وسَرْهَفَ سِرهَافاً، قال (١):
* سَرْهَفْتُهُ ما شِئْتُ مِنْ سِرْهَافِ *
وزَلْزَل زِلْزالاً، وقَلْقَلَ قِلْقَالاً. وفي التنزيل: ﴿وزُلْزِلُوا زلْزَالاً شديداً (٢)﴾ والثاني (الفَعْلَلَةُ) نحو: دَحْرَج دَحْرَجةً، وقَرْطَسَ قَرْطَسَةً (٣)، وزَلْزَلَ زَلْزَلةً، وقَلْقَلَ قَلْقَلَةً، وسَرْهَفَ سَرْهَفَةً، وعَرْقَبَ عَرْقَبَةً (٤)، وما أشبه ذلك.
ويَدخل بمقتضى المثال ما كان مزيداً بالتَّضعيف، نحو: جَلْبَبَ جَلْبَبَةً، وشَمْلَلَ شَمْلَلَةً (٥).
ويَبْقَى عليه ما أُلحق بـ (دَحْرَجَ) بغير تضعيف، بل بحروف (سألتمونيها) فلم يَنُصَّ على قياس مصدره، وكان من حقه ذلك؛ إذ لا يَدخل له تحت بناء الفعل الذي أَتى به، وهو (فَعْلَلَ).
والأمثلة الملحَقة بـ (فَعْلَلَ):
(فَوْعَلَ) نحو: صَوْمَعَ، وحَوْقَلَ (٦). و (فَيْعَلَ) نحو: بَيْطَرَ وهَيْنَمَ (٧)،
و
стр. 2347
(فَعُوَلَ) نحو:
جَهْوَرَ، وهَرْوَلَ (١)، و (فَعْلَى) نحو: سَلْقَى وجَعْبَى (٢)، و (فَعْنَلَ) نحو: قَلْنَسَ، [و (يَفْعَلَ) نحو: يَرْنَأَ لحيتَه (٣)، و (فَعْنَلَ) نحو: سَنْبَل الزرعُ، ودَنْقَعَ (٤).
وجميعها جارٍ في المصدر مجرى (دَحْرَجَ) فنقول: صَوْمَعَ صَوْمَعَةً، وَبيْطَرَ بَيْطَرَةً، وَجَهْوَرَ جَهْوَرَةً، وسَلْقَى سَلْقَاةً، وفَلْنَسَ (٥)] قَلْنَسَةً، وبرْنَأَ بَرْنَاةً: وسَنْبَلَ سَنْبَلَةً.
وإنما ترك ذكرها لجرَيانها في الأحكام مجرى (دَحْرَجَ)، فكان ما زِيدت فيه الياءُ أو الواوُ بمنزلة المعتلِّ الفاءِ أو اللامِ أو العينِ.
وهذان البناءان، وهما (الفِعْلاَلُ، والفَعْلَلَةُ) ليسا في (فَعْلَلَ) بمنزلة واحدة، بل أحدهما قياسً، والآخر غيرُ قياسُ، ولكنه كَثُر، فخاف أن يُتَوهَم أنهما معاً قياس فقال:
((واجْعَلْ قَيَاساً ثَانِياً لاَ اَوَّلاَ))
يعني أن ثاني البناءين هو المَقيس، وهو (الفَعْلَلَة) لا طِّراده في كل بناء من الرباعي، مُلْحَقاً وغيرَ ملحق، وأما (الفِعْلاَل) فلا. ولذلك لا تجده في الملحَق إلا نادرا، فلا تقول: جَهْوَر جِهْوَاراً، ولا بَيْطَرَ بِيطَاراً، ولا ما أشبهه.
стр. 2348
وقد قالوا: حَوْقَلَ الرجلُ حَوْقَلَةً وحِيقَالاً، وأنشدوا (١): / ... ٤٨٠
يا قَوْمُ قد حَوْقَلْتُ أو دَنَوْتُ
وبَعْدَ حِيقالِ الرِّجالِ الْمَوْتُ
قال سيبويه في باب مصادر الأربعة (٢): ((فاللازم لها الذي لا ينكسر عليه ان يَجئ على مثال (فَعْلَلَة) وكذلك كلُّ شيء ألحق من بنات الثلاثة بالأربعة (٣))) ثم قال: ((وقالوا: (زَلْزَلْتُه زِلْزَالاً) وقَلْقَلْتُه قِاقَالاً، وسَرْهَفْتُه سِرْهَافاً (٣))) فجَعل (الفِعْلاَل) داخلاً على (الفَعْلَلَة) ومُنْكَسِرا، بخلاف (الفَعْلَلة). ثم قال:
لِفَاعَلَ الفِعَالُ والمُفَاعَلَهْ
وغَيْرُ ما مَرَّ السَّمَاعُ عَادَلَهْ
يعني أن (فَاعَلَ) والأفعال المزيدة له من أبنية المصادر بناءان، أحدهما (الفِعَالُ) بكسر الفاء وتخفيف العين، نحو: قَاتَل قِتَالاً، وضَارَب ضِراَباً، وجَادَلَ جِدَالاً، وحَارَب حِرَاباً.
وكذلك المعتلَّ، نحو: مَارَى مِرَاءً، وزَانَى زِنَاءً، وعَادَى عِدَاءً (٤).
стр. 2349
والثاني (المُفَاعَلَةُ) نحو: جَالَسْتُه مُجَالَسَةً، وجَالَدْتُه مَجَالَدَةً، ومارَيْتُه مُمَارَاةً، وعَانَيْتُه مُعانَاةً، وعَايَنْتُه مُعَاينةً، وذلك كثير.
وفي جَعْله البناءين معاً قياساً مطَّرِداً نظرٌ، فإن القياس إنما هو (المُفَاعَلة) خاصة، وأما (الفِعَال) فلا. قال سيبويه: ((وأما (فَاعَلْتُ) فإن المصدر منه الذي لا ينكسر أبداً (مُفَاعَلَةٌ))) (١) وأتى بالمُثُل. ثم قال: ((وقد قالوا: مَارَيْتُه مِراءً، وقاتَلْتُه قِتَالاً)) (١). قال: ((وجاء (فِعَالٌ) على (فَاعَلْتُ) كثيرا)) (١). انتهى.
ولم يَجْعل (فِعَالاً) قياساً وإن كَثُر عنده، ولأنهُ منْكَسِر غير مُطَّرد، فالظاهر أن هذين البناءين كالبناءين المتقدِّمين في (فَعْلَلَ) أحدهما قياس، والآخر ليس بقياس. وقال السِّيرافي: ((اللازمُ عند سيبويه (المُفَاعَلَة) وقد يَدَعون (الفِعَال) و (الفِيعَال) لم يقولوا: جِلاَسَا، ولا جِيلاَساً في (جَالَسْتُه) ولا في (قَاعَدْتُه): قِعَاداً ولا قِيعاداً بالياء (٢))).
فيلزم على رأي الناظم أن يقول: في (قَاعَدْتُه): قِعَاداً، وفي (جَالَسْتُه): جِلاَسَا، وفي (كالَمْتُه): كِلاَماً، ورَاوَدْتُه رِوَاداً، ونحو ذلك.
وإلى ما ظهر هنا ذهب في (التسهيل) فقال: ((ومصدر (فَاعَلَ) مُفَاعَلَة وفِعَال (٣))).
وأيضاً فإن الناظم إذا سَلَّمنا له القياسَ فذلك فيما لم تعتلَّ فاؤه بالياء، فإن (الفِعَال) فيه نادر، قالوا: يَاوَمْتُه مُيَاومَةً ويِوَاماً (٤)، فكان من حقه أن
стр. 2350
يَستثنى ما فاؤه ياء، وإلا لزم ان يُقاس على مذهبه ما كان مثل (يَاوَمْتُه) فيقال: يَاسَرْتُه يِسَاراً، ويَامَنْتُه يِمَاناً، ويَاءَسْتُه يِأساً، (١) وما أشبه ذلك، وليس كذلك، فهذا مُشْكل.
والجواب عن الأول أن يُلْتَزم مقتضى ذلك الظاهر، من إجراء القياس في (الفِعَال). وليس في كلام سيبويه ما يَدفع القياس، وإنما جَعل (المُفَاعَلة) لا تَنْكَسِر، وجَعل (الفِعَال) كثيرا في الكلام قد يَنْكسر، لقوله: ((وجاء (فِعَالٌ) على (فَاعَلْتُ) كثيرا (٢))) وذلك قال السِّيرافي: ((وقد يَدَعُون (الفِعَال (٣))). وهذا يُشعر بأن (الفِعَال) غالبٌ في (فَاعَلَ) وذلك يكفي في القياس، كالفِعْل والمفعول في فِعْل المتقدم.
وعن الثاني بأن ما فاؤه ياء قليل في اللغة/ وبناءُ (فَاعَلَ) من فِعْله قليلٌ في ذلك ٤٨١ القليل، و (الفِعَال) ليس بلازم في (فَاعَل) لا سيما وهو يُؤَدِّي إلى كَسْر الياء، وياءٌ مكسورة في أول الكلمة نادرٌ، فلهذا كله لم يَسْتَثنه الناظم، ولم يَعْبأ به.
ثم نَبَّه على ما خرج من أبنية المصادر عن القياس في هذا الفصل بقوله: ((وغَيْرُ ما مَرَّ السَّمَاعُ عَاد لَهْ)).
معنى ((عَادَلَهُ)) كان له عَدِيلاً ونَظِيراً في أنه لا يُقْدَم عليه إلا بالنَّقْل، ولا مجال للقياس فيه. وأصله من قولهم: عَادَلْتُ كذا بكذا، أي وَازَنْتُه به، وجعلته عَديلاً، والعَدِيل هو الذي يُعَادِلُك في الوزن والقَدْر، ومنه سُمِّي العِدْلُ عِدْلاً (٤)، لأنه يُعادل أخاه، فيريد أنك لا تُعَادِلْ غيرَ ما مَرَّ بالقياس،
стр. 2351
وإنما تُعادله بالسَّماع، أي لا تقَيسُ على غير ما مَرَّ، وإنما تَقْبله من حيث النَّقل في محله المنقول فيه.
فأما (فَعَّلَ) الصحيح اللام فقد جاء فيه (التَّفْعِلَة) قليلا، قالوا: كَرَّمْتُه تَكْرِمَةً، وعَظَّمْتُه تَعْظِمَةً، وألفاظ من ذلك قليلة لا يُقاس على مثلها.
