← Акыда

Акыда · id 20593

منهج الإمام جمال الدين السرمري في تقرير العقيدة

خالد المطلق

Полный текст (285 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقال وهب بن جرير: "إياكم ورأي جهم فإنهم يحاولون أن ليس في السماء شيء وما هو إلا من وحي إبليس وما هو إلا الكفر" (١). وقال الإمام ابن القيم في معرض ذكره لأنواع الإلحاد في أسمائه تعالى: "ورابعها: تعطيل الأسماء عن معانيها، وجحد حقائقها، كقول من يقول من الجهمية وأتباعهم: إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معاني، فيطلقون عليه اسم السميع والبصير والحي والرحيم والمتكلم والمريد ويقولون: لا حياة له، ولا سمع، ولا بصر، ولا كلام، ولا إرادة تقوم به، وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلاً وشرعاً ولغةً وفطرة، وهو يقابل إلحاد المشركين، فإن أولئك أعطوا أسماءه لآلهتهم، وهؤلاء سلبوه صفات كماله، وجحدوها، فكلاهما ملحد في أسمائه ... وكل من جحد شيئاً عما وصف الله به نفسه، أو وصف به رسوله فقد ألحد في ذلك فليستقل أو ليستكثر" (٢). والأقوال في ذلك من السلف متواترة، ويضيق المقام عن حصرها. ٣ - تنزيه صفات الله ﷻ عن مماثلة صفات المخلوقين: من قواعد أهل السنة والجماعة تنزيه الله ﷻ عن مماثلة صفات المخلوقين، وهذه المسألة تكلم فيها أهل السنة بناءاً على النصوص الواردة في نفي التمثيل، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: من الآية ١١]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: من الآية ٦٥]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] وغيرها من الأدلة. وبينوا بطلان مذهب المشبهة: وهم الذين يمثلون صفات الله بصفات المخلوقين كقول بعضهم: لله سمع كسمعي، وبصر كبصري؛ وأن هذا نوع من الإلحاد في أسماء الله وصفاته الوارد في قوله : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠].

стр. 177

وقد قرر جمال الدين السرمري ﵀ هذا الأصل في أكثر من موضع، ومن ذلك قوله: "أقرُّ بأنَّ الله ﷻ ... تعالى عن التشبيه والوصف والحصر (١) سميع بصير ليس شيء كمثله ... كما جاء في القرآن إن كنت من تدري فسبحانه من مالكٍ متكبرٍ ... تفرَّد دون الخلق بالعزِّ والقهر" (٢). ويقصد بقوله: "تعالى عن الوصف" أي مما هو من خصائص المخلوقين. وقال في موضع آخر: "وأشهد أن لا إله إلا الله الغني عن الشركاء، المنزه عن الأشباه والنظراء، المقدّس عن الصاحبة والوزارء، المبرئ عن الآباء والأبناء ... " (٣). وقال في موضع آخر عن أهل الحق -أهل السنة-: "وأثبتوا لإله العرش ما ثبتت ... فيه النقول بلا شبه يُقاس به" (٤). وما قرره جمال الدين السرمري ﵀ من تنزيه صفات الله ﷻ عن مماثلة صفات المخلوقين هو معتقد أهل السنة والجماعة - كما تقدم -. قال الحافظ المقدسي ﵀ ناقلاً اتفاق السلف على نفي التشبيه والتمثيل: "اعلم وفقنا الله وإياك لما يرضيه من القول والنية والعمل، وأعاذنا وإياك من الزيغ والزلل، أن صالح السلف، وخيار الخلف، وسادة الأئمة، وعلماء الأمة، اتفقت أقوالهم، وتطابقت آراؤهم على الإيمان بالله ، وأنه أحد فرد صمد، حي قيوم، سميع بصير، لا شريك له ولا وزير، ولا شبيه له ولا نظير،

стр. 178

ولا عدل ولا مثل" (١). وقال ابن القيم في معرض ذكره لأنواع الإلحاد في أسمائه تعالى: "وخامسها: تشبيه صفاته بصفات خلقه، تعالى الله عما يقول المشبهون علواً كبيراً، فهذا الإلحاد في مقابلة إلحاد المعطلة فإن أولئك نفوا صفات كماله وجحدوها، وهؤلاء شبهوها بصفات خلقه، فجمعهم الإلحاد، وتفرقت بهم طرقه" (٢). ٤ - أزلية الصفات: قرر جمال الدين السرمري ﵀ هذه المسألة تقريراً بيناً واضحاً، لا لبس فيه ولا غموض، إذ كان منهجه في ذلك إثبات أن الله متصف بهذه الصفات منذ الأزل، لم يخل من هذه الصفات طرفة عين، قائمة به أزلاً وأبداً، وأن من قال أن الله وصف بصفة بعد أن لم يكن متصفاً بها فقد كفر. قال ﵀ في معرض رده على السبكي: "إن قلتَ كان ولا علم لديه ولا ... كلام لا قدرة أصلاً كفرتَ به أو قلتَ أحدثها بعد استحالتها ... في حقه سمت نقصٍ ما احتججت به أو قلتَ فعلُ اختيارٍ منه ممتنعٌ ... ضاهيت قول امرئٍ مُغوٍ بأنصُبِهِ ولم يزل بصفات الفعل متصفاً ... وبالكلام بعيداً في تقربه" (٣). وما قرره جمال الدين السرمري ﵀ هو منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأن الله لم يزل متكلماً إذا شاء، وهذا قول أئمة السنة،

