Полный текст (5 477 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.
стр. 4586
قال شيخنا القاضي ﵀: جعل ذلك لغة للقرآن أدبا مع القرآن
أن يجعل ما نُقل فيه قراءة شاذة أو مخالفة لكلام العرب فكيف يجعل هذا الذي
تقدم ذكره - مع كثرته وأن أكثره من القرآن ومن المنقول عن الأئمة - نادرا؟ !
هذا خارج عن مقتضى طريقته كما تقدم وأيضا إن أجرينا طريقته هنا في
جعله لغة الطائيين جارية في الوصل على طريقة وقف غيرهم انفسح لنا
في ذلك مجال من السماع رَحْب وذلك أن قراءة من قرأ ﴿نوله﴾
و﴿نُصلِهْ﴾ و ﴿يرضَهْ﴾ وما أشبه ذلك ما قبلَ الهاء فيه سكان في الأصل
حُذف للجزم أو للوقف جارية على طريقة بعض العرب في ذلك إذ هذه**
الهاء فيها للعرب ثلاثة أوجه: التحريك باختلاس وبإشباع والتسكين
ولا شك أن التسكين أقلها فنحملها على إجراء الوصل مجرى الوقف ولا
يصادمنا في هذا التأويل تعليلهم بأن الهاء وقعت موقع ساكن محذوف فأسكنت كإسكانه كما لم يصادمه هو في لغة الطائيين ما علل به سيبويه من أنهم أبدلوا الألف واوا وياءً لخفاء الألف فأرادوا بيانها إذ كانت الألف خفية؛ فإن هذه التعليلات يصح أن يعلل بها إجراء الوصل مجرى الوقف إذ هو على خلاف القياس فيقال: لم أُجريَ الوصلُ مجرى الوقف في مسألة كذا؟ فيجاب بعلة يقتضيها الموضع على هذه الطريقة يجري* أيضا ما حكاه
[١٢٠]
стр. 4587
السيرافي أن من العرب من يقول (اشترْ ثوبا) و (اتقْ زيدًا) وأنشد على
ذلك
ومن يتَّقْ فإنَّ الله مَعْهُ ... ورزقُ الله مؤتابٌ وغادِ
وأنشد أيضا
قالت سُليمى: اشترْ لنا دقيقا
ومن ذلك هاء الضمير بعد متحرك نحو (بِهْ) و (لَهْ) يسكنها قوم من
العرب حكاها الأخفش لغة عن أزْدِ السراة وحكاها المؤلف في «التسهيل»
عن بني عُقَيل وبني كلاب وعلى ما حكى الأخفش حكى ابن جني
وأشرب الماءَ ما بِي نَحْوَهْ عَطَشٌ ... إلا لأنَّ عُيونَهْ سَيْلُ وادِيها
وقولَ الآخر وهو رجلٌ من أزْدِ السراةِ
فَظِلْتُ لدى البيت العتيق أخيله ... وَمِطْوَاي مُشْتَاقَانِ لَهْ أرقانِ
[١٢١]
стр. 4588
هذه اللغة لا ما نع من ادعاء إجراء الوصل فيها مجرى الوقف بل
الظاهر على ما قال أنها كذلك وكذلك تسكين واو (هُوَ) وياء (هيَ) في الوصل
حكاها المؤلف عن قيس وأسد وحمل على ذلك قول الهذلي
إنَّ سَلْمَى هِيَ المُنَى لو تُواتِي ... حَبَّذا هِيْ من خُلَّةٍ لو تُخالِي
وأنشد المؤلف
وركضُك لولا هو لقيتَ الذي لَقُوا** ... فأصبحتَ قد جاوزتُ قومًا أَعَادِيا
وقال متمم بن نويرة
أَدَعَوْتَه بالله ثُمَّ غَرَرْتَهُ ... لَوْ هُوْ دَعَاكَ بذمَّةٍ لم يَغْدُرِ
وقرأ أبو جعفر والزهري ﴿ثُمَّ اجعلْ على كلِّ جبل منهنَّ جُزّا﴾
بتشديد الزاي من غير همز قال ابن جني: خفف الهمزة على قولك
(الخبُ) في (الخبْء) وإذا خُفِّفَ فلك الوقف بالتشديد فتقول (الجُزُّ) ثم إنه
وصَل على وقفه فقال (جُزًّا) فهذا من إجراء الوصلِ مجرى الوقفِ على قولهم:
[١٢٢]
стр. 4589
ببازلٍ وجناءَ أَوْ عَيْهَلِّ
كما سيُذكر إلى أشياء من هذا النحو لا أقدر على حصرها وقد جرى
في التسهيل على هذا السبيل فأتى بـ (ربّما) في هذه المسألة فقال «ويجري**
الوصلُ مجرى الوقفِ اضطرارا وربما أجري** مجراه اختيارا» والجميع
مشكل لما ثبت في المسألة من السماع الفاشي الذي لا يقال في مثله ولا فيما
قاربه إن نادر، ولا يقلَّلُ بـ (ربّما)، وللنظر في المسألة مجال واسعٌ مضاف إلى
كلام الناظم هنا وفي التسهيل وغيرهما من كتبه لا أقدر على استيفائه الآن
وأما إجراء الوصل مجرى الوقف في النظم وهو الذي ذكر فيه أنه فاش
كثير، فمنه جميع ما تقدم من الأبيات فإنها محمولة في النظم على إجراء
الوصل مجرى الوقف منصوص عليها أو على أكثرها في ذلك الحكم ومن
ذلك أيضا قولُ امرئ القيس
فاليوم أشْرَبْ غير مستحقبٍ ... إثما من الله ولا واغِلِ
أنشده سيبويه وأنشد ابن جني:
فاحذَرْ ولا تَكْثَرْ كريًّا أعوجا وأنشد سيبويه:
[١٢٣]
стр. 4590
إذا اعْوَجَجْنَ قلتُ: صاحبْ قَوّمِ ... بالدوّ أمثالَ السَّفين العُوَّمِ
وقال وضاح اليمن
إنما شعري شُهد ... قد خُلِطْ بِجُلْجُلانِ
ومنه إثبات ألف «أنا» في الوصل قال الأعشى
فكَيْفَ أنا وانتحالَ القَوافيَ بَعْدَ المَشيبِ كَفَ ذاكَ عارا
وقال آخر
أنا سيفُ العشيرةِ فاعرفُوني ... حُميدًا قد تدرّيتُ السَّنَاما
وقال أبو النجم
أنا أبو النجم وشعرِي شعرِي
ومن ذلك ما أنشده سيبويه من قول رؤبة
لقد خشيتُ أن أرى جَدَبَّا ... في عامنا ذا بعدما أَخْصَبَّا
[١٢٤]
стр. 4591
يريد (جَدْبًا) و (أحصَبت) وأنشد غيره بعده
إن الدَّبا فوق المِتان دبَّا ... وَهَبَّت الريح بِمُورِ هَبَّا
تترك ما أبقى الدَّبا سَبْسَبَّا ... كأنه السيلُ إذا اجْلَعَبَّا
أو الحريقُ وافقَ القَصَبَّا
يريد (سَبْسَبًا) و (القَصَب) وأنشد سيبويه أيضا لرؤبة
ضَخْمٌ يُحِبُّ الخُلُقَ الأَضْخَمَّا
يريد (الأضخَمَ) وأنشد الفارسي ومنه ما أنشده سيبويه لرجل من بني
أسد
فَسَلِّ وَجْدَ الهائم المعتلِّ ... ببازلٍ وجناء أو عَيْهَلِّ
كأنَّ مهواها على الكَلْكلِّ ... مَوْقِعَ كَفَّي** راهب يُصَلِّي
يريد (العَيْهلِ) و (الكَلكَلِ) أنشد أحمد بن يحيى:
[١٢٥]
стр. 4592
مَنْ لي من هِجران ليلى مَنْ لِي ... والحبلِ من حِبالها المُنْحَلِّ
تَعَرَّضَتْ لي بمكانٍ خِلِّي ... تعرض المُهْرة في الطِّوَلِّ
يريد (الطِّوَل) وانشد ابن جني مما أنشده أبو علي وغيره
والحبل من حبالها المنحلِّ
يريد (المنحل)
ترى مَرَاد نِسْعِها المُدْخلِّ ... بين رَحَ الحيزومِ والمَرْحَلِّ
مثْل الزّحالِيف بنَعْفِ التَّلِّ
يريد (المُدْخَلَ) و (المَرْحَلَ) وفيها
ومُقْلَتان جَوْنَتَا المِكْحَلِّ
أثبت الشاعرُ التشديد مع دخول ألف الإطلاق وكان حقه أن يخفف
لأن التشديد من شأن الوقف ليعلم أن الحرف في الوصلِ متحرك فإذا
[١٢٦]
стр. 4593
