والقيد الثالث أن يكون هذا كله بعد نَفْي، لقوله في المثال: لن تَرىَ في الناسِ من رفيقٍ، لأن المعنى المقصود إنَّما يحصل بذلك. وأيضاً فهو موضع السماع كما مَرَّ في الأمثلة.
فأمَّا لو قلتَ: رأيتُ في الناس صديقاً أبغضَ إليه الشرُّ منه إلى زيدٍ، لم يصح؛ إذ لا يُعاقبه الفعلُ هنا، فلا يصح أن يقال في معنى ذلك: رأيتُ صديقاً يُبْغض الشرَّ كزيدٍ، إذ ليس في ذلك المعنى. وقد تقدم أنه إنما رَفع الظاهرَ هنا لشبَهه باسم الفاعل، ومعاقبتِه إيَّاهُ من جهة المعنى.
ويجري مَجرى النفَّيْ ما في معناه، وذلك (الاستفهام، والنهيُ) نحو: هل رأيتَ في الناس من رفيقٍ أَوْلَى به الفضلُ من الصدِّيقِ؟ وكذلك: لا تَرَ في الناسِ من رفيقٍ أوْلَى به الفضلُ من الصدَّيق؛ لأن النهي نفيُ مطلوبٍ، والاستفهامُ يقع بمعنى النَّفي، (وكذلك تقع بعده (مِنْ) الاستغراقية نحو ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غيرُ اللهِ﴾ (١).
وقد تقدم إجراؤه للاستفهام مَجرى النفي) (٢) في مواضع، فكذلك يكون الحكم هنا مع القول بإعمال القياس.
واعلم أن قوله: ((فكثيراً ثَبَتَا)) ليس فيه ما يدل على أنه قياس، وكأنَّه- والله أعلم- قَصد ذلك، وإلاَّ فكان يمكنه أن يقول: فقِيَاساً ثَبَتَا، أو ما يُعطي ذلك المعنى، فالظاهر أنه تردَّد في الحكم بالقياس، وذلك أن السيرافي (٣) عَلَّل رفع الظاهر بما يقتضي الاضطرارَ إلى ذلك، وأنه ضعيفُ على خلاف
стр. 2592
القياس، فذكر أنه إنما خالف حكم هذه المسائل الحكمَ في ((خيرٍ منه أبوه)) لمفارقتها إياه من جهة اللفظ والمعنى.
أما/ المعنى فإن (مِنْ) في: ((خيرٍ منه أبوه)) واقعةٌ على المفضول، وما بعده هو ... ٥٨١ الفاضل، فالهاء في ((منه)) للمفضول، و ((أبوه)) هو الفاضل، وهما غَيْران.
بخلاف هذه المسائل، فإنَّ ما وقعت عليه (مِنْ) وهو المفضولُ، هو بعَيْنِه الفاضلُ، فهما شِيء واحد، وإنما افتَرقا بالمحل، وأنك تريد في ((مسألة الكُحْل)) مثلا تفضيلَ الكحِل في عينِ زيدٍ عليه في عين عمروٍ، وليس هنا في الحقيقة غَيْران، فأشبهت (أفعلُ) هنا اسمَ الفاعل بهذا القدر، إذ لا يجيء اسم الفاعل طالباً شيئين طلبَ (أَفْعَل).
هذا مع أن (الأَبَ) في ((خيرٍ منه أبوه)) لا عملَ له ولا صُنْع، وللكُحْل عملٌ وعلاج يُرى أثره فأشبه اسمَ الفاعل.
وأمَّا اللفظُ فما ذُكر من لزوم الفصل بين (أَفْعَل) وما في صلته، بخلاف ((خير منه أبوه)).
قال: فضُمَّت الضرورةُ إلى رفع الظاهر هنا، بخلاف ((خيرٍ منه ابوه)).
ورَدَّ ابن خروف هذا وقال الإتباعُ في هذه الصفات ليس بضرورة، لأنه في الكلام كثير، وليس بضعيف. قال: والصفةُ فيه للأول، وإن كانت قد رَفتت غيرَ الأول. قال: ومَن جعله ضرورةً فقد أخطأ (١).
ثم عَلَّل بمعنى ما ذَكره السِّيرافي فكأنه فهم من السيرافي تضعيفَ
стр. 2593
المسألة، فردَّ عليه بكثرة السماع.
وأيضاً فظاهر سيبويه أنه قياس، فهذا-والله أعلم- هو السبب في أَنْ خرج الناظم عن عُهْده المسألة، وأخبر بالسَّماع فيها، إذ كان وجه القياس فيها ضعيفاً.
وإنما عَلَّلوا بما يقتضي أنه خرج عن بابه ضرورةً، لكن صادم كثرةَ السماع في وجهه، والظاهر القياس، وإليه مال في ((التسهيل)) (١).
والنَّزْر: القليلُ التافه، وقد نَزَر يَنْزُر نَزَارَةً. وعاقب الشيءُ الشيءَ، إذا جاء في عَقِبه، ومنه سُمَّيت (المُعَاقَبة) المصطلح عليها (٢)، لأن أحد المتعاقبَيْن إنما يأتي في عَقِب الآخر وبعد ذهابه، ومن حكمهما أَلاَّ يجتمعا.
والصِّدِّيق، مثل القِسَّيس: الدائم التَّصديق. قال الجوهري: ويكون الذي يُصَدق قولَه بالعمل، وكأنه أراد هنا أبا بَكْر الصدِّيقَ ﵁، خليفة رَسولِ الله ﷺ . واسمه عبدالله بن عثمان، وهو ابو قُحافة بن عامر بن عمرو بن كَعْب بن سعد بن تَيْم بن مُرَّة بن لُؤَيّ. يجتمع مع رسول الله ﷺ في مُرَّة. أُمُّه أمُّ الخَيْرِ، واسمها سَلمْى بنت صَخْر بن عامر بن كَعْب بن سعد بن تَيْم. والصدِّيقُ لقبٌ له.
وفي تسميته بالصدِّيق قولان، قيل: لتصديقه بالرسالة على غير تَلَعْثُم ولا توقُّف، رُوي عن عليّ ﵁ أنه قال: قالت قريش: كَذَب محمد، وقال أبو بكر: صَدَق محمد، فسمَّاه الله صِدِّيقاً، قال: ﴿والَّذِي جَاءَ بالصَّدْقِ
стр. 2594
وصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ (١)، فالذي جاء بالصدق محمدٌ، وصَدَّق به أبو بكر.
ورُوي عن ابن المبارك (٢) أنه سمى صِدِّيقا لانه لم يَكذب قط.
وهو كان رفيقَ رسوله صلى اللها عليه وسلم في الهجرة، وصاحَبه في الغار، وفيهما نزلت الآية ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ (٣). الآية، فلأجل هذا لا رفيقَ لرسول الله ﷺ أفضلُ منه.
تُوفي/ لثمان بَقِينَ من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، ﵁. ٥٨٢
стр. 2595
النعت
لما تكلم الناظم ﵀ على أحكام المرفوعات واستوفاها، ثم على أحكام المنصوبات، ثم على أحكام المجرورات، وذلك [بحسب العوامل المتصرِّفة أولا، ثم] (١)، بحسب العوامل غير المتصرفة ثانيا، أخذ الآن يتكلم في أحكام التوابع لتلك المعمولات، وأتى أولا بحكم عام يشمل التوابع كلها، ويعرَّف بمعنى التابع واسمِه فقال:
يَتْبَعُ في الإعْرابِ الاسْمَاءَ الأُوَلْ
نَعْتٌ وتَوْكيدٌ وعَطْفٌ وبَدَلْ
يعني أن هذه الأنواع الأربعة المذكورة، وهي النعت والعطف والتوكيد والبدل، حكمها أن تَتبْع الأسماء المذكورة قبلها في الإعراب مطلقاً من غير تقييد.
وهذه القاعدة تشمل حكمين عامَّينْ لجميع التوابع، ومن أجلهما سُمِّيت توابع.
أحدهما لزوم التَّبَعية في الإعراب، فالأنواع الأربعة غير خارجة عن هذا الحكم، فتقول في النعت: مررتُ بزيدٍ العاقلِ، وفي التوكيد: مررتُ بزيدٍ نفسهِ وفي العطف: مررتُ بأبي عبدِ الله زيدٍ وأخيه، وفي البدل: مررتُ بزيدٍ أخيك. وكذلك في النصب والرفع.
فهذه التَبعَية التي هي في الإعراب شاملة لجميعها.
стр. 2596
ولها تَبَعيَّةٌ أخرى لكنها غير شاملة، فإن النعت تابع في التعريف والتنكير، بخلاف غيره. والتوكيد تابع للمعرفة خاصة على الأمر العام بخلاف غيره.
والمعطوف تابع للمعطوف عليه بواسطة حرف التَّشريك، بخلاف غيره.
والبدل غيرُ لازمٍ فيه ذلك كلُّه، بل يَتبع النكرة وهو معرفة وبالعكس، ولا يكون فيه حرف، فإذاً قد صار كل نوع منها مختصاً بتعبيَّة أخرى.
