراد، فيدخل ظن وأخواتها. ولا يقال: إن كان وعسى وأخواتهما تدخل عليه؛ إذ قد بين الاظم أن مرفوعهما مبتدأ في الأصلِ، فدخولها عليه وعملها فيه كعمل إنّ وأخواتها فيه، وما/ وأخواتها، فذلك، فذلك أمرٌ مستثنًى عنده، فلا يَرِدُ عليه.
والثالث: أن يكون الفعل فارغًا، ومعناه: أن لا يكون فيه ضمير، كمثاله المذكور، فلو كان غير فارغ بل مُتَحمّلًا لضمير بارز أو غير بارز، نحو: ﴿وَأَسرُّوا النَّجْوَى الّذِينَ ظَلَمُوا﴾، فلا يكون ﴿الّذِين ظَلَمُوا﴾ فاعلًا؛ لأن الفعل قبله غير فارغ، فهو مُسْتَغْنٍ بضميره. وهذا القيدُ نصَّ عليه في التسهيل، ولكني سمعت شيخنا الأستاذ أبا عبد الله بن الفخار -رحمةُ
стр. 1194
الله عليه- يقول: هذا القيد فارغ -يريد من الفائدة- وذلك لأن الفعل إذا فرضته متحملًّا لضمير، فذلك الضمير هو المعرّفُ به، وهو الفاعلُ؛ لأن الفِعْلَ قد أُسْنِد إليه اسم، واجتمعت الأوصاف؛ وإذا فرضته غير متحمل فالظاهر هو ذلك الاسم. وقد قال هو على أثر هذا: «وبعد فِعْلٍ فاعلُ فإن ظَهَرْ فَهْوَ .. إلى آخره، فبيَّن أن الفاعل قد يكو ضميرًا وإذا صار مثل الظاهر، وكلاهما قد أُسنِد إليه الفعلُ. وأيضًا فإن كلامه في قُوَّة أَنْ لو قال: الفاعل اسم أُسْنِدَ إليه فعلٌ على طريقة كذا، وهو نَصُّه في التسهيل، وذِكْرُ الإسناد يُجْزئِ عن ذكر الفارغ؛ إذ لا يصحّ الإسنادُ إلّا والفعلُ خالٍ عن الإسناد، وإلّا فإذا كان فيه ضمير فقد أُسنِدَ، فلا يتصوّر القصدُ إلى الإسنادِ مع كوه غير فارغ من ضمير.
فالصواب تركُ هذا القيد والذى قبله، كما فعل غيره. والاعتراض عليه في التسهيل وارد، وأما هنا فيمكن أن لم يقصده، ولا يُلْفى محذور. فإذا قلت: الفاعل اسم مسندٌ إليه فعل مقدّم عليه، غير مبني للمفعول -صحّ، ولم يصحّ الاعتراض عليه أصلا، ولم يَرِدْ عليه نحو: قاموا الزيدون، وأن يكون الزيدون فاعلًا، مع أن قام متحمّمل للضمير؛ إذ ليس بمسندٍ إليه، بل الضمير هو المسند إليه. وقد عُرِف معنى الإسناد أولَ الكتاب.
والرابع: أن يكون الفعلُ غير مبنىّ للمفعول، وذلك أن يكون على طريقة فَعَلَ، «كأتى» في مثاله، فلو كان مبنيًا للمفعول لم يكن المسند إليه فاعلًا، كقولك: ضُرِب زيدٌ، واستُخرِجَ المال، وإن سُمِّى المرفوع هنا فاعلًا يومًا مّا فعلى الاتّساع في العبارة.
стр. 1195
والخامس: أن يكون الفعل مقدّمًا على الاسم، كالمثال في: أتى زيدٌ، فلو تقدّم الاسمُ على الفعلِ لم يكن فاعلًا في العُرف النحوىّ، وإن كان هو الفاعل من جهة المعنى إذا قلت: الرجل جاء، وزيدٌ أتى؛ لأن العرب إذا قَدَّمت الاسم على الفعل أضمرت في الفعل ضميرًا يلزمه، فهو إذًا الفاعل، لا الإسم المتقدّم. والدليل على لزوم الضمير للفعل المتأخر ظهروه لزومًا في التثنية والجمع إذا قلت: الزيدان قاما أو أتيا، والزيدون قاموا أو أَتَوا. ولو كان المتقدّم هو الفاعل لم يكن في الفعل ضميرٌ البتَّة، بل كنت تقول: الزيان أتى، والزيدون أتى، كما تقول: أتى الزيدون، وأتى الزيدون. وأيضا فإن العرب جعلت الفاعل مع الفعل كالجزء المتأخر منه، وذلك ظاهر مع كونه ضميرا متصلا-/ وقد استدلّ ابن جنِّي على صحّة ذلك بأحد عشر دليلًا- ولا يجعل كذلك إلا وهم قد عَزَمُوا على تأخيره عن الفعل لزوما، وجعلوه بمزلة الجزء إذا كان ضميرًا متصلا، وبمنزلة صدر المركّبِ من عَجُزه إذا كان غير ذلك.
حدثني شيخُنا الأستاذ -رحمةُ الله عليه- في الجملة، ونقلتُه من خطّه، عن الشيخ الفقيه الأوحد أبي عبد الله الحضرمىّ القاضي بسبتة، قال: أخذت بيده يومًا أقودُه إلى منزله من مدرسة باب القَصْر بسبتةَ لمكان سِنِّه، فقعد أثناء الطريق ليرتاح، ثم قال لى: ما تقول في قولك: زيد قام، أيكون زيدٌ فاعلًا مقدّمًا؟ فقلت: لا أدرى -لكوني لم أكن حِينئذٍ في
стр. 1196
هذه الطبقة- قم قال لي: لا يكون ذلك لأمرين، أحدهما أنّ الفاعلَ كالجزء من فعله إذا كان ضميرًا متّصِلًا، فوجب أن يجرى الظاهر معه على أسلوب واحد. والآخر: أنه لو كان كذلك لاتحد حكم الفعل مقدّما ومؤخّرًا. وقال الأستاذ ﵀: فهذا من أوّل ما أفادني، رحمة الله عليه.
وفي المسألة خلافٌ خاصّ وخلافٌ عامٌّ يذكر في قوله: «وَبَعْدَ فِعْلٍ فاعلٌ، بحول الله.
فإذا اجتمعت الشروط كان المرفوع فاعلًا، نحو: قام زيد، وخر عمرو، وركب أخوك، وضرب الزيدون عمرًا. وما كان نحو ذلك.
وأمّا أوصاف «وجهُه» من قوله: منيرًا وجهُه» فالأول: أنه مسندٌ إليه اسم يعطى معنى الفعل، وهو منيرٌ؛ إذ هو اسم فاعل من: أنار وجهه فهو مُنِير. وقد يحتمل أن يكون صفة مشبهة باسم الفاعل، وكلاهما مراد. ويدخل في ضمن هذه الإشارة أفعل التفصيل، نحو: زيد أفضلُ من عمرو؛ فإن في أفضلَ ضميرا يعود على زيد، هو فاعل أَفْعَلَ، وقد يظهر كما سيأتى. واسم الفعل نحو: صه، ونحو:
فَهَيهاتَ هَيْهَاتَ العقيقُ وأَهْلُهُ
فالعقيق فاعل بهيهات، أى: بَعُد العقيقُ وأهله. وكذلك المصدر المقدّر بأن
стр. 1197
وفعل الفاعل، نحو: أعجبني ضَرْبٌ زيدٌ عمرًا، وركوبُ الفرسِ زيدٌ.
وكذلك الظرف والمجرور إذا اعتمدا نحو: ﴿أَفِي اللهِ شَكٌّ﴾ و: أعندك عَمْرو؟ في أحد الوجهين، فإنه في تقدير: أيستقرُّ في الله شكٌّ، وأستقر عندك عمرو؟ . وهذا الأخير لم ينبه عليه الناظم في مسألة: أقائم الزيدان؟ لكن نبَّه عليه في مسألة وقوعه خبرًا، حيث قال: «وَأَخْبَرُوا بِظَرْفٍ أو بِحَرْفِ جَرْ» .. إلى آخره.
والثاني: كونه تامًا، تحرُّزًا من نحو: هو كائن أخاك، ففي كائن ضميرٌ رفَعُه على اسم كان لا على الفاعلية، وإن كان كائن اسمًا في معنى الفِعْل.
والثالث: كونه فارغًا تحرزا من الاسم إذا كا فيه ضمير.
وقد بيّن ما في هذين الوضعين.
والرابع: كونه غير مبني للمفعول، تحرُّزًا من الصفة إذا بنيت للمفعول، نحو: مضروب أبوه، ومكرمٌ أخوه؛ فإن المرفوع هناك لا يعرب فاعلًا. ويَصْدُق على الظرف والمجرور والمصدر أنها غير مصوغات للمفعول.