و(التَّفْعِيلُ) في المعتلِّ اللامِ شاذٌ، قالوا: نَزَّى تَنْزِياً، أنشد البَكْريُّ وغيره، والبيت من المجاهيل (١):
بَاتَ يُنَزِّي دَلْوهُ تَنْزِيَّا
كما تُنَزِّي شَهْلَةٌ صَبِيَّا
وعلى أن السِّيرافي في كلامه ما يُشعر بجواز الوجهين في الصحيح، إذْ نَصَّ على أنه يقال: كَرَّمتُه تَكْرِمةً وتكريماً، وعَظَّمتُه تَعْظِمَةً وتَعْظيماً، قال: والباب التَّفعْيل (٢))) انتهى.
وهو محتمل؛ فقد نَبَّه في (التَّسْهيل) على قلة (التَّفْعِلَة) فيه (٣)، وهو موافق لما هنا.
وندر في مصدر (فَعَّلَ) (الفِعَّالُ) بالتشديد، قالوا: كَذَّبْتُه كَذَّاباً، وفي القرآن: ﴿وكَذَّبُوا بآيَاتِنَا كِذَّاباً (٤)﴾ وقالوا: كَلَّمْتُه كِلاَّماً، وحَمَّلْتُه حِمَّالاً، وهو غير مقيس.
стр. 2352
وفي (تَفَعَّلَ) قالوا: (تِفِعَّال) نحو تَحمَّل تِحِمالاً، قال سيبويه: ((وأما الذين قالوا: كِذَاباً فإنهم قالوا: تَحَّمْلْتُ تِحِمَّالاً (١))).
وفي (فَاعَل) جاء (الفِيعَال) بالياء، قالوا: قَاتَلَ قِيتَالاً، وهم الذين يقولون: تِحِمَّالاً. قال سيبويه: ((فيُوَفِّرون الحروف، ويَجيئون به على مثال (إفْعَالٍ) وعلى مثال قولهم: كَلَّمْتُه كِلاَّماً (٢))) يعني أنهم يَتَحرَّوْن أن يأتوا به على مثال (إفْعَال) ليكون مُوَفَّرَ الحروف، وجارياً على فِعْله بزيادة ألف قبل الآخر، ليماثل (أَفْعَلَ إِفْعَالاً) وكأن هذا الذي حَكى لغةٌ لبعض العرب في (فَعَّلَ، وتَفَعَّلَ، وفَاعَل) إلا أنها لا يقاس عليها.
وفي (فَعْلَلَ) جاء (الفَعْلاَلُ) بالفتح، فقالوا: الزَّلْزَالُ، والقَلْقَالُ، فَفَتحوا كما فتحوا تاء (التَّفْعِيل). هذا في المضاعَف.
وجاء في (حَوْقَلَ) الْحِوقَال وعليه يُروى قوله (٣):
* وبَعْدَ حِوْقَالِ الرِّجَالِ الْمِوتُ *
فجميعُ هذا وما كان مثله موقوفٌ على السماع كما قال.
وفَعْلَةٌ لَمرَّةٍ كَجَلْسَهْ
وفِعْلَةٌ لهِيْئَةٍ كَجِلْسَهْ
في غَيْرِ ذِي الثلاثِ بالتَّا المرَّهْ
وشَذَّ فِيهِ هَيْئَةٌ كالحِمْرةْ
стр. 2353
كل ما تقدم الكلام فيه من المصادر إنما هو فيما يُراد به الجنسُ، وهو الذي يُفهم مدلوله من ... فعله./ ... ٤٨٢
وأخذ الآن يتكلم (١) فيما يُراد به المرَّةُ الواحدةَ من الفِعْل، أو الهيئةُ المخصوصة منه، ولابد فيه من إلحاق التاء، لأن المصادر أجناس، ومن شأن الأجناس أن يُبَيَّن (٢) أحدُها بالتاء، كَتْمرةٍ وتَمْرٍ، وثَمَرٍ، ونحو ذلك.
وتنقسم المصادر بحسب ذلك قسمين، أحدهما مصادر الثلاثي، الثاني مصادر غير الثلاثي، وهو الرباعي فما زاد.
فأما مصادر الثلاثي فَبيَّن الناظم أنها تأتي أبداً إذا أُرِيد بها المرَّةُ على (فَعْلَة) بفتح الفاء، لقوله: ((وفَعْلَةٌ لِمَرَّةٍ)) أي لمرة واحدةٍ من ذلك المعنى، كـ (جَلَسَةٍ) فإن المصدر المطلقَ لـ (جَلَسَ) الجُلوسُ على ما تقدم. ومن ذلك قولك: ضَرَبْتُ ضَرْبَةً، وأَكَلَ أَكْلَةً، وشَرِبَ شَرْبَةً، وشَتَمَ شَتْمةً، وقَتَلَ قَتْلَةً، وما أشبه ذلك.
وفي تمثيله بـ (جَلْسَة) ما يُبَيِّن أن مصادر الثلاثي إذا كان فيها زيادةٌ على ما في الفعل لا مُعْتَبر بها في البناء للمرَّة الواحدة، بل تُطرح الزيادة، وتُبْنى من الباقي (فَعْلَةٌ) لأن مصدر (جَلَسَ) الجُلُوس، فتُحذف الواو، ولا يقال: جُلُوسَةً واحدةً، ولا قَعَد قُعُودَةً واحدةً، ولا ثَبَتَ ثَبَاتَةً واحدةً، وإنما تقول: قَعْدَةً، وثَبْتَةً. وأَتَى أَتْيَةً واحدةً، ولا يقال: إتْيَانَةً، إلا أن يُسمع.
стр. 2354
وكذلك إذا لم يكن في المصدر زيادة إلا أنه على غير بناء (فَعْل) إنما يُؤتى فيه بـ (فَعْلَة) كَبطِرَ بَطْرَةً، وهَدَيْتَه هَدْيَةً، وحَلَبَ حَلْبَةً، وحَلَفَ حَلْفَةً، ونحو ذلك، فلا يتعدى (فَعْلَة) أصلا.
ووجه ذلك أن منزلة (الجَلْسَة) من (الجُلوس) منزلةُ التَّمْرةَ من التَّمْر، فالأصل في الجنس ووَاحدِه أن يفرق بينهما بالتاء، فالأصل الجَلْس في (جَلَسَ) والقَعْد في (قَعَدَ) والكَذِب في (كَذَبَ)، فإذا قلتَ: القُعود والجُلوس فقد ألحقتَ في المصدر ما ليس في الفعل، مع أن هذه الزيادة غير لازمة، إذ قد يجئ فيه (فَعْل) بلا زيادة كما يجئ بالزيادة، فتقول: جَحَدَ جَحْداً وجُحوداً، وأَتَى أَتْياً وإتْيَاناً، ونحو ذلك.
بخلاف مصدر المزيد فيه، كـ (استَفْعَلَ، وأَفْعَلَ) فإن الزيادة في المصدر لابد منها، فلذلك فَرَّقوا بين مصدر الثلاثي إذا أرادوا به المرَّةَ ومصدرِ غير الثلاثي. هذا معنى تعليل سيبويه (١). وشَذَّ في هذا النوع: أَتَيْتُه إتْيَانَةً واحدةً، ولَقِيتُه لِقَاءَةً واحدةً، ولُقْيَانَةً واحدةً. الأخيرة عن الجوهري (٢)، والأوُلَيَانِ عن سيبويه. ثم قال:
* وَفِعْلَةٌ لهِيْئَةٍ كجِلْسَهْ *
يعني أنه إذا أرادوا نوعاً من الفعل مخصوصاً، أو هيئةً منه، فأرادوا أن يُشْعِروا بذلك، ويَدلُّوا عليه باللفظ أتَوْا بالمصدر على (فِعْلَة) مكسَور الفاءِ، ملَحق الهاء، كـ (جِلْسة) إذا أرادتَ بها ضَرْباً من الجلوس.
ومثل ذلك: قَتَلْهُ قِتْلةً مُنْكَرَة، وقَعَدَ قِعْدةَ سَوْءٍ، وفلان حَسَنُ الطَّعْمَةِ
стр. 2355
والرِّكْبَة، وماتَ مِيتَةً حَسَنةً وفي الحديث ((إذا قَتَلْتُم فأَحْسِنُوا القِتْلَة (١))) و ((مَنْ فارقَ الجماعةَ ماتَ مِيتةً جاهلَّيةَ (٢))) وهو كثير.
وحُكم هذا حكم ما تقدم في المصدر المراد به المرَّةُ، لا يُتَعَّدى فيه هذا البناء وإن كان المصدر/ مَزيداً فيه، كالقعْدة من (القُعود) والرِّكْبَة من (الرُّكوب). وكذلك مَثَّله الناظم بـ ... ٤٨٣ (الجِلْسَة) التي هي من (الجُلوس).
وأما مصادر غير الثلاثي فهو الذي قال فيه: ((في غَيْرِ ذِي الثَّلاَثِ بالتَّا المَرَّة)).
((المَرَّةُ)) مبتدأ، وخبره ((بالتَّا)) و ((في غير كذا)) حالٌ من (المَرَّة) والعامل فيه ((بالتاء)).
يعني أن ما زاد من الأفعال على الثلاثة فإن المرَّة منه بزيادة التَّاء على المصدر المعهود خاصَّة، لا يُتَعدَّى ذلك فيه، فتقول في الإكرام: إكْرَامَةً، وفي التعظيم: تَعْظِيمةً، نحو: أكرمتُه إكرامةً حَسَنةً، وعَظَّمْتُه تعظيمةً واحدةً، واكْتَسَبْتُ اكْتِسَابَةً، وتَقَاعَسَ تَقَاعُسَةً، وانْطَلق انطِلاَقةً، وتَدَحْرَجَ تَدَحْرُجَةً واحدةً، وما أشبه ذلك.
وبقي بعدُ النظرُ في ثلاث مسائل؛ إحداها أن ما ذَكر من الحكم ظاهرٌ فيما لا تاءَ فيه من المصادر، وأمَّا ما كانت فيه التاء بأصل الوضع نحو: أَقَامَ إقامةً، ودَحْرَجَ دَحْرَجَةً، وقاتَل مقاتلةً، واسْتَعان اسْتِعانةً، ونحو
стр. 2356
ذلك- فلا يُزاد على ذلك فيه لقوله: ((بالتَّا المَرَّة)) ولم يَزِد على ذلك، فإذا كانت فيه التاء فلا يحتاج إلى إلحاقها، وتصير إذ ذاك دلالةُ التاء على المَرَّة بقصد القاصد.