стр. 179

وهو الحق الذي يدل عليه العقل والنقل؛ وكذلك أفعاله، فإن الفعل والكلام صفة كمال، فإن من يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، ومن يخلق أكمل ممن لا يخلق، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]، وحينئذ فهو ما زال متصفاً بصفات الكمال، منعوتاً بنعوت الإكرام والجلال" (١). وقال الإمام ابن أبي العز: "أن الله لم يزل متصفاً بصفات الكمال: صفات الذات وصفات الفعل، ولا يجوز أن يعتقد أن الله وصف بصفة بعد أن لم يكن متصفاً بها، لأن صفاته -سبحانه- صفات كمال، وفقدها صفة نقص، ولا يجوز أن يكون قد حصل له الكمال بعد أن كان متصفاً بضده" (٢). وهذه المسألة لها ارتباط مباشر بمسألة تسلسل الحوادث -وقد تقدم الكلام عنها-. ٥ - التفسير السلفي لنصوص الصفات: تكلم جمال الدين السرمري ﵀ على تفسير بعض نصوص الصفات، وكان في تفسيره سائراً على منهج أهل السنة والجماعة، ومن ذلك قوله في تفسير حديث «إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، قال: أي رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ... »: "وأما قوله: «لوجدتني عنده» فهو مثل قوله: «أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي» وقوله: «أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما الآخر»، ويجوز أن يكون أراد (قريب) من العائد والمطعم والساقي بالقبول والإنابة على ما نووه وأمَّلوه من الأجر فيما فعلوه، ويكون المراد بقوله: «لوجدتَ ذلك عندي» أي وجدتَ أجرَ ذلك، أو أجر ذلك مكتوباً، أو موفوراً عندي، والله أعلم.

стр. 180

وهو من قبيل: «من تقرَّب إليَّ شبراً تقربت منه ذراعاً، ومن تقرَّب إليَّ ذراعاً تقرَّبت منه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيتُه هرولة» ولا يجوز أن يتعدَّى في هذه الأحاديث ونحوها ما وردتْ به السنة، لأنها من أحاديث الصفات التي لا يجوز تأويلها بما ينافي مقتضاها، نسأل الله العصمة والعافية من التأويل والتعطيل والتحريف والتكييف والتبديل" (١). وقال في موضع آخر عند كلامه على صفة التردد في قبض نفس المؤمن والكراهية لله ﷻ الواردة في الحديث القدسي «ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته»: "وليس هذا التردد كتردد الجاهل الذي لا يعرف العاقبة، ولا كراهيته كراهة العاجز الذي لا يمكنه دفع ما يكره، فإنه سبحانه عالم بالعواقب، قادر على ما يشاء، لا يكون إلا ما شاء، ولا يشاء إلا ما يكون، وهو سبحانه يقدِّر مع كراهته أشياء من مقدوراته التي يبغضها ويقضيها ويشاؤها من أنواع الكفر والفسوق والعصيان، فتجتمع الإرادة والكراهة في شيء واحد، فهو يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] " (٢). وما ذكره جمال الدين السرمري ﵀ من تفسير هذا الحديث صحيح موافق لمنهج السلف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية حينما سئل عن هذا الحديث: "هذا حديث شريف رواه البخاري من حديث أبي هريرة وهو أشرف حديث روي في صفة الأولياء، وقد رد هذا الكلام طائفة وقالوا: إن الله لا يوصف بالتردد وإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور والله أعلم بالعواقب، وربما قال بعضهم: إن الله يعامل معاملة المتردد، والتحقيق: أن كلام رسوله حق وليس أحد أعلم بالله من رسوله ولا أنصح للأمة منه ولا أفصح ولا أحسن بياناً منه فإذا كان كذلك كان المتحذلق والمنكر عليه من أضل الناس، وأجهلهم وأسوئهم أدباً بل يجب تأديبه

стр. 181

وتعزيره، ويجب أن يصان كلام رسول الله ﷺ عن الظنون الباطلة، والاعتقادات الفاسدة، ولكن المتردد منا وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه ما يعلم عاقبة الأمور، لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنزلة ما يوصف به الواحد منا فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، ثم هذا باطل، فإن الواحد منا يتردد تارة لعدم العلم بالعواقب، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد فيريد الفعل لما فيه من المصلحة ويكرهه لما فيه من المفسدة، لا لجهله منه بالشيء الواحد الذي يُحب من وجه ويكره من وجه ... ومن هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في هذا الحديث ... " (١). ٦ - تعداد بعض الأسماء والصفات: تعرض جمال الدين السرمري ﵀ في مواضع من كتبه إلى ذكر عدد من أسماء وصفات الله إجمالاً من غير تعليق عليها، وهو يذكرها عرضاً في سياق مسائل أخرى، وفيما يلي ذكر لبعض تلك الأسماء والصفات: المسألة الأولى: تعداد بعض الأسماء: ١) اسم الله (٢). ٢) اسم الرب (٣). ٣) اسم الرحمن، وذكر أن الأسماء الثلاثة السابقة هي أصول أسماء الرب ومجامعها (٤). ٤) الحي (٥). ٥) القيوم، ورجح أن اسم الله الأعظم هو (الحي القيوم) لما تضمنته صفة الحياة لجميع

стр. 182

صفات الكمال، وصفة القيومية لجميع صفات الأفعال (١). المسألة الثانية: تعداد بعض الصفات: ١) صفة العَجَب (٢). ٢) صفة الحلم (٣). ٣) صفة القرب (٤). ٤) صفة المحبة (٥). ٥) صفة الكره (٦). ٦) صفة التردد في قبض نفس المؤمن (٧). ٧) صفة المشيئة (٨). ٨) صفة العلم (٩). ٩) صفة القدرة (١٠). ١٠) صفة البغض (١١). ١١) صفة الإرادة (١٢).

стр. 183

١٢) صفة الحكم (١). ١٣) صفة السمع (٢). ١٤) صفة البصر (٣). ١٥) صفة العزة (٤). ١٦) صفة القهر (٥). ١٧) صفة النزول (٦). ١٨) صفة الاستواء (٧). ١٩) صفة الكلام (٨). ٢٠) صفة الكبر (٩). ٢١) صفة الرؤية (١٠). ٢٢) صفة الحياء (١١). ٢٣) صفة الستر (١٢). ٢٤) صفة العلو (١٣).

