← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 20562

شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية

الشاطبي الأصولي النحوي

Полный текст (5 477 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

كِبَكْرِ مُقَانَاةِ البَياضُ بصُفْرَةٍ غَذاهَا نَمِيرُ الماءِ غيرُ المُحَلَّلِ برفع ((البَيَاضُ)) إذ لا وجه لارتفاعه إلا أن يكون بدلَ اشتمال من ضمير في ((مُقَانَاة)) لأن إلحاق التَّاء لهذه الصفة على تأنيث المرفوع بها، وليس إلا ضميرَ ((البِكْر)) المستتر في ((مُقَانَاة)). قال: ومسألةٌ يجتمع فيها ما افتَرق في المسألتين على طريق الاحتمال، وهي قولك: مررتُ برجلٍ حَسَنٍ الوَجْهُ. وما قاله الأستاذ بَيِّنٌ، وهو يصحِّح ما ذَهب إليه الناظم في المسألة. وما قيل هنا جَارٍ في مسألة: (حَسَنٍ وَجْهٌ، والحَسَنِ وَجْهٌ). وأما مسألة (الحَسَنِ وجْهَه، وحَسَنٍ وَجْهَه) فالجمهور على أنها إنما تجوز في الشِّعر للقياس والسَّماع، أما القياس فما تقدَّم من لزوم نَقْض الغرض بتكرار الضمير (١). وأما السَّماع فشاذٌ لا ينبغي أن يُقاس عليه ولو كان شائعاً لكثرة استعماله كغيره، فَلمَّا لم يكن ذلك دَلَّ على أن العرب قَصدت إهمالَه. ويُجاب عن هذا بأنه قد جاء في القرآن مَرْويِاً عن بعض السَّلف أنه قرأ به ﴿فَإِنَّهُ آثمِ قَلْبَهُ (٢)﴾ وما جاء في القرآن لا ينبغي أن يُترك قياسُه. قال لنا شيخنا القاضي أبو القاسم الحسني ﵀ (٣): إنَّ من عادة ابن مالك التأدُّبَ مع القرآن، والاعتمادَ على ما جاء فيه فَيقيسه، وإن لم يُجِز غيرهُ ذلك على الإطلاق. وقد جَعل تحقيقَ الهمزتَيْن مع الاِّتصال لغةً، ولم يَثبت ذلك اختياراً إلا في (أَئِمَّة)

стр. 2417

عند جماعة من القراء (١)، فجعَله لغةَ القرآن. وقد مَرَّ من ذلك مواضع. (وستأتي أخُرَ. ولكن ما رد غيره قد حسن وجهه) (٢). وأما مسألة (حَسَنِ وَجْهِه) فالجمهور على أنه إنما تجوز في الشِّعر، وأجازه الكوفيون (٣). ومال ابنُ خروف إلى الجواز حين جاء منه في الحديث مواضعُ (٤)، فهو أكثر في السَّماع من (حَسَنٍ وَجْهَه) وإنما فيه من جهة القياس قبحُ تكرار الضمير، وهو غير معتبر مع السَّماع، لأن القياس تابع للسَّماع لا متْبوع له، فالأَوْلى ما رآه الناظم، والله أعلم. والمسألة الثانية في وجوه الإعراب المستعمَلة في هذه الوجوه. أمَّا الرَّفع فعلى الفاعليَّة مطلقا، لقوله: ((فَارْفَعْ بِهَا)) يعني بالصفة، وذلك على ظاهره من الفاعليَّة، وذلك مُتَّفَق عليه إلا في نحو: مررتُ برجلٍ حَسَنٍ الوَجْهُ، أو وَجْهٌ؛ فإن فيه الخلافَ المذكور عن الفارسيِّ (٥). وقد يتعيَّن الرفعُ على الفاعليَّة كما في: حَسَنٍ الأَبُ، وقد يتعين عدم ذلك كما في: مررتُ بامرأةٍ حَسَنةٍ الوَجْهُ، وقد يجوز الأمران كما في: مررتُ برجلٍ حَسَنٍ الوَجْهُ (٦) كما تقدَّم.

стр. 2418

وليس في قوله: ((فَارْفَعْ بها)) ما يُعَيِّن وَجْهاً دون غيره، فإنه قد ذَكر في باب ((البدل)) جوازَ بدل الظَّاهر من المضمَر بدلَ البعضِ، والاشتمالِ، فإذا جُمع حكمُ البابين حَمَلت كلُّ مسألة ما تَتَحمَّله، فترجع المسائل إلى الأقسام الثلاثة. وأمَّا النَّصب فلم يُبَيِّن وجَهه نَصاً، ولكنَّ أصل الباب مبنيٌّ على التَّشبيه، فالمنصوبُ في هذا الباب على التشبيه (بالمنصوب في باب اسم الفاعل، وهو معنى قولهم: منصوب على التشبيه) (١) بالمفعول به، وهذا ظاهرٌ في المعرفة والنكرة. وقد يجوز في النَّكرة وجهٌ آخر، وهو النَّصب على التمييز، فإذا قلت: مررتُ برجلٍ حَسَنٍ وَجْهاً، أو بالرجلِ الحَسَنِ وَجْهاً، فـ (الوَجْه) يجوز فيه أن يكون منصوباً على التمَّييز، وعلى التَّشبيه بالمفعول به. ولم يُنَبِّه على التمَّييز هنا، لأن الآخَر هو الإعراب المطَّرِد؛ إذ هو جَارٍ في النكرة والمعرفة، بخلاف التَّمييز، فإنه لا يَجْري في المعرفة، ولأن النَّكرة هنا لا يَطَّرِد فيها جَرَيانُ التمييز، فلا يجوز أن تُعرب ((الأَبَ)) في قولك: (حَسَنٍ أَباً، والحَسَنِ أَباً) تمييزاً؛ لأن التمييز لا يصحُّ إلا فيما يُطلق فيه الأولُ ويُراد الثاني. وأنت لا تقول: حَسُنَ زيدٌ، إذا حَسُنَ أبوع، وتقول حَسُنَ زيدٌ، إذا حَسُنَ وجهُه. فلما كان التَّشبيه هو المطَّرِد اكْتَفى بالإشارة إليه دون ذِكْر غيره. والمسألة الرابعة أنه قال هنا: ((ومِنْ إضَافَةٍ لِتَالِيهَا)) فأشعر أن المضاف إلى المعمول إذا تَقَيَّد بإضافةٍ أو بألفٍ ولامٍ أو تجريدٍ فذلك كما لو تقيَّد المعمولُ نفسُه بها، فإنه شَرط في إضافة الصفة ذات الألف واللام إلى معمولها أن يكون مصحوباً بالألف واللام، أو مضافاً إلى مصحوبها.

стр. 2419

وفُهم من ذلك الشَّرط أنه إن لم يكن كذلك فلا يجوز الإضافة، فصار عنده المضافُ إلى المعمول بمنزلة المعمول؛ فإذا قلت: (مررتُ بالرجلِ الحَسَن وَجْهِ الأخِ) فهو في الجواز بمنزلة (مررتُ بالرجلِ الحَسَنِ الوَجْهِ) و (مررتُ بالرجلِ الحَسَنِ وَجْهِ أَخِيه) في المنع بمنزلة (مررتُ بالرجلِ الحَسَنِ وجهِه). وكذلك (الحَسنِ وَجْهِ أخٍ) بمنزلة (الحَسَن وَجْهٍ) وهذا صحيحٌ مطَّرِد. وإذا قلت: (حَسَنِ وَجْهِ أخِيهِ) فهو بمنزلة (حَسَنِ وَجْهِه) وكذلك (حَسَنِ وَجْهِ الأَخِ) بمنزلة (حَسَنِ الوَجْهِ) وقولك: (مررتُ برجلٍ حَسَنِ وَجْهِ أخٍ) بمنزلة (حَسَنِ وجهٍ) وكذلك مع الألف واللام في الصفة. ومثل ذلك جارٍ في النَّصب والجر. وممَّا جاء من ذلك في السَّماع قول خرْنق، أنشده سيبويه (١): النَّازِلينَ بكُلِّ مُعْتَرَكٍ والطَّيِّبُونَ مَعاقِدَ الأزْرِ فهذا بمنزلة ((الطَّيِّبُونَ الأَخْبارَ، والحَسَنُونَ الوُجُوهَ)) وأنشد أيضاً لزهير (٢):

стр. 2420

أَهْوَى لَهَا أَسْفَعُ الخَدَّيْنِ مُطَّرِقٌ رِيشَ القَوادِم لم يُنْصَبْ له الشَّبَكُ فهذا نظير ((حَسَنٌ الوَجْهَ)) ومثله قول العجاج (١): * مُحْتَبِكٌ ضَخْمٌ شُئُونَ الرَّأَسِ * وحكى سيبويه: هو أَحْمَرُ بَيْنِ العَيْنَين (٢)، وهو جَيِّدُ وَجْهِ الدَّارِ، فهذا نظير ((حَسَنِ الوَجْهِ)) وكذلك سائرُ المسائل.

