Полный текст (5 477 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
الألف في يحسنان، والثاني لإهمال الثاني وهو قوله: "وقد بغي واعتديا عبداك" "فعبداك" متنازع فيه، والمعمل فيه هو الأول، فبقي الثاني مهملًا، فعمل في ضميره وهو الألف في (اعتديا).
وفي هذا التمثيل قيد وتنكيت. أما القيد فهو أنه لما قال: "واعمل المهمل في ضمير ما تنازعاه" حصلت العبارة مطلقة يظهر منها التزام إعمال المهمل كان طالبًا للضمير بالنصب أو الرفع، وليس الحكم كذلك بل فيه تفصيل ونظر سيأتي ذكره، فقيد الكلام بما إذا كان المهمل طالبًا له بالرفع؛ إذ لا بد فيه من الإعمال في الضمير؛ لئلا يبقى الفعل دون فاعل. وأما التنكيت فإنه حتم بإعمال المهمل في الضمير وأن ذلك مقول ومعمول به فأشعر بعدم ارتضائه لمذهبي الكسائي والفراء؛ فإن الكسائي يقول: إذا أهمل الأول وكان طالبًا للمتنازع فيه بالرفع فإنه لا يعمل في ضميره بل يهمل بإطلاق، فلا يقدر فيه شيء، ويكون فارغًا من مرفوعٍ؛ إذ هو مراد في المعنى فلا محذور في حذفه من اللفظ، ولأن السماع قد جاء به، فقد حكى سيبويه: ضربني وضربت قومك، وقال علقمة بن عبدة:
تعفق بالأرطى لها وأرادها ... رجال فبذت نبلهم وكليب
فلو كان فيه ضمير لقال: ضربوني وضربت قومك، وتعفقوا بالأرطى، وهذا لا دلالة فيه؛ أما أولًا: فإن كل فعل لا بد له من فاعل مظهر أو مضمر؛ إذ لم يوجد في كلام العرب دونه، ووقع النزاع في هذا الموضع وليس بنص فيما قال؛ لاحتمال الإضمار، وأضمر ضمير المفرد اعتبارًا بما يصلح في الموضع، كأنه قال ضربني من ثم، وتعفق من أراد صيدها، وقد يوجد مثل هذا في كلامهم، مع
стр. 1472
أن مثل قولك: ضربني وضربت قومك قليلٌ قبيح، قال سيبويه: "وإن قال: ضربني وضربت قومك، فجائزٌ وهو قبيحٌ أن تجعل اللفظ كالواحد كما تقول: هو أجمل الفتيان وأحسنه، وأكرم بنيه وأنبله"، وقال: "ولا بد من هذا- يعني من الإضمار- لأنه لا يخلو الفعل من مضمر أو مظهر مرفوع من الأسماء، كأنك قلت إذا مثلته: ضربني من ثم وضربت قومك"، ثم بين أن المطابقة هي الوجه الأجود وأن تركها رديء في القياس. وأما الفراء فإنه يمنع المسألة، فلا يجيز أن تقول: يحسنان ويسيء ابناك، ولا: ضرباني وضربت الزيدين؛ للزوم الإضمار قبل الذكر، وهم لا يجيزونه إلا ندورًا، وقد تقدم أن الإضمار قبل الذكر موجود في كلام العرب في باب نعم وبئس، وذلك نحو: نعم رجلًا زيدٌ، وبئس غلامًا عمرو، ففيها ضمير لم يتقدم له مفسر، وذلك يظهر في التثنية والجمع عند من قال: نعما رجلين، ونعموا رجالًا، وفي باب ضمير الأمر والشأن نحو: ﴿قل هو الله أحد﴾، ﴿فإنها لا تعمي الأبصار﴾ وفي باب رب نحو: ربه رجلًا، وفي باب الاستثناء نحو: قاموا خلا زيدًا، وعدا عمرًا، ولا يكون زيدًا، وقام القوم ليس زيدًا، وما أشبه ذلك مما يكون مفسرًا لضمير فيه متأخرًا، فكذلك هذا الباب فلا نكير فيه. وإذا ثبت هذا فلا موجب للمنع إذا لم يكن المانع إلا الإضمار قبل الذكر؛ لأنه إذا كان موجودًا فهذا مثله.
وأما قوله: "والتزم ما التزما" فإن ظاهره أنه فضل غير محتاج إليه؛ إذ لا يشك أحد في أنه يلتزم في القياس أو في السماع المحكي ما التزمته العرب، وعلى هذا مبنى النظر في العربية، فلقائل أن يقول لا يحتاج إلى هذا
стр. 1473
التنبيه. والجواب أن يقال: بل تحته فائدتان، إحداهما: التنبيه على وجه الرد على الكسائي، والفراء. أما وجه الرد على الكسائي: فإن العرب التزمت أن تأتي لكل فعل بفاعله، ألا تحذفه حذفًا وإن دل عليه الدليل، وهي في التزام هذا الحكم بخلاف المبتدأ إذ يجوز حذفه للدليل حسب ما تقدم، فكأنه يقول: إذا كنا قد علمنا بالاستقراء التزام العرب لذكر فاعل الفعل وألا تحذفه إلا مع تغيير الفعل والنيابة عن الفاعل، فلا بد لنا من التزام ذلك، فإذا لم يظهر لنا هنا عيانًا فهو مضمر، بلا بد لئلا نخرج عن قصد العرب، والجري على مجراها، فإذا قالوا: ضربني وضربت قومك، فهو على إضمار الفاعل إضمار المفرد، وقد وجد مثله- أعني إضمار المفرد كما تقدم- فلنقل به ولنلتزمه. والدليل على ذلك ظهور الضمير في مشهور الكلام نحو: ضرباني وضربت الزيدين، وضربوني وضربت الرجال. وهذا ظاهر من قوله: "والتزم ما التزما".
وأما وجه الرد على الفراء فإنه حكى في التسهيل وشرحه عنه أنه يقول: إضمار الفاعل قبل الذكر ممنوع، فكل مسألة يلفى فيها ذلك ممنوعة، لكن يصححها أن يؤخر الضمير فيفصل ويؤتي به بعد الظاهر، فتقول: ضربني وضربت قومك هم. وهذا الذي حكى عن الفراء لم أجده منصوصًا عنه هكذا،
стр. 1474
ولكن النحويين يحكون عنه المنع بإطلاق من غير ذكر تصحيح، فإن صح ما حكاه عنه فوجه الرد عليه من هذا الكلام أن العرب التزمت في الفاعل إذا كان ضميرًا الاتصال ما لم يعرض مانع منه، والموانع منه محصورة مذكورة، وهذا ليس منها. وإذا لم يكن منها فلا بد من الرجوع إلى الأصل من الاتصال وإلا قد خرجنا عن التزام ما التزمته العرب. فإن قال: فهذا أيضًا موجب؛ إذ يلزم من اتصال الضمير محذور، وهو الإضمار قبل الذكر. قيل: ليس الإضمار قبل الذكر بمحذور؛ لما تقدم فلا يخرج الضمير عن أصله من الاتصال لغير موجب ثابت. فهذا معنى التنكيت على الكسائي والفراء بقوله: "والتزم ما التزما".
والثانية: التنبيه على التزام المطابقة بين الضمير والظاهر، فإن كان الظاهر مفردًا كان الضمير كذلك، وإن كان مثنى فالضمير مثنى كما مثَّله بقوله: "كيحسنان ويسيء ابناكا" البيتين، أو كان الاسم مجموعًا فالضمير كذلك إعمالًا للمطابقة اللازمة في مثل هذا، ويكون في ذلك تنبيه على ما نبه عليه سيبويه من أن: ضربوني وضربت قومك هو الوجه، والأحسن، وأن إفراد الضمير رديء في القياس وألزم على القياس فيه أن يقال: أصحابك جلس، تضمر شيئًا يكون في اللفظ واحدًا، قال: "فقولهم هو أجمل الفتيان وأنبله لا يقاس عليه ألا ترى أنك لو قلت وأنت تريد الجماعة: هذا غلام القوم وصاحبه لم يحسن"
стр. 1475
لكنه قال أول المسالة: "فإن قلت: ضربني وضربت قومك فجائز، وهو قبيح" فاختلف الناس في تأويله بناء على أن مثل هذا يقاس أو لا يقاس، فظاهر السيرافي، وابن خروف أنه يجوز قياسًا، ونقل عن الشلويين أنه لا يقاس، وإنما قال سيبويه: "فجائز"، يعني حيث سمع على حكم التأويل بما ذكر، والناظم مال إليه، ورأى أن الذي التزمه العرب المطابقة فهي التي تلتزم ههنا فلا يقال: ضربني وضربت قومك، ولا ضربني وضربته قومك، ولا ضربت وضربني قومك إلا بالسماع خلافًا لمن يجيز مثل ذلك؛ إذ لم يكثر كثرةً يقاس عليها، ولا ساعده نظرٌ يعتمد عليه فلا ينبغي القول به. فهذا أيضًا مما نبه عليه كلام الناظم، فكأنه قال: إن العرب قد التزمت المطابقة بين الضمائر وما عادت عليه فيجب أن يلتزم ذلك أيضًا هنا، ولا يعدل عنه، وبهذا فسر ابنه كلامه في شرحه. وهذه القاعدة التي شرحها ومثلها بالمرفوع جارية في الضمير غير المرفوع، فتقول إذا أعملت الأول: ضربني وضربتهم قومك، فتعمل المهمل في ضمير ما تنازعاه وهو القوم، لكن هذا يطرد مع إعمال الأول، وأما إعمال الثاني فلا تعمل المهمل وهو الأول في ضمير ما تنازعاه بل تحذفه رأسًا ما لم يكن خبرًا، فتقول: ضربت وضربني زيد، ولا تقول: ضربته وضربني زيدٌ؛ لما يلزم عليه من الإضمار قبل الذكر مع خفة حذف الضمير والاستغناء عنه، لأنه فضلة فاستسهل بخلاف المرفوع والمنصوب الذي هو خبر، فلما كان إعمال المهمل مع
стр. 1476
غير المرفوع لا يطرد إذا أعمل الثاني أخرجه بأن قال فيه:
ولا تجيء مع أول قد أهملا ... بمضمرٍ لغير رفع أوهلا
بل حذفه الزم إن يكن غير خبر ... وأخرنه إن يكن هو الخبر
يريد أن العامل الأول إذا أهمل فلا يجوز أن تأتي بضمير الاسم المتنازع فيه إذا كان ضمير نصبٍ، وليس بخبر في الأصل، بل يلزم حذفه، فتقول: ضربت وضربني زيدٌ، ولا تقول: ضربته وضربني زيدٌ، وكذلك تقول: رضيت ورضي عني زيدٌ، ولا تقول: رضيت عنه ورضي عني زيدٌ؛ إذ لا حاجة إلى الإتيان به مع أنه إضمار قبل الذكر، فلا يرتكب إلا لموجب قوي. وما قاله من لزوم الحذف هو كلام العرب، ففي القرآن: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾ ولم يقل: يستفتونك فيها، وقال: ﴿فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه﴾ ولم يقل: هاؤم إليه، وقال: ﴿إذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله﴾ ولم يقل: تعالوا إليه. ومن ذلك في الشعر قول الفرزدق:
ولكن نصفًا لو سببت وسبني ... بنو عبد شمسٍ من مناف وهاشم
وقال رجلٌ من باهلة:
ولقد أرى تغنى بها سيفانة ... تصبي الحليم ومثلها أصباه
وهو كثير. وما ذهب إليه هنا هو رأي الجماعة، وقد خالف هذا في التسهيل
стр. 1477
فأجاز الإتيان بالضمير، غير المرفوع وهو غير خبر، واستشهد على ذلك بأبيات ذكرها منها قوله:
إذا كنت ترضيه ويرضيك صاحبٌ ... جهارًا فكن في الغيب أحفظ للعهد
ومنها قول الآخر:
وفيت لها وأخلفت أم جندب ... فزاد غرام القلب إخلافها الوعدا
ومثل هذا قليل لا ينبني عليه قياس، فالصواب ما أختاره هنا.
