← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

ضرب زيدًا تُ، ولا: ضرب زيدًا أنا؛ لأنه قد قدّم أن الضمير لا يكون منفصلًا ما/ أمكن أن يكون متصّلا. وهذا إذا لم يكن الفاعل ضميرًا، منحصرًا -فلو كان ضميرا منحصرًا- وهو الذى تحرّز منه بقوله: غير مُنْحَصِرْ- لم يلزم المفعولُ رتبتَه من التأخير عن الفاعل، على حسب ما يذكره في البيت التالي لهذا. والمنحصِرُ قد تقدّم تفسيرُه، وأنه يريد به ما وَلِى أداة الحصر، نحو: ما أكرم زيدًا إلا أنا، وما أشبه ذلك. وغيرَ: منصوب على الحال من «الفاعل» أى حالة كونه غير منحصر. وفي هذا الكلام نَظَرٌ من وجهين: أحدهما: أن قوله: «أو أُضمِر الفاعلُ غيرَ مُنْحَصِرْ» يدخل فيه ما كان من الفاعلين ضميرًا منفصلا غير محصور؛ فإنك إذا فلت: ضربَ زيدًا إما عمروٌ وإما أنا، وأكرمك إما أنا وإمّا زيد، أو قلت: إن أكرمك لزيد، وإن أرضاك لهو. فهذا كلّ وما أشبه قد أضُمِر فيه الفاعل غير منحصر، مع أنه لا يلزم فيه تأخير المفعول، بل لا يجوز ذلك في جملة من [هذه] المسائل. لا يقال: إنّ مذهبه هنا مع إنْ المخففة مذهب الكوفيين في هذه اللام من أنها يمعنى إلّا، لأنه نَصَّ على خلافه كما تقدم، ولو كان رأيُه فيها رَأْيهم لم يتّجه ذلك، لوُجودِ نحو: أقام أباك إمّا أنا وإما زيدٌ، وكذلك مع اسم الفاعل إذا قُلْتَ: إن ضاربك لزيدٌ وإن

стр. 1262

مخرجك لهو، وكذلك: أعجبتني هندٌ المكرمُها أنا، وما أشبه ذلك. وهذا الاعتراضُ لازم له في التسهيل حيث قال: «يجب وصلُ الفعلِ بمرفوعه إِنْ خِيفَ التباسه بالمنصوب، أو كان ضميرًا غير محصور». فإن الضمير في هذه المسئل كلّها غير محصور، ولم يجب فيها وصلُ الفعلِ بمرفوعه. وبهذا اعترضه في التسهيل شيخنا الأستاذ أبو سعيد، أجلَّه الله. ويزيد كلمُه في التسهيل اعتراضًا آخَرَ لا يلزمه هنا، وهو أنه قال: «يجب وصلُ الفعلِ بمرفوعه [إن خيف التباسه بالمنصوب»، فاقتضى أنّ اللبس إنما يُوجِب وصلَ الفعلِ بمرفوعه] من غير نظر في المفعول. وليس كذلك؛ ألا ترى أنك لا تقول: موسى ضرب عيسى، لأجل اللبس، وقد اتّصل الفعل بمرفوعه، وهو إما عيسى إن فرضت موسى مفعولًا، وإما ضمير موسى إن فرضتَه مبتدًأ. وقد اقتضى كلامُه جَوازَ مثل هذا، وأنّ موسى إذا فرضته مفعولًا لا يلزم تأخيره، [وليس كذلك، بل يلزم تأخيره] لأجل اللبس كما مرّ. وكلامه هن مُحَرّر لقوله: «وَأَخِّر المفعول إِنْ لَبْسٌ حُذِرْ». فاعتنى بالمعفولِ تحرُّزًا من التقديم فيه. والثاني: أنّ الفاعل إذا أُضمِرَ نحو: ضربتُ زيدًا، لم يلزم تأخير لمفعول؛ إذ كان جائزًا باتفاقٍ أَنْ تقول: زيدًا ضربت، ولا يزلم أن تقول: ضربتُ،

стр. 1263

ولا يلزم أن تقول: ضربتُ زيدًا، لا غيرُ. وكذلك ما أشبهه، وإنما يلزمُ التأخيرُ مع اللَّبس كما تقدم. فالحاصل أن هذا الكلام غير صحيح من وجهين وعبارته في التسهيل بالنسبة إلى هذا الوجه صحيحة، لقوله: يجب وصلُ الفعل بمرفوعه إن كان كذا أو كان ضميرًا غير محصورٍ، فالتاء في ضربت ضميرٌ غير محصور، فوجب وصلُ فعله به من غير تعرّضٍ للمفعول، فاقتضى جواز: زيدًا ضربتُ، بلا شك. فإن قيل: قد دخل له نحو: زيدًا ضربت، في قوله قبلُ: «وقد يَجىِ المفعولُ قبل الفعل». قيل: ليس كذلك، لأن ذلك الكلام مجملٌ يصدق على نحو: زيدًا ضرب عَمْرو، فلا يكون بيانًا لهذا الموضع. وهذان الاعتراضان لا جواب لي عنهما، وليس كلُّ داءٍ يعالجه الطبيب؛ لَمّا بيَيّن ابنُ جني أنه لا يجوز ردُّ اسم لما لم يُسَمَ فاعله لنقصان الحديث، لنقصانِ ظُنّ زيدٌ، قال: فقلت لأبي علىّ: فقول سيبويه: كائنٌ ومكونٌ؟ [فلم يُجِبْنى عن هذا السؤال بشئ، وقال: ﴿يَمُرُّونَ عَلَيها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونِ﴾؛ فجهِدْتُ به] فلم يجبني، وجعلَ يُعَلّل ويقول: الذى يقولُ أصحابنا قد عَرّفتُك إياه. قال: قلت: فيقولون: إن سيبويه يُجِيزُ أَن تبنى كان للمفعول فقال: لا. قلت: فما يُعَملُ بهذا الذى ورد؟ فقال: لا أَدْرى. قلت: أَفتقول: إنه خَطَأ في النسخة؟

стр. 1264

فقال: لا. ثم قال: ليس كلُّ الداء يعالجه الطبيب. انتهت الحكاية. ثم قال الناظم: «وما بإلّا أو بإنّما انحصَرْ .. أَخِّرْ»، «ما» هنا منصوبة المحلّ بأخِّرْ، أى: أَخِّر ما انحصر بإلّا أو بإنّما. وهذا هو الموضع الثالث من المواضع التى يجب فيها تأخير المفعولِ عن الفاعل، وذلك إذا كان المفعولُ محصورًا بإلّا أو بإنّما، لكن لمّا كان الفاعلُ أَيضًا يلزمه التأخير عن المفعول إذا كان هو المنحصر، أَتى بالقاعدة شاملةً للفاعل والمفعول معًا بما التى تقتضى العموم في قوله: «وما بإلّا»، يعنى أنَّ ما كان من الفاعلِ والمفعول منحصرًا بأحد هذين الحرفين وجب تأخيره، فمثال تأخير المفعول المحصور بألّا: ما ضرب زيدٌ إلّا عمرًا. فلا تقول هنا: إلّا عمرًا لم يضرب زيد، وإن كان يجوز: عمرًا لم يضربْ زيدٌ، لمكان أداة الحصر. وكذلك لا تقول: ما ضرب إلا عمرًا زيدٌ إلا قليلا، حسبما يذكره. ومثال تأخيره محصورَا (بإنما): إنما ضرب زيدٌ عمرًا، فإن معناه كمعنى: ما ضرب زيدٌ إلا عمرًا. ومنه ما أنشد سيبويه: كَأَنَّ يَوْمَ قُرّى إِنَّما نَقْتُلُ إيَّانَا وأما لزومُ تأخير الفاعل فذكر له موضعين:

стр. 1265

أحدهما الذي شمله اللفظ، وهو إذا كان الفاعل مقرونا بإلا أو بإنما، فاقترانه بإلّا نحو: ما ضرب أخاك إلا زيدٌ، وما أكرمه إلا أنا. وفي القرآن: ﴿لا يُجَلِّيها لوقْتِها إلّا هُو﴾، ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ﴾. وقال الشاعر: قَدْ عَلِمتْ سَلْمَى وَجَارَاتُها ما قَطّرَ الفارِسَ إلّا أنا واقترانه بإنّما نحو قولك: إنما ضَرَب زيدًا عَمْروٌ. وإنما أكرم أخاك زيد. وقال الشاعر: أَنَا الفَرِسُ الحامِى الذِّمارَ وَإِنّما يُدافِعُ عَنْ أَحْسَابِهِمْ أَنا أَوْ مِثْلِى ولا يقال: ما ضرب إلا زيدٌ أخاك، وما ضرب إلا أنا زيدًا، إلا قليلا كما ذُكر، وكذلك لا تقول: إنما ضرب زيدٌ عمرًا، وزيدٌ هو المحصورُ، كما أنك لا تقول: إنما ضرب عمرًا زيدٌ، وعمرًا هو المحصور. هذا مذهب جماهير البصريين والكوفيين. والمسألتان معًا مختلف فيهما بين النحويين على ثلاثة أقوال: أحدها: لزومُ تأخير المحصور من الفاعل والمفعول، وهو الذي تقدَّم.