стр. 2421

التَّعَجُّبُ التعجبُّ في اصطلاحهم العام: / استعظام زيادةٍ في وصف الفاعل خَفَى سببُها، ... ٥٠٩ وخرج بها المذكورُ بها عن نظائره، أو قَلَّ نظيرُه، بلفظٍ دالٍّ على ذلك. وقوله: ((استعظام زيادةٍ)) تنبيهٌ على أنه إنَّما يصحُّ مما يَقبل الزيادةَ والنُّقصان. وقوله: ((في وصف الفاعل)) تنبيهٌ على أنه إنما يتعلَّق التعجبُ بمَن قام به ذلك الوصف. وقوله: ((خَفِىَ سببُها)) تحرُّزٌ من الخِلَق الظَّاهرة والألوان؛ إذ لا يُتَعَّجب منها. وما بعد ذلك بيانُ أن الوصف إذا لم يَقِلَّ نظيرُه لا يُتَعَّجب منه. بهذا عَرَّف التعجبَ بعضُهم (١)، ولم يعرِّفه الناظم اتِّكلا على المعرفة به عند النحويِّين، وإنَّما شَرع في صيغ االتعجُّب فقال: بِأَفْعَل انْطِقْ بَعْدَ مَا تَعَجُّبَا أو جِئْ بأَفْعِلْ قَبْلَ مَجْرورٍ بِبَا وتِلْوَ أَفْعَلَ انْصِبَنَّهُ كَمَا أَوْفَى خَلِيلَيْنَا وأصْدِقْ بِهَما

стр. 2422

يعني أنك إذا أردتَ أن تُعَبِّر عما عَرض لك من التعجبُّ من شيء، وأن تُبَيِّن أنك قد تعجَّبتَ- فلذلك صيغتان في الأصل. إحداهما (أَفْعَلَ) على وزن (أَكْرَمَ) آتياً بها بعد ((ما)) ويكون ما بعدها يَتْلوها، وهو المتعجَّب منه، منصوباً. مثال ذلك: ما أَوْفَى خَلِيَلْينَا. ومثله: مَا أكْرمَ زيداً، وما أَحْسَنَ عَمْراً. وفي القرآن ﴿فَمَا أَصْبَرهُمْ على النَّارِ (١)﴾. والثانية (أَفْعِلْ) على وزن (أكْرِمْ) آتياً بها قبلَ اسم مجرور بباء، لا بغيرها من حروف الجر، والمجرور هنا هو المتعجَّب منه، وهو المنصوب في صيغة (ما أَفْعَلَه) ولذلك قال: ((وتِلْوَ أَفْعَلَ انْصِبَنَّهُ)) فَردَّ الضمير إلى المجرور بالباء، فيُريد أن ذلك الاسم يأتي منصوباً بعد صيغة (ما أَفْعَلَ) ومجروراً بالباء في صيغة (أَفْعِلْ) وذلك قوله: ((وأَصْدِقْ بِهمَا)) أي بَخَلِيْلْنْنَا. ومثله: أَكْرِمْ بزيدٍ، وأَحْسِنْ بِه. وفي القرآن ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وأَبْصِرْ (٢)﴾. وقد أشعر هذا الكلام بأن المنصوب بعد (ما أَفْعَلَ) والمجرور بعد (أَفْعِلْ) لازمُ الذِّكْر، فلابد من الإتيان به، لكونه جَعله من جملة صِيغة التعجُّب. وذلك في الأصل صحيح، إلا انه قد يُحذف للعلم به كما سيأتي ذكرهُ بعد. هذا بيانُ ما قال. وفيه دَركٌ (٣) من وجهين: أحدهما أنه حَصَر صِيَغ التعجُّب في صيغتين وهما: (مَا أَفْعَلَهُ) و (أَفْعِلْ بِه) إذ قَدَّم المجرورَ في قوله: ((بأفْعَلَ انْطِقْ)) والتَّقديم في مثل هذا يُشعر

стр. 2423

بالحَصْر، والحَصْر في هاتين الصِّيغَتْين باطل؛ فإن في كلام العرب صِيَغاً كثيرة تَقْتضي من معنى التعجُّب ما يَقْتضيه (ما أَفْعَلَهٌ وأَفْعِلْ بِه). من ذلك (فَعُلَ) نحو: لَقَضُوَ الرجلُ (١)، وفي القرآن ﴿سَاءَ مَثَلاً القَوْمُ (٢)﴾ - ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ (٣)﴾. ومنه: لِلَّهِ أنتَ، لِلَّه دَرُّكَ (٤)، ووَاهاً لزيدٍ (٥). * ولِلَّهِ عَيْنَا مَنْ رَأَى مِنْ تَفَرُّقِ (٦) * وحَسْبُك به رجلاً، و ((كَفَى باللَّهِ شَهِيداً (٧))) و* للَّه يَبْقَى على الأَيَّام ذُو حِيَدٍ (٨) *

стр. 2424

/ و ((تَاللَّهِ)) وبالتاء أيضاً. فالَّلام والتَّاء في القَسَم يَقتضيان معنى التعجُّب، وهو من ... ٥١٠ معانيها. وفي الحديث ((سُبْحَانَ اللهِ، إنَّ المُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ (١))) ومثل قولهم: يَا لَلْعَجبِ، ويالَلْمَاءِ، ويا لَلْفَلِيقَةِ (٢)، وقول الأعشى (٣): * يا جَارَتَا ما أَنْتِ جَارَه! * * ويَالَكَ مِنْ لَيْلٍ كَأَنَّ نُجُومَهُ (٤) *

стр. 2425

وقالوا: ما رأيتُ كاليومِ وَفاءَ وافٍ (١). وما أشبه هذه المُثُلَ وداناها. وفي كلامهم من هذا كثير. و(ما أَفْعَلَهُ، وأَفْعِلْ بِه) صيغتان من جملة الصِّيغَ المؤدِّية معنى التعجُّب، فإذا ثَبت ذلك فاقتصارُه على ما ذَكر هنا ظاهُره التَّقصير. والثاني أن هذا التَّعريف الذي أتى به بيانٌ لكيفيَّة لفظ التعجُّب، وَقع فيه التنكيرُ والإبهام من جهات. منها أنه لم يُبَيِّن (ما) ما هي؟ أهي الاستفهاميَّةُ أم الموصولة أم غير ذلك، بل لم يبيِّن أحَرِفْيَّةٌ هي أم اسميَّة؟ (وهي اسميَّة بلابُدٍّ) (٢). واختلف فيها، فقيل: نكرةٌ بمعنى (شِيء) وهو مذهب الخليل وسيبويه (٣) والجمهورِ من البصريين. وقيل موصولة بمعنى (الَّذِي) وهو رأي الأخفش (٤). وقيل استفهاميَّة، وإليه مال الفَرَّاء (٥). ومنها أنه لم يبيِّن حكم (أَفْعَلَ) أهو اسمٌ أم فِعْلٌ، إذ ليس في لفظه ما يدلُّ على شِيء من ذلك. وقد اختلفوا فيه، فقال الكوفيون: اسمٌ، وقال البصريون: فعلٌ ماض (٦). وكذلك لم يبيِّن كونَ (أَفْعِلْ) فعلَ أَمْرٍ أو غَير فعل أمر. والجمهور أن معناه معنى الخَبر، وإن لفظه لفظَ الأَمْر فليس بفعلِ أمر. وذهب الفراء إلى أنه

стр. 2426

بمعنى الأمر على ظاهره، ومال إليه الزمخشري (١)، وقَوَّاه ابن خروف. وينبني على ذلك الخلاف في موضع المجرور بالباء، هل هو رفعٌ أم نصبٌ؟ فالقائل بأنه أمر بَجعله، أعني المجرورَ، في موضع نصب. والقائل بأنه خبرٌ يجعله في موضع رفع بالفاعليَّة، وعلى هذا الثاني لا يكون في (أَفْعِلْ) ضمير، وعلى الأول لابد فيه من ضمير، وهو نَصُّ الفراء. وعلى ذلك ايضا يَنْبنى كونُ الباء الجارة زائدةً أو غير زائدة، ولم يبيِّن ذلك الناظم، فمن جعل الفاعل خَبَرياً عَدَّ الباء زائدةً كزيادتها في ((كَفَى باللهِ))، ومن جَعله فعلَ أمر لم يلزمه القولُ بزيادتها. ومنها أنه لم يبيِّن كونَ الاسم بعد (أَفْعَلَ) أو (أَفْعِلْ) هو المتعجَّب منه دون غيره، ولا بَيَّن مِمَّ يُبنى (أَفَعْلَ) أو (أَفْعِلْ) وأنَّهما إنَّما يُبنيان من المصادر التي وقع من أجلها التعُّجب، فإنه لما قال: ((بأَفْعَلَ انْطِقْ)) يقول له المخاطب: مِنْ ماذا اَبْنِي هذه الصِّيغة من المصادر؟ فصار كلاماً مجَملاً متغلِّقاً دون الفهم، وهذا هو عمدةُ التَّعريف والمحتاجُ إليه في البيان. فالحاصل أنه لم يَأت في التَّعريف بكافٍ ولا جاز، فصار كاللُّغْز الذي لم يُنْصَب على فهمه دليل. والجواب عن الأول أن ما ذُكر من الصِّيَغ المفهوم منها التعجبُ غيرُ منضَبِطة ... لقانون/ حاصر (٢)، ولا مُنْضَمَّة (٣) بقياس قاضٍ من وجهين: ... ٥١١

стр. 2427

أحدهما أنها إنما جاءت مُؤَدِّية معنى التعجُّب على غير اطِّراد يُقاس على مثله، فصارت من قَبيل المسموع الذي لا يُقاس عليه، إلا (فَعُلَ) في نحو: لَقَضُوَ الرجلُ، فإنه اطَّردَ. وقد ذكَره الناظم بعدُ فلم يُهمله. والثاني أن معنى التعجُّب في أكثرها ليس بالصِّيغة والبِنْية والوضَعْ الأصلي، وإنَّما هو في الأكثر مفهومٌ من فَحْوى الكلام (١)، وبِساط التَّخاطب. وإذا كانت دلالتها على التعجُّب من خارجٍ، ولم تَنْضَبط لصِيَغ معيَّنة مطَّرِدة لم يَعْتبرها، من جهة أن قصد النحويِّ عَقْدُ القوانين فيما يمكن عقدُها فيه. وما تقدَّم ليس من ذلك، إلا (ما أَفْعَلَه) و (أَفْعِلْ بِه) فإنهما صيغتان مختصَّتان بهذا المعنى، راجعتان إليه، فلذلك اقتصرَ عليهما، وضَمَّ إليهما صيغةَ (فَعُلَ) إلحاقاً بهما، لا أنه أصلٌ في باب (التعجُّب) فأتى به آخِراً ولم يُصَدِّر به إشعاراً بعدم الأصَالة، ولم يَتركه لا طِّراده، ومن هنا صدَّر الجُزُولِيُّ (٢) باب (التعجُّب) بالاعتذار عن هذا السؤال، فقال: للتعجُّب الذي يُبَوَّب له في النَّحو لفظان (ما أَفْعَلَهُ) و (أَفْعِلْ بِه) فاعتذر كما ترى قبل ايراد السؤال، عِلْماً بأنه مما يُوَرد مثلُه على النَّحوي. ونظير هذا بابُ (التَّوكيد) حين تكلَّموا فيه على الألفاظ المخصوصة كالنَّفْس والعَيْن وأخواتهما، وتركوا التَّبويَب على ما عداها من عبارات التَّوكيد وأدواته؛ لأن تلك الألفاظ المختصَّة مُنْضَبِطه للدخول تحت القوانين، وما سواها لا يَنْضبط في الأكثر، ولا يَجرى على مَهْيَع واحد (٣). وقد ألحق ابنُ مالك بتلك الألفاظ أشياء كما ضَبَطها قانونُ القياس.

стр. 2428

وأيضاً فقد يقال: إن كل ما ذُكر، من الألفاظ المؤدِّية معنى التعجُّب، راجعةٌ إلى معنى (ما أَفْعَلَه) و (أَفْعِلْ بِه) وعنهما تفرَّعت، فذَكَر في التَّبْويب الأصلَ، وتَرك ما سواه. والله أعلم. والجواب عن الثاني أن ما اعتُرِض به لم يُغْفله جملة، بل في كلامه ما يشير إلى ما يُضْطَرُّ إليه فيه. ومالا يُضطر إليه فيه. ومالا يُضطر إليه لا يَفْتَقر إلى التَّنبيه عليه. فأما (أَفْعَلَ) و (لأَفْعِلْ) فهما عنده فِعِلاَن، ودَلَّ على ذلك من كلامه قولُه بعد: ((وفي كِلاَ الفِعْلَيْن قِدْماً لَزِمَا)) فهذا نَصٌّ على أنهما فِعْلان. وايضاً فقد قَدَّم في أول الكتاب أن الفعل يَنْجلى بنون التَّوكيد (١)، وفعلُ التعجُّب تلحقه نونُ التَّوكيد نحو (٢): * فَأَحْرِ بِهِ لِطُولِ فَقْرٍ وأَحْرِيَا * أراد ((وأَحْرِيَنْ)). وإذا ثَبتت فِعْليَّة (أَفْعِلْ) فـ (أَفْعَلَ) نظيره، فهو إذاً فعلٌ مثلُه. وايضاً فلزوم إلحاق نون الوقاية دليلٌ على ذلك، نحو: ما أَحْسَنَنِي، وما أكَرْمَنَيِ. وهذا لم يَذكره في دَلائل الفعل في هذا النظم (٣).

стр. 2429

ولا يُقال: إن ذلك لا دليلَ فيه/ فإنَّك قد تقول: لَيْتَنِي، وعَلَيْكَنِي، ورُوَيْدَنِي، فتُدخل ٥١٢ النون على الحرف وعلى الاسم (١)، وهي نون الوقاية، فليست بمختصَّة بالفعل، فلا دليلَ فيها على فِعِلِيَّة ما دَخلت عليه. وكذلك لا دليلَ على فِعْليَّة (أَفْعَلَ) [بِفعلية (أَفِعْلْ)] (٢) لتباينهما في أحكام، وإن اتَّفقا في أحكامٍ أُخَر، وإلاَّ لَزم أن يُقال بفعليَّة (أَفْعَلِ التَّفْضيل) وذلك فاسد؛ لأنا نقول: دخولُ نون الوقاية على الأسماء والحروف غيرُ مطَّرِد فيها، وإنَّما ألحِقت سماعاً في بعضها بحيث لا يُقاس عليها غيرُها، بخلاف (أَفْعَلَ) فإن نون الوقاية مطَّرِدة الدخولِ على (أَفْعَلَ) في التعجُّب، لا يَخْتَصُّ بواحدة من الموادِّ دون أخرى، نحو: ما أكَرْمَني، وما أَحْسَنَنِي، وما أَقْبَحَنِي، وما أَبْخَلَنِي، وما أَشْجَعَنِي. وما كان نحو ذلك. وأما القياس على ألإَفْعِلْ) فظاهرٌ، لموافقته له في البِنَاء ومعنى التعجُّب وعدم المعارِض، بخلاف (أَفْعَلِ التَّفضيل) فإن إعرابَه وجَرَّه ودخولَ الألف واللامِ عليه وغيرَها من خَواصِّ الاسم عارضت دَعْوَى الفِعْلية فلم يُقَل بها. ومما استُدِلَّ به على الفِعْليَّة فَتْحُ آخِر (أَفْعَلَ) على مُشَاكلة الماضي، ونصبُ ما بعده على ترتيب عمل الفاعل الماضي. وقد أُجيب عن ذلك بأن بناءه على الفتح لتضُّمنه معنى التعجُّب، وأنه إنَّما نَصب ما بعده، وكان أصله الجرَّ بالإضافة، فَرْقاً بين الاستفهام المحض والتعجُّب الذي صار إليه.

стр. 2430

وهذا غير صحيح، فإن المبنىَّ لتضُّمن معنى الحرف إنَّما هو القائمُ مقامَه، أداةٌ مثلُه، وذلك (ما) لا غيرُها. وأمَّا التَّفرقة بين المعاني فلا يُزيل الإعرابَ عن وَجهه. وأيضاً فهو مبنىٌّ على أن (أفْعَلَ) أصُله الرَّفع، وهو مضاف إلى ما بعده، ولو كان كذلك لم يَحْسن الفصلُ بينهما، فلا يقال: (ما أحسنَ بالرجل أن يَصْدُق) في فصيح الكلام؛ لأنه في تقدير: (ما أحسنُ) (١) بالرجل الصِّدْقِ. والفصل بين المضاف والمضاف إليه لا يجوز إلا في الشَّعر، أو في نادر لا يُعْتَدُّ بالقياس فيه (٢). وهذا ليس كذلك، فَدلَّ على أنه ليس منه، فما زَعَموه دَعْوى، وأَقْوَى احتجاجاتهم تصغيرُه قياساً، وتصحيحُه كذلك، فإنك تقول: ما أَقْوَمَه، وما أَبْيَن معنى كذا، وهذا لا يكون إلا في الأسماء. وأما الأفعال فيجب فيها الإعلال حسبما يأتي في التصريف (٣). وأيضاً فإنهم يقولون: ما أُحَيْسِنَ زيداً، ومَا أُمَيْلِحَ عَمْراً، وأنشدوا (٤): يَامَا أُمَيْلِح غْزِلاَناً شَدَنَّ لَنَا مِنْ هَؤُلِيَّاًئِكُنَّ الضَّالِ والَّسمُرِ

стр. 2431

فلو كان فعلا لم يصغَّر، فالتَّصغير من خواصِّ الأسماء. والجواب أن التَّصحيح (١) لا دليل فيه، فلو كان مستقلاً بالدلالة على الاسميَّة لَدَلَّ على اسمية (أَفْعِلْ) فإنك تقول: أَقْمِمْ بِه، وأَبْيِعْ بِه. وإذا لم يخرج (أَفْعِلْ) عما ثَبت له من الفعليَّة فلا يخرج (أَفْعَلَ) عن ذلك. وأما التَّصغير فهو/ اصعبُ ما في المسألة. وقد اعتذر البصريون عنه باعتذرات ... ٥١٣ جميعُها يَستلزم تسليَم الإشكال، فقيل: لَمَّا أشبه السماءَ للزومه لفظَ الماضي وقلَةِ تصرفهِ، ولأنه في معنى (أَفْعَل التَّفضيل) وهو اسم، حَمَلُوه عليه في التَّصغير وتَرْكِ الإعلال. ولأن التصغير قد يُراد به التَّحقيرُ والتَّقليل والتَّقريب والتعطُّف والتَّعظيم، وقد يُراد به المدح. وإنَّما قَصدوا هناك (٢) تصغيرَ (المَلاَحة) الذي هو مصدر (مَلُحَ) لكن لَمَّا لم يكن للمصدر في التعُّجب استعمال، وكان الفعل يَدُلُّ على مصدره، ولذلك يعود عليه ضميرهُ في نحو: ﴿مَنْ كَذبَ كانَ شَراً له (٣)﴾ اجتَرؤوا على الفعل فصَغَّروه، لأنه متضمِّن لمعنى مصدره، وقد يُعامل معاملةَ لتضمُّنه إياه، ولذلك أضيف إلى الفعل في نحو: جئتُ يومَ قام زيدٌ، واذْهَبْ بذي تَسْلَمُ (٤)، وقوله (٥):