فإن قلت: وكذلك يصدق/ أيضا على ما كان في معنى المفعول منها نحو: أعجبني قراءَةٌ في الحمّام القرآنُ، و: أعجبني ركوبٌ الفرسُ؛ لأن المصدر لا يتبيَّن فيه صيغة فاعل من صيغة مفعول. وإذا كان كذلك أوهم أن يُعْرَب القرآن والفرسُ فاعلا، وليس كذلك.
فالجواب: أنّ المصدر إذا كان معناه معنى فاعل يصدقُ عليه أنه
стр. 1198
غير مبني للمفعول، وإذا كان معناه معنى مفعول لا يصدُق عليه ذلك، باعتبار تقديره بفعل المفعول، وإنما يصدق عليه ذلك باعتبار لفظه خاصّة، والمصدر لم يعمل إلا باعتبار الفعل الذى قام مقامه، فإذا قام مقام مبنى للفاعل فليس بميني للمفعول على وجه ولا بالاعتبار، وإذا قام مقام مبنى للمفعول فلا تصدُق عليه العبارة صدقا مطلقًا. وذلك يكفي ههنا.
والخامس: كونه مقدّمًا كما تقدّم من الأمثلة، فلو تأخّر لم يكن الوجهُ فاعلًا، نحو: وجههُ مِنيرٌ، لأنّ فيه ضميرًا يبرُزُ في التثنية والجمع كالفعل. والخلاف الذى يجرى في تقدّم الفعل يجرى هنا.
فإذا اجتمعَتِ الشروطُ أُعرِب ذلك الاسم المتأخر -الذى هو نظير الوجه في المثال- فاعلًا بإطلاق، نحو: مررتُ برجُلٍ قائم أبو حسنٍ، أخوه أفضلَ منه. وأعجبنى رجل عندك أبوه، وفي الدار أخوه. وما أعجبني إِكرامٌ زيدٌ عمرًا. وما أشبه ذلك.
وإذا تقرّر هذا رَجَعْنا النظر إلى معنى التعريف وما يتعلّق به، وفيه نظر من أوجه:
أحدها: أنه قال: «الفاعل الذى كمرفوعَىْ أَتَى .. زيدٌ منيرا وجهُه» فجعل الفاعل ما اجتمعت فيه أوصاف المثالين معًا، وذلك غير ممكن؛ إذ لا يجتمع في اسم واحد أن يكون مسندًا إليه فِعْلٌ ومسندًا إليه ما يُؤَدِّى معنى الفعلِ في حالة واحدة، فلو قال: كمرفوع كذا، أو كمرفوع كذا، لكان صحيحا، كما قال في التسهيل: «هو المسند إليه فعلٌ أو مضمَّن معناه».
والجواب: أن مقصوده ما أراد في التسهيل، فالموضع لأَو، لكن لما كانت الواو قد تقع موقع أو في مواضع، وبالعكس، أتى بالواو هنا تقديرًا، كأنه قال:
стр. 1199
الذي كمرفوع أتى، وكمرفوع منيرًا، ثم ثَنَّى على هذا التقدير لأن التثنية لا ترادف إلا العطف بالواو، حسبما هو مبين في موضعه، وإذا ساغ هذا التقدير صح كلامه.
والثانى: أن هذا التعريفَ الجُمْلِىّ اقتضى أن الفاعل إنما يكون اسمًا صريحًا لتعريفه إياه بالاسم الصريح، وهو: زيد، وجهه. وليس ذلك بلازم، بل قد يكون غير صريح، نحو: أعجبي أن تقوم. فأن وما بعدها هو الفاعل، وليس باسم صريح. وكذلك أَن ومعمولاها، نحو: أعجبي أَنّك قائم، وما المصدريّة أيضًا، نحو ما صنعتَ، أى: صُنعُك. ولا يقال: إن مثل هذا قليل لم يُعتّد به، بل هو كثير كطَرد مقيس.
والجواب: أن مثل هذا في حكم الاسم الصريح، ولذلك ترى سيبويه يطلق على الحرف المصدرىّ أنه اسمٌ لقرب تأوّله بالاسم. وأيضًا إذا نظرتَ في الحرف مع ما بعده/ وجدته مع الفعل قبله في الحكم كالاسم الصريح، من حيث حَصَلَ له إسنادُ فعلٍ تام فارغٍ غير مصوغٍ للمفعول مُقَدّم، وإما كان ذلك اعتبارًا بقوة الاسم الصريح. وإِنَّما قصد الناظم بالتمثيل بالاسم الصريح مقتصَرًا عليه التنكيت على الكوفيين القائلين بجواز كون الفاعل غير اسم ولا مقدّرًا باسمٍ، مستدلّين على ذلك بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوْا الآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِيْنٍ﴾، ففاعل (بَدَا) عندهم الجملة التى هى: ﴿لَيَسْجُنُنَّه﴾. ومثلُ ذلك: ﴿أَفلم يَهْدِ لَهُمْ كم أهْلَكَنَا/ قَبْلَهُمْ﴾؛ فلا يصحّ أن يكون (كَمْ) الفاعل، بل الجملة كلُّها،
стр. 1200
ومن مُثلُ سيبويه: بدالَهُم أَيُّهم أَفْضَلُ، وقال في تقديره: «كأنك قلت: ظهر لهم أهذا أفضلُ أم هذا». وفي الشعر أيضًا من ذلك كثير، كقوله:
ما ضَرَّ تَغْلِبَ وائلٍ أَهَجَوْتَها ... أَمْ بُلْتَ حيثُ تَلَاطَمَ البَحْرانِ
وقال بشر:
نَزَعْتَ بأسبابِ الأُمرِ وَقَدْ بدا
لِذِى اللُّبِّ منها أَىُّ أَمْريه أصوبُ
ومن ذلك في القرآن أيضا: ﴿وَتَبيَّنَ لَكُمْ كيف فَعَلْنا بِهِمْ﴾، ونحوه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وإِلىَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ .. الآية. والمفعولُ الذى لم يُسِمَّ فاعله بمنزلة الفاعل في جميع أحكامه. ومن مُثُل الفرَّاءِ: قَدْ تبيَّنَ لى أهذا عَبْدُ الله أم زيد، وبدا لي لأضربَتّك. وقال الفراء: كلّ فعلٍ كان تأويلُه بلغنى، أو قيل لي، أو: انتهى إلىّ، فإنّ اللام وأَنّ يصلحان فيه. ومثل ذلك في الكلام كثير، وجميعه يشعرُ بل يُصَرح بأنّ الفاعل لا يلزمُ أن يكو اسمًا. فكأن الناظم يُنكِّت على القائلين بهذا المذهب، ويقول: إن الفاعل إنما يكون اسمًا، وما جاء مما ظاهره خلافُ ذلك، فراجع في الحقيقة إليه.
والجواب: أن النّمط مما حُمِل الكلامُ فيه على معناه دون لفظه، والمسألة
стр. 1201
من باب تعليق الفعل عن الفاعل كما يُعلّق عن المفعول بإطلاق في باب ظننت، لأن بدا وظهر وتبيَّن في معنى عَلِم، فعُلِّق تعليقه، وكذلك قوله: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُم﴾، لأن معناه: أفلم يعلموا؟
فإن قيل: فأين الفاعل؟
قيل: ما أعطاه الكلامُ المعلّق عنه الفعل من معنى المفرد، لأن التقدير: بدا لهم هذا المعنى، كما أن الجملة المعلّقة في «علمت» هى على ذلك التقدير، ولم يقع مفعولُ علمت جملةً أصلًا إلا في اللفظ، وأما في المعنى فلا، فكذلك وقوعُ الجملة في موضع الفاعل.
فإن قيل: فيصدقُ أن الفاعل ليس بمفرد.
قيل: أما في اللفظ فنعم، كما يقع الحرف فاعلًا في نحو: أعجبني أن تقوم، ولا يدلّ ذلك على أن نفس الفاعل غير الاسم، وأما في التحصيل فلا، بل الفاعل معنى الجملة، وهو المفرد الذى صِرْنا إليه. وأيضًا قد وقع المبتدأ جملة في اللفظ، لأن المعنى معنى المفرد، نحو: سواء علىّ أقمت أم قَعَدْتَ. وهو كثيرٌ في القرآن والكلام العربي؛ لأن «أقمتَ أم قعدت» في تقدير: قيامُك وقُعودُك، ولم يكن ذلك ضائرًا، فكذلك يقع الفاعل في اللفظ جملة إذا كان المعنى للمفرد.
فإن قيل: هذا إقرارٌ بمذهب الكوفيين.