стр. 184

٢٥) صفة الأناة (١). وما ذكره جمال الدين السرمري ﵀ من إثبات هذه الأسماء والصفات هو الحق الذي دلت عليه النصوص وقال به أهل السنة الجماعة عدا الصفة الأناة لله ﷻ ، فإني لم أقف على نص صريح في إثباتها، والسرمري قد استدل عليها بدليلين: الأول: قول النبي ﷺ لأشج عبدالقيس «إن فيك خصلتين يحبها الله تعالى: الحلم والأناة» فالأناة صفة يحبها الله تعالى (٢). الثاني: أدلة صفة الرفق لله ، وذلك لأن الرفق والأناة مترادفان في المعنى. وما ذكره جمال الدين السرمري في إثبات صفة الأناة لله ﷻ مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة من أن صفات الله توقيفية، والله أعلم.

стр. 185

الفصل الرابع منهج جمال الدين السرمري في سائر أصول الإيمان وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الإيمان بالملائكة والإيمان بالرسل. المبحث الثاني: الإيمان باليوم الآخر. المبحث الثالث: الإيمان بالقضاء والقدر.

стр. 186

المبحث الأول: الإيمان بالملائكة والإيمان بالرسل لما كانت المادة العلمية لدى جمال الدين السرمري فيما يتعلق بالملائكة قليلة، أما ما يتعلق بالرسل فأكثرها سيأتي الكلام عليه في القسم الثاني من خطة البحث -قسم التحقيق-، جعلت هذه المادة في مطلبين تحت مبحث واحد. المطلب الأول: الإيمان بالملائكة: الملائكة خلق من خلق الله تعالى خلقهم من نور، يجب الإيمان بوجودهم، وأنهم ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧]، ويجب الإيمان بالملائكة جملة وتفصيلاً، جملة فيما أجمل، وتفصيلاً فيما فصل من أسمائهم، وأوصافهم، وأعمالهم التي كلفهم الله بها، كما دلت على ذلك النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة. فالإيمان بالملائكة: أحد أركان الإيمان وأصوله الذي لا يصح اعتقاد مسلم ولا يتم إيمانه إلا به، قال ﷻ : ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: من الآية ١٧٧]. وقال : ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: من الآية ٢٨٥]. وقال : ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: من الآية ١٣٦]. وفي حديث جبريل المشهور عندما سأل النبي ﷺ عن الإيمان، قال: «الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خير وشره ... » الحديث (١).

стр. 187

وقد أجمل الإمام جمال الدين السرمري القول في هذا الأصل، ولم يتطرق -فيما وفقت عليه من كتبه- إلى الذين تخبطوا فيه كما هي الحال عند من يسمون بـ"فلاسفة الإسلام" الذين أنكروا حقيقة الملائكة، وزعموا أنها خيالات وأشكال نورانية يتخيّلها النبي في نفسه، وهي مجردات ليست داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق السماء، ولا تحتها، وليست موصوفة بالصعود، ولا النزول، وليس لها تدبير البتة، ولا تتكلم، ولا تنتقل من مكان إلى مكان ... ونحو ذلك؛ وإنما ذكر السرمري بعضاً من أخبار الملائكة كما دلت عليها النصوص من الكتاب أو السنة, والتي تتضمن إيمانه بوجودهم حقيقة، وما ثبت من أسمائهم وصفاتهم وما وكلوا به من أعمال، وأنهم أحياء ناطقون، لا كما تزعم الفلاسفة. فمن ذلك قوله في الإيمان بإسرافيل ﵇، وأنه الموكل بالنفخ بالصور: "وينفخ إسرافيل في الصور نفخة ... لصعق وأخرى فيه ينفخ للنشر" (١). ومن ذلك ذكره لخبر الملائكة السيارة، فقال في فضل مجالسة أهل الذكر: "عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إن لله ﵎ ملائكة سيارة فُضلاً يتتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكرٌ قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضاً بأجنحتهم، حتى يملؤوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا افترقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء، قال: فيسألهم الله وهو أعلم، من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك في الأرض، يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك، قال: وماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك جنتك، قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا يا رب، قال: فكيف لو رأوا جنتي؟ قالوا: ويستجيرونك، قال: ومم يستجيرونني؟ قالوا: من نارك يارب، قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا، قال: فكيف لو رأوا ناري؟ قالوا: ويستغفرونك، قال: فيقول: قد غفرتُ لهم، وأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا، قال: فيقولون: رب فيهم فلانٌ عبدٌ خطّاء، إنما مر فجلس معهم، قال: فيقول: وله

стр. 188

قد غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم» متفق عليه" (١). ومن ذلك ذكره لخبر تأمين الملائكة خلف الإمام، فقال في فضل التأمين خلف الإمام عند قوله ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: من الآية ٧]: "عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: «إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» متفق عليه، وذلك أنه جاء في الحديث: إن الملائكة إذا سمعت الإمام يقول: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: من الآية ٧] تقول: آمين، فإذا قال العبد: آمين، فقد وافق الملائكة في التأمين، فيغفر له ما تقدم من ذنبه، كما قال ﷺ " (٢). ومن ذلك ذكره لخبر ملك الموت، فقال: "عن سعيد بن المسيب عن عبدالرحمن بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم ونحن في مسجد المدينة فقال: «إني رأيت الليلة عجباً» فقالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال: «رأيت رجلاً من أمتي جاءه ملك الموت ليقبض روحه، فجاءه بره بوالديه فرده عنه ... » (٣). ومن ذلك ذكره لخبر لعن الملائكة للمرأة الممتعنة عن الفراش لغير عذر، فقال في باب عشرة النساء: "وقال: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء، فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح» متفق عليه" (٤). ومن ذلك قوله في محبة الملائكة للرائحة الطيبة: "وفي الطيب خاصية أن الملائكة تحبه، والشياطين تنفر منه، وأحب شيء إلى الشياطين الرائحة الكريهة والمنتنة، فلهذا كانت المساجد ومواضع الذكر مهابط الملائكة ومجتمعهم، والحشوش مأوى الشياطين، والأرواح الطيبة تحب الرائحة الطيبة، والأوراح الخبيثة تحب الأرواح الخبيثة، فالخبيثات للخبيثين، والطيبات للطيبين،