والحكم الثاني لزومُ كَوْنِ هذه الأنواع مذكورةً بعد الأسماء الأُوَل، لأنه قَيَّد المتبوعات بكونها الأَول في الذِّكر، فلابد أن تكون التوابع ثوانيَ عنها في الذِّكر، فلا يتقدم إذاً التابعُ على المتبوع، كما لا يختلفان في الإعراب، وإذا كان الحكم هذا فلا يجوز إذاً أن تقول: مررتُ بالعاقِل زيدٍ، و ((زَيْد)) هو المتبوع، بل يصير حكمُ (زَيْد) آخرَ، وهو أن يكون بدلاً أو عطفَ بيان. ((والعاقِل)) صفةٌ على أصلها، قائمةُ مقامَ موصوف متقدَّم، حُذف للعلم به، لا صفةُ لـ (زيْد) المتأخِّر.
ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿إلىَ صراطِ الْعَزيزْ الحَميدِ، اللَّه﴾ (١)، على قراءة الخفض، وهي لغير نافع وابن عامر (٢).
وكذلك العطفُ لا يجوز تقديمُ المعطوف على المعطوف عليه إلا في ضرورة شِعْر، كقول الشاعر ويُنسب للأحوص (٣):
стр. 2597
أَلاَ يا نخْلَةً مِنْ ذَاتِ عرْقٍ
عَلَيْكِ ورَحْمَةُ اللهِ السَّلامُ
إذا لم تُجعل ((ورحمةُ الله)) معطوفاً على الضمير في ((عَلَيْكِ)) وقولِ ذي الرُّمَّة، أنشده سيبويه (١):
كَأَنَّا على أَوْلاَدِ خَطْبَاءَ لاَحَهَا
ورَمْىُ السَّفَا أنْفَاسَهَا بِسَهَامِ
جَنُوبٌ ذَوَتْ عَنْها التَّنَاهِي وأَنْزَلَتْ
/ بها يومَ ذَبَّابِ السَّبِيبِ صِيَامِ ٥٨٣
أراد في الأول: عليكِ السلامُ ورحمةُ اللهِ، وفي الثاني: لاَحَها جَنُوبُ وَرْمُى السَّفَا.
وقول الناظم: ((يَتْبَعُ في الإعْرابِ)) ولم يَخُصَّ وجهاً من وجوه الإعراب- إنما أطلقه استظهاراً على النحو: علمتُ زيداً قائماً، ورأيتُ
стр. 2598
زيداً راكباً، وما أشبهه، فإنها، وإن كانت تابعة لما قبلها في الإعراب الحاصل فيها، لم يَحْصُلْ فيها التَّبَعيَّة المطلقة، فإن هذه الأمثلة، أعني (قائماً، وراكباً) وسواهما من ثَوَانِي المفعولات لا تَتْبع في غير ذلك الإعراب الخاص، ألا ترى أنك إذا قلت: عُلِم زيدٌ قائماً، ورُئِيَ زيدٌ راكباً، انحرمت التَّبَعيَّة، فدل على أنها في الحقيقة ليست بتَبَعِيَّة، وإنما كانت موافقةً في الإعراب اتَّفَاقِيَّة، فإنَّما يريد بقوله: ((في الإعْرابٍ)) العمومَ في وجوهه كلها. وذكر أنواعاً أربعة، وهي في الحقيقة خمسة، يُزاد عليها عطفُ البيان، وقد كره وبَوَّب عليه اجتراء بلفظ ((عَطْفٌ)) لأن العطف على وجهين، عطفُ بيان، وعطفُ نَسَق، والعطف يقال عليهما باشتراكٍ لا بتَوَاطُؤٍ (١)، إذ لم يشتركا في معنى كُلِّي إلا في المعنى الذي اشتركت فيه التوابعُ كلها، فكان الأَوْلَى أَلاَّ يأتي لهما بلفظ واحد، لكن ذلك قريب، والخَطْب فيه يسير.
وقد يَرِد عليه أن كلامه يقتضي أن التوابع مختصة بالأسماء، إذ حَكَم أن التوابع تتْبع الأسماء الأُوَل، فكأنه عنده حكمٌ ثالث مضافٌ إلى الحكمين المذكورين قبل هذا، وإلاَّ فما الفائدة في ذكر الأسماء هنا؟
وإذا كان ظاهر كلامه أنه حكم ثالث لازم انْتَقض عليه بأن العطف يكون في الأسماء والأفعال، وقدَ نَصَّ على ذلك في باب ((العطف)) إذ قال: ((وعَطْفُكَ الفِعْلَ على الفِعْل يَصحْ)).
والبدل أيضاً يكون في الفعل كما يكون في الاسم، كقولك: إن تُكْرِمْنيِ تُحْسِنْ إلىَّ أشكرْك. ومن قوله تعالى: ﴿ومَنْ يَفْعلْ ذَلِكَ أَثَاماً * يُضَاعَفْ لَهُ
стр. 2599
العَذَابُ يومَ القِيَامَة وَيخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً﴾ (١). وفي هذا أيضاً شاهدُ عطفِ الفعل (على الفعل) (٢).
وكذلك التوكيدُ يكون في الاسم والفعل والحرف والجملة، وذلك قِسْمُ الَّلفْظي.
وإنَّما يخلو من هذا النعتُ وعطفُ البيان، فلا يكونان إلا في الاسم.
وقد نَصَّ الناظم على البدل في الفعل بقوله: ((ويُبْدلُ الفِعْلُ من الفِعْل)) البيتين (٣)، وكذلك بَيَّن في التوكيد اللفظي (٤)، فأشكل قولهُ هنا ((الأسماءَ الأُوَلْ)).
والجواب أن كلامه لا يقتضي اختصاصَ التوابع بالأسماء، لأن ذلك إنما هو بمفهوم الَّلقَب المرفوض عند أهل الأصول (٥)، فذكرُه الأسماءَ ليس له مفهومٌ ولا مُقْتَضى غيرُ ما يدلُّ عليه صريُح لفظه، فلا تَنْتَفى التَّبَعيَّةُ عن الفعل وغيرِه بذلك، بل يبقى مسكوناً عنه، حتى إذا شَرع في كل واحد من التوابع على التفصيل بَيَّن ما يَحتاج إليه من ذلك بعد ذكر التَّبعيَّة للأسماء التي جَعلها ... أصلاً/ وإنَّما المفهومُ الصحيح ما اقتضاه ... ٥٨٤
стр. 2600
قولهُ: ((الأُوَلَ)) لأنه صفة، ومفهومُ الصفةِ معمولٌ به (١)، معلومُ الصحة عند المحقِّقين من أهل الأصول واللغة، فلا إشكال على هذا.
ثم لما بَيَّن الحكمَ الجُمْلي العام للتوابع أخذ يتكلم في تفاصيلها نوعاً نوعاً، وبدأ بالنعت فقال:
فالنَعْتٌ تَابعٌ مُتِمٌّ ما سَبَقْ
بوَسْمِهِ أو وَسْمِ مِا بِهِ اعْتَلَقْ
وهذا تعريفٌ بالنعت الرَّسْمي، وتمييزُه عن الأنواع الأُخَر.
فقوله: ((تابعٌ)) هو الجنس الأقرب للتوابع، ومعنى التَّبَعِيَّة فيه هو المذكور أولا.
وقوله: ((مُتِمٌّ ما سَبَقْ)) يعني أنه يُتم معنى الأسم السابق بالنِّسْبة إلى فهم لا بالنسبة إلى نفس الاسم، لأن الاسم في نفسه تامُّ الدلالة على معناه وَضْعاً، وإنما التفاوتُ في تمام الدلالة وعدمِ ذلك بالنسبة إلى فهم السامع، فقد يكون الاسم السابق بالنسبة إليه تامَّ الدلالة، أي معروفاً عنده، وقد يكون ناقص الدلالة، أي مبهَماً عنده.
فإذا قلت: مررتُ بزيدٍ، فإن كان ((زيدٌ)) معروفاً عند السامع فقد تَمَّ، وإن كان غيرَ معروف عنده فهو ناقص حتى تقولك الخياطِ، أو النجارِ، أو القرشيِّ، فَيِتَمَّ ذلك عند السامع، وقد يحتاج إلى أكثر من نعت واحد، وحينئذِ يتم.
стр. 2601
وقد نَصَّ سيبويه على هذا المعنى، وأن ((زيداً)) عند مَنْ يعرفه كزيدٍ الأحمرِ عند من لا يعرفه (١). فهذا معنى قوله: ((مُتِمٌّ ما سَبَقَ)).
ولما كان هذا غير كافٍ في التعريف، إذ قد يدخل عليه فيه البدلُ وعطفُ البيان إذا قلت: قام زيدٌ ابو عبدِ الله، وقام عبدُ الله زيدٌ، فإن البدل مثلُ النعت، فإنه يُبَيَّن ما قبله ويوضَّحه ويُتِمُّه، وكذلك عطفُ البيانِ- أخرجهما بقوله: ((بوَسْمِهِ أو وَسْم مِا به اعَتَلقَ)) وهذا المجرور بـ (مُتِمُّ) اي يُتِمُّه بهذا الوجه من الإتمام، وهو وَسْمه بِسِمةَ يُعرف بها.
والوَسْم هنا مصدر: وَسَمْتُه، أَسِمُهُ، وَسْماً، أي جعلتُ عليه علامةً يعرف بها.