قيل: إن أرادوا بما أجازوا/ هذا المقدار فنحن نوافقهم عليه، ولا يبقى بين الفرقين خلاف، فإن أرادوا غير ذلك فلا نقول به؛ إذ الجملة من حيث هى جملةً لا تقع فاعلةً أبدًا، ولا يوجد في الكلام ذلك إلا على
стр. 1202
ما تبيّنن. وهذا ظاهر كلام سيبويه، وذهب إليه طائفة. ولكن هذا التأويل لا يساعد عليه ظاهر عبارة الناظم غلا بتكلف شديد، والذى يساعد عليه كلامه مذهب المبرّد ومن وافقه، وهو أن هذا الباب كلّه محمولٌ على إضمار المصدر المفهوم من الفعل، فهو الفاعل والتقدير: بدا لهم بَداءٌ، ويَهْدِ لهم هُدَى، وتبيَّن لكم تَبَيُّن، وأُوحىِ وَحْىٌ أو إيجادٌ، وكذلك سائر الأمثلة. وقد وقع المبرّد في كتاب سيبويه طُرّةً نصُّها: «بدا لهم فعل، والفعلُ لا يخلو من فاعل، ومعناه عند النحويين أجميعن بدًا لهم بُدوٌّ، وقالوا: ليسُجُننَّه. وإنما أضمر البُدُوَّ لأنه مصدر يدلّ عليه قوله: (بَدَا لَهُم)، وأضمر كما قال تعالى: ﴿والْمَلائِكَةَ يَدْخُلُونَ عَلَيهم مِنْ كُلِّ بابٍ. سَلَامٌ عَليْكم﴾، ولا يكون (لَيَسْجُنُنَّهُ) بدلًا من الفاعل، لأنه جملة، والفاعل لا يكون جملةً». هذا ما قال، وقد زعم أَنَّه مذهب النحويين أجمعين، يعنى من تقدمه. وقد ذكر ابن خروف أن النحويين خالفوا فيما قال، وعلى الجملة فهم فيه فرقتان، وظاهر الناظم الذهاب إلى رأى المبرّد، وإليه ذهب السيرافي وجماعة من المتأخرين.
والوجه الثالث من أوجه النظر في تعريفه: أنه زاد مثالًا ثالثا في البيت، وهو قوله: «نِعْم الفتى»، وهو لم يُحِلْ عليه في التعريف، بل قال: «كَمَرْفُوعِى أَتَى زيدٌ مُنِيرا وَجْهُه» فظهر أن ذلك المثال حشوٌ بلا فائدة.
والجوابُ: أَنَّ هذا المثال تكميلٌ لما قصد، مع الاكتفاء بما أحال عليه، لأَنّ قوله: «أتى زيدٌ» شمله، ولكنه نبّه على أنه ليس من شرط الفاعل أن يكونَ فعلُه المسندُ إليه متصرّفا كأتى زيد، بل قد يكون غير متصرّف كنِعْمَ. ولا يخرج الاسم بذلك عن كونه فاعلًا، وهو الفتى في مثاله وما حلّ في موضعه؛ إذ لا يعتبر في إعرابه فاعلًا أن يكون فاعلًا معنًى، وإنما يُعْتبر احتياج الفعل إليه لغة، وسمّوه
стр. 1203
فاعلا وإن لم يكن فاعلًا حقيقةً اعتبارًا بما كان منها فاعلًا، ليستَتِبَّ الاصطلح في الباب. ومن ههنا لم يحدّوا الفاعل من جهة المعنى، وإنما حدّوه بأحكامه اللفظيّة، ليدخُلَ في الحدِّ نحو: نِعْم الرجلُ، وما زيدٌ، وما أشبه ذلك. ففي تمثيل الناظم إشارة إلى هذا المعنى.
والوجه الرابع: أَنَّ [في] قوله: «كمرفوعَى أَتَى» ما يشير إلى أنّ من أحكامه الرفع، وأنه هو الذى يقتضيه من أنواع الإعراب، فلا يكون منصوبا ولا مجرورًا. وهذا صحيح؛ فإن الفاعل مرفوعٌ أبدًا. قالوا: واختُصَّ بالرفع، لأنَّ الرفع إِعراب العُمَد، والفاعل عمدة؛ إذا لا يستغنى الكلام عنه. وأما النصب فللفضلات المستغنى عنها، وكذلك الجرّ.
فإن قيل: فيقتضى هذا أن لا يكون الفاعل إلا مرفوعًا، وذلك غير مُطَّرد من أوجه:
منها: أن العرب تقول: كَفَى بالموتِ واعظًا. وفاعل كفى إنما هو الموت. وهذا نظير جَرِّ المبتدأ في قولهم: بحسبك زيد. وقالوا: ما أتأنى مِنْ أحدٍ، وأحدٌ هو الفاعل. وهذا مقيسٌ.
ومنها: أن المصدر/ الموصول قد يضافُ إلى فاعله، بل هو الأكثر فيه، نحو: أعجبني قيامُ زيدٍ، وضربُ زيدٍ عمرًا، وهو أيضا مطرد.
ومنها: أن النّحويّين يقولون: إذا كان معنى الكلام يميّز بين الفاعل والمفعول، جاز في الشعر كثيرًا أن ينصب الفاعل ويرفع المفعول،
стр. 1204
وجاز في الكلام قليلا. ومن ذلك في قراءة عبد الله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمَ من ربِّه كلماتٌ﴾ بنصب (آدمَ)، ورفع (كلماتٌ). وقالوا: خَرقَ الثوبُ المسمار. وكسر الزجاجُ الحجر. ومن ذلك في الشعر:
مثل القنافِذِ هَدَّاجُون قد بَلَغَتْ
نجرانَ أو بَلَغَت سَوْءاتِهم هَجَرُ
وقال الفرزدق:
غداةَ أَحلَّتْ لابن أَصْرَمَ طعنَة
حُصَينٍ عبيطاتُ السدائِف والخَمْرُ
وقال الآخر، وهو خداش بن زهير:
وَتَلْحَقُ خيلٌ لا هَوادَةَ بينها
وَتسْفِى الرِّماحُ بالضّياطِرَةِ الخُمْرِ
стр. 1205
وقال الجعديّ:
حَتَّى لَحِقْنا بِهِمْ تَعدُو فَوارسُنَا
كأننا رَعْنُ قُفٍّ يَرَفَعُ الآلا
ومثل هذا كثير. وقد جعل ابن الطراوة هذا قياسًا مُطّردًا، فأجاز نصب الفاعل ورفع المفعول إذا فهم المعنى، نحو: أكل الخبزُ زيدًا، وركب الفرسُ عمرًا، وما أشبه ذلك. فإذًا ما التزمه الناظم من رفع الفاعل غيرُ لازمٍ.
فالجواب: أن هذا كلّه غير وارد؛ أما كفى بالموت واعظً، و ﴿كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا﴾، فمن باب ما ندر وخَرَج عن القياس، فل يعتدُّ به، مع أن الباء عدهم زائدة، دخولها كخروجها، فكأن لم كن ثَمّة.
وأما ما أتاني من أحد، فكذلك أيضًا، فإنّها من مواضع زيادة مِنْ. والحرف الزائد لا يعتدُّ به، ولا يكسرُ قاعدةٌ، ولا يخرج الفاعل بذلك عن كونه فاعلًا، ولذلك يُعطف على موضعه رفعًا، فهذا ليس مما يعترضُ به.
وأما فاعل المصدر إذا أضيف إليه فلا يسمّى فاعلًا عرفًا حينئذٍ، بل هو مضافُ إليه، كما لا يُسمّى زيدٌ -فيق قولك: زيدٌ قام- فاعلًا، ولا في زيد مضروبٌ مفولًا، وإن كان المعنى في الجميع على ذلك. ومن هنا يتبيَّنُ في نحو: كسر الزجاجُ الحَجر، أَنَّ الزجاج هو الفاعل، وأن الحجر مفعول، اعتبارًا باللفظ،
стр. 1206
وإن كان المعنى بخلاف ذلك؛ إذ لا يستتبُّ قانو التعليم إلا بذلك.
قال شيخا الأستاذ -رحمةُ الله عليه-: الْإعرابُ إنما يكون أبدًا على حسب العلامة التى تكون في الاسم المعرب؛ ألا تَرَى أن (القَرْيَةَ) من قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ القَرْيَةَ﴾ إنّما تعربُ على حسب حركتها لا على حسب الأصل.
وإنما كان يكونُ ذلك كسَرَا أن لو كان المنصوب يعرب فاعلًا والمرفوع يعربُ مفعولًا، من قولك: كسر الزجاجُ الحجَر، ونحوه. فالفاعلُ إذًا شأنه الرفعٌ، كما أشار إليه الناظم. وأما كون هذا القلبِ قياسًا أو غير قياس، فمسألةٌ لا نحتاج إليها الآن؛ إذ لا تعلق لها بكلام الناظم.
والوجه الخامس: أن قوله: «كمرفْوعَى أتى» .. إلى آخره، ظاهر في أن أتى هو الرفع لزيد، وأن منيرًا هو الرافع لوجهُه، فالرافع للفاعل إذًا هو المسند فعلًا كان أو ما أشبه، وهذا مذهب البصريين. وزعم بعض الكوفيين أن الرفع له الإسناد لا المُسْند، وهو مرجوحٌ من أوجه:
أحدها: أن الإسناد نسبةُ بين المسند والمسند/ إليه/ فليس عمله في الفاعل دون الفعل بأولى من العكس.