стр. 189

والطيبون للطيبات" (١). ومن ذلك قوله في صلاة الملائكة على النبي ﷺ : "وقد أمر الله سبحانه المؤمنين بالصلاة والسلام عليه، وأخبر أنه وملائكته يصلون عليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] " (٢). ومن ذلك ذكره لخبر صف الملائكة مع الأنبياء في الإسراء وصلاتهم خلف النبي ﷺ ، فقال: "ففي حديث الإسراء عنه ﷺ : «إن الله تعالى جمع الأنبياء والملائكة صفوفاً قال فقدّمني وأمرني أن أصلّي بهم فصليت بهم ركعتين ... " (٣). ومن ذلك ذكره لخبر تغسيل الملائكة لحنظلة بن أبي عامر ﵁، فقال: "قال رسول الله ﷺ : «إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن أبي عامر بين السماء والأرض بماء المزن في صحاف الفضّة» قال أبو أسيد الساعديّ: فذهبنا فنظرنا فإذا رأسه يقطر ماء فرجعت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فأرسل إلى امرأته يسألها فأخبرته أنه خرج وهو جنب فولده يقال لهم بنو غسيل الملائكة" (٤). ومن ذلك ذكره لخبر دنو الملائكة لسماع قراءة ابن خضير ﵁، فقال: "قال: «تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأت لأصبح الناس ينظرون إليها لا تتوراى منها» وكان حسن الصّوت، فدنوّ السكينة والملائكة لسماع قراءة ابن خضير أعظم من تسمّع الجبال والطير والوحش لصوت داود ﵊" (٥). ومن ذلك قوله في نصرتهم للنبي ﷺ : "فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: من الآية ٤] فأيّ

стр. 190

ظهير أعظم من هذا وأيّ ناصر أقوى من هذا فكانت الملائكة المقرّبون أنصاره ﷺ وأعوانه يقاتلون بين يديه في الحروب كفاحاً ويمنعون عنه ويدافعون دونه ولمّا تواعدت قريش ليأخذوه فيقتلوه وقد دخل المسجد يصلّي فسمعوا صوتاً ما ظنّوا أنّه بقي بتهامة جبل إلا نتق فغشي عليهم فما عقلوا حتى قضى صلاته ثم رجع إلى أهله سالماً ثم تواعدوا عليه مرّة أخرى فنهضوا عليه فجاء الصَّفا والمروة حتى التقى أحدهما بالأخرى فحالتا بينه وبينهم ولمّا حلف أبو جهل ليطأنّ عنقه إن رآه مصلّياً فلما همّ بذلك لم يفجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه وقال: رأيت بيني وبينه خندقاً من نار وأهوالاً وأجنحة فقال رسول الله ﷺ لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضواً عضواً ... " (١). ومن ذلك ذكره لخبر ملك الجبال، فقال: "على أنّ محمّداً ﷺ أعطي من تسخير الجبال ما لو شاء لصارت جبال مكّة معه ذهَباً وقال له مَلَكُ الجبال: إن شئت أن أُطْبِقَ عليهم الأخْشَبَينِ يعني جَبلي مكّة على الكفّار فقال ﷺ : «بل أرجو أن يُخْرِجَ اللهُ من أصلابهم من يعبد الله تعالى لا يشرك به شيئاً» " (٢). ومن ذلك ذكره لخبر سؤال الملكين في القبر: "وذلك أن الميت إذا وضع في قبره جاءه ملكان فيُقعدانِه ويسألانه: من ربك، ومن نبيك، وما دينك ... " (٣). ومن ذلك ذكره لخبر وصف ملك من الملائكة، فقال: "وقد قال ﷺ لعائشة ﵂: «يا عائشة لو شئتُ لسارت معي جبال الذّهب، جاءني ملك إنّ حُجزته لَتُسَاوِي الكعبةَ ... " (٤). وقال في موضع آخر: "وعن عمار بن ياسر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله أعطى ملكاً من الملائكة أسماع الخلائق فهو قائم على قبري إلى يوم القيامة لا يصلي عليّ