стр. 1266

والثاني: عدم اللزوم بإطلاق، بل يجوز تقديمُ المحصور إلى موضع غير المحصور. وهو رأى الكسائى من الكوفيين. والثالث: الفرقُ بين الفاعل والمفعُولِ، فإذا كان المحصورُ/ [هو الفاعلُ لم يجز تقديمه، وإذا كان المفعولُ جاز تقديه. وهو منقولٌ عن الأخفش وابن الأنبارى. وكأنّ الناظم أخذ بمذهب رابع، وهو جوازُ تقديم المحصور على قلّة. وذلك قولُه: «وقد يَسْبِقُ إِنْ قصدٌ ظَهَرْ»، فضمير «يسبق» عائد على ما انحصر، يعنى أنّ المنحصر قد يتقدّم إن ظهر قصدُ الكلام وتبيّن المنحصرُ من غيره، وذلك في الحصر بإلّا نحو: ما ضرب إلّا عمرًا زيدٌ، وما ضرب إلا زيدٌ عمرًا. ووجهُ ما رأَى الناظم من ذلك أن القياس لا يمنعه بإطلاق، والسماع يُعَضِّد القول به. أما القياسُ فإن الأل الاستعمالي -كما تقدّم- جوازُ تقديم المفعول على الفاعل، والأصلُ القياسىُّ تقديمُ الفاعِل على المفعول، فإذا ثبت هذا لم يُعْدَل عن إلا لما هو أقوى منه، وليس بموجود في مسألتنا، لأنّ تأخير المحصور إنما يُفْتَقَر إليه إذا لم يكن ثَمَّ دليلٌ عليه سوى التأخير، وقد دلّت إلّا على المحصور بدخولها عليه، فهو معلوم سواءٌ تقدَّم أم لا، بخلاف إنّما فإنها لا تُعيِّن لامحصور من غيره، فالتُزِم التأخير فيه ليتعيَّن. وأما السماع فقد قال زهير: وَهَلْ يُنْبِتُ الخَطِّى إِلّا وَشِيجُهُ وتُغْرَسُ إِلّا في مَنَابِتِها النَّخْلُ

стр. 1267

وكانَ الأصلُ -لو روُعِى التأخيرُ- أن يقولَ: وتُغَرسُ النخلُ إلّا في منابِتِها. وقال ذو الرُّمّة: تَداويتُ مِنْ مىٍّ بِتَكْلِيمةٍ لها فَما زَادَ إلَّا ضعْفَ دَائِى كَلَامُها هذا في حصر غير الفاعل، وأما حصر الفاعل وتقديمه، فقد أنشد الفارسىّ في التذكرة: نُبِّئْتُهم عَذّبُوا بالنّارِ جَارَتَهُمْ وهل يُعَذِّبُ إِلّا اللهُ بالنّار وأنشد أيضا: فلم يَدْرِ إلا الله ما هيجّت لنا عشيةَ أنآءُ الديار وشامها وإذا ثبت سماعًا ما سوّغه القياسُ جاز لنا القياسُ على ما سُمِع، إلا أنّ السماع لم يأت منه ما يبلغ مبلغ الشائع الكثير. وأكثر ما تراه في الشعر الذى يُظَنّ أَنه فيه ضرورة. فلم يُطلق القولَ بالقياسِ كما أطلقه الكسائى، ولا بالمنع كما أطلقه الجمهور، فأجازه على ضعفِ، وهو سادٌ من النظر، فقال: «وقد

стр. 1268

يسبقُ إن قصدٌ ظَهَرْ». فأتى بقد المشعرة ببالتعليل والضعب، وقيّد الجواز بعدم اللبس تحرُّزًا من إنّما؛ فإنَّ المحصور معها لا يتعيَّنُ إلا بالتأخير، فلو أجيز تقدّمه لالتبس بغير المحصور، فلم يكن بدٌّ من التزام تأخيره حسبما أعطاه معنى كلامه. وهنا مسألتان: إحداهما: أنهم اختلفوا [بعد وجود تقديم] المحصور في وجه التقديم على قولين؛ فمنهم من أجازه [على إِضمار فعل] فإذا قلت: ما ضرب إلا عمروا زيدًا، فهو على تقدير حذف المفعول [من ضرب اقتصارا]، وقوله: إلا زيدًا على إضمار فعل تقديرُه: ضرب زيدٌ. وعلى ذلك [تَأَوَّل] المانعون قولك: ما ضرب إلا زيدًا عمرو؛ إذ هو تقدير: ضربه عمرو، [وفيه بقاءُ الفعل بلا] مرفوع، وذلك ممنوع، فامتنع ما يؤدّى إليه؛ ولأجله استسهل بعضهم ما جاء من نحو: ما ضرب إِلا عمرو زيدًا، ولم يستسهل نحو: ما ضرب/ إلا عمرًا زيد، على عكس ما ذهب إليه أبو الحسن وابن الأنبارى. ومنهم من حمل ذلك على غير الرضمار، بل على حقيقة التقديم والتأخير، وكان ابن الأنبارىّ إلى هذا نحا، فأجاز: ما ضَرَب إلا زيدًا عمرو؛ لأن المحصور مستحقٌّ التأخير، فكأنّ زيدًا متأخر، فجاز. ومنع:

стр. 1269

ما ضرب إِلا زيدٌ عمرًا، لأن زيدًا محصور، فاستحق التأخير، فرذا قُدّم صار في محلّه الأصيل، فلم يكن مستحقًا للتأخير، فتناقش، فامتنع. وعلى هذا الوجه يجرى أيضًا كلام الناظم؛ إذ لو اعتُبِر الإضمار لم يصحّ له إجازة: ما ضرب عمرًا إلا زيد، لبقاء الفعلِ فاعلٍ. وكذلك ابن الأنباري والأخفش وسائر من أجاز على الجملة. والثانية: أنك إذا قلت: ما ضرب إلا زيدٌ عمرًا فهو على وجهين: أحدهما: أن يكون على معنى: ما ضرب عمرًا إلا زيدٌ، أن تنفي الضاربين عن عمرو وتستثنى منهم زيدًا. والثاني: أن تُريدَ نفي الضاربين بإطلاق، ثم تستثنى منهم زيدًا، مخبرًا أنه ضَرب عمرًا، حتى كأنك قُلْتَ: ما ضَرَبَ أحدٌ إلا زيدٌ، أى: ما وقع من أحدٍ ضربٌ إلّا من زيدٍ، ثم أخبرت أَنّه ضَرَبَ عمرًا، وكأَنَّ عمرًا منصوب بإضمار فعل لا بالأول. فأما الوجه الأول فهو المختلفُ فيه، وأَمَّا الثاني فكأنه متفق على جوازه، وقد أجازه الأخفش، وهو الذى منع الأول. وذكره أيضًا الشلوبين واعترض بسببه على الجزولى؛ إِذْ لا يَجُوزُ فيه تقديمُ مَفْعولِه وتأخير [فاعله] [لالتباسه في التقديم] ... ... ... فقد يقال إن هذا وجه يدخل [له تحت] قوله: «وما

стр. 1270

بإلّا أو بإنما انحصَرْ .. أَخّر» يعنى عن المفعول يقتضى أَنّ [الكثير في نحو] قولك: ما ضربتَ إلّا زيدٌ عمرًا، تقديم عمرو وأن تقديم زيد عليه قليل. وليس كذلك، بل لا يجوز هنا الّا تأخير المفعول خوف اللبس، فكلامه معترض يجاب عن ذلك بأن المسألة ليست من قبيل ما تكلّم فيه الناظم؛ ما تكلّم فيه هو ما كان فيه الفاعل والمفعول معًا لفعل واحدٍ، فتدخل فيه المسألة على الوجه الأوّل محذوفٌ اقتصارًا؛ إذ لم تَنْفِ فيه ضاربي عمرو بخصوصه، وإنما نفيتَ الضَّاربِيِنَ بإطلاق، ونَفْىُ الضَّارِبينَ بإطلاقٍ لا يصحّ مع ذكر المضروُب الذى هو عمرو، فلا بدّ أن يكون عمرو معمولًا لفعل آخر مقدّر، كأن الكلام في تقدير سؤال سائر: من ضرب زيدً؟ فتقول: عمرًا. أى: ضرب عمرًا هذا تنزيل المسألة، وإن كان أبو علىٍّ الشلوبين قد أتى بها مُسْجَلَةً مجملة، فلا يصحّ المعنى إلّا على هذا، وإذا كان كذلك امتنع تقديم عَمْرو، لأنه فَصْلٌ بين أبعاض جملة بأجنبىٍّ هو معمولٌ لجملة أخرى. فلا اعتراض على الجُزُولى ولا على الناظم بهذه المسألة، والله أعلم. ثم قال: «وشاع نحوُ: خاف رَبَّه عُمَرْ». وهذا هو الموضع الثاني من موضعي لزوم تقديم المفعول على الفاعل، وذلك إذا اتّصل بالفاعل ضمير يعودُ على المفعول، لكنّه قدّم هنا مقدّمة يتّصل معناه بمعنى ما أراد ذكره، وهو جوازُ تقديم المفعول إذا اتّصل به ضميرٌ يعودُ على الفاعل، وأن لا محذور في ذلك، وعيَّن ما أراد بالمثال، وهو قوله: خافَ ربَّه عُمَرْ»، فأراد أن ما كان كذلك فهو