واعلم أنه لما قال: "ولا تجيء مع أول قد أهملا بمضمرٍ لغير رفع" فإنما أراد بمضمر عائد على الاسم المتنازع فيه لا مطلقًا كما تقدم، وعند ذلك تقول على مذهبه: ضربني وضربت زيدًا، فتأتي بضمير المتكلم، وهو فضلة؛ لأنه ليس ضمير المتنازع فيه، وكذلك تقول: مر بي ومررت بزيد، وفي التثنية: مرّا بي ومررت بالزيدين، وفي الجميع: مروا بي ومررت بالزيدين، فتأتي بالضمير المجرور؛ لأنه خارج عن معنى التنازع؛ ولذلك قالوا: لا يتنازع فعلا المتكلم، ولا فعلا المخاطب، ولا فعلان أحدهما للمتكلم، والآخر للمخاطب إلا في فضلة لا يكون لمتكلم ولا لمخاطب،
стр. 1478
فيجوز على هذا أن تأتي بفضلة الأول المهمل؛ إذ لا يلقى فيه أن يعود الضمير على ما بعده لفظًا ومرتبة، وهو المانع من الإتيان بالفضلة. وإنما بنيت هذا، وإن كان معلومًا مما تقدم؛ لأن شيخنا الأستاذ أبا عبد الله بن الفخار- رحمة الله عليه- بينه كذلك ثم قال: وإنما احتجت إلى هذا البيان؛ لأن هذا البسط غاب عن بعض المقرئين- يريد من مقرئ سبته- وقد سماه لنا ﵀.
ولما قال الناظم: ولا تجيء بكذا دل كلامه على أنك تجيء به مع الثاني، وذلك صحيح، فإنك تقول: ضربني وضربته زيد، ومر بي ومررت به خالد، ومن ذلك قول ابن أبي ربيعة:
إذا هي لم تستك بعود أراكة ... تنخل فاستاكت به عود إسحل
وقول أخي الشماخ واسمه جزء:
أتاني فلم أسرر به حين جاءني ... حديث بأعلى القنتين عجيب
وهو كثير، ثم يبقى النظر في وجوب ذلك أو جوازه، والجمهور على أنه لازم فلا يقال: ضربني وضربت زيد، إلا أن يأتي نادرًا نحو قول الشاعر:
بعكاظ يعشي الناظرين ... إذا هم لمحوا شعاعه
وأنشد ابن مالك:
يرنو إلي وأرنو من أصادقه ... في النائبات فأرضيه ويرضيني
وذهب السيرافي إلى جواز ذلك اعتبارًا بأنه فضلة، ورجح الجواز بقوله تعالى:
стр. 1479
﴿والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات﴾ أي والحافظاتها، والذاكراته، فكما يجوز إذا تأخر عن المتنازع فيه كذلك يجوز إذا تقدم. وأيضًا ما تقدم في الشعر، فإذا ثبت هذا فما الذي ذهب إليه الناظم هنا، وما الذي يعطيه هذا الكلام؟ . والقول في ذلك أن المسألة تجري على مسألة أصولية؛ وذلك أنهم لما اختلفوا في الصلاة على الميت أهي فرض أم لا؟ ذهب ابن عبد الحكم إلى أنها فرض بدليل الآية: ﴿ولا تصل على أحد منهم مات أبدًا﴾: لأن الآية لما نهت عن الصلاة على الكفار أعطى ذلك النهي وجوب الصلاة على غيرهم، وهم المؤمنون إما من جهة المفهوم، وإما من جهة أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وضعف الشيوخ هذا الاستدلال، ورأوا أن الآية إنما فيها عند اعتبار الوجهين الإذن المطلق في الصلاة على المؤمنين. فإذا نزلنا كلام الناظم على الطريقتين ظهر أنه محتمل للمذهبين؛ فإن قوله: "ولا تجيء مع أول" على طريقة ابن عبد الحكم أعطى الأمر بالمجيء به مع الثاني. وهذه طريقة الجمهور، وعلى طريقة غيره يعطي الإذن في المجيء بالضمير من غير انحتام لاسيما إن ضممنا إلى ذلك قوله: "حذفه الزم" فإنه يفيد أن حذفه مع الثاني لا يلزم بل يجوز فيجيء من ذلك مذهب التسهيل، وهذا هو أولى الاحتمالين، وقد تقدم وجهه، ورجحه أيضًا بما قدر من جواز عود الضمير على ما بعده لفظًا ومرتبة في مسألة:
стр. 1480
زان نوره الشجر؛ إذ احتج عليه في الشرح بما تقف عليه هناك.
(أوهل) معناه معنى أهل لكذا، أي جعل له أهلًا، يقال: آهلك الله للخير، وأهلك للخير أي جعلك له أهلًا، فمعنى الكلام: لا تجيء بمضمر أهل لغير الرفع فجعل منصوبًا أو مجرورًا، وقوله: "بل حذفه الزم" تأكيد لما تقدم، وضمير (حذفه) عائد على مضمر المذكور، وفيه توطئة لما يذكره من قوله: (إن يكمن غير خبر)، وأراد أنه إنما يلزم حذفه مع الأول إذا لم يكن مرفوعًا بشرط أن يكون غير خبر، فإنه إذا لم يكن خبرًا، فهو فضلة مستغنًى عنها كما تقدم، وإذا كان خبرًا فلا يحذف بل يؤتى به لكنه يؤخر لقوله: "وأخرنه إن يكن هو الخبر"، وتأخير إنما يكون عن مفسره، ومثال ذلك- فيما إذا لم يكن خبرًا- قولك: ضربت وضربني زيدٌ، وكذلك إذا كان الفعلان من باب أعطى فإنك تقول: أعطيت وأعطاني زيدٌ درهمًا، ولا تقول: أعطيته إياه، ولا أعطيته وأعطاني زيد درهمًا، وتقول: أعطاني وأعطيته إياه زيدٌ درهمًا، فتضمر للثاني ما يطلبه ولا تضمر للأول شيئًا؛ لأن ضمير المتنازع فيه مع الأول فضلة مستغنًى عنها، ومثال ذلك فيما إذا كان خبرًا ظنني وظننت زيدًا قائمًا إياه، فإياه هو الضمير المنصوب بظنني، وهو في الأصل خبر مبتدأ؛ لأن ظننته تنصب المبتدأ والخبر، وكان الأصل أن يقال: ظنني إياه وظننت زيدًا قائمًا، إلا أنه أخر؛ إذ لا يلزم من تأخيره محذور، ويؤمن بتأخيره المحذور، فإن فصل الثاني من مفعولي
стр. 1481
ظننت جائزٌ، وأنت لو أبقيته متقدمًا لزم الإضمار قبل الذكر من غير ضرورة، وما ذهب إليه الناظم هو أحد المذاهب الثلاثة. وزعم ابنه أنه مذهب البصريين. والمذهب الثاني أنك تحذفه اختصارًا فتقول: ظنني وظننت زيدًا قائمًا؛ لأن الحذف اختصارًا في الخبر جائز، وهذا مثله لأن خبر الفعل الثاني دال عليه وهو رأي منقول عن الكوفيين، وإليه ذهب ابن خروف، والشلوبين وغيرهما. وهو ظاهر في القياس من غير احتياج إلى فصل بين العامل والمعمول بجملة أجنبية منهما. والمذهب الثالث: ألا يحذف ولا يؤخر بل يبقى ثابتًا في موضعه، فتقول: ظنني إياه وظننت زيدًا قائمًا؛ لأنه في الكلام عمدة، وإن كان بلفظ الفضلة، فلا يجوز حذفه ولا يلزم تأخيره اعتبارًا بالضمير المرفوع، فكما يجوز إضمار المرفوع قبل الذكر من حيث هو عمدة، فكذلك ما كان عمدة، وإن انتصب، وأجاز هذا ابن خروف أيضًا. وقد حكى ابن الناظم الإجماع على منع تقديمه. وفي هذا النقل ما فيه فقد ثبت الخلاف في المسألة.