стр. 2432

* بآيَةِ تُقْدِمُونَ الخَيْلَ شُعْثاً * فكذلك عاملوه ههنا معاملتَة، فصَغَّروا الفعَل والمراد المصدر. وعَلَّل ذلك سيبويه بأنهم أرادوا تصغيرَ الموصوف بالملاَحة، كأنك قلت: مُلَيِّحٌ، لكنهم عدلوا عن ذلك، وهم يَعنون الأول. ومن عادتهم أن يَلْفِظُوا بالشِيء وهم يريدون شيئاً آخر، كما قالوا: بنو فلان يَطَؤُهم الطَّرِيقُ، وصِيَد عليه يَوْمَان. ونحوه كثير (١). والحاصل أنهم يُقِروُّن بالتصغير، ولا يُقِروُّن بما يلزمه من الاسمية، وإنما لم يُقِروُّا بذلك لمعارِض ثبوتِ الفعليَّة، فاحتاجوا إلى الاعتذار عنه. وأمَّا حُكْم (ما) فالدَّليلُ على اسَميتَّها أنه إذا ثَبت كونُ (أَفْعَلَ) فِعلاً اقتضَى أَنْ لابد له من فاعل، وليس ثَمَّ مرفوع ظاهر، فلابد من إضماره في الفعل عائداً على (ما) إذ لا غيرُها (٢)، فمدلولُ (ما) فثَبت أنها اسم، ثم كونُها استفهاميَّةً، أو نكرةً بمعنى (شَيءْ) أو موصولةً، مسكوتٌ عنه (عنده) (٣)، وذلك لا يَقدح في فهم التعجُّب، مع أنه قد قيل بكلِّ واحد من تلك الاحتمالات، فكأنَّه تَرك التعبيرَ فلم يَنص على اختيارٍ فيها، لأن جميعها راجع في التَّقريب

стр. 2433

الصِّناعي إلى قَصْد واحد، فكأنَّه يرى أن كل واحدٍ منها ممكن. فالاستفهام قد يُؤْتَى فيه في معرِض التَّعظيم فتقول: ما أَحْسَنَ زيداً؟ على معنى: أَيُّ شِيءٍ أَحْسَنَهُ؟ والمقصود تعظيمُ الأمر الذي أَحْسَنَه، كما قال الله تعالى: ﴿الحَاقَّةُ مَا الحَاقَّةُ (١)﴾ و ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيْمْنَةِ ما أَصْحابُ المَيْمنَةِ (٢)﴾ وقولهم: أيُّ رجلٍ زيدٌ؟ وهو كثير. وكذلك النكرةُ تُعْطِي، بما فيها من الإبهام، معنى التعظيم، وهو ظاهر. وكذلك الموصولُة، وإن أُوضِحت بالصِّلة، ففيها من الإبهام ما ليس في (الَّذِي) وأيضاً ففي حذف الخبر (٣) إبهامٌ يَصلح للتعجُّب، فقد ظهر لكل قولٍ وَجه. ويحتمل أن يكون تضرك تعينَ مذهبٍ هنا لما يلزم على كل/ مذهب منها من ٥١٤ الإشكال. أما الاستفهاميةُ فقال المؤلف (٤): القائلُ بذلك إما أن يَدَّعى تجردَها للاستفهام، وإما أن يَدَّعى كونَها للاستفهام والتعجُّب معاً (٥)، كما هي في قوله: ﴿فأَصْحَابُ الْمَيْمنَةِ ما أَصْحَابُ الْمَيْمنَةِ (٦)﴾ فالأول باطلٌ بالإجماع. والثاني باطلٌ أيضا؛ لأن الاستفهام المُشْرَب بتعجُّب لا يَليه غالباً إلا

стр. 2434

الأسماء، نحو الآية المتقدِّمة، وقوله: ﴿الْحَاقَّةُ ما الْحاقَّةُ (١)﴾ ﴿وأَصْحَابُ الشَّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمالِ (٢)﴾ ونحو قوله (٣): * يَا سَيِّداً مَا أَنْتَ مِنْ سَيِّدٍ * وقوله (٤): * يَا جَارتَا مَا أَنْتِ جَارَهْ * و((ما)) المشارُ إليها مخصوصةٌ بالأفعال، فعُلم أنها غير المتضمِّنة استفهاماً. وأيضاً فلو كان فيها معنى الاستفهام لجاز أن تَخْلُفها (أَيٌّ) كما جاز ذلك في: * يَا سَيِّداً ما أَنْتَ مِنْ سَيِّدٍ (٥) * فيكون كقوله (٦):

стр. 2435

* أَيُّ فَتَى هَيْجَاءَ أَنْتَ وَجَارُهَا * وأيضاً فَقَصْد التعجُّب في ((ما)) متَّفق عليه، وكونُه مُشْرَباً باستفهام زيادةٌ لا دليل عليها، فلا يُلْتفت إليها (١). وأما الموصولةُ فمخالَفةٌ للنَّظائر، لأن الإبهام عنده حصل بحذف الخبر، والإفهام متقدِّم عليه، وذلك بيان (مَا) بالصِلة، وهو عكس ما عليه كلام العرب، حيث يَقصدون الإبهاَم أولاً، ثم الإفهامَ ثانياً، كضمير الأَمْرِ، وضَمِيرَيْ ((نِعْمَ وبِئْسَ)) مع مفسِّراتها، وكالعموم والتَّخصْيص، والمميَّز والتَّمييز، وأشباه ذلك. ولأن فيه دَعْوَى حذف الخبر لزوما، وفيه مَحْظوران، أحدهما أن كَوْنَ الخبر هنا مُلْتَزَمَ (٢) الحذفِ دون شيء يَسُدُّ مَسَدَّه خلافُ المعتاد، لأن عادة العرب في مِثْله أن يَسُدَّ مسدَّه شِيء يَحصل به استطالةٌ كما كان مع ((لَوْلاَ)) وفي ((لَعَمْرُكَ)) وأشباههما، وهذا ليس كذلك، فلا يُعوَّل على دَعواه. والثاني أن يقال لُمِدَّعِي الحذف: أمعلومٌ هذا المحذوف أم مجهولٌ؟ فإن قال: (مَعْلوم) أبطل الإبهامَ المقصودَ في التعجَّب، وإن قال: (مَجْهول) لزمه [حَذْفُ مالا يجوز (٣)] حذفُه؛ إذ من شرط الحذف أن يكون المحذوف دليل. وأما النكرةُ فيلزم على القول بها محظورٌ. حَكى ابن الأنباريّ في (الإنصاف (٤)) أن بعض أصحاب المبرِّد قَدِم على بَغْداد، فحضر في حَلْقة ثَعْلبَ، فسُئل عن هذه المسألة فأجاب بمقتضى قول سيبويه (٥) وقال: إن التقدَّير في

стр. 2436

((ما أَحْسَن زيداً)) شِيءٌ أحْسَنَ زيداً (١)، فقيل له: ما تقول في قولنا: ما أعْظَمَ اللهَ؟ فقال: شَيءٌ أعظمَ اللهَ، فأنكروا عليه وقالوا: هذا لا يجوز، لأن الله تعالى عظيمٌ لا بجَعْل جاعلٍ، وسَحبَوه من الحَلْقة فأخرجوه (٢). فهذا كلُّه، وإن كان فيه بحثٌ ونظر، فتخليصُه عَسِير، والاشتغالُ به تكثير، والقَصْدُ حاصل، والكلام مُنْضبط بدون هذا التطويل، فترَكَه لمن يَتَرجَّح (٣) عنده النَّظُر فيه، ونِعمَّا فَعَل. وحُذَّاق الصَّناعة إنَّما يتكلَّفون البحثَ فيما يَنْبني عليه حكم، وما/ عداه فهم فيه ما ٥١٥ بين تاركٍ له رأساً، وناظر فيه اتِّباعاً لمن تقدَّم له فيه نظر، إذ الخروج عن المعتاد مُنَفِّر، والله أعلم. وأما حكم (أَفْعِلْ) وما يَلزم عنه من الأحكام فالكلامُ فيها متعلِّق بشرح البيت الآتي بعدُ، ففيه يَظهر قصدُه وما أشار إليه في ذلك بحول الله، فلم يُهمل النَّظر فيه جُملة. وايضاً فإذا فرضنا انه لم يتعرَّض لحكمٍ فيه فقد ثبت أنه فِعْل، وهو متَّفَق عليه بين أهل البلدين. والفعل إذا كان على (أَفْعِلْ) ظاهرُه أنه فعل أمر، لأن هذه الصَّيِغة مختَصَّة به، فَيدَّعي أن مذهبه كَوْنُ (أَفْعِلْ) فعلَ أمر، لكن لا مطلقا، بل على

стр. 2437

وَجْهِ ما دَخَله من معنى التعجُّب، حتى صار هو المعنى الغالب على الصِّيغة، فهو في لفظه، محكومٌ له بحكم فِعل الأمر في كون فاعله ضميراً مُتَّصلا، وما بعده يطلبه طلب الفَضْلة، والتُزم في الضمير الإفرادُ والَّتذكير، لجريانه عندهم مَجرى الأمثال (١)، وليكون مُوازِناً لصاحبه، وهو (أَفْعَلَ) إذ فاعلُه ضميرٌ مستتر أبداً، وإن كان سبب الاستتار فيهما مختلفاً. ولا يقال: إن كَوْنَ الأمر مفيداً لمعنى التعجَّب دَعْوَى لا دليل عليها، لأنا نقول: إذا كان الأمر يُفيد معنى الخبر، والخبر يُفيد معنى الأمر نحو ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَداً (٢)﴾ ونحو- ﴿والمُطَلَّقاتُ يتَربَّصْنَ بأنْفُسِهنَّ ثَلاثَةَ قُروُءٍ (٣)﴾ والأمر والخبر ضِدَّان من جهة احتمال الخبر الصدقَ والكذبَ، وامتناع ذلك في الأمر- كان الأمرُ- بإفادة معنى التعجُّب، وهما غيرُ ضِدَّيْن، لاجتماعها في عدم احتمال الصدق والكذب- أحقَّ وأولى. وقد زعم المؤلف في ((الشرح)) أن الأمر يستفاد من الاستفهام نحو ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٤)﴾ فكذلك يكون الحكم هنا قياساً لو لم يكن ثَمَّ سَماعٌ دَالٌّ، فكيف وقد قالوا (٥): *يَا سَيِّداً ما أَنْتَ مِنْ سَيِّدٍ *