ولو قال: تَحلق التَّاءُ للمَّرة لَسَاغ أيضاً، لأن التاء التي تدل على المرَّة غيرُ التاء التي لا تدل عليها. والدَّليل على ذلك أنها لو لم تكن للمرَّة لم تًثَنِّ ما هي فيه ولم تجمعه، كما لا تفعل ذلك بما لا تاء فيه مما يُراد به الجنس. والأمر في ذلك كله قريب.
فتقول: أَقَمْتُه إقامةً واحدةً، واستَعَنْتُه اسْتِعانًةً واحدةً، وقاتلتُه مقاتلةً واحدةً.
والثانية أن الناظم لم يَنص على ماله مصدران فأكثرُ لَيِّهما تَلحق التاء؟ لكنَّه أطلق القولَ بجواز اللَّحاق، فاقتضى أن لك ذلك في كل واحدٍ منها.
وليس كذلك، بل نَصَّ سيبويه وغيرُه على أن التاء تلحق من المصادر الأغلب في الاستعمال لا غير (١)، فالذي على (فَاعَلَ) له (الفِعَالُ، والمَفَاعَلَة) وهذا الثاني هو المستعمل للمرَّة وإن كانت فيه التاء، ولا يقال: ضَارَبَ ضِرَابَةً واحدةً، وإنما يقال: ضَارَبَ مضاربةً واحدةً، والذي على (فَعْلَلَ) له (فَعْلَلَه، وفِعْلاَل) والمستعمل له في المرَّة (الفَعْلَلَة) لأن الأول هو الأغلب.
فالحاصل أن الفعل إذا كان له مصدران قياسيَّان فالأغلب هو المَقُول للمرَّة، ا, سَماعيَّان فكذلك، أو قياسيٌّ وسَمِاعيٌّ (٢) فالقِياسِيُّ.
فكان من حق الناظم بيانُ ذلك كله، لكنه لم يَفعل فبقى إطلاقُه محتاجاً إلى التَّقييد.
стр. 2357
والثالثة أن بناء الهَيئْة في الزائد على الثلاثة مَفْقُودٌ في كلامهم، لأن بناء (الفِعْلَة) لا يَتأتَّى فيه، إذ يلزم عن ذلك هدم البِنْية بحذف ما قُصِد إثباتُه فيها، فكأنهم اجتنبوا ذلك واستغنوا عنه بنفس المصدر الأصلي، أو المستعمل للمرَّة.
وإنما جاء فيه ذلك نادراً، وهو قوله: ((وشَذَّ فِيهِ هَيْئَةٌ)) الضمير في ((فيه)) عائد إلى ((غير ذي الثلاث)) ويريد أن (الفِعْلَة) فيه للهيئة شاذٌّ، فَتْركُ ذلك إذاً هو الباب.
ومما شَذَّ من ذلك قولهم: الخِمْرة، وهي هيئة الاخْتِمار، من الخِمَار، وهو / ما تُغَطِّي ٤٨٤ به المرأةُ رأسَها. أَتى به مثالاً للشاذّ؛ يقال: اخْتَمرت المرأةُ اخْتِماراً فهي حَسَنَةُ الخِمْرَة، وفي المثَل ((إنَّ العَوانَ لا تُعَلَّم الخِمْرَة (١))). وقالوا: فلان حَسَن العِمَّة، من: اعْتَمَّ الرجلُ وتَعَمَّمَ، اعْتِماماً وتَعَمُّماً، وانْتَقَبتِ المرأةُ انْتِقاباً، وإنها لَحَسَنةُ النِّقْبَةِ. وكان القياس عدم الحذف، إلا أنَّهم هَدَمُوا بِنْيَةَ المصدر، فَبنوا (الفِعْلَة) حرصاً على البيان. والله أعلم.
стр. 2358
أَبْنِيَةُ أسماء الفاعلين والمفعولين والصِّفاتِ المُشَبَّهةِ بها *
هذا الباب تكلم فيه على ما يُقاس من أبنية الصفات الجارية على أفعالها، إذ هي تختلف باختلاف أفعالها، كما تختلف مصادرها على ما تقدم، فإذا حُصر ما يُقاس عليه خرج الباقي إلى باب السَّماع.
وفي إشراكه اسمَ الفاعل والصفةَ المشبَّهة في الحكم نظر، وذلك أن اسم الفاعل يُفارق الصفة المشبَّهة في هذا الباب من وجه، ويوافقه من وجه آخر، وليس القياس فيهما سواءً بإطلاق؛ فيتَوافقان فيما فوق الثلاثة؛ فيكون بناء اسم الفاعل كبناء الصفة المشبهة من كل وجه، وإنما يفترقان في المعنى والتعدي وعدمه. ويَتخالفان في الثلاثي، فيكون اسم الفاعل على بناء (فَاعِلٍ) أبدً؛ كان الفعل متعديا أو غير متعدٍّ. ويستوي في ذلك ما كان منه على (فَعَلَ، أو فَعِلَ، أو فَعُلَ) فتقول: زيدٌ قائمٌ غَداً، وضاربٌ الآنَ، وعالمٌ غَداً، وعَامٍ غداً، من: عَمِيَ، وحَاسِنٌ غداً، من: حَسُنَ، فلا يفارق (فَاعِلاً) أصلا إلا إلى أمثلة المبالغة أو بناء اسم المفعول.
وأما الصفة المشبهة فقياسها هو المقرَّر في صدر الكتاب، فإذا إنما ذكر في الباب أبنيةَ الصفة المشبهة لا أبنية اسم الفاعل، فكيف يُتَرْجِم عليهما معاً فيقول: ((باب أبنية أسماء الفاعلين والصفات الشبَّهة بها))؟ ثم يقول بعد: كَفَاعلٍ صُغٍ اسْم فاعلٍ)) ثم يأتي بِصَيغ الصفات المشبَّهة، ولم يتعرضَّ لصيغة اسم الفاعل، وهما في الاصطلاح مُتَباينان؟
فالظاهر أن الترجمة غير مُطابِقة، وتبويبُه غير محرَّر، وإنَّما البابُ لأبنية
стр. 2359
الصفة المشبَّهة خاصة.
والفعل على ضربين، ثلاثي وغيره، ولكل واحدٍ منهما قياسٌ في بناء الصِّفة له، فأفردَ كُلاً بحكمه، وابتدأ بالثلاثي فقال:
كَفَاعِلٍ صُغِ اسْمَ فَاعِلٍ إذَا
مِنْ ذِي ثَلاَثَةٍ يَكُوُن كَغَذَا
هذا الكلام يَحتمل تفسيرين، أحدهما أن يريد أن صيغة اسم الفاعل من الفعل الثلاثي الحروفِ يأتي في القياس كَفَاعلٍ، أي على زنة (فَاعِلٍ) هذا البِنَاءِ، لكن بشرط أن يكون شبيهاً بـ (غَذَا) وذلك أن (غَذَا) فِعْل على (فَعَلَ) بفتح العين، فهو الوصفُ المعتَبر في التقييد بهذا المثال، لأن صيغة/ (فَاعِلٍ) قياسٌ في (فَعَلَ) المفتوحِ العين، كان صحيحاً أو معتلاً، متعدِّياً أو غيرَ ٤٨٥ متعدٍّ، فلا أَثَر لاعتلال لام (غَذَا) في التَّقْييد، بدليل أنه جعل مُقَابِلَه (فَعُلَ، وفَعِلَ) بالضم والكسر. ولو أراد قيدَ الاعتلال لأتى بعده بمقابِله الصحيح، كما فعل في المصادر.
ولا أثَر أيضاً لتَعَدٍّ أو عدمِه؛ لأن (غَذَا) يَتَعدَّى ولا يَتَعدَّى. فمثال تَعَدِّيه: غَذَا الطعامُ الصبيَّ، وغَذَوْتُه أنا باللَّبَن، وقال امرؤ القيس (١):
كَبِكْرِ مُقَانَاةِ البَياضِ بصُفْرَةٍ
غَذَاهَا نَمِيرُ الماءِ غَيْرَ المُحَلَّلِ
ومثالُ عدم تَعَدِّيه قولُهم: غَذَا الماءُ، إذا سَالَ، وغَذَا العِرْقُ، إذا سالَ
стр. 2360
دَمً، غَذْواً، وغَذَا البَوْلَ، إذا انقطع، وغَذَا الشيءُ، إذا أَسْرَع.
وإذا كان مشتركاً في التعدِّي واللزوم لم يتعيَّن فيه واحدٌ منهما، فكان إطلاقه مُشعِراً بأن القياس جَارٍ في الضَّرْبين.
ومن مُثُل المتعدِّي: ضَرَبه فهو ضاربٌ، وأَكَلَ فهو آكلٌ، وظَلَم فهو ظالمٌ، وخَلَقَ فهو خالِقٌ، وحَبَسَ فهو حابسٌ (وما أشبه ذلك.
ومن مُثُل اللازم: قامَ فهو قائمٌ، وقَعَد فهو قاعدٌ، وجَلَس فهو جالسٌ، وسكت فهو ساكتٌ، وذَهَب فهو ذاهبٌ، ومَشَى فهو ماشٍ) (١) وسارَ فهو سائرٌ، ومَرَّ فهو مارٌّ، وما أشبه ذلك.
فحاصل هذا التفسير أن المثال قْيدٌ في ((ذي الثَّلاثَة)) وأنه إنما تَكَلَّم على (فَعَلَ) وحده.
والثاني من التفسيريْن أَلاَّ يكون مثالُه تقييداً، بل يريد بقوله: ((إذَا مِنْ ذِي ثَلاثةٍ يكونُ)) أن الفعل الثلاثي على أَيِّ بِنْيَةٍ كان، على (فَعَلَ) أو (فَعِلَ) أو (فَعُلَ) يُصاغ منه مثلُ (فَاعِلٍ) إلا أن هذه الأْبنِية تختلف في إجراء القياس. فأما (فَعَلَ) بفتح العين فـ (فَاِعلٌ) فيه مَقيس، كما مَثَّل. وأما (فَعِلَ، وفَعُلَ) فقد ذَكر أن بناء (فَاعِلٍ) فيهما قليل في قوله بعد: ((وهُو قَلِيلٌ في فَعُلْتُ وفَعِلْ)).