والسِّمة التي يوُسم بها المعنى الذي يعطيه الاسمُ المشتق ونحوهُ، فإنك إذا قلت: مررتُ بزيدٍ الخَيَّاطِ أو العاقِل، فقد أتممتَ دلالة لفظ ((زيد)) على مدلوله بالإتيان بمعنى الخياطة أو العقل المفهومَيْن من لفظ (الخَيَّاط، والعَاقِل).
فخرج بذلك البدلُ وعطفُ البيان، فإن تبيينهما للأول ليس على هذا الحد، ولكن بالإتيان بلفظ مرادِف للأول أَبْيَنَ منه، لأنك وسَمت الأول بسمة عُرف بها مدلوله، وتَخَصَّص بها فافترقا.
стр. 2602
وحصل أن الاسم الجامد إذا وقع تابعاً فليس بداخل تحت حَدِّ النعت أصلا، لأنه ليس بوَسْمٍ للأول، ولا لما اعْتَلق به، وإنما يدخل تحته المشتقُّ وما في معناه على حسب ما يذكره بعد في قوله: ((وانْعَتْ بُمشْتَقٍ)).
ومعنى قوله: ((بوَسْمِه)) أي بوسم الاسم الأول، فالضمير في ((بوَسْمِه)) عائد على/ قوله: ٥٨٥ ((ما سَبَقَ)) وكذلك في ((ما بِه اعْتَلَقَ)).
والذي اعْتَلق بالأول هو ما كان من سَبَبه (فالذي للأول نحو: مررت برجل كريم، وبزيد العاقل. والذي من سببه) (١). نحو: مررتُ بزيدٍ الفاضلِ أبوه، وبرجلٍ كريمٍ أخوه.
فالوَسْم هنا إنما للأب والأخ اللذين هما من سَبَب الأوَّل لا للأول. وإنما ساغ ذلك، وحصل به التعريف، لأن ما كان من سبب الأول، وله به تعلُّقٌ وملابسةٌ إذا وُسِم فكأنه قد وُسم الأول، فيحصل بذلك بيان الأول.
والأوصاف التي يحصل بها هذا المعنى أربعة:
(حِلىً) وهي الصفات الظاهرة، نحو: الطويل، والقصير، والقليل، والكثير.
و(غرائز) وهي الصفات الباطنة، نحو: العالم، والجاهل، والشَّرِيف، والخامل.
و(أفعال) نحو: الخَيَّاط، والتاجر، والقاضي، والفاجر.
стр. 2603
و (نَسَبٌ) كالقرشيِّ، والهاشميِّ، ونحو ذلك.
واعْتَلق بالشيء، وتعلَّق به بمعنى.
وهذا الحد الذي حَدَّ به النعتَ هو معنى ما حَدَّ به غيرُه من قوله: ((هو الاسم الجاري على ما قبله لإفادة وصفٍ فيه أو فيما هو من سَبَبه)) وفي هذا التعريف (١) نظر من أوجه:
أحدها أن البدل وعطف البيان داخلان عليه، ولا يُنْجيه من ذلك قوله: ((بوَسْمِه)) لأن الوَسْم كما يقع بالصفة المشتقة المؤدِّية لمعنى من المعاني الزائدة على الموصوف كذلك يقع بالاسم الجامد الذي يؤدِّي معنى الأول ويُبَيِّنه، لأن الاسم على الإطلاق سِمَة على مُسَمَّاه، وإطلاقُه على مسمَّاه وَسْمٌ له به، فلا يُنَجِّى قولُه: ((بوَسْمه)) عن وُروُد ما ليس بنعت في حَدِّه. نَعَمْ الذي لا يَحتمل دخول البدل وغيره عليه هو قوله: ((أوَ وَسْمِ ما به اعْتَلَق)) لأنه لا يصح وسُم ما بالأول اعْتَلَق إلا وهو مشتق (٢).
والثاني أن هذا التعريف لا يصدق إلا على (نَعْت البيان) خاصة، لأنه هو الذي أَتَمَّ الفائدةَ بالنسبة إلى السمع.
ونعتُ البيان هو المسوقُ لتخصيص نكرة نحو: مرتتُ برجلٍ نَجَّارٍ، فإنك خَصَّصْتَه بـ (النجار) من الفَلاَّح (٣)، والعاقل، والأحمق، وغيرهم ممن ليس بنجَّار.
стр. 2604
أو لرفع اشتراكٍ عارضٍ في معرفة نحو: زيدٌ العاقلُ، فإنك أخرجتَ زيدا بـ (العاقل) من سائر من عُرف بهذا الاسم وليس بعاقل.
زاد المؤلف: أو لتَعْمِيمٍ، نحو: إن الله رَزَّاقٌ لعباده المُطِيعين والعَاصِين.
أو لتفصيلٍ، نحو: مررتُ برجلين مسلمٍ وكافرٍ.
فهذا النوع من النعوت هو الذي تناوله التعريف، وبقى من أنواع النعوت أربعة:
نعت المَدْح نحو: ﴿الْحمْد لِلّهِ رَبِّ العَالَمِين * الرَّحْمنِ الرَّحِيم * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾.
ونعت الذم نحو: أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرَّجيمِ.
ونعت الترحُّم نحو: مررتُ بزيدٍ المسكينِ البائسِ الفقيرِ.
ونعت التوكيد نحو: مررتُ بغلامَيْن اثْنَيْنِ، وبرجلٍ واحدٍ.
زاد المؤلف خامسا وهو نعت الإبهام نحو: مررتُ بصدقةٍ قليلةٍ أو كثيرةٍ.
فهذه أنواعٌ لابُدَّ من إدخالها في النعوت، وهي لم تدخل له، فكان ذلك خَلَلاً في تعريفه.
/ والثالث أن النعت القائم مَقام المنعوت (١) غير جُارٍ على منعوتٍ سَبَق، مع أنه ... ٥٨٦ نعت بلاشَكَّ، فخرج عن حَدِّه، فاقتضى أنه ليس بنعت.
стр. 2605
وليس كذلك.
والجواب عن الأول أن مراده بالوَسْم- كما تقدَّم- المصدرُ، أي بأن تَسِم الاسَم الأولَ وأنت إذا أجريت الاسم الجامد على الأول إنَّما أتيتَ باسمٍ آخر أوضح، لا أَنَّك وسمتَ الأولَ بما يُعرف به، فلم يَصْدُق من هذا الوجه على عطف البيان أنه وسُم به الأولُ، وجُعل عليه علامة، وإنما يَصْدُق عليه أنك أتيتَ باسم آخر أعرفَ من الأول ليتضح معناه عند السامع، لا لقصدِ أن يتضح به الأول فافترقا.
والجواب عن الثاني من وجهين، أحدهما أن نعت البيان هو الأصل، وإنما وُضع لهذا القصد، أعني إيضاح الأول، إذ المدح أو الذم أو غيرهما أمرٌ ثانٍ عن معرفة ذلك. وإذا كان كذلك فغيرُ نعتِ البيان محمولٌ عليه، فيكون الناظم قد عرَّف بالنعت الأصيل، وتَرك ما عداه، لأنه فرع وتابع.
والثاني، وهو الأَوْلَى، أن ما عدا نعتَ البيان مثلُ نعت البيان في كَونْه مُتِماً ما سبق، لكن بحسب القصْد، وذلك أن القائل: مررتُ بزيدٍ الفاضلِ الكريم، أو القائل: مررتُ بزيدٍ الفاسقِ الخبيثِ، أو المسكينِ الفقيرِ أو نحو ذلك، إنَّما قصدُه التعريفُ بزيد، من حيث احتوى على خِلاَلٍ وأوصافٍ يُمدح بها أو يُذم.
فالاسم الأول قد تَضَمَّنها من حيث العَلَمِيةِ، لكن بقى تقريرُها على السامع حتى يعرفَ صاحبَها معرفةً أخرى أتمَّ من تلك المعرفة المتقدِّمة له، فإذاً المادحُ أو الذامُّ أو غيرهما قاصدٌ للتعريف بزيد تعريفاً لم يَتِم بحسب السامع قبل النعت، وإن كان يَعرف عينه. فلم تَخرج نعوتُ المدحِ والذم والترحُّم عن كونها تُتِمُّ ما سبق.
وأما نعت التوكيد ففيه أيضاً إتمامُ ما للأول. نَصَّ عليه أهل المعاني
_________
стр. 2606
والبيان، وكذلك نعت الإبهام، فتأمَّلْه.
والجواب عن الثالث أن النعت له جَرَيانٌ على المنعوت إذا كان محذوفا، كجريانه إذا كان ثابتا، لأنه في حكم الملفوظ به.
وأيضا الحذفُ على خلاف الأصل فلم يُعْتَدَّ به.
ووجهٌ ثالث، وهو أن النعت إذا أُقيم مُقام المنعوت فهو مباشرٌ للفعل، ومطلوبٌ له، فليس إذ ذاك معرَباً نعتاً، بل فاعلاً أو مفعولاً أو مضافاً. والتقديرُ أمرٌ آخرُ وراء ذلك.