стр. 2438

* يا جَارتَا مَا أَنْتِ جَارَهْ * * أيُّ فَتَى هَيْجَاءَ أَنْتَ وَجَارُهَا * وهذا كثير في أقسام الإنشاءات، أن يَدخلها معنى التعجُّب، كقوله في الحديث: ((سُبْحانَ اللهِ، إنَّ المُؤْمَن لا يَنْجُسُ (١))) وقالوا: * تَاللَّهِ يَبْقَى على الأَيَّام ذُو حِيَدٍ (٢) و((للهِ يَبْقى)) ويَا لَلْعَجبِ، ويا لَلْماءِ. * ويَا لَكَ مِنْ لَيْلٍ كأنَّ نجومَهُ * (٣) وهو كثير جدا. فلا بُعْد في استفادة التعجُّب من الأمر، من حيث اجتمعا في الإنشاء، كما لم يَبْعُد فيما ذُكر. وأيضاً فإن المجرور بعد (أَفْعِلْ) يجوز حذفه كما سيأتي، نحو ﴿أَسْمِعْ بِهْم وأَبْصرْ (٤)﴾ وإذا حذف الجارُّ انْتَصب، نحو (٥): * وأَجْدِرْ مِثْلَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَا * والفاعل لا يُحذف ولا يَنتصب مع وجود فعله الطالب الطالب له بالفاعليَّة.

стр. 2439

وأيضاً قال ابن خروف (١): تلخيص مذهب الفراء أن المعنى: فَعُل، وما أَفْعَلَه، وجاء اللفظ دليلاً على استدعاء المخاطب/ للتعجُّب مع المتكلِّم. ... ٥١٦ وقد اعتَرض المؤلف في ((الشرح)) هذا المذهب، إذ خالفه في ((التسَّهيل (٢))) من أربعة أوجه: أحدها أن الناطق بـ (أَفْعِلْ) لو كان آمراً بالتعجُّب لم يكن (الآمرُ (٣)) متعجِّبا، كما لا يكون الآمرُ بالحَلفِ والتَّشْبيه والنِّداء حالفاً ولا مُشَبِّهاً ولا مُنَادِياً، ولا خلاف أن قائل (أَفْعِلْ) متعجِّب، وإنَّما الخلافُ في اجتماع الأمر معه، وهذا لا يلزم مع غَلَبة معنى التعجُّب، ويلزم مثله في نحو ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٤)﴾ فإن المستفهم عن الشِيء لا يكون آمراً بالشيء، كما لا يكون المستفِهم عن قيام زيد، وطلوع الشمس، ودخول رمضان آمراً بذلك، فما يكون جوابَه هو أيضا جوابُه، وهكذا يقال له في جميع ما تقدَّم التأنيسُ به (٥)، بل يلزمه ذلك في (أَفْعِلْ) هنا، إذ هو في أصله خَبَرٌ دَخله معنى التعجُّب. والثاني أنه يلزم إبرازُ ضميره في التأنيث والتثنية والجمع، كما يَلزم في كل فعل متصِّرف أو غيرِه، ولا يُعْتَذر بأنه جرى مَجرى المثَل، فإن الأمثال تَلزم لفظاً واحدا كـ ((الصَّيْفَ ضَيَّعْتِ اللَّبَنَ (٦))) والجاري مجرى

стр. 2440

المثَل يَلزم لفظاً واحداً، وإن تَغَيَّر بعضَ التَّغيير فذلك مُغْتَفر، نحو (حَبَّذَا) فيُجَاز أن يَخْتم الجملةَ بما للناطق فيه غَرضَ. و (أَفِعْلْ) لا تلزم لفظاً واحداً، فليس بَمَثلٍ ولا جارٍ مَجراه، وهذا غير لازم، لأنه في معنى (مَا أَفْعَلَه) فكأنه مُسْنَد إلى غير فاعلة حقيقةً، فهو كلام مُخْرَج عن حَدِّه. وأيضاً كما جاز في (حَبَّذَا) تغييرُ باقي الجملة من حيث تعلَّق بها غرضٌ جاز تبديُل المادَّة مع بقاء الوَزْن المخصوص، من حيث تعلَّق بذلك غرض، وهو بيان ما كان التعجُّب من أجله، فمثال (أَفْعِلْ) هنا نظيرُ لفظ (حَبَّذَا) هنالك. والثالث: لو كان كذلك لم يَجُز أن يَلي (أَفِعْلْ) ضميرُ المخاطَب، نحو: أَحْسِنْ بِكَ، لأن في ذلك إعمالَ فعلٍ واحد في ضميريْ فاعلٍ ومفعول لمسمى واحد. والجواب أن هذا رأي ابن عُصْفور، إذ هو يُجري المتَعدَّي إليه بالحرف مُجرى المتَعَدَّى إليه بغير حرف. وقد تقدَّم بطلان ذلك. وفي القرآن المجيد: ﴿واضْمُمْ إلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ (١)﴾. والرابع: أنه كان يجب إعلالُه إذا كانت عينه ياء أو واوا/ كما وجب ذلك لـ (أَبِنْ، وأَقِمْ) ولم يَجُز: أَبْيِنْ بِه، ولا أَقْوِمْ بِه، كما لا تأمر كذلك، فَلمَّا لم يكن كذلك لم يصحَّ أن يكون أمرا، وهذا مُشْتَرَك الإلزام في (ما أَفْعَلَهُ) إذ هو عنده فِعْلٌ ماض، والماضي يجب فيه: أَقَامَ، وأَبَانَ، فكان يمتنع فيه: ما أَقْوَمَهُ، وأَبْيَنه، كما يَمتنع في الماضي. فالجواب عن هذا هو جوابُنا، وإلاَّ فلا يصح اعتراضُه فلا يَفتقر إلى الجواب.

стр. 2441

وإذا تقرَّر هذا كلُّه سَهُل الأمر في فاعلِ أَفْعِلْ) وأنه مضمر، وفي المجرورِ وأنه في موضع نصب، وأن الباء غير زائدة، وهو/ ظاهر. ... ٥١٧ وأما الاعتراض الأخير فإن جميع ما ذُكر فيه قد أشعر به المثالان، وهما ((مَا أَوْفَى خَلِيلَيْنَا، وأَصْدِقْ بِهَمِا)) ففيهما ما يعيِّن المتعجَّب منه، وأنه ما بَعْدَ الأفعال، وأن المتعجَّب من أجله هو مدلول الفعل، وها هو يَذكر على أَثَر هذا: مِمَّ يُبْنَيَان؟ فَيتَبَيَّن بعضُ كلامه ببعض. وبالله التَّوفيق. ويمكن أن يكون المقال أيضاً أشعر بمعنىً آخر، وهو كَوْن المتعجَّب منه مختصاً، إمَّا معرفةً نحو ما مَثَّل به، وإمَّا ما يَجري من النكرات مجراه نحو: ما أَسْعَدَ رَجُلاً اتَّقَى اللهَ. فلو كان غير مختَصٍّ لم يُتَعجَّب منه، ولا يقال: ما أَحْسَنَ رجلاً من النَّاسِ، ولا: ما أَسْعَدَ غُلاماً. وهو نظير النُّدْبة، لا يُنْدَب من لا يُعرف، وإنما يُندب مَن اشتَهر باسم أو فَعال، كما سيأتي إن شاء الله. ويمكن أَنْ لم يَقصد هذا، ولكنه اتَّكَل على معنىً آخر، وهو حصول الفائدة، إذ قال في أول النظم: ((كَلامُنَا لَفْظٌ مُفِيدٌ (١))) فإذا كان التعجُّب مفيدا، وذلك بكون المتعجَّب منه مختصاً- صَحَّ، وإلاَّ فَلاَ. ونُصب قوله: ((تِلْوَ أَفْعَلَ)) على الحال من الهاء في ((انْصِبَنَّهُ)) والإضافة لفظية، أي انْصِبْه حالهة كونه تالياً لـ (أَفْعَلَ). و((تَعَجُّباً)) نُصب على الحال أيضاً، وهو مصدر، لكن على معنى ((مُتَعَجِّباً)) أو ((ذَا تَعَجُّبٍ)).