وعلى هذا المَنْزَع حَمل ابنُ النَّاظم كلامَه هنا، وهو على الجملة ممكن، إلا أن فيه قَلَقاً في العبارة، وذلك أن الناظم قال: ((كفَاعلٍ صُغِ اسْمَ فَاعِلٍ)) فأمَر بالصَوْغ مطلقا، ومثلُ هذه العبارة لا يُطلقها الناظم أو غيره عُرْفاً إلا فيما كان قياساً، ومَوْكولاً إلى خِيَرة (٢) المتكلِّم، فيقال له: افْعَلْ، وليس من شأن ما يُوقَف على السَّماع أن يُطْلَق القول فيه للمتكلِّم. وإذا كان كذلك فلا يصح مثلُ هذا
стр. 2361
الإطلاق إلا بالنسبة إلى ما كان القياس فيه جارياً بإطلاق، وذلك (فَعَلَ) المفتوحُ العين وحده. وأما (فَعِلَ، وفَعُلَ) فَـ (فَاعِلٌ) فيهما ليس بقياس، فلا يصح أذاً أن يَدخل تحت كلامه هذان البناءان.
فإن قال: بل يَدْخل تحته (فَعَلَ، وفَعِلَ) المتعدِّي وغيره، إلا أنه استَثْنى منه غير المتعدِّي بقوله: ((وفَعِلْ غَيْرَ مُعَدَّى)) فبقي (فَعِلَ) المعدَّي يشمله قولُه: ((مِنْ ذِي ثَلاثَةٍ)) وإذا كان كذلك فهو مطلَق في الثلاثي كلِّه، واستَثْنى ما يجب استثناؤه، وهو كالعمِّ يُخَصَّص، فكأنه يقول: الثلاثي قياسُه (فَاعِلٌ) إلا (فَعُلَ، وفَعِلَ) اللازم فإنه فيهما سَمَاعي.
فالجواب أن هذا، وإن أمكن، خلافُ ظاهر المَساق، والظاهر التفسيرُ الأول، وأنه أخذ كلَّ فِعْلٍ يَذكره على حِدَته. والله أعلم.
وقوله: ((كَفَاعِلٍ)) في موضع الحال من ((اسْم فَاعِلٍ)) / و ((مِن ذِي ثًلاثةٍ)) خبرُ ((يَكوُنُ)) ٤٨٦ واسمها مضمر فيها عائد على ((اسْم فَاعلٍ)) و ((ذِي)) صفةٌ لمحذوف، وهو الفعل الممثَّل بـ (غَذَا) والتقدير: صُغ اسَم فاعلٍ شبيهاً بـ (فَاعِلٍ) إذا يكون اسم الفاعل من ذي ثلاثة أحرف كغَذَا.
وَهْوَ قَلِيلٌ في فَعُلْتُ وفَعِلْ
غَيْرَ مُعَدَّى بَلْ قِيَاسُهُ فَعِلْ
وأَفْعَلٌ فَعْلاَنُ نَحْوُ أَشِرِ
ونَحْوُ صَدْيَانَ ونَحْوُ الأَجْهَرِ
يعني أن صيغة (فَاعِلٍ) قليلٌ استعمالُها عند العرب في (فَعُلَ) المضموم العين مطلقا ولا يكون إلا غيرَ متعدٍّ، وفي (فَعِلَ) المكسور العين بشرط أن يكون غيرَ متعدٍّ، لأن (فَعِلَ) قد يكون متعدِّيا ولازما.
_________
стр. 2362
فمثال (فَاعِلِ) لـ (فَعُلَ) المضموم العين: حَمُضَ الشيءُ فهو حامض، وفرُه فهو فارِهٌ، وخَثُرَ اللَّبَنَ فهو خاثِرٌ (١)، ومَكُثَ، بالضم، فهو ماكِثٌ، وطَهُرَ فهو طاهِرٌ.
ومثاله في (فَعِلَ) الكسور العين الذي لا يتعدَّى: سَلِمَ فهو سالمٌ، وبَلِىَ فهو بَالٍ، ورَشِدَ [رَشَداً (٢)] فهو راشِدٌ، وحَرِدَ؛ أي غَضِبَ، فهو حارِدٌ، ونَقِه من مرضه فهو نَاقِهٌ، حكاه سيبويه (٣). ولَبِثَ فهو لابِثٌ، وذلك قليلٌ لا يُقاس عليه. واشتراطُه في (فَعِلَ) المكسور العين عدم التعدي يدل على أنه إن كان متعدياً فليس (فَاعِلٌ) بقليل فيه، بل هو كثير، فيكون إذاً قياساً، وذلك صحيح، نحو: عَلِمَ فهو عالِمٌ، وجَهِل فهو جاهِلٌ، وعَمِلَ فهو عامِلٌ، ولَحِس فهو لاحِسٌ، ولَقِم فهو لاقِمٌ، وشَرِب فهو شارِبٌ، وصَبَّ فهو صَابٌ، ووَطِئَ فهو وَاطِئٌ، وهو كثير.
ولما ذكر أن صيغة (فَعِلٍ) قليلةٌ في البنائين احتاج إلى ذكْر ما هو قياسٌ في كل واحد منهما. فأما (فَعُلَ) فأَخَّر ذكره.
وأما (فَعِلَ) اللازم فقال: إن قياس الصفة فيه تأتي على ثلاثة أبنية، أحدها (فَعِلٌ) وهو قوله: ((بَلْ قِيَاسُه فَعِلْ)) وضمير ((قِيَاسُه)) عائد إلى (فَعِلَ) القريبِ الذَّكر، و (فَعِلٌ) في كلامه بِنَاءُ الصِّفة، و (فَعِلَ) في الشَّطر قبله بناءُ الفِعْل. ومثال ذلك: وَجِعَ فهو وَجِعٌ، وحَبِطَ فهو حَبِطٌ، وَوَجِلَ فهو وَجِلٌ (٤)، وفَزِع
стр. 2363
فهو فَزِعٌ، ورَدِىَ فهو عَمٍ (١)، وهو كثير.
والثاني (أَفْعَلُ) نحو: أَدِمَ فهو آدَمُ، وشَهِبَ فهو أَشْهَبُ (٢)، وعَمِىَ فهو أَعْمَى، وقَهِيَ فهو أَقْهِبُ (٣)، وعَوِرَ فهو أَعْوَرُ، وحَوِلَ فهو أَحْوَلُ، وأَدِرَ فهو آدَرُ (٤).
والثالث (فَعْلاَنُ) نحو: عَطِشَ فهو عَطشانُ، وظَمِئَ فهو ظَمْآنُ، وصَدِىَ فهو صَدْيَانُ، وغَرِثَ فهو غَرْثَانُ (٥)، وشَبِعَ فهو شَبْعَانُ، ورَوِىَ فهو رَيَّانُ، وسَكِرَ فهو سَكْرَانُ، وحَارَ يَحارُ فهو حَيْرَانُ.
ومَثَّل الناظم لكل بناء مِثَالاً، فأتى للأول بـ (أَشِرٍ) وهو من: أَشرَ يأْشَرُ أَشَراً، إذا لم يَحْمد النَّعمة والعافية. وللثاني بت (صَدْياَنَ) وهو من: صَدِىَ يَصْدىَ صدىً؛ إذا عَطِشَ. والثالث بـ (الأَجْهَرَ) وهو من: جَهِرَ جَهْراً؛ إذا لم يُبْصر في الشمس. هذا ما قال. إلا أن فيه نظراً.
وذلك أنه أطلق القولَ في كَوْن هذه الأبنية الثلاثة/ تأتي جارية على (فَعِلَ) من غير ... ٤٨٧ تَقْييدها بمعنىً أو بموضع، فَيَقتضي ذلك أن يأتي القياسُ بها كلِّها في (فَعِلَ) مطلقا، وليس كذلك بصحيح (٦)، بل فيها تفصيلٌ لابُدَّ من اعتباره.
стр. 2364
فأمَّا (فَعِلٌ) ففي الأدواء وما لَحِق بها، وفي الفَرح وما أشبهه، مما هو راجع إلى الخِفَّة والتحُّرك.
وأمَّا (فَعْلاَنُ) ففي الجوع والعطش، والامتلاء والحَيْرة، وإن اختصرتَ فهو للامتلاء حِسً أو مَعْنىً.
وأمَّا (أَفْعَلُ) ففي الألوان والعاهات العائبة، والآفات اللازمة، ونحوها.
وقد يَدخل بعضُ هذه الأشياء على بعض في بناء الصِّفة، ولكنه قليل وغير مُقيس، وإنَّما الأصل ما تقدم، وإذا اعتبرتَ ذلك بالاستقراء وجدتَه.
فإذا ثبت هذا تبيَّن أن كلام الناظم محتاج إلى التَّحرير.
والجواب عن ذلك أنه قد أشار بالأمثلة إلى [التَّفصيل المذكور، أعنى (١)] تفصيل المعاني المذكورة.
فـ (أَشِرٌ) مبنيٌّ من الفعل الذي يُعطي معنى الخِفَّة والحركة، كالفرَح ونحوه.
و(صَدْيَانُ) مبنٌّى من الفعل الذي يُعطي معنى العطش.
و(أَجْهَرُ) مبنٌّى من الفعل الذي يعطي معنى الآفة والعاهة.
ولم يُرِد أن كلَّ مثال من الثلاثة يَقتضي فِعْلُه أن يُبْنى منه الثلاثة، وإنما مراده ما تقدم.
وقد يَحتمل معنى الفعل المعنيَينْ معاً فيُبنى له البناءان، كما يقال: صَدِىَ، فهو صَدٍ وصَدْيَانُ، وأَشِرَ، فهو أَشِرٌ وأَشْرَانُ، لمقاربة ما بينهما. مثل ذلك لا يُنكر، وإن كان على غير ذلك فقليلٌ لا يُعْتَدُّ به.
стр. 2365
ثم ذكَر ما يكون من أبنية الصِّفات قياساً في (فَعُلَ) المضموم فقال:
وفَعْلٌ أوْلَى وفَعِيلٌ بفَعُلْ
كالضَّخْمِ والجَمِيلِ والفِعْلُ جمُلْ
وأَفْعَلٌ فيهِ قَلِيلٌ وفَعَلْ
وبِسِوَى الْفَاعِل قَدْ يَغْنَى فَعَلْ
يعني أن اسم فاعل الفعل الذي على (فَعُلَ) بضم العين يجئ على أبنية كثيرة، ذكَر منها في (التَّسهيل (١)) بضعة عشر بناء، وإنَّما ذَكر هنا منها أربعةً لا غير، منها بناءان هما الأَوْلَى به، يعني أنهما القياسُ فيه إن قيل به.
أحدهما (فَعْلٌ) بفتح الفاء وإسكان العين، ومَثَّله بـ (الضَّخْم) وهو من: ضَخُم الشيءُ ضَخامَةً وضَخَماً، إذا غَلُظ (٢)، فهو ضَخْمٌ، وضُخَام أيضا.