و((ما)) في قوله: ((ما سبق)) مفعول ((مُتِمٌّ)) و ((ما)) في ((ما بِهِ اعْتَلَقَ)) مخفوضةُ اللفظ بإضافة ((وَسْمِ)) إليها، ومنصوبةُ الموضع بـ ((وَسْمِ)) لأنه مصدر مقدَّر بأَنْ والفعل. والضمير في ((اعْتَلَقَ)) عائد ((ما))
وَلْيعْطَ في التَّعْرِيفِ والتَّنكيرِ مَا
لِمَا تَلا كامْرُرْ بقَوْمٍ كُرَمَا
وَهْوَ لَدىَ التَّوْحِيدِ والتَّذْكيرِ أَوْ
سِوَاهُما كالفِعْلِ فَاقْفُ ما قَفَوْا
/ يعني أن النعت يُعْطَى من التعريف والتنكير مثلَ ما يُعطاه المنعوتُ، فلابد أن ... ٥٨٧ يماثله ويَتْبَعه في ذلك كما يَتْبَعه في الإعراب.
هذا الحكم فيه لازمٌ، سواء أكان النعت حقيقياً أو سببياً، فتقول: مررتُ برجلٍ عاقلٍ، وبزيدٍ العاقل. ولا يجوز أن تقول: مررتُ برجلٍ العاقلِ، ولا بزيدٍ عاقلٍ، و ((زيدٌ)) باقٍ على عَلًمِيَّته، ولا: بأبيكَ عاقلٍ.
وكذلك تقول: مررتُ برجلٍ عاقلٍ ابوه، ومررتُ بأخيكَ العاقلِ ابوه. الحكمُ واحدٌ.
_________
стр. 2607
فإن جاء مُوهِمُ خلافَ ذلك أُوِّل، كقولهم: ما يَحْسُنُ بالرجلِ خيرٍ منك أَنْ يفعلَ، إذ الرجلُ في معنى النكرة وإن تَحَلَّى بالألف واللام، ولذلك يُنعت بالجملة كما سَيُنَبِّه عليه.
وإنما لم تُنعت النكرةُ بالمعرفة، ولا المعرفةُ بالنكرة من جهة أن النعت والمنعوت في المعنى كالشِيء الواحد، والشِيء الواحد لا يكون معرفةً نكرةً في حال.
وإلى هذا المعنى أشار سيبويه بقوله: زيدٌ الأحمرُ عند من لا يعرفه كزيدٍ عند من يعرفه (١). يريد: أن زيداً الأحمرَ عند من لا يعرفه وحده بمنزلة زيد وحده عند من يعرفه. وهذا ظاهر.
وقال الفارسيُّ: إنما لم تُنعت المعرفة بالنكرة، ولا النكرة بالمعرفة، من حيث لم يُنعت الواحدُ بالجمع، ولا الجمعُ بالواحد، لأن النكرة تشبه الجمعَ من حيث الشِّيَاع، والمعرفة تشبه الواحد من حيث الاختصاص (٢). وعَلَّل بعضهم ذلك بأن المعرفة إنما تُنعت بالنكرة لأن نعت المعرفة إنَّما وَضْعُه لرفع الاشتراك العارض فيها، والنكرةُ لا تَرفع الاشتراك عن نفسها، فكيف ترفعه عن غيرها!
ولم يكن العكسُ، لأن حق المعرفة التقدُّمُ على النكرة، وحَقَّ النعت التأخُّرُ عن المنعوت، فهما متدافعان.
ثم أتى بمثال لهذه المسألة، وهو قوله: امْرُرْ بقومٍ كُرَمَا.
стр. 2608
وتخصيص هذا المثال مُشْعِر بقَصْدٍ صِنَاعي يَقصده أهلُ الحِذْق، وذلك أنه أتى بالنعت والمنعوت مخفوضين، ولم يأت بهما منصوبين ولا مرفوعين، لأن ذلك هو المُعَيِّنُ للمثال في النعت، إذ كان الإتيان بهما منصوبين أو مرفوعين غيرَ مُعَيِّن لذلك، إذ يمكن في النصب أن يكون النعت على إضمار فعل فلا يتعين كونُه نعتا، وفي الرفع يمكن أن يكون خبرَ مبتدأ، فلا يتعيَّن كذلك.
وأما الجرُّ فلا يمكن فيه إلا الجَريانُ والتَّبَعِيَّةُ خاصة.
وأصل هذا النحو لسيبويه، لأنه لما بَوَّبَ على الجر أتبعه بأبواب التوابع، ولم يذكرها مع المرفوعات ولا المنصوبات. وتَأَمَّلْ محافظتَه على ذلك في الشواهد على المسائل وفي المُثْل، وذلك مطردٌ في كلامه على جميع التوابع.
وإنما يأتي بمُثُل الرفع والنصب حيث يكون القطع على إضمار، فلعلَّ الناظم نَحَا هذا النَّحو في تَخصيص هذا المثال. والله أعلم.
ثم قال: ((وهُوَ لَدَى التَّوْحِيِد والتَّذْكِيرِ أَوْ سِوَاهُمَا كالْفِعْلِ)).
يعني أن النعت في باب التوحيد والتذكير، وغيرهما من التثنية والجمع/ والتأنيث حكمُه ٥٨٨ أَلاَّ يجري على حُكْم ما لو كان في موضعه فِعْلٌ، فحيث صَحَّ إفرادُ الفعل أفُرد النعت، وحيث صح أن يُثنى الفعل لو وقع في موضعه ثُنِّىَ النعت، وحيث صَحَّ جمعه أو تأنيثه فكذلك.
فإن كان حقيقياً ثُنِّىَ وجُمع وأُنِّث لأن الفعل كذلك يكون، إذ هو رافعٌ لضمير الأول، وإن كان سببياً لم يَطَّرد فيه بإطلاق، لأن النعت
_________
стр. 2609
السَّبَبي هو الرافع للظاهر، وإذا رَفع الظاهر جرى مجرى الفعل، فيُفْرَد، في اللغة المشهورة، وإن كان المنعوت مثنى أو مجموعاً إذا كان المرفوعُ بالنعت مفرداً أو مثنى أو مجموعا.
ويذكَّر النعت أيضاً إذا كان مرفوعه مذكَّراً وإن كان منعوته مؤنثاً.
وبالجملة لا يُعتبر المنعوتُ في هذه الأشياء المذكورة، وهي الإفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث إذا كان النعت سَبَبِياً، وإنما يُعتبر ما أُسند النعت إليه من الأسماء الظاهرة، بخلاف الحقيقي، فإن المنعوت هو المعتبر حَسْبِ ما تقدَّم في ((باب الفاعل)) (١) وكذلك يجري الحكم على لغة ((يَتَعَاقَبُوَنَ فِيكُمْ مَلائِكَةً)) (٢).
فتقول: مررتُ برجلٍ قائمٍ، وبرجلين قائميْنِ، وبرجالٍ قائِمينَ، وبامرأةٍ قائمةٍ، وبامرأتْينِ قائمتْينِ، وبنساءٍ قائماتٍ.
كما تقول: مررتُ برجلٍ يَقُومُ، وبرجلين يقومان، وبرجالٍ يقومون، وبامرأةٍ تقوم، وبامرأتين تقومان، وبنساء يَقُمْنَ، فتثنى النعت وتجمعه وتؤنثه، كما تفعل بالفعل.
وتقول: مررتُ برجلٍ قائمٍ ابوه، وبرجل قائمٍ أبواه، وبرجل قائمٍ آباؤه، كما تقول: مررت برجلٍ يقوم أبوه، ويقوم أبَواه، ويقوم آباؤه. فلا يُظن في مثل هذا أنه جرى على ما قبله، وإنما جرى على الفعل.
وتقول: مررتُ برجلَيْن قائمٍ ابوهما، ومررت برجلَيْن قائمٍ أبواهما،
стр. 2610
وبرجلَيْن قائمٍ آباؤُهما.
(وعلى لغة ((يَتَعاقَبُونَ فيكم ملائكةٌ)) مررتُ برجلَيْن قَائِميْن أبواهما، وقَائِمينَ آباؤُهما (١)) وتقول: مررتُ برجلٍ قائمةٍ أختُه، وقائمةٍ أختاه. وعلى تلك اللغة: قائمتَيْنِ أختاه. وبرجلين قائمةٍ أختُهما، وقائمة أختاهما. وعلى تلك اللغة: قائمَتَيْن أختاهما. وبرجال قائمة أختُهم، وقائمة أختاهم، وقائمة أَخَوَاتُهم. وفي اللغة الأخرى: قائمتَيْن أُخْتَاهم، وقائمات أَخَوَاتُهم.
وهكذا في جميع التصرفات الباقية، لأن الفعل لو خَلَف النعتَ في هذه المُثُل لكان على وِزَانهما في الإفراد والتثنية والجمع، والتذكير والتأنيث.
فضابط الناظم ذلك بالفعل حَسَنٌ، لكن يرد عليه ههنا أنك تقول في اللغة المشهورة: مررتُ برجلٍ قِيَامٍ إخوانُه، وهو أجود من قولك: قائمٍ إخوانُه، ولا تقول إذا خَلَفَ الفعلُ إلاَّ: مررتُ برجلٍ يقومُ إخوانُه، وتترك جمع الفعل، بخلاف ما إذا جمعتَ لنعتَ جمعَ السَّلامة، فإنه لا يجوز في اللغة المشهورة، وإنما يجوز في لغة ((يَتَعَاقَبُونَ فيكُمْ مَلائكةٌ)) فإطلاق الناظم يُشعر بأن جمع النعت جمعَ التكسير يجري على حكم الفعل، وليس كذلك.