стр. 2442

وحَذْفَ مَا مِنْهُ تَعَجَّبْتَ اسْتَبِحْ إنْ كَانَ عِنْدَ الحَذْفِ مَعْنىً يَتَّضِحْ (١) يعني أن المتعجَّب منه وهو المنصوب في (ما أَفَعْلَهُ) والمجرور بالباء في (أَفْعِلْ بِه) يجوز حذفهُ، ويُستباح ذلك فيه، وإن كان مقصودَ الذّكْر في التعجُّب، لكن إذا كان معناه مع الحذف واضحاً ظاهراً، لدليلٍ دَلَّ عليه حتى صَيَّره كالملفوظ به. فأما (مَا أَفْعَلَهُ) فتقول: رأيتُ زيداً فما أحْسَنَ وأَجْمَلَ! ، تريد: ما أَحْسَنَهُ وأَجْمَلَهُ! وخَبَرْتُ عُمراً فما أفْضَلَ وأَكْرَم! قال الشاعر، ويُعْزَى إلى عليٍّ ﵁ (٢): جَزَى اللهُ عَنَّا والجَزَاءُ بفَضْلِهِ رَبِيعَةَ خَيْراً ما أَعَفَّ وَأكْرَمَا وأما (أَفْعِلْ به) فتقول: أَحْسِنْ بزيدٍ وأَجْمِلْ! تريد: وأَجْمِلْ بِه، قال تعالى (أَسْمِعْ بِهِمْ وأَبْصِرْ (٣)﴾ وأنشد ابن الأنباري (٤):

стр. 2443

ومُسْتَخْلِفٍ مِنْ بَعْدِ غَضْيَا صُرَيْمَةً فَأَحْرِ بِه لِطُولِ فقْرٍ وأُحْرِيَا وانشد ابن خروف وغيرُه لعُرْوة الصَّعاليك العَبْسِيّ (١): فَذَلِكَ أنْ يَلْقَ المَنِيَّةَ يَلْقَهَا حَمِيداً وإن يَسْتَغْنِ يَوْماً فَأَجْدِرِ وفي قوله (اسْتَبِحْ) إشعارٌ بأن المتعجَّب منه لم يكن حَقُّه أن يُحذف، وإنما كان الواجب فيه الإثبات، لأن العرب تقول: اسْتُبِيحَ حَمِى فلان، واسْتُبِيحَ دَمُ فلان، ونحو ذلك مِمَّا شأنُه أن يكون ممنوعَ الحَوْزَة حَتْماً. ولا يقال هنا في غالب الاستعمال: أُجِيزَ، ولا سُوِّغَ، ولا نحو ذلك، مما يُعطى/ مجردَ ٥١٨ معنى الإقدام من غير إشعار بالامتناع، فكأنَّ الناظم قَصد هذا، لما في (أَفِعْلْ بِه، ومَا أَفْعَلَهُ) مما يَقْتضي امتناعَ الحذف حَتْماً، وذلك أن المتعجَّب منه مقصودُ الذِّكر، والكلامُ مبنيٌّ عليه، لأن جملة التعجَّب لأجله سيقت، فصار بمنزلة الاسم الواقع بعد (إِلاَّ) في قَصْد الحصْر إذا قلت: ما أَكْرَمنِي إلاَّ زيدٌ، وما أكرمتُ إلاَّ عَمْراً، وما مررتُ إلاَّ بعَمْروٍ، إذ لا يجوز الحذف فيه وأن كان فَضْلة، لأن الكلام مبنيٌّ عليه، فكذلك هنا. فكأنَّه يقول: هو، وإن كان مقصودَ الذِّكر، جائزُ الحذف، لأن إيضاح معناه قائمٌ مقامَ ذِكْره. وحين أجاز حذفَ المتعجَّب منه مطلقا إذا عُلم كان دليلاً على أن المجرور بالباء ليس هو الفاعل البتَّةَ، إذ لو كان كذلك لامتنع الحذفُ، بناءً

стр. 2444

على مذهبه في أن الفاعل لا يُحذف، حَسْبَما مَرَّ بيانُه في قوله في ((باب الفاعل)): ((وبَعْدَ فشعْلٍ فاعلٌ فإنْ ظَهَرْ فَهْوَ وَإلاَّ فضَمِيرٌ اسْتَتَرْ)) فهذا الموضع داخل في مُقْتَضَى ذلك الحُكْم، فلا يصح على مذهبه أن يكون المجرور هنا فاعلاً أصلا، وهذا واضح. وقد تقدَّم الاستدلالُ على صحَّة ما ذَهب إليه. وقوله: ((وحَذْفَ كذا)) مفعول ((اسْتَبِحْ)) و ((مَعْنىً)) تمييزٌ لقوله ((يَتَّضِحْ)) أي يَتَّضِح مَعْنىً، وهو منقولٌ من الفاعل، وقَدمَّه على العامل فيه بناءً على جوازه نادراً إذا كان العاملُ متَصِّرفاً، كقوله (١): * ومَا كَانَ نَفْساً بالفِراقِ تَطيبُ * وقد مَرَّ في بابه. ويحتمل أن يكون ((مَعْنىً)) فاعلَ ((كان)) على أنها تامَّة. و ((يَتَّضحُ)) في موضع الصفة لـ (مَعْنىً) ويكون المراد: إن وُجد عند الحذف معنىً، ويريد: معنى المحذوف. أو تكون ناقصة. وحُذف الخبر لدلالة الكلام عليه إن وُجد له معنىً يَتَّضِح.

стр. 2445

ووجدتُ في طُرَّة (١) بعض النُّسَخ عِوَض ذلك ((أنْ كانَ عِنْدَ الحَذْفِ مَعْناهُ يَضِحْ)) يريد معنى المحذوف. و ((يَضِحْ)) مضارع: وَضَح الشِيءُ، يَضِح وُضُوحاً، وهو صحيح. وَفِي كِلاَ الفِعْلَيْن قِدْماً لَزِمَا مَنْعُ تَصَرُّفٍ بحُكْمٍ حُتِمَا ((في كِلاَ الفِعْلَيْن)) متعلِّق بـ (لَزِمَ) و ((قِدْماً)) ظرف، و ((مَنْعُ)) فاعلُ ((لزم)) أي لَزِم قديماً في الفعلين مَعاً منعُ التصرُّف. ويريد أن العرب ألزمت هذين الفعلين، وهما: (ما أَفْعَاهُ، وأَفْعِلْ بِه) عدمَ التصرُّف، والجريانَ على طريقة واحدة لا يتعَّداها، بل لابد أن نَتْبع العربَ على ما أَلزمتْ من ذلك. وعدم التصرُّف فيهما من جهات: أَمَّا أولاً فلا يَتَصَّرف منهما غيرُهما من الأفعال. (فمَا أَفْعَلَهُ) لا يُبْنى منه أمر ولا مضارع، و (أَفْعِلْ بِه) لا يُبْنى منه ماض ولا مضارع، ولا لهما اسمُ فاعل ولا مفعول، ولا صفة مشبَّهة، ولا يَدلان على زمان، فـ (أَفْعَلَ) لا دلالة له على الزمان الماضي بصيغته، و (أَفْعِلْ) لا دلالة له على المستقبل كذلك. ولا يَنْتصب عنهما مصدرٌ مؤكِّد، ولا يُرفع بهما ظاهر، ولا يُتْبع/ مرفوعهما بعطف ٥١٩ ولا توكيد ولا إبدال. وأما ثانياً فإنهما لا يُغَيَّران عن حالهما في تقديم أو تأخير، بل يلَزمهما ما عُرِّف به أولاً من تقديم ((ما)) وتأخير الاسم المتعجَّب منه في

стр. 2446

(ما أَفْعَلَهُ) ومن تأخير المجرور في (أَفْعِلْ به) أو حَذْفه إلا شاذاً، نحو (١): * وأَجْدِرْ مِثْلَ ذلكَ أن يَكوُنَا * ومن عدم الفَصْل بين ذلك كله غلا ما يَذكره آخر الباب. وأيضاً فهما في الأفراد والتذكير وأضدادهما على طريقةٍ واحدة، فتقول: ما أَكْرمَ زيداً، وما أَكْرمَ الزَّيْدَيْنِ، وما أَكْرمَ الزَّيْديِنَ. وما أَكْرمَ هِنْداً، وما أكرم الهنْدَينِ، وما أكرم الهِنْداتِ. وتقول: أَكْرِمْ بزيدٍ، وبالزيديْن، وبالزيدِينَ، وأَكْرِمْ بهندٍ، وبالهنديْنِ، وبالهنْدات. وما أشبه ذلك، فيَستوي حالُ الإفراد والتذكير مع التثنية والجمع والتأنيث. وعَلَّل ذلك بقوله: ((بحُكْمٍ حُتِمَا)) يريد أن عدم التصرُّف إنَّما لزم بسبب حُكْمٍ من العرب حُتِمَ عليهما وأُلْزِماه، فالحكم بعدم التصرُّف مُسَبَّب عن حُكْم آخر، وهو إجراؤُهم لهما مجرى المثل أن يتركوه على طريقةٍ واحدة، وهي الطريقة التي وضُع عليهما أولاً، كقول من قال، وهو طَرَفة (٢): * خَلاَلَكِ الجَوُّ فَبِيضِي واصْفِريِ * يقال هذا لكل أحد، من مذكرَّ ومؤنَّث، ومفرد ومثنى ومجموع، وكذلك

стр. 2447

قولهم: ((أَطِرِّي إِنَّكِ نَاعِلَةٌ (١))) يقال لكل من وقع عليه معناه. وقولهم: ((الصَّيْفَ ضَيَّعْتِ، أو ضَيَّحْتِ اللَّبَن (٢))). ومثل (ما أَفْعَلَه، وأَفْعِلْ بِه) في ذلك (حَبَّذَا) حَسْبَما يَذكره بعد هذا. فكأنَّه تقريرُ حكمٍ، وتعليلٌ له، فلا يُعترض عليه بما اعتَرض في ((الشرح)) على مذهب الفراء الذي ذهب إليه هنا. ثم أخذ في ذكر ما يُبْنَيان منه فقال: وَصُغْهُمَا مِنْ ذِي ثَلاثٍ صُرِّفَا ... قَابِلِ فَضْلٍ تَمَّ غَيْرِ ذي انْتِفَا وغَيْرِ ذِي وَصْفٍ يُضَاهِي أَشْهَلاَ ... وغَيْرِ سَالِكٍ سَبِيلَ فُعِلاَ ((ذِي ثَلاثٍ)) هنا هو الفعل، ويريد أن هذين الفعلين يُبنيان قياساً من كل ثلاثي اتَّصف بهذه الصفات التي يذكرها، وجملتها ثمانية أوصاف. أحدها أن يكون ذلك المَصُوغُ منه فعلاً، وهو قوله: ((مِنْ ذِي ثَلاثٍ)) ودَلَّ على أنه أراد من (فِعْلٍ ذِي ثلاثٍ) ما ذكر من الأوصاف، وقولُه فيها: ((وغَيْرِ سالكٍ سَبِيلَ فُعِلاَ)) فهذا كلُّه لا يكون إلا لِفِعْل. فلو لم يكن ثَمَّ فِعْل لم يُبْن فعل التعجَّب من غيره في القياس، فلا يقال في