стр. 1271

شائع في كلام العرب/ فاشٍ، يعنى تقديم المفعول. وإنما ذكر هذا المعنى ليتبيَّن أنّ الضمير إذا تأخّر مفسِّرُه لا يمتنع بإطلاق، بل يجوز في موضع ويمتنع في آخر. وهذا الموضع ممّا لا يمتنع فيه تأخيرُ المفسّر، بل هو كثير شائع، وإن كان تأخير الضمير من المفسّر أكثر، فيجوز أن تقول: خافَ ربَّه عُمَرُ، وإن كن ضمير رَبَّه يعود على عُمَر، وهو متأخر، لأن أصله التقديم، فكأن التقدير: خاف عمرُ رَبَّه. وهذا صحيح لا إشكال فيه. وعلى هذا تقول: ضَرَبَ غلامَه زيدٌ، وأكرم صاحب أبيه عَمْرٌو. ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ في نَفْسِه خيفَةً مُوسَى]؛ لأن المجرور مفعولٌ به تقديرًا. وهو كثير في كلام العرب، كما قال. فإن كان الضميرُ متّصلًا بالفاعل لزم فيه التأخير، ولزم في المفعول التقديم، إلا في الشعر، وعلى ذلك نبّه بقوله: «وَشَذّ نَحو: زَانَ نَورُه الشَّجَرْ، يعنى ما كان نحو هذا مما اتّصل بالفاعل فيه ضمير يعودُ على المفعول، لم يجز تقديمُ الفاعل فيه، بل يلزمُ تأخيرُه، فتقول: زان الشجَرَ نورُهُ، وضرب زيدًا غلامه، وقتل عَمْرًا أخوه. ومنه قول الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلى إبراهيمَ ربُّه بِكَلِمَاتٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ آياتِ رَبِّك لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيْمَانُها لم تكُنْ آمَنَتْ من قبلُ﴾ .. الآية. ووجهُ المنعِ أَنّ مُفَسِّر الضمير إنما يكونُ متقدّمًا عليه؛ إذ لا يضمر الاسم إلا بعد أَنْ يعرف ويتقدّم ذكره. وإذا كان كذلك، وكان مفسّر الضمير متأخرًا، فإن كان التأخير له عرضًا جاز لأنه في الحقيقة متقدّم على الضمير، وذلك كالمسألة الأولى، وهى: خاف ربّه عُمَر. وإن كان

стр. 1272

التأخير له بحكم الأصل لم يصحّ وضعُه مفسّرا، لأنه خلاف الوضع، فلا بدّ أن يُرَتّب الكلام ترتيبا يكون فيه المفسّر متقدمًا في اللفظ ليكون الضمير محالًا به على مذكور، فلزم أن يتقدّم المفعولُ إذا كان هو المفسّر للضمير المتّصل بالفاعل فعلى الجملة إذا حصل للمفسّر التقديمُ إما في اللفظ وإمّا في المرتبة الأصلية، وإن كان متأخّرا في اللفظ، صحّ، وإن لم يحصل له التقديمُ لا في اللفظ ولا في المرتبة لم يصح الكلام إلّا في الشعر، كما قال: وقوله: «وشذ نحُو» كذا، تنصيصٌ على أنه قد جاء في السماع ما يخالف هذا الأصل، وذلك على مثال ... فلا يقاس عليه لاختصاصه بالشعر وعدم مساعدة القياس له. ومما جاء من ذلك قولُ حسان بن ثابت يرثى مطعم بن عدىّ، جدّ نفع بن جُبَير بن مطعم، ﵏: وَلَو أَنَّ مَجْدًا أَخْلَدَ الدَّهْرَ وَاحِدًا مِنَ النّاسِ، أَبْقَى مَجْدُهُ الدَّهْرَ مُطْعَما وقال النابغة: جَزَى رَبُّه عَنِّى عَدىَّ بن حَاتِمْ جَزَاءَ الِكَلاب العَاوِيَاتِ، وقَدَ فَعَلْ وقال الآخر:

стр. 1273

لَمَّا رَأَى طَالِبُوهُ مُصْعَبًا ذُعِرُوا وَكَانَ لَوْ سَاعَدَ المَقْدُورُ يَنْتَصرُ وقال الآخر: جَزَى بَنُوه أَبا الغَيْلانِ عَنْ كبَرٍ وحُسْنِ فِعْلٍ كما يُجْزَى سِنِمَّارُ وقال الآخر: أَلَا لَيْتَ شِعْرِى هَلْ يلومَنَّ قَوْمه زُهَيرًا عَلَى ما جَرّ مِنْ كُلِّ جَانبِ وقال الآخر: كسا حِلْمُه ذا الحِلْمِ أثوابَ سُؤدَدٍ وَرَقَى نَدَاهُ ذا النَّدىَ في ذُرىَ المَجْدِ وهذا كلُّه عند الناظم لا يعتدّ به، ولا يبنى عليه قياسٌ، وهو رأىُ الجمهور من النحويّين. وذهب أبو الفتح بن جِنّى إلى جواز القياس على ما جاء من ذلك، فيجوز عنده أن تقول: ضرب غلامُه زيدًا، ونصرَ أبوه عمرًا، وزان نورُه الشجر. / وتبعه المؤلِّف في التسهيل، وشرحه على القياس، واحتجّ لما

стр. 1274

ذهب إليه بالسماع المذكور -ولا حجةَ فيه لقلّته واختصاصه بالشعر- قال: «ولأنّ جواز [نحو]: ضرب غلامُه زيدًا، أسهلُ من جواز: ضربوني وضربتُ الزيدين، ونحو: ضربتُه زيدًا، على إبدال زيدٍ من الهاء. وقد أجاز الأوَّلَ البصريون، وأجِيز الثاني بإجماعٍ حكاه ابن كيسان. وكلاهما فيه ما في ضربَ غلامُه زيدًا، من تقديم ضمير على مفسّرٍ مؤخّر الرتبة، لأنّ مفسِّر واو] ضَربُونِى معمولُ معطوفٍ على عاملها، والمعطوفُ ومعموله أمكنُ في استحقاق التأخير من المفعول بالنسبة إلى الفاعل، لأن تقدّم المفعول على الفاعل [يجوز في الاختيار كثيَرَا، وقد يجب، وتقدمُ المعطوف وما يتعلّق به على المعطوف] عليه بخلاف ذلك، فيلزم من أجاز: ضربوني وضربت [الزيدين] أن يحكم بأولوية جواز: ضرب غلامُه زيدًا، لما ذكرناه». قال: «وكذلك يلزمُ مَن أجاز إبدال ظاهر من مضمر لا مفَسِّر له غيرهُ؛ لأنّ البدل تابع، والتابع مؤخر بالرتبة ومؤخّر في الاستعمال على سبيل اللزوم. والمفعولُ ليس كذلك؛ إذ لم يلزم تأخيره». هذا تمامُ ما احتجّ به، وليس فيه على ما اختار هنا واضحُ دليلٍ: أَمَّا أوّلًا فإن المتّبع السماعُ كيف كان، وقد علمنا شُذُوذَ ما جاء عنهم في مسألتنا وشياع ما جاء عنم في باب الإعمال والبدل، فنحن نقيس حيث بلغ

стр. 1275

أن يقاس عليه، ونمنع القياس حيث لم يبلغ السماعُ أن يقاس عليه. وبعد ذلك إن وجدنا علّةً لشذوذ الشائع فسّرناها بناءً على قول سيبويه: «قِفْ حيث وَقَفُوا ثم فَسِّرْ». وهى قاعدة مسلمة عند الجميع. وأما ثانيا فإنّ بابى الإعمال والبدل جاءا على خلاف الأصول؛ إذ الأصل والأكثر الشائع تقدُّم مُفَسّر ضمير الغائب، بإقراء ابن مالك وغيره، فمتى جَاءَ ما يخالفه فلا ينبغي فلا يُعَوّلَ عليه في قياس ما ليس من بابه عليه، بل ينظر إليه في نفسه، فإن كثر تبلغ القياسَ قيس عليه في بابه خاصّةً، كما فعلُوا في باب الإعمال، وباب نعم وبئس، وباب ضَمير الشأن، وباب البدل، وباب رُبَّ. ولم يُتَعرّض لإبطالِ الأصل به؛ إذْ لو كان كذلك لم يَصحَّ أَنْ يكون الأصلُ تقديمَ مفسّر ضمير الغائب، ولكان التقديم والتأخير في المفسّر جائزًا بإطلاقٍ قياسًا على ما قال، لكن هذا باطل باتفاق، فيطل ما أدّى إليه. وإنَّما نظيرُ بابِ الإعمال وما أشبه في كونها مستثنًى من القاعدة بيعُ العرايا بِخَرْصِها تمرًا إلى الجَدَادِ، وضربُ الدية على العاقلة وما أشبهها مما هو خارج عن القواعد ... ولا يخرج عن بابه لأنه خرمٌ للقاعدة الثابتة. فما قاله المؤلف ﵀ لا ينهض دليلًا على القياس، فالصحيح ما ذهب إليه هنا من الوقوف مع الأصلِ ومنع

стр. 1276

سواه؛ إذ لم يثبت سماعٌ يقاسُ عليه. وإذا ثبت وَرَدَ على الناظم دركٌ في هذا الفصل من وجهين: أحداهما: أنه أتى في تقديم المفعول على الفاعل أو على الفعل بثلاثة أقسام خاصة؛ لزوم تأخير المفعول، ولزوم تقديمه على/ الفاعل، وجواز تأخيره وتقديمه وتوسيطه. والقسمة تقتضى سبعة أقسام: لزوم تأخيره عن الفاعل، ولزوم تقديمه على الفعل، ولزوم توسيطه بينهما، وامتناع تأخيره فقط مع جواز تقديمه وتوسيطه، وامتناع تقديمه فقط مع جواز توسيطه [وتأخيره]، وامتناع توسيطه فقط مع جواز تقديمه وتأخيره، وجواز الأوجها الثلاثة. فالجميعُ سبعةُ أقسام، نقصَهُ منها أربعة: أحدها: لزومُ تقديمِ المفعولِ، وذلك إذا كان فيه معنى الشرط، نحو: من تُكْرِمْ أكرِمْ، وَأَيّهم تُكْرِمْ أكرِمْه. أو معنى ذلك الاستفهام، نحو: أَىّ رجل أكرمت؟ ومَن ضربت. وما صنع زيد؟ أو كان كم الخبرية، نحو: كم رجلٍ أكرمتُ، وكم بَطَلٍ جَدَلَ زيدٌ، أو مضافًا إلى واحد منهما، نحو: غُلام أَيِّهم تُكْرِمْ أكرِمْه. وغلام مِنْ أكرمت؟ وغُلام كم رجلٍ أطعمتُ والثاني: امتناع التقديم، وذلك مع أدوات الشرط سوى إِنْ، نحو: متى يضربْ زيدٌ عمرًا أكرِمْه. ومتى يَضْرِبْ عمرًا زيدٌ أكرِمْه. فيجوز تأخيرُ المفعول وتوسيطه، ولا يجوز تقديمه. ومع أدوات الاستفهام سوى الهمزة، فيجوز: هل ضرب زيدٌ عمرًا؟ وهل ضرب عمرًا زيدٌ؟ ولا يجوز هل عمرًا ضرب زيد؟