واعلم أن في كلامه بعد هذا التقدير نظرًا من وجهين: أحدهما: أنه بنى في هذا الفصل على أن المهمل عامل في ضمير المتنازع فيه على التفصيل المتقدم لا في ظاهر، وذلك صحيح فيما كان المتنازع فيه واحدًا، فإن المهمل إنما يعمل أو يطلب العمل في ضميره، أما إذا كان المتنازع فيه أكثر من واحد فليس طلب المهمل لضمير المتنازع فيه بمطرد، بل قد يكون كذلك، وقد لا يكون فإذا
стр. 1482
قلت: أعطيت وأعطاني درهمًا زيد درهمًا، فكان جائزًا على وجه، وممتنعًا على وجه آخر، فإن اعتقدت أن الدرهم الأول هو الثاني، فهنا لا يؤتى بالدرهم إلا مضمرًا؛ لأن إظهاره يعطي الغيرية، ويتنزل على هذا كلامه. وإن كان الدرهم الأول غير الثاني، فالأصل الإظهار لأن الإضمار يفهم اتحادهما، وقد فرضنا تعددهما، لكن أجاز الزجاجي وغيره الإضمار فتقول: أعطيت وأعطانيه، أو وأعطاني إياه، زيدًا درهمًا؛ إذ قد يعود الضمير على نظير الأول، لأن الأول يدل عليه؛ ولذلك يقال إنه عائد عليه، وهو من كلام العرب إلا ترى أنك تقول: عندي درهم ونصفه، وفي التنزيل: ﴿وما يعمر من معمرٍ ولا ينقص من عمره إلا في كتاب﴾ وأنشدوا على ذلك:
وكل أناس قاربوا قيد فحلهم ... ونحن خلعنا قيده فهو سارب
وقال النابغة الذبياني:
قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا ونصفه فقد
فجميع هذا لا يعود فيه الضمير على الأول حقيقة، وإنما يعود عليه من حيث
стр. 1483
هو نظير لما عاد عليه ومفسر له؛ فلذلك كان الإظهار الأصل، وعند ذلك لم يكن المهمل عاملًا في ضمير المتنازع فيه، وكذلك إذا قلت: ظننت وظنني إياه زيدًا قائمًا، فالإضمار هنا على خلاف الأصل، والأصل أن يقال: ظننت وظنني قائمًا زيدًا قائمًا؛ لأن قائمًا الأول خلاف الثاني إلا أن اللفظ واحد فجاز الإضمار اعتبارًا بالصورة، فالحاصل أن قوله: "واعمل المهمل في ضمير ما تنازعاه" ليس على إطلاقه في كل موضع، وكذلك ما بني عليه من مسائل الضمير، ومثل ذلك لو قلت: ظنني وظننت قائمًا زيد قائمًا، وإضماره على خلاف الأصل، وكذلك تقول: أعطاني وأعطيته درهمًا زيدٌ درهمًا. هذا هو الأصل، ويجوز الإضمار فتقول: أعطاني وأعطيته إياه زيدٌ درهمًا. هذا إن كان الدرهم الأول غير الثاني، فإن كان إياه فالإضمار خاصة. وإذا تقرر هذا أشكل أيضًا تأخيره للضمير إذا كان خبرًا، فإنه في باب ظن مغاير لمفسره فالأصل إذًا أن يكون في موضعه ظاهرًا، فتقول: ظنني قائمًا وظننت زيدًا قائمًا، فالتزامه الإتيان بالضمير وتأخيره من غير حاجة في غاية الإشكال.
والوجه الثاني: أن هذا البيت الذي فرغ من شرحه يوهم أن ضمير المتنازع فيه إذا كان مفعولًا في باب ظن يجب حذفه إذا كان المفعول الأول، ويجب تأخيره إذا كان المفعول الثاني، وفيما قال نظر. قال ابنه في الشرح: "ليس كذلك بل لا فرق بين المفعولين في امتناع الحذف، ولزوم التأخير" قال: "ولو قال بدله:
واحذفه إن لم يك مفعول حسب ... وإن يكن ذاك فأخره تصب
стр. 1484
لخلص من ذلك التوهم. وما اعترض به يظهر لزومه، لأنه قال: "بل حذفه الزم إن يكن غير خبر" فدخل له المبتدأ في وجوب الحذف، وهو المفعول الأول في ظن، ولا محالة أن الأول كالثاني، فإن وجب التأخير في الثاني ظهر وجوبه في الأول فتقول، ظننت منطلقة وظننتني منطلقًا هندٌ إياها، وهو تمثيل ابن الناظم، فإياها مفعول ظننت الأول. وهذه المسألة لا أعلم من نبه عليها، وإنما يذكرها الناس في الغالب مع الخبر وحده.
والجواب عن الأول: أنك إذا قلت: أعطيته وأعطانيه زيدًا درهمًا، فإن كان الدرهم الأول هو الثاني فالضمير كما قال، لأن العاملين تنازعا معمولًا واحدًا، وهو الدرهم. وإن لم يكن إياه فللمسألة نظران، أحدهما: أن نعتقد المباينة تحقيقًا، فلا بد في هذا الموضع من الإظهار، إذ لم يتنازع العاملان معًا الدرهم المتأخر، فتقول إذًا: أعطيت درهمًا وأعطاني زيدٌ درهمًا، ومثله إذا قلت: أعطاني وأعطيته درهمًا وزيدٌ درهمًا؛ إذ لا فرق بين ذلك وبين أن تعوّض من الدرهم الأول ثوبًا، فتقول: أعطيت ثوبًا وأعطاني زيدٌ درهمًا، وأعطاني وأعطيته ثوبًا زيدٌ درهمًا، فيصير التنازع في زيد وحده لا في الدرهم، وهو إنما قال: "واعمل المهمل في ضمير ما تنازعاه".
والثاني: أن لا تعتقد المباينة بل يعد الثاني كأنه الأول لما كان مشاركًا له في اللفظ والمعنى الاشتقاقي، فهو بهذا اللحظ متنازع فيه، فلا بد عند هذا التقدير من الإتيان بالضمير، فتقول: أعطيت وأعطانيه زيدًا درهمًا، وإن تباينا في نفس الأمر؛ لأنهما في حكم الواحد اعتقادًا مجازيًا، فكلامه منزل، بحسب الاعتقاد
стр. 1485
على حالين كل واحد منهما يطلب حكمًا لفظيًا لازمًا، وإذا كان كذلك لم يبق عليه إشكالٌ ولزم ما قال من تأخير ذلك الضمير؛ لأنه ضمير اسم متنازعٍ فيه. وذلك الإشكال هو الذي قام مع ابن الطراوة، فرد على المتكلمين في المسألة فتأمله في كتابه الموضوع على الكتاب. وأما اعتراض ابن الناظم فقد يجاب عنه بأمرين:
أحدهما: أن يكون اقتصر على ذكر الخبر ليلحق به المبتدأ؛ إذ هما سواء في كونهما عمدتين كالفاعل فكان سكوته عنه ليس لأنه داخل تحت قوله: "بل حذفه الزم" بل لأنه مفهوم حكمه من الخبر. والثاني: أن يكون قد فرق بينهما لمعنى مفرق، وذلك أن الخبر لتأخيره مسوغٌ، وهو جواز انفصاله لغير موجب، فكان في عدم حذفه إعمالٌ لمعنى كونه عمدةً، وفي تأخيره احترازٌ من محذور الإضمار قبل الذكر فأوجب تأخيره مثبتًا لذلك، وأما المبتدأ فأنت إما أن تحذفه فتهمل معنى كونه عمدةً، وذلك مكروه، وإما أن تثبته في موضعه فتدخل في مكروه الإضمار قبل الذكر، وإما أن تثبته مؤخرًا فتفصله من عامله لغير موجب لفظي، وذلك أيضًا مكروه، لكن هذا الأخير قد منع مثله، وهو مذهب الفراء في إجازته: ضربني وضربت قومك هم، فلو أجاز هنا تأخير المبتدأ
стр. 1486
لناقض أصله؛ إذ كلاهما عمدة يجب وصلها بعاملها، فكما لم يؤخر الفاعل لا يؤخر ما هو في معناه وفي حكمه. وأما إثباته في موضعه فاجتمع فيه مكروهان: الإضمار قبل الذكر، وبقاؤه مع أنه بلفظ الفضلة، فصار: ظننته مثل ضربته. وإذا حذف لم يلف فيه إلا مكروه واحد، وهو حذف العمدة، إلا أن هذا المكروه مغتفر؛ لأن الحذف اختصاري للدلالة عليه، ومن شأنه أن يحذف اختصارًا، بخلاف الفاعل ففارق الفاعل من هذا الوجه، فكان حذفه أولى الوجوه الثلاثة وأشبهها، فيمكن أن يكون الناظم ارتكب هذا مذهبًا، اعتمادًا على وجوب الحمل على أحسن الأقبحين، وهي قاعدة يشهد لها كلام العرب مع أن المسألة مغفلة الذكر، مجهولة الحكم، لم أر من تكلم في طرف منها، إلا ما يعطيه ظاهر هذا الكلام، وهي بعد في محل النظر، فعلى الناظر فيها الاجتهاد. وهذا مبلغ ما ظهر لي والله أعلم.