ومِثْله: سَمُحَ فهو سَمْحٌ، ونَذُلَ فهو نَذْلٌ، وفَخُمَ فهو فَخْمٌ، وعَبُلَ فهو عَبْلٌ، وجهُمَ فهو جَهْمٌ (٣)، وصَعُبَ فهو صَعْبٌ، وسِهُلَ فهو سَهْلٌ، وحَزُنَ المكانُ فهو حَزْنٌ؛ وجَزُلَ فهو جَزْلٌ (٤)، وما أشبه ذلك.
والثاني (فَعِيلٌ) نحو: وَسُمَ فهو وَسِيمٌ (٥)، وقَبُحَ فهو قَبِيحٌ، وجَمُلَ فهو جَمِيلٌ، وجَرُؤَ فهو جَرِئٌ، وعَظُمَ فهو عَظِيمٌ، وصَغُرَ فهو صَغِيرٌ، ومَلُحَ فهو مَليحٌ،
стр. 2366
وسَمُجَ فهو سَمِيجٌ، وصَبُحَ فهو صَبيحٌ (١)، ونحو ذلك.
وهذان البناءان هما اللذان كَثُرا في الباب (فَعُلَ) وما سواهما قليل. وتمثيل الناظم بـ (جَمُلَ فهو جَمِيلٌ) بمعنى: تَمَّ حُسْنُه وكَمُل.
وهنا سؤالان: أحدهما أن يُقال: إن الناظم هنا قال: ((وفَعْلٌ اوْلَى وَفعِيلٌ بفَعُلْ)) فَعَبَّر بالأولوية، ولم يَنُصَّ على القياس فيهما، فهل يكون ذلك بمعنى أنه مَقيس أم لا؟
والجواب أنه إنما لم يصرِّح بالقياس، لأنه لم يَطَّرد فيهما السَّماعُ عنده اطِّراداً يُقَطع بالقياس فيهن وإنما جاء في الكلام كثيراً / خاصَّة، والكثرةُ على الجملة في هذه المعاني لا ... ٤٨٨ تقتضي القياسَ البَتَّةَ، بل قد تكون وقد لا تكون، فكأنه تردَّد في إجراء القياس، فأخبر بأن هذين البناءين أَوْلَى من غيرهما، وبَقى النظر في القياس لاجتهاد المجتهد. ولهذا قال في كتابه ((التسهيل)): وكَثُر في اسم فاعله (فَعيلٌ وفَعْلٌ (٢)) وقال في ((الشرح)) (٣): ومن استعمل القياس فيهما لعدم السماع فهو مصيب. فلم يَجزم، كما ترى، في ذلك بجرَيان القياس.
هذا ما رأى. وأما غيره فيرى أن (فَعِيلاً) في (فَعُلَ) قياسٌ مطَّرِد؛ إذ قد كَثُر كثرة يُطلق معها القياسُ إطلاقا، وهو ظاهر كلام سيبويه (٤)،
стр. 2367
وعليه فَسَّر الشُّراح (١).
وأما (فَعْلٌ) فليس عندهم بقياسٍ أصلاً، ولم يَكثر كثرةً يُظَنُّ معها القياس، وشاهدُ هذا الاستقراءُ.
ولا شك أن القدماء اعرفُ بذلك من المتأخِّرين؛ فَتَوقُّف الناظم عن التصريح بالقياس في (فَعْلٍ) ظاهرٌ، وعدمُ القياس هو الأظهرُ، وأما توقُّفه عنه في (فَعِيلٍ) فغيرُ ظاهر، والصوابُ إجراؤه.
والسؤال الثاني: لِمَ قال: ((والفِعْلْ))؟ ومِمَّاذا تحرَّز به؟ فإن الظاهر أنه حَشْو.
والجواب أنه حَسَنٌ من التحرُّز؛ إذ كان ((جَمِيلٌ)) يقال صفةً للفاعل، وهو الي فِعْله (جَمُلَ) ويقال صفةً للمفعول (فَعِيلٌ) بمعنى (مَفْعُول) لأنه يقال: جَمَلَ فلانٌ الشَّحْمَ، بالفتح، أي أَذَابَه، وجُمِل هُوَ، أي أُذِيب، فهو مَجْمُولٌ وجَمِيلٌ، كمَجْروحٍ وجَرِيحٍ، فخشى أن يُظن أن (جَمِيلاً) (فَعِيلٌ) بمعنى (مَفَعْوَل) من: جَمَلْتُه، وليس كلامه إلا في (فَعُلَ) واسم فاعله، فعَيَّن ما قَصد تمثيلًه.
ثم بَيَّن أن من الأبنية القليلة الاستعمالِ في (فَعُلَ) بناءَيْن، أحدهما (أَفْعَلُ) والآخر (فَعَلٌ) بفتح الفاء والعين.
أمّا (أَفْعَلُ) فقليلٌ فيه كما قال، كقولهم: شَنُعَ شَنَاعَةً، فهو شَنيعٌ وأَشْنَعُ (٢)، وحَمُقَ فهو أَحْمَقُ، وخَرُقَ فهو أَخْرَقُ (٣).
وأمّا (فَعَلٌ) فكذلك ايضاً، نحو: حَسَنَ فهو حَسَنُ، وبَطُلَ فهو بَطَلٌ،
стр. 2368
وسَبُطَ الشَّعْرُ، فهو سَبَطٌ وسَبِطٌ (١).
وقد ظهر بهذا أن (فُعَالاً) بضم الفاء، عند الناظم، من القليل الذي لا يُقاس عليه، وذلك عند غيره [غيرُ] (٢) صحيح، بل (فُعَالٌ) شريكُ (فَعِيلٍ) بنص سيبويه، وإن كان أقلَّ استعمالاً منه، فهو في الكثرة بحيث لا يقال: غنه قليل، نحو كَبير وكُبَار، وشَجِيع وشُجَاع، وطَوِيل وطُوَال، وعَرِيض وعُرَاض، وعَظِيم وعُظَام، وعَجِيب وعُجَاب، ومَلِيح ومُلاَح، وهو كثير.
فإذا كان كذلك لم يصح جَعْلُ (فُعَالٍ) من الذي لا يُقاس عليه، وكذلك فَعل في (التَّسهيل) أَدخل (فَعْلاً) في باب الكثير، وأخرج عنه (فُعَالاً) (٣) والأمر عند الأئمة بالعكس، غير أن عادة ابن مالك الاستبدادُ برأيه في أمثال هذا، والاتكالُ على استقرائه، فإن كان السَّماع كما قال فيَشْتبَه، ولكنه بعيد مع تَضافُر الأئمة على خلافه، فالله أعلم.
ثم قال: ((وبِسِوَى الفَاعِلِ قَدْ يَغْنَى فَعَلْ)) يعني أن الفعل الذي على (فَعَلَ) بفتح العين قد يَستغني عن بناء (فاعِلٍ) بغيره من الأبنية، وذلك أنه قد قَدَّم أن ما كان على (فَعَلَ) فاسم الفاعل منه على (فَاعِلٍ) فأخبر هنا أنه قد يَنتقل عن ذلك إلى بناء آخر من غير أن يأتي في الفعل غيرهُ، لأن حقيقة/ الاستغناء أن يُترك القياسُ المطَّردِ في الكلام، فلا يُستعمل في الموضع الذي ٤٨٩ شأنُه أن يُستعمل فيه، استغناءً بغيره، واطِّرَاحاً للأوَّل، كان المستَغْنَى به من مادة لك اللفظ المهملَ أو من غيره، كما استغنَوْا بـ (لَمْحَة) عن مَلْمَحة الآتِي عليه (مَلاَمح) وبـ (شِبْهٍ) عن مَشْبَهٍ الذي جاء عليه (مَشَابِهُ) وبـ (لَيْلَةٍ) عن لَيْلاَةٍ التي أتى عليها (لَيَالٍ) وكما استغَنوا بـ
стр. 2369
(تَرَكَ، وتَارِكٍ) عن: وَذِرَ ووَاذِر، ووَدَعَ ووَادِعٍ، وأشباهُ ذلك كثير (١).
فكذلك استغَنْوا هنا عن (فَاعِلٍ) بغيره، ومثال ذلك: شَاخَ يَشِيخُ، فهو شَيْخٌ، ولم يقولوا: شائِخٌ. وشَابَ فهو أَشْيَبُ، ولا يقال: شَائِبٌ. وطَابَ يَطِيبُ، فهو طَيَّبٌ، ولا يقال: طائِبٌ. وعَفَّ يَعِفُّ، فهو عَفِيفٌ، ولا يقال: عَافٌّ.
فلو اسْتُعْمِل ما هو قياسٌ وما هو سماعٌ فليس موضعَ استغناء، كقولك: مَالَ يَمِيلُ، فهو مَائِلٌ وأَمْيَلُ، وما أشبه ذلك. وكل هذا قليل فبم يَعتبره.
وهنا تَمَّ كلامه على الثلاثي، ثم شرع فيما فوقه فقال:
وزِنَةُ المُضَارعِ اسْمُ فَاعِلِ
مِنْ غَيْرِ ذِي الثَّلاَثِ كالمُواصِلِ
مَعَ كَسْر مَتْلُوِّ الأَخير مُطْلَقَا
وضَمِّ مِيمٍ زائدٍ قَدْ سَبَقَا
يعني أن اسم الفاعل من غير الثلاثي الحروفِ زنتُه كزِنَة فِعْله المضارع، لا يخالفه إلا في موضعين، أحدهما الحرف الذي قبل الآخِر، فإنه في اسم الفاعل مكسورٌ أبداً، ولا يَلزم ذلك في المضارع؛ إذ قد يكون مكسورا، نحو: يُوَاصِلُ، ويَنْطَلِقُ، وقد لا يكون كذلك، نحو: يَتَغَافَلُ، ويَتَواصَلُ، وَيَتَكَبرَّ، ويَتَدحْرَجُ، ويَتَبَيْطَرُ. وذلك قوله: ((مَعَ كَسْرِ مَتْلوِّ الأَخِيرِ مُطْلَقَا)) أي إن ذلك لازم في اسم الفاعل من أَيِّ الصِّيغَ كان من صِيَغ المضارع، بخلاف المضارع.
والثاني: الحرف السابق في أول الكلمة؛ فإنه في اسم الفاعل ميمٌ مضمومة، وفي المضارع أحدُ حروف (أنيت) وذلك قوله: ((وضَمُّ مِيمٍ زَائدٍ قد سَبَقا)).
стр. 2370
ومَثَّل ذلك بقوله: ((كالمُواصِل)) فقد حصل فيه ما شَرط من موازنة مضارعه، وهو ((يُوَاصِلُ)) مع كسر ما قبل آخِره، وجَعْلِ ميمٍ مضمونةٍ أولَه.