والثاني: أن العمل إنما ينسب إلى المعنى إذا لم يوجد لفظ صالح للعمل، والفعلُ موجودٌ وصالح للعمل باتفاق، فلا يصحّ أن يعدلَ عنه إلّا بدليلٍ يدلّ على عدم صلاحيته في الموضع، ولا دليل هنا على ذلك، فوجب أن لا يُصارَ إلى غيره.
والثالث: أن من شأن المعمول الاتصال بعامله، وأن لا يتصِّل بغيره،
стр. 1207
وقد وجدنا أن الفاعل إذا كان ضميرًا إنما يتّصل بالفعل، فدلّ على أنه عامله، ولو كان غير عامل لما أتّصل به أصلًا، بل كان يكون منفصلا عنه.
وعلى الجملة فهو خلافٌ في اصطلاح، لا يينني عليه حكم عند الجميع، وإن كانت الأدلة تقتضى ذلك، فليس أحدٌ من المخالفين لنا بقائل بما يقتضيه الأدلة عليه.
وقوله: «وبعد فعل فاعلٌ» اقتصر على ما يشير إليه لكفى، لكنه نصّ عليه ولم يكتف بالإشارة، لما له في ذلك من الفوائد، والذى يشتمل عليه منها ثلاث:
إحداها: الإشارة إلى مخالفة من خالف في لزوم التقديم، وهم الكوفيون؛ وإذا أجازوا تقدّم الفاعل على الفِعل أو ما أشبهه، فكأنه يقول: الفاعل مختصّ بكونه بعد فعل، فلا يجوز أن يتقدم عليه، ودَلّ على قصده لهذا تقديمه الظرف لدلالته على الاختصاص بهذا الحكم، كقوله: ﴿إيَّاكَ نَعْبدُ﴾، بمعنى: ما نعبد غيرك، فكذلك هذا، ليس الفاعلُ إلا بعد الفِعْلِ، وغيرُ الفِعْلِ بمزلة الفِعْلِ في هذا. ويجيزُ الكوفيُّون تقديمه فيقولون: الزيدان قام، والزيدون قام -على تقدير: قام الزيدان، وقام الزيدون- ومررت برجلٍ أبواه قائم- على تقدير: قائمٍ أبواه. واستدلّوا على ذلك بمجيئه في الشعر، كقول الزباء:
مَا لِلْجِمالِ مَشْيُها وَئِيدَا
فالتقدير: وئيدًا مشيُها. وقولِ امرئ القيس:
стр. 1208
فَظَلّ لننا يومٌ لذيذ بنعمة ... فَقِلْ في مَقِيلٍ نحسُه مُتَغَيَبِّ
التقدير: مُتَغيِّب حسُه. وقول النابغة:
ولا بُدَّ من عوجاء تَهْوِى براكب
إلى ابن الجلاح سيرُها الليل قاصِدِ
التقدير: قاصِدٍ سيرها. وقال الآخر:
لمن زُخْلُوقَةٌ زُلُّ ... بها العينانِ تَنْهلُّ
وهذا وما أشبه قد أجاب عنه الناظم بجواب مجمل، وذلك قوله: «فإن ظَهَرْ .. فَهْوَ وإِلا فَضَمِيرٌ استَتَرْ»، يريدُ أنَّ الفاعل لا بُدَّ منه بعد الفعل، فقد يكون ظاهرًا، وذلك نحو: قام زيدٌ، وقد يكون مضمرًا نحو: زيدٌ قام. ففي قام ضمير عائد على زيد، تقديره: قام هو، ولا يتكلم بِهُوَ. فإذا ظهر الفاعل بعد الفعل فذاك، وإن لم يظهر فالفاعل ضمير مستترٌ في الفعِل أو فيما أشبهه. ولا يريد بقوله: «فإن ظهر»، فإن كان غير ضمير، وإنما يعنى إن ظهر للعيان في النظق، فيدخلُ فيه الظاهر ضدّ المضمر، نحو: قام زيد، كما ذكر. ويدخلُ فيه الضمير البارز نحو: قمتٌ، وقاما، وقاموا، وقُمْ، وما قام إلا أنا، لأنه قد ظهر ولم يستتر. ويدلّ على هذا المقصد من كلامه قوله في قسيمه: «وإلّا فَضَمِير اسْتَتَرْ»، فوصفه بالاستتار، ولا/ يقال في الضمير البارز: مستتر، فتقسيمه الفاعل إلى ما ظهر وإلى ما استتر يعيِّنُ ما ذكر. وإذا ثبت فكل ما تُوِهِّمَ أن الفاعل فيه مقدّم فليس كذلك، بل الفاعل فيه ضمير مستتر في ذلك الفِعل، أو في الاسم الذي
стр. 1209
بمعناه، فقولها:
مَا لِلْجِمالِ مَشْيُها وَئِيدا
فاعل «وئيد» فيه ضمير مستتر عائد على «مشيها»، على أن يكون مشيها مبتدًأ خبره محذوف وهو العامل في وئيدًا، كأنه قال: مشيُها حَصَلَ وئيدًا، أو ظهر، نظير ما تأوّل سيبويه قوله:
يا ليتَ أيامَ الصِّبا رَوَاجِعَا
كأنه قال: أقبَلتْ رَوَاجعا.
وكذلك قول امرؤ القيس: «نحسه مُتَغَيِّب» فيه ضمير هو الفاعل عائد على نحسُه، على أن يكون على حذف إحدى ياءَى السب المرادُ به المبالغة، لقوله:
وَالدَّهرُ بالْإنسانِ دَوّارِىّ
أراد: دوّار، فكذلك هنا، أراد: نحسُه مُتَغَيِّبىٌّ، فَحذَفَ.
وكذلك قوله: سيرها اللي قاصدِ»، في قاصد ضمير هو الفاعل، عائدٌ على «عوجاء» كأه قال: ولا بُدَّ من عوجاءَ قاصدٍ، وكأنَ أصله أن يقول: قاصدة، لكن جعله من باب النسب، أى: ذات قصدٍ، كقوله: ﴿السَّماءُ مُنْفطِرٌ بِهِ﴾ أو يعود على راكبُ، كأنه قال: تهوى براكب قاصدٍ. وسيرُها الليل: مبتدأ وخبر.
وقوله
بِهَا العَيْنَانِ تَنْهَلُّ
في تنهلّ ضمير عائد على العينين، وأفردَ لأن العينين في تلازمهما
стр. 1210
كالشيء الواحد، وم عادة العرب أن تعامل هذا الوع من المثنى معاملة المفرد كقوله:
وَكَأَنَّ في العَيْنَينِ حَبُّ قَرَنْفُلِ ... أو سنبلا كُحِلَتْ به فانْهَلَّتِ
أو يكون على حدّ.
فكل هذا دخل تحت قوله: «وإِلَّا فَضَمِيرًا سْتَتَرْ»، فإليه يرجع ما تقدم من التأويلات، وما كان نحوها، فهو إشارة منه حسنة في المسألة. والفائدة الثانية: بيان أن كل فِعْلٍ لا بدّ له من فاعل، وأه لا يوجد فعلٌ لا فاعل له البتّةَ، لقوله: «وبعد فِعْلٍ فاعِلٌ فإن ظهر .. فَهْوَ» .. إلى آخره، يعنى أن ذلك لازمٌ للفعل، وإذا لزم ذلك له ظهر أن الفِعْلَ لا يخلو م فاعل، فإنْ ظهر فذاك، وإلا فهو مستترٌ فيه. ونكّت بهذا على مسائِلَ وقعت لجماعة ظهر فيها من قولهم أن م الأفعال الثابتة الفعليَّة ما يقع بلا فاعل، فمن ذلك قَلَّ إذا لحَقَها ما، وزعم جماعة أنّ قلّ [هناك] فعلٌ لا فاعل له، وإنما كفّته ما عن العمل، كما تكف غيره كإنّ، وأنَّ، وربَّ، وما أشبه ذلك. وهذا لا يتعيَّن، فقد يمكن أن تصير قلّ مع ما حرف نافيًا بمنزلة ما، ولذلك تُستعمل للفي المحض، فقلبت عليها الحرفية، وإذا كا كذلك فليست مما يطلب فاعلًا. وأظنّ أن منهم من أبقاها على فعليّتها، وجعل فاعلها
стр. 1211
ما وما بعدها من الفعل] على أن تكون ما مصدرية، نحو: أعجبني ما صنعت، فكأنك قلت: أعجبني صنعُك، فقولك: قلّما يقوم زيد، في تأويل: قلّ قيام زيد- ومنهم من جعلها زائدة، ووصالٌ فاعلٌ.
ومن ذلك دعوى الكسائى في قولك: ضربني وضربتُ قومك، إنه على حذف الفاعل من ضربني؛ إذ لا يجوز عنده الإضمار فيه، فلا يقول: ضربوني وضربتُ قومك، بل يُوجِبُ فيها حذف الفاعل، كما قال الشاعر:
تَعَفّق بالأرطى لها وَأَرَادها ... رجالٌ ... ... ...