وقوله: "بل حذفه الزم إن يكن غير خبر" وقوله: "واخزنه إن يكن هو الخبر". جاء بالمضارع فيه بعد إن حذف جوابها، وهو مختص بالشعر، والقياس: إن كان غير خبر، وإن كان هو الخبر، ولكنه نحو ما أنشد أبو عبيدة وغيره لزهير بن مسعود:
فلم أرقه إن ينج منها وإن يمت ... فطعنة لا غس ولا بمغمر
وكذلك قوله بعد: "وأظهر إن يكن ضميرٌ خبرًا" جاء على الشذوذ أيضًا، وهو في هذا غير مضطر على طريقته؛ إذ كان يمكن أن يقول: "وأظهر إن كان ضميرٌ خبرًا".
واظهر أن يكن ضميرٌ خبرا ... لغير ما يطابق المفسرا
стр. 1487
نحو: أظن ويظناني أخا ... زيدًا وعمرًا أخوين في الرخا
تكلم قبل هذا على ما إذا كان الضمير مطابقًا للمفسر إفرادًا وتثنيةً وجمعًا، وأوجب فيه إذا كان خبرًا التأخير فقط، وذلك مع إعمال الثاني، ثم بين هنا الحكم فيما إذا لم يكن الضمير مطابقًا للمفسر، فيريد أن الضمير إذا كان خبرًا، المبتدأ لا يطابق مفسره في إفراد ولا تثنية ولا جمع وجب أن يؤتي بالظاهر عوض ذلك الضمير، ولا يؤتى بالضمير، ومثاله: ظننت وظناني أخًا الزيدين أخوين، فها هنا لو أتيت بالضمير عوض الظاهر الذي هو الأخ، فقلت: ظننت وظناني إياه الزيدين أخوين، أو: ظننت وظنانيه الزيدين أخوين لكان الضمير عائدًا على الأخوين، ولا يعود ضمير المفرد على المثنى، فإن رمت إصلاح هذا بأن تأتي بالضمير على مطابقة المفسر وهو مثنى، فقلت: ظننت وظناني إياهما، أو ظنانيهما الزيدين أخوين، لزم الإخبار بالمثنى الذي هو هما أو إياهما عن المفرد الذي هو ضمير المتكلم في (ظناني)، وذلك فاسد، فكان الواجب الإظهار. هذا في إعمال الأول، ومنه مثال الناظم. وتقول في إعمال الثاني في العكس: ظناني شاخصًا وظننت الزيدين شاخصين، لأنك لو أضمرت شاخصًا فأخرته لكان يلقى فيه ما تقدم من عدم المطابقة للمفسر أو للمبتدأ إذا قلت: ظناني وظننت الزيدين شاخصين إياه أو إياهما، وكذلك ينبغي أن يكون الحكم فيما إذا اختلف الضمير والمفسر بالإفراد والجمع، أو بالتثنية والجمع، فتقول: ظننت وظنوني شاخصًا الزيدين شاخصين، وظنوني شاخصًا وظننت الزيدين شاخصين، وتقول: ظننا وظنونا شاخصين الزيدين شاخصين، وظنونا شاخصين وظننا الزيدين شاخصين، ولا يجوز الإتيان بالضمير؛ لما تقدم، وكذلك ظننت وظنتني شاخصًا هندًا شاخصًا، فتظهر شاخصًا، ولا تضمره. فتقول: ظننت
стр. 1488
وظَنَّتْني إيّاها ولا إيّاه هندًا شاخصًا؛ للزوم عدم المطابقة للمبتدأ أو للمفسِّر. وهذه الأشياء إذا حققتها ليست من باب الإعمال، وإنَّما هي شبيهةٌ بمسائل الإعمال؛ إذ لم يتنازع العاملان معمولًا واحدًا.
فإن قيل: هذه المسألة غير مُخْلَّصة من أجل أنّه ذكر حكم عدمِ المطابقة في باب ظن، ولم يذكرها في باب أعطى، بل قال: "وأظهر إنْ يكن ضميرٌ خبرًا" لكذا، فاقتضى أنّ ما ليس بخبر يُضمَر. وليس كذلك بل الحكم واحد من عدم المطابقة، فتقول: أعطيت وأعطياني درهمًا الزيدين درهمين، وأعطيتُ وأعطوني درهمًا الزيدين دراهم، وما أشبه ذلك من المسائل المفروضة في التثنية والجمع والتأنيث، فكان تركه لذلك نقصًا مُوهِمًا.
فالجواب أن يقال: لعله ترك ذلك لفهم حكمه من حكم ظننت المذكورة، إذ المعنى الموجب للإظهار واحدٌ في الموضعين. والله أعلم.
стр. 1489
المفعول المطلق
هنا شرع الناظم في الكلام على المنصوبات، وهي التي ينصبها كلُّ فعل متعدِّيًا كان أو غير متعد، ولم يقدِّم قبل هذا من المنصوبات إلا المفعول به؛ إذ لا ينصبُه كلُّ فعل، ولأنه متعلِّق بأحكام المرفوعات من جهة رفعه إذا ناب عن الفاعل، ومن جهة حصول الفائدة به كحصولها بالفاعل على الجُملة، ومن أجل أنَّ الفعل يقتضيه بمعناه كما يقتضي الفاعل، فلذلك أفرد المفعول به عن غيره من المنصوبات.
وجملةُ المنصوبات التي ينصبها كل فعل ثمانية، وهي: المفعول المطلق، والمفعول فيه، وهو ظرف الزمان وظرف المكان، والمفعول من أجله، والمفعول معه، والمستثنى، والحال، والتمييز، فبدأ بالمفعول المطلق، وهو المصدر؛ لأنّه أقرب هذه المنصوبات إلى الفعل لأنَّه مُشتَقٌّ منه، والفعل دالٌّ عليه بحروفه؛ إذ الفعلُ له دلالتان: دلالة بحروفه، ودلالة بصيغته. ودلالة الحروف أقرب إلى المصدر من دلالة الصيغة، فابتدأ به فقال:
المصدر اسم ما سوى الزمان منْ ... مَدلُولي الفعل كأمْنٍ مِنْ أمِنْ
يعني أنّ المصدر في اصطلاحهم: هو اسمُ ما دلَّ عليه الفعل بحروفه، وذلك أنّ الفعل يدلُّ على المعنى الواقع من الفاعل، أو المعنى المتَّصِف به الفاعل من حيث هو فاعل: فضرِبَ ويَضْرِبُ دالٌّ على الضرب الواقع من الضارب، وأمِنَ ويأْمَنٌ وائْمَنْ دالٌ على معنى اتَّصف به الآمن، فلذلك له اسم وضعته العرب له وهو
стр. 1490
ضربٌ في المثال الأول، وأمنٌ في الثاني. وهو مثال الناظم. ويدُلُّ الفعل أيضًا على زمان وقوع ذلك الفعل من كونه في الماضي، والمستقبل، والحال، فإذا قلتَ: ضربتُ فهو دالٌّ على الزمان الماضي، وإذا قلت: اضربْ فهو دالٌّ على المستقبل، وإذا قلت: يضربُ فهو دالٌّ على الحال أو على المستقبل. وكذلك إذا قلت: أمِنَ ويأْمن وائْمنْ، فدلالته على الزمان بصيغته، ودلالته على المعنى الواقع من الفاعل أو القائم به بحروفه، فللفعل إذا مدلولان ولكل واجد منهما لفظ يَخْتَصُّ به، واسم يُدعى به، فنفى اسمَ الزمان بقوله: "اسم ما سوى الزمان" فبقيَ الواقع من الفاعل أو القائم به صادقًا عليه التعريف، فهو إذًا المصدر. وإنما قال: "اسم كذا، ولم يقل: المصدر ما سوى الزمان من كذا"؛ لأنَّ لفظ المصدر إنما يطلق على اسم المعنى الواقع أو القائم بالفاعل، لا على نفس ذلك المعنى؛ ولذلك قال سيبويه: "وأما الفعل فأمثلةٌ أُخذَت من لفظ أحداث الأسماء" ولم يقل أُخِذَت من أحداث الأسماء، فلو قال: "المصدر ما سوى الزمان من مدلولي الفعل" لكان قد عَرَّفه بالمعنى، فيكون نفسُ المعنى هو المصدر، وذلك في الاصطلاح غيرُ صحيح. هذا حاصل ما قَصَدَ، إلا أن فيه نظرا من أوجه ثلاثة: أحدُها: أنه لم يبيّن حقيقة المصدر من نفسه، وإنما بيّنه بنفي غيره عنه، ولا يلزم من نفي غير الشيء أن يتبيّن هو في نفسه.
والثاني: أنَّ أسماء المصادر داخلة عليه كانت مشتَقَّة كمقعدٍ ومقامٍ ومَضرَب ومَطلَع، وما أشبه ذلك، أو غير مشتقَّة كالكلام والسلام، وكذلك أسماء المصادر الإعلام نحو: حَمَاد، فَجَار وبَرَّة، وفَجْرَة، وسبحان في قول
стр. 1491
الأعشى، أنشده سيبويه:
أقول لما جاءني فَخْرَهُ ... سُبحان من علقمة الفاخرِ
وما كان نحو ذلك، فكلامه يصدُق عليه؛ لأنَّ كلَّ واحد من هذه الأنواع يصِحُّ أن يُعَرَّف بأنه اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل، وليست بمصادر اصطلاحًا.
والثالث: أنَّه جعل للفعل مدلولين: أحدهما: الزمان، والآخر: المعنى الواقع من الفاعل أو المُتَّصِف به الفاعل، وهذان المعنيان ليسا بمدلولين للفعل من حيثُ هو فعل، لا بدلالة المطابقة، ولا التَّضَمُّن، ولا الالتزام. وبيان ذلك أن قام موضوع للقيام الواقع في الزمان الماضي، وعلى مجموع ذلك دلَّ بالمطابقة، ولم يَدُّل قطُّ بالمطابقة على الزمان وحده؛ ولا على معنى القيا وحده؛ إذ لم يوضع مجموع الحروف والصيغة معًا لواحد من المعنيين بخصوصه، وأيضًا فدلالة اللفظ على جزء مسماه مشروطة بأن تكون نسبة ذلك اللفظ إلى جميع أجزاء المعنى نسبة واحدة، كلفظ العَشَرة مع كل واحدة من الخمستين، فإن نسبته إلى كل واحدة منهما على حدٍّ واحد لا يختلف بحسب الوضع، وليس كذلك قام، فإنّ دلالته على الزمان على غير الوجه الذي يدل به على القيام، إذ كانت دلالته على الزمان بالصيغة، ودلالته على القيام بالحروف، فقد تباينت جهتا الدلالة؛ ولذلك قال شيخنا الإمام أبو عبد الله الشريف التلمساني: إنَّ دلالة الفعل من جهة هيئته على الزمان مطابقة وعلى المعنى الواقع من الفاعل
стр. 1492
بالالتزام، ودلالته من جهة حروفه على عكس القضية حسب ما تلقاه منه بعض أصحابنا. وبيانه الشافي في علم الاشتقاق، وهو التحقيق في المسألة. فإذًا دلالة التضمن منفيّة ههنا، لم يدُلَّ بها الفعلُ على المصدر، ولا على الزمان، وأيضًا فليس قام بدالٍّ على أحد المعنيين بالالتزام؛ لأنَّ دلالة الالتزام هي دلالة اللفظ على ما خرج عن مدلوله، والزمان والمعنى الواقع من الفاعل لم يخرجا عن مدلوله، وإذا لم يدُلَّ على واحد منهما بواحدة من الدلالات الثلاث لم يصحَّ كلام الناظم، وإنّما [الذي] يصحُّ في دلالة الفعل: أنَّه يدل على معنى مقترن بزمان معيَّن؛ لأن الفعل مجموع الحروف والصيغة، فالمجموع دالٌّ على المجموع فإذا أُخِذَ واحد من الامرين لم يتحقَّق أنَّ الفعل دالٌّ عليه بخصوصه، فثبت أنَّ هذا التعريف المذكور غير محرر.
والجواب عن الأول: أنّ التعريف وإن حصل بنفي الغير فإنه في قوة بيانه بحقيقته، كما مر في بسط مقصوده؛ لأن دلالة الفعل بحسب الوضع منحصرة في الأمرين، فإن نُفي أحدهما ثبت الآخر، وكلاهما مفهوم من الفعل غير مفتقر في فهمه إلى أمر آخر، وأيضًا فلم يقصد بهذا التعريف تعريف الحدِّ، وإنما قصد التعريف الرسميّ على عادة النحويين في اعتمادهم على ذلك؛ بناء على أنّ الحد الحقيقي في الأمور الوضعية كالمعتذر.
وعن الثاني: أن يقال: لعلّه قصد إدخالها ولم يرد إخراجها؛ لأن إطلاق لفظ المصدر على اسم المصدر جائز، وإن كان مجازًا في الاصطلاح، أو يقال: إنّ تقييده بالمثال في قوله: "كأمْنٍ من أمِن" يخرج أسماء المصادر، فلا يُعتَرَض بها.
وعن الثالث: أن تقول: ذانك المعنيان مدلولان للفعل على الجملة، فإذا
стр. 1493
تحقَّق كيف تصحُّ دلالته عليها، فهو ما ذكر في السؤال، فعبارة الناظم يصحُّ تنزيلها على ما تقدّم من أن الفعل في أصل وضعه دالٌّ على معنى مقترن بزمان محصَّل، ولا يلزم الناظم أن يتنزّل لذلك التفصيل المقرر، بل يكفيه ما قال عن ذلك.
ويقال أمِنْتُ الشيءَ أمنًا، وهو ضد خِفتُه، وأمنتٌ الرجل أمانة: إذا وثقت به، من الأول قوله تعالى: ﴿أأمنتم من في السماء﴾ الآية، ومن الثاني: ﴿قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل﴾. ومثال الناظم من الأول، لأنه أتى بالمصدر على أَمْن، ولو قال كأمانة من أمِن لكان من الثاني. ثم قال:
بمثله أو فعل أو وصف نُصِبْ ... وكونه أصلًا لهذين انتُخِبْ
اعلم أن المصدر إنما يُنصَبُ بما يُنصَبُ به المفعول به، وذلك أحدُ ثلاثة أشياء ذكرها الناظم:
أحدها: المصدر، وهو الذي عني بقوله: "بمثله" يريد بمصدر مثله، ولا يعني المثلية من جميع الوجوه، وإنما يريد أنه مصدر لا غير؛ إذ لا يكون المصدر المنصوب به إلا نائبًا عن الفعل، نحو: ضرْبًا زيدًا ضربًا شديدًا، أو مقدّرًا بأن والفعل، نحو: عجبت من قيامك قيامًا حسنًا، ولو كانت المماثلة في كلامه معتبرة من كل وجه لكان المصدر المبيّنُ لا ينصبه المصدر إلا مبيِّنًا، ولكان المصدر المؤكِّد لا ينصبه المصدر إلا مؤكدًا، والمؤكد لا ينصِب أبدًا حتى يكون نائبًا، وهو إذ ذاك غير مؤكّد. ومن النصب بالمصدر قول الشاعر -أنشده سيبويه:
يمرون بالدهنا خفافًا عيابهم ... ويخرجن من دارين بُجْرَ الحقائب
стр. 1494
على حين ألهى الناس جلُّ أمورهم ... فندلًا زريق المال ندل الثعالب
والثاني: الفعل، نحو: قمت قيامًا، وقعدتُ قعودًا، واستكبرت استكبارًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وكلم الله موسى تكليمًا﴾ و ﴿أصروا واستكبروا استكبارًا﴾، وقال تعالى: ﴿وكبره تكبيرًا﴾ وهو كثير.
والثالث: الوصف وذلك اسم الفاعل، أو اسم المفعول، فاسم الفاعل، نحو: أنا قائم قيامًا، وزيد ضارب عمرًا ضربًا، ومنه في التنزيل الكريم: ﴿والنَّاشِطات نشْطًا، والسَّابِحات سبْحًا، فالسَّابِقات سبْقا﴾ ﴿فالعاصفات عصْفًا، والناشرات نشْرًا، فالفارقات فرْقًا﴾ واسم المفعول كاسم الفاعل، فتقول: زيد مضروب ضربًا عنيفًا، والخبزُ مأكولٌ أكلًا. هذا معنى ما ذكره. ثم إنه يتعلق به نظران:
أحدهما: أنه لما قال: "بمثله أو فعل أو وصف نُصِب" دلّ أنّ نصب المصدر عنده بهذه الأشياء الثلاثة نفسها، أما الفعل والوصف فهو كما قال، وأما المصدر فإنْ كان مقدّرًا بأنْ والفعل فكما قال حسب ما يُذكر في موضعه، وإنْ كان نائبًا عن الفعل ففيه خلاف بين النحويين، فمنهم من يقول
стр. 1495
بمثل ما قال: إن المصدر هو الناصب نفسه لا بالتشبيه بالفعل، واسم الفاعل، بل بحكم الأصل؛ لأنه يطب ما يطلب الفعل، وإن كان اسمًا؛ لأن معناه معنى الفعل إلا أنْ يكون لمجرد التأكيد فإنه كسائر الأسماء، وإذا كان كذلك فادعاء أن العمل لغيره لا دليل عليه. وإذا ثبت ذلك في نحو: ضَرْبًا زيدًا، أعني في نصب المفعول فهو كذلك في نصب المصدر إذا قلتَ: ضربًا زيدًا ضربًا شديدًا.
فإن قيل: إنّ ضربًا لا بدَّ له من ناصب، هو الفعل، فهو إذًا العامل في نفس ذلك النائب، فكذلك يكون عاملًا في غير النائب أيضًا، وإلا فكونه عاملًا في النائب وغير عامل في الآخر قولٌ بالتحكم.
فالجواب: أنه يلزم من هذا أن يكون الفعل عاملًا في مصدرين، والفعل لا يكون كذلك، فلا يقال: ضربتُ زيدًا ضربًا ضرْبَ الأمير اللّصِّ، ولا: قام زيدٌ قيامًا قومةً واحدةً، وما أشبه ذلك، ولذلك قالوا في نحو مثال سيبويه: اعلم الله زيدًا هذا قائمًا العلم اليقين إعلامًا: إن العلم اليقين إنما انتصب بإضمار فعل لا بأعلم، وبيّنوا أنّ الفعل لا يعمل في مصدرين؛ لأنّ الفعل إنما يعطي مما يطلبه شيئًا واحدًا، ولذلك لا يعمل في ظرفي زمان، ولا ظرفي مكان، ولا حالين، ولا تمييزين، فإن جاء ما يُوهم ذلك فهو محمول على البدل، أو على إضمار فعل. وقد أجاز ابنُ الطراوة عمل الفعل في مصدرين، يكون أحدهما
стр. 1496
مؤكّدًا والآخر مبيّنًا، ورُدَّ عليه بأن الفعل إنما يطلُبُ المؤكِّدَ، وإذا عمِلَ في المبيّن فقد تضمّن العمل في المؤكّد؛ لأنَّ قولك: ضربتُ زيدًا ضربًا شديدًا، يعطي من التأكيد ما يعطيه المؤكد وزيادة، فلا يعمل في المبيّن إلا عند عدم المؤكّد، أو يُؤتى به بدلًا منه كضربتُه ضرْبًا ضرْبتين.