ومِثْله: مُكْرِمٌ، من (أَكْرَمَ)، ومُنْطَلِقٌ من (انْطلَقَ) ومُقْتَدِرٌ من (اقْتَدَر)، ومُتَماسِكٌ من (تَماسَكَ)، مُسْتَكْبِرٌ من (اسْتَكْبَر)، ومُدَحْرِجٌ (١) من (دَحْرَجَ) ومُسَحْنِككٌ من (اسْحَنْكَكَ (٢).
وكذلك المعتلّ، نحو: مُتَمَادٍ من (تَمَادَى)، ومُلْقٍ من (أَلْقَى)، ومُسْتَدْعٍ، من (اسْتَدْعَى) وما أشبه ذلك.
ومعنى قوله: ((كالمُواصِلِ)) اي مع مضارعه الذي هو (تُواصِلَ) وعلى هذا المعنى يَسْتَتِبُّ قوله ((وزِنَهُ المُضَارعِ اسْمُ فَاعِل)) إذا (يُوَاصِلُ) و (مُوَاصِلٌ) متوازيان في الحركات والسكنات، وعدد الحروف، ومُقابلة الزَّائد بالزائد، والأصليِّ بالأصلي، عَيْناً لا جِنْساً، إلا ما ذكره من كَسْر ما قبل الآخر، وتعويضِ الميم من حرف المضارعة.
وإنَّما قال: ((وضَمُّ مِيمٍ)) فأَلزم الضمَّ، لأن الضم في أول المضارع قد يكون نحو: يُوَاصِلُ، وقد لا يكون نحو: يَتَدَحْرَجُ، بخلاف اسم الفاعل، فإن الضمَّ فيه لازم.
وما جاء من نحو: مِنْتِنٌ من (أَنْتنَ)، ومِعِين في (مُعِين) من (أَعَانَ)، ومِغِيرَة في مُغِيرَة، فشاذٌّ يُحفظ ولا يُقاس عليه، والأصل الضَمُّ، وإنما / كُسِرت إتْباعاً لحركة ما بعدها (٣). ... ٤٩٠
стр. 2371
وقوله: ((مُطْلَقَا)) يريد أن كَسْر ما قبل الآخر مُطَّرِد لا يَنْكسر، إلا ما شَذَّ من قولهم في (مُنْتِنٍ): مُنْتُنٌ (١)، وقالوا: مُنْحُدُرٌ في (مُنْحَدَرٍ) (٢). وما عسى أن يجئ من ذلك، بخلاف المضارع فإن الكسر فيه ليس بإطلاقٍ كما مَرَّ.
فإن قيل: إن اشتراط كسر ما قبل الأخِر لزوماً قد يُخَلُّ بعضَ إخلال، لأن المضاعَف لا يَنْكسر ما قبل الآخر فيه، نحو: مُعْتَلٌ، من (اعْتَلَّ) ومُكِبٌّ، من (أَكَبَّ) ومُسْتِكَنٌ، من (اسْتَكَنَّ) ومُحْمَرٌّ، من (احْمَرَّ) ومُحْمَارٌ، من (احْمَارَّ).
وكذلك المعتلُّ العينِ كمُسْتَفِيد، من (اسْتَفَادَ) ومُنْقَاد، من (انْقَادَ) ومُحْتَال، من (احْتَالَ) ونحو لك.
وأيضاً فأن قوله: ((وضَمُّ مِيمٍ زَائدٍ قَدْ سَبَقا)) ليس فيه ما يُبَيِّن كيف تَسْبِق هذه الميم، أمعَ حرف المضارعة أم في موضعه؟
فالجواب عن الأوَّل أن كَسْر ما قبل الآخِر نارةً يكون ظاهراً كالأمثلة المذكورة، وتارةً يكون مقدرا، وذلك أن ما اعتُرِض به من الأمثلة الأصلُ فيها كَسْرُ ما قبل الآخِر، لكن أَدَّى التَّصريفُ والإدغام إلى الخروج في اللفظ عن ذلك الأصل، فأطلق الناظمُ الكسَر اعتباراً بالأصل في الجميع؛ فالصحيحُ منها بقى على الأصل كما مَثَّل، وما سواه دَخله الإعلال، والأصل: مُعْتَلِلٌ، ومُكْبِبٌ ومُسْتَكْنِنٌ ومُحْمَرِرٌ، ومُحْمَارِرٌ.
стр. 2372
وكذلك: مُسْتَفْيِدٌ ومُنْقَوِدٌ، ومُحْتَوِلٌ، فلا اعتراض.
وعن الثاني أن مثاله بَيَّن ان الميم عِوَضٌ من حرف المضارَعة لا زائدٌ على ذلك. وأيضاً فحرفُ المضارعة مختصٌّ بالفعل، فلا يُتَوهَّم بقاؤه في اسم الفاعل. وأيضاً فلو بقي حرف المضارعة مع الميم لم تَحصل الموازنةُ بينه وبين المضارع، وهو قد قالك ((وَزِنَةُ المُضَارِعِ اسْمُ فَاعِلِ)) فلم يُمكن إلا أن تكون الميم عِوَضاً لا زائدة.
وقوله: ((اسمُ فاعلِ)) مبتدأ، خبرُه ما قبله، وهو على حذف المضاف، أي زِنَةُ اسم الفاعل زِنَةُ المضارع، يريد: كَزِنَته، أو اسمُ الفاعل ذو زِنَةِ المضارع.
و((مِنْ غَيْر ذِي الثَّلاَث)) في موضع الحال من ((اسم الفاعل)).
وإِنْ فَتَحْتَ مِنْهُ مَا كَانَ انْكَسَرْ
صَارَ اسْمَ مَفْعُولٍ كمِثْلِ الْمُنْتَظَرْ
يريد أن بِنْية ((اسم المفعول)) من غير ذي الثلاث موافقةٌ لبِنْية ((اسم الفاعل)) لا فرق بينهما إلا في فتح ما قبل الآخِر الذي كان في اسم الفاعل مكسورا. وما سوى ذلك فهو مِثْلُه من زِنَة المضارع، مع سَبْق الميم المضمومة.
ومثاله (المُنْتَظَرُ) فإن اسم فاعله كان (مُنْتَظِراً) بكسر الظاء، فلما فُتِحت صار اسمَ مفعول.
ومثله: مُنْطَلَقٌ إليه، ومُسْتَمْسَكٌ به، ومُتَطَاوَلٌ عليه، ومُكْرَمٌ، ومُوَاصَلٌ، ومُدَحْرَجٌ، ومُتَدَحْرَجٌ عليه، وما أشبه ذلك.
والمضاعَف والمعتلُّ العينِ قد يَشترك مع اسم الفاعل في اللفظ، فلا فرق بينهما إلا في التقدير، فُيقَدَّر هنا الفتحُ، كما يقدَّر هنالك الكسرُ، فتقول: مُعْتَلٌّ، ومُنْدَقٌّ، ومُخْتَارٌ، ومُنْقَادٌ، إلا ما كان من نحو: مُسْتَعَانٌ، ومُسْتَكَنٌّ، ومُكَبٌّ، فإن
_________
стр. 2373
الفرق في ذلك ظاهر.
والضمير / في (مِنْهُ) عائد إلى القسم المذكور أخيرا، وهو ما زاد على الثلاثة، وأما ... ٤٩١
القسم الثلاثيُّ الحروفِ فهاهو يَذكره، وذلك قوله:
وَفِي اسْم مَفْعُولِ الثُّلاَثِىِّ اطَّرَدْ
زنَةُ مَفْعُولٍ كَآتٍ مِنْ قَصَدْ
يعني أن اسم المفعول الذي من الفعل الثلاثي اطَّردَ فيه بناءٌ واحد، وهو بناء (مَفْعُول) وذلك كالمثال الآتي من هذا الفِعْل الذي هو: قَصَدَ، يَقْصِدُ، إذا بنيتَه للمفعول فقلت: مَقْصُودٌ.
ومثل ذلك: مَضْرُوبٌ، ومَأْكُول، وكذلك مَشْرُوبٌ، ومَعْلُومٌ. فالأوَّلان من (فَعَلَ) والآخِران من (فَعِلَ).
ويستوي في ذلك المتعدِّي واللازم، فتقول: مَذْهُوبٌ به، ومَقْعُودٌ به، ومَوْثُوقٌ به، وما أشبه ذلك.
وكذلك المعتَلُّ نحو: مَرْمِىٌّ، ومَغْزُوٌّ، ومَغْزِيٌّ، ومَقُولٌ، ومَبِيعٌ، ومَكِيلٌ.
أصلها: مَرْمُويٌ، ومَغْزُووٌ، ومَخْوُوفٌ، ومَقْوُولٌ، ومَبْيُوعٌ، ومِكْيُولٌ. إلا أن الإعلال صَيَّرها إلى ما رأيتَ، فهي في الأصل على (مَفْعُول) وبذلك الاعتبار دَخلت في زِنة (مَفْعُول) كما تقدم في نظيره.
ونَابَ نَقْلاً عِنْهُ ذُو فعِيلِ
نَحْوُ فَتَاةٍ أَوْ فَتى كَحِييِ
((ذُو فَعِيل)) هو صاحب هذا البناء الذي على (فَعِيل) وهو المثال الذي يُؤْتَى به على وزن (فَعِيل) كـ (الكَحِيل) فإنه (ذو فَعِيل) أي ذو الوزن المشار إليه.
_________
стр. 2374
يعني أن بناء (فَعِيل) قد ينوب عن بناء (مَفْعُول) لكن ذلك موقوف على السَّماع، وهو قوله: ((نَقْلاً)) فلا يُقاس على ما سُمع منه.
ومَثَّله بقوله: فَتىً كَحِيل، وفَتَاة كَحِيل، وهو ممَّا لا تَلحقه التاءُ في المؤنَّث. ونَبَّه على ذلك هنا بالمثال، وتمامُ بيانه في باب ((التأنيث)) لأنه (فَعِيل) بمعنى (مَفْعُول) (١).
ومثل ذلك: كَلَمْتُهُ فهو كَليمٌ، وجَرَحْتُه فهو جَرِيحٌ، وقَتَلْتُه فهو قَتِيلٌ، وأَسَرْتُه فهو أَسِيرٌ، وجَمَلْتُ الشَّحْمَ، فهو جَمِيلٌ، ودَهَنَ لحيتَه، فهي دَهِينٌ، وخَصَفَ النَّعْلَ، فهو خَصِيفٌ، ولُدِغَ فهو لَدِيغٌ، وغَسَلَ ثَوْبَه، فهو غَسِيلٌ، وما أشبه ذلك.