وما قاله الكسائى في البيت ونحوه غير صحيح، بل/ الفاعل مضمر في الفعل، كأنه قال: تعفَّق مْن ثَمّ، ويكونُ عودُ الضمير -وهو مفرد- على الجماعة مثل قولهم هو أحسن الفتيان وأجمله. وسيأتى في الإعمال إن شاء الله.
فمثل هذا يدخل تحت قول الناظم: «فإن ظهر .. [فَهْوَ]، وإلا فَضَمِيرٌ اسْتَتَرْ» .. ومن ذلك ما رآه المؤلف في شرح التسهيل في نحو قولك: قام مبني على الفتح، أنَّ قام في هذا الكلام فعلٌ باقٍ على أصله، وقد
стр. 1212
أُسنِدَ إليه قولك: مَبْنِىّ على الفتح، إسنادَ الخبر إلى المبتدأ، لا إسناد الفعل إلى الفاعل، فَرَفْعُ مبنىّ على الخبرية عنده لا على الفاعلية، فلا فاعل له إذًا، وإلى هذا ذهب القرافىّ. وما زعمه غير صحيح من وجهين:
أحدهما: ما أشار إليه من أن كلّ فعلٍ لا بدّ له من فاعل، فأين فاعلُ هذا الفعل؟ فإن قال: ناب عنه الخبر. قيل: هذا لا نظير له، بخلاف نيابة الفاعل عن الخبر فإنه ثابت باعتراف ابن مالك في: أقائمٌ الزيدان؟ فليس إذًا «قام» هنا فعلًا، وإلّا لزم أن يكون له فاعل، وليس له فاعلٌ هنا باتفاق من الخصوم، فليس بفعلٍ.
والثاني: قال شيخنا القاضي ﵀: يقال لابن مالك: ما إعراب «قام» من قولك: قام مبنى على الفتح؟ فلا بدّ أن يقول: مبتدأ. وقد قال هو: إن الفعل وحده لا يكون مبتدأ، وإن المبتدأ اسم أو ما هو في تقديره، فقام إذًا اسم لا فعل، وهو المطلوب.
والفائدة الثالثة: التنكيتُ على بعض البصريين في إجازتهم تقديم الفاعل على الفعل في بعض مواضعَ مخصوصةٍ، فكأنه يقول: كلّ ما يُظَنَّ أنَّه مما تقدّم فيه الفاعل فليس في الحقيقة منه، ولذلك أمثلةٌ منها ما قاله سيبويه والجمهور في قول الشاعر:
صَدَدْتِ فأَطْوَلْتِ الصُّدُودَ وقَلَّما
وصالٌ على طول الصُّدودِ بَدُومُ
إنَّ «وصالٌ» فاعل متقدّم ضرورة، ويجيز هؤلاء تقديم الفاعل على الفعل
стр. 1213
في الضرورة. ولذلك حمل جماعة الأبيات المتقدمة للكوفيين على تقديم الفاعل ضرورة. وهذا كلّه لا داعية له؛ لإمكن أن يكون وصال فاعلًا بفعل مضمر يفسّره يدوم كأنه يقول: وقَلَّما يدومُ وصالٌ على طول الصدود يدوم؛ وساغ هذا لأن قلَّما مما لا يليها إلا الفعُل. وهذا رأى طائفة في بيت الكتاب، ويكو ذلك مبنيًا على أن قَلَّما حرفٌ لا فعلٌ.
ومنها مسألة: إِنْ زيد قام أكرمته؛ قال الأُبَّذِىّ: قال شيخنا أبو الحسن الدبّاج ﵀ «لا يبعدُ عندى أن يقال: إن هذا الفعل يصحّ له العملُ في الأول مقدّما عليه، وذلك مع أداة تطلب بالفعل؛ وذلك أن العامل متصرّف في نفسه، فيتصرّف في معموله، إلا أن يمنع مانعٌ، وذلك في الفاعل أَنْ يلتبسَ بالمبتدأ في قولك: قام زيد، وزيدٌ قام؛ فإذا جاء حرفٌ لا يليه إِلا الفعلُ لفظًا أو تقديرًا أزال ذلك اللبس، فصح أن يكون فاعلًا مقدَّمًا، إن قدّرت الفعل فارغًا من الضمير، فاعلا برضمار فعل إن قدّرته مشغولًا بضمير». فالحاصل من كلامه أنه أجاز أن يكون زيدٌ فاعلًا مقدَّمًا، وذلك غير سائغ عند الجمهور، لما تقدّم ذكره. وهذا الموضع أيضا محتمل لا يتعيّن فيه ما قال، ولا مرجّح له، فليس إلى القول بإثباته سبيلُ. وأيضًا صاحب هذا المذهب/ يلتزم جواز: وإنِ الزيدون قام أكرمتهم. وهذا لا يثبت سماعًا أصلًا، إلا فيما تقدّم للكوفيين، وقد مرّ
стр. 1214
ما فيه. فالصحيح في المسألة امتناع التقديم. [فعلى هذا كل] ما كان من نحو: ﴿وَإنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشرِكينَ اسْتَجَارك﴾، وقول الشاعر:
عاوِدْ هراةَ وَإِنْ معمورُها خَرِبا
وقول عدىّ بن زيد:
فمتى وَاغلٌ يَنُبْهُمْ يُحَيُّوهُ،
وتُعْطَفْ عَلَيْهِ كَأْسُ السَّامَىِ
وقوله:
صَعْدةٌ ثَابِتَةٌ فِي حَائِر
أَينما الرِّيحُ تُمَيِّلْها تَمِلْ
ونحو: أزيدٌ قام؟ وما أشبه ذلك، فهو على إضمار فعلٍ، لا على تقديم
стр. 1215
الفاعل.
وبقي في كلامه بحث لفظي، وهو أنه قال: «وبعدَ فِعْلٍ فاعلٌ»، يعنى أنه لا بُدَّ أن يكون بعد الفعلِ فاعلٌ، ثم قال: «فإنْ ظَهَر. فَهْوَ وإِلَّا فَضَمِيرٌ استترْ»، يعنى، فإن كان ظاهرًا فهو الفاعل، وإلا فهو ضمير، فيصبر المعنى: إن الفاعل بعد الفعل، فإن ظهر الفاعل فهو الفاعل. وهذا كلام خَلْفٌ لا فائدة فيه.
والجواب: أنّ ذلك جارٍ على قصد صحيح فيه فائدةٌ، وهو أن قوله: «وبعد فِعْلٍ فاعلٌ»، إخبارٌ بالقاعدة، أنّ كلّ فعلٍ لا بدّ له من فاعل بعده لا قبله، يريد: فابحث عنه. فهى كُلِّيةٌ تُعيِّن موضع البحث عن الفاعل. ثم أخبر بعد ذلك بَوجْهَ مجيئه فقال: إن جاءَ ظاهرًا فهو، أى: المطلوب الذى قصدتَه، وإن لم يجئ ظاهرًا فاعلم أنه ضمير مستتر في الفعل، طردًا لحكم القاعدة، وعملًا بمقتضاها. وهذا معنًى صحيح مفيد. فقوله: «فهو» مبتدأ محذوف الخبر، أى: المطلوب. أو يكون خبرًا محذوف المبتدأ، كأنه قال: فالمطلوبُ هو. وكذلك قوله: «فضمير، يسوغٌ فيه الوجهان. واستتر: في موضع الصفة لضمير.
(ثم قال الناظم):
وَجَرِّدِ الفِعْلَ إِذَا مَا أُسْنِدَا
لاثْنَيْنِ أَوْ جَمْعٍ كَفَارَ الشُّهَدَا
وقَدْ يُقَال: سَعِدَا وسَعِدُوا
وَالفِعْلُ لِلظَّاهِرِ بَعْدُ مُسْنَدُ
стр. 1216
هذا الفصل يَذُكُر فيه لحاق العلامة [للفعل] إذا أُسنِدَ إلى الفاعل؛ فإِنَّ العربَ -على الجملة- تُلْحِق الفِعْلَ علامةً تدلّ على حال الفاعِلِ، من كونه مؤَنثًا غير مُذَكّر، أو كونه مثنى أو مجموعًا، أوما ما شبه ذلك. وابتدأَ بالكلام على لحاق العلامة إذا كان الفاعل ظاهرًا مثنًى أو مجموعًا، وسواءٌ أَكان مذكرًا أم مؤنثًا. وسيأتى ذكر المفرد. فيريد أن الفعل إذا أسند إلى اثنين أو إلى جمع -وهما المثنى والمجموع- فهو مجرَّدٌ عن العلامة الدالَّة على التثنية والجمع، فلا تلحَقُه في اللغة الفصحى [علامة]، فتقول: قام الزيدان، وقام الزيدون. ولا تقول: قاما الزيدان، ولا قاموا الزيدون.
ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيهما﴾، ﴿قال الكافرون: إنّ هذا لسِحْرٌ مُبِينٌ﴾. وأتى من ذلك بمثال وهو قوله: «فاز الشهدا»، ولم يقل: فازوا الشهداء. ومثلُه لو قَلتَ: فاز الشهيدان. ومثل ذلك إذا قلت: قامت الهندانِ، وقامت/ الهِنْدَاتُ، فلا تقول في اللغة المشهورة: قامتا الهندانِ، ولا: فُمْنَ الهنداتُ؛ بل تُجَرِّدُ الفعل من العلامتين: علامةِ التثنية وعلامةِ الجمع.