وقد يُعْتَذر عنه/ بأنه لما لم يذكر حكمَ الصفة في هذا في باب (الفاعل) ولا في ... ٥٨٩ باب (الصفة) ولا تَعرَّض هنالك لهذا الحكم فيها، وكان حقه أن يذكره بَنَى على طَرْح المسألة جملة.
стр. 2611
والضمير في قوله: ((وَلْيعُطَ)) عائد على النعت. و ((في التَّعْرِيف)) متعلق بالفعل، أو باسم فاعل حالٍ من الضمير على حذف المضاف. والتقدير: ولْيُعْطَ للنعت حالة كونه معتبراً أو مذكورا، أو مستِقرا في باب التعريف والتنكير.
و((ما)) الأولى في قوله: ((مَا لِمَا تَلاَ)) واقعة على الحكم، أو على التعريف أو التنكير، وهي في موضع نصبٍ بـ (يُعْطَ).
والثانية واقعة على الاسم السابق، وهو المنعوت. والعائد على الأولى الضمير الذي في المجرور، وعلى الثانية محذوف.
والضمير المستتر في ((تَلاَ)) عائد على النعت. والتقدير: ولْيُعْطَ النعتُ في باب كذا الحكمَ الذي استقرَّ للمنعوت الذي تلاه النعت.
والضمير ((وهُوَ لَدَى التَّوْحِيدِ)) عائد على النعت. و ((هو)) مبتدأٌ خبرهُ ((كالفِعْلِ)).
وقوله: ((فَاقْفُ ما قَفَوْا)) معناه: اتَّبِعْ ما اتَّبَعُوا، يعني العربَ أو النحويين، تقول: قَفَوْتُ أثرَه، إذا اتَّبَعْتَه ومضيتَ في قَفَاهُ، قَفْواً، وقُفُواً. وقَفَّيْتُ على أثره بفلان، أي أتبعتُه إيَّاه.
ويظهر لبادئ الرأي أن هذا الكلام لا فائدة فيه، لأن النحو كلَّه مبني على أن نَقْفُوَ أثرَ العرب فيه، فما الذي أَحْرَز هنا، وغالبُ عادته ألاَّ يأتي بما ظاهُره أنه حشوٌ إلا تنبيهاً على فائدة أو فوائد؟
فقد يقال: إنه نَبَّه على عارضٍ سماعي عارضَ القياسَ، وهو أن النعت والمنعوت كالشيء الواحد. ومن ثَمَّ لم تُنعت النكرة بمعرفة، ولا عُكِس الأمرُ، فكان الوجه ألاَّ يُنعت المفردُ بالمجموع ولا بالمثنى، ولا المثنى بالمجموع ولا بالمفرد. وكذا ما كان نحو ذلك فكان القياس أن يَجري الحكمُ في النعت الرافع
_________
стр. 2612
لضمير الأول، والرافع للظاهر على حد سواء، لولا أن السَّماع جاء باعتبار مرفوع النعت، ومعاملته معاملة الفعل إذا أُسند إلى الظاهر، من حيث كان مؤدِّياً معناه لاشتقاقه، فكأنه يقول: لا تَعتبر القياسَ إلا حيث لم يعارضه سماع، فإذا عارضه فاتَّبِع السماعَ واترك القياس. وهذه قاعدة أصولية.
أو يقال، وهو الأولى: إنه مجردُ تكملة، كأنه يقول: حكمُه حكم الفعل في باب الإفراد والتذكير وأضدادهما، فاعْتَبِر ذلك هنا، واجْرِ في هذا الباب لدى التوحيد والتذكير أو سواهما على ما جَرَوْا عليه في الفعل لو كان واقعاً موقعَه. وقد تَمَّ الغرض. والله أعلم. ثم قال:
وانْعَتْ بمُشْتَقٍّ كصَعْبٍ وذَرِبْ
وشِبْهِهِ كَذَا وذِي والمُنْتَسِبْ
هذا الفصل يذكر فيه ما يقع من الأسماء نعتاً ومالا يقع، وقد أشعر حَدُّه أول الباب بتعيين ذلك، وهو ما أَدَّى معنىً به يَتَّسم ما سَبَقَ، ولكن هذا تعريف إجمالي، لابد من ذكر أصنافِ ... ما / هو كذلك، فإنه غير منحصِر في المشتق، ولا أيضاً كلُّ مشتق يقع نعتا، فذكر ثلاثة أنواع: ٥٩٠
أحدها المشتق وما جرى مجراه، والثاني الجملة، والثالث المصدر.
فأما النوع الأول فقوله: ((وانْعَتْ بمُشْتَقٍّ كصَعْبٍ وذَرِبٍ. وشِبْهِه)) ومفعول ((انْعَتْ)) محذوف للعلم به، أو اقتصارا، أي انعت الاسمَ السابق. و ((بمُشْتَقٍّ)) نعتٌ أُقيم مُقام منعوته، تقديره: باسمٍ مُشْتَقٍّ.
ويعني أن النعت يكون اسما مشتقاً من المصدر أو الفعل، على
_________
стр. 2613
حسب الخلاف المتقدم (١)، وذلك نحو: قائمٌ وقاعدٌ، من القيام والقعود، ومتكبِّر من التكبُّر، ومنه ما مَثَّل به من قوله: ((كصَعْبٍ وذَرِبٍ))
فصَعْبٌ: صفة مشبَّهة، من: صَعُب الأمر صُعُوبة، ضد: سَهُل، وبعيرٌ صَعْبٌ ضد الذَّلُول.
و(ذَرِبٌ) يحتمل أن يكون بالدال المهملة أو بالذال المعجمة، فإن كان بالمعجمة فهو صفة مشتقة من: ذَرِبَ الشيءُ ذَرَباً وذَرَابَةً، إذا صار حديداً، ولسانٌ ذَرِبٌ، أي حادُّ، وامرأةٌ ذَرِبَةٌ، أي صَخَّابة.
وإن كان بالمهملة فصفة أيضاً مشتقة من: دَرِبَ بالشيء، بكسر العين، دُرْبَةً ودَراَبَةٌ، إذا اعتاده وضَرِىَ به ولزمه.
وهذان المثالان قد يُظَن أنهما لمجرد التمثيل فقط، ولم يُحرز بهما أمراً كما رآه ابن الناظم.
ولقائل أن يقول: بل أحرز بهما أموراً ضروريةً عليه، فلو لم يمثِّل لدخلت عليه، وأَخلَّت بكلامه، وذلك أن (صَعْباً، وذَرِباً) مشتقان للفاعل أو للمفعول أو نحو ذلك فحينئذ يقع نعتاً، وذلك اسمُ الفاعل نحو: قائم، وقاعد، واسم المفعول نحو: مَضْرُوب ومُخْرَج، والصفةُ المشبهةُ باسم الفاعل، وهو مثال الناظم، وأفعلُ التفضيل نحو: مررتُ برجلٍ أكرمَ منك، و ((أَزْهَى من دِيك)) (٢).
فهذه الأشياء كلها مشتقة للفاعل أو للمفعول كما في المثال، فلو كان مشتقاً لغير ذلك لم يصح النعت، كأسماء الزمان، وأسماء المكان، وأسماء الآلات، نحو: مَضْرِب، ومَحْبِس، ومَقْتَل، ومِطْرَقَة، ومِطْرَقَة، ومُكْحُلة، وشبه ذلك. ولابد من
стр. 2614
التحرُّز من مثل هذا.
وأيضاً ففي المثالين وصفٌ ثانٍ معتبَر، وهو كَوْنُ معنى الاشتقاق مقصوداً بالمشتق، لأن القائل: (مررتُ بجَملٍ صَعْبٍ) قاصدٌ لمعنى الصعوبة فيه (١).
وكذلك القائل: (مررتُ برجلٍ ذَرِبٍ) قاصدٌ لمعنى الذُّرْبة أو الذَّرَابة فيه. وكذلك: قائمٌ وقاعدٌ وضاربٌ ومحاربٌ ونحو ذلك.
فلو كان غير مقصود الاشتقاق لم يُنْعَت به، لأنه لم يُقْصَد فيه إلا ما قُصِد في العَلَم من التعريف باسمه فقط.
ومن هذا القسم الأعلامُ الغَلَبِيَّة (٢) كـ (الصدِّيق) لأبي بكر، و (الفَارُوقِ) لعمر ﵄، و (الصَّعِق) لخُوَيلد بن نُفَيل بن عمرو بن كلاب، فلا شك أنها مشتقة من الصِّدْق والفَرْق والصَّعْق، / ولكن غَلب عليها الاستعمالُ حتى صار المفهوم فيه منها ما يُفهم من العَلَم، ... ٥٩١ فلا تقع نعوتاً.
والدليل على ذلك أنك لا تَرفع بها الظاهر، ولا تُحَمِّلها الضمير، فلا تقول: مررتُ بعبد الرحمن الصدِّيقِ أبوه، ولا بعبد الله الفاروقِ أبوه، ولا
стр. 2615
مررتُ بُنفَيْل الصَّعِقِ ابنُه، وهكذا ما جرى هذا المجرى، فقد تُرك معنى الفعل منها، وإن كانت في الأصل مشتقة.