وما ذَهب إليه، من وَقْف هذا على السمَّاع، هو مذهبُه أيضاً في (التَّسهيل) (٢).
وحُكي عن بعض النحويِّين (٣) أنه يَجعله قياسا، لكن فيما ليس له (فَعِيل) بمعنى (فاعِل) كقَتِيلٍ وجَريح، فإن كان له (فَعِيل) بمعنى (فاعِل) لم يُقَس فيه، نحو: عَلِم فهو عَلِيمٌ، لا يُبْنى له (فَعِيل) بمعنى (مَفْعُول) لأن له (فَعِيلاً) بمعنى (فاعِل) نحو واللهُ عَلِيمٌ حَكِيم، وكذلك: ضَرِيبُ قِدَاحٍ، للضَّارب بالقِدَاح، وصَريمٌ للصَّارِم (٤).
стр. 2375
والذي حَمل هذا القائلَ على ما ذَهب إليه كثرةُ ما جاء من ذلك في السمَّاع. ولَم يبلغ عند ابن مالك مبلغَ القياس، قال (في التسَّهيل) (١): وهو على كثرته مقصورٌ على السمَّاع.
ويبقى في هذا الباب مسألةٌ تتعلق بكلامه، وهي ما يظهر منه أن اسم الفاعل والمفعول مبنيَّان من الفعل، ومشتقَّان منه، ألا ترى إلى قوله: ((كَآتٍ مِنْ قَصَدْ)) فإن معناه: كالمفعول من (قَصَدَ) وكذلك قوله أول الفصل قبل هذا: ((وزِنَةُ المُضارع اسْمُ فَاعِلِ ... مِنْ غَيْرِ ذِيِ الثَّلاَثِ))
وقول أولَ الباب:
كَفَاعِلٍ صُغ اِسْمَ فاعل/ اذا ... ٤٩٢
مِن ذِي ثَلاَثَةٍ يَكُوُنُ كَغَذا
وهذا أَصْرَحُ من ذلك.
والمسألة مختلَف فيها، فمن النحويين البصريين من يجعل اسم الفاعل والمفعول مشتقَّين من الفعل، لا من المصدر، وهو رأي لم يَرْتضه الناظمُ قبل هذا في ((باب المفعول المطلق)) بل قال بعد ما ذكر الفعل والصفة: ((وكَوْنُه أَصْلاً لهَذَيْنِ انْتُخِبْ)) يعني ((المصَدْر)) فخالفه هنا حَسْبَما أعطاه ظاهرُ كلامه، فإن كان رَأىَ هنا خلاف ذلك فهما
стр. 2376
مذهبان له في وقتَيْن، وهو بعيد، لكن كوُن الفعلِ هو الأصلَ للصفة رأيتُه منقولاً عن بعضهم. وصرح به عبد القاهر (١)، واستَدل على هذا المذهب بأن ((اسم الفاعل)) قد جرى على الفعل في أحكامه وأنحائه، وأيضاً فهو دَالٌّ على معناه، فكان الظاهر انه فَرْعُ عنه، وأن الفعل هو الأصل.
ويرجَّح المذهبَ الأولَ، وهو عدم الاشتقاق من ((الفِعْل))، أن المشتق يَدُلُّ على معنى ما اشتُقَّ منه على التَّمام، كالفعل مع المصدر. وإذا كان كذلك لزم أن يدل ((اسمُ الفاعل، والمفعول)) على الزمان المعيَّن، لكنها لا يدلان عليه، فليسا بمشتقَّيِنْ من ((الفعل)) الدالَّ على الزمان المعيَّن، فرجع الأمرُ إلى ما يدلان عليه على التمام، وهو ((المصدر)).
ولِبَسْط الكلام على الاحتجاج موضع غير هذا (٢). وقد كنت ذَكرتهُ في كتاب ((الاشتقاق)) مُسْتَوْفي.
وإن كان الناظم لم يَنْتقل عما تقدم له فهذا الكلام متناقض لذلك.
والحق أن الذي اعْتَمد عليه هو ما تَقدَّم، وإنَّما أتى هنا بهذه العبارة على عادة النحويَّين في التَّساهل في مثلها، حتى إذا أخذوا في تحقيق المسألة أوضحوا مقاصدهم فيها. وحقيقة العبارة أن لو قال: إذَا من مَصْدرِ فِعْلٍ ذي ثلاثةٍ يكون كغَذَا، لكن لو قال هذا لفاته قَصْدُ جَريان ((اسم
стр. 2377
الفاعل)) على فِعْله في الحكم، وهو المقصود، فأَتَوْا (١) بعبارة على ما قَصدوا من الجرَيان في الحكم على الفعل، ولم يبالوا بالاشتقاق (٢).
стр. 2378
/ بسم الله الرحمن الرحيم ٤٩٣
رَبَّ يسر وأعن يا كريم (١)
الصفة المشبهة باسم الفاعل
عَرَّف في (التَّسهيل) الصفة المشبَّهة باسم الفاعل بأنها ((المُلاَقِية فعلاً لازماً، ثابتاً معناها تحقيقاً أو تقديراً، قابلةً للمُلابسة والتجرُّدِ، والتَّعريفِ والتَّنكير، بلا شرط (٢))).
وتحرَّز ب (المُلاقِية فِعْلاً) من المنَسْوب، وبـ (كَوْن الفعل لازما) من المتعدَّي، وبـ (ثَبَات معناها) من نحو: قَائِم وقاعِد، وبـ (تقدير الثبوت) على ما يجري من غير الثابت لمعنى مجراه، وبـ (قَبُول المُلابسة والتجرُّد) من نحو: أَخٌ، وأَبٌ، وما أشبهها، وبما بعد ذلك من (أَفْعَل) التَّفضيل.
واجتَزأ هنا بخاصةٍ واحدةٍ من خَواصِ الصفة التي لا توجد في غيرها، وذلك أن قال:
صِفَةٌ اسْتُحْسِنَ جَرُّ فَاعلِ
مَعْنىً بِهَا المُشْبِهَةُ اسم الفَاعِلِ
فيريد أن خاصية الصفة المشبَّهة المعرفِّة لها استحسانُ جَرِّ الفاعل بها، أي فاعِلها من جهة المعنى، وذلك أنك تقول: مَرَرْتُ برجلٍ طاهرِ
стр. 2379
الثَّوبْ، فهذا مستَحسن من الكلام، واصله: طاهرُ ثوبُه، لكنه جُرَ لمعنىً سيُذكر في موضعه. فـ (طاهرٌ) إذاً صفة مشبَّهة باسم الفاعل.
ومثل ذلك: ضَامِرُ البَطْنِ، وخَامِلُ الذَّكْرِ، وخَفِيفُ الظَّهْرِ، وحَسَنُ الوَجْهِ، وضَخْمُ الجُثَّةِ، ويَقْظَانُ القَلْبِ، ونحوه.
والأصلُ في هذه الأسماء المضافِ إليها الفاعليَّةُ، فاستُحْسِنَ جَرُّها، فهي إذاً، أعني الصفات الجارَّةَ لها، صفاتٌ مشبَّهة.
ويدَخل في هذا (أَفْعَلُ فَعْلاَءَ) و (فَعْلاَنُ فَعْلَى) ومؤنَّثَاهما، فتقول: أحمرُ الوجهِ، وحَمْراءُ الثَّوْبِ، ويَقْظَانُ القلبِ، ويَقْظَى الذِّهِن.
وكذلك الصفات التي لا تَجِرْي على فِعْلٍ، كالمَنْسوب إذا قلت: قُرَشِيُّ الأبِ، هاشميُّ الأمِّ، غَرْنَاطِيُّ الدَّارِ، مَدَنيُّ المذهبِ، أَشْعَرِيُّ العقيدةِ.
وكالصَّفات الخُماسِيَّة إذا قلت: شَمَرْدَلُ الأبِ، جَحْمَرِشُ الأمَّ، وما اشبه ذلك.
وقد تَحَّرز في (التَّسهيل) من هذا القسم كما تقدَّم (١)، فصار ((المنسوبُ)) وما لا يُلاَقِيِ فعْلاً عنده ليس من الصفة المشبَّهة.
وليس كذلك، فقد عَدَّها غيرهُ من ذلك، وقد أنشد سيبويه للفرزدق (٢):
стр. 2380
وَلكِنْ دِيَافِيٌّ أَبوه وأُمُّهُ
بَحَوْراَنَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أَقَارِبُهْ
ومَثَّل بقوله: أَقُرَشِيُّ قَوْمُك؟ وأَقُرَشِيٌّ أَبَواكَ (١)؟
وإذا رَفع الظاهرَ قياسا، ولم يكن جارياً على الفعل، وساغ أن يثنَّى وُجمع، ويُؤنثَّ ويذكَّر- فهو شأن الصفة المشبَّهة، فيقال: قُرَشِيُّ القومِ، وقُرَشِيُّ الأبَويْن، ولا مانع من ذلك، وكذلك ما كان من نحو: جَحْمَرش، وإن لم يُلاقِ فعلاً أصلا، فالصَّحيح ما ذَهب إليه هنا.
وقد ظَهر أن الصفة إذا لم يُستحسن جَرُّ الفاعل بها فليست من هذا الباب/، ... ٤٩٤ وذلك قولك: مررت برجلٍ ماشٍ أبوه، وجالسٍ أخوه، ومتجاهلٍ ابنُه، ومُنْطِلقٍ غلامُه، ونحو ذلك، وبها مثَّل في ((الشرح (٢))).
فليست هذه من الصفات المشبَّهة، لأن لا يُستحسن أن يُجرَّ بها الفاعل فتقول: مَاشِى الأبِ، وجالسُ الأخِ، ومتجاهِلُ الابنِ، ومنطِلقُ الغلامِ، فمثل هذا لا يقال لوجود معنى الفِعْل العِلاَجي (٣).
وإنما قال: ((مَعْنىً)) لمعنىً حَسَن، وهو أن الإضافة هنا ليست من جهة كون المضاف غليه فاعلاً لفظاً ومعنى، حتى يقال: إنَّ خَفْضه من رَفْع؛ لأنه يلزم من ذلك إضافةُ الشيء إلى نفسه، وإنما هي من جهة كون المضاف إليه منصوبا، كضاربُ زيد، كما سيَتَبيَّن إن شاء الله.