стр. 2448

كمال الرجوليَّة: ما أَرْجَلَه! ولا في قوة الحمارِيَّةِ: ما أَحْمَرهُ! فإن جاء من ذلك شِيء حُفِظ. قالوا في نظيره: هو أَحْنَكُ الشَّاتَيْن، وأَحْنَكُ البَعِيريْنِ (١)، يريدون: أشدُّهما أَكْلاً، من (الحَنَك) وليس له فعل، قال سيبويه: كأنَّهم قالوا: حَنِكَ، ونحو ذلك (٢). وأفعلُ التفضيل وفعل التعجُّب حكمهما في هذا واحد. وحكى سيبويه ايضاً: هو آبَلُ الناسِ، وقال: إنهم لم يتكلَّموا/ بالفعل (٣). وحَكى ٥٢٠ ... غيرُه الفعلَ، قال الجَوْهَرِيّ: أَبِلَ الرجلُ، بالكسر، يَأْبَلُ، أبَالَةً، فهو أَبِلٌ وآبِلٌ، أي حاذقٌ بمصلحة الإبل. وفلان من أبَل الناس، أي من أشدِّهم تَأَنُّقاً في رِعْية الإبل، وأعلمهم بها (٤). والثاني أن يكون الفعل ثلاثياً، وهو قوله: ((مِنْ ذِي ثًلاثٍ)) والمراد أن يكون مع ذلك مجرَّداً من الزوائد، فلا يريد أنه ثلاثيُّ الأصول خاصَّةً. فقد اشتمل هذا الوصفُ على شيئين في التحرزُّ، أحدهما أن يكون رباعياً كدَحْرَجَ، فلا يُبنى منه (ما أَفْعَلَه) ولا (أَفْعِلْ بِه) لكَسْر البِنْية. والثاني ألا يكون مَزِيدا فيه، بل مجرَّداً من الزيادة جُملة، نحو: عَلِمَ، وفَقُه، وكَرُمَ، وما أشبه ذلك. (وتَحرَّز من الثلاثي المزيد فيه نحو: تَعَلَّم، واسْتَعْلَم، وكَارَمَ، إذ لا يُبْنى من ذلك (٥)) لاختِلاَل البِنْية. والثالث أن يكون الفعل المبني منه متصرفاً، لأن التصرف أصل

стр. 2449

ذلك تحرُّزاً من أن يكون غير مَتصرِّف' فإنه يَمتنع ذلك فيه، لأن البِنَاء منه تَصَرُّفٌ فيه، والتصرُّفُ فيما لا يَتَصرَّف نَقْضٌ لوَضْعه. وعدم التصُّرف على وجهين، أحدهما يكون بخروج الفعل عن طريقة الأفعال من الدلالة على الحَدث والزمان، كنِعْمَ، وبِئْسَ، ولَيْسَ، وعَسَى. والثاني يكون بمجرَّد الاستغناء عن تصرُّفه. بتصُّرف غيرِه، وإن كان باقياً على أصله من الدلالة على الحدث والزمان. مثاله: يَذَرُ، ويَدَعُ، حيث استُغني عن ماضيهما بماضي (يَتْرُكُ). وكلا القسمين مرادٌ هنا، فلا يقال: ما أَنْعَمَهُ، وأَنْعِمْ بِه، وهو باقٍ على معناه، من إنشاء المَدْح. وكذلك (بِئْس) وغيرها. وكذلك لا يقال أيضاً: ما أَوْذَرَهُ، ولا مَا أَوْدَعَهُ، ولا ما أشبه ذلك. الرابع أن يكون قابلا للفَضْل، أي قابلاً لأن يَفْضُل فيه واحدٌ من المتَّصفِين به الآخرَ، كَعِلَم، وجَهِلَ؛ فإن العلم والجهل يُتصوَّر فيهما الزيادةُ والنُّقصان، وأن يَفْضُل فيهما الرجلُ رجلاً آخر، وهو المراد بقوله: ((قَابِلِ فَضْلٍ)). وضابط ذلك من الأوصاف الأوصافُ الإضافيَّةُ التي لا تكون على حالةٍ واحدة، بل تختلف بحسب الآراء والمذاهب والأمزجة والطباع، كان ذلك بالنسبة إلى شخص واحد في حَالَيْن، كالعِلْم والجَهْل، أو شَخْصَيْن كالحُسْن والقُبْح، فإنك تقول: ما أَعْلَمَهُ، وما أَجْهَلَهُ، وما أَحْسَنَهُ، وما أَقْبَحَهُ. ولا يُعتبر في ذلك كونُ الشخص الواحد لا يتَغَير ذلك الوصف فيه بالأشدِّ والأَضْعف (١)، بل المعتبر تصوُّرُ الصفة كذلك لا بقَيْدِ شخص.

стр. 2450

وهذا التفسير جارٍ على كلام الناظم؛ إذ لم يُقَيِّد المفاضلةَ بكونها بالنسبة إلى الشخص الواحد. فلو كان الوصف غير قابل للمفاضلة بهذا التفسير لم يُبْن منه فعلُ التعجُّب، فلا تقول: ما أَعْمَى زيداً، وأنت تريد عَمَى البَصَر، ولا ما أَمْوَتَ زيداً، ولا ما أَعْوَرهُ، ولا ما أشبه ذلك. والخامس أن يكون/ الفعل تاماً، وهو قوله: ((تَمَّ)) وتمامه قد بَيَّنه في باب ((كان)) في ٥٢١ قوله: ((وذُو تَمَامٍ ما بِرفْعٍ يَكْتَفِي)) وذلك جميعُ الأفعال ماعدا الأفعال العاملة عملَ (كان) فـ (كان) وأخواتها هي النَّواقص، فلا يجوز بناء فعل التعجُّب منها، فلا يقال: ما أَكْوَنَ زيداً قائماً، ولا ما أَظَلَّ زيداً سائراً، ولا نحو ذلك، لأنك بين أمَريْن؛ إما أن تَنصب الخبرَ ولا تجرهَّ باللام، وإما أن تحذفه رأساً، وكلاهما ممنوع. ولا تجرُّه أيضاً باللام، لأنه يَصِير على معنى آخر، وجر الخبر باللام أيضا غيرُ صحيح، إذ لا يقال: زيدٌ لِقَائمٍ، على معنى: زيدٌ قائمٌ. والسادس ألاَّ يكون منفياً، وهو قوله: ((غَيْرِ ذي انْتِفَا)) يريد أن من شرطه أن يكون موُجَبا، كَلطُفَ، وكَثُفَ، فلو كان منفياً لم يُبْن منه فعلُ التعجُّب، فلا يقال في ((لَمْ يَقُمْ)): ما أَقْوَمَهُ، ولا في ((لَمْ يَخْرُجْ)): ما أَخْرَجَهُ، ولا ما كان نحو ذلك. ووجه المنع التباسُ المنفيِّ بالمُثْبت. والسابع أَلاَّ يكون له وصف على (أَفْعَلَ) للمذكَّر و (فَعْلاء) للمؤنث، وهو قوله: ((وغَيْرِ ذِي وَصْفٍ يُضَاهِي أَشْهَلاَ)) يعني ألاَّ يكون مِمَّا قَياسُ (١)

стр. 2451

وصفه عند العرب أن يُبنى على ما كان يُبْنى عليه ((أَشْهَلُ (١))) من كونه للمذكر هكذا، وللمؤنث على ((شَهْلاَء)) فكل فعل استَحَقَّ وصفُه هذا البناءَ فلا يُبنى منه فعلُ تعجُّب، فلا يقال في (شَنِبَ): ما أَشْنَبَهُ، ولا في (صَيِدَ): ما أَصْيَدَه، ولا في (لَمِىَ) ما أَلْمَاهُ، ولا في (دَعِجَ): ما أَدْعَجَهُ، ولا في (حَمُقَ): ما أَحْمَقَه، ولا في (بَرِص): ما أَبْرَصَهُ (٢)، ولا في (بَرِشَ): ما أَبْرِشَه (٣)، ولا في (كَحِلَ): ما أَكْحَلَهُ. وللناس في مَنع هذا ثلاثُ عِلَل: إحداها أن حَقَّ صيغة التعجُّب أن تُبنى من الثلاثي المَحْض الذي ليس في معنى غيرِه، من مَزِيدٍ فيه. وهذه الأفعال التي جاءت صفاتُها على (أَفْعَل، وفَعْلاَء) وإن كانت ثلاثيَّةً أصلُها الزيادة، وأن تكون على (افْعَلَّ)، وافْعَالَّه وذلك ظاهر في الألوان نحو: احْمَرَّ، فهو أَحْمرُ، وهي حَمْراءُ، وكذلك اصْفَرَّ وابْيَضَّ، واحْمَارَّ واصْفَارَّ وابْيَاضَّ. فكذلك أصلُ سائر ما تقدم، أن يكون على (افْعَلَّ، وافْعَالَّ) ولذلك صَحَّت العين في: حَوِلَ، وعَوِرَ، وصَيِدَ، وهَيِفَ، ونحو ذلك، لَمَّا كان في معنى: احْوَلَّ، واعْوَرَّ، واصْيَدَّ، واهْيَفَّ، كما صَحَّ: اجْتَوَروُا، واعْتَوَنُوا، حَمْلاً على ما في معناه