فإذاً المثالان مقصودان، وهما في موضع الصفة لمشتق، كأنه قال: وانْعَتْ بمُشْتَقٍّ شَبِيهٍ بهذَيْنِ.
وقد أَخذ عليه ابنه في ((الشرح)) فقال: المشتق: ما أُخذ من لفظ المصدر للدلالة على معنى مَنْسوب إليه. قال: فلو قال: وانْعَتْ بوصفٍ مثلِ صَعْبٍ وذَرِبٍ -كان أمثلَ، لأن من المشتق أسماء الزمان والمكان والآلة، ولا يُنعت بشيء منها، إنما يُنعت بما كان صفة، وهو ما دَلَّ على حدثٍ وصاحبه، كصَعْب، وذَرِب، وضارب، ومضروب، وأفضل منك، ثم ذكر باقي المسألة، فحاصله أنه عَدَّ الأمثلة حشواً البتَّة (١).
وهذا الاعتراضُ غير لازم، لأن التمثيل يُحرز ما قال. وقد عُرف من مقاصد الناظم الإشارةُ إلى التقييد بالمثال، واعتبارهُ في ضبط القوانين، وهو في كتابه هذا أشهرُ من أن يُدَلَّ عليه، وقد مضت منه مواضع كثيرة جدا، وهو شأنه فيما بقيـ حسب ما تراه إن شاء الله تعالى.
والصواب من هذا كله أن قصده بالتمثيل البيانُ لما هو المشتق، كما بَيَّن ما هو شببهٌ به، وليس تمثيله بضروري، فلو تَرك ذكرَه لم يَدخل له اسمُ المصدر والزمان والمكان والآلة، ولا الأسماء الغالبة (٢)، لأنه قد قال أولاً في النعت: إنه التابُع المُتِمُّ لما سبق بوَسْمه، إلى آخره، فشَرط فيه أن يَسِميه بوَسْم، وذلك هو معنى الوصف حسب ما تقدم، فإذا ذكر المشتقَّ ههنا فإنما يعني به ما فيه ذلك المعنى، فأسماء المصادر والأسماء الغالبة وما ذَكر معهما أو كاتن مثلَ ذلك
стр. 2616
لا يدخل عليه، إذ لا يدلُّ على وَسم، ولا فيه معنى وَسْم، وإنما يَدخل له ما كان مثل: صَعْب، وذَرِب، وقائم، وسائر ما مَثَّل به.
وأيضاً فإن المشتق يطلق بإطلاقين، أحدهما ما دل على معنى الفعل، وجرى مجراه في الاستعمال، فكان دالاً عليه بلفظه ومعناه، وعاملاً عملَه وإن ضَعُف، وهو الذي يُعْنَى في رَسْم ((المركَّبات)) من علم النحو، وهذا الاشتقاق هو الأصغر عند بعض العلماء (١)، فلا يدخل هنا اسم المصدر، والزمان، ولا الاسم الغالب، ولا ما كان من بابها، وهو الذي قصده الناظم جَرْياً على معهود الاصطلاح.
والثاني ما دل على معنى الفعل في الأصل لا في الاستعمال، فليس بعاملٍ عملَ الفعل، ولا جارٍ مجراه، وهو الذي يُعْنَى في رَسْم ((المفردات)) من علم النحو، ويُستدل به على الزيادة والأصالة، والصحة والإعلال بالقلب والحذف والإبدال، كما تقول في (أحمد): إنه مشتقٌّ من الحمد، وفي (رُمَّان): إنه مشتق من الرَّم، ونحو ذلك. ويسميه بعضهم الاشتقاق/ الأكبر (١)، ولم يُرده ٥٩٢ الناظم هنا جرياً على معهود الاصطلاح أيضا. وبه وقع الاعتراض. فإذا كان كذلك لم يبق في كلام الناظم إشكال، والحمد لله.
وأمَّا ما أشبه المشتقَّ وليس بمشتق فهو الذي نَبَّه عليه بقوله: ((وشِبْهِه)) فذكر له أمثلة دالة على ثلاثة أنواع:
أحدها (ذِي) وهو بمعنى (صاحب) فإنه يُنعت به وبفروعه، إذ كانت تؤدِّي معنى المشتق، فتقول مررتُ برجلٍ ذِي مال، وبامرأةٍ ذاتِ جمال،
стр. 2617
وبرجلين ذَوَي مال، وبامرأتين ذواتًيْ جمال، وبنساءٍ أولاتِ جمال، وذواتِ كمال وبرجالٍ أُولِي مالٍ وذَوِي حَسَب. وما أشبه ذلك.
والثاني (ذَا) وهو اسم الإشارة فيصح أن يُنعت به لأنه في معنى المشتق، إذ كان قولك: (مررتُ بزيدٍ هَذَا) معناه: مررتُ بزيدٍ الحاضرِ أو المشارِ إليه.
وكذلك فروعُه نحو: مررتُ بهند هذه هذهِ، وبالزيدَيْنِ هَذْينِ، وبالهنَديْن تَيْنِكَ، وبالزيدِينِ هؤلاء. وكذلك سائر الفروع.
والثالث: المُنْتَسِب، وهو من الأسماء ما فيه معنى النَّسَب، وذلك في الاستعمالات الأربعة:
أحدهما إذا كان بياء النسب نحو: مررتُ برجلٍ قُرشِيٍّ، وبرجل هاشميٍّ، وبامرأةٍ سَلُولِيَّة.
ولا يَدخل هنا (كُرْسِيٌ، وبُخْتِيٌّ، وقُمْرِيٌّ (١)) ونحو ذلك مما ليست الياء فيه للنسب، لأن تلك الأسماء ليست بمنتسِبَة، والناظم إنما قال: ((والمُنْتَسِبْ)) فأتى بـ (مُفْتَعِل) الذي يقتضي اكتسابَ النِّسْبة وعملَها، فلم يحتج إلى الاحتراز من ذلك كما احتاج إليه في (التسهيل) حيث قال: وأسماء النسب المقصود (٢).
والثاني: إذا كان وزن (فَاعِلٍ) نحو: مررتُ برجلٍ نابلٍ، وبرجلٍ ناشبٍ، ولابِنٍ، وتَامِرٍ، ودَارِعٍ (٣). ومنه: حائضٌ، وطاهرٌ، وطامِثٌ (٤)، و (عِيشَةٍ رَاضِيةٍ (٥)).
стр. 2618
والثالث: إذا كان على وزن (فَعَّال) كتَمَّار، وفَكَّاه، وجَمَّال، وصَرَّاف (١). ونحو ذلك.
والرابع: إذا كان على وزن (فَعل) نحو: نَهرٍ، وحرَجٍ، وسَتِهٍ (٢). وذلك كله مذكور في النَّسب، وسيأتي بسطه إن شاء الله.
وإنما ذكرتُ أقسامه ههنا لأنه [غير] (٣) داخل تحت المشتق، مع أن الظاهر من أول الأمر أنه داخل فيه، لأنه غيرُ دال على الفعل، ولا مشتقٌ منه، لأن منها ما ليس له فعل أصلا.
وهذه الأبنية فيه (٤) مُطَّرِدة، ولذلك لم تَلحق التاءُ في (حائض، وطاهر، وطامث) ونحوها. ومن هنا لا يتعدَّى ولا يتعلَّق ولا يتعلَّق به ظرفٌ ولا مجرور ولا غير ذلك. وعلى الجملة فهو راجع إلى الصفة المشبَّهة باسم الفاعل، أو هو أضعف من ذلك.
ولما كانت هذه الأنواع الثلاثة مشبهةٌ بالمشتق من حيث أَعطت من المعنى مثلَ ما يُعطيه المشتق كان ما جرى مجراها داخلاً أيضاً.
فمن ذلك ما كان من الصفات غيرَ مشتق، لأنها ليس لها فعل ولا مصدر نحو (شَمَرْدَل) بمعنى: خفيف سريع/، و (صَمَحْمَح) بمعنى: شَدِيد، أو بمعنى: غَلِيظ، و (جُرْشُع) وهو من ... ٥٩٣ الإبل: العظيم، و (لَوْذَعِيٌّ)
стр. 2619
بمعنى: فَطِنٌ ذَكيٌّ. وما أشبه ذلك.
ومن ذلك ما كان من الموصولات مبدوءاً بألف وصل، و (ذو) الطائية (١) وفروعهما، نحو: الذي، وتثنيتُهما، وجمعهما. وكذلك ذو، وذاتُ وذوات.
وأمَّا ما ليس في أوله ألفُ وصلٍ نحو (مَنْ، ومَا) فلا يوصف بها.
ومنها (رَجْلٌ) إذا أريد به معنى (كامِلٍ) أو أُضِيف بمعنى (صالحٍ) إلى (صِدْقٍ) أو بمعنى (فاسدٍ) إلى (سَوْءٍ) نحو: مررتُ بزيدٍ الرجلِ، أي الكاملِ، ومررتُ برجلٍ رجلِ صِدْقٍ، وبرجلٍ رجلِ سَوْءٍ. وأكثرُ ما يقع كذلك خبراً للمبتدأ.