стр. 1277

والثالث: امتناع التوسيط، وذلك إذا كان الفاعلُ [ضميرًا متصّلا، نحو: ضربتُ زيدًا، وزيدًا ضربت. ولا يجوز توسيطه] بين الفعل والضمير، فلا تقول: ضرب زيدًا، من غير حصر، ولا ما يوجد انفصالَ الضمير. والرابع: لزوم توسيطه، وذلك إذا كان الفاعل مقرونا بإلّا، أو في معناه، أو كان ضمير متصّلا والفاعل ظاهر، نحو: ما ضرب زيدًا إلّا عمرو، وإنّما ضرب زيدًا عمرو، وضَربَك عمرو. فإن قلت: قد ذكر هذا القسم بقوله: «وَمَا بِإِلَّا أَوْ بِإِنَّما انحصَرْ .. آخِّرْ». قيل: بل لم يذكره، وإنما فيه لزومُ تأخير الفاعل خاصة، يبقى المفعول محتمِلًا لأَنْ يكون لازم التوسيط أو التقديم، أو لم يتعرض له، فقد يتوهم جواز مثل: ما زيدًا ضرب إلا عمرو وهو غير جائز. والثاني: أن المواضع التى ذكر للزوم التأخير في الفاعل أو المفعول قاصرة عن المقصود؛ إذ لم يستوفها كما استوفاها غيره، فكان حقّه أن يستوفيها. فإن قيل: إِنَّ هذا المختصر لم يُبْن على الاستيفاء وإنما بُنى على الاختصار وذكر مشاهير الأصول والمسأل، وأيضا فما ذكر تنبيه على ما لم يذكر. قيل: هذا ليس بعُذْرٍ، وقد قَرَّر أولًا جواز التقديم والتأخير والتوسيط، وأنه الأصل المرجوع إليه إذا فقدت العوارض، ولما ذكر من العوارض ما ذكر أوهم أَنْ

стр. 1278

ليس ثَمَّ عارضٌ يَصُدُّ عن مراجعة الأصل، فاقتضى أنّ سِوَى ما ذكر يجوز فيه الأوجه الثلاثة، وذلك إخلاف. ومن شرطه في هذا النظم أن يأتى بالقواعد موفّاةً وبالمسأل محرَّرَةً، وليس من شرطه أن يذكر جميع مسائل النحو بإطلاق؛ إذ لم يقدر على ذلك في التسهيل الذى بناه على الاستيفاء، فما ظنك بهذا المختصر؟ ! فأمّا لزوم تأخير المفعول فنقصه منه مواضع: أحدها: أن يكون ضميرًا متّصلا بالفاعل، نحو ضربته وأكرمته. والثاني: / أن يكون العامل في المفعول مصدرًا مضافًا إلى فاعله، نحو: عجبتُ من ضَرْبِ (زيدٍ عمرًا. ومثلُ ذلك: ضرب القومُ بعضُهم بعضا)، فلا يجوزُ هنا توسيط بعض ولا تقديمه، قال بعضهم: لما يلزمُ من الفصل بين البدل والمُبدَلِ منه. وبالجملة فالسماعُ على التزام تقديم الفاعل وبدلهِ على المفعول. وكذلك أيضًا لا يجوزُ عندهم أن يقال: ضرب بعضَ القوم بعضٌ. وأما لزوم تأخير الفاعل فنقص منه مواضعُ أيضا: أحدها: أن يكون المفعولُ ضميرًا مُتّصلا والفاعل ظاهرٌ، نحو: أكرمك زيدٌ. والثاني: أن يكون المصدرُ هو العاملَ، وهو مضاف إلى المفعول بحضرة الفاعل، نحو: أعجبني ضربُ زيدٍ أَخُوكَ.

стр. 1279

والثالث: أن يكون العامل صفةً جَرَت على غير من هى له، نحو: مررتُ بامرأةٍ ضارِبِها أنت، أو: ضاربها زيدٌ. والرابع: أن يُضْطَرّ إلى ذلك في الشعر، نحو قول الشاعر: إذا خَضْخَضَتْ ماءَ السماءِ القنابلُ ولو تتبْعت المسائل لكانت أكثر من هذا. فالحاصل أن في هذا الفصلِ تقصيرًا كثيرًا هنا وفي التسهيل، والتقسيم السباعىّ المتقدم أقربُ ما يقرّر في هذا الموضع، وهو الذى ما زلنا نسمعه من شيخنا الأستاذ -رحمةُ الله عليه- وكان يُعَيِّن لكل قسمٍ مواضعَ معلومة، قرّرها في تقييده على الجمل، أكثرها -أو جميعها- مذكورٌ هنا بالانجرار، ولكن الاستيفاء في مثل هذه الأشياء كالمتعذِّر، وإنما هو أمرٌ تقريبىٌّ، ولذلك لما عدّها ﵀ قال في آخرها: «وقسم يتقدّم ويتأخر ويتوسط، وهو ما عدا ما ذُكِر، نحو: ضرب زيد عمرًا، وما لم يعرض له عارض فيعمل على مقتضى ذلك العارضِ». فتحرَّزَ كما ترى ولم يجزم الحكم استظهارًا على ما سَيرِدُ من هذا النوهع. فلو صنع الناظم هكذا لم يَرِدْ عليه اعتراضٌ. ولقد كان يمكن أن يُتَكلّف له الجواب عن بعض هذه الأمور، ولكن التكلف في الأشياء غير محمود، فلنقتصر على إيراد السؤال، ومن قدر على الجواب أجاب. والله الموفق للصواب.

стр. 1280

[ختام الأصل] كمل باب الفاعل، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدن محمد وآله وصحبه وسلم ويتلوه «النائب» إن شاء الله تعالى وذكر مقابل النسخة في هامشها ««بحمد لله طالعت هذا السفر من أوله إلى هذا الموضع، متأملًا فهم مسائله، فلله الحمد والمنة وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. وكتب عبد الله -تعالى- محمد بن محمد بن علي الفوجيلى -وفقه الله بمنِّه- أواخر شهر ربيع الثاني عام ١٠٤٧.

стр. 1281

فهرس موضوعات الجزء الثاني الموضوع ... الصفحة تتمّة باب المبتدأ والخبر .............................................. ... ٣ كان وأخواتها ...................................................... ... ١٣٦ ما ولا وإنْ المشبَّهات بليس .......................................... ... ٢١٥ أفعال المقاربة ....................................................... ... ٢٦١ إنّ وأخواتها ........................................................ ... ٣٠٥ لا التي لنفي الجنس ................................................. ... ٤١٢ ظنّ وأخواتها ........................................................ ... ٤٥٢ أعْلَم وأرى ......................................................... ... ٥١٠ الفاعل ............................................................ ... ٥٣٠

стр. 1282

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ «النائب عن الفاعل» النائبُ عن الفاعل هو الذي يقوم مَقَامه عند غيبته وعدم ذكره مع بناء الفعل له، وهو خمسةُ أنواع: المفعولُ به، والمصدرُ، وظرفُ الزمان، وظرفُ المكان، والجارُ والمجرور. وأولاها بالإقامة المفعولُ به؛ لأنًّه يُقامُ بِغَير شرطٍ بخلاف غيره؛ ولأنَّه لا يقوم غيرُه مَقَامَ الفاعل مع حضوره بخلاف ما عليه المفعول به، إذ يُقامُ وجوباً إذا حضر مع حضور غيره، ولأنَّ غيرَه لا يقوم مَقَامَ الفاعل إلا مع تصبيره مفعولاً به مجازاً، فلما كان أصلُ الباب للمفعول به لهذه الأوجه قدَّمَ الناظمُ ذِكْرَهُ، وجَعَله أصلاً لغيره، ولم يذكر غيره إلا بعد ذلك، فقال: ينوبُ مفعولٌ به عن فاعلٍ ... فيما له كنِيلَ خيرُ نائلِ يعني أن المفعولَ به ينوبُ عن الفاعل ولا ينوبُ عنه إلا إذا غاب، وأمَّا إذا حضر فلا اعتبارَ به في النيابة، فقوله «ينوبُ» يُشْعِرُ بأّنَّ الفاعلَ غائبٌ عن الكلام، وقوله «فيما له» (ما) واقعةٌ على أحكام الفاعل المُقَرَّرَةِ في البابِ قَبْلُ، فيريد أنَّه ينوبُ عن الفاعلِ فيما له من الأحوال والأحكام، ويقوم مَقَامَهُ فيها كإسنادِ الفعل إليه، ورفعِه به، واستقلال الكلام به دونَ زيادةٍ، فتقول: ضُرِبَ

стр. 1283

زيدٌ، كما تقول: خَرَجَ زيدٌ، وإسكانِ آخرِ الفعل عند كونه ضميراً مُتَّصِلاً، وإتيانه بلفظ الضمير المرفوع، فتقول: أٌكْرِمْتُ، كما تقول: أُكْرَمْتُ، وعَدَمِ تَقَدُّمه على الفعل فتقول: ضُرِبَ الزيدانِ، كما تقول: ضَرَبَ الزيدان، ولا تقول: الزيدان ضُرِبَ، كما لا تقول: الزيدان ضَرَبَ، وكونُ الأصل فيه أنْ يَلِيَ الفعلَ دون ما كان من المفعولات غيرَ مُقامٍ، وأنَّ ما لم يُقَم الأصلُ فيه التأخيرُ، كقولك: أُعْطِيَ زيدٌ درهماً، وغير ذلك من الأحكام اللازمة للفاعل، ووجهُ ذلك أنَّ الفعلَ حديثٌ عن المفعول كما أنَّه حديثٌ عن الفاعل، وأنَّ المصدرَ يُضافُ إليه كما يُضافُ إلى الفاعل، فتقول: أعجبني ركوبُ الفرسِ، كما تقول: أعجبني ركوبُ زيدٍ الفرسَ. وأن الفعلَ في معقوله ابتداؤُه عن الفاعل وانقطاعُه من المفعول، فالمفعولُ طَرَفٌ في الفعل وشريكٌ فيه؛ إذا جاءا معاً كان الفاعل أولى من الفعل، لأنَّ إيقاعَه منه، وإذا تُرِكَ الفاعلُ ردَّ الفعلُ إلى المفعول به لما كان يَسْتَحِقُّهُ من شَرْكَتِه في الفعل. ذكر ذلك التعليل الفارسيُّ في التذكرة ناقلاً له عن ابن كيسان. وفي قوله «ينوبُ مفعولٌ به عن فاعل» إشارةٌ إلى أنَّ صاحب هذا الحكم هو الفاعلُ والمفعول. فما يُسَمَّى مفعولاً به اصطلاحاً هو النائبُ، وما يُسَمَّى فاعِلاً في الاصطلاح هو المنوبُ عنه، فما ليس بفاعلٍ فلا يُحْذَفُ هذا الحذفَ فيُقامُ مُقَامَه غيرُهُ، وما ليس بمفعولٍ به لا ينوبُ عن الفاعل إذا حُذِفَ الفاعلُ، يُستثنى منه ذلك ما استثناه الناظمُ، فيبقى ما سوى ذلك ممنوعاً. فقد حصل من مجموع ذلك قسمان: الأول: أنَّ ما سوى الفاعل من المرفوعات بالفعل لا تُحْذَفُ ويُبْنَى الفعل لغيرها، وذلك اسمُ كان مع خبرها، ومرفوعُ فعلِ

стр. 1284

المقاربة مع منصوبه، أمَّا اسمُ كان فلا يُحْذَفُ ويُقامُ خبرُها مُقامَه، فلا يُقَال في: كان زيدٌ أخاكَ: كِينَ أخوك: ولا في «كان زيدٌ يقوم». كِينَ يُقام، ولا يقال أيضاً: كينَ في الدار، ولا كِينَ الكونُ زيدٌ قائمٌ، ولا ما أشبه ذلك، وذلك أنَّ النحاةَ اختلفوا في هذه المسألة فمنعَ جمهورُ البصريين بناءَ كان لما لم يُسَمَّ فاعلُه بإطلاق، وهو الذي يُشير إليه كلام الناظم؛ وذلك لأنَّ الخَبَرَ لا بُدَّ له من مبتدأ ملفوظٍ به أو مقدَّر، وحَذْفُ الفاعل في هذا الباب ليس حُكماً راجعاً للّفظ خاصّة، بل اللفظ والنِيَّة، فكما لا يجوز الاقتصارُ على أحد مفعولي ظننت كما جاز ذلك في مفعولي أعطيتُ فكذلك هذا. وردَّه ابن النحاس بأنَّك إذا قلتَ: كينَ قائمٌ بَقِيَ ضميرُ قائمٍ لا يعود على شيء. وفي هذا الرَّدِّ نظرٌ؛ فإنَّ المشتقَّ إذا باشر العامل تَجَرَّدَ عن الضمير لاستعماله استعمال الأسماء الجامدة كما تقول: قام عاقلٌ من بني فلان. ورُدَّ أيضاً هذا الرَّدُّ بأنَّه مخصوصٌ بالمشتقّ، فإذا كان الخبرُ جامداً فبماذا يُمْنَع؟ فالأول أصوب، وأيضاً فقولُك: كينَ قائمٌ، أو: كِينَ أخوك، لا فائدةَ له، وما لا فائدةَ له لا تَكَلَّمُ به العربُ، وأيضاً فإنَّ السماعَ معدومٌ في المسألة، وهو العمدةُ في القول بالجواز، فإذا عُدِمَ السماع انهدَّ ركنُ القياس. ومن النحويين من أجاز ذلك إلا أنَّهم اختلفوا في وجه الجواز، فحكى

стр. 1285

السيرافيُّ عن الفراء الجوازَ بإطلاقٍ على إقامةِ الخبر مُقام الاسم، وحكاه ابن السراج عن قومٍ، وزعم الفراء مع ذلك أنَّه ليس من كلام العرب، وإنَّما قاسَه. وذهب السيرافي إلى جواز ذلك على أنْ يُحْذَفَ الخبرُ والاسم جميعاً وتُصَاغُ كان لمصدرها، ويكون الاسمُ والخبر تفسيراً له، فتقول: كِينَ الكونُ زيدٌ منطلقٌ، لأنَّكَ تقول لمن قال: هل كان زيدٌ منطلقاً؟ : قد كان ذلك، أي ذلك الكونُ، ثم تنقله إلى ما لم يُسَمَّ فاعلُه، وتقيمُ الكونَ، وتجعلُ له الجملةَ تفسيراً للكون، وتقول: كِينَ زيدٌ منطلقٌ، فتضمره لدَلالةِ الفعل عليه. وذهب الكسائي مع الفراء إلى جواز: كِينَ يُقام، وجَعَلَ الكسائيُّ المسندَ إليه ضميرَ الشأن - الذي يسميه الكوفيون ضميرَ المجهول - كأنّه على معنى: كِينَ الأمرُ يُقام. وذهب ابن عصفور إلى جواز ذلك بشرط أنْ يتعلَّق بكان ظرفٌ أو جارٌ ومجرور، فإذا بُنِيَتْ للمفعول حُذِفَ الاسمُ لذلك، وحُذِفَ الخبرُ لحَذْفِ الاسم فبقيَ المجرورُ أو الظرفُ نائباً، فتقول: مِنْ: كان في الدار زيدٌ مقيماً: كِينْ في الدار، ومِنْ: كان يومَ الجمعة زيدٌ جالساً: كِينَ يومُ الجمعة. فهذه خمسةُ مذاهبَ في المسألة لا يَصِحُّ منها إلا الأول. أمَّا رأيُ الفراء فقد مرَّ ما يَرِدُ عليه. وأمَّا السيرافيُّ فَرَدَّ عليه ابن عصفور بأنَّه إنَّما بَنَى مذهبَه على أنَّ (كان) تَدلُّ

стр. 1286

على الحَدَث، قال: وهو بناءٌ فاسدٌ لِتَجَرٌّدِها منه عند المحققين، واعتذر له شيخُنا الأستاذ - رحمةُ الله عليه - بأنَّ له أنْ يقولَ: إنَّ خبرَها جُعِل عِوَضاً من اللفظ بالمصدر، فلما لَزِمَ حذفُ الخبر الذي كان عِوَضاً من المصدر عاد إليها المصدرُ الذي رُفِضَ بوجود الخبر، قال: وإنَّما النكتةُ التي لم يشعر بها ابن عصفور أنَّه لمّا حُذِفَ اسمها وخبرها عادت تامّةً. فصحًّ البناءُ، وإذا كان كذلك خرجَتْ عن مسألة النزاع؛ إذ لا خلافَ في صحّة البناء للمفعول ذا كانت تامَّةً كسائر الأفعال التامة. وأمَّا مذهبُ الكسائي فخارجٌ عمّا عُهِدَ من كلام العرب؛ إذا لا يوجد مرفوعٌ يُحْذَفُ فيُبْنَى فعلُه لضمير المجهول، وأيضاً لا فائدة في ذلك الكلام؛ إذا لا يخلو الوجودُ من كونِ قيامٍ موجوداً، وأيضاً لا يُحذفُ المبتدأُ اقتصاراً أبداً كما تقدّم. وأمَّا رأيُ ابن عصفور فرَدَّهُ ابن الحاجّ بعدم الفائدة عند كَلِّ أحد، فإنَّ يوماً من الأيام أو موضعاً من المواضع لا يخلو أَنْ يكون فيه شيءٌ، ثم إنَّ (كان) الناقصةَ لا فائدةَ لها إلا ما تُعطيه من زمانِ الخبر، فإذا لم يكن خبرٌ فلا ثمرةَ لها، وإنَّما سُمّيَتْ ناقصةً لأنَّها لا بُدَّ لها من اسم وخبر بخلاف التي تكتفي بالفاعل، وأيضاً لو فُرِضَ أَنْ يُسْمَعَ مثلُ: كِينَ في الدار، على فَرْضِ أن يكونَ مُفيداً لم يجزأن يقال: إنَّه من كان الناقصة لاحتماله التَّامةَ، فما الحاجة إلى تكلّف غير ذلك؟ ، وأيضاً فإنّمَا بَنَى مذهبُه على جواز تعلُّقِ الظهر والمجرور بكان الناقصة، وهو غيرُ مُسلّمٍ له، ولا حُجَّةَ لمن تعلّق بقول سيبويه: «فهو كائن ومكون». لأنَّ مَقْصِدَ سيبويه أَمرٌ آخر وراء ما يظهر منه لباديء الرأي.