стр. 2381
فلو قال: ((استُحْسِن جَرُّ فاعلٍ بها)) وسكت عن تقييد الفاعليَّة بأنها معنوية، لأوهم أن الفاعل في حقيقة اللفظ هو المخفوض بالصفة، وذلك غير صحيح، لأن الفاعل، وهو فاعلٌ، لا يُخفض بالإضافة أبدا.
هذا ما عَرَّف به، وهو جارٍ، غير أن فيه نظراً، وذلك [أن] (١) جواز إضافة الصفة إلى فاعلها معنى مبنيٌّ على كَوْنها صفةً مشبَّهة، لأنها لا تضاف إليه إلا بعد تحقُّق ذلك عند المتكلِّم، وذلك بالفارق بين اسم الفاعل وبينها، الذي قَرَّره هو وغيره، من كونها بمعنى الثبوت الحالي تحقيقاً أو تقديرا، وهو الفارق الأصلي.
فإذا تقررَّ أن الصفة لا تُضاف إلى فاعلها معنى إلا بعد تحقُّق كونها صفةً مشبَّهة فتعريفُ كَوْنها مشبَّهةً بجواز إضافتها إلى فاعلها دَوْرُ (٢)، فلا تَتَعرَّف أبداً.
وأيضاً فكلُّ ما مَثَّل به أن الإضافة فيه إلى الفاعل مستقْبَحةُ فيمكن أن يُعتقد فيها الثبوت، فتصير صفاتٍ مشبَّهة، تُستحسن فيها الإضافةُ إلى الفاعل، فلا يستقيم إذاً هذا التعريف بَوجْه.
وقد اعترض عليه ابنُه (٣) بهذا بعينه، ولم يُجِب عنه.
والجواب عنه أن الفارق بين اسم الفاعل والصفة المشَّبهةَ ما بيَّنه الناظم
стр. 2382
في التعريف المذكور، فهو المعتَمد عنده دون غيره.
وقد صَرَّح بذلك في كتاب ((التسهيل)) فقال: ويميَّزها من اسم فاعل الفعل اللَّازم اطَّرادُ إضافتها إلى الفاعل معنى (١).
هذا ما قال، وهو غير ما عَرَّف له هنا، إلا أنه شرطَ هنا أن تكون من لازمٍ ولحاضرٍ، فإن كان من متعدٍّ أو لغير حاضر لم تكن صفة مشبَّهة، وذلك يَتَبَيَّن بما يكون من معمول.
وإذا كان كذلك فجميع ما تقدَّم من الأمثلة التي أَتى بها المؤلف في ((الشَّرح)) على أنها ممَّا يُستقبح فيها الإضافة إلى الفاعل معنىً غيرُ مطابقة للمقصود، من حيث هي مشترِكةٌ في قَصْد الثبوت والعِلاج (٢).
وإنما مثال ذلك فيما كانت الصفة يُفهم منها العلاج، إمَا بالعمل في ظرف الزمان، وإمَّا بنصب المفعول، كقولك: زيدٌ قائمٌ أبوه غداً، أو الآن، فها هنا لا تُستحسن الإضافة/، ... ٤٩٥ فلا يقال: زيدٌ قائمُ الأب غداً، وكقولك: زيدُ ضاربٌ أبوه عَمْراً، فلا تقول: زيدٌ ضاربُ الأبِ عَمْراً، لأن ((قائمُ)) فيهما بمنزلة ((يَقُومُ)) والمخفوض إنَّما انخفض من نَصْبٍ، فلو قلت ضاربُ الأبِ عمراً لكان فرعاً عن قولك: ضاربٌ الأبَ عَمْراً، وهو ممنوع، لأنك لا تقول: زيدُ يضربٌ الأبَ عمراً، والأبُ غيرُ عمرو.
فإذا عمل في ظرفٍ أو غيرِه فالعلاجُ له لازم، وإذا لم يَعمل فذلك قد يدلُّ على الثبوت.
على أن عمله في الظرف إذا كان حالا لا يعيَّن العلاج على طريقة
стр. 2383
ما قال المؤلف في ((باب الحال)) (١) من أن الصفة تعمل في الحال، نحو: زَيْدٌ سَمَحٌ ذَا يَسَارٍ، فكذلك تَعمل في الظرف من باب أوْلَى، فإذا كان الظرف (الآنَ) وما في معناه لم يكن فيه دليل على العلاج، وإنما يعيِّن العلاجَ عملهُ في الظرف المستقبَل أو في المفعول.
وإذا ثبت هذا فالعامل لا يَصلح أن يضاف إلى فاعله مَعْنىً. فخرج من ذلك الرَّسْمِ جَرِّ الفاعل سوى عدم العمل المذكور، ولا في استقباحِه سوى العمل. ولا شك أن مالم يَعمل يُستحسن فيه جَرُّ الفاعل على الجملة. وإنما يَبْقى عليه في هذا أن مالم يَعمل من الصفات، وهو محتمِلٌ للعلاج، فيكون اسمَ فاعل، وللثبوت فيكون صفةً مشبَّهة- لم يَتَبيَّن الفرقُ بينهما الفرقُ بينهما في الحدَّ، ولا كبيرَ ضَيْرٍ في هذا، وأن يَبْقَى ذلك محتِملاً للوجهين، ومُحالاً به على القصْدين، فلا اعتراض إذاً على الناظم في هذا، لأنه لم يَقصد أن يبيَّن الصفَة المشبَّهة إلا بالإضافة إلى الوجه الآخر الخاصِّ باسم الفاعل، وهذا صحيح كما تقرر.
فإن قيل: بل الإشكال باقٍ فيما إذا لم يكن ثَمَّ عملٌ في مفعول ولا ظرف، وهو الموضع المحتاج إلى الفَرْق، فإنك إذا قلت: زيدُ قائمُ ابوه فـ (قائمُ) محتمِل أن يكون اسم فاعل مُرَاداً به الثبوت، وأن يكون صفةً مشبَّهة مراداً به الثبوت، وعلى فَرضْ العلاج لا تصحُّ إضافته إلى فاعله، ويصحُّ على الوجه الآخر. وإذا كان كذلك فخِنَاقُ الإلزام لَم يَتَّسع، وقَيْدُ الإشكال لم يَنْحَلَّ.
فالجواب أن الفرق يتبيَّن بلك وإن لك يكن تصريحا؛ فإن اسم الفاعل إنما يظهر كونُه اسمَ فاعل بعمله النصبَ في مثل هذا، أو بكونه بمعنى
стр. 2384
(سَيَفْعَل) إذا نَصب الظرف، فإذا لم يكن واحدٌ من القسمين، وهو مَصُوغ- كما قال- من فعلٍ لازم، ومعناه الحاضر (١) فظاهُره أنه صفة مشَبهة لا اسم فاعل، بدليل اطِّراد جَرِّ الفاعل فيه (٢)، فلا ينبغى إذاً أن نقول على رأيه: إن نحو ((قائمٌ أبوه)) محتمِل، بل الظاهر فيه أنه صفة مشبهَّة، فإذا أحْتَمل غير ذلك فخلافُ الظاهر، ولا يقدح في التعريق.
وقوله: ((المُشْبهةُ اسمَ الفاعِل)) مبتدأ، وهو على حذف الموصوف. وخبره قوله: ((صِفَةٌ)) و ((بها)) متعلِّق بـ ((جَرُّ)) والتقدير: الصفةُ المشُبِهةُ اسمَ الفاعل صفةٌ استُحسن جَرُّ فاعلٍ في المعنى بها. و ((معنىً)) منصوبٌ على التَّمييز، كقولك: زيدٌ زُهْيرٌ شعراً، أي: ما هو في المعنى كالفاعل.
/ وصَوْغُهَا مِنْ لَزِمٍ لِحَاضِر ... ٤٩٦
كَطَاهِرِ القَلْبِ جَمِيلِ الظاَّهِرِ
قَصْدُه هنا أن يذكر ما تُفارق فيه الصفةُ المشبَّهةُ اسمَ الفاعل من الأحكام، فإنها تُجامعه في أحكام، وتُفارقه في أخرى.
فالتي تُجامعه فيها كدلالتها على الحدثِ وصاحبه، وكونِها تَقْبل التَّثنيةَ والجمع، والتذكير والتأنيث، وما أشبه ذلك.
والتي تُفارقه فيها كصَوْغها من غير المتعدِّي لزوماً، ولزومِ تأخير ما تَعمل فيه، وكونِه سَبَبِياً، ونحو ذلك مما يذَكره.
وقصْدُه الأولُ إنما هو ذِكْر ما به يَفترقان، فهو الضروريُّ هنا، لما
стр. 2385
يَنْبني على ذلك من الأحكام.
واللاَّزِم هنا مقابِل المتعدِّي، والحاضرُ هو الزَّمان الحاضر.
يريد أن الصفة المشبَّهة إنما تُصاغُ من فعلٍ غير متعدّ يكون زمانه حالا، فلا يجوز أن تُصاغ، أي تُصاغ، اي تُشْتق، من الفعل المتعدِّي لتضادَّ العلاج والثبوت، إذ كان التعدَّي يقَتضي العلاجَ والفعلَ في الغير، والصفةُ المشبَّهة من لوازمها الثبوتُ، فلا يجتمعان، فلا تقول: زيدٌ مضُارِبُ الأَبِ عَمْراً، لأن ((مُضَارِبا)) هنا في معنى ((يُضارِبُ)) وقد تقدَّم بيان هذا.
وكذلك لا يجوز ان تُصاغ من الماضي ولا من المستقبل، لأن ذلك أيضا يَقتضى أنه قد كان الفعلُ وانقطع، وذلك يَلزمه العلاجُ، أو سيكون بعد أن لم يكن، ويلزمه العلاج أيضا.
ولذلك تقول: زيدٌ حاسِنٌ أمسِ أو غداً، ولا تقول: حَسَنٌ، لأن اسم الفاعل من الثلاثي على (فَاعِل) أبداً، بخلاف الصفة، فإنها قد تكون كذلك وقد لا تكون كما تقدَّم.
فالحاصل أن الفعل الذي تُصاغ منه الصفةُ لا يكون متعدِّياً، ولا يكون ماضياً ولا مستقبلاً.
وأتى لها بمثالين وهما: طاهِرُ القَلْبِ، وجَمِيلُ الظَّاهِر.
وإنما مَثَّل بمثالين، وقد كام يُجزئه مثالٌ واحد، لوجهَيْن:
أحدهما أن يدل على أنَّ الصفة المشبَّهة تكون منقولة من باب ((اسم الفاعل)) وذلك قوله: ((طَاهِرُ القَلْبِ)) وتكون غير منقولة، بل مَبْنيَّةً في الأصل
_________