ومنها (أيٌّ، وكُلٌّ، وحَقٌّ، وجِدٌّ) نحو: مررتُ برجلٍ أيِّ رجلٍ، وبالرجلِ كلِّ الرجلِ، ومررتُ بالرجلِ الرجلِ حَقِّ الرجلِ، وجِدِّ الرجلِ، أي الكامل في ذلك.
وهذه الأنواع كلها يَطَّرِد الوصف بها، وهي داخلة تحت قوله: ((وشِبْهِهِ)) ولم يتعرَّض لكَوْنِ النعت دونَ المنعوت في الاختصاص أو مساوياً، كما تعرض له سيبويه (٢) وغيره، إذ النعتُ عندهم لا يكون أخصَّ من المنعوت، لأن المتكلِّم إنما حَقُّه أن يبدأ بما يكون أعرفَ عند السامع، وأَبْيَنَ في تحصيله. فإن لم يَعْرفه أَتى من المعرفة بما يكون بيانا. وعلى هذا وُضِع النعتُ والمنعوت، وإذا عُكس الأمر فبُدِئ بالأعم كان مناقضاً لمقصود التفهيم. وقد أجاز الفرَّاء أن يُنعت الأعمُّ بالأخص.
стр. 2620
ولعل الناظم ذهب هنا مذهبَ الفراء، إذ هو مذهبه أيضاً في ((التسهيل)) (١) فلم يقل بما قال به الجمهور، وإنما رأى رأيَ الفراء، وحُكِى عن الشَّلوْبِين أنه صَحَّحه.
وحَكى الفراء: مررتُ بالرجلِ أخيكَ، على النعت. وذكر المؤلف من ذلك أمثلة، كغلامٍ يافعٍ ومُراهقٍ، وجاريةٍ عَروبٍ وخَوْد، وماءٍ فُراتٍ وأُجَاجٍ، وتَمْر بَرْنيٍّ وشِهْرِيزٍ (٢)، وأشياء غير هذه. فالظاهر أنه سكت عن ذلك لهذا الوجه. والله أعلم.
ثم ذكر النوع الثاني من أنواع ما يُنِعت به، وهو الجملة، فقال:
ونَعَتُوا بجُمْلَةٍ مُنَكَّرَا
فَأُعْطِيَتْ ما أُعْطِيَتْهُ خبراَ
وامْنَعْ هنا إيقَاعَ ذَاتِ الطَّلبِ
وإنْ أَتتْ فالقَوْلَ أَضْمِر تُصِبِ
يعني أن العرب أجرت الجملَة نعتاً على الاسم السابق، الجملة اسميةً أو فعليةً، لكن شرط في الاسم المنعوت بها شَرْطاً، وشَرط في الجملة نفسِها شرطين.
فأمّا شرط المنعوت فإن يكون نكرة، وذلك قوله: ((مُنَكَّرَا)) أي اسماً منكراً،
стр. 2621
فتقول: مررتُ برجلٍ أبوه قائمٌ، ومررتُ برجلٍ يقومُ أبوه.
والتنكير هنا أعمُّ من أن يكون في اللفظ والمعنى، نحو قوله: ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ (١)﴾ أو في المعنى دون اللفظ، وهو المقرون بالألف واللام الجِنْسية، نحو قوله: ﴿وآيَةٌ/ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ ٥٩٤ مِنْهُ النَّهَارَ (٢)﴾ وقال الشاعر (٣):
لَعَمْرِي لأَنْتَ البَيْتُ أُكْرِمُ أَهْلَهُ
وأَقْعُدُ في أَفْيَائِهِ بالأَصَائِلِ
وإنما لم تُنعت المعرفةُ بالجملة، لأن الجملة إنما تُعطى معنى الاسم المشتق، ولذلك وقعت نعتاً لَمَّا كانت في تأويل المفرد، وليس فيها ما يدل على التعريف، فلا يصح أن يُنعت بها المعرفة.
ثم لما كان النعت في تَتْميمه للمنعوت كالصلة في تَتْميمها للموصول، وكان أيضاً خبراً عن المنعوت في المعنى، كالخبر للمبتدأ- أُعْطى، إذا كان جملةً، من لزوم الضمير الرابط ما أُعْطِى الخبرُ إذا كان جملة، وما أُعطِيت الصلة إذا كانت جملة، فكَمَّل الناظم المقصودَ بقوله: ((فَأُعْطِيَتْ مَا أُعْطِيَتْهُ خَبَرا)).
((ما)) مفعول ثان لـ (أُعْطِيَتْ) وهي واقعة على الأحكام المتعلِّقة بجملة الخبر. وعائدها الهاء في ((أُعْطِيَتْهُ)).
و((خَبَراَ)) حال من مرفوع ((أُعْطِيَتْ)).
ويَعْنى أن الجملة الواقعة نعتاً أُعْطِيت من الحكم مثلَ ما أُعْطِيتَه إذا وقعت
стр. 2622
خبراً للمبتدأ، وذلك لزومُ الضمير العائد على مَن هي نعتٌ له أو خبرٌ، وكذلك الصلة، لأن الربط بين الجملتين محتاج إليه في فهم المراد، وذلك بالضمير العائد.
وهذا هو الشرط الأول من شَرْطَيِ الجملة الواقعة نعتاً، فإذا قلت: مررتُ برجلٍ أبوه قائمٌ، فالهاء هو العائد. وكذلك إذا قلت: مررتُ برجلٍ قامَ، ففاعل ((قَامَ)) هو العائد.
فلو خَلَت الجملةُ من ضمير لم تقع نعتا، فلا تقول: مررتُ برجلٍ قامَ زيدٌ، ولا برجلٍ زيدٌ قائمٌ، إذ لا ارتباطَ بين الجملتين. نعم قد يُحذف الضمير وهو مرادُ الثبوتِ، كقول جَرِير، أنشده سيبويه (١):
أَبْحْتَ حِمَى تِهَامَةَ بعد نَجْدٍ
وما شَيْءٌ حَمَيْتَ بمُسْتَبَاحِ
وأنشد أيضاً للحارث بن كَلَدة (٢):
ومَا أَدْرِي أغَيَّرهُمْ تَنَاءٍ
وطُولُ العَهْدِ أمْ مَالٌ أَصَابُوا
فهذا الحذف غير قادحٍ، فقد يُحذف أيضاً من الخبر، نحو قوله تعالى:
стр. 2623
﴿وكُلٌّ وعَدَ اللَّهُ الحُسْنَى (١)﴾ في قراءة ابن عامر (٢). وأنشد سيبويه لامرئ القيس (٣):
فَأَقْبَلْتُ زَحْفاً على الركُّبْتَيْنِ
فَثَوْبٌ نَسِيبُ وثَوْبٌ أَجُرُّ
ولهذا أحال في الحكم على الجملة الخبرية، ولم يَذكر في الخبر حكمَ الحذف لأنه قليل فيه.
والشرط الثاني من شَرْطَي الجملة الواقعة نعتاً ألاَّ تكون طَلَبيَّة، وإنما تكون خَبَريَّةِ كما تقدم من المُثُل.
وهذا الشرط غير مشترَط في الخبريةِ، ولذلك قال: ((وامْنَعْ هُنَا إِيقَاعَ ذَاتِ الطَّلَبِ)) أي في الواقعة نعتا، لأنه كما أحال في الحكم على الخبريَّة خاف أن يُفهم أنها تقع طَلَبِيَّة، فلذلك قال: ((وامْنَعْ هُنَا كَذَا)) وظهر أن إيقاعها خبراً غيرُ ممتنع.
وقد أطلق القولَ في وقوع الجملة خبرا في باب ((الابتداء)) بقوله: ((ومُفْرَداً يَلأْتِي ويِأتِي جُمْلَهْ)) ولم يقيِّد ذلك بأَلاَّ تكون طَلَبِيَّة، وهو مذهب الجمهور فيها
стр. 2624
خلافاً لابن الأَنباري ومن وافقه. وقد تقدَّم ذلك (١).
ثم أخذ يدل على تأويل ما جاء مِمَّا يُخالف الشرطَ المذكور بقوله:
((وأنْ أَتَتْ فالْقَوْلَ أَضْمِرْ/ تُصِبِ)) ... ٥٩٥
يعني أنه إن أتت الجملة ذاتُ الطَّلبَ في السَّماع جاريةً على منعوتٍ في الظاهر فأوِّلْها تأويلاً يُخرجها عن أن تكون بنفسها نعتاً، وذلك أنه لا يجوز أن تقول: مررتُ برجلٍ اضْرِبْهُ، ولا هل ضربَتهُ؟ ولا مررتُ برجلٍ لا تُكْرِمْه، ولا ما أشبه ذلك.
بخلاف الخبر فإنك تقول: زيدٌ اضْرِبْه، وعمروٌ لا تُكْرِمْه، وخالدٌ هل أكرمتَه؟ وما أشبه ذلك.
ومنه قولهم: كيف أنتَ؟ وأنشد في ((الشرح)) (٢):
قَلْبُ مَنْ عِيلَ صَبْرُه كيفَ يَسْلوُ
صَالِياً نارَ لَوْعَةٍ وغَرامِ
وقد مَرَّ هذا.
والطلب الذي يمنع الجملة أن تقع نعتاً هو (الأمر، والنهي، والاستفهام، والعَرْض، والتَّحضيض، والتمنِّي، والترجِّي، والدعاء)
فكلُّ هذه طلبٌ لا يَصْلُح للنعت، لأنه خبرٌ عن المنعوت، له خُصوصيَّةٌ في الخَبريَّة ليست لخبر المحض.
стр. 2625
والذي أُشار إليه في جملة النعت الواردةِ طلبيَّةً هو قوله (١):
حَتَّى إذا كاد الظلامُ يَخْتَلِطْ
جَاءوُا بمَذْقٍ هل رأيتَ الذئبَ قَطْ
فأوقع (هَلْ) وما بعدها كالصفة لـ (مَذْقٍ) وهو اللَّبَن بالماء، ومراده أنه تغيَّر بياضُه بمخالطة الماء حتى أشبه لونُه لونَ الذئب.
فهذا يُؤَوَّل على ما قاله الناظم. ومن أبيات الحماسة قوله:
* تَخْضِبُ كَفاً بُتِّكَتْ من زَنْدِهَا *
بُتِّكَتْ أي قُطِعَت، دَعَا عليها بذلك. وأنشد المؤلف في ((الشرح (٢))):
فإنَّمَا أنتَ أَخٌ لا نَعْدَمُهْ
فَأَبْلِنَا منكَ بلاءً نَعْلَمُهْ
فقوله: ((لا نَعْدَمُه)) دعاءٌ له.
فما كان من هذا النحو كأنه كاسرٌ لما أَصَّل، فلابد من تأويله، وذلك على إضمار القول كما قال: ((فالْقَوْلَ أَضْمِرْ تُصِبِ)) أي اجعل الجملةَ الطلبيَّة معمولةً
стр. 2626
لقَوْل مقدَّر يقع صفة، فتَخرج الجملة الطلبيَّيةُ بذلك عن كَوْنها بنفسها صفة، ولا يبقى محذور، لأن الطلبية وغيرها تقع مَحْكيَّةً بالقول. فالتقدير: جاءوا بمَذْقٍ يقول فيه من يراه: هل رأيتَ الذئبَ، وكذلك: فإنما أنت أخٌ يقال له: لا نَعْدَمُه.
وهذا كما جاء في الصلة مِمَّا يخالف أصلها، من وقوع الجملة الطلبيَّة صلةً في قوله (١):
وإنِّي لَرَامٍ نَظْرَةً قِبَلَ التَّيِ
لَعَلِّي وإنْ شَطَّتْ نَواهَا أَزوُرُهَا
فأوَّلوها على إضمار القول، أي قِبَل التي يُقال فيها: كذا وكذا.
و((القولَ)) مفعول بـ (أَضْمِرْ) و ((تُصِبْ)) جواب الأمر، والمعنى: تصب وجه ذلك وما أريد به.
وإنما يكون مصيباً لأن إضمار القول جائز في مواضع ذكرها النحويون، كجواب ((أمَّا)) نحو قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (٢)﴾ الآية. بناءً على أن القول قد يحذف في كلام العرب إذا دَلَّ عليه الدليل.
وعلى الناظم في هذا سؤالان:
أحدهما أن يقال: هل يَدخل الظَّرف والمجرور تحته إذا كانا يقدَّران بالجملة، فإذا قلت: مررتُ برجلٍ في الدارِ، أو عندَك، فهو في تقدير: استقَرَّ في
стр. 2627
الدار، أو عنَدك، أم ليس بداخلٍ فيبقي غيرَ مذكور في هذا النظم، ويُشْكِل حكمُه.
والجواب أنه يصح أن نعتقد دخولَه تحت الجملة على اعتقاد تقديره بالجملة، وأن نعتقد خروجَه عن الجملة/ على اعتقاد تقديره بالمفرد، فيدخل في باب النعت بالمفرد، لأن ... ٥٦٩ الناظم نَصَّ في خبر المبتدأ على جواز تقدير الجملة أو المفرد بقوله:
((وأَخْبَرُوا بَظْرفٍ أو بحرفِ جَرْ
ناوِينَ معنى كائنٍ أو اسْتَقَرْ))
وإذا كان من الوجهين سائغاً عنده في الخبر، وهو قد أجرى جملة النعت على جملة الخبر، وأيضاً النعتُ خبرٌ في المعنى، فيجري على حكمه.
ويمكن أن يقال: إنه لما قَدَّم هناك في الظرف والمجرور نظراً في تقديره بالمفرد أو بالجملة معنى، فكان لا يَعْزُو لبابين- تَرك ذكرهَما هنا، لأن إجراءهما نعتاً على التقديرين صحيح، فاستغنى عن ذكرهما لعلم الناظر في كتابه صحةَ الاجتزاء بما تقدَّم له في خبر الابتداء. والله أعلم.
والسؤال الثاني: ما الفائدة في إحالته في حكم جملة النعت على حكم جملة الخبر حتى احتاج إلى استدراك ذكر حكمين، أحدهما: إخراجُ الجملة الطَّلَبية، والثاني تأويُل ما جاء من المخالفة، وأتى لذلك بمَشْطُورَيْن كان غنياً عنهما جملة، بأن يُحِيل على حكم الصلة، فإن الصلة يَلزم فيها أن تكون غير طلبية، وأنَّ ما جاء فيها على غير ذلك فمنويٌّ معها القول كما تقدم تمثيلُه، وسائر ما يُحتاج إليه موجودٌ فيها، ككونها لابد فيها من ضمير، وأنه يجوز حذفه وغير ذلك؟
_________
стр. 2628
والجواب أنه لو أحال على حكم الصلة لاقتضى في جملة النعت حكماً غير صحيح، وذلك أنه ذَكر في الموصولات حكم الضمير، وأنه جائز الحذف، على تفصيلٍ من كَوْنه مرفوعاً أو منصوباً أو مجروراً، وعلى اشتراط شروط في كل قسم (١).
وأيضاً فحذفُ الضمير في الصلة كثير جدا على الجملة.
وهذا كله في جملة النعت (٢) لا يستقيم، بخلاف جملة الخبر فإن الناظم لم يتعرَّض فيها إلا للزوم اشتمالها على ضمير وأما حذفُه فسَكَت عنه لقلته أو لغير ذلك، فإحالتُه على جملة الخبر أحقُّ وأَوْلَى، ولا يضُّر استثناء حُكم أو حكمين، فإنه قليل، بخلاف ما لو أحال على الصلة، فإن الاستثناء كان يكون أكثر.
فإن قلت: إن إحالته على جملة الخبر يُوهم أن الحذف فيها إذا كانت نعتاً إمَّا غيرُ جائزٌ على قلة، وليس كذلك، بل الحذف فيها كثير.
فمن ذلك ما جاء في القرآن الكريم من قوله تعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْماً لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً (٣)﴾ أي لا تَجْزي فيه، هكذا تقديره عند سيبويه (٤).
وفي قراءة عِكْرِمة (٥) ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِيناً تُمْسُونَ وحِيناً تُصْبَحُونَ (٦)﴾
стр. 2629
أي تمسون فيه، وتصبحون فيه.
وفي قراءة الأخفش: (لا تجْزيهِ) و (تُمْسُونَهُ، وتُصْبِحُونَهُ) وهو مختار ابن جني وغيره، أعني التدريج (١).
وأيضاً قد جاء في الشعر، نحو ما أنشده سيبويه من قول جرير (٢):
أَبَحْتَ حِمَة تِهَامَةَ بعدَ نَجْدٍ ومَا شَيْءٌ حَمَيْتَ بمُسْتَبَاحِ
أي حَمَيْتَه. وأنشد أيضا (٣):
ومَا أَدْرِي أَغَيَّرهُمْ/ تَنَاءٍ ... ٥٩٧
وطولُ العَهْدِ أم مالٌ أَصَابُوا
اي أصابوه.
وأيضاً فإذا كان مجرورا بـ (مِنْ) جاز مطلقا نحو: عِنْدِي بُرٌّ كُرٌّ بدرهم (٤)، أي كُرٌّ منه,
ومنه قول ذي الرمَّة (٥):
стр. 2630
يَقَعْنَ بالسَّفْحِ مِمَّا قَدْ رَأَيْنَ بِه
وَقْعاً يكادُ حَصَى لمَعْزاءِ يَلْتَهِبُ
أي يكاد يلتهب منه.
ومن الأول قول كُثَيِّر عَزَّة (١):
من الْيَوْمِ زُورَاها خَلِيَليَّ إنَّهَا
سَتَأْتِي علينا حِقْبَةٌ لا نَزوُرُهَا
أي لا نزورها فيها.
فهذا-كما ترى- قد جاء في الكلام والشعر، وقد كثر عندهم. بخلاف جملة الخبر، فإن حذف الضمير منها قليل على الجملة. ولذلك قال في ((التسهيل)): لكن الحذف من الخبر قليل، ومن الصفة كثير، ومن الصلة أكثر (٢).
فالجواب أن الخبر أيضاً يجوز حذفُ الضمير منه في الكلام. وقد جاء منه شيءٌ صالحٌ يُلحقه بكثرته في الصفة أو يكاد.
فقد جاء في القرآن نحو ﴿وكُلٌّ وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى (٣)﴾ في قراءة ابن عامر (٤). وقرأ يحيى بن وَثَّاب والسُّلَمي والأعرج (٥) ﴿أَفَحُكْمُ الجَاهِلِيَّةَ