وإنما جَرَّدوا الفعل هنا قصدًا للتفرقة بين قام أخواك، وأخواك قاما؛ لأَنّ العلامة لو لحقت في: قاما أخواك، لالتبست بالضمير، فتوهم
стр. 1217
أن قاما خبر مقدّم، فَفَصَلُوا. وهذا هو الفرق بين التثنية والجمع وبين التأنيث، حيث ألحقوا علامة التأنيث دون علامتى التثنية والجمع؛ لأَنّ علامة التأنيث ليست بعلامة إِضمارٍ،
فلا تلتبس بعلامة الإضمار؛ قال سيبويه: «وتقول: جاريتاك قالتا، كما تقولُ: أبواك قالا؛ لأنَّ في قُلْنَ وقالتا إضمارًا، كما كان في قالا وقالوا» ثم قال «وإذا قلت: ذهبت جاريتاك، وجاءت نساؤُك، فليس في الفعل إضمارٌ، قال: ففصلوا بينهما في التأنيث والتذكير، ولم يفصلوا بينهما في التثنية والجمع، وإنما جاءوا بالتاء للتأنيث، لأنها ليست علامة إضمار كالواو والألف، وإنما هى كهاء التأنيث في طلحة، وليست باسم». هذا ما قال، وهو معنى ما تقدم.
وللناس في الفرق بين العلامتين أوجه لا فائدة في إيرادها، وقد حصل التأنيس بالتعليل.
ثم أتى باللغة الأخرى فقال: «وقد يُقال: سَعِدا وسَعِدُوا» .. إلى آخره يعنى أنّ من العرب من يقول: قاما أخواك، وقاموا إِخوتُك، وقامتا الهندان، وقُمْنَ الهنداتُ، فُيلحقُ الفعلَ علامة التثنية والجمع، وكذلك تقول على تمثيله: سعد أخواك، وسَعِدُوا إخوتُك، وسَعِدَتا أخناكَ، وسَعِدْنَ أَخَوَاتُك. وهذه اللغة ضعيفة قليلة، وعلى قلتها نبّه بقوله: «وقد يُقال»؛ إذا عادته أنه يأتى بقد مع المضارع تنبيهًا على قِلَّة ما تدخل عليه. ووجهُ إدخال العلامة هنا تشبيه التثنية والجمع بالتأنيث؛ إذ كلُّ واحد منهما فرعًا، فالمثنى والمجموع فرعٌ عن الواحد، والمؤنث فرع عن المذكر؛ قال سيبويه: واعم أن من العرب من يقول: ضربوني قومك، وضرباني أخواك، فشبهوا هذا بالتاء التى يُظْهِرونَها في: قالت فلانةٌ،
стр. 1218
فكأَنَّهم أرادوا أن يجعلوا للجميع علامةً، كما جعلو للمؤنث». قال: «وهى قليلة». ومن هذه اللغة ما جاء في الحديث: «يتعاقبون فيكم ملائكةٌ بالليل وملائكة بالنَّهارِ». ومن العرب من قال -وهو أبو عَمْروٍ الْهَذلىُّ-: أَكَلَوني البراغيث الليلة. وأنشد سيبويه للفرزدق:
ولكِنْ دِيافِىٌّ أَبُوه وأُمُّه ... بحَورانَ يَعصِرْنَ الّسِليطَ أَقاَربُهْ
وقال أمية:
يلومُونَنِى في اشتراءِ النخيلِ قَومى، فكلُّهم يعذلُ
وَأَهلُ الذى باع يَلْحَوْنَه ... كما لُحِىَ البائئعُ الأوَّلُ
وأنشد السيرافي:
أُلْفِيتا عيناكَ عِنْد القَفَا ... أَولى فأولىَ لَكَ ذَا واقيهْ
وقول الناظم: «والفعلُ للظاهر بعد مُسْنُد» جملة في موضع الحال، أي:
стр. 1219
قد يقال: سَعِدا وسَعِدُوا، في حال كون الفعل مسندًا إلى الظاهر لا إلى الضمير. فيّن في هذه اللغة موضع لحاق العلامة، وهو حيث يكون الفعل مسندًا إلى الظاهر، فإنّه/ إذا كان مسندًا إلى الضمير اتفق الجميع على أن يقولوا: سعدا وسَعِدوا، فيكون الألفُ والواو ضميرين لا علامتين، وكذلك رذا قلت: سِعدْنَ، بخلاف ما إذا أُسِنَد إلى الظاهر فإنّ العلامة تخَصُّ بهذه اللغة. وعلى هذا التحرز لا تكون الألف والواو والنون في هذه اللغة ضمائر، وإنما تكون علامات حرفيّةً كتاء التأنيث، وهذا مذهب الجمهور. وبعض النحويين زعم هنا أنها ضمائر [مسندٌ إليها] لا علامات، لكن من هؤلاء من يقول: ما جاء من نحو: قاما أخواك، وقاموا إخوتُك فهو على تقديم الخبر، والزصل: أخواك قاما، وإخوتك قاموا. ومنهم من يقول: الكلامُ على أصل الترتيب، لكن الظاهر منه من غير أهل اللغة المذكورة، وأما أن يُجعَل جميعُ ما وَرَدَ من ذلك على أن الألف والواو والنون فيه ضمائر، فغير صحيح، ؛ لأن أئمة هذا العلم متفقون على أن ذلك لغةٌ لقومٍ من العرب مخصوصين، فوجب تصديقهم في ذلك، كما نصدّقهم في غيره».
هذا ما قاله، وتمامُه أن يقال: لو كان على ذلك التأويل لزم أن يكون أهلُ تلك اللغة قد التزموا ما لم يُوجَدْ في كلام العرب التزامُه، وهو الإتيانُ بالضمير مسندًا إليه الفعلُ إذا أرادوا الإتيان بالظاهر، حتى يكون الظاهرُ بدلًا من الضمير. هذا غير معهود، وأيضا هو شبيه بتقَضِّى الفعلِ أكثر من فاعلٍ واحدٍ، وهو غير موجود. فالصحيح أنها في هذه اللغة
стр. 1220
علاماتٌ حرفيّةٌ، حسبما أشار إليه الناظم.
فإن قلت: وأين إشارة الناظم إلى أنها حروف لا ضمائر؟
قيل: في وقوله: «والفِعلُ للظاهر بعدُ مسندُ»؛ إذ لو كانت عنده ضمائر، لكانت هى المسند إليها، ولم يقل هذه العبارة.
واعلم أن النظم ترك ذِكْر أمرين ضَرُوريَّين هنا:
أحدهما: حكم هذه العلامات مع الفعل المضارع، فإنها تلحق حيث تلحق الماضي، فتقول في اللغة المشهورة: يقوم الزيدان، ويقوم الزيدون، وتقوم الهندات، كما تقول: قام الزيدان، وقام الزيدون، وقامت الهندات. وتقول في اللغة الأخرى: يقومان الزيدان، ويقومون الزيدون، ويقَمْنَ الهندات، كما تقول: قاما الزيدان، وقاموا الزيدون، وقُمْنَ الهندات. فكان من حقه أن يذكر ذلك، وقد تقدمت الشواهد في المضارع، وكذلك فَعَل في لحاق علامة التأنيث الفعلَ، وترك هناك ذكر المضارع البتّةَ، وكان من حقه أن يذكر حكمه؛ إذ لا يُفَهم له من حكم الماضي، للمخالفة الحاصلة بينهما؛ ألا ترى أنها تلحق الماضى في آخره، والمضارعَ في أوله؛ ولذلك لو قال في فصل لحاق التاء بعد قوله: «والتاء مَعْ جَمْع سِوَى السَّالِم مِنْ» .. إلى آخره:
والتاءُ في مُضَارعٍ كالتَّاءِ في الماضِ إلّا الوضعُ في ابتداءِ
لم يبق عليه اعتراضٌ فيه، وبقي الاعتراض في هذا الموضع. وقد تحرّز في التسهيل، فَكمَّلَ القصد بقوله في آخر فصلِ التاء: «ويساويها في اللزوم/ وعدمه تاءُ مضارع الغائبة، ونون التأنيث الحرفيّة» ثم قال
стр. 1221
: «وقد تلحق الفعَل المسند إلى مال يس واحدًا من ظاهر أو مضمر علامةٌ كضميره».
والجواب: أن قوله: «وجَرِّد الفعلَ» ينتظم بإطلاقه الماضى والمضارع معًا، إذ لم يقيّده بالمضى كما قيده في قوله: «وتاءُ تأنيثٍ تَلِى الماضى»، فلما لم يقيّدها هنا لم يفُتْه ذكرُ المضارع؛ لأن المرادَ بالفعل جنسُه، لكن يخرج عنه فعل الأمر لأنه لا يسند إلى ظاهر أصلًا، فبقي الآخران. وتمثيله بالمضاضى لا يخرج المضارع، كما أنه لو مثل بالمضارع لم يخرج الماضى، فلا اعتراض عليه هنا، وإنما يعترض تخصيصُه الماضى في فصل لحاق التاء مع أن المضارع مثله في حكم العلامة كما مرّ.
والأمر الثاني: حكم هذه العلامات أو نظائرها مع الصفة؛ لأن اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة باسم الفاعل، تجرى في لحاقها العلامات وعدم لحاقها مجرى الفعل، فكما تقول: يقوم الزيدان ويقوم الزيدون وتقوم الهندات -في اللغة المشهورة- كذلك تقول: أقائم الزيدان؟ وأقائم الزيدون؟ وأقائمة الهندات؟ ومررت برجل حسنٍ أبوه، وحسنٍ آباؤه، وحسنةٍ أخوته. وكما تقول في اللغة الأخرى: يقومان الزيدان، ويقومون الزيدون، ويقُمْنَ الهنداتُ، كذلك تقول: هذا رجلٌ قائمان أبواه، وقائمون آباؤه، وقائماتٌ أخوته، ومررت برجل حَسَنَينِ أَبواه، وحَسَينينَ آباؤُه، وحسناتٍ أخواتُه. وليس في كلامه هنا ما يُعيِّن هذا الحكم في الصفات، ولا يصح أن تحمل على الفعل في تعيين العلامات لما بينهما من المخالفة في بعض الأحوال وإن اتفقت في بعضها؛ ألا ترى أن الفعل إذا أُسْنِدَ إلى جماعة المؤنث لحقته النون، ورذا أُسنِدت الصفة
стр. 1222
إليها لحقتها والتاء في مقابلة النون في الفعل. وإذا كان كذلك ثبت أنّ حكم الصفة قد فاته من أَصلٍ.
والجواب: أن يقال: لعلّ الناظم ترك ذك اكتفاءً بما ذكره في باب النعت من ذلك الحكم، حيث قال:
وَهْوَ لَدَى التَّوحيد والتذكير أَوْ
سِوَاهُما كالفِعْلَ، فاقْفُ ما قَفَوا
فبيّن أن النعت يجرى مجرى الفعل في توحيده أو تثنيته أو جمعه، وتذكيره أو تأنيثه، فحيثُ تلحق العلامةُ لحقتِ النعتَ، وحيث لا تلحقُ فلا تلحق النعت،
وحيث يجوز الوجهان في الفعل يجوزان في النعتِ. وهذا صحيح إلا ما كان من تعيين العلامة فإن فيه مخالفةً ما؛ إذ تلحق الفعَل النونُ، والنعتَ الألف والتاءُ، وفوات هذا أقرب من فوات أصل المسألة. ولم يُصَرِّح بحكم العلامة مع المفرد، وإنما ذكر حكم المثنى والمجموع، ولا ذكره أيضًا مع المذكّر، وإِنما ذكره مع المؤنث، لأنّ المفرد المذكّر يتبيّن حكمه مما ذكر، فإذا بيّن لحاقها مع المثنى والمجموع هنا، ولحاقها مع المؤنث/ تلخَّص من ذلك أنَّ المفرد المذكر لا يحتاج إلى شئ من ذلك. وأيضًا قد قُلِم أن العلامة إنما تُطْلَب لبيان ما يُسْتَهم حاله عند السامع، والسامع يدرك أن الفاعل أقل ما يكون واحدًا، وأن أصله التذكر، فإذًا متى كان كذلك يم يحتج إلى علامة؛ قال الجُزولى: «إذا ذُكِر الفعل أُدرِك أنه لا بدَّ من فاعل، وأنه أقلّ ما يكون واحدًا، وأنّ أصله التذكير، ولا يُدْرَك التأنيث ولا
стр. 1223
التثنية والجمع، فَيحتاج ما لا يُدْرك إلى علامة».
وَيَرْفَعُ الفَاعِلَ فِعْلٌ أُضْمِرَا
كَمِثْلِ: زيدٌ، في جَوَابِ: مَنْ قَرَا؟
يعنى أنّ الفعل يعمل في الفاعل على وجهين، أحدهما: أن يكون ظاهرًا، وقد تبيّن. والثاني: أن يكون مضمرًا ومقدّرًا غير ملفوظا به، [لكن] لا يكون ذلك إلا إذا كان في الكلام ما يدلّ عليه، كالمثال الذى أتى به، . وهو إذا قال لك قائلٌ: من قرأ؟ فأجبتَه بقولك: زيدٌ. فزيدٌ هو المقول في جواب قوله: من قرأ؟ فهو مرفوع بفعل مقدَّرٍ دالٍ عليه السؤال، فكأنه قال: قر زيدٌ، هذا وإن كان يحتمل أَن يكون مبتدًأ محذوف الخبر؛ فإن الأوّل أولى، لأنه مطابقٌ بخلاف الثاني.
واعلم أن الفعل المقدّر رافعًا للفاعل على وجهين:
أحدهما: أن يكون مقدَّرًا مع فاعله، لِنَصْبٍ يكون في الكلام لا ناصب له في اللفظ، فيجب أن يُقَدَّر له ناصب، ولا يكون إلا الفعل وفاعله، كما إذا قيل لك مَنْ ضربتَ؟ فتقول: زيدًا. وهذا يَتَكَّلم فيه وفي تقديره بَعدُ.
والثاني: أن يقدّر وحده لرفعٍ يكونُ في الكلام، لا رافع له إلا أن يقدّر له فِعْلٌ، حسبما يقتضيه الكلام. وهو الذى تكلَّم فيه هنا، لكن هذا أيضا على ضربين: أحدهما: أن يكون مقدّرًا أبدًا لا يجوز إظهاره، كالفعل المقدّر قبل المرفوع في باب الاشتغال، نحو: إِنْ زيدٌ قام أكرمته، تقديره: إن قام زيدٌ قام أكرمته. ولا يُتَكلّم به، كما يأتى إن شاء الله. ولم يَتَكلَّم هنا على خُصوصِ القسم، وإنما تكلم عليه في موضع الحاجة.
стр. 1224
والثاني: أن يكون جائز الإظهار، وهو الذى أشار إليه التمثيل؛ إذ يجوز أن تقول في جواب مَن قرأَ؟ قرأ زيدٌ. وقد جاء في القرآن الكريم الوجهان معًا؛ قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهم: مَنْ خَلَق السَّمواتِ وَالأَرْضَ؟ لَيَقُولُنَّ: اللهُ﴾، التقدير: خَلَقَهُنَّ اللهُ. وقال: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ: مَنْ خَلَقَهُمْ؟ ليقُولُنَّ: اللهُ﴾. وهو كثير. ومن الإثبات قولُه تعالى: ﴿وَلئِن سَأَلْتَهُم: مَنْ خَلَق السمواتِ والأرضَ؟ ليقولُنَّ: خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾، ﴿قال: مَنْ يُحيىِ العِظَامَ وَهيِ رَميمٌ؟ . قل: يُحْييها الّذِي أنشأها أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. ﴿يَسْأَلُونَكَ: ماذا أُحِلَّ لَهُمْ؟ قُلْ: أُحِلَّ لَكُمُ الطّيّباتُ﴾. وكذلك ما أشبهه. ولم يخصّ هذا التقدير بموضع دون آخر، بل أحال/ بمثاله على ما في معناه، وحاصلُ ما يجوز من ذلك أن يكون الدليل على المقدّر مذكورًا في الكلام، موافقًا للمقدّر ومعنى. وينتظم هذا العِقْدُ ثلاثة أقسام:
أحدها: يكون المقدّر في جواب استفهام، وهو الذى مثل به الناظم، ومرّ تمثيله.
والثاني: أن يكون في جواب نفي، كقوله: ما جاءني أحد. فتقول: [بل] زيدٌ. تقديره.
стр. 1225
بل جاءك زيدٌ، وأنشد المؤلِّف في الشرح:
تجلّدتُ حتى قيل: لم يَعْرُ قَلْبَهُ
مِن الوجدِ شيءٌ قلتُ: بل أعظمُ الوَجْدِ
أراد: بل عَراه أعظمُ الوجد.
والثالث: أَنْ يتقدّم فعلُ مفعولٍ من لفظه ومعناه، كقولك: جُمع الناس زيدٌ، وحُشِر أهلُ المدينة الملِكُ، وما أشبه ذلك، فالتقدير: جَمَعهم زيدٌ، وحَشَرهم الملكُ، ومنه قراءة ابن عباس: ﴿يُسَبَّح لَهُ فِيهَا بِالغُدوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ .. ﴾ الآية، بفتح باب (يُسَبَّح) على البناء للمفعول، فرجالٌ فاعلُ (يسبّح) مضمرًا، تقديره: يُسبِّح له رجال، وقرأ ابن كثير: ﴿وَكَذَلِكَ يُوحَى إِلَيْكَ وَإِلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِك اللهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، أي: يوحي اللهُ، وأنشد النحويّون:
ليُبكَ يزيدُ ضَارعٌ لخصومةٍ ... ومُخْتَبِطٌ ممّا تُطيح الطوائحُ
تقديره: يبكيه ضارعٌ لخصومة. ومن أبيات الحماسة لرجل من بَلْعنبر:
стр. 1226
لو كنتُ من مازنٍ لم تُسْتَبحْ إِبِلى
بنُو اللقيطهِ مِنْ ذُهْلِ بن شَيْبَانا
على رواية مَن روى: تُسْتَبحْ، مبنيا للمفعول، أى: لم تسَتبحها بنو اللقيطة.