فإن قلت: فقد جاء في القرآن: ﴿كلا إذا دُكَّت الأرضُ دكًّا دكًّا﴾.
قيل: هذا ليس من ذلك وإنّما هو على معنى: دكًّا بعد دكٍّ، وبذلك يرجع إلى معنى لفظ واحد، ومصدر واحد ومنه: ﴿وجاء ربك والملك صفًّا صفًّا﴾، ومثل ذلك قولهم: عملت حسابه بابًا بابًا، فليس من باب العمل في مصدرين، فقد ظهر أنّ الفعل لا يصحّ أن يعمل في مصدرين وإذا كان كذلك فقولك: ضربًا زيدًا ضربًا شديدًا لا يصح أن يعمل في المصدر المبيّن الفعل المقدّر، وإنما العامل فيه المصدر النائب. ومن النحويين من زعم أن الفعل المقدر هو العامل؛ لأنك إذا قلت: ضربًا زيدًا، فتقديره: اضرب ضربًا زيدًا، فضربًا منصوب بالمضمر، فينبغي أن ينتصبَ زيدٌ به أيضًا، وجرت عادتهم أن يقولوا هو منصوب بالضرب على التوسّع لما ناب عن الفعل الذي هو عاملٌ فيه، فإذا كان كذلك كان (ندل) من قول الشاعر: "ندل الثعالب" منصوبًا أيضًا بالنائب. وهذا خلاف القول الأول، وليس بالوجه، والأصح هو الأول.
والثاني: أن قوله: "بمثله أو فعل أو وصف نُصِب" يقتضي حصر العامل
стр. 1497
فيه، وأنه لا يكون غير ذلك، فلا يكون العامل فيه صفة مشبَّهة باسم الفاعل، ولا أفعل التفضيل، ولا معنى ظرفٍ ولا مجرور، ولا غير ذلك من الألفاظ التي تؤدي معاني الأفعال، ولا تُحْرِزُ ألفاظها؛ ولذلك لا تقول: زيدٌ حسنٌ حُسنًا، ولا زيدٌ أقومُ منك قيامًا، ولا زيدٌ في الدار استقرارًا، ولا زيدٌ عندك ثبوتًا، ولا هذا زيدٌ تنبيهًا، ولا ما أشبه ذلك؛ لأنّ أصل المصدر التوكيد لفعله الذي اشتُقَّ منه، أو ما جرى مجراه، وهو اسم الفاعل؛ إذ هو جارٍ على الفعل في لفظه، ومعناه، وعمله، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله، فإذا ذُكر اسمُ الفاعل أو المصدر النائب عن الفعل فكأنَّ الفعل موجود بلفظه، ومعناه، وكذلك مع اسم المفعول، وأمثلة المبالغة. وأيضًا فالفعل يقتضي العلاج ومصدره مؤكدٌ لذلك المعنى، فما كان معنى العلاج فيه متناسًى ومطرحًا كالصفة المشبهة وأفعل التفضيل لا يصحُّ أن يؤكَّد بالمصدر، فلا يصح أن ينصبه، ولا أن يعمل فيه، إذ لا يطلبه. وإذا ثبت هذا صحَّ أنَّ العامل في المصدر في جميع المسائل الآتية بعد في: ضربًا زيدًا، وقوله: ﴿فأمَّا مَنًّا بعد﴾ وزيدًا سيْرًا سيْرًا، وإنما أنت سيْرًا وله على ألفٌ عُرْفًا، وابني أنت حقًّا، وله صوتٌ صوتَ حمار [فعل مضمر]، وقد بيَّن هو ذلك حيث جعلها منصوبة على إضمار الفعل، وسيأتي بحول الله.
وبعد فعلى الناظم هنا درك من وجهين:
أحدهما: أنه أطلق القول في العامل في المصدر فلم يقيّده بكونه من لفظه حسب ما يأتي، وهو قيدٌ لا بُدَّ منه لأن نصب المصدر من حيث هو مصدر
стр. 1498
لا يكون إلّا بما هو من لفظه، كما مرّ تقديره، أو من معناه لكن موافقًا للفعل الذي هو من لفظه حسب ما يأتي. وأمّا نصبه بالمصدر أو الفعل أو الصفة إذا لم يكن من لفظه ولا من معناه فلا يكون به مصدرًا، بل يكون على حسب ما يطلبه ذلك العامل كسائر الأسماء، فتقول: عجبتُ من كراهتك الخروج، وأحبُّ إكرامَ زيدٍ، وأنت محبٌّ الإكرام، كما تقول: عجبتُ من كراهتك زيدًا، وأحب زيدًا، وأنت محبٌّ زيدًا، وعلى هذا الوجه أيضًا يُرفَع ويخفض؛ إذ هو عند ذلك كسائر الأسماء يُرفَع فاعلًا ويُنصَب مفعولًا، ويُخفَض مضافًا إليه بالحرف وغيره، فلا بُدَّ من ذلك القيد، وهو أن يكون العامل من لفظه ومعناه، أو معناه كما تقدَّم، وقول الناظم: "بمثله أو فعلٍ أو وصفٍ نُصِبَ" لا يعيّن المراد، ولا يبيّنه.
والثاني: أنّه أطلق الوصف فلم يقيّده بكونه اسم فاعل أو مفعول بل أطلق فيه القول، فاقتضى أنّ الصفة المشبَّهَة باسم الفاعل، وأفعل التفضيل ينصبان المصدر، فتقول: زيد حسنٌ حُسنًا، وكريمٌ كرمًا، وأفضل منك فضلًا، وما أشبه ذلك؛ لأن كل واحد منهما يسمّى وصفًا في الاستعمال العرفي، ويمتنع أن ينصِبَ المصدر من حيث هو مصدر، فإطلاق الناظم غير صحيح. وأيضًا يلزمه نحو هذا في الفعل؛ إذ لم يقيّده بكونه متصرّفًا، وهو شرط لازم؛ إذ الفعلُ إذا كان غير متصرّف لا ينصب مصدرًا، ولا يُشتَقُّ منه، فلما لم يقيّد الفعل بكونه متصرفًا أوَهَم أنك تقول: نِعم الرجل زيدٌ نعمةً، وبئس الرجل زيدٌ بؤسًا وحبَّذا زيدٌ حبًا، وما أشبه ذلك، وذلك وغير صحيح. فهذا كله فيه ما ترى.
والجواب عن الأول: أنّ مما يدل على مراده، وأنه أراد الموافق في اللفظ ما قبل الكلام وما بعده، فأما ما قبله فتعريفه المصدر بأنه الذي دل عليه الفعل بحروفه، وتمثيله بأمنٍ من أمِنَ، وإذا كان مع الفعل على هذا السبيل أشعر بأنَّ
стр. 1499
فعلَه أقرب إلى العمل فيه من غيره، ثم يجري المصدر والوصف مجراه، وأما ما بعده فقوله: "وكونه أصلًا لهذين انتُخِب"، لأن من المعلوم أن مصدر قعد لا يكون أصلًا لضرب، ولا يُدَّعى ذلك فيه، وكذلك العكس. وعلى هذا السبيل يجري سائر المصادر من الأفعال، بل لا بُدَّ أن يكون محصول الحكم بالعمل دائرًا بين الفعل ومصدره الذي من لفظه ومعناه، وكذلك المصدر والوصف فقد ظهر من مساق الكلام اشتراطُ ذلك الشرط.
وأما الثاني: فلا أجد الآن جوابًا عن وروده إلّا أن يُقال: إنه قد تبيّن في أبواب الصفة المُشبَّهة قصور عملها عن عمل الأفعال، وأنّ الصفة المشبَّهة وأفعل التفضيل عملها مقصور على السببيّ، وأن أفعل التفضيل إنما يعمل في الضمير الرفع، وفي الظاهر في موضع واحد. فقد يُقال، ولكنه ضعيف. أما الأفعال التي لا تتصرّف فبيّن خروجها؛ لأنها لا مصادر لها، فكيف يصحُّ أن يُتوهَّم نصبها للمصادر.
ثم قال: " وكونه أصلًا لهذين انتُخِب" الضمير في (كونه) عائد إلى المصدر المُبَوَّب عليه، وانتُخِب: معناه انتُقِيَ واختير، ورجل نُخبَةٌ من ذلك، يعني: أنَّ المختار كون المصدر أصلًا لهذين المشار إليهما بأداة القُربِ، وهما الفعل والوصف، فالفعل والوصف معًا فرعان للمصدر، يريد في الاشتقاق خاصّة؛ إذ ليس المصدر أصلًا لهما في كل شيء، ألا ترى أن الفعل أصلٌ للمصدر في العمل؛ إذ لا يعمل إلا بالنيابة عن الفعل، أو بما تضمّن من معناه، وكذلك اسم الفاعل فرع عن الفعل في العمل، فإنما يريد أصليَّة الاشتقاق، فالمصدر هو الذي اشتُقَّا منه وليس هو بمشتقّ من شيء؛ لأن لو اشتُقَّ من شيء لكان مشتقًّا من المصدر فيكون مشتقًا من نفسه، وهو محال، بل هو من المُرتَجَلات الأُوَل لكن قد يكون المصدر
стр. 1500
مشتقًا من المصدر على وجه آخر، كالتعلّم والاستعلام، فإنهما مشتقان من العلم، ولبسط هذا موضع آخر من علم الاشتقاق. والناظم قد أشار هنا إلى خلاف في الاشتقاق، أعني في اشتقاق الفعل والصفة من المصدر، وارتضى أنهما مشتقان منه. والخلاف في الفعل غير الخلاف في الصفة، فأمّا الفعل فمذهب البصريين فيه ما ذهب إليه، وذهب الكوفيون أن المصدر هو المشتَق من الفعل، وبيان رجحان ما ارتضاه من وجوه ذكر منها في الشرح جملة: أحدها: أن المصدر كثُرَ كونه واحدًا، والأفعال ثلاثة ماض وأمر ومضارع، فلو اشتُق المصدر من الفعل لم يخْلُ أن يشتق من الثلاثة، أو من بعضها. واشتقاقه من الثلاثة محال، واشتقاقه من واحد منها يستلزم ترجيحًا من غير مرجح؛ فتعين اطِّراح ما أفضى إلى ذلك.