стр. 1287

وأمَّا مرفوعُ فعل المقاربة مع منصوبه فمَذْهَبُ البصريين على أنَّه لا يُحذفُ فينوب عنه المنصوبُ ولا غيره، لأنَّ المرفوعَ مع المنصوب مبتدأ وخبرٌ، كما لا يكون ذلك في كان لا يكون أيضاً فيما هو مثلُها، وأيضاً فإنَّ الخبرَ في باب المقاربة جملةٌ، والجملة لا تنوب عن الفاعل، ولا ما أشبه الفاعل، ونُقِلَ عن الكسائي إجازةُ: جُعِلَ يُفْعَل على إقامة ضمير المجهول مُقَامَ المرفوع، وقد تقدّم ما فيه في مسألة: كِينَ يُقام، وعن الفراء أنَّه بعد الحذف لم يَقُم مقامَه شيءٌ لاستغناء الكلام عنه. وهذا غيرُ مرضيِّ لِمَا تقدّم من أنَّ كلَّ فعلٍ لا بُدَّ له من فاعل أو ما يَحُلُّ محلَّه؛ إذ لا يستقلٌّ كلامٌ بغير مرفوع، وأيضاً لم يُسْمَع لذلك نظيرٌ، فلا يُعَوَّلُ عليه. القسم الثاني: أنَّ ما سوى المفعول به، والظرف، والمجرور، والمصدر لا يُقامُ مُقامَ الفاعل، فلا يُقامُ مقامَه المفعولُ له، ولا المفعولُ معه، ولا الحالُ، ولا التمييزُ، ولا المستثنى. فأما المفعول له فلأنَّ انتصابه ليس كانتصاب المفعول به، وإنما هو عِلَّةٌ للفعل، فامتنع أن يُقام - وهو كذلك - كما امتنع أن يُقَامَ الظرفُ - وهو ظَرْف - وإنما تَمَكَّنَ المفعولُ به في الإقامة لما تقدّم، وأيضاً فالمصدرُ يُضافُ إليه ولا يُذْكَرُ الفاعل، كما يضاف الفاعل ولا يُذْكَرُ المفعولُ به، وليس المفعول له كذلك، فلمَّا لم يكن مثلَه في هذه المناسبات وغيرها لم يجز أنْ يُقَام. فإن قيل: فالظرفُ يُقام مُقَامَ الفاعل، وهو ظرفٌ في المعنى؛ إذ هو على إرادة (في) فأجِزْ إقامَة المفعول له وهو على إرادةِ اللام. قيل: الظرفُ يُتَّسَّعُ فيه بأنْ يُنْصَبَ نَصْبَ المفعول به، فيُقامُ لأنه كالمفعول به، ولا يخرج عن معنى الظرفية، فإذا قُلتَ: سِيرَ عليه فرسخان، أو يومُ

стр. 1288

الجمعة، علمتَ أنهما في المعنى ظرفانِ مُتَّسَعٌ فيهما، كما أنَّك إذا قلتَ: زيدٌ ضربتُه، فابتدَأتَه، علمت أنه في المعنى مفعولٌ به، وإن كان مبتدأ في اللفظ، وليس المفعول له كذلك، لأنَّك متى أقمتَه مُقَامَ الفاعل خرج عن أن يكونَ مفعولاً له، ولم يكن عليه دلالةٌ، إذ لا يُعلم مفعولاً له إلا متى كان فضلةً بعد الفاعل يُقَدَّرُ وصولُ الفعل إليه باللام، وهذا المعنى يُبطلُ كونه فاعلاً ويُنافيه، لو قلتَ: أُتِي الإكرام، لم يُفْهَم أنَّك أتيت أمراً من أجل الإكرام، إنّما يُفهم أنه فَعَل نفس الإكرام لا غيره من أجله، فلذلك لم تَصِحَّ إقامتُه. ومن الدليل على صحة ذلك أنَّ (كي) المصدريَّة لا تكون فاعلاً كأَن المصدرية، قال المازني: لأنَّ كي تجيء لعلةٍ، فإذا امتنع ما كان بمعنى المفعول له أنْ يقَعَ فاعلاً، وإن لم يكن على لفظِه، فأنْ يمتنع ما كان مقدَّراً فيه اللام أجدَرُ. وأمّا المفعول معه فلا يُقامُ أيضاً، لأنَّ كونَهُ مفعولاً معه يقتضي أن يكونَ مع فاعل ليكون مفعولاً معه، فإذا أُقيم لم يكن مفعولاً معه كما لم يكن الأول مفعولاً له، وأيضاً فإذا أقَمتَهُ فإمّا أن تذْكُرَ الحرف الدالُّ على أنه مفعولٌ معه أو لا، فإن لم تذكره لم يدل على ذلك، وإن ذكرته لم يَجُز؛ إذ لا يُسْتَعْمَلُ ذلك الحرفُ إلا على حد ما كان في العطف، وفي العطف لا بُدّ أن يكون تابعاً لمفرد أو جملة، فكذلك هنا، والمتبوعُ هنا محذوفٌ بالفرض فامتنع أن يبقى مع الحرف. وأمَّا الحالُ فيمتنع إقامته في مُقامَ الفاعل لأنَّه على تقدير: (في [حال] كذا)،

стр. 1289

وإذا أقمتَهُ لم يُفهم ذلك المعنى بحاله كما تقدّم في المفعول له، وأيضاً فإنَّ الحالَ يفارق المفعولَ به في كونه لا يقع إلا نكرة، بخلاف المصدر والظرف. وأمَّا التمييزُ فإنَّه على تقدير (مِنْ)، وعلى معناها، وإذا أُقيم مُقَامَ الفاعل زالَ ذلك المعنى، كما مَرَّ في المفعول له. هذا إذا فرضتَه مُميَّزاً للمفرد، وإن كان مميَّزاً للجملة نحو ﴿اشتَعَلَ الرأسُ شَيْباً﴾ فهو الفاعل في المعنى، فلا يَصِحُّ أنْ يُبْنَى له الفعلُ بناءً ما لم يُسَمَّ فاعلُه؛ لأنه نَحْوٌ من بناء الفعل للمفعول مع ذكر الفاعل، وذلك لا يستقيم، وأيضاً فالتمييز يفارقُ المفعولَ به في لزومه التنكير كالحال. وأمَّا المستثنى فلا يستقيم أيضاً أنْ يُقامَ، لأنَّه يودِّي إلى تفريغ الفعل لما بعدَ (إلا) في الإيجاب، فإذا قلتَ: قام القومُ إلا زيداً، لم يَسُغ أن تقولَ فيه: قِيم إلا زيدٌ، كما لا يستقيم أنْ تقولَ: قام إلا زيدٌ، وأما في النفي فلوقوع اللبْس والإيهام لو قلتَ: ما جاء القوم إلا زيداً، فبنيتَه للمفعول، فقلتَ: ما جيِء إلا زيدٌ لتُوُهِّمَ أنَّه مفعولٌ به، وأيضاً لا يُقامَ إلا ما أشبه المفعولَ به، واتُّسِع في حتى يصير مفعولاً به مجازاً مع بقاء معناه. وهذا متعذِّرٌ في المستثنى؛ إذ لا يُتَسَّع فيه كما يُتَّسَعُ في الظرف والمصدر. فقد بان أنَّه لا يُقام شيءً من هذه الأمور مُقَامَ الفاعل. ولا أعلمُ في امتناعِ ذلك خلافاً إلا في التمييز، فإن الكسائيَّ نُقِلَ عنه جوازُ إقامته جوازُ إقامته، فأجاز في قولك: امتلأتِ الدارُ رجالاً: امتُلِئَ رجالٌ، وحكى من ذلك: خُذْه مَطْيُوبةً به نفسٌ، وهو الموجوعُ رأسُه، والمسفوهُ رأيُه، ومثلُ هذا لا معتبرَ به مع احتماله خلافَ ما ذُكِر.

стр. 1290

وأتى الناظم بمثالٍ، وهو قولُه: «كنِيلَ خيرُ نائل» فخيرُ نائلٍ هو المفعولُ المقام، والأصل: نال زيدٌ خيرَ نائل، و (خيرُ نائل) يَحْتَمِلُ من جهة اللفظ أن يكونَ اسمَ مصدر كالنَوَال، فإنه يقال: نال زيد نَوَالاً، ونائلاً، وهذا ليس بمرادٍ هنا؛ إذ ليس كلامُه هنا في إقامة المصدر بل في إقامة المفعول فإنَّما مراده بخير ما يراد به في قوله تعالى: ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ أو قوله: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْراً﴾ وفي قولهم: أنلته خيراً، ونائلٌ المضافُ إليه - وهو صاحب الخير - اسمُ فاعل لا اسمٌ جامد، كقولك: هذا قائلٌ، أي نِيلَ خَيْرُ مَنْ يُنِيلُ، ومَنْ عادتُه النوالُ، ويقال: نُلْتُه خيراً، وأنلته خيراً بمعنى. ثم أخذ في بيان بناء الفعل للمفعول؛ إذ كان بناؤه للفاعل لا يتأتى للمفعول، فقال: وَأوَّلُ الفِعْلِ اضمُمَنْ والمُتَّصِل ... بالآخِرِ اكْسِر في مُضَيِّ كوُصِل واجعَلْهُ من مضارعٍ مُنْفَتِحاً ... كيَنْتَحِي المقولُ فيه: يُنْتَحى الأفعال ثلاثة: ماض ومضارع وأمر. فأما الأمر فخارج عن هذا الباب جملة، فلا يبنى للمفعول أصلا؛ لأنه في أصل وضعه مناف لحذف فاعله، والعرب إذا أرادت ترك المفعول مع بقاء معنى الأمر أتت بالمضارع مقرونا بلام الأمر، فتقول: ليُضربْ زيدٌ، ليُفعل كذا وكذا، فكأن العرب استغنت ببناء المضارع بلام الأمر عن بناء الأمر لعدم التأتي فيه، فبقي الماضي والمضارع، فشرع في كيفية نقلهما من صيغة الفاعل إلى صيغة المفعول، فيعني أنك تضم أول الفعل أبدا سواء أكان ماضيا أم مضارعا، ولذلك قال: (وأولَ الفعل)، ولم يقل: وأول الماضي اضممن؛ لأنه مضموم في الماضي والمضارع معا، ثم بعد ذلك فصَّل الأمر في الفعلين بالنسبة إلى تغيير ما قبل الآخر؛ إذ يعلق به أيضا حكم البناء للمفعول، لكنه يكون في الماضي

стр. 1291

مكسورًا , وفي المضارع مفتوحًا, وذلك قوله: (والمتصل بالآخر اكسر في مضي) يعني أنك تكسر الحرف الذي قبل آخر الفعل ذي المضي مثل قولك: وُصِلَ , فإن أصله وَصَلَ, فضممت أوله, وكسرت ما قبل آخره, ثم قال: (واجعله من مضارع منفتحًا) الضمير في (اجعله) عائد على ما قبل الآخر, أي اجعل المتصل بالآخر منفتحًا إذا كان من مضارع كقولك في (ينتحي): يُنتحَى, وهذا تعريف مطرد في الفعل الثلاثي كضُرب ويُضرب, وعُلِم ويُعلَم, وفي / الرباعي كدُحرجَ ويُدحرَج, وأُخرجَ يُخرَج وسُويِرَ ويُسايِر, ودُرّب ويُدرّب, وبُوطِر ويُبيطر, وفي الخماسي كانطُلِق ويُنطلق, واقتُدر ويُقتَدَر, وفيما فوق ذلك كاستُخرج ويُستَخرجُ, وتُكرّم ويُتَكرّمُ, وتُقوتِلَ ويُتَقَاتَلُ, وما أشبه ذلك. فهذا كله يطرد إلا أنه في الماضي لا يكفي دون شيء آخر ينضم إليه, بخلاف المضارع فإنه لا يفتقر في تمام بنية المفعول إلى تمام تغيير زاذد بل ما عدا الحرفين الأول, وما قبل الآخر باق على ما كان عليه في بنية الفاعل كما مر في الأمثلة, وقد لا يحتاج في بعضها إلا لضم الأول خاصة نحو: يُتَدَحرجُ, ويُتَكلّم, ويُتَطاول, وما أشبه ذلك, وفي قوله: (وأول الفعل اضممن) إلى آخره ما يشعر بأن بنية المفعول مغيرة من فعل الفاعل؛ لأن هذا العمل الذي ذكر مورد على بنية الفاعل, فكأنه يقول: الأصل أن يبنى الفعل للفاعل, فإن عرض ألا يذكر الفاعل وجب تغيير تلك البنية إلى المفعول. فهذا ظاهر في أن بنية المفعول فرع, وهو رأي الجمهور, وذهب طائفة إلى أنه أصل بناء بنفسه, ليس بمغير من غيره بل هو مشتق من المصدر للمفعول ابتداء, كما اشتق للفاعل كذلك, وهذا

стр. 1292

الثاني أيضًا يظهر من كلام الناظم في أول باب التصريف, حيث قال هناك: وافتح وضمَّ واكسرِ الثاني مِن ... فعلٍ ثلاثِيٍّ ونحوه ضمن وفي بعضها: ((وزد نحو ضمن)) فهذا الكلام ظاهر في أن فُعِلَ أصل بناء كفَعَلَ, وفَعِلَ, وفَعُلَ, فظهر أن في كلامه تدافعًا, لأنه يقول هنا: أنه ليس بأصل, وفي التصريف: أنه أصل بناء. والجواب عن ذلك, وتقرير الاحتجاج للمذهبين مذكور في التصريف فهو أسعد به. و (أول) مفعول باضممن, وكذلك (المتصل) مفعول باكسر, أي: اضمم الفعل واكسر الحرف المتصل بالآخر, وهو ما قبل الأخير. قوله (في مضي) على حذف مضاف تقديره: في ذي مضي, يريد الفعل الماضي. و (منفتحًا) مفعول ثان لاجعله, لأنه بمعنى التصيير, و (ينتحي) معناه: بعترض, والانتحاء: الاعتراض والقصد إلى الشيء, ويقال انتحى له, وتنحى له بمعنى واحد. ومن عادة الناظم في هذا النظم أن يخلط القوافي بعضها بببعض كهذا الوضع فإنه خلط فيه المتراكب بالمتدارك, فقوله: (متصل) من المتدارك, وقوله: (يِنكوصِل) من المتراكب, وقد خلط بعضها ببعض في الشعر, وهو قليل, وتجتمع الاثنتان مع المتكاوس, ومن ذلك قول عمرو بن العاص- ويقال: إنه لغيره-:

стр. 1293

إذا تخازرتُ وما بي خزر ... ثم كسرتُ الطرفَ من غير عَوَر وقال آخر: يحملن فحمًا جيّدًا غير دعر ... أسودَ صلالًا كأعيانِ البقر واصل القافية المتواتر, ويدخل عليها المتراكب؛ لأن أصل التفعيل (مستفعلن) , وهو من أجزاء المتواتر, وقد يدخل عليه المتكاوس, كقول العجاج: *قد جبر الدين الإله فجبر* وربما وقع مثله في هذا النظم. وأكثر ما يقع هذا التداخل في الرجز, وقد يقع في غيرع كالسريع, ثم أخذ في استدراك ما بقي عليه في بناء الماضي/ للمفعول, فقال: والثاني التالي تا المطاوعة ... كالأول احعله بلا منازعه وثالث الذب بهمز الوصل ... كالأول اجعلنه كاستحلي (الثاني) منصوب بفعل مضمر يفسر (اجعله) من باب الاشتغال, و (تا المطاوعة)

стр. 1294

مفعول بالتالي, وأراد تاء المطاوعة لكن حذا الهمزة, فبقي الاسم على حرفين أحدهما لين, وذلك غير موجود إلا ندورًا, أعني في معربات الأسماء, وقد حكى الكسائي: شربت ما يا هذا, ومثله بعد هذا: ((واكسر أو اشمم فا ثلاثي أعل)) وله من هذا القبيل في نظمه هذا كثير جدًا ساقه إليه ضرورة الشعر, و (كالأول) و (بلا منازعة) متعلقان باجعله, ويعني أن الحرف الثاني من الفعل إذا كان تاليًا أي: تابعًا لتاء المطاوعة فإنك تضمه أيضًا كالحرف الأول, فتقول في: تعلّم, تُعُلِّم, وفي: تأدَّب, تُؤُدّب, وفي: تخلّص, تُخُلّص, وفي تَدَحرَجَ: تُدُحرِجَ وفي تباعد: تُبوعِدَ, وما أشبه ذلك. وتاء المطاوعة هي التاء التي في أوائل هذه الأفعال, وسماها تاء المطاوعة - والبنية ينفسها هي التي للمطاوعة- لأنها خاصة بتلك البنية, فسميت بها, فتَفَعَّل مطاوع فعَّل, نحو: علَّمتُه فتَعَلَّم, وأدّبتُهُ فَتَأَدَّب, وتفاعل مطاوع فاعل نحو: باعدته فتباعد, وتفعلل مطاوع فعلَلَ نحو: دحرجتُه فتدَحرَجَ, وإنما قيّد التاء هنا بأنها للمطاوعة تحرزًا من تاء المضارعة, فلهذا يدخل ههنا الماضي وحده دون المضارع, وأيضًا فقد قيّد الحرف الآتي بعد تاء المطاوعة بأنه ثاني حروف الفعل, لقوله (والثاني التالي .. كذا) فاقتضى أن تاء المطاوعة هي أول حرفي في الفعل, وذلك لا يكون إلا في الماضي, لأن حرف المضارعة سابق لها في المضارع, وإذا كان كذلك فالحرف التالي لتاء المطاوعة في المضارع باق في بنية المفعول على ماكان عليه, فتقول: يُتَعلَّم كما تقول: يَتَعَلَّمُ, ويُتَباعَدُ كما تقول: يَتَبَاعَدُ, وكذلك سائر الأمثلة. قال: (وثالث الذي بهمز الوصل) إلى آخره يعني أن الفعل الذي أوله همزة وصل يضم ثالثه, أي الحرف الثالث منه, كما يضم الأول, فتقول في استَحلى: استُحلِيَ, فتضم التاء, وهي الحرف الثالث, وكذلك تقول في:

стр. 1295

اقعَنسَسَ: اقعُنسِسَ, وفي انطَلَقَ: انطُلِقَ, وفي اسلَنقَى: اسلُنقِيَ, وفي احلولى: احلُولِيَ, وما أشبه ذلك من الأمثلة التي أولها ألف وصل. وقوله: (الذي بهمز الوصل) يعين أن كلامه هنا في الماضي؛ لأن ألف الوصل لا تلحق المضارع, ومثاله أيضًا مؤنس بذلك, وذلك يعين بقاء ثالث المضارع في بناء المفعول على حالته في بناء الفاعل؛ إذ لم يذكر له مخالف غير ما تقدّم من ضم أوله, وفتح ما قبل آخره, و (ثالث) منصوب بفعل مضمر يفسره (اجعلنه) من باب الاشتغال. واستحلى الشيء: وجده حلوًا كما / يقال: استجاده إذا وجده جيدًا. وعلى الناظم هنا دركٌ من وجهين: أحدهما: أن اقتصاره في تعريف ما يضم ثانيه مع الاول على ما أوله تاء المطاوعة تقصير؛ إذ كان ضم الثاني غي مقتصر به على ما كانت تاؤه للمطاوعة, بل هو عام في ما أوله تاء كانت للمطاوعة أو لغيرها, وذلك أن: تفعّل كما يأتي للمطاوعة يأتي أيضًا للتكلف, نحو: تحلّم, وتكرّم, وتشجّع وللتجنب, نحو: تأثّم, وتحرّج, وللصيرورة, نحو: تأيّمت المرأة, وتحجّر الطين, وللاتخاذ نحو: توسّد التراب, وتبنّى الصبي, ولغير ذلك من المعاني, وللمطاوعة واحد منها. وكذلك: تفاعل قد يأتي للشتراك في الفاعلية نحو: تقاتل, وترامى, ولتخييل تارك الفعل كونع فاعلًا نحو: تغافل وتجاهل وتعارج, والمطاوعة لفاعل معنى من معاني تفاعل, فأين تدخل له هذه الأفعال حين قيّد التاء بكونها للمطاوعة, وهي في الحكم بضم التاء سواء؟ , هذا تقييدٌ

стр. 1296

مخلُّ, وقد حرّر هذا المعنى في التسهيل؛ إذ قال: ((يضم مطلقًا أول فعل النائب, ومع ثانيه إن كان ماضيًا مزيدًا أوله تاء)) ولا يقال: إنه عرّف البنية بما هو الأصل فيها, وذلك المطاوعة, فيندرج ما عداها, لأنا نقول: الأمر ليس كذلك بل كل معنى استعملت فيه البنية غير مفرع عن غيره, إلا فلو كان مفرعًا عن غيره, لبقي فيه معنى ذلك الغير ملحوظًا, وأنت تعلم أن: تحلّم وتأيّمت ليس فيها معنى فعّلتُه فتفعَّل, وكذلك في تفاعل ونحوه. فالحاصل أن هذا التقييد نخلٌّ, فلو قال مثلًا: والثاني التالي تاء زائدة ... فاضمم ففي الضم تمام الفائدة أو قال: *فاجعله كالأول تعط الفائدة* أو ما أشبه ذلك لتخلص من هذا الشغب, ولا أجد له جوابًا. والثاني: أنه ذكر هما حكم الفعل الصحيح والمعتل العين, وقد تم حكم الصحيح, وها هو يذكر حكم المعتل العين من الخماسي خاصة, وترك ذكر حكم المضاعف ثلاثيًا أو رباعيًا أو خماسيًا أو سداسيًا, وذكر حكم ما اعتلت لامه أو فاؤه, ولم يتبين فيها بيانًا ظاهرًا ما ذكره هنا, ألا ترى أن المدغم ليس ما قبل آخره في الماضي بمكسور بإطلاق, فإنك تقول في: رَدَّ: رُدَّ, وفي: أقرَّ أُقِرَّ, وفي استَقرَّ: استُقِرَّ, وفي ترادّ: تُرُودَّ, ولا ما قبل آخره في المضارع بمفتوح, نحو: يُرَدُّ, ويُقَرُّ, ويُستَقَرُّ, ويُترادُّ. وترك من ذكر المعتل العين

стр. 1297

ما كان نحو: يقول ويبيع, فإنه لا يقتصر فيه على ضم الأول, وفتح ما قبل الآخر بل تقلب الواو والياء ألفًا, نحو: يقال وويباع, وكذلك: يستقام, ويستبان, وأيضًا فالمعتل الفاء بالواو يجوز قلب الواو فيه همزة إذا ضممت, فتقول في: وارى: أورِيَ, وفي: وقّتَ: أُقِّت, وكذلك ماكان نحو: بيطَر, وهيلَلَ يزاد فيه على ما قاله أن تقلب الياء واوًا, نحو: بُوطر وهُولِلَ, وكذلك ما قلب آخره من الماضي ألفًا تصير ياء كان أصلها الواو, أو الياء نحو: دثعي, ورُمي في: دعا, ورمى, وما كان آخره معتلًا بالواو, أو بالياء من المضارع تقلب فيه ألفًا نحو: يُرعى, ويُرمى وكثير من هذه الأحكام على هذا السبيل, وهو لم يبين في هذا الباب من ذلك شيئًا, وقد بين هذا غيره. وقد اعترض ابن الحاج على ابن عصفور بنحو ما اعترض به الناظم, وأن قوله: ((وكسرت ماقبل آخره)) غير صادق في: افعلَّ, وافعالَّ. فإن قلت: إنه في الأصل كذلك. قيل/ إن ذلك ضار في التعليم, لأنه أصل لا ينطق به ولو لم يذكر أن هذا يكسر لكان أصوب وأقل ضررًا, لأنه صادق غير مغلط. فإن قيل: إن هذه الأحكام كلها أحكام تصريفية لا يليق ذكرها بهذا الباب, فالمعتل يذكر في باب التصريف والمضاعف يذكر حكمه في باب الإدغام. فالجواب: أن حكم المعتل أيضًا وما فيه من الإشمام وغيره, والمضاعف كذلك بابه التصريف, أو باب الإمالة فكان ينبغي تأخيره ذكر ذلك إلى بابه, فلا يزيد هنا على ما تقدّم الآن لكنه لم يفعل ذلك فورد الإعتراض عليه. والجواب: أنه جرى فيما صنع على عادة كثير من النحويين حيث ذكروا ما

стр. 1298

ذكر في هذا الباب, وتركوا إلى باب التصريف والإدغام ما ترك, إذا روعي الموضعان حصلت الفائدة, والله أعلم. واكسر أو اشمم فا ثلاثيّ أعل ... عينًا, وضم جا كبوع فاحتُمل هذا حكم تابع للبناء للمفعول, وهو فيما إذا كان الفعل معتلًا عينه, والمعتل العين ضربان: ضرب يكون فيه ضمة البناء للمفعول مجاورة لعينه, وضرب لا تجاورها, فالذي لا تجاورها فيه لا زيادة فيه على ما ذكر نحو: استُبين, واستُعيد, وتُطُووِل, وتُبُويِن, فإن العين المعتلة قد فصل بينها وبين الضمة ما تصح مع فلا تنقلب كسرة, فلا يحتاج إلى الحكم المذكور، فلذلك لم يتكلم في هذا الباب لاكتفائه بما تقدم فيه, والذي تجاور فيه الضمة العين قسمان: ثلاثي, وخماسي. فالثلاثي هو الذي شرع في ذكره, فيعني أن الفعل الثلاثي المعتل العين إذا بني للمفعول جاز في فائه ثلاثة أوجه: أحدهما: الكسر الخالص, وهو قوله (واكسر) فتقول في: قال: قيل, وفي باع: بيع, وفي هاج: هيج, وفي قام: قيم, وما أشبه ذلك. والثاني: إشمام الفاء الضم, فتقول: قيل, وهيج, وقيم , ولم يتعرض لصورته كيف تكون؟ , وفي ذلك ثلاثة مذاهب: أحدهما: ضم الشفتين مع النطق بالفاء, فتكون حركتها بين حركتي الضم والكسر نحو: قيل, وبيع. وهذا هو المعروف المشهور, والمقروء به. والثاني: ضم الشفتين بعد

стр. 1299

إخلاص كسرة الفاء نحو: قيل, وبيع. والثالث: ضم الشفتين قبل النطق بها, لأن أول الكلمة مقابل لآخرها فكما أن الإشمام في الأواخر بعد الفراغ من إسكان الحرف, فكذلك يكون الإشمام في أولها قبل النطق/ بكسرة الحرف. والمشهور المذهب الأول. والوجه الثالث: إبقاء الضمة التي أتى بها في الأصل للبناء للمفعول ويستوي في ذلك ذوات الواو وذوات الياء, فتقول: قُولَ, وبُوعَ, فالوجهان الأولان فصيحان مقروء بهما, والجه الثالث لغة ضعيفة حكيت عن بني ضَبَّة, وحُكي عنهم: بُوع متاعه, خُورَ له, وأنشد ابن جني من هذا: نوطَ إلى صُلبٍ شدِيد الخلِّ ... وعُنقٍ كالجذعِ مُتمَهَلِّ وأنشد أيضًا: حُوكت على نيرين إذ تُحاكُ ... تَختَبِطُ الشوك ولا تُشاكُ وأنشد غيره: ليت وهل ينفعُ شيئًا ليتُ ... ليتَ شبابًا بُوع فاشتريتُ

стр. 1300

أرادوا: نيط, وحِيكت, وبيع, وكان الأصل: قُوِل, وبُيعَ كما تقدم في الصحيح إلا أنه عرض أن استُثقل تحريك الواو والياء بالكسرة فنَقَلَ بعض العرب الكسرة من العين إلى الفاء, وتركها على إخلاصها, ثم قلب الواو ياء في: قول, فصار: قيل, وأشم بعضهم الكسرة الضم بعد نقلها وقلب الواو تنبيهًا على أن أصل الفاء الضم, وبعضهم ترك الفاء على أصلها من الضم وقلب الياء في: بيع واوًا, وهذه أضعف اللغات, وعلى ضعفها نبه الناظم بقوله (وضم جا كبوع فاحتمل) أي أجري فيه القياس على ضعفه, قال سيبويه: ((وهذه اللغات دواخل على: قيل, وخيف, وهيب, والأصل الكسر كما تكسر في فعلت)) يعني نحو: خِفتُ, وهِبتُ, ولأجل أن الكسر الأصل قدمه الناظم - والله أعلم- إذ قال (واكسر أو اشمم) وقوله (جا) أصله جاء لكنه حذف, وروي عن العرب نحو ذلك. ثم لما بين هذه الأوجه الثلاثة في الثلاثي, وكان من الأفعال ما إذا أتى على وجه من هذه الأوجه التبس بفعل فاعل على آخر أخذ يبين المخلص من ذلك فقال: وإن بشَكلٍ خيفَ ليسٌ يجتَنَب ... ومَا لباعَ قد يُرى لنحو حًبّ يعني أن شكل بنية المفعول لا يخلو إذا جرت فيه هذه اللغات, أو بعضها أن يلتبس بشكل آخر, وبنية أخرى أو لا, فإن لم يلتبس بقيت اللغات جارية فيه على ما وصفت, نحو: قِيل الحق, وقيل الحق, وقُول الحق, فإن هذا لا يلتبس بغيره من الأفعال المينبة للفاعل. وأجري فيه ما سواه, وذلك أن تقول: قاولت الناس فقِلتُ, فقولك: قلت يحتمل أن يكون مبنيًا للفاعل أو للمفعول, أي فغَلَبت أو فغُلِبتُ, فإذا وقع مثل هذا اللبس اجتنب ما أدى إليه, فيتجنب الضم الخالص
следующие страницы →