وقال الآخر:
حمامة بطن الواديين تَرَنَّمى
سُقيتَ من الغُرّ الغوادى مَطيرُها
برفع: مطيرُها، وسقيت: مبني للمفعول
وهذا التقدير مشروط بدلالة الكلام عليه كما تَقَدّم، فلو لم يتعين لم يصحّ أن يقدّر شئٌ، للاستغناء بما ظهر، نحو: وُعِظَ فى المسجد رجالٌ، بخلاف ما إذا قلت: وعظ فى المسجد رجالٌ، ، زيدٌ. فإنه على التقدير. وهذا القسم داخل فى كلام الناظم، فلا يقال: إنه خارج عنه، لأن المثال لا يُعِيَّن مثله، وإنما يعِيَّن ما تَقدّم فيه فعلُ الفاعل، وهذا تقدّم فيه فعلُ المفعول؛ لأنا نقول: بل يدخل فيه من وجهين:
أحدهما: أن مباينه ما بينِ فِعْل الفاعل وفعِل المفعول قريبة جدًا، فهما متفقان لفظًا ومعنى وحكما، ولذلك جاز حذف الفعل هنا؛ إذ لو أعتُبِرتَ تلك المباينة لم يجز الحذفُ عندهم قياسًا، كا جاز مع تقدّم فعل الفاعل، كلما ساغ
стр. 1227
الحذف هنا واشتهر، دلّ على أن تلك المباينة غير معتبرة.
والثانى: أن هو القسم راجع إلى ما ذكره فى المثال؛ لأن الفعل فيه حذف فى جواب الاستفهام، وهذا القسم فى التقدير من ذلك، فقولك: قُرِىَ القرآنُ، زيدٌ. على تقدير أنه قال: قُرِىَ القرآن. فقيل: من قرأه؟ قال زيد. فدخل بالمعنى في إشارة مثاله.
وثمَّ قسمٌ رابعٌ، وهو أن يُدلَّ على/ الفعل المقدّر معنى الجملة لا لفظُها، أَوْ يدلّ عليه فعلٌ مجامعُه فى أصل الاشتقاق، لا فى نفس الصيغة:
فالأول [نحو] ما جاء فى الحديث من قول عائشة ﵂: «فلا أستطيعُ أَنّ أصومَهُ إِلَّا فى شعبان، الشُّغْلُ برسول الله ﷺ ». التقدير: يمِنعُنى الشغْلُ أو نحو.
والثانى: نحو قول الفِرزدقِ:
غَدَاة أَحلّت لابن أَصْرَمَ طعنةٌ
حُصَينٍ، عَبِيِطاتُ السَّدائَفَ والخَمْرُ
تقديره: حلّتْ لى عبيطاتُ السَّدائف والخمرُ.
وهذان فى القياس عليهما نَظرٌ، وليس ممّا يُشعِرُ به تمثيل الناظم، والله أعلم. وأتى الناظم بَقَرأ مُسهّلةَ الهمزة، بالإبدال، على لغة من قال: قريتُ، وأخطيتُ، فى قرأتُ وأخطأت. وقد تقدّم له مثل هذا.
стр. 1228
(ثم قال الناظم)
وَتَاء تَأنيثٍ تَلىِ الماضىِ إِذَا
كان لأنْثىَ، كَأبَتْ هِنْدُ الأَذَى
وهذا قسم يذكر فيه حكم لَحاقِ الفعل علامةُ التَأنيث إذا كان الفاعل مؤنثًا. وقد قدَّم حكم لحاق علامة التثنية والجمع، ولما خصّ بالذكر المؤنَّثَ دلّ على أن التاء لا تلحق هى ولا غيرها إذا كان مذكّرا، إلا فى موضع مخصوصةٍ قَدّم ذكر بعضها، وسيأتى حكمُ باقيها، فنحوُ: قام زيدٌ وخرج عمرو، لا تلحق فعله علامةٌ أصلًا، فإن جاء ما ظاهره ذلك فمؤول، كما قال القائل: «فلان لغُوبٌ، جاءته كتابى فاختصَرها. فقيل: تقول: جاءته كتابى؟ ! فقال: أليست بصحيفة». فأَنَّث [الكتاب] علي معنى الصحيفة. وقد جُمِل على هذا المعنى قولُ حاتم:
أَما وِىَ، قد طال التجنُّبُ والهَجْرُ
وقَد عَذَرِتْنى فى طلابِكمُ العُذْرُ
أى: المعذرة.
فقوله «وتاء تأنيثٍ»، مبتدأٌ خبرُه: «تلى الماضِىْ» وأسكن ياء «الماضى» وكان حقُّه أن يقُولَ: «تلى لماضى» -بالتحريك لضرورة الشعر. ولأَنَّها لغة ضعيفة، وقد تقدم ذكرها.
يعنى زن تاء التأنيث حكمه أَنْ تَلِىَ الفِعْلَ الماضى، أي: تأتي بعده
стр. 1229
متّصلةٌ [به] لاحقةً له، وإذا كان ذلك الماضى لأنثى، أى: مسندًا إلى أنثى. فالضمير فى كان عائد على الاضى. والأنثى مطلقا، أو بظاهرها إذَا كان تأْنيثها حقيقيًا.
و«لأنثى» متعلّق بمسند، وحُذِف لدلالة الكلام عليه؛ إذ كان هنا كمستقر فى سائر المواضع، فى كونه مفهومًا معلومًا. أو ما يتعلق بمستقر، فكأن الناظم يقول: إذا كان الماضى مستَقّرًا لأنثى.
وأتى لذلك بمثال وهو: بت هند الأذى بيّن به ما آصل، وكيف تلى تاءُ التأنيث الفعل؛ إذ ليس فى قوله «تلى الماضى» بيانُ كيفيَّة اتّصال التاد بالفعل، ور كان ذلك معلومًا من خارج، فأراد إيضاح ذلك/ الأتصال.
(ثم قال):
وَإِنَّما تَلْزَمَ فِعْلَ مُضْمَر
مُتَّصِلٍ، أَوْ مُفْهمٍ ذَاتَ حِرِ
لما بيّن لحاقها على الجملة من غير تقييد بلزوم ولا جواز، أتى هنا ببيان ذلك المجمل، فيريد أن تاءَ التأنيث فى الحاقها الفعل على وجهين، لازمة وغير لازمة:
فأما لزومُها ففى موضعين:
أحدهما: مع فَعْلِ المضمر المتصل، وهو قوله: «وَإِنما تلزم» -يعنى التاء- «فعْلَ مُضْمَرِ»، يريد فعل فاعل مضمر متّصل بالفعل. أما
стр. 1230
اشتراطه أن يكون الفاعل مضمرًا فلأنه إذا كان ظاهرًا فله حكم سيذكره، وكذلك اشتراطهُ أن يكون متًّلا تحّرزٌ من كونه منفصلًا؛ فإن حكمه إذ ذاك حكمُ الظاهر، فكما تقول: ما قام إلا هندُ، وما قمت إلا هندٌ، كذلك [تقولُ]: ما قام إلا انت يا هندُ. بخلاف ما إذا كان ضميرًا متصلًا فإنّ التاء لازمةٌ مطلقًا، سواءٌ أكان المؤنث حقيقى التأنيث أم لا. هذا ظاهر كلامه حيث أطلق القول فى المضمر المتَّصل، وقيّده فى الظاهر بكونه حقيقيًّا. وهذا صحيح، فتقول: هند قامَتْ، وزنينبُ خرجَتْ، والشمس طلعَتْ، والدار تهدّمتْ؛ فلا يجوز هنا حذف التاء قياسًا.
وقوله: «إنما تلزَمُ»، أراد اللزوم القياسىّ خاصَّةً، وإلا فقد جاء السماعُ بخلاف ذلك، كبيت عامر بن جُؤَين:
* ولا أرضَ أَبْقَلَ إبْقَالها *
وكذلك قولُ بعضهم: قال فلانة، فى الموضع الثانى. وما أشبههما من النظائر. وقال نبّه على ذلك الناظم بعدُ، فإنّما مقصوده أن ذلك شاذٌّ، وإن القياس لزوم التاء
والموضع الثانى: مع فعل الظاهرِ النتَّصِلِ الحقيقىّ التأنيث، فالظاهر إذا اجتمع فيه أَيكون حقيقى التأنث متّصلا بفعله، لزمته العلامة أيضًا. فأما
следующие страницы →