اتصل الحرف بحرفٍ بعده فظهرتِ الحركةُ وجبَ زوال التشديد لكنهم
أبقوه إجراءً للوصلِ مجرى الوقف وعلى هذا المعنى يجري القول في بيتي
سيبويه وهما قوله
هُمُ القائلون الخير والأمرونَهُ
وقوله
ولم يرتفق والناس محتضورنَهُ
على أن الهاء للسكت وهو مختص بالوقف لكن ألحق الهاء حرف اللين
كما ألحق المشدد حرف الإطلاق فيما تقدم وكذلك قول الآخر
يا مرحباهُ بِحمارِ ناجيَهْ ... إذا دنا قَرَّبتُه للسانِيَهْ
وقول امرئ القيس
وَقَدْ رابني قولُها يا هَنَا ... هُ وَيْحَكَ أَلْحَقْتَ شرًّا بِشَرّ
هو من هذا عند طائفة
والذي يُرجَع إليه في هذه المسألة أنّ جميع ما تقدَّم من المنثور لا
يتعيّن فيه ما تقدّم من إجراء الوصل مجرى الوقف وإنما يثبت ذلك في
[١٢٧]
стр. 4594
بعضها مما يعدُّ نادرًا كما قال ولئن سلّمنا جميع ما تقدم فإنه يبعدُ القياس
على مثله لانتشار قياسه وعد ضبطه ولم يزل النحويون يذكرون ذلك ويعدونه
نادرا فليس ببِدْعٍ ما قاله الناظم هنا
وقول الناظم «وَرُبَّمَا أُعْطِيَ لَفْظُ الْوَصْلِ» إلى آخره، لفظُ (الوصلِ)
أي: اللفظ الذي هو مختصٌّ بالوصل فأضافه إليه لاختصاصه به، و «ما»
مدلولها الحكم، و (للوقف): صلة «ما»، كأنه قال: وربما أعطي اللفظُ الذي
يختصُّ بالوصل الحكم الذي استقرَّ للوقف. و «نثرًا» مصدرٌ في موضع
الحال، وخو حال من «لفظ» أي: حالة كونه ذن نَثْر، أي: واقعا في النثر.
وقله «وَفَشا» الضمير فيه عائد على الإعطاء المفهوم من «أُعطِي» على
حدِّ ﴿وإنْ تشكروا يرضَهُ لكم﴾ و «منتظما» حال منه، أي: فشا
إعطاءُ لفظ الوصلِ حكم الوقف حالة كونه منتظما. ولا يعود على «لفظ» ولا
على «الوصل» ولا على «الوقف» إذْ لا يصحُّ له معنًى يستقيمُ. والعبارةُ
الجارية في النظمِ أن يُقالَ: منظومًا لا مُنْتَظِمًا، لكن المعنى حاصلٌ منه.
* * *
[١٢٨]
стр. 4595
الْإِمَالَةُ
اَلْأَلِفَ الْمُبْدَلَ مِنْ يَا فِي طَرَفْ ... أَمِلْ، كَذَا الْوَاقِعُ مِنْهُ الْيَا خَلَفْ
دُونَ مَزِيدٍ أَوْ شُذُوذٍ، وَلِمَا ... تَلِيهِ هَا التَّأْنِيثِ مَا الْهَا عَدِمَا
الإمالة اصطلاحا أن تنحو بالألف نحو الياء وبالفتحة نحو الكسرة
طلبا لتناسب الصوت بينهما أو إشعارا بما هو طالبٌ بالتناسب، وذلك أنه قد
يكون بين بعض الحروف تناسب وقد يكون بينهما تباعد فيزيلون من ذلك
التباعد بعضه ليتناسب الصوت؛ فالألف والياء متباعدتان في الصوت لانفتاح
الألف وانسفال الياء، فالألف تطلب أعلى الفم والياء تطلب أسفله، فنَحَوْا
بالألف نحو الياء ليكون ذلك أقرب لما بينهما وأنسب وكذلك الفتحة والكسرة هما
كالألف والياء فأمالوا الألف نحو الياء ليجري الصوت على تناسب. ونظير
هذا الصادُ والدال، هما من حروف طرف اللسان فهما متقاربتان في
المخرج إلا أنهما متباعدتان في الصفات فالصاد حرفٌ مستعلٍ مُطبق
مهموس رخْو والدال بخلاف ذلك فكرهوا التباعد في جميع هذه الصفات مع
تقاربهما في المخرج فأشربوا الصادَ صوت الزاي ليكون وسطا بينهما في
التناسب لأن الزاي توافق الدال في الانسفال والانفتاح والجهر وتوافق
الصاد في المخرج. فالألف والياء متقاربتان أيضا في اللين وفي المخرج لأن
[١٢٩]
стр. 4596
الياء من الفم والألف تشارك حروف الفم من حيث كانت هوائية ولذلك قال
بعضهم: إن الألف ليس له مخرج معيَّنٌ، فأرادوا أن يناسبوا بينهما في
الصوت وكذلك قصدوا أن يشعروا بالأصل في الألف في نحو (رمى) و (بنى)
و(الفتى) وبأن فاء (فَعِلتَ) * المعل العين يكسر في بعض الأحوال
ولما كان الممالُ قسمين أحدهما الحرفُ الذي هو الألف وهو الأكثر
في الكلام نحو (رمى) و (بنى) والثاني الحركة التي هي الفتحة نحو (من الكِبَر)
و(من الصِّغَرِ) و (من البَعَر) ابتدأ بالقسم الأول لكثرته وإن كانت إمالة الفتحة
فيه غير مفارقةٍ لأن الألف ناشئة عنها ولا يمكن إمالة الألف إلا بإمالتها
إلا أن المقصود بالإمالة الألف فقال «اَلْأَلِفَ الْمُبْدَلَ مِنْ يَا فِي طَرَفْ ... أَمِلْ»
الألف: منصوب بـ (أَمِلْ) وقوله «مِنْ يَا» أراد (من ياءٍ) فقصَرَ ضرورةً
وقد تقدم له من هذا كثير. و «فِي طَرَفْ» متعلق باسم فاعل محذوف حالٍ
من الألف، والتقدير: أمِلِ الألفَ المبدل من ياء حالة كونه مستقرًّا في طرف،
أي طرف الكلمة ويعني أنك تُميلُ الألف إذا اجتمع فيها وصفان: أن تكون من الياء لا من الواو، وأن تقع في طرف الكلمة لا في وسطها
[١٣٠]
стр. 4597
أما الوصفُ الأول وهو كونُها مبدلة من الياء فلا بد منه فإنه الموجبُ
للإمالة في الموضع وسواءً أكان ذلك في اسمٍ أم في فعل؛ إذْ لم يُفضِّل*
فالاسم نحو (الفَتى) و (الهَوى) و (العَمى)، و (الهُدى) و (النُهى)، و (الغِنى) و (الزِّنى) ونحو
ذلك. والفعلُ نحو (رمى) و (سعى) و (هدى) و (حمى) و (جنى) و (همى المطرُ) و (سبى)
وما أشبه ذلك فهذه الأمثلة كلُّها الألفُ فيها مبدلةٌ من الياء لأنك تقولُ من
(الفَتى): فتيان، ومن (الهَوى): هويتُ، ومن (العَمى): عمِيتُ، ومن (الهُدى): هديْتُه،
ومن (النُهى): نُهْيَةٌ، ومن (الغِنى): غُنْيَة*، ومن (الزِّنى): زَنَى يَزْنِي. وكذلك
الأفعال لأنها من (رميت) و (سعيتُ) و (هديتُ) و (حميتُ) و (جَنَيْتُ) و (هَمى المطر
يَهْمِي) و (سبيتُ أسْبِي). فتُمال هذه الألفات إشعارًا بأنّ الأصل الياءُ وذلك أن
الإمالة يُراد بها أمران أحدُهما التناسبُ اللفظيُّ وهي التي تقدَّم شرحُها
والثاني أن يُراد بها أمرٌ تقديريٌّ وهو الدلالة على ياءٍ أو كسرة. وهذه المسألةُ
من هذا الثاني. وينتظم في هذا السلك ما كانت ألفه ثالثة وهو المتقدِّمُ الذِّكرِ
وما كانت الألف فيه رابعةً فأكثر نحو (المرمَى) و (المسعَى) و (الأعمى)
و(المهتدى) و (المستبَى) وكذلك (رامَى) و (اهتدى) و (استهدى) و (اجتنَى) و (احتمى)
و(ترامى) وما أشبه ذلك؛ لأنّ هذه الألفاتِ أصلُها كلها الياءُ فتُمالُ لذلك.