стр. 191

أحد إلا سمّاه باسمه واسم أبيه وقال: يا أحمد صلّى عليك فلان بن فلان وتكفّل لي الربّ أن أردّ عليه بكل صلاة عليه عشراً ﷺ » " (١). ومن ذلك ذكره لخبر وصف الملائكة الذين مر عليهم النبي ﷺ في ليلة المعراج، فقال: "قال: ثم مررت بملك آخر جالس على كرسي قد جُمِعَ له الدنيا بين ركبتيه وفي يديه لوح مكتوب من نور ينظر فيه لا يلتفت يميناً وشمالاً ينظر فيه كهيئة الحزين فقلت: من هذا يا جبريل وما مررت بملك أنا أشدّ خوفاً منه مني من هذا, قال: وما يمنعك كلنا بمنزلتك هذا ملك الموت دائبٌ في قبض الأرواح وهو من أشد الملائكة عملاً وأدأبهِم, قلت: يا جبريل كل من مات ينظر فيه إلى هذا، قال: نعم، قلت: كفى بالموت طامةً، فقال: يا محمّد ما بعد الموت أطمّ وأعظم، قلت: يا جبريل ادنني من ملك الموت أُسَلِّم عليه وأسأله فأدناني منه فسلمت عليه فأومئ إلي فقال له جبريل: هذا محمد نبيّ الرحمة ورسول العرب فرحّب بي وحيّاني وأحسن بشارتي وإكرامي وقال: أبشر يا محمد فإني أرى الخير كله في أمتك, فقلت: الحمد لله المنّان بالنعم, ما هذا اللوح الذي بين يديك؟ قال: مكتوب فيه آجال الخلائق، قلت: فأين أسماء من قبضت أرواحهم في الدهور الخالية؟ قال: تلك الأرواح في لوح آخر قد أعلمت عليها وكذلك أصنع بكل ذي روح إذا قبضتُ روحَه حَلَّقتُ عليها, فقلت: يا ملك الموت سبحان الله كيف تقدر على قبض أرواح جميع أهل الأرض وأنت في مكانك هذا لا تبرح، قال: ألا ترى أن الدنيا كلها بين ركبتيّ وجميع الخلائق بين عينيّ ويداي تبلغان المشرق والمغرب وخلفهما فإذا نفدَ أجل عبد من عباد الله نظرت إليه وإلى أعواني فإذا نظر أعواني من الملائكة أني نظرت إليه عرفوا أنه مقبوض فعمدوا إليه يعالجون نزع روحه فإذا بلغ الروحُ الحلقومَ علمتُ ذلك ولا يخفى عليّ شيء من أمري مَددت يدي إليه فقبضتُه فلا يَلِي قبضَه غيري فذلك أمري وأمر ذوي الأرواح من عباد الله، قال: فأبكاني حديثُه وأنا عنده ثم جاوزنا فمررنا بملك آخر ما رأيت من الملائكة خلقاً مثله عابس كالح الوجه كريه المنظر شديد البطش ظاهر الغضب فلما نظرت إليه رُعبت

стр. 192

منه جدّاً, فقلت: يا جبريل من هذا فإنّي رُعبت منه رعباً شديداً, قال: فلا تعجب أن تُرعَب منه كلّنا بمنزلتك في الرّعب منه هذا مالك خازن جهنم لم يتبسّم قط ولم يزل منذ ولّاه الله جهنّم يزداد كلّ يوم غضباً وغيظاً على أعداء الله تعالى وأهل معصيته لينتقم منهم, قلت: ادنني منه فأدناني منه فسلم عليه جبريل فلم يرفع رأسه, فقال: جبريل يا ملك هذا محمّد رسول العرب فنظر إليّ وحيّاني وبشّرني بالخير, فقلت: مُذ كَم أنت وَاقِدٌ على جهنم، فقال: منذ خُلقتُ حتى الآن وكذلك حتى تقوم الساعة، قلت: يا جبريل مُره فليُرني طريقاً من النار فأمره ففعَل فخرج منه لهبٌ ساطع أسوَد معه دخان كدر مُظلم امتلأ منه الآفاق فرأيت هولاً عظيماً وأمراً فظيعاً أعجز عن صفته لكم فغشي علي وكاد يذهب نفسي فضمّني جبريل إليه وأمره أن يَرُدّ النارَ فردّها فجاوزناها ... " (١). إلى نحو ذلك من الأخبار التي ذكرها جمال الدين السرمري، والتي تتضمن إيمانه -كما تقدم- بوجودهم حقيقة. وما ذكره جمال الدين السرمري هو الحق الذي دلت عليه النصوص وقال به أهل السنة الجماعة. قال شيخ الإسلام ﵀: "إنه من المتواتر عن الأنبياء صلوات الله عليهم أن الملائكة أحياء ناطقون يأتونهم عن الله بما يخبر به ويأمر به تارة، ويقاتلون معهم تارة، وكانت الملائكة أحياناً تأتيهم في صورة البشر والحاضرون يرونهم، وقد أخبر الله عن الملائكة في كتاب بأخبار متنوعة، وذلك يناقض ما يزعمونه من أن الملك إنما هو الصورة الخيالية التي ترتسم في الحس المشترك أو أنها العقول والنفوس" (٢).

стр. 193

المطلب الثاني: الإيمان بالرسل: لقد بعث الله إلى خلقه ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: من الآية ١٦٥] وأمر بالإيمان بهم جميعاً: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] فيجب الإيمان بهم جملة وتفصيلاً، وذلك يتضمن الإيمان بمن سمى الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ من الأنبياء وبما ثبت من أخبارهم، ومن لم يقص علينا خبرهم يجب الإيمان بهم جملة لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: من الآية ٧٨] ويجب الإيمان بأن الأنبياء جميعاً بشر ليس لهم من خصائص الربوبية شيء، فهم من عباد الله، يجري عليهم ما يجري على البشر، يأكلون ويشربون ويتزوجون ويمرضون ويموتون ويقتلون، ولا يعلمون الغيب، قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: من الآية ٢٠] وأن كلهم جاءوا بالدعوة إلى توحيد الله ونبذ الشرك وإن اختلفت بعض شرائعهم ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: من الآية ٣٦] وأن من كفر بنبي واحد منهم فقد كفر بهم جميعاً، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١]. فالإيمان بالرسل أحد أركان الإيمان الذي لا تصح عقيدة المسلم إلا بتحقيقه. هذا ما يتعلق بالإيمان بالأنبياء والرسل جملة، أما نبينا محمد ﷺ فيجب الإيمان به على وجه الخصوص، مع الاعتقاد بوجوب طاعته في جميع ما أمر به وشرعه، والانتهاء عن جميع ما عنه نهى وزجر، والإيمان بعموم رسالته، وأنه مبعوث للناس عامة قال : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ

стр. 194

إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: من الآية ٢٨] والإيمان بأن الرسالة والنبوة ختمت به، إذا لا نبي بعده، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: من الآية ٤٠]. هذا من أهم ما تضمنه الإيمان بالرسل جملة، والإيمان بالنبي ﷺ على وجه الخصوص. وقد ذكر الإمام جمال الدين السرمري ﵀ عدداً من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما ورد من أخبارهم، وذكر أيضاً ما اختص به المصطفى ﷺ في كتابه "خصائص سيد العالمين وماله من المناقب العجائب على جميع الأنبياء ﵈" كما سيأتي دراسته في القسم الثاني من خطة البحث -قسم التحقيق-.