стр. 2452

من: تَجَاوَرُوا، وتَعَاوَنُوا. فلو لم تكن الأَبْنِية في معنى غيرها لاعْتَلَّت كما اعْتَلَّ (قَامَ، وتَابَ، وهَابَ، وبَاعَ) فكنتَ تقول في (حَوِلَ): حَالَ، وفي (عَوِرَ): عَارَ. وكذلك في سائرها، فدَلَّ على ما ذُكر. وهذه العلة عَلَّل بها الجمهور. والثانيةُ للخليل ومَن قال بقوله، أن هذه المعاني من الألوان والعيوب الظَّاهرة جَرَتْ مَجرى الخِلَق الثابتة التي لا تزيد ولا تنقص، التي لا أفعالَ لها، كالَيدِ والرِّجل وسائر الأعضاء التي لا تزيد ولا تنقص، فكما لا / يُتعَّجب من الأعضاء لثبوتها وعدم تغيُّرها وفَقْد استعمال أفعالها، ... ٥٢٢ كذلك هذه التي أشبهتْها، وجَرَتْ مجراها وإن كان لها أفعالٌ مستعملة. قال في الكتاب: زَعم الخليلُ-﵀ أنه مَنعهم من أن يقولوا في هذا: ما أَفْعَلَهُ، لأن صار عندهم بمنزلة (اليَدِ، والرِّجْلِ) وما ليس فيه فشعْلٌ من هذا النَّحْو. ألا ترى أنك لا تقول: ما أَيْدَاهُ، ولا مَا أَرْجَلَهُ، إنما تقول: ما أَشَدَّ يَدَهُ، وما أَشَدَّ رِجْلَهُ، ونحو ذلك (١). قال، ولا تكون هذه الأشياء في (مفْعال ولا فَعُول) كما تقول: رَجلٌ ضَرُوبٌ، ورجلٌ مِحْسَانٌ، لأن هذا في معنى، ما أَحْسَنَهُ، إنَّما تريد أن تُبالِغ، ولا تريد أن تجعله بمنزلة كُلِّ مَن وقع عله: قاتِلٌ وحَسَنٌ (٢). يعني أن هذه المعاني لا يصحُّ فيها المبالغة، لأنها في نَفْسها لا تزيد ولا تنقص، فلا يعبَّر عنها بـ (مَا أَفْعَلَهُ) ولا (فَعُول) ولا (مِفْعَال) ولا غير ذلك مما يَقْتضي المبالغة. وهذا حَسَنٌ من التعليل.

стр. 2453

والثالثةُ للمؤلف في ((الشَّرح)) (١) أنه لَمَّا كان بناء الوصف من هذا النوع على (أَفْعَل) لم يُبْن منه (أَفْعَلُ التفضيل) لئلاَّ يَلتبس أحدهما بالآخر، ولَمَّا امتنع صَوْغ (أَفْعَل التفضيل) امتنع صَوْغُ (فِعْل التعجُّب) لجَريانهما مَجرىً واحداً في أمور كثيرة، وتساويهما في الوَزْن والمعنى. قال: وهذا الاعتبار بَيِّنٌ هَيِّنٌ، ورُجحانه متعيِّن. وهذا تعليل ضعيف. والثامنُ من الأوصاف أَلاَّ يكون الفعل مَبْنياً للمفعول، وذلك قوله: ((وغَيْرِ سَالِكٍ سَبِيلَ فُعِلاَ)) يعني أنه لا يُبنى فعلُ التعجُّب مما كان على طريقة (فُعِلَ) مبنياً للمفعول، فإنك تقول في (عَلِمَ): ما أَعْلَمَهُ، وفي (ضَرَبَ): ما أَضْرَبَهُ. ولا تقول في (ضُرِبَ): ما أَضْرَبَهُ، ولا في (عُلِمَ): ما أَعْلَمَهُ، وكذلك سائر الباب. ولتعليل ذلك وجهان، أحدهما اللبَّسُ الواقع بين فشعْل الفاعل وفِعْل المفعول، فإنك تقول في: (ضَرَبَ زيدٌ): ما أَضْرَبَ زيداً، وفي (ضُرِبَ زيدٌ): ما أَضْرَبَ زيداً كلك، فلا يقع فرقٌ بين التعجُّب من الفاعل والتعجُّب من المفعول. والثاني أن فشعل المفعول لا كَسْبَ فيه للمفعول، فأَشْبه أفعالَ الخِلَق، وأفعالُ الخِلَق لا يُتعجُّب منها، فكذلك ما أشبهها. هذه جملة الأوصاف المعتبرة فيما يُبْنى منه فعلُ التعجُّب، وقد ظهر أن الناظم ضبط هذا الموضع ضبطاً حسناً، لم يقع مثلُه في أكثر المطوَّلات، فضلاً عن المختصرات. ويتبيَّن ذلك إلى أقصاه بفَرضْ مسألتين: إحداهما فيما وَقع فيه الخلاف من هذه الأوصاف المذكورة.

стр. 2454

ففي الشرط الثاني الخلافُ في موضعين؛ أحدهما ما كان من المَزيد فيه ليس له ثلاثي، ولكنه عُومل معاملَة الثلاثي المجرَّد، نحو: افْتَقَر، وتَمَكَّنَ، واسْتَغْنِى، وامْتَلأَ، واشْتَدَّ، واتَّقَى، وما أشبه ذلك. فهذه الأمثلة وأشباهُها جاريةٌ/ مَجرى الثلاثي لا مَجرى الزائد، لقولهم في الصِّفة: فَقِيرٌ، وغَنِيٌّ، وشَدِيدٌ، وتَقِيٌّ، وقد قالت العرب فيها: ومَا أَفْقَرَهُ، ومَا أَمْكَنَهُ، وما أَغْنَاهُ، ومَا أَمْلأَهُ، وما أَشَدَّهُ، وما أَتْقَاهُ. ففي جَريَان هذا الباب مَجرى الثلاثي المجرَّد فيصحُّ أن يُبْنى منه، أو مَجرى الزائدِ فلا يُبْنى منه، إلاَّ أن يُسْمَع فيوُقَف على مَحَلِّه- قولان الأولُ لابن السَّرَّاج وطائفةٍ (١)، والثاني لابن خَروف وجماعةٍ (٢). وهذا الثاني أصحُّ، لأن العِلَّة التي من أجلها امتنع بناؤه من المزيد غيرِ الجاريِ مَجرى المجرَّد موجودةٌ هنا، وهو هَدْمُ البِنْية وحذفُ زوائدها لغير مُوجِب، مع وجود الغَنَاء عن ذلك بـ (ما أَشَدَّ) ونحوه. فإن قيل: إتيانُهم بـ (فَعِيل) في اسم فاعله مع أنهم لم يَنْطقوا بفِعْلٍ منه دليلٌ على أنهم لم يَعتبروا الزائد، بل عَدُّوه كالعَدَم، إذ ليست الزيادة بدالَّةٍ على معنى، فصار الثلاثي المجرَّد مرادفاً (٣) لها، فكما أَجْرَوا الصِّفة عليه باعتبار خُلُوِّه من الزيادة فكذلك يجب هنا- قيل: هذا التعليل لاَ ينْهض أن يَجرى القياسُ بسببه، وإنَّما يَصلح أن يكون تعليلاً للسَّماع، إذ لم يكثر في السَّماع كَثْرةً يُعَتبر مثلُها في القياس، وإنَّما جاز ذلك نادراً فلا يُعتد به.

стр. 2455

فَثبت أن الوجه مذهبُ ابن خروف. وإليه ذهب الناظم. والثاني ما كان على (أَفْعَلَ). اختلفوا في بناء فعل التعجُّب منه على ثلاثة أقوال: الجَوازُ مطلقاً، ويظهر من سيبويه (١)، وإليه ذهب في (التسَّهْيل) و ((شَرْحه)) (٢). والمنعُ مطلقاً، وهو مذهب جمهور المتقدِّمين، حكَى ابن السرَّاج عن أبي العَبَّاس أن الخَلْق على خلاف قول سيبويه، قال ابن السرَّاج: والقياس ما قال أبو العباس. نَصَّ عليه في الأصول (٣). ونَصَّ الجَرْمي والأخفشُ وغيرُهما على أن التعجُّب من (أَفْعَلَ) قليلٌ شاذٌ (٤)، وهو رأي الفارسي في ((الإغْفَال)). والفرق بين أن تكون الهمزة التعَّدية أو لغير ذلك، فإن كانت للتَّعدية فلا يجوز، وإلاَّ جاز، وهو رأي ابن عصفور (٥). وظاهر هذا النظم القولُ الثاني، وهو الراجح سماعاً وقياساً. أما السَّماع فقد نَصُّوا على أنه شاذٌ ولم يَكْثر. وفي رواية الزجَّاج في ((الكتاب)) النصُّ على القلة، ففيها ((وبناؤُه أبدأ من فَعَل وفَعِل وفَعُل، وهو في (أَفْعَلَ) قليلٌ جدا (٦))). (وفي النسخة الشَّرقية ((وبناؤه أبداً من: فَعَل وفَعِل وفَعُل وأَفْعَلَ، وهو في (أفعل) قليلٌ جدا))) (٧). قال بعض المتأخرين: السَّماع قاطعٌ بأن بناءه من (أَفْعَلَ) ليس على حَدِّ
следующие страницы →