وكذلك ما كانت الألفُ فيه أصلها الواو إلا أنها وقعت رابعةً فصاعدا نحو (استدعى) و (أضحى) و (أعطى) و (تدانى) و (رَضَّى) وما أشبه ذلك فإن
[١٣١]
стр. 4598
الألف هنا إنما انقلبت عن الياء لا عن الواو فشمِلَه قولُه «اَلْأَلِفَ الْمُبْدَلَ مِنْ
يَا فِي طَرَفْ ... أَمِلْ». وكذلك الألف في آخر الاسم أيضا مثلُها كـ (مستدعى)
و(مَدْعى) * و (مُرَضّى) * ونحو ذلك لأنها من (الدعوة) و (الضّحوة) و (عطا يعطو)
و(الدنُوّ) و (الرضوان) إلا أنهم قلبوها ياءاتٍ لمّا صارت رابعة فقالوا
(استدعيتُ) و (أضحيتُ) و (تدانيتُ) و (أعطيتُ) و (رضيت) وعن ذلك انقلبت
الألفُ فإن كانت الألفُ منقلبةً عن الواو فمقتضى كلام الناظم أنها لا تُمالُ
وذلك نحو (العصا) و (الفتا) و (الضُّحى) و (القفا) و (القطا) و (الصفا)
وكذلك يقتضى* في الأفعال نحو (دنا) و (دعا) و (قفا) إلا أنّ هذا الثاني قد
دخل له في حكم الإمالة بمقتضى قوله «كَذَا الْوَاقِعُ مِنْهُ الْيَا خَلَفْ» كما
سيذكر إن شاء الله تعالى. فبقي* ما كان كذلك من الأسماء مستثنًى من حكم
الإمالة فلا يجوز أن تُميل ألف (العصا) و (الصفا) ونحوه وما جاءَ من ذلك
ممالا فموقوف على محله نحو قولهم (الكِبا) و (العَشا) و (المكا) فإنهم
[١٣٢]
стр. 4599
أمالوا هذه الأشياء وأصلها الواو لقولهم (الكِبَوان) و (عَشَوان) و (المكْوُ).
وهذه طريقة النحويين أن يفرّقوا بين الأسماء والأفعال في الإمالة فيطردون
لإمالة في الفعل ويجعلونها في الاسم شاذة. وظاهر كلام سيبويه خلافُ هذا
لأنه لم يفرّق بين الاسم والفعل بل أطلق القول بأنهم يميلون كل شيء من
بنات الياء والواو وكانت عينُه مفتوحة غير أنه قال «وقد يتركون الإمالة
فيما كان على ثلاثة أحرفٍ من بنات الواو نحو: قفا وعصا والقنا والقطا
وأشباههنّ» قال «وذلك أنهم أرادوا أن يثبتوها مكان الواو
ويفصلوا بينها وبين بنات الياء وهذا قليل يُحفظ، وقد قالوا: الكِبا والعَشا
والمَكا - وهو جحر الضب - يعني بالإمالة - كما فعلوا ذلك في الفعل» قال
«والإمالة في الفعل لا تنكسر إذا قلت: غزا وصغا ودعا» فيظهر من
كلامه أن الأصلَ الإمالةُ في الألف التي هي لامٌ في اسم كانت أو في فعل وإن
كانت من الواو وقد تأوَّلوا كلامَ سيبويه وردُّوا كلامه إلى طريقتهم فردُّوا
الخلافَ وفاقا فلذلك اتَّبع الناظم مذهبهم دون ظاهر كلام سيبويه
وأما الوصفُ الثاني وهو كونُ الألفِ طرفا فإنّ الموجِبَ الذي هو
الإشعارُ بأنَّ الألفَ منقلبةٌ عن الياء إنما أعملوه فيما إذا كانت الألف طرفا
كما مُثِّل فإن كانت وسطا فمفهوم كلامه أن ذلك المُوجِبَ غير مُعتبر وإنما
[١٣٣]
стр. 4600
يُعتبر إذا كان طرفا فلا تمال الألف إذا كانت عينا كانت منقلبةً عن الواو أو
عن الياء في اسم كانت أو في فعل إلا ما كان من الأفعال مكسور الأول في
(فَعَلْتُ) فإنه سيذكره. وليست الإمالة في يائِيِّه لأجل الياءِ نحو (طاب) و (هاب)
وإنما هي فيه لأجل الكسرة في (فلْتُ) فذوات الواو والياء فيه سواء.
وأما ما لم يُقَل* فيه (فلْتُ) نحو (زال) و (ثاب) و (حام) فلا يمال، والأسماء أولى
بعدم الإمالة من الأفعال فلا تُميل نحو (مال) و (باب) (من الوادي) ولا نحو
(ناب) من اليائي إلا أن يكون مجرورا فإنّ من العرب من يُميله نحو (مررتُ
بمالٍ) و (نظرت إلى بابٍ) وسببُ الإمالة هنا كسرةُ الإعرابِ وإن كانت عارضة
لا غيرُ ذلك. وأما في غير الجرّ فلا إمالة وإن كانت الألف منقلبةً عن الياءِ إلا
شاذًا عن بعض العرب نحو (هذا مالٌ) و (هذا نابٌ) نصَّ على ذلك سيبويه
وقلّله ثم وجَّه ذلك فيما أصله الياءُ بالحمل على الفعل اليائي وفيما أصله
الواو بالحمل على الفعل الواويّ قال «فتبعت الواوُ الياءَ في العين كما تبعتها
في اللام لأن الياء فقد تغْلِب على الواو هنا - يعني في اللام - وفي مواضع»
ثم قال «والذين لا يُميلُون في الرفع والنصب أكثر العرب وهو أعمُّ في
كلامهم» فلأجل هذا تحرّو الناظم بقوله «فِي طَرَفْ» ووجهُ اللغةِ العامَّةِ
أنَّ الإمالة نوع من التغيير والعين أقوى وأبعد عن التغيير من اللام
ولذلك ثبتت الواوُ عينًا فلا تنقلب إلى الياء فتقولُ في نحو (فَعَّلْتُ): قَوَّلت، وفي
[١٣٤]
стр. 4601
(فاعَلْت): قاولت، وفي (أفعلْتُ): ما أَقْوله. وكذلك في البناء للمفعول فلا تنقلب
الواو إلى الياء بخلاف ما لو كانت لاما. فلما كانت كذلك لم يميلوها إذا كانت
عينا إلا ما كان منه يؤول إلى (فِلْتُ) اعتبارًا بالكسرة مع أن الإمالة فيما
آلَتْ إلى (فِلْت) ضعيفة إنما يُميلُها بعض أهل الحجاز وأما عامة العرب فلا
يميلون ما كانت الواو فيه عينا مطلقا نص عليه سيبويه فأنت ترى ما في
إمالة العين من الضعف
واعلم أن الناظم لم يأت في كلامه نصٌّ صريح على العلّة الموجبة للإمالة
وكذا في سائر ما ذكر إلا أن فيه بعض إشعار بل الذي صرح به بيانُ
الألفات الممالة ومواضعها وذِكْر الشروط المحتاج إليها في تلك المواضع وقد
ذكر ابن السراج أسباب الإمالة وعدّ منه ستةَ أسباب:
أحدها الياء المنقلبة عنها الألف وهي التي تقدّم ذكرها آنفا إذ
الياء هي السبب في الإمالة
والثاني الكسرة تتقدم على الألف كـ (عماد) وتتأخر عنها كـ (عابد)
والثالث تقدم الياء على الألف كـ (شيْبانَ)
والرابع التشبيهُ بالألف المنقلبة عن الياء كـ (حبلَى) و (أرطى) و (أدنى)
والخامس الكسرة تعرِضُ في بعض الأحول كـ (خاف) و (طاب)
والسادس مناسبة الممال كـ (رأيت عمادا)
وما عدا ذلك من الأسباب شاذ
[١٣٥]
стр. 4602
وقد يقال إن الإبدال من الياء وصفٌ من أوصافِ الألف، فذِكرُه في
معرض الحكم عليه مُشعِرٌ بأن ذلك الوصف هو العلّة لذلك الحكم فكأنه قال:
أمِل الألف المبدلة من ياء لكونها مبدلة من ياء كما إذا قال الشارع ﴿اقتلوا
المشركين﴾ فإن ذلك الإشراك مشعرٌ بأنه عِلَّة الأمر بالقتل. ثم ذكر من
بعد ذلك شرطَ إعمال ذلك السبب وهو كو الإلفِ طرفا وذلك واضح فنبَّه
هنا على سببٍ من الأسباب الستة وإذا اعتبرت هذا المعنى وجدتَه مُتأتيًا في
كلامه فقوله «كَذَا الْوَاقِعُ مِنْهُ الْيَا خَلَفْ» يمكن فيه هذا الاستنباط إذْ
معناه أن الألف التي تخلفها الياءُ في بعض المواضع تمال أيضا فهذا يؤخذ
منه أن وقوع الياء خلفًا هو الموجب لأنه وصف اقترن بالحكم بالإمالة
وقوله «كَذَا» على تقدير العاطف و (الْوَاقِعُ مِنْهُ الْيَا خَلَفْ) هو
الألف وهو مدلول الألف واللام والصفة واقعة على الياء و «مِنْهُ» متعلق
بـ (خَلَف) و «خَلَف» منصوب على الحال من (الياء) * واستعمله على لغة
وآخُذُ مِنْ كُلِّ حَيٍّ عُصُمْ
وفصَل بين «مِنْهُ» وبين ما تعلّق به بأجنبي وهو غير جائز لكنه هنا
أسهل لكون المعمول حرف جر والتقدير: وكذا الألف الذي وقعت الياء خلفًا
منه
[١٣٦]
стр. 4603
والخَلَفُ: ما استخلفتَه من شيء وهو أيضا ما جاء من بعد غيره،
يقال (هو خَلَفُ سَوْءٍ من أبيه) أو (خَلَفُ صِدْقٍ من أبيه) يعني أنه يمال أيضا
ومعنى وقوعها خلفا منه أن تكون الياء تستعمل في بعض
تصاريف الكلمة لا أنها أصلُ ذلك الألف؛ إذ قد تقدَّم ذلك فإذا ظهرت الياء
في بعض وجوه تصرف الكلمة - وإن كانت في الأصل غير منقلبة أو
كانت منقلبة عن الواو - فالإمالة أيضا ثابتة. وهذا العقد يشمل ثلاثة أنواع من
الألفات
أحدها ألف الأفعال التي لاماتُها واوٌ نحو (غزا) و (دعا) و (قفا أثَره)
و(دنا) وما أشبه ذلك فمثل هذا تُمالُ ألفُه وإن انقلبتْ عن الواو لأن الياء تقع
خلفا منها في بعض تصاريفها وذلك إذا بُنيت للمفعول إذْ كنت تقول (غُزِي)
و(دُعِي) و (قُفِي) و (دُنِي منه) وما أشبه ذلك فاعتبرتِ العربُ هذا المقدارَ فأمالت
لأجلِ تلك الياء الظاهرة في بعض المواضع وكذلك تقول (هو يغزو) ثم تبنيه
للمفعول فتقول (يُغْزَى به) فتصير ياءً بدليل (لَيُغْزَينَّ به) بهذا النحو علَّل سيبويه وإياه أراد الناظم. وهذا هو الفرق بين الأفعال التي لاماتُها واو وبين الأسماء إذْ كانت الأسماء لا تصيرُ إلى الياءِ في بعض تصاريفها
[١٣٧]
стр. 4604
والنوع الثاني ما كانت ألِفُه للتأنيث نحو (حُبْلى) و (ذِكْرى) و (ذِفْرَى)
- فيمن منع الصرف - و (الدنيا) و (العُليا) و (البُشرى) و (حبارى) ونحو ذلك فهذه
الألف لا أصل لها من واوٍ ولا ياءٍ وإنما هي أصل بنفسها لكنهم أمالوها
لما أشار إليه الناظم من أنَّ الياء تخلُفها في بعض المواضع فتقولُ في التثنية:
(حُبليان) و (ذِكْرَيان) و (حُبْلَيات) و (حباريات) وكذلك ما أشبهه إجراءً لها مُجرى ما
كان أصلُها الياء فحكموا لها أيضا في الإمالة بحكمها
والنوع الثالث ما كانت ألفه للإلحاق أو للتطويل نحو (مِعْزى) و (أرْطى)
و(ذِفْرى) - عند من صرف - و (عَلْقى) وكذلك نحو (قبعثرى)
و(ضَبَغْطرى) هذه أيضا تقع الياء خلفا منها في بعض التصاريف كقولك
(ذفريان) و (قَبَعْثَريان) فحكم لها بحكم ما كان مثلها مما الألفُ فيه منقلبة عن
الياء وإن لم تكن كذلك على مذهب سيبويه قال سيبويه «ومما يميلون
ألفه كلّ اسم كانت في آخره ألفٌ زائدة للتأنيث أو لغير ذلك لأنها بمنزلة ما
هو من بنات الياء ألا ترى أنك لو قلت في مِعْزى** وفي حُبْلى: فَعَلْت على عِدَّة
الحروف لم تُجْرِ واحدةً من الحرفين إلا مجرى بنات الياء فكذلك كل ما
كان مثلهما مما يصير في تثنية أو فعلٍ ياءً» قال «فلما كانت في حروف
[١٣٨]
стр. 4605
لا تكون من بنات الواو أبدا صارت عندهم بمنزلة رمى ونحوها»
وقد ذهب طائفة إلى أنّ ألف الإلحاق منقلبة عن الياءِ وهو مذهب المؤلف
في التسهيل فعلى هذا المذهب لا تدخل في هذا النوع بل تدخل تحت
قوله «اَلْأَلِفَ الْمُبْدَلَ مِنْ يَا فِي طَرَفْ»
ولما كان هذا العقد من الناظم يُتَوهَّمُ فيه أمران يقتضيان حكمين غير
صحيحين أراد أن يخرجهما عنه فقال «دُونَ مَزِيدٍ أَوْ شُذُوذٍ» وذلك أن
الياء تقع في الثلاثي خلفا من الألف التي أصلها الواو في موضعين:
أحدهما مع زيادةٍ على الثلاثة وذلك أنك تقول من (العصا):
(عَصَوتُه بالعصا)، أي: ضربتُه بها. وتقول منه أيضا: (اعتصيتُ على عصًا)
إذا توكأتَ عليها و (اعتصيتُ بالسيف) أي جعلتُه عصا، أي يقوم مقامها.
و(فلان أعصى من فلان) إذا كان أضربَ بالعصا منه. فـ (أعصى) ههنا يثنى على
(أعصيان) لأن الألف رابعة فقد وقعت الياءُ خلفا من ألف (العصا) في بعض
تصاريفها وتقول من (الرحا): (رحوتُ الرحا) إذا أدَرْتَها. ثم تقول (ترحَّتِ
الحيَّةُ) إذا استدارَتْ كالرحا، و (فلان أرحى من فلان) كقولك في (العصا):
(أعصى منه) فهذه الياءُ أيضا قد خَلَفَتِ الألف في بعض التصاريف وأيضا
فـ (القَنَا): احديداب في الأنْف، وهو من الواو لقولهم في المرآة (قنواءُ) والرجل
(أقْنى) ولا شك أن تثنية (أقنى): (أقنيان) فقد خَلَفتِ الياءُ ألفَ (القنا) في بعض
[١٣٩]
стр. 4606
تصاريفها وكذلك أيضا تنقلب الواو ياءً في التصغير نحو (عُصَيَّةٍ) في
(عصًا) و (قُنَيَّة) في (قناة) وفي التكسير أيضا نحو (القُنِيّ) و (العُصِيِّ) لما صارت
الكلمة مزيدا فيها. وكذلك غير هذه الألفاظ مما له تصاريف بالزيادة. فإذا
ثبت هذا فلو سكت الناظم بعد ذلك العقد لاقتضى دخولَ مثل هذا وأنك تُميل
(عصًا) و (رحًا) - إذا قدرت أن أصله الواو - و (قنًا) ونحو ذلك. وهذا غير
صحيح*؛ إذ قد تقدم أن مثل هذا لا يمال**؛ إذ لا يعتبر من التصاريف في مثل
هذا إلا ما ظهرت فيه الياءُ مع عدم الزيادة لكنه لما قال «دُونَ مَزِيدٍ»
زال ذلك الاقتضاءُ. و «دُونَ مَزِيدٍ» متعلق بالواقع أي: التي وقعت الياءُ
خلفا منه دون زيادة لحقت الكلمة ولا شك أن (عصا) لا تقعُ منه الياء خلفا دون
زيادة بل تقول (عصوتُه) و (عصوان) وكذلك (رحوتُ الرحا) و (رحوان) وإنما
وقعت الياء بدل الألف بعد ما** صارت رابعةً فصاعدا ومثل هذا من التصرّفات
غير مُعتبر ولذلك لا ينبغي أن يقال في (غزا) و (دعا) وبابه: إنه أُميل لأن الياء ظهرت في الرباعي في (أغزيتُه) و (ادَّعَيْتُه) ونحو ذلك وإنما اعتبر سيبويه من التصرُّفات ما كان دون زيادةٍ وذلك الفعلُ المبنيُّ للمفعول كما تقدم تقريره. قال «وإنما كان - يعني حُكم الإمالة - في الفعل مُتْلَئِبّا* لأنّ الفعل لا
[١٤٠]
стр. 4607
يثبت على هذه الحال ألا ترى أنك تقول: غزا، ثم تقول: غُزِي* فتدخلُه الياءُ
وتغلب عليه عدّة الحروف على حالها» ثم مَثَّل بأمثلة تظهر فيها الياء ويقول
إثرها «وعدّة الحروف على حالها» فهذا يدلك على اعتبار عدم الزيادة
وهو الذي أراد الناظم بقوله «دُونَ مَزِيدٍ».
الموضع الثاني مما تقعُ فيه الياء خلَفا من الألف التي أصلها الواو: أن
تقع خلَفا على غير القياس المطَّرِد بل على جهة الشذوذ وإن كان ذلك بغير
مزيد كما حكوا في تثنية (رِضًا): رِضيان بالياء وهو من الواو لقولهم
(الرُّضْوان) فهذه التثنية قد وقعت فيها الياء خلَفا من ألف الرِّضا فلو سكت
الناظم عن التنبيه على أن الإمالة إنما تتبع ما اطَّرد فيه خَلَفُ الياء لا ما
شذّ فيه لاقتضى أنك تُميل (الرضا) لقولهم (رِضَيان) وذلك فاسد؛ لأن
الشذوذ غير مُؤثر حكما وإنما المؤثر قولهم «الرِّضوان» في تثنية (الرضا)
وهو المطَّرِدُ فنبَّه بقوله «دون مزيد أو شذوذ» على (رِضَيان) ونحوه من
الشاذِّ وأنه غير مُعتبر
وقد فسَّر بعضُ الشيوخ الشذوذَ هنا بأنه تنبيهٌ على ما أُميل من
الأسماء شذوذا نحو (الكِبَا) و (العَشا) و (المَكَا) وكأنَّ هذا التفسير راجع إلى
[١٤١]
стр. 4608
مفهوم العبارة لا إلى صريحها كما كان قوله «دون مزيد» راجعا إلى
صريح العبارة لأن صريحها يقول: أمل كذا إذا اجتمعت هذه القيود دون
شذوذ فلو رجعت إلى صريحها لكان قوله «دون شذوذ» يعطي أنه غير ممال
لكن الكِبا والعَشا والمَكا ممالة فلا بد أن يكون المعنى على ذلك التفسير وما
لم تجتمع فيه هذه القيود فلا يمال دون شذوذ فههنا يصح أن يؤتى بالكبا
والعشا والمكا لأن الشذوذ مستثنى من الحكم بعدم الإمالة فهو إذا ممال
ولا خفاء بضعف هذا التفسير فالصحيح هو التفسير المتقدم وهو الذي يفهم
من التسهيل إذا تدبر والله أعلم
ووقع هنا تفسيران آخران لهذا الشذوذ فقال ابن الناظم: احترز بعدم
الشذوذ من مصير الألف إلى الياء في الإضافة إلى ياء المتكلم نحو قفي
هدي وفيما قال نظر لأن قلب الألف ياء هنا ليس بشاذ بل هو
شهير في لغة شهيرة يصح لنا القياس عليها وقد نبه الناظم على ذلك في باب
الإضافة وإنما يستعمل لفظ الشذوذ حيث لا يوجد في السماع منه إلا لفظ أو
لفظان أو شيء نادر لما تقدم في التفسير الأول فكيف يصح أن يطلق لفظ
الشاذ على لغة شهيرة في الاستعمال مقروء بها في القرآن وأولى من ذلك ما
كتب به إلي بعض الشيوخ من أنه أشار إلى نحو وقوف بعض طيئ*
على نحو عصا بإبدال الألف ياء قال فيصدق على الألف أنها آلت إلى
[١٤٢]
стр. 4609
الياء ولكن هذا شذوذ فلا يعتد به فهذا أقرب لأنها لغة قليلة نادرة ذكرها
سيبويه وغيره وأنشد عليها ابن جني في حرف الألف من سر الصناعة
وقول* الراجز
إن لطي** نسوة تحت الغضى ... يمنعهن الله ممن قد طغى
بالمشرفيات وطعن بالقنى
ثم قال «وَلِمَا ... يلِيهِ** هَا التَّأْنِيثِ مَا الْهَا عَدِمَا» هذه الكلام قد يظن
به أنه ليس على ظاهره وإنما هو على حذف المضاف كأنه قال ولما
يليه هاء التأنيث حكم ما الهاء عدما وعلى هذا يفهم له معنى ويكون مراده
أن ما كان من الألفات المذكورة في الطرف إذا إذا لحقتها هاء التأنيث تليها
فحكمها في الإمالة حكم ما لو لم يكن ثم هاء فإن كانت الألف ممالة
بقيت مع الهاء ممالة وإن كانت غير ممالة فهي مع الهاء كذلك فقولك فتاة
ممال لأن فتى ممال وقولك قناة غير ممال لأن القنا غير ممال
وقولك مدعاة ممال لأن مدعى ممال وكذلك يمال مرضاة ومزجاة
وهداة جمع هاد ورماة وما أشبه ذلك على ذلك السبيل فكأنه يقول كل
ألف وقعت طرفا ووليها هاء التأنيث فإنها في الإمالة وعدمها على حد ما لو لم
تلحق هاء وهذا معنى صحيح وهو معنى لم ينبه عليه في التسهيل والتنبيه عليه حسن
[١٤٣]
стр. 4610
ويبقى بعد في كلام الناظم شيء وهو أنه أطلق الحكم بالإمالة في هذه
الأشياء التي ذكرها فقال أمل كذا وكذا إلى آخره وظاهره يقتضي لزوم
حكم الإمالة على عادته في إطلاق مثل هذه العبارة لكن هذا اللزوم غير
صحيح بل الإمالة على الجواز لا على اللزوم لأن من العرب من يميل ومنهم
من لا يميل غر أن الإمالة في بعض المواضع قد تترجح على الفتح وقد
يكون الأمر بالعكس وقد يتساويان أو يتقاربان وذلك على حسب قوة الموجب
وضعفه فأما أن تتفق العرب على الوجه الواحد وهو الإمالة فلا
ويكفيك من هذا اختلاف القراء في الإمالة والفتح وأن منهم من يميل بإطلاق
ومنهم من لا يميل بإطلاق* أعني فيما لم يشذ ومنهم من يجمع بنهما بحسب
الاختيار في محل الإمالة والفتح وقد حرر عبارته في التسهيل والفوائد فأتى
بلفظ الجواز إذ قال في الإمالة وهي «أن ينحى جوازا» إلى آخره
فقيده بلفظ الجواز احترازا عن فهم اللزوم
* * *
وَهَكَذَا بَدَلُ عَيْنِ الْفِعْلِ إِنْ ... يَؤُلْ إِلَى (فِلْتُ) كَمَاضِي: (خَفْ) وَ (دِنْ) هذا أيضا سبب ثالث أشار إليه كما تقدم وهو الكسرة العارضة في بعض الأحوال كأنه يقول حكم الإمالة أيضا ثابت إن عرضت كسرة في
[١٤٤]
стр. 4611
فعلت ويعني أن الألف الواقع بدل عين الفعل إذا كان بحيث إن أسند إلى التاء
في فعلت صار إلى وزن فلت فظهرت الكسرة فيه فإن الألف إذ ذاك يمال
لأجل تلك الكسرة التي ظهرت فيفلت ومثال ذلك خاف ودان وبهذين
المثالين مثل إذ قال «كَمَاضِي خَفْ وَدِنْ» فههنا تميل خاف ودان لأنك
تقول فيهما خفت ودنت فيجيء فعلت فيهما على فلت كما ذكر فلو كان فعلت
منهما لا يجيء على فلت ولكن على فلت - بضم الفاء - فمفهوم كلامه أنه
لا يمال فنحو قال وطال وجاز وحاز وحار - لا يمال لأن فعلت
منهما لا يجيء على فلت وإنما تقول قلت وطلت وجزت وحزت
وحرت من قوله تعالى ﴿إنه ظن أن لن يحور﴾ فيأتي على فلت بضم
الفاء وإنما كان هذا لأن السبب الذي لأجله جازت الإمالة مفقود في فلت
وموجود في فلت وهو الكسرة الموجودة في فلت قال سيبويه «ومما
يميلون ألفه كل شيء كان من بنات الياء والواو مما هما فيه عين إذا كان
أول فعلت مكسورا نحو نحو* الكسرة كما نحوا نحو الياء فيما كانت ألفه في
وضع الياء» قال «وهي لغة لبعض أهل الحجاز» ثم مثل بخاف وطاب وهاب ثم حكى من ذلك عن العرب قول كثير عزة «صار مكان كذا وكذا»
[١٤٥]
стр. 4612
بالإمالة قال وقرأها بعضهم خاف والبعض هو حمزة الزيات ومن
وافقه
وتمثيل الناظم المثال بفلت ولم يقل مثلا إذا كان الماضي على فعل
كما قال ي الفوائد تحقيقا لوزن الكلمة بعد اتصال الضمير بها لأن
وزنها الآن فلت وهي في الأصل خوفت وهيبت تحركت الواو والياء وانفتح ما
قبلهما فانقلبتا ألفا ثم حذفا لالتقاء الساكنين وهي العين ثم نقلت
حركة العين إلى الفاء فصار خفت وهبت فلم يبق من الكلمة إلا الفاء واللام
فوزنهما الآن فلت وأيضا فللاختصار لأن هذا المثال يغني عن كلام كثير إذ
لو قال وهكذا بدل عين الفعل إذا كان أول فعلت مكسورا فيها - لكان أطول
[١٤٦]
стр. 4613
وأيضا فإن من جملة الأمثلة بعت وطبت نفسا وهذا ليس في الأصل على
فَعِلَ وإنما هو على فَعَلَ مفتوح العين لقولهم يبيع ويطيب لكنهم
قبل إعلال العين يردونه إلى فعل على ما هو مقرر في التصريف وسيأتي إن
شاء الله فإذا نقلوه إلى فعل انقلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ثم
حذف للساكنين ونقلت حركتها إلى الفاء فقيل بعت فالذي قال في الفوائد
من كون الماضي على فعل صحيح لكن منه ما هو بحق الأصل ومنه ما هو
بمقتضى الإعلال وفي ذلك شغب ونظر فأزال الناظم هذا بأن قال إذا آل
إلى فلت وعلى هذا النحو جرى سيبويه إذ قال «إذا كان أول فعلت
مكسورا» وهو أحسن من جهة التعليم من قوله في الفوائد أو عين فعل
فعلا فإنه يشبه اللغز ولا شك أنه صحيح من جهة الصناعة
ثم اعلم أن إشارته إلى أن علة الإمالة إنما هي ظهور الكسرة في فعلت
تعطي أنه العلة فيما عينه الواو أو الياء كما مثل أما ما عينه واو
فلا شك في أن علة الإمالة هي الكسرة المذكورة وأما ما عينه الياء فقد
[١٤٧]
стр. 4614
يقال إن العلة هي الياء التي انقلبت الألف عنها كما كانت هي العلة
المتفق عليه في رمى ورحى لكن الناظم إنما يظهر من إشارته أن العلة فيها
الكسرة لا الياء وهذا المذهب قد يظهر من سيبويه إذ قال في التعليل «نحوا
نحو الكسرة» يريد في المسألة على إطلاقها «كما نحوا نحو الياء» يعني
في نحو رمى وسعى أو ما كان نحو أغزى واستدعى وهو في
نفسه مذهب صحيح وذلك أن إمالة هذه الألف يتجاذبها سببان قويان
أحدهما الياء التي انقلبت الألف عنها والآخر الكسرة الموجودة أول فعلت
وكلاهما ثابت الحكم أما الياء فثبت اعتبارها في ألف رمى واستدعى ونحوه
وأما الكسرة فثبت اعتبارها أيضا في خاف وما أشبهه واجتمعا في باع
ونحوه فاحتمل أن تكون الإمالة فيه للياء أو للكسرة لكن الكسرة عند
سيبويه وغيره هي المعتبرة لما تقدم من أن الألف إذا كانت عينا ليست
بمحل للإمالة إلا لأجل الكسرة كما تقدم لا لأجل انقلابها عن الياء فإن
انقلابها عن الياء غير معتبر لقوة العين بخلاف اللام فإنها ضعيفة قابلة للتغيير
والانقلاب إلى الياء كما تقدم فلما كان الأمر كذلك تعين أن الكسرة هي
الموجبة للإمالة وأيضا فإن الكسرة لا تقوى الياء قوتها بل الكسرة عند
سيبويه أقوى لأنه بدأ بالكسرة قبل الياء فلما أن ذكر الياء قال «لأنها
[١٤٨]
стр. 4615
بمنزلة الكسرة» وأيضا فذكر في إمالة الألف للكسرة أن أهل الحجاز هم
الذين لا يميلون وذكر في الياء أن كثيرا من العرب وأهل الحجاز لا
يميلون قالوا فهذا السماع يدل على أن الكسرة أقوى وأيضا
فالاستثقال في النطق بالكسرة أظهر منه في النطق بالياء التي ليست
بمدة فإن كانت مدة فالكسرة معها أثقل فلا شك أن إمالة ديماس أقوى
من إمالة سربال وإنما الكلام في الياء التي ليست معها كسرة فلهذه الوجوه
اختار الناظم والله أعلم نسبة الإمالة في باع وهاب إلى الكسرة لا إلى الياء
وذهب ابن السراج إلى أن الياء أقوى من الكسرة لأنها حرف والكسرة
ليست بحرف وقد تقدم أن السماع يدل على خلاف ذلك
وقد كان من حق الناظم أن يقول إنْ آلَ إلى فِلْت فيأتي بالفعل
الماضي بعد إن لأن الجواب متقدم وليس عليه فيه ضرورة ولكنه لما اعتاد
ذلك المنزع في هذا النظم جرى على ذلك النهج الذي ركبه وهذا قريب
* * *
كَذَاكَ تَالِي الْيَاءِ، وَالْفَصْلَ اغْتَفِرْ ... بِحَرْفٍ اَوْ مَعْ هَا كَـ (جَيْبَهَا أَدِرْ)
كَذَاكَ مَا يَلِيهِ كَسْرٌ، أَوْ يَلِي ... تَالِيَ كَسْرٍ أَوْ سُكُونٍ قَدْ وَلِيْ
كَسْرًا، وَفَصْلُ الْهَا كَلَا فَصْلٍ يُعَدّْ ... فَ (دِرْهَمَاكَ) مَنْ يُمِلْهُ لَمْ يُصَدّْ
[١٤٩]
стр. 4616
قوله «كَذَاكَ تَالِي الْيَاءِ» هو سبب رابع من الأسباب المذكورة وهو تقدم
الياء على الألف فكأنه يقول: إن الياء المتقدمة سبب في وجود الإمالة في
الألف ويعني أن الألف الوالي أي التابع للياء يمال أيضا وحقيقة
التالي أنه التابع مطلقا وليس فيه دلالة قطعية أنه الملاصق وإن كان ذلك
ظاهرا في استعماله واستعمال غيره فإن كان أراد الملاصق فيكون قوله
«وَالْفَصْلَ اغْتَفِرْ» استدراكَ قسم ثان وإن كان أراد ما هو أعم من ذلك
كان قوله «وَالْفَصْلَ اغْتَفِرْ» تفصيلا للجملة المتقدمة وتبيينا لقدر الفصل
فمثال الياء السابقة التي تتبعها الألف قولك الكيّال والبَيَّاع الميّال وكذلك
«شَوْكُ السَّيَالِ» والضَّيَاحُ وما أشبه ذلك يمال هذا كله لأجل الياء
ولا تكون الياء هنا إلا مفتوحة لاتصالها بالألف
ثم قال «وَالْفَصْلَ اغْتَفِرْ» اغتفرتُ الشيء إذا لم تعتدَّ به وهو من
الغَفْر وهو الستر والمحو يقال غفرْتُ الذنب واغتفرتُه فكذلك قوله اغْتَفِرِ
الفصلَ أي اطّرِحه ولا تعتدّ به يعني أنَّ الفصل بين الياء الموجبة للإمالة وبين الألف الممالة إذا وُجد في الكلام مغتفر لكن إذا كان على أحد وجهين:
[١٥٠]
стр. 4617
إما أن يقع الفصل بحرف واحد كائنا ما كان أعني سواءٌ أكان هاءً
أم غيرها فتميل ألف شيبان وغيلان وقيس عيلان وهيمان ونحو ذلك
وهو قوله «وَالْفَصْلَ اغْتَفِرْ ... بِحَرْفٍ»
وإما أن يقع بحرفين لكن بشرط أن يكون أحدهما هاءً نحو قولك
جيبُها وهو مثالُه فقد وقع بين الياء وبين الألف حرفان أحدهما هاء
ولكن الياء موجبة فتميل ألف جيبها وكذلك عيثُها وغيبها وسيبها
وسيلها وهذا بيني وبينها ويريد أن يكيلها وأن يُعينها وما أشبه ذلك
وهذا ** أراد بقوله «اَوْ* مَعْ هَا» وهو معطوف على «حَرْفٍ» لكن على تقدير:
أو حرفٍ مع هاء كأنه قال بحرف واحدٍ أو حرف مع هاء
وهنا مسألتان:
إحداهما أن ظاهر إطلاق الناظم في الياء يقتضي أن الإمالة ثابتة بها
سواءٌ أكانت ساكنة أم متحركة فالساكنة ما تقدم والمتحركة نحو
الحيوان والهيمان وقطع الله يدها وما أشبه ذلك وهو إطلاق
صحيح على الجملة غير أن الياء الساكنة أقوى في الإمالة لأن الانخفاض
[١٥١]
стр. 4618
فيها أقوى لقربها من حروف المد فإذا كانت حرف مدّ فأولى بالإمالة نحو
يكيلَها وأما المتحركة فأشبهُ بالحروف الصحاح المنتفحة** فلذلك كانت الإمالة
معها أضعف ومع ذلك فكل جائز
والثانية أنه يظهر منه جواز إمالة الألف سواء أكانت لازمة أم
عراضة فاللازمة كما ذكر والعارضة ألف التنوين نحو رأيت زيدا نص
سيبويه على جواز الإمالة فيه لكن إمالة الألف العارضة ضعيفة
لعروضها وهي مع ضعفها جائزة فلذلك أطلق الناظم القول في إمالة الألف
وإنما اغتفر الفاصل أما إذا كان واحدا فلأنه فاصل ضعيف من
حيث كان واحدا فلم يقو أن يمنع الياء من الإمالة لأجلها وأما إذا كان
الفصل بحرفين أحهما هاء فإنه في حكم الفصل بحرف واحد لأن الهاء
خفية فحين قلت جيبها كأنك قلت جيبا فرجع إلى حكم الفصل بالواحد
وأنس سيبويه خفاء الهاء بأن المتبعين في رد وعض إذا اتصل بها هاء
الضمير قالوا ردها للمؤنث ففتحوا الدال إذ الدال كأنها واقعة قبل الألف
من غير فصل كأنك قلت ردا وقالوا عضه فضموا الضاد لأنه في حكم عضوا لخفاء الهاء فكذلك فعلوا في الإمالة
[١٥٢]
стр. 4619
هذا تفسير مراده إلا أن عليه دركا من وجهين: أحدهما أن الناس لم يقتصروا في جواز الفصل على حرفين أحدهما
هاء بل أجازوا الإمالة إذا فصل حرفان أحجهما ساكن نحو أغيلْنا
وعيَّنا وبَيَّنا وما أشبه ذلك ووجه ذلك ضعف الساكن إذ ليس بحاجز
حصين فقرب الفاصل أن يكون حرفا واحدا والناظم لم يذكر هذا بل
اقتصر على نحو بينها ولم يدخل نحو أَغْيَلْنا وهو موهم عدم الإمالة فيه
كما لا تمال ألف غيبنا وبيننا ويدنا للفصل بحرفين ليس أحدهما هاء لكن
الناس فرقوا بأن المتحركين قويان في الفصل بخلاف ما إذا كان أحدهما
ساكنا لأن الساكن حاجز غير حصين فساغت الإمالة مع كون أحدهما
ساكنا ولم يسغ مع كونهما معا متحركين
والثاني أنه أطلق القول في الحاجز ولم يقيد حركته وقد شرط الناس
في ذلك أن لا يقع بين الألف الممالة وبين الياء ضمة وهذا إنما يشترط في
الفاصل المتعدد بل تكون حركة الفاصل إما فتحة كقولك بينها أو غيرها
أو يكون ساكنا نحو لم يتبينها فإن كانت ضمة منعت الإمالة رأسا لأنك
إذا أملت جيبها فلا بد من إمالة الحركتين معا قبل الألف أما فتحة الهاء فلا
بد منها لأن إمالتها بها تحصل إمالة الألف وأما الفتحة الأخرى فكذلك أيضا
لأن الهاء خفية في حكم الذاهبة وذهابها بحركتها فصارت الحركة كأنها
[١٥٣]
стр. 4620
والية للألف فلا بد من الإمالة فلو قلت هذا جيبها لم تمل لأن الضمة قد
حالت بين الممال والسبب قال سيبويه «وقالوا بيني وبينها فأمالوا في
الياء كما أمالوا في الكسرة وقالوا يريد أن يكيلها ولم يكلها» ثم قال
«وليس شيء من هذا تمال ألفه في الرفع إذا قال هو يكيلها وذلك لأنه وقع
بين الألف وبين الكسرة الضمة فصارت حاجزا فمنعت الإمالة لأن الباء
في قولك يضربها فيها إمالة فلا تكون في المضموم إمالة إذا ارتفعت الياء
كما لا يكون في الواو الساكنة إمالة» يعني لأن الضمة فيها ارتفاع فهي
تضاد الياء وتضاد ما ينحى به نحو الياء قال «وإنما كان في الفتح لشبه
الياء بالألف» هذا ما قال وليس كلامه مختصا بإمالة الكسرة وحدها
بل هو عام فيها وفي** إمالة الياء كما وقع تمثيله أولا وإنما قال «لأنه وقع بين
الألف وبين الكسرة الضمة» على جهة المثال لا أن ذلك مختص بالكسرة
دون الياء
واعتراض ثالث وهو أن الناظم لم يفرق في الحكم بالإمالة بين
وصل ووقف فظاهره أن الإمالة في الحالين معا على الإطلاق وليس
كذلك بل المميلون من العرب على فرقتين منهم من يميل في الوصل
والوقف معا ومنهم من يميل في الوقف دون الوصل فإذا قال بيني وبينها
فوقف أمال وإذا قال بيني وبينها مال لم يمل ووجه هذه اللغة أن
[١٥٤]
стр. 4621
الطرف أولى بالإعلال والتغيير وبقلب الألف واوا أو ياء كأفعى وأَفْعَوْ عند من وقف كذلك وأيضا الألف خفية إذا وقف عليها لا تتبين كل التبين» والياء أبين
منها والإمالة إنما هي تقريب إلى الياء فإذا وصلت الألف بشيء صار ذلك الشيء مبينا لها واستغنى عن الإمالة وبعد عن التغيير كما بعد أفعى منه حين
قلت أفعى زيد إلى هذا المعنى نحا سيبويه في تعليلها ونص على التفرقة مع الكسرة ومع الياء فهذه التفرقة مع أنها مشهورة ليس في كلام الناظم
إشارة إليها بل فيه ما يقتضي خلافها وهذا الاعتراض واللذان قبله واردة عليه في التسهيل والفوائد إذ لم يتحرز من ذلك فيهما ومثل الاعتراضين
الأخيرين يرد عليه في المسألة بعد هذا على ما أذكره إن شاء الله تعالى
والجيب جيب القميص ومعنى «أَدِرْ جَيْبَهَا» اقطعه وقوره ويقال في هذا المعنى جبت القميص أجوبه وجبته أجيبه إذا قورت جيبه وجيبته
إذا جعلت له جيبا وقال الراجز
باتت تجيب أدعج الظلام ... جيب البيطر مدرع الهمام
ثم أخذ في ذكر السبب الخامس وهو أن تتقدم الكسرة على الألف أو
تتأخر عنه وابتدأ بذكر تأخر الكسرة عن الألف فقال (كَذَاكَ مَا يَلِيهِ كَسْرٌ)
[١٥٥]
стр. 4622
إلى آخره كأنه يقول كل ما تقدم عليه كسر أو تأخر عنه فإنه ممال أيضا
فأشعر بأن الكسر هو السبب الموجب وقدم ذكر الكسر المتأخر عن الألف
يعني أن الألف إذا وليه أي تبعه بعده كسر فإن ذلك الألف يمال لأجله
وقوله «ما يليه كسر» يقتضي ملاصقة الكسر له وهذا هو المشهور في
الكسرة البعدية ومثال ذلك مررت بمالك وعابد ومساجد وعالم
وعذافر ومفاتيح وهابيل وما أشبه ذلك ووجه الإمالة أنهم أرادوا تقريب
الألف من الكسرة التي بعدها كما قربوا الصاد من الدال حين قالوا
صدر لما بعدت الصاد من الدال فأرادوا أن يقربوها منها فجعلوها بين
الصاد والزاي التي هي أقرب إلى الدال والصاد متقدمة على الدال فكذلك
فعلوا ههنا فإن كانت الكسرة لا تلي الألف فيقتضي* منع الإمالة فقولك
مررت بتابل فإن كانت الكسرة لا تلي الألف فيقتضي* منع الإمالة فقولك**
مررت بتابلٍ وآجر وآدم وعالم وما أشبه ذلك يفتح لبعد الكسرة عن
الألف وكذلك نحو جاد وعاد وساد يقتضي أنه لا يمال على حال
إن لم نعتبر كسرة الدال المدغمة وهذا فيه نظر فإن من العرب من يقول
مررت بجاد فيميل فإذا كان في موضع الرفع والنصب لم يمل فهؤلاء
اعتدوا كسرة الدال الثانية مع وقوع الفصل بالأولى لكن يعتذر عن الناظم بأن
[١٥٦]
стр. 4623
هذه اللغة قليلة الاستعمال فلم يحفل بها وأيضا لما كان الحرف المدغم والمدغم
فيه يرتفع اللسان بهما ارتفاعةً واحدة ويعمل فيهما عملا واحدا شبها بالحرف
الواحد نحو مررت بمالك إذا جعلت الكاف ضمير المخاطب وبهذا وجهه
سيبويه فقد ينهض هذا عذرا عن الناظم
ثم إطلاقه القول بالإمالة هنا ولم يقيد بشيء يقتضي معنيين
أحدهما أنه يريد أن حكم الإمالة منسحب كان الكسر ظاهرا ملفوظا به
أو مقدرا فالظاهر ما تقدم التمثيل به والمقدر على وجهين مقدر لأجل
الإدغام ومقدر لأجل الوقف فالمقدر لأجل الإدغام نحو قولك هذا ماد
وهذا جاد وجواد ومواد وعاد وكال ومررت بكاف وما أشبه ذلك
فأصل هذه ماددٌ وجاددٌ وجوادِدُ وكذلك سائرها فالكسرة في الأصل
موجبة فلما أدغمت أميلت أيضا اعتبارا بأصلها هذا ما يعطي كلامه وأما
النقل في مثل هذا فالمشهور من كلام العرب الفتح لأن الكسرة قد زالت
والإمالة إنما سيقت لأجل تقريب صوت الألف من صوت الكسرة فإذا قد
ارتفع الموجب قال سيبويه «ومما لا تمال ألفه فاعل من المضاعف ومفاعل
وأشباههما لأن الحرف قبل الألف مفتوح والحرف الذي بعد الألف ساكن لا
كسرة فيه فليس هنا ما يميله» ثم أتى بالمثل ثم قال «فلا يميل يكره أن
[١٥٧]
стр. 4624
ينحو نحو الكسرة فلا يميل لأنه فر مما يحقق فيه الكسرة» يعني أنه فر
من قوله جادد ومادد لأجل التضعيف فلما فر من ذلك وجب أن تمتنع
الإمالة إذ لا موجب لها ثم حكى عن قوم الإمالة على الإطلاق حالة الجر
وغيره كأنهم أرادوا أن يبينوا بالإمالة الكسرة في الأصل فأنت ترى أن
الإمالة ضعيفة هنا والناظم قد أطلق القول في إعمالها وقد جعلها في
التسهيل نادرة فقال «وربما أثرت الكسرة منوية في مدغم أو موقوف
عليه» لكن لما حكاها سيبويه عن طائفة من العرب كانت جائزة على الجملة
فصرح بالجواز فيها مع غيرها على الجملة وقد أطلق ناس من المتأخرين
القول بالجواز كما فعل هنا فلا ينبغي أن يعتر عليه
وأما المقدر لأجل الوقف فقول هذا ماش وهذا داع وهذا ساب
ومررت بماش وما أشبه ذلك إذا وقفت على هذه الأسماء المنقوصة زالت
الكسرة ولكن الأصل معتبر على إطلاق الناظم فتميل ذلك كله في حال الجر
وغيره لأن الكسرة إنما هي مقدرة فيما يلي الألف وهذا ما يظهر منه وأما
النقل فعلى نحو من النقل في المضاعف أو قريب منه وقد ذكر سيبويه الإمالة
في مررت يمال وبالمال كما أمالوا في ماش وداع ثم حكى أن من المميلين
من يبقي* على حكم الإمالة في الوقف رعيا للأصل ومنهم من يفتح لذهاب
الكسرة فعلى هذا التقدير تضعف الإمالة في الوقف إذ كان بعض من
يميل في الوصل لا يميل هنا والقراء في هذا النحو على ما يظهر من الناظم
[١٥٨]
стр. 4625
من الإمالة كوقوفهم على الناس فالذي يميله في الوصل يميله في
الوقف وهو أبو عمرو والعلة في الإمالة وتركها واحدة والكلام مع الناظم
فيهما واحد وقد شبه سيبويه أحهما بالآخر فقال جاد وبابه «وقد أمال
قوم على كل حال كما قالوا هذا ماش ليبينوا الكسرة في الأصل» إلا
أن الناس قد أجازوا الإمالة هنا وإن جعل المؤلف ذلك نادرا في التسهيل
ويمكن أن يكون أراد الكسر الظاهر فيوافق التسهيل لأن الإمالة مع تقديره
قليلة ويكون من أطلق الجواز من النحويين في غير الكسر الظاهر يريد
به مع اعتقاد قلته والثاني أن يريد الناظم أن الإمالة معملةٌ كانت الكسرة لازمة أو عارضة فاللازمة نحو ما تقدم من عالم وعالم* ومساجد وأما العارضة فكسرة الإعراب كقولك من مالك وإلى بابك ومن مال زيد ومن ماله أمالوا هذا كله تشبيها لحركة الإعراب بحركة البناء قال سيبويه «ومما يميلون ألفه قولهم مررت ببابه وأخذت من ماله هذا في موضع الجر» ثم علل بما تقدم من أنهم شبهوا «مال» في الجر بفاعل نحو كاتب وساجد قال «فأما في موضع النصب والرفع فلا تكون كما لا تكون في آجر وتابل» يعني لزوال
[١٥٩]
следующие страницы →