والثاني: أن المصدر معناه مفرد، ومعنى الفعل مركب من حدث وزمان، والمفرد سابق للمركّب، والدالّ عليه أولى بالإصالة من الدالّ على المركب.
الثالث: أنّ مفهوم المصدر عام، ومفهوم الفعل خاص، والدال على العام أولى بالأصالة من الدال على الخاص.
الرابع: أنّ كل ما سوى المصدر والفعل من شيئين أحدهما أصل والآخر فرع فإن في الفرع منهما معنى الأصل وزيادة، كالتثنية والجمع بالنسبة إلى الواحد، والفعل فيه معنى المصدر وزيادة تعيين الزمان، فكان فرعًا، والمصدر أصلًا.
الخامس: أن من المصادر ما لا فعل له لفظًا ولا تقديرًا، وذلك ويح، وويل
стр. 1501
وويس، وويب، فلو كان الفعل أصلًا لكانت هذه المصادر فروعًا لا أصول لها، وذلك محال، وإنما قلنا لا أفعال لها تقديرًا؛ لأنها لو صِيغ من بعضها فعل لاستحقَّ فاؤه من الحذف ما استحق فاء يَعِدُ، أعني في المضارع، ولاستحقَّ عينه من السكون ما استحق عين يبيع، فيتوالى اعتلال الفاء والعين، وذلك مرفوض في كلامهم، فوجب إهمال ما يؤدي إليه. وليس في الأفعال مالا مصدر له مستعملًا إلا وتقديره كتبارك، وفعل التعجب؛ إذ لا مانع له في اللفظ، وأيضًا فتقابل تلك الأفعال مصادر كثيرة لا أفعال لها كالنبوّة والأبوة والخؤولة والعمومة، والعبودية واللصوصية، وقَعْدَك الله، وبَلْهَ زيدٍ، فبطلت المعارضة بتبارك ونحوه، وخلص الاستدلال بِوَيْح وأخواته.
هذا ما استدل به، ولنقتصر عليه، فالكلام فيها طويل الذيل مع قلة الفائدة؛ إذ لا ينبني عليها حكم صناعي، وإنما فيها بيان وجه الصناعة خاصة، والباحث عنها بالحقيقة هو صاحب علم الاشتقاق.
وأما الصفة فحكي فيها الخلاف، وهل هي مشتقة من المصدر أو من الفعل؟ وارتضى أنها مشتقة من المصدر، والقول الآخر يؤثَر عن الفارسي أنه نبَّه عليه، وارتضاه عبد القاهر. والذي ذهب إليه الناظم أرجح؛ لأن في الفرع ما في الأصل وزيادة، وقد وجدنا في الصفة معنى المصدر وزيادة، وهي الدلالة على ذات الفاعل، ولم نجد في الدلالة على الزمان المعيّن، فلو كان مشتقًا
стр. 1502
من الفعل لوُجدت فيه الدلالة على الزمان المعيّن، لكنه ليس كذلك، فدلّ على أنّه غير مشتق منه، وإنما هو مشتق من المصدر، وأيضًا فإن الصفة في الغالب متحدة والأفعال متعددة، فلو اشتُقَّت من الفعل لزم اشتقاقها من الجميع أو من واحد معيّن، وكلاهما فاسد، لما تقدّم ولغير هذا من الأدلّة، وهذا البحث أيضًا لا ينبني عليه حكم، وإنما حَدَا إلى الاستدلال إشارة الناظم إلى الترجيح والتوجيه. والله المستعان. ثم قال:
توكيدًا أو نوعًا يُبين أو عدد ... كسِرْت سيْرتَين سيرَ ذي رَشدْ
نصب توكيدًا وما بعده على المفعول بِيُبين، والتقدير: يبين توكيدًا أو نوعًا أو عددًا، أي هذا شأنه، وقصده تبيين أنواع المصدر، وأنه على ثلاثة أنواع:
أحدها: المصدر الذي هو لمجرد التوكيد لا يفيد زيادة على ذلك، فهو مفيد مثل ما أفاده الفعل، نحو: قام قيامًا، وقعد قعودًا، و ﴿كلّم الله موسى تكليمًا﴾ و ﴿كبره تكبيرًا﴾، ولم يحتج إلى تمثيله لبيانه.
والثاني: المبيّن للنوع، وهو الذي يبين نوع الفعل المذكور، ففيه زيادة على معنى التوكيد، نحو ضربته ضربًا شديدًا، وعاقبته معاقبة الأمير اللص. وقعد قِعدة سوء وتكلم تُكلّم حليم.
والثالث: المبين للعدد وهو قوله: (أو عددًا) لأنه معطوف على نوعًا لكن وقف عليه بالسكون على لغة من قال: رأيت زيدْ. والمبين للعدد هو الذي يفيد زيادةً على توكيد الفعل عدد المرات، ومثّله بقوله: سِرْتُ سيرتَيْن، فسيرتين أفاد
стр. 1503
عدد مرات السير، ومثله: سرت سيرات أو سيرة واحدة، وخرجت خرجات أربعًا، ونمت نوماتٍ كثير، وأما قوله: "سير ذي رشد"، فهو مثالٌ للنوع الثاني.
ثم قال:
وقد ينوب عنه ما عليه دَل ... كجِدّ كل الجِدّ وافرح الجَذَل
هذا بيان لكون المصدر قد ينوب عنه غيره مما ليس مصدرًا لذلك الفعل المعين، وألقى لذلك ضابطًا، وهو أن النائب عن المصدر لا يكون إلا دالًّا عليه؛ لأنه إذا لم يدل عليه لم يُفِد فائدته، وإذا لم يُفِد فائدته لم يكن نائبًا عنه، فالضمير في (عنه) عائدٌ على المصدر المذكور، ومن (عليه) عائدٌ على المصدر أيضًا، وضمير (دَلّ) عائد على ما، وما واقعة على النائب عن المصدر، والنائب عن المصدر تارة يكون من لفظ الفعل، وإن كان غير جار عليه، وتارة يكون من غير لفظه. فأمّا الذي من لفظه فكقولهم: أنبت الله الزرع نباتًا، وفي التنزيل: ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتًا﴾ وهو مصدر عن سيبويه جارٍ على غير الفعل، فكأنّه نائب عن قوله إنباتًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وتبَتَّل إليه تَبْتِلًا﴾ فتبتيلًا ليس بمصدر لِتَبَتَّل، وإنما هو مصدر بتَّل، وفي قراءة ابن مسعود: ﴿وأُنْزِل الملائكة تنزيلًا﴾ ومصدر أنزل إنزالًا،
стр. 1504
وتنزيلًا مصدر نزَّل كقراءة الجماعة، وأنشد سيبويه للقَطَامي:
وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأنْ تتبَّعه اتِّباعًا
ويَحتملُ أنّ الناظم لم يقصد هذا؛ لأنه إنما مثل بالمخالف اللفظ. ويدخل في هذا القسم أيضًا اسم المصدر نحو: كلّمته كلامًا، وسلّمتُ عليه سلامًا وصليت صلاة، وقام مقامًا، وقعد مقعدًا، ونحو ذلك.
وأمّا الذي من غير لفظ الفعل فهو الذي مثَّل، إذ أتى بمثالين كلاهما مما يُقاس عليه.
أحدهما: قوله: (كجِدَّ كل الجد) وهو فعل أمر من جَدَّ في الأمر يَجُدُّ ويَجِدُّ جِدًّا: إذا عزم عليه، فالجيم تضبط بالضم والكسر، وهو أحد الأفعال التي جاءت في المضاعف على يفعُل، وليست بمتعدية. والقياس فيما يتعدَّى منه الضم، وفيما لا يتعدّى الكسر، وما عدا ذلك سماع. وقوله: "كل الجد" وضع فيه كلًّا عِوَض المصدر فنصبه نصْبَه، فهو اسم موضوع موضع المصدر، إلَّا أنَّه في قوّة المصدر، ولما قال ككذا، فشبّه به دخل مع كل ما هو في حكمها، والذي في حكمها هو ما كان من الأسماء في معنى ما أضيف إليه أو فُسِّر به من المصادر، نحو: بعض، وجملة، وجميع، والضمير، واسم الإشارة، وأسماء الأعداد، وصفة المصدر على رأيه في الشرح، وما أشبه ذلك، نحو: ضربتُه بعض الضرب، وأكرمته بعض الإكرام، وسرتُ نوعًا من السير، وجملة من السير، وسرت جميع السير، وقمته أي قمت القمات، ومن قوله تعالى: ﴿فإني
стр. 1505
أُعذِّبه عذابًا ولا أُعذِّبه أحدًا من العالمين﴾، وضربته هذا الضرب، وضربته كثيرًا، وضربته شديدًا، ومنه: ﴿واذكر ربَّك كثيرًا﴾ وضربته ثلاث ضربات، وأربعًا، وخمسًا، وقمت مائة قومة، وألفَ قومة، وخمسًا وعشرين قومة. وما أشبه ذلك.