стр. 195

المبحث الثاني: الإيمان باليوم الآخر الإيمان باليوم الآخر أصل من أصول الإيمان التي لا يصح إيمان عبد إلا بتحقيقه، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: من الآية ١٧٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: من الآية ٢٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: من الآية ٣٩]، وقال ﷺ في حديث جبريل: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره» (١)، والنصوص في ذلك كثيرة. ويجب الإيمان باليوم الآخر جملة وتفصيلاً، فيجب الإيمان بكل ما ورد في الكتاب والسنة من التفصيلات المتعلقة باليوم الآخر، من حياة البرزخ، والنفخ في الصور، والبعث، والحشر، والميزان، والحوض، والصراط، والجنة والنار، والشفاعة، ورؤية المؤمنين لربهم. وقد تطرق جمال الدين السرمري ﵀ لهذه المسائل، وفيما يلي تقسيم لهذه المسائل وعرض لها بمشيئة الله تعالى. المطلب الأول: حياة البرزخ: البرزخ: هو الحائل بين الشيئين، ومنه قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩ - ٢٠] والمراد به هنا: الفترة من وقت الموت إلى القيامة، فهي برزخ

стр. 196

بين الدنيا والآخرة (١)، قال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: من الآية ١٠٠]. ومن أصول مذهب أهل السنة والجماعة، ولوازم الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بما يحصل في حياة البرزخ. وقد أشار الإمام جمال الدين السرمري إلى هذه الحياة، ونص على ما ورد فيها من ضمة القبر، وتسمية الملكين اللذين يسألان العبد في القبر أنهما منكر ونكير، وأنه يستثنى من هذا السؤال الرسل ﵈. فقال في منظومته في الاعتقاد: "وموت الورى حق ومن بعد بعثهم ... وبينهما لا شك في عصرة القبر ويسألهم فيه نكير ومنكر ... عدا الرسل أرجوا الله يلهمني عذري" (٢). وما أشار إليه الإمام جمال الدين السرمري من إثبات حياة البرزخ وما يحصل فيها هو مذهب أهل السنة والجماعة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "مذهب سائر المسلمين بل وسائر أهل الملل إثبات (القيامة الكبرى) وقيام الناس من قبورهم والثواب والعقاب هناك، وإثبات الثواب والعقاب في البرزخ -مابين الموت إلى يوم القيامة- هذا قول السلف قاطبة وأهل السنة والجماعة، وإنما أنكر ذلك في البرزخ قليل من أهل البدع، لكن من أهل الكلام من يقول: هذا إنما يكون على البدن فقط كأنه ليس عنده نفس تفارق البدن، كقول من يقول ذلك من المعتزلة والأشعرية، ومنهم من يقول: بل هو على النفس فقط بناء على أنه ليس في البرزخ عذاب على البدن ولا نعيم كما يقول ذلك ابن مسرة وابن حزم، ومنهم من يقول: بل البدن ينعم ويعذب بلا حياة فيه كما

стр. 197

قاله طائفة من أهل الحديث وابن الزاغوني يميل إلى هذا في مصنفه في حياة الأنبياء في قبورهم وقد بسط الكلام على هذا في مواضع، والمقصود هنا: أن كثيراً من أهل الكلام ينكر أن يكون للنفس وجود بعد الموت ولا ثواب ولا عقاب ويزعمون أنه لم يدل على ذلك القرآن والحديث كما أن أن الذين أنكروا عذاب القبر والبرزخ مطلقاً زعموا أنه لم يدل على ذلك القرآن وهو غلط، بل القرآن قد بين في غير موضع بقاء النفس بعد فراق البدن وبيَّن النعيم والعذاب في البرزخ ... " (١). وقد أنكر بعض المعتزلة وغيرهم سؤال الملكين، قال التفتازاني: "اتفق الإسلاميون على حقيقة سؤال منكر ونكير في القبر وعذاب الكفار وبعض العصاة فيه ونسب خلافه إلى بعض المعتزلة قال بعض المتأخرين منهم حكي إنكار ذلك عن ضرار بن عمرو وإنما نسب إلى المعتزلة وهم براء منه لمخالطة ضرار إياهم وتبعه قوم من السفهاء المعاندين للحق" (٢). أما قول جمال الدين السرمري: " وبينهما لا شك في عصرة القبر" (٣)، فصحيح موافق لما ثبت في النصوص، وعصرة القبر هي: هي أول ما يلاقيه الميت حين يوضع في قبره، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «إن للقبر ضغطة، ولو كان أحد ناجياً منها نجا منها سعد بن معاذ» (٤)، وقد علق الألباني على هذا الحديث في الصحيحة (١٦٩٥) فقال: "وجملة القول أن الحديث بمجموع طرقه وشواهده صحيح بلا ريب، فنسأل الله تعالى أن يهون علينا ضغطة القبر إنه نعم المجيب" (٥). وأما قول جمال الدين السرمري أنه يستثنى الرسلُ ﵈ من فتنة القبر وسؤال الملكين، فلعل ما ذهب إليه السرمري هو الظاهر في المسألة، ويدل على ذلك الأحاديث

стр. 198

الصحيحة التي وردت في أن الشهيد لا يسأل، وألحق به من مات مرابطاً لظاهر حديث: «كل ميت يختم على عمله إلا المرابط، فإنه ينمو عمله إلى يوم القيامة، ويؤمَّن من فتان القبر» (١) , وألحق القرطبي بالشهيد الصديق لأنه أعلى مرتبة من الشهيد، ومنه يؤخذ انتفاء السؤال في حقه ﷺ وفي حق سائر الأنبياء (٢). وعلى كل حال فمسألة استثناء الرسل ﵈ من سؤال الملكين ليس وراءها كثير فائدة، وليست من أصول الإيمان، والله أعلم. المطلب الثاني: النفخ في الصور، والبعث من القبور: الصور: هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل ﵇ عند بعث الموتى إلى المحشر (٣)، ومن أصول الإيمان باليوم الآخر ومستلزماته: الإيمان بالنفخ في الصور. وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري هذا الأصل في منظومته في الاعتقاد، فقال: "وينفخ إسرافيل في الصور نفخة لصعق وأخرى فيه ينفخ للنشر وموت الورى حق ومن بعد بعثهم وبينهما لا شك في عصرة القبر" (٤). وما قرره جمال الدين السرمري من النفخ في الصور هو الحق الذي دلت عليه النصوص، ومنها: قوله ﷻ : ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف: ٩٩] ، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]، وقوله

стр. 199

تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]، وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]، وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزُّمَر: ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٠]، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٣ - ١٥]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ: ١٨]. أما ما ذكره جمال الدين السرمري من أن صاحب الصور من الملائكة هو إسرافيل فصحيح موافق لمذهب السلف. قال القرطبي: "والأمم مجمعة على أن الذي ينفخ في الصور إسرافيل ﵇ " (١)، وقد نقل الحليمي أيضاً الإجماع على ذلك (٢). وقد أشار الإمام جمال الدين السرمري في البيت السابق إلى عدد النفخات في الصور أنها اثنتان، وهذا أصح الأقوال في النفخات، وقد قيل: إن عددها ثلاث، وقيل: أربع (٣). وأما ما يتعلق بالشق الثاني مما قرره جمال الدين السرمري وهو البعث، أي قيام الناس من قبورهم لرب العالمين، فهذا من المعلوم من الدين بالضرورة، بل من الأديان السماوية جميعاً. وقد قرر القرآن هذا الأصل العظيم بأساليب متعددة، قال ابن القيم: "وقد أعاد الله سبحانه هذا المعنى وأبداه في كتابه، وبأوجز العبارات، وأدلها، وأفصحها، وأقطعها للعذر،

стр. 200

وألزمها للحجة" (١). بل لم يكن إثبات هذا مقتصراً على ورود الشرع وحده، إذا قد ثبت بدلالة العقل، والفطر السليمة (٢). ولقد ألحد في عقيدة البعث، وقيام الناس من قبورهم لرب العالمين، ليجازي كل إنسان بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وتخبطوا فيها بعض من يتسمون (بفلاسفة الإسلام) وزعموا أنه من باب التخييل والخطاب الجمهوري، قال ابن أبي العز: "ومحمد ﷺ لما كان خاتم الأنبياء، وكان قد بعث هو والساعة كهاتين، وكان هو الحاشر المقفي، بيَّن تفصيل الآخرة بياناً لا يوجد في شيء من كتب الأنبياء، ولهذا ظن طائفة من المتفلسفة ونحوهم أنه لم يُفصح بمعاد الأبدان إلا محمد ﷺ ، وجعلوا هذا حجة لهم في أنه من باب التخييل والخطاب الجمهوري ... وهذا كذب، فإن القيامة الكبرى هي معروفة عند الأنبياء، من آدم إلى نوح، إلى إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم ﵈" (٣). المطلب الثالث: الحشر: قال القرطبي: "الحشر: ومعناه الجمع؛ وهو على أربعة أوجه: حشران في الدنيا وحشران في الآخرة. أما الذي في الدنيا، فقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: من الآية ٢] ... الثاني: ما رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين وراهبين واثنان على بعير وثلاثة على بعير وتحشر بقيتهم النار تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا» ... ،

стр. 201

قال القاضي عياض: هذا الحشر في الدنيا قبل قيام الساعة، وهو آخر أشراطها ... والحشر الثالث: حشرهم إلى الموقف ... قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧]. والرابع: حشرهم إلى الجنة والنار، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] ... وقال: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: من الآية ١٠٢] " (١). والإيمان بالحشر من أصول الإيمان باليوم الآخر. وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري هذا الأصل بقوله: "وفي الحشر ميزان ونار وجنة وفيه صراط للمزلة والعبر" (٢). وقد ذكر الإمام جمال الدين السرمري في هذا البيت بعض من أحوال ومواقف ومقامات الحشر، فحالات الناس في الحشر خمسة: حال البعث من القبور، وحال السوق إلى مواضع الحساب، وحال المحاسبة، وحال السوق إلى دار الجزاء، وحال مقامهم في الدار التي يستقرون فيها (٣)؛ وسيأتي بيان وتفصيل المواقف التي ذكرها الإمام جمال الدين السرمري في البيت السابق في المطالب القادمة -إن شاء الله تعالى-. المطلب الرابع (*): الميزان: دل الكتاب، والسنة، وإجماع أهل السنة على إثبات الميزان يوم القيامة، وهو ميزان حقيقي له لسان وكفتان. قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨ - ٩]، وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا

стр. 202

وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ٩]. أما من السنة: فإن الأحاديث التي جاءت في إثبات الميزان قد بلغت حد التواتر، حكى ذلك غير واحد من العلماء (١). كما أن أهل السنة أجمعوا على القول بإثباته كما ورد في النصوص. قال الزجاج: "أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان، ويميل بالأعمال" (٢). وقال السفاريني: "والحاصل أن الإيمان بالميزان كأخذ الصحف ثابت بالكتاب والسنة والإجماع ... - إلى أن قال: - وانعقد إجماع أهل الحق من المسلمين عليه ... " (٣). فالإيمان بالميزان من أصول الإيمان باليوم الآخر. وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري هذا الأصل بقوله: "وفي الحشر ميزان ونار وجنة وفيه صراط للمزلة والعبر" (٤). وقال في موضع آخر: "وقد جاء أن الله تعالى يوقفُ عبداً في الحساب، فتوزن حسناته وسيِّئاته ... " (٥).

стр. 203

وما قرره جمال الدين السرمري من الإيمان بالميزان هو مذهب أهل السنة والجماعة -كما تقدم-، وقد خالف في هذا الأصل الجهمية وجمهور المعتزلة، بل إن بعض العلماء ذهب إلى أن جميع المعتزلة تنكره، فنفوا أن يكون الميزان حقيقي، إذ زعموا أن الأعمال أعراض، والأعراض لا توزن، وإن أمكن إعادتها فلا يمكن وزنها إذ لا توصف بالخفة والثقل، وقالوا أيضاً: الوزن للعلم بمقدارها، وهي معلومة لله تعالى، فلا فائدة فيه، فيكون قبيحاً تنزه عنه الرب تعالى، وتأولوا النصوص الواردة في الميزان بأنه العدل (١)، وقد رد عليهم العلماء وأوضحوا خطأهم في هذا التأويل الباطل، حتى إن أحد كبار أئمتهم -وهو القاضي عبدالجبار- رد على من يؤول ذلك التأويل. يقول القاضي عبدالجبار: "أما وضع الموازين فقد صرح الله تعالى في محكم كتابه، قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: من الآية ٤٧] وقوله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ ... ﴾ الآية ... [الأعراف: ٨] إلى غير ذلك من الآيات التي تتضمن هذا المعنى، ولم يرد الله تعالى بالميزان إلا المعقول منه المتعارف فيما بيننا دون العدل وغيره على ما يقوله بعض الناس، لأن الميزان وإن ورد بمعنى العدل في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد: من الآية ٢٥] فذلك على طريق التوسع والمجاز، وكلام الله تعالى مهما أمكن حمله على الحقيقة لا يجوز أن يعدل به عنه إلى المجاز؛ يبين ذلك ويوضحه، أنه لو كان الميزان إنما هو العدل، لكان لا يثبت للثقل والخفة فيه معنى، فدل على أن المراد به الميزان المعروف الذي يشتمل على ما تشمل عليه الموازين فيما بيننا ... " (٢).

стр. 204

وقال الزجاج بعد أن ذكر الأقوال في معنى الميزان، -ومنها قول من قال: إنه العدل-: "هذا سائغ من جهة اللسان والأولى أن يتبع ما جاء في الأسانيد الصحاح من ذكر الميزان" (١)، قال القشيري تعليقاً على كلام الزجاج: "وقد أحسن الزجاج فيما قال، إذ لو حمل هذا فليحمل الصراط على الدين الحق، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد، والشياطين والجن على الأخلاق المذمومة، والملائكة على القوى المحمودة - ثم قال: - وقد أجمعت الأمة في الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل، وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر، وصارت هذه الظواهر نصوصاً" (٢). وقال الإمام ابن أبي العز الحنفي: "ويا خيبة من ينفي وضع الموازين القسط ليوم القيامة كما أخبر الشارع لخفاء الحكمة عليه، ويقدح في النصوص بقوله: لا يحتاج إلى الميزان إلا البقال والفوال! وما أحراه بأن يكون من الذين لا يقيم الله لهم يوم القيامة وزناً، ولو لم يكن من الحكمة في وزن الأعمال إلا ظهور عدله سبحانه لجميع عباده، فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، فكيف ووراء ذلك من الحكم ما لا اطلاع لنا عليه" (٣).

стр. 205

المطلب الخامس (*): الحوض: الحوض في اللغة: مجتمع الماء (١)، المراد بالحوض هنا: هو المورد الموعود به النبي ﷺ في عرصات القيامة، ماؤه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر، وعرضه شهر، من يشرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً (٢). ومن أصول الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بالحوض. وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري هذا الأصل في منظومته في الاعتقاد، فقال: "وللمصطفى حوض لورد أولى التقى أباريقه في العدِّ كالأنجم الزهر" (٣). وما قرره الإمام جمال الدين السرمري هو الحق الذي دلت عليه النصوص، وأجمع عليه أهل السنة والجماعة. قال ابن كثير ﵀: "ذكر ما ورد في الحوض المحمدي سقانا الله منه يوم القيامة من الأحاديث المشهورة المتعددة من الطرق المأثورة الكثيرة المتضافرة، وإن رغمت أنوف كثير من المبتدعة المكابرة القائلين بجحوده، المنكرين لوجوده ... " (٤). وقال الإمام ابن أبي العز: "الأحاديث الواردة في ذكر الحوض تبلغ حد التواتر، رواها من الصحابة بضع وثلاثون صحابياً ﵃ ... " (٥). وقال القاضي عياض ﵀ فيما ينقله النووي: "أحاديث الحوض صحيحة، والإيمان به فرض، والتصديق به من الإيمان، وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة، لا يتأول ولا يختلف فيه -وقال القاضي: - وحديثه متواتر النقل رواه خلائق من الصحابة ... " (٦). ويقول ابن حجر: " وقال القرطبي في (المفهم) تبعاً للقاضي عياض في غالبه -أي أغلب الكلام الآتي-: مما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به أن الله قد خص نبيه محمداً ﷺ بالحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه في الأحاديث الصