Полный текст (5 477 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
على/ الزمان الذى وضع له الفعل، كضرب مثلا: دالٌّ على الحدث الذى هو الضربُ، وعلى زمانه وهو الماضى. (ثم) إن هذه الأفعال تجرّدت عن الدلالة على الحدث وصارت تدلّ على الزمان منفردًا، فصارت ناقصة الدلالة، فَسُمِّيتَ نواقص والناظم لم يرتضِ هذا الرأى من تجرّدها عن الدلالة على الحدث، بل ذهب فيها مذهب ابن خروف أَنّها دالة على الحدث كما هي دالة على الزمان، إِلّا ليس فلا تدل على حدث كما لا تدل على الزمان. وإنما سُمِّيت نواقص لعدم اكتفائها بمرفوع.
قال في شرح التسهيل: وإنما لم تكتف بمرفوع لأن حدثها مقصودٌ إسناده إلى النسبة التى بين معموليها، [فمعنى قولك: كان زيد عالمًا، وجد اتصاف زيد بالعلم]، والاقتصار على المرفوع غير واف بذلك، فلذلك لم يستغن عن الخبر، وكان الفعل جديرًا أن ينشب إلى النقصان»، قال: «وقد أشار إلى هذا المعنى سيبويه بقوله: «تقول: كان عبد الله أخاك، فإنما أردت أن تخبِر عن الأخوة». فبيّن أن «كان» مسندةٌ إلى النسبة». (ثم) قال: فمن ثمّ [بَيّنّا] عدم الاكتفاء
стр. 842
بالمرفوع.
ثم استدلّ على بطلان مذهب الجمهور من أوجهٍ عشرة:
أحدهما: أن مدّعى تجرّدها عن الحدث مقرٌّ بفعلية هذه العوامل، والفعلية تستلزم الدلالة على الحدث والزمان معًا؛ إذ الدالّ على الحَدَثِ وَحْدَه مصدرٌ، والدالّ على الزمان وحده اسم زمان. وهذه العوامل ليست بمعان ولا أسماء زمان، فبطل أن تكون دالّة على أحد المعنيين دون الآخر.
والثانى: أَنّ مُدّعِىَ ذلك معترف بأنّ الأصل في كل فعلٍ الدلالةُ على المعنييين، فإخراجه [لها] عن ذلك إخراج عن الأصل، فلا يقبل إلا بدليل.
والثالث: أنها لو كانت دلالتُها مخصوصةً بالزمان لجاز أن ينعقِدَ من بعضها ومن اسم معنى جملةٌ تامة، كما ينعقد منه ومن اسم زمان، وفي جواز ذلك وامتناع هذا دليل على بطلان دعواه.
والرابع: أن الأفعال كلّها إذا كانت على صيغة مختصّةٍ بزمان مُعَيّن، فلا يمتاز بعضها من بعض إلا بالحدث، كضرب وقعد، فإذا فُرِض زوالُ ما به الامتياز، وبقاءُ ما به التساوى، لزم أَلّا يكون بين الأفعال فرق، فلا يكون بين قولك: زيد غنيًا، وصار زيد غنيًا -فرقُ، والفرق حاصل، فبطل ما يوجبُ خلافه. وأيضًا لو كان كذلك لزم التناقضُ مَنْ قال: أصبح زيدٌ ظاعنًا وأمسى مقيما، لأنه على ذلك التقدير (بمنزلة): زيد قبل وقتنا ظاعن، (وإنما) يزول
стр. 843
التناقض بمراعاة دلالة الفعلين على الإصباح والإمساء، وذلك هو المطلوب.
والخامس: أن من جملتها انفكّ، فلو لم تدلّ إلا على زمان الخبر، لزم أن يكون معنى؛ ما انفك زيدٌ غنيا: ما زيدٌ غنيا في وقت من الأوقات الماضية، وذلك نقيض المراد، فوجب بطلان ما أفضى إليه.
والسادس: أنّ من جملتها دام، ومن شرط إعمالها عمَل كان كونُها صلة لما المصدرية، ومن لوازم ذلك صحة تقدير المصدر في موضعها، نحو: جُدْ ما دُمْتَ وَاجِدًا، أى: مدة دوامك واجدًا، فلو كانت دام مجردة عن الحدث لم يقم مقامها اسمُ الحدث.
والسابعُ: أنها لو لم/ يكن لها مصدر لم يدخل عليها أَنْ، لأنها وما وصلت به في تأويل المصدر. وأيضا قد جاء مصدر كان صريحًا نحو قوله:
بِبَدْلٍ وحِلْمْ سَادَ في قَوْمه الفتى
وَكَوْنُكَ إِيّانُ عَلَيْكَ يَسِيرُ
وحكى أبو زيد مصدر فَتئَ، وحكى غيره: ظَلِلْتُ أفعلُ كذا ظُلُولًا. وقالوا في كاد -وهى فعل ناقص ككان-: لا أفعلُ ذلك ولا كَيدًا، أى: ولا أَكادُ كيدا. هذا مع أنها أضعفُ من كان؛ إذا لا يُستعمل لها اسم
стр. 844
فاعل بخلاف كان، فاستعمال مصدر كان التى هى أقوى أَحْرَى.
والثامن: أنها لو كانت لمجرّد الزمان لم يُغْنِ عنها اسمُ الفاعِلِ، كما في الحديث: «إنّ هذا القرآن كائِنٌ لكم أجرًا، وكائنٌ عليكم وِزْرًا». وحكى سيبويه عن العرب: هو كائنُ أَخِيك؛ لأن اسم الفاعل لا دلالة له على الزمان، وإنما يدل على الحدث، وما هو به قائم، أو ما هو عنه صادر، وقال الشاعر:
قَضَى اللهُ -يا أَسْمَاءُ- أَنْ لَسْتُ زَايلًا
أُحِبُّكِ حَتّى يُغْمِضَ الجَفْنَ مُغْمِضُ
والتاسع: أن دلالة الفعل على الحدثِ أقوى من دلالته على الزمان، لأن دلالته على الحدث لا تتعين بقرائن، ودلالته على الزمان تتعين بالقرآئن، فدلالته على الحدث أولى بالبقاء من دلالته على الزمان.
والعاشر: أن هذه الأفعال لو تجردت عن الحدث لم يُبْنَ منها أمرٌ؛ لأن الأمر لا يُبْنَى مما لا دلالة فيه على الحدث.
هذا ما استدلّ به المؤلّفُ. ثم ذكر [أن] كَونُ هذه الأفعالِ دالّةً على مصادرها هو الظاهر من قول سيبويه والمبرّد والسيرافىّ أجاز الجمع بين كان ومصدرها تأكيدًا. وقد استدل ابنُ خروف على ذلك بأنها مشتقّةٌ من المصادر،
стр. 845
وبقولك: أعجبني [كون] زيد قائمًا. وهو كثير الاستعمال، وبأنّ كائنا في نحو: زيدٌ كائنٌ أخاكَ لا يخصّ زمانًا، قال: فلو لم تدلّ على حدثٍ لم يَكُنْ لها معنًى، وإن أردت فيها تخصيص الزمانِ جئت بالظرف المختصّ.
واعلم أن هذه الأدلّة كلّها قابلةٌ للنظر، ومحتملة للبحث، وغالبها أو جميعُها لا ثيبتُ عند التحقيق الذى حقّقه الجمهورُ، وقد بَيّنتُ ذلك في غير هذا. ولولا أن القصدَ توجيهُ ما ذهب إليه في هذا النظم المُتَعرضُ لشرح مقاصده دون النظر في تحقيق المسائل على الإطلاق، لبينتُ ذلك، ولكنى التزمت الانتصار لمذاهبيه والترجيح لها على غيرها ما قدرتُ على ذلك. فإذا لم أجد في انتحاله للاصابة مذهبا صرحتُ بما هو الحقُّ عندى وعند أئمة هذا الشأن. فهذا هو القصد هنا، والله المستعان.
فإن قيل: كيف قال: «وذُو تَمامٍ مّا بِرَفْعٍ يَكتَفِى». وهذا إنّما يصدقُ على ما كان منها غير متعدٍّ، وأمّا ما تعدّى منها إلى مفعولٍ به، فهو من جهة معناه غير مكتفٍ بالمرفوع دون أن ينصب ما يقتضيه من المفعول، كصار ضَمّ أو قَطّع، وكان بمعنى غَزَل، وشبه ذلك؟
فالجواب أن معنى الاكتفاء بالمرفوع أن يستقلّ به الكلام حتى يكون جملة من فعل وفاعل يصحّ السكوت عليها، ويستفيد بها المخاطب كضرب زيد، وأكرم عمرو، [و] عند النحويين أن الفعل إذا أخذ فاعله فقد تمّ الكلام لوجود المسند
стр. 846
والمسند إليه، وأما المفعول/ ففضله -لعدم الاحتياج إليه في الإسناد، فإنما جرى كلامه على معهود الاصطلاح.
ثم نَبّه على استُعمِلَ تامًا أيضا فقال:
... ... وَالنّقْصُ فِي
فَتِئَ لَيْسَ زَالَ دَائَمًا قُفِى
يعنى أن هذه الأفعال الثلاثة النقصُ لها لازمٌ دائم، لا يستعمل واحدٌ منها تامًا البتة؛ فأما فَتِئ وليس فما قاله فيهما صحيح. وأما زال فإنها على وجهين:
أحدهما: أن يكون مضارعها يزول أو يَزِيلُ، وهذا لم يتكلم فيه الناظم، فإنهما لا يستعملان على النقص، بل تقول: زال الشئ يَزِيله زيلًا: إذا مَيّزه منه وفَرّقه. ويقال: أزلتُه فلم يَنْزَلْ -على يَنْفَعِل-. فهذان على فَعَلَ بفعُلُ، وفَعَل يَفْعِلُ، لا يكونان ناقصين.
والثاني: الذى على فَعِل يَفْعَل، وهو الذى قصد ذكره، والذى لا يستعملُ عنده إلا ناقصًا.
فإن قيل: كيف زعم ذلك وقال: إن النقص فيها دائمًا تُفِى -أى: تُبِّعَ، يقال قفوت أثَرَه، أى: تبعتُه- فالمعنى أن السماع تُتِبّع فوجد كذلك، ونحن نجد الأمر بخلاف ما قال، ففي الحماسة من قولِ عبد الله بن ثعلبةً الحنَفِىّ:
لِكُلِّ أُنَاسٍ مَقْبَرٌ بِفِنَائِهِمْ
فَهُمْ يَنْقُصُونَ والقُبُورُ تَزِيدٌ
стр. 847
وَمَا إِن يَزَالُ رَسْمُ دَارٍ قَدَ اخْلَقَتْ
وَبَيتٌ لِمَيْتٍ بِالفِنَاءِ جَديدُ
فيزالُ -هنا- لا خَبَر له، والكلام قد تَمّ. وكذلك قولُ الآخر، أنشده المؤلف:
وَلَا يَزَالُ وَهْوَ أليَسُ
كأنّه قال: ولا يبرحُ في هذه الحال. فقد وُجِدت زال -التى على فَعِل يَفْعَلُ- تامةٌ لغوًا؟
فالجوابُ: أن هذا محتمل للنقصان على حذف الخبر، أما بيت الحماسة فإنّ ابن خروف حمله على أن الخبر محذوف دلّ عليه المجرور المتقدم، وأراد: وَمَا إنْ يزالُ بِها رسمُ دارٍ. وأعادَ الضميرَ على البلدةِ أو البقية. وأما البيت الآخر فقد تأوّله المؤلف على حذف الخبر كذلك، فانظر فيه في الشرح. وإذا كان ذلك يحتملُ النقصانَ لم يثبت التمامً إلا بأمرٍ بين وشاهدٍ ظاهرٍ، وإلا فالأصلُ الرجوعُ إلى ما ثبت وهو النقصان؛ فلذلك جَزَم الناظم بلزوم النقص وأكّده تنبيهًا على أنّ ما يُتوهّمُ فيه التمامُ ليس بمتعيّن له، وعلى أن ما أجازه الفارسىّ في «الحلبيّات» من وُقوعِ زال تامّةَ لا يثبتُ.
стр. 848
ولما عَيّنَ للاختصاص بالنقصان هذه الأفعال الثلاثة، دَلّ على أنّ ما عداها قد يأتى تامًا، وذلك صحيح.
فأما كان فتأتى بمعنى ثَبَت أو وُجِد أو وَقَع، أو نحو ذلك، ومنه ما أنشده سيبويه، من قول مَقّاس العائذى:
فِدًى لِبَنِى ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ ناقَتِى
إِذَا كَانَ يَوْمٌ ذُو كَواكبَ أَشْهَبُ
وأنشد ابن خروف:
كَانُوا وَكُنّا فما ندرى عَلَى وَهَمٍ
أَنَحْنُ فيها لَبِثْنَا أَمْ هُمُ عَجِلُوا
فالمعنى: أقاموا ودمنا، ولها معانٍ [أُخَر] غير هذا المعنى.
وأما ظَلّ فتكون تامة بمعنى: دام وطال، وهو فَعِل يَفْعَل كالناقص، تقول: ظَلِلْتُ، بالكسر.
وأمّا بات فتكون بمعنى: عَرّسَ، وهو النُّزولُ ليلًا، ومنه في أَحَدِ الاحتمالين قول ابن عُمَر ﵁: / «أما رسولُ الله ﷺ فقد بات بمنًى وظلّ». قال ابن خروف: يجوزُ فيهما
стр. 849
النقصانُ والتمام. وأنشد القالى:
بِحَاجَةِ مَحْزُونٍ يَظَلّ وَقَلْبُهُ
رَهِينٌ بِبَضّاتِ الحجالِ صَدِيقُ
وقال امرؤ القيس:
وَبَاتَ وَبَاتَتْ لَهُ لَيْلَةٌ
كَلَيْلَةِ [ذِى] العَائِرِ الأَرْمَدِ
وأما أضحى فتكون تامّةً بمعنى: دخل في الضحى، تقول: أقمتُ بالمكان حتى أضحيتُ ومنه قولُ عُمَر بن الخطاب -رضى الله عنه-: «أَضْحوا بصلاة الضحى»، يعنى: لا تصلّوها إلى ارتفاع الضحى.
وأما أصبح فتكون بمعنى: دخل في الصباح، ومنه تقول: أقمتُ بالمكان حتى أصبحتُ.
وأما أمسى فتكون بمعنى دخل في المساء. والشاهد عليهما معًا قولُ الله -سبحانه-: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِيْنَ تُمْسُونَ وَحينَ تُصْبِحُونَ﴾.
وأمّا صار فتكون بمعنى برجع، تقول: صِرْتُ إلى كذا. ومنه في القرآن: ﴿أَلَا إِلَى اللهِ تَصيرُ الأمُور﴾. وتكون بمعنى أمالَ، وبمعنى قطع. ومنه في
стр. 850
القرآن: ﴿فَصِرْهُنّ إِلَيْكَ﴾، فقد فُسِّرت قراءة الكسرةِ بالوجهين، وهى قراءة حمزة، أى: ضُمّهُنّ وأَمِلْهُنّ إليك. أو قَطِّعُهنّ، و (إِلَيْكَ) تتعلّق بـ (خُذْ). ومن الإمالة قولُ الشاعر:
وَفَرْع يَصِيرُ الجيد وَحْفٍ كأنه
عَلَى اللِّيت قِنْوانُ الكُرُومِ الدوالحُ
وأنشد قُطْرُب:
وَكُنْتُ -إِذَا لَمْ يصِرْني الهَوَى
وَلَا حُبُّها كَانَ مِنِّى- نَفُورَا
وعلى قراءة الضمّ لا مدخل لها في هذا المعنى المقصود من بيان التامّ، لأنها من صاره يصوره، فلا اشتراك بين هذا وصار الناقصة؛ لأن الناقصة من الياء، وهذا من الواو.
وأما بَرِح فتكون بمعنى: ذهب، نحو ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: لا أَبْرَحُ﴾ .. الآية وتقول: ما برححْتُ من مكاني. وبمعنى: ظَهر، ومنه قولهم: بَرِحَ الخفاء.
وأما انفكّ فتكون بمعنى انفصل، نحو فَكَكْتُ الخاتم فانْفَكّ. وهو أحد
стр. 851
التأويلان في قول ذي الرمّة:
حَرَاجِيجُ، مَا تَنْفَكُّ إِلّا مُنَاخَةً
عَلَى الخَسْفِ، أَوْ نَرْمِى بِهَا بَلدًا قَفْرا
قال ابن خروف: لم تدخل «إِلّا» إلّا وقد نُوِى التمام.
وأّمّا دام فتكون بمعنى: بقِي، كقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السّمواتُ والأرضُ﴾.
وقال امرؤ القيس:
وَمَا المرءُ -مَا دَامَتْ حشَاشَةُ نَفْسِهِ
بِمُدْرِكِ أَطْرافِ الخُطُوبِ وَلَا آل
وَلَا يَلِى العَامِلَ مَعْمُولُ الخَبَرْ
إِلّا إِذَا ظَرْفًا أَنى أَوْ حَرْف جَرْ
وَمُضْمَرَ الشّأْنِ اسْمًا انْوِ إِنْ وَقَعْ
مُوْهِمُ مَا استَبَانَ أَنّهُ امْتَنَع
هذه مسألة من مسائل التقديم والتأخير، وذلك تقديم معمول الخبر على الخبر، (وتقديم معمول الخبر على الخبر-) جائز - على الجملة- إذا كان متصرفا في نفسه، على الأصل في أن كل عامل متصرّف في نفسه يتصرّف في
стр. 852
معموله؛ فإذا كان الخبر عاملًا متصرفا تُصُوِّر في تقديم معموله عليه في باب كان صورٌ ثلاث: تقديمه على الخبر خاصة، وعلى المبتدأ والخبر -ومن كان- وعلى الجميع. ومقتفضى كلامه جوازُ ذلك كُلّه إلا تقديمه على الخَبرِ والمبتدأ دُون كان بحيثُ يكونُ واليًا لها؛ فإن ذلك غيرُ جائزٍ ما لم يكن ظرفًا أو مجرورا، وذلك قوله: «وَلَا يَلى العَامِلَ معمولُ الخَبَرْ» .. إلى آخره.
يعنى أنه لا يجوز تقديم معمول الخبر بحيث يصير واليًا للعامل -الذى [هو]: كان، أو واحدًا مما جرى مجراها- إلا إذا كان ذلك المعمول ظرفًا زمانيا أو مكانيا، أو حرف جرّ مع مجروره/، فإن ذلك جائز مثال ذلك: ما كان طعامَك زيدٌ آكلًا، فطعامَك معمول آكلًا، وقد ولى كان، وليس بظرفٍ ولا مجرور، فلا يجوز إذًا. وكذلك إذا قلت: كانت زيدًا الحُمّى تأخذُ، وكان أخاك زيدٌ مكرمًا. وما أشبه ذلك.
ومثله في المنع، إذا قدّمت الخبر على الاسم فقلت: كان طعامَك آكلًا زيدٌ، وما كان أخاك مكرمًا زيدٌ، لأن المعمول قد وَلِىَ كان. ووجه المنع ههنا هو ما نُقِل عن سيبويه -وهو رأى الزجاجىّ في التعليل- أنك أوليت كان ما ليس معمولًا لها. ونصُّ سيبويه في المسألة أنه لما أنشد قول حُمَيد الأرقط:
فَأَصْبَحُوا والنَّوَى عَالِى مُعَرّسِهِم
وَلَيْسَ كُلّ النّوَى تُلْقِي المَسَاكِينُ
стр. 853
قال: «ولا يجوز أن تحمل «المساكين» على ليس وقد قدّمت فجعلت الذى يعمل فيه الفعلُ الآخِرُ يلى الأول»، قال: «وهذا لا يحسن ولا يجوز، لو قلت: كانت زيدًا الحُمّى تأخذ، أو تأخذ الحُمّى، لم يجز وكان قبيحا». وهذا معنى ما نقلوا، وهو الذى اعتمد الناظم.
فالحاصل: أن الناظم منع هنا مسألتين:
إحداهما: كان طعامَك زيدٌ آكلا. وهو مذهب الجمهور فيها، وقد نقل ابن أبي الربيع أَنّ ذلك لا خلاف فيه. وليس كما قال، بل ذكر السيرافي الخلاف، وأن بعض من يجيز المسألة احتجّ على الجواز بقول الشاعر:
فَنافِذُ هَدّاجُونَ حَوْلَ بُيُوِتِهِمْ
بِمَا كَانَ إيّاهُمْ عَطِيّةُ عَوْدا
ثم قال: ولا حجة فيه لأمرين: إمكانُ حَمْلِ كان على أن فيها ضمير الشأن -كما ذكر الناظم- وإمكانُ زيادةِ كان.
والثانية: كان طعامَك آكلًا زيدٌ. وهو ظاهر كلام سيبويه وتعليله. وقد عَلّل أبو على الفارسىُّ المسألة الأولى بأن المنع لأجل الفصل بين كان واسمها بأجنبى منهما.
وجرى على التعليل بهذا بعضٌ. وهو يقتضى جوازه هذه المسألة. والوجه ما رآه الناظم من المنع كالمسألة الأولى؛ إذ لا فرق بينهما في الحقيقة؛ قاله: فإن
стр. 854
قيل: فإن قيل: النيّةُ فيه التأخيرُ فكذلك هو في الوجه الآخر، قال: ولا تأثير بكونه قد وَلِىَ عاملَه قريبًا أو بعيدًا، وإذا كان أُولى غير عامله، ولم يرد به سماع.
ثم استثنى الظرف والمجرور من المنع فقال: «إلا إِذَا ظَرْفًا أَتَى أَوْ حَرْفَ جَرّ». يعنى أنهم أجازوا تقديم معمول الخبر، وإن ولى كان، إذا كان ظرفًا. نحو: كان عندك زيدٌ مقيمًا، وكان مكانَكَ زيدٌ قاعدًا. أو حرف جر، نحو: كان في الدار زيدٌ قاعدًا، وكان إليك عَمْروٌ سائرًا. وما أشبه ذلك.
قال ابن أبي الربيع: ولا أعلم في جَوازِه خلافًا، ومنه في القرآن المجيد: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾.
وأنشد سيبويه:
لَتَقْرُبِنّ قَرَبًا جُلْذِيّا
مَا دَامَ فِيهنّ فَصِيلٌ حَيّا
ولَمّا تَقَرّر ما يمتنع في هذا التقديم دَلّ على أنّ ما عدا ذلك جائز، نحو قولك: كان زيدٌ طَعَامَك آكلا، وكان آكلًا طعامَك زيدٌ، وطعامَك كان آكلًا زيدٌ، وطعامَك كان زيدٌ آكلا. وما أشبه ذلك.
ولمّا كان في السماع ما يظهر منه جوازُ ما منع نبه على أن ذلك على
стр. 855
غير ظاهره، بل هو متأوّل فقال: «وَمُضْمَر الشّأْنِ/ اسْمًا انْوِ».
مضمر: مفعول بأنو. واسمًا: حال من مضمر الشأن.
ويعنى أنه إِنْ وَقَع من كلام العرب ما يُوهِمُ جَوَازَ ما ذكرتُ امتناعَه، فليس بمخالف في الحقيقة، ما هو راجعٌ إلى ما يجوز، وذلك إذا أضمرت في كان ضمير الأَمْر والشأن. والذى نَبّه عليه قول الشاعر، أنشده السيرافىّ وغيره:
قَنَافِدُ هَدّاجُونَ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ
بِمَا كَانَ إِيّاهُمْ عَطِيّةُ عَوّدَا
فهذا مثل قولك: كان طعامَك زيدٌ آكلا، وكانت زيدًا الحُمّى تَأْخُذُ. وقد تقدّم منعُه، حملُه على أنّ في كن ضمير الشأن، أى: بما كان الأمر إيّاهم عطيّةُ عَوّدا. وإذا أمكن هذا التقديرُ صارتِ الجملةُ بعد كانَ على وجهٍ جائزٍ؛ لأنك تقولُ: أخاك زيدٌ ضارب، وأخاك زيدٌ ضَرَبَ إذا ثبت هذا فقد وقعت الجملةُ مستقلّةً، وهى مفسرةً ضمير الأمر والشأن، ولم يل معمولُ الخبر فيها العامل الذى كان، فلم يَبْقَ إشكالٌ. وإنما احتاج إلى هذا الاعتذار لأن الكوفيين أجازوا ما منعه من المسألتين بهذا البيت.
وقد تَقَدّم عن السيرافىّ اعتذارٌ ثانٍ، وهو الحملُ على زيادة كان. وأيضًا فهو من النوادر التى لا تكاد توجدُ إلا ضرورة، ولو كَثُر في السماعَ لأُجيِزَ، بل تقديمُ المجرور الذى هو جائزٌ عند الجميع قليلٌ لسماع حتّى إِنّ الفارسىّ قال: لم أعلم شيئًا من ذلك مرّ بي في كلامهم -يعنى- والله أعلم- مُتَعيِّنا للتقديم وإلا فقد أتى سيبويه بالآية والبيت المتقدمين،
стр. 856
لكنهما محتملان- قال: إلا أنِّي رأيتُ أبا الحسن في «المسائل الصغير» يجيز ذلك في مسائل له يفصل بينها بالظرف (المتعلق) بالخبر، قال: (وقد) وقفنا بعدُ على قول الشاعر:
فَلَا تَلْحَنِى فِيهَا؛ فَإِنّ بِحُبِّهَا
أَخَاكُ مصابُ القلب جَمّ بَلَابُلهْ
فالباء: من صلة الخبر؛ ألا ترى أن التقدير: مصابُ القلب بحبّها. ثم ذكر أَنّهم أجازوا ذلك لاتساعهم في الظروف والمجرورات؛ إذ قد يُفْضَل بها في موضعٍ لا يفصل بغيرها، كفصلهم بها بين المضافِ والمضاف إليه، وبين إن واسمها. ولم يستجيزوا ذلك في غيرها، فكذلك استجيز فيها هذا الضرب.
ذكر ذلك في «التذكرة» في مسألة: ما كان فيها أحدٌ خيرًا منك، من مسائل الكتاب.
فنبّه -كما ترى- على قلّة وجود مثل ذلك في السماع، حتى استشهد بمسألة «إِنّ» على مسألة «كان»، من حيث كان الحكم فيها واحدًا إذ ما يجوز من ذلك في «كان» يجوز في «إنّ» وظننت وسائر النواسخ. وقد فَرّع سيبويه مسائل البابين -كان وإنّ- تفريعًا واحدًا، وقال ابن خَرُوف: لو قلت: رأى عمرًا زيدٌ رجلًا ضاربًا. تريد رأى زيدٌ رجلًا ضاربا عمرًا -لم يجز. وقال: إن هذا
стр. 857
لا يختصُّ بكان وأخواتها. ولعل الناظم رمز القاعدة هنا بقوله: «وَلَا يَلِىِ العَامِلَ مَعْمُولُ الخَبَرْ»، ولم يقل: ولا يلى كان، أو ذا الفعل، أو نحو ذلك مما يعطى الاختصاصَ بكان وأخواتها، بل أتى بلفظ يَعُمُّ عوامل المبتدأ والخبر، تنبيها على اتحاد الحكم في الجميع.
فإن قلت: لو كان كذلك لم نبّه على المسألة في باب «ما»، بل كان يكتفي بعموم المسألة هنا.
قيل: ولو لم يكن كذلك لنبه عليها/ في باب «إن». فقد يظهر أن المساة هنا عامة، وإنما ذكرها في باب «ما» لحكم آخر ضروري يختصّ بـ «ما» حسب ما يُذكر في بابه، إن شاء الله.
واستبان الشئُ، وتبيّن، وأبانَ: كلها بمعنًى واحدٍ، وهو هنا غير متعدٍّ. وقد يستعملُ متعديًا فيقال: استَبنْتُ الشئَ، كما يقال: تَبَيّنْتُه، وأنبتُه. وكذلك: بَيّن الشئُ وبيّنْتهُ.
وَقَدْ تُزَادُ كَانَ فِى حَشْوٍ كَمَا
كَانَ أَصَحّ عِلْمَ مَنْ تَقَدّمَا
يعنى أن كان -من بين سائر أخواتها- تكون في الكلام زائدةً، لكن ذلك قليل، ولأجل ذلك أتى بقد المفيدة للتقليل. ومعنى زيادتها أن تكون دخولُها كخروجها بالنسبة إلى العمل لا بالنسبة إلى المعنى؛ فإنها إما تُزادُ لمعنًى وهو الدلالةُ على الزمان الماضى، كما هى في أصلها، وإنما الزيادةُ من حيثُ إِنها تجئُ غير عاملةٍ في معمول، فكأنها ملغاةٌ
стр. 858
أُتِي بها استدراكًا للدلالة على الزمان، كما يُؤْتَى بأفعال القلوب استدراكًا للدلالة على وَجْهِ حُصُولِ الخبر من العلم أو الظن. ويقع النظرُ هنا في ستّ مسائلَ:
إحدها: في تخصيصه كانَ من بين سائر أخواتها؛ إذ لم يذكر ذلك في غيرها، وذلك في مشهور الكلام صحيح؛ لأنّ كان أصلٌ لكلِّ فعلٍ وحدثٍ، وأصل في هذا الباب لسائر أفعاله، فتصرّفوا فيها لذلك ما لم يتصرّفوا في غيرها. فأما أصلٌ لكلّ فِعْلٍ وحدث فلأنه يصحُّ أن يُعَبّر بالكون عن كُلّ فعل، فتقول في ضرب وقام وخرج وذهب وأكل: ضربٌ، أو قيام، أو خروج، أو ذَهابٌ، أو أكلٌ. وكذلك ما أشبهه. وأما أنها أصلٌ في هذا الباب فلأن كلّ فعل فيه يصحّ تعويض «كان» منه، بخلاف سائر الأفعال، فإنها ليست كذلك -فتصرفوا في كان بالزيادةِ والحذف. وجملةُ ما تصرفوا به فيه: الزيادةُ -وهاهى ذى- والحذفُ جملة، وحذف لامها. وكلٌّ قد ذكره الناظم.
وقد أتى في النادر زيادةُ غيرها من أفعالِ هذا البابِ، وذلك: أصبح وأمسى، في قولهم: ما أصبح أَبْرَدَها! وما أمسى أدفأها! ثبت في الكتاب وليس من كلام سيبويه. وهو من الشاذّ، فلم يَعْبَأْ به.
والثانية: أنه خصّ «كان» دون «يكون»، فدلّ ذلك على اختصاص الزيادة بها، وإلّا فكان يقول: وقد يزادُ فِعلُ الكون، أو ما يعطى هذا المعنى، وهذا صحيح. وسبب الاختصاص تعيينُ الزمان في «كان» دون المضارع. وشذّ زيادة المضارع كقول أم عقِيل بن أبي طالب، أنشده المؤلف:
стр. 859
أَنْتَ تَكُونَ مَاجِدٌ نَبِيلُ
إِذَا تَهُبُّ شَمْأَلٌ بَليِلُ
والثالثة: أنه خصّ كان بالزيادة فدلّ على أنها لا معمول لها، وإلّا فلو كان لها معمولٌ لم يكن الزائدٌ كان وحدها، بل الجملةَ كلّها. وهذا رأىُ جماعة، وإليه ذهب ابن السراج والشلوبين. وَوُجِّه في الشرقيّة هذا المعنى، وأن كان الزائدة لا تعمل شيئًا. ذكر ذلك في التعجب، ووجه ذلك أن فائدة الزيادة إنما هى الدلالة على الزمان، وذلك حاصل مع الاقتصار على الفعل، فلو لزمت زيادة مرفوعٍ لكان ذك لغير فائدة زائدة، مع أن السماع موافق لذلك.
فإن قيل: يلزمُ من ذلك تجرّدُ فِعْلٍ عن مرفوع، وذلك غير موجود/؛ وبأن ذلك قد جاء سماعًا، وأنشد الزجاجىُّ وغيره:
فَكَيْفَ إِذَا مَرَرْتُ بِدارِ قَوْمٍ
وَجِيَرانٍ لَنَا كَانُوا كَرِامِ
وبهذين يحتج من يزعُم أن فيها ضميرا، كالسيرافيّ وابن خروفٍ، وطائفة.
فالجواب عن الأول أن كان المحكومً يزيادَتِها تُشبه الحرف الزائد،
стр. 860
فلا مبالاة بخلوها من الإسناد، كما أن «قَلّ» في: قلّما يقوم زيد، لما أشبهت ما النافية عَرِيَتْ عن الإسناد فلم تفتقر إليه، وكالفصل لما قُصِد به قَصْدَ الحروف لم يكن له موضع من الإعراب، وكان عاريًا من الإسناد إليه أو إسناده. وأيضًا فإنها قد زيدت بين الجارّ والمجرور، فلو نُوِى معها فاعلٌ لزم الفصلُ بين الجارّ والمجرور بجُملةٍ، وذلك معدومُ النظير، وإذا نُوِى الفصلُ بها وحدها كان فصلًا بكلمة واحدة، ولذلك نظائر، وما له نظير أولى بالالتزام مما لا نظير له.
وأما قوله: «كَانُوا كِرامِ». فإنه نادرٌ، وأيضًا فقد تأوّله الناس على أحد وجهين: إِما على أَنّ كان ناقصة، والخبر: لنا. وهو رأىُ المبرد. وإِما على أنّ أَصل الضميرب توكيد للضمير في «لنا»، والتقدير: وجيران لنا هم كرام، فلما زِيدَتْ كان كرهوا كون التوكيد بعدها بصورة الضمير المنفصل من غير داعية، فوصلُوه بها إصلاحًا للفظ.
وقد احتُّجوا بظننتُ وأخواتها فإنها زِيدتً مع فاعلها باتفاقٍ ولم يكن محذورًا. فكذلك هنا.
وللناظم أن يجيب بأنهم قالوه حيث تعيّن، إذ لا بدّ من القول به، ولم يتعيّن ذلك هنا، فلا ينبغي أن يقال به مع إمكان العدول عنه، فالقياسُ على باب ظننت غيرُ ناهضٍ مع وجود الفارق.
والرابعة: أَنّه عيّن للزيادة موضعًا واحدًا، وهو الحشوُ، فقال: وَقَدْ تُزَادُ في حَشْوْ، وَحَشُو الكلام: أثناؤُه ووسطُه، فهذا عنده من شرط الزيادة، فإذًا لا تزاد في أول الكلام ولا في آخره. أما أوله فإنه محل الاعتماد، وتقديمُ الشىّءِ
стр. 861
دليلٌ على الاعتناءِ به، وكان ملغاةة في الحكم فلا يصحُّ التقديمُ مع الزيادة، كما لم يصحّ إلغاء ظَنّ وأخواتها مع التقديم.
قال الفارسى في التذكرة: حكم ما تُلغيه أن توسطه ولا تبتدئُ به قياسًا على «هو» [الفصل]، ولا تبتدئ به، لأن الملغَى غير معتدٍّ به، وإذا كان غير معتدٍّ به، وكان القصدُ في باب الإفادة غيره، قبح أن تؤخر ما الاهتمام به أكثر، وتقدم ما الاهتمام به أقلُّ.
وقد خالف ابنُ الطّراوة في هذا، فأجاز إلغاء كان متقدمة. وهو غيرُ صحيح لما تقدّم ولأن السماعَ به معدومٌ.
وأما آخر الكلام فإنه معدومُ الاستعمال أيضا، ولأن الزيادةَ على خلافِ الأصل، فلا تستباحُ في غير مواضعها المعتادة. وقد خالف بعضُهم في هذا -ومنهم الشلوبين- فأجازُوا وقوع كان آخرًا قياسًا على الإلغاءِ في باب ظننت. ولا قياسَ مع مخالفة السماع؛ إذ لولا السماعُ لما قيل بالزيادة، فكيف نُلحِقُ ما لم يُسْمَعْ منها بما سُمِع.
والخامسة: أنه أشار إلى قلّة وجود الزيادة فيها لكن لما لا ينافي القياس؛ إذ قال: «وَقَدْ تُزَادُ». وهذه العبارة (يطلقها) مريدًا بها القياسَ على قلّةٍ وضعفٍ، كما قال في الضمائر:
وَقَد يُبِيِحُ الْغَيبُ فِيهِ وَصْلًا
стр. 862
مع اختلافٍ مّا/. وقال في الابتداء:
... ... وَقَدْ
يَجُوزُ نَحُو فَائِزٌ أو لُو الرّشَدْ
ومواضع كثيرةٌ من هذا النوع.
ثم مَثّل بباب التعجب، وذلك قوله: «مَا كَانَ أَصَحّ عِلْم من تَقَدّم، إلا أن فعل التعجب مسلوب الدلالة على المعنىّ، فأتى بما يدلّ على ذلك. وبابُ التعجب أكثرُ ما تزاد فيها كان، وما سواه دونه، فلذلك مثّل به. وقد شذّت زيادتُها بين الجار والمجرور. ولم يَعْنِهِ الناظم، وذلك في قول الشاعر:
سَرَاةُ بَنِى أَبِى بكُرْ تَسَامَوا
عَلَى كَانَ المُسَوّمةِ العِرَابِ
وقد نبّه بمثاله على مراده من مواضع الزيادة، وجملة المواضع التى تزاد فيها موضعها، وهى المسألة السادسة:
أحدهما: بين مسند ومسند إليه، نحو قولك: زيدٌ كان قائمٌ، وهذا كان صاحبُك. وقد حُمِل على ذلك كان في قول الله تعالى: ﴿قَالُوا: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ في المَهْدِ صَبِيّا﴾. ومنه أيضًا باب التعجب، نحو: مَا كَانَ أَحْسَنَ زَيْدًا. وقد ذكر المؤلف من هذا قول العرب: «لم يُوجَدْ كانَ مِثْلُهُمْ».
стр. 863
والثاني: بين صفة وموصوف، نحو مررتُ برجلٍ كان فاضلٍ. ومنه قوله:
فَكَيفَ إِذَا مَرَرْتُ بِدَارِ قَوْمٍ
وَجِيرانٍ لَنَا كَانُوا كرِامِ
ثم ذكر حَذْفها فقال:
وَيَحْذِفُونَهَا وَيُبْقُونَ الْخَبَرْ
وَبَعْدَ إِنْ وَلَوْ كَثِيرًا ذَا اشْتَهَر
وَبَعْدَ أَنْ تَعِوْيضُ مَا عَنْهَا ارْتُكِبْ
كَمِثْلِ: أَمّا أَنْتَ بَرًا فاقْتَرِبْ
قوله: «وَيَحْذِفُونَها»: جملة معطوفة على ما بعد «قد» في قوله: «وَقَدْ تُزَادُ كَانَ».
فتدخل معها تحت التقليل بقد؛ فإن حَذْفَها أيضًا قليل، لكنه قياسٌ. ولا يناقضُ إخبارهُ بالتقليل قوله: «وَبَعْدَ إِنْ وَلَو كَثِيرًا اذَا اشْتَهَرْ»، لصحّةِ الجمع بينهما، فيكون المعنى: إن ذلك الحذف القليل اشتهر في هذين الموضعين.
ويحتمل أن تكون الجملة معطوفةً على الأخرى من غير إدخالٍ لها في حكم التقليل، فيكون المعنى: إِنّ العرب تفعلُ هذا بكان، ولا إشكال على هذا في كون الحذف قياسًا. لكنه قسّم الحذف قسمين: أحدهما: جائز غير لازم، والآخر لازم البتّةَ.
فأما الحذف الجائز فهو الذى أخبر به أولًا في قوله: «وَيَحْذِفُونَها وَيُبْقُونَ الخَبَرْ»، يعنى أنّ العرب من شأنهم أن يحذفوا كان مع اسمها لا وحدها، ويبقون الخبر دَالًا عليها، كقولك: المرءُ مَجْزيُّ، إنْ خًيرًا فخيرٌ، وَإنْ شرًا فَشرٌ. والمرأ مقتولٌ بما قَتَل به، إِنْ سَيفًا فَسَيفٌ، وإِنْ خِنْجَرًا فَخِنْجرٌ». تقديره: إِنْ
стр. 864
كان عملُه خيرًا فجزاؤُه خيرٌ، وإن كان شرًا فجزاؤُه شَرٌّ. وكذلك: إِنْ كان ما قتَل به سيفًا فالمقتولُ به سيفٌ، وإِنْ كان خِنجرًا فهو خِنْجَرٌ. قال سيبويه: «وإن شئت أظهرت الفَعْلَ -يعنى كان- فقلت: إِنْ كان خنجرًا، وإِنْ كان شرًا فشرُّ». ومثل ذلك: مررت برجل إن لا صالحًا فطالح. ومررت برجل إِنْ زيدًا وإِنْ عَمْرًا. ومن ذلك قولُ النابغة، أنشده سيبويه:
حَدِبَتْ عَلَىّ بُطُونُ ضِنّة كُلُّها
إِنْ ظَالِمًا فِيهمْ وَإِنْ مَظْلُوما
أىْ: إن كنتُ ظالمًا وإن كنت مظلوما. وأنشد أيضًا لليلى الأخيليّة:
لا تَقْرَبَنّ الدَّهْرَ آلَ مُطَرِّفٍ
إِنْ ظَالِمًا أَبَدًا وَإِنْ مَظْلُومَا
وأنشد قولَ ابن همّام:
وَأَحْضَرْتُ عُذْرِى، عَلَيْهِ الشُّهو
دُ، إِنْ عَاذِرًا لِى وإِنْ تَارِكَا
стр. 865
/ وَقَوْلَ النعمان بن المنذر:
قَدْ قيل ذَلِكَ، إِنْ حَقًا وَإِنْ كَذِبًا
فَمَا اعْتِذَارُكَ مِنْ قَوْلٍ إِذَا قيْلا
وقولُه: «وَبَعْدَ إِنْ وَلَوْ كثيرًا ذا اشتهَرْ»، ذا: إشارة إلى الحذف المفهوم من قوله: «وَيَحْذِفُونَها». يريد أنّ كثرة هذا الحذفِ إِنّما جاءت بعد إِنْ المكسوة الخفيفة -وهى الشرطية- ولو الشرطية أيضا. فأما بعد إِنْ فقد تقدم تمثيله، وأما بعد لو فنحو قولك: ألَا طعامَ ولو تمرا؟ قال سيبويه: «كأنّك قُلْتَ: ولو كان تمرًا». وَأْتِنِى بِدَابّةٍ ولو حَمَارًا، وادفع الشرّ ولو إِصْبَعًا، وَأْتِنِى بِمَاءٍ ولو باردًا، وأَلَا ماءَ ولو باردا؟ وأنشد في شرح التسهيل:
لَا يَأْمَنِ الدّهْرَ ذُو بَغْىٍ وَلَوْ مَلَكًا
جُنُودُه ضَاق عَنْهَا السّهْلُ وَالجَبَلُ
وقول الآخر:
عَلِمْتُكَ مَنّانًا فَلَسْتُ بآمِلٍ
نَذَاكَ، وَلَوْ غَرْثَانَ ظَمْآنَ عَاريَا
стр. 866
ووجهُ كثرةِ إضمار كان بعد هذين الحرفين أنهما من الأدواتِ الطالبة للفعل، لأنهما شرطان فلا بُدّ لهما من إضمار الفعل؛ ففي النصب كان الناقصة، وهو الذى تَكَلّم عليه الناظمُ، لأنه قال: «وَيُبْقُونَ الخَبَرْ»، وذاتُ الخبرِ هى الناقصةُ. وفي الرفع ما يصلح من كان التامّة أو غيرها، إذا قلت:
إِنْ صالحٌ فَصَالِحٌ، ولو باردٌ. وهذا لم يتكلم عليه.
وتحرز بقوله: «وَبَعْدَ إِنْ كَثيرًا ذَا اشْتَهَرْ»، مما جاء منها محذوفًا بعد غيرهما، فإنه لم يشتهر بل وقع نادرا، وذلك بعد لَدُنْ فيما أنشد سيبويه من قوله:
مِنْ لَدُ شَوْلًا فَإلى إِتْلائِها
نصب «شولًا» على إضمار كان، تقديره: من لَدُ كانت شولًا؛ فإن لدن تضاف إلى الجملة، ولا يجوز أن تضاف إلى مفرد ليس بزمان ولا مكان إذا اقترنت بها «إلى»، تقول: جلستُ من لدُ صلاةِ العصر إلى وقت المغرب، وذرعت من لدُ مقعدِك إلى الأسطوانة. والشولُ: جمع الناقة الشائلة، فلا زمان ثَمّ ولا مكان، فلا بدّ من تقديره، أو تقدير ما يعطى معناه؛ إذ لا يقال: من لد زيد إلى دخول الدار. والذى يصح تقديره بينهما كان. وقدره سيبويه: من لدُ أَنْ كانت شولًا. وهو تقديرٌ معنوىٌّ لا إعرابىٌّ؛ لأن شولًا يصير على ذلك
стр. 867
التقدير من صلة أَنْ، والموصولُ لا يُحذَف ويبقى بعض الصلة نَصّ عليه سيبويه في باب الاستثناء في قوله:
... إِلّا الفَرْقَدَانِ
وإنما التقدير: من لدُ كانت، أى: من لَدُ كونها شولًا؛ لأن الجملة تقدّر بالمصدر إذا أضيف إليها الظرفُ. هذا مأخذُ ابن خَرُوفٍ وابن الضائع وابن عصفور، وهو رأى الناظم.
وظاهِرُ السيرافىّ وجماعة أنه تقدير إعرابي، لأنه قدرها بأَنْ كما قدرها سيبويه: «من لَدُ أن كانت شولًا»، أى: من لد كونها. قال: والمصادر تستعمل في معنى الأزمنة نحو: مقدم الحاج، وخلافَةَ المقتدر، وصلاة العصر. وهذا رأى الشلوبين وابنِ أبي غالب.
قال ابن مالك: وعندى أَنّ تقدير أَنْ مستغنى عنها، كما يستغنى عنها بعد مذ.
وهنا نظر، وذلك أنه قال: «وَيَحْذِفُونها»، فأعاد الضمير على كان المتقدمة هى التى على صيغة الماضى، وأن المضارع
стр. 868
غير داخل في مراده، فكذلك يكون الحكم هنا مقيدًا بالماضى، لأنه على ذلك أحال، فاقتضى/ أن المضارع لا يدخل في هذا الحكم. لكنّ هذا الاقتضاء مشكلٌ؛ لأن المضارع أيضًا يقدّر هنا؛ ألا ترى أنّ ما كان فيه نفي لا يصحّ أن يقدّر فيه إلا المضارع، نحو: مررتُ برجلٍ إِلّا صالحًا فطالحٌ. وفي المثل: إِلّا حَظِيّةً فلا أليّةً، فالتقدير: إِلّا يكون صالحًا، وَإِلّا أكُنْ خطيّةً -ولا يستقيمُ تقدير الماضى، لأنك لو أظهرت الفعل على الوجه الآخر الجائز في المسأة لقلت: إلّا يكن صالحًا، وَإِلّا أكُنْ حظيّةً. ولا تقول: إِلّا كان صالحًا، وإلّا كنت حظيّةً. وكذلك ما أشبهه.
ولا يقال: إن تقدير المضارع قليلٌ، بل هو كثير، بل نقول: إن الماضى هنا واقع مع إِنْ موقع المضارع، فجائزٌ لك تقديرُه ابتداءً وإن لم يكن ثَمّ نَفْىٌ. فقولك: إن خيرًا فخير، يصحُّ فيه تقدير: إن يكن خيرًا فخير، كما يجوزُ لك إظهاره، ولا نزاع في ذلك.
ولا جواب لي عن ذلك إلا أن يكون لم يقصد تقييد كان المتقدمة بالمضىّ، فقوله: «وقد تزاد كان»، يريد به الفعلَ من الكون على الجملة، ثم عطف على ذلك حذفها من غير تعيين أيضًا. وهذا كما يقال: كان كذا وكذا، والمراد الفِعْلَ من الكون لا خصوصها ويبقى تعيين المزيد ما هو؟ والمحذوف ما هو؟ محالًا به على السماع؛ لأنه ساق المسألتين مساق السماع فقال: «وقد تُزَادُ كَانَ»، فالفاعل العرب، وقال: «وَيَحْذِفُونها» -يعنى العرب- فترك النظر في التعيين إلى الناظر، فهو الذى يأخذه من
стр. 869
السماع. وهذا جواب ضعيف لا يليق بابن مالك.
وقد تَمّ القسم الذى تضمر فيه كان ويجوز إظهارُها. وأما القسم الذى يمتنع فيه إظهار كان فهو الذى قال فيه: «وَبَعْدَ أَنْ تَعْوِيضُ مَا عَنْها ارتُكِبْ». يعنى أنهم حذفوا أيضا كان بعد أن المفتوحة وَعَوَّضوا منها ما، فصارت أَنْ أَمّا، وحكم المعوض أن لا يجمع مع المعوض منه. فيريد أَنّ كان مع ما لا يجوز إظهارها. وما قاله هو نصّ سيبويه، قال: «فإنما هى أَنْ ضُمّتْ إليها ما، وهى ما التوكيد». قال: «ولزمت كراهية أَن يُجْحِفُوا بها، ولتكون عوضًا من ذَهاب الفعل، كما كانت الهاء والألف في الزّنادقة واليماني عوضًا من الياء». يعنى الياء في زناديق، وياء النسب في يَمَنى، فالياء لا تظهر مع الهاء في زنادقة، ولا مع الألف في يمانِ، فكذلك الفعل مع وجود ما، فإذا لم تأت بما ظهر الفعل فتقول: لأَن كنت منطلقا انطلقت معك. وهذا مذهب الجمهور.
وذهب المبرد إلى جواز إظهار الفعل مع ما، وكأنه جعل ما زائدةً كزيادتها في نحو: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾، قالوا: ولا دليل له على ما زعم، لأنّها -وإن كانت زائدةً- قد لزمت عَوِضًا ولم تستعمل إلا على ذلك، فلا سبيل إى تسويغ ما لم تسوّغه العرب.
وإنما حَسُنِ حذف الفعل/ هنا لأن أَنْ هذه لا يقع بعدها الاسمُ
стр. 870
مبتدًأ، فكَانَ بمنزلة فعلٍ محذوفٍ لحضور ما يدلُّ عليه.
[وَمَثّل ذلك بقوله: (أَمّا أَنْتَ بَرّا فَاقْترِبْ) فالتقدير: لأَن كُنتَ بَرّا اقترب، أى: لأجل هذا المعنى الذي كان منك في الماضي أطلب منك القرب مني. فأَنْ على أصلها من المصدرية، وإذا وَلِى أَنْ الماضي فهو ماضٍ ليس إلا. وقد شَبّهها سيبويه بِإذ لاشتراكهما في المعنى. ودخلت الفاء في قوله: فاقْترِب، لأن الثاني مستَحقٌّ بالأول، فهو مسبب عنه، والأول سبب فيه، فأشبه الشرط والجزاء.
ومثل ذلك: أما أنت منطلقا انلطقتُ معك، وأما زيدٌ ذاهبًا ذهبتُ معه. وأنشد سيبويه لعباس بن مرداس:
أَبَا خُرَاشَةَ، أَمّا أَنْتَ ذَا نَفَرٍ
فَإنّ قَوْمِىَ لَمْ تَأْكُلْهُمُ الضّبُعُ
أى: لأجل أن كنت ذا نفر.
فالمعنى في الجميع على المعنى، وهو تفسير البصريين. وذهب الكوفيون إلى أَنّ أنْ هنا جزائية، بمعنى إِنْ، ولذلك دخلت الفاء، والمعنى: إن كنت منطلقا انطلقت معك، وعليه قراءة غير حمزة: ﴿أَنْ تَضِلّ إِحْدَاهُما فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى﴾. وقرأ حمزة: ﴿إِنْ تَضِلّ إِحْدَاهُما
стр. 871
فَتُذَكِّرُ﴾. والمعنى عندهم في القراءتين سواء. وليس للناظم هنا إشارةٌ إلى هذا الخلافِ، ولا تَعَرُّضُ لمعنى المسألة، لكن قد يُعلم أن مذهبه مذهب البصريين من باب الجزاء، حيث لم يعدّ أَنْ من أدوات الجزاء. والترجيح بين المذهبين لا يليق بهذا الموضع، ويكفي من ذلك عدم (ثبوت) كون أَنِ المفتوحة تقع بمعنى إِنِ المكسورة.
ثم اعلم أنّ الناظم هنا لم يُحَرِّر عبارته في المحذوف ما هو؟ فإنه قد ذكر أنّ المحذوفَ مع إِنْ ولو كان واسمُها، لا كان وحدها، ثم عقّب ذلك بأنّ ما تأتى عوضًا من كان مع أَنْ، ولم يشعر بأنّ الاسم ثابت، فيُوهم أنه يُحْذَفُ أَيضًا معها. وذلك غير صحيح، بل «أنت» في قوله: «أَمّا أَنْتَ بَرّا» وهو اسمُ كان، وبَرّا وخبرها. وعلى هذا يجرى حكم سائر المُثُل، وإذا كان كذلك ثبت أن عبارته مُوهِمة.
وقد يُعتَذَرُ عنه بأنه لما ذكر هنا التّعويض مخصوصًا بكان وحدها، وذلك قوله: «وَبَعْدَ أَنْ تَعوِيضُ ما عَنْها ارتُكِبْ»، فضمير عنها عائدٌ إلى كان وحدها -أشعر بأن المحذوف كان وحدها، إذ لا يحذف شيئان فيعوضَ من أحدهما دون الآخر. ولم نَجِدْ ذلك مقولًا ولا منبّهًا عليه هنا إلا في كان دون اسمها، وإذا كان كذلك لم يبق إلا أن يعتقد اختصاصُ كان بالحذف دون اسمها وخبرها. والله أعلم.
والبَرُّ: ضد الفاجر؛ يقال: رجلٌ بَرٌّ وبارٌّ. وقد تقدّم.
والاقتراب والقرب، بمعنًى.
стр. 872
(ثم قال):
وَمِنْ مُضارِعٍ لكَانَ مُنْجَزِمْ
تُحْذَفُ نُونٌ وَهْو حَذْفٌ مَا اُلْتُزِمْ
من مضارع: متعلق بتُحَذفُ. ولكان: في موضع الصفة لمضارع. ومنجزم: مجرور أيضا صفة لمضارع. يعنى أَنّ يكونُ -مضارع كان- إِذا كان منجزمًا حُذِفَت نونُه، فتقول في لم يكنْ: لم يَكُ. وفي لا تكنْ/: لا تَكُ. ومنه في القرآن: ﴿وَلَاتَكُ في ضَيْقِ ممّا يَمْكُرُونَ﴾، ﴿قَالُوا: لَمْ تَكُ مِنَ المُصَلِّينَ. وَلَمْ نَكُ نُطُعِمُ المِسْكينَ﴾، ﴿وَلَمْ يَكُ مِن المُشْرِكين﴾، ﴿إِنّها إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبّةٍ﴾. وهو كثير.
وهذا الحذف جائزٌ لا لازم، فلذلك قيّده بقوله: «وَهْوَ حَذْفٌ ما التُزِم»، أى: إن هذا الحذف جائزٌ إِنْ شئتَ حذفت، وإن شئتَ أتيتَ بالفعل على أصله فقلت: لم يكن، ولَا تكُنْ، وإن يَكُنْ كذا يكُنْ كذا.
ووجهُ هذا الحذف أنها لما كثر استعمالهُم لها؛ إذ هى أصلٌ لكلّ فعل وحدث، وجرت في كلامهم، وكانت النون تشبه حرف اللين إذا كانت ساكنة، لأنها غُنّة في الخيشوم، عاملوها معاملة حرف اللين، فحذفوها مع الجازم تشبيها لها به. فالعلّة أمران: كثيرةُ الاستعمال، والتشبيه بحرف
стр. 873
اللين؛ ولذلك لم تحذف نون: لم يَضُن، ولم يَهُنْ، ولم يَبِينْ؛ لأنها لم يكثر استعمالها كثرة استعمال لم يكن. وكأن المؤلف لم يعتمد إلا على كثرة الاستعمال، فبنى عليه التعليل بالاستثقال ولم يراع الشبه بحرف اللين لأجر السماع في زعمه.
وأطلق القول في حذف هذه النون، ولم يقيّد ذلك بشئ، فدلّ على أن الحذف عنده مطلقٌ، كان بعدها ساكن أولا، فكما تقول: لم يك زيد قائما، كذلك تقول: لم يكُ الرجل قائما. وهذا مذهب يونس، وبموافقته صرّح في التسهيل وشرحه. وأما سيبويه فاستثنى من ذلك ما إذا لقي النونَ ساكنٌ فَثبتُ عنده النُون فيه فتقول: لم يكنِ الرجلُ قائما. ولا يجيز الحذفَ، لأن الوجهَ الذى لأجله جازَ الحذفُ عنده لم يتم؛ إلا ترى أنّ السكون قد زال من النونِ لأجل الساكن، فضعُف شبهُ النون بحرف اللين، حيث قَويت النونُ بالحركة، فلم يَجُزِ حذفها. واحتج ابن مالك لما ذهب إليه بأن النونَ لم ُيحذف لما ذكر من شبهها بحرف اللين على الإطلاق؛ بل لأجل التخفيف، وثِقلُ اللفظ بثبوتها قبل ساكن أشدُّ من ثقله بثبوتها دون ذلك، فالحذف حينئذ أولى. ولا يقال: إن السماع مع سيبويه؛ ألا ترى كيف جاءت النونُ فيه محذوفةً دون الساكن، وثابتةً البتةَ مع لقائه، فجاء: ﴿وَلَاتَكُ في ضَيقٍ﴾ ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المسْكينَ﴾. وجاء ﴿لَمْ يَكُنِ اللهُ ليَغْفِرَ لَهُمْ﴾، ﴿لَمْ يَكُنِ الّذِينَ كَفُروا﴾، ولم يأت فيه الحدفُ مع الساكن أصلًا، فدلّ
стр. 874
على أنّ ذلك لقوة النونَ بالحركةِ وضَعْفِ شبهها بحرف اللين -لأنّا نقول:
الثبوت دون ساكن ومع ساكن أكثر من الحذف على الجملة، فلدلك جاء القرآنُ بالثبوت مع الساكن. وقد استعملت العربُ الحذف معه كثيرًا، ثم أنشد ما أنشده أبوَ زْيدٍ لحُسَيلِ بن عُرْفُطَةَ، وقال أبو حاتم: حُسَينُ بن عُرْفُطَة:
لم يكُ الحقُّ على أن هَاجَهُ
رسمُ دارٍ قد تَعَفّى بالشِّررْ
وقال الخِنْجَرُ بن صَخر الأسدى:
فَإن لا تكُ المرآةُ أبدت وسامةً
فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم
وأنشد/ أيضًا بيتا آخر صدره:
إذا لم تكُ الحاجاتُ من هِمّة الفتى
стр. 875
قال: ولا ضرورة في هذه الأبيات لإمكان أن يقال في الأول: «لم يكن حقٌّ سوى أن هاجه». وفي الثاني: «فإن تكن المرآة أخفت وَسَامَةً». وفي الثالث: «إذا لم يكن من همة المرء ما نوى».
هذا ما احتج به. أما التعليل بالستثقال فكان ينهض لو ساعده السماع، وأمّا ما أتى به من الشواهد فالاحتجاج بها مبنى على أن من شرط الحكم بالضرورة أنها ضرورة أَنْ لا يمكن في الموضع خلافها. وهى قاعدة واهية وقد تقدّم ما فيها.
(ثم قال):
стр. 876
«مَا» و «لَا» و «إِنْ» المشَبَّهاتُ بِليسَ
هذا هو النوع الثاني من نواسخ الابتداءِ، وهو ما عمل في المبتدأ والخبر عمل ليس بالشبه (بها)، وذلك ثلاثة أخرى من حروف النفي [هى]: ما ولا وإنٍ. ونبّه في الترجمة على علّة عملها، وهو الشّبَه بِليس، إشارةٌ إلى أن عملها ليس بحق الأصالة لفِقْدان شرطه، وذلك أنه ثبت في الأصول أن الطلبَ الاختصاصِىّ أصل العمل، فكلُّ شئٍ طلب شيئًا طلبًا غير اختصاصىّ، فلا عمل له فيه، كحروف الاستفهام، لأنها يقع بعدها الاسم والفعل فلا تختص بأحدهما دون الآخر. فإن طَلَبه طلبا اختصاصيًا فحينئذٍ يصح له العمل فيه، لكن بشروط معتبرة لا بدّ منها. وهذه الحروف قد فُقِد منها أصل العملِ، وهو الطلب الاختصاصي؛ إذ كانت تدخلُ على الاسم والفعل، فتقول: ما قام زيد، ولا يقومُ زيدٌ، وإِنْ يقومُ زيدٌ؛ وفي القرآن: ﴿إِنْ يقولُونَ إِلّا كَذِبًا﴾، وكذلك تقولُ: ما زيد قائم ولا زيد قائم ولا عمرو، وإن زيدٌ إلا قائم، وفي القرآن: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلّا تَكْذِبُونَ﴾، ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلّا فِي ضَلَالٍ مُبِيِنٍ﴾؛ فكان الأصل أَن لا تعملَ كما لم تعملْ حروفُ الاستفهام ولامُ الابتداء وحروفُ العطف، وما أشبه ذلك. فأما بنو
стр. 877
تميم من العرب فَراعَوا هذا الأصلَ فلم يُعملوا هذه الحروفَ، فيقولون: ما زيدٌ قائم، وإن زيدٌ قائم، ولا رجلٌ قائم وما أشبه ذلك؛ قال سيبويه: «وهو القياس». وأما أهل الحجاز فأعملوا ما -وإن كنت غير مختصّة- مراعاةً للشبه بما هو مختصّ، وذلك ليس، ما أشبهَها من ثلاثة أوجه:
أحدهما: إن كلّ واحدة منهما أداةُ نفي.
والثاني: أن النفي بهما محمول على الحال ما لم يقترن بالكلام ما يخرجهما عن ذلك؛ فإذا قلت: ما زيدٌ قائما، أو ليس زيدٌ قائمًا -فهما محمولان على النفي في الحال حتى تقول: أمسِ، أو غدًا، أو نحو ذلك.
والثالث: دخولُهما على المبتدأ والخبر.
فلما حَصَل لما الشبهُ المذكورُ أَثّر الإعمال؛ فإن للشبه تأثيرًا؛ ألا ترى أن الاسم يُمتنع الجرّ والتنوينَ لشبهه بالفعل الذى لا يدخله جَرٌّ ولا تنوين. وَيَعْمَل عَمَل الفعل لشبهه به، ويُبْنى كما يبنى الحرف، ولا أصلَ للاسم في شئٍ من ذلك. فكذلك عملت ما حملًا على ليس للشبه المذكور، ثم أُلْحِق بما: لا، وَإِنْ، لوجود الشبه بينهما وبين ليس في كونها أدواتٍ للنفي/، لكن لما لم يتمكّن الشبه فيهما تَمكّنا تامًا. كان إعمالهما قليلًا؛ ألا ترى أن «لا» لا تنفى الحال عند سيبويه والجمهور، وكذلك إِنْ عند الفارسىّ في التذكرة -وإن كان فيه نظر فقد قيل ذلك- والّا ظهر أَنّ إِنْ كما، لأنها تقع موقعها، كقوله الله تعالى: ﴿إِنْ يَقُولُون إِلّا كَذِبًا﴾، ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلّا إِنَاثًا﴾. وما أشبه ذلك. وقد زعم المؤلف أَنّ لا تنفي
стр. 878
الحال، واستشهد بآياتٍ، كقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ؟ ﴾، ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ للهِ وَقَارًا؟ ﴾. وذلك كثير. فعلى هذا تُلْحَق لا وإِنْ بما في الشبه المذكور على مذهب ابن مالك.
وأوسعُ هذه الحروف عملًا ما، فلذلك قَدّمَ الكلام فيها، ولأنّ ما يشترطُ في ما يُشتَرَط في غيرها وتزيد الأخُرُ شروطا، فكأنّ ما هى أُمُّ هذا الباب، فذكرها أولا فقال:
إِعْمالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إِنْ
مَعَ بَقَا النّفْى وَتَرتِيبٍ زُكِنْ
إعمالَ: منصوب على المصدرية بأُملت، وهو مصدرٌ مُشبّه به، كأنه قال: أُعمِلت ما إعمالًا مثل إعمال ليس. وهذا في لُغةِ الحجازيّين كما تقدّم، وظاهر كلام الناظم أن الإعمال فيها لجميع العرب لقوله: «أعَمِلتْ ما»، فكانّ من حقّه تبيينُ أَنّ ذلك لغة قوم، أو أنّ ذلك على الجواز لا على اللزوم؛ فإنّه المستقر من جَمْعِ اللغتين. لكنه لم يفعل ذلك، فصارت عبارته موهمة لشئ لا يصحّ.
وقد يعتذر عنه بأن هذه اللغة لما كانت هى التى نزل بها القرآن فهى أشهر -وإن كانت الأخرى أقيس- اقتصر على ذكرها، ولم ينبّه على سواها. والحقّ أنه ترك التحرّز من الإيهام.
ولما كان قد تقدّم أن ليس تعملُ الرفع والنصب، فترفع المبتدأ وتنصب الخبر، وأحال عليها بعمَل ما، كان كالتصريح بأنّ ما ترفع المبتدأ اسمًا لها،
стр. 879
وتنصب الخبر خبرًا لها. وهذا مذهب أهل البصرة. وذهب الكوفيون إلى أنها إنما تعمل في المبتدأ خاصّةً الرفع، وأما نصب الخبر فعلى إسقاط الخافض. والأصحُّ ما ذَهَبَ إليه الناظم والبصريون، لأن الشبه الحاصل بين ما وليس إذا كان متَمكِّنا فلا مانع من إعطائه حقّه من الإعمال، كما أنّ كان وأخواتِها لما أشبهت الفعل المتعدّىّ أُعطِيت عمله كلّه بحقِّ ذلك الشبه. وكذلك اسم الفاعل لم يُنْتَقص من عَمَلِ فعله الذى أشبهه شيئًا، بل عَمَلَه تاما، إعمالًا للشبه الحاصل بينهما.
فإن قيل: فالقاعدة أن المشَبّه لا يقوى قوة ما شُبّه به، فلو أعطى العمَل تامًا لم يكن بين الأصل المشبّه به، والفرع المشبّه، فرقٌ. لكنهم يُفرِّقون بينهما، فيكون للأصل من القوة في العمل ما لا يكون للفرع، فأين ذلك هنا؟
فالجواب: أن تفاوت ما بينهما ظاهر؛ ألا ترى أن «ما» لا تعمل إلا بشروط ثلاثة، بخلاف ليس، فإنها تعمل دون شرط منها، فالأصل أقوى تصرّفًا من الفرع إذًا. وأيضًا لو كان عَمَلُ «ما» الرفع خاصة لم يتقرّر للشّبه تأثير، ولا كان عليه دليل؛ إذ ليست دعوى أن الشبه إنّما أَثّر في عمل الرفع خاصّة بأولى من دعوى أن «ما» لم تعمل البتة، أو عملت الرفع لا لأجل الشبه؛ إذ لا مناسبة في ذلك، وإذ ذاك يلزم خلاف الإجماع.
فإن قيل: الدليلُ على أن النّصب على إسقاط الجارّ أَنّ مِنْ شأنه أن يُوجِب النصبَ كالظروف والمجرورات، فإن أصل قولك: قعد زيدٌ أمامك: قعد في أمامِك. وتقول: مررتُ بزيد، فإن حذفت الجارّ نصبت. ومن ذلك كثير، فكذلك هذا. وأيضا مما يدل على ذلك هنا أَنّ النصب لا يكون إِلّا حيثُ يصحّ دخولُ
стр. 880
الباء، فتقول: ما زيد قائمًا، لجواز ما زيد بقائم، ولا يجوزك ما قائما زيد، ولا ما زيدٌ إلا قائما؛ إذ لا يجوز: ما بقائمٍ زيد، وما زيد إلا بقائم.
فالجواب: أن إسقاط الجارّ ليس من شأنه ذلك، بدليل وجود الرفع عند إسقاطه، كقولك: بحسبك زيدٌ، وحسبُك زيد، وما في الدار من رجلٍ، وما في الدار رجلٌ. وكثير من ذلك؛ فإنما النصب والرفع عند إسقاطه لمقتضٍ آخر لا لنفس الإسقاط. وهذا الموضع لو لم تكن «ما» فيه عاملة في الخبر، لكان النصبُ لغير مقتضٍ، وهذا لا نظير له. وبعضُ هذا المعنى للفارسى في التذكرة، وبعضه لابن الأنباري.
وأمّا كونُ النصب حيث تدخل الباء، وعدمه حيث لا تدخلُ، فمنتقَضٌ بما التى دخلت إِنْ؛ فإنك تقول: ما إن زيد بقائم، ولا مانعَ من هذا، ولا تقول: ما إن زيدٌ قائمًا، فلا حُجُةً فيما زعموا. وأيضا فإن النصب مختصٌّ بلغة أهل الحجاز كما تقدم، والباءُ في الخبر لا تختصّ بهم دون بني تميم، فلو كان إسقاط الخافض يوجب النصب لكان موجودًا في اللغتين، لكن ذلك باطل بالإجماع، فبطل ما أدّى إليه. وسيأتى ذكرُ دخولِ الباء في الخبر، إِن شاء الله.
ثم أخذ في ذكر شروط إعمالِ ما عَمَل بقوله: «دُونَ إِنْ مَعَ بَقَا النّفْي» .. إلى آخره،
فاشترط ثلاثة شروط:
أحدها: أن لا يكون معها إِنْ، وذلك قوله: «دُونَ إِنْ». وهو ظرف متعلق بأُعْمِلَتْ أى: أُعْمِلت ما إذا كانت منفردة عن «إِنْ»، فلو كان معها إِنْ لم تعمل،
следующие страницы →