والثاني قوله: "وافرح الجذل" الجَذَلَ هو الفرح يقال جَذِلَ -بالكسر- يجْذَل جَذَلًا كفَرِحَ يفْرَح فَرَحًا، وهذا المثال وضع فيه المرادف موضع مرادفه، ومنه قول;: جلستُ قعودًا، وقعدتُ جلوسًا، وذهبت انطلاقًا، ومنه قول امرئ القيس:
ويومًا على ظهر الكثير تعَذَّرتْ ... عليَّ وآلتْ حلْفَةً لم تَحَلَّلِ
وأنشد سيبويه لرؤبة:
لوحها من بعد بُدنَ وسَنَق ... تضميرك السابق يدعى للسبق
فمعنى آلَت حلفت، ومعنى لوّحها: ضمَّرها، فهذا أيضًا ممّا يُقاس عند الناظم كالمثال الأول. وقد حصل بالمثالين جميع ما فيه القياس جارٍ من ذلك
стр. 1506
فخرج ما ليس بقياس نحو: قعد القرفصاء، واشتمل الصماء، ورجع القهقري، ومشي الخَطَرى ومشت الهيذبي، والخَوْزَلى، وما أشبه لك إذ ليس داخلًا تحت واحد من المثالين، وقد حصل من كلامه: أنَّ العامل في النوعين هو الفعل الظاهر، ولا يحتاج إلى تقدير فعل؛ فأمّا النوع الأول فلا أذكر فيه خلافًا، وأمّا الثاني فاختلف فيه النحويون على قولين:
أحدهما: أن العامل في المصدر هو الظاهر لا غيره، وإليه ذهب المبرد والسيرافيْ، وبعض المتقدمين والمتأخرين، وهو الذي ظهر من الناظم.
والثاني: أنَّه منصوب بإظمار فعل من لفظه، وهو ظاهر الكتاب، واستدلَّ السيرافي على صحة الأول بدليلين: أحدهما: ما لا يختلف فيه أهل اللغة من أنَّه قد يجيء المصدر من لفظ الفعل وليس بمبنى من بنيته كقوله: ﴿وتبتل
стр. 1507
إليه تبتيلًا﴾ ومثله: تجاورَ القوم اجتوارًا واجتوروا تجاورًا، ويقال: افتقر فقرًا، ولا يستعمل لفقرٍ فِعلٌ، وقال الشاعر:
*وقد تطوَّيتٌ انطواءَ الحِضْبِ*
والثاني: أنّ قولك: قعد زيد جلوس عمر، وتقديره: قعودًا مثل جلوس عمرو، ثم حذف من الكلام [لدلالة] ما بقي على ما حُذِفَ، ولو نَطَقْت بالأصل لم يُحتج إلى تقدير فعل، فكذلك بعد الحذف، وهكذا القول في قولهم: تَبَسَّمَتْ ومِيض البرق، وقال ابن خروف: ودليل أنّ تضميرك -يعني في بيت رؤبة- ينتصب على هذا الفعل الظاهر قوله تعالى: ﴿ولا تَضَرُّونَهُ شيئًا﴾ ﴿ولا يظلمون نقيرًا﴾، و ﴿فتيلًا﴾ وهو كما قال؛ إذ لا ذاهب هنا إلى إضمار فعل؛ إذ ليس له فِعْلٌ، وهو نائب عن المصدر فلا فرق بين البنائين: ثم قال:
وما لتوكيد فَوَحِّد أبدًا ... وثَنِّ واجْمَع غَيْرَهُ وأفرِدا
يعني أن المصدر إذا كان لمجرد التوكيد فهو موحِّدٌ أبدًا لا يُثَنَّى ولا يُجمَع؛ لأنه كتكرير الفعل؛ إذ لا يزيد في دلالته على دلالة الفعل شيئًا، أعني دلالته على
стр. 1508
المعنى الواقع من الفاعل أو المتصف به؛ إذ هو مبهم ينطلق على القليل منه والكثير، فالمصدر في هذا المعنى كالفعل، والفعل لا يُثنَّى ولا يُجمَع اتفاقًا، فكذلك ما في معناه، فلذلك قال: "فوحّد أبدًا" و"ما" في قوله: "وما لتوكيد" موصولة، وهي في وضع نصب بوحِّدِ، أي: وحّد المصدر الذي للتوكيد، أو موصوفة، والتقدير: وحد مصدرًا كائنًا للتوكيد، وأما غير المؤكد من الأنواع الثلاثة فيجوز تثنيته وجمعه وإفراده، وذلك النوع المبيّن للعدد، والمبيّن للنوع، أما المبيّن للعدد فظاهر، وهو المحدود بالهاء نحو: قومة وضربة، وقتلة، فتقول: ضربت زيدًا ضربتين، وضربات، وقمت قومتين وقومات كثيرة، ولا خلاف في هذا.
وأمّا المبيّن للنوع فظاهر الناظم جواز تثنيته وجمعه قياسًا، فتقول غسلته غسليْن غسلًا عنيفًا وغسلًا رفيقًا، وضربته ضربيْن ضربًا شديدًا وضربًا خفيفًا، وضربته ضروبًا مختلفة. وهذا فيه خلاف فمن النحويين من يجيزُ تثنيته وجمعه قياسًا، منهم الزجاجي حسب ما يظهر منه في الجمل، ومنهم من منع ذلك، وأنّه لا يُقال منه إلّا ما سُمع، وهو مذهب سيبويه، ورأىُ الناظم الأول أرجحُ لأمرين: أحدهما: أنَّ ذلك سُمع في الكلام، فحكي سيبويه: أمراض، وأشغال، وعقول، وقالوا: الحلوم بمعنى العقول، فقال:
стр. 1509
هل من حُلومٍ لأقوام فتنذرهم ... ما جرَّب الناس من عَضِّي وتضريسي
والثاني: أنَّ المانع من تثنية المصدر وجمعه إنّما هو كونُه يقع على القليل والكثير، فهو اسم جنس كسائر أسماء الأجناس، فإذا أُزيل عن ذلك فصار يدلُّ على شيء بعينه من نوع أو شخص صار كأسماء الأشخاص يُثنَّى ويُجمَع فكما تقول: ضربتان وضربات من جهة تعيين أشخاص الضرب، كذلك تقول ضربان وضروب من جهة تعيين أنواع الضرب، فظهر وجه ما اختاره الناظم، والله أعلم.
وقوله: "وأفرِدا" أراد: وأفرِدَن، فأبدل من النون الخفيفة الألف كما يجب في قياس الوقف. ويظهر أن قوله: "وأفرِدا" حشو لا يفيد؛ لأنّ كلامه إنما هو في جواز التثنية والجمع، لا في جواز الإفراد؛ إذ هو الأصل. فكيف يقول (وأفردا) لغير حاجة؟
والجواب: أنّه بحسب لفظة لابد منه؛ لأنّه لما قال: (وثن واجمع غيره) لم يُفهَم له منه إلا التزام التثنية والجمع؛ إذ لم يأت بلفظ التخيير كما فُهم له لزوم التوحيد في المصدر المؤكد بقوله: "فوحد" فإن الأمر محمول على الوجوب، فيعطي انحتام المأمور به فلما كان قوله: "وثن واجمع" يعطي ذلك أتى بقوله: "وأفردا" ليحصل جواز الأمور الثلاثة فلا حشو إذًا في كلامه.
ثم قال:
وحذف عامل المؤكد امتنع ... وفي سواه لدليل مُتسَّع
هذا ابتداء فصل يذكر فيه ما لا يُحذ ف من عوامل المصدر وما يُحذف، وأنّ ما يُحذَف على قسمين: قسم لا يجوز إظهاره، وقسم يجوز إظهاره، فبيّن أولًا أنَّ
стр. 1510
المصدر الذي جيء به لمجرّد التوكيد يمتنع حذفُ عامله على الإطلاق، فلا يجوز أن تقول: زيدًا ضربًا بمعنى اضرب زيدًا ضربًا، وإذا قيل لك: هل ضربت زيدًا فلا يجوز لك أن تقول: نعم ضربًا، حتى تقول: نعم ضربته ضربًا، ولا ما أشبه ذلك. ووجه ما زعم من ذلك أن القصد بالتأكيد الإسهاب والإكثار؛ ولذلك بذكر المؤكد مرتين وأكثر فتقول: زيدٌ زيدٌ قائم، وقام قام زيدٌ، وقال:
لا لا أبوح بحب بثينة إنها ... أخذت على مواثقًا وعهودًا
والقصد بالحذف الإيجاز فتدافعا، فأنت لو حذفت عامل المصدر المؤكد -والعامل هو المؤكد، والمقصود أن يذكر أولًا، ثم يُؤتَى بمصدره القائم مقام تكراره لكنت قد ناقضت؛ ولذلك لم يُجِز الأخفش توكيد الهاء المحذوفة من صلة الذي نحو: الذي ضربت زيدٌ، فامتنع أن يقال: الذي ضربت نفسَه زيد، قال: لأنّ ذلك نقضٌ من حيث كان التوكيد اسهابًا، والحذف إيجازًا، وذلك أمر ظاهر التدافع. إلى هذا المعنى يرجع ما علّل به المؤلف منع الحذف؛ إذ قال: إنّ المصدر المؤكد يقصد به تقويه عامله، وتقرير معناه، وحذفه منافٍ لذلك فلم يجُز، نقل ذلك عنه ابنه في شرح هذا النظم. وهذه المسألة لم يُنبّه عليها في التسهيل، ولا في الفوائد المحويَّة، وهي من المسائل المشكلة عليه، والاعتراض عليه من وجهين:
أحدهما: أنّ منع الحذف لعامل المصدر المؤكد لا أعرفه منقولًا عن أحد من النحويين إلّا عنه في هذا النظم، وما ذكر عنه ابنه، وأمَّا غيره من النحويين
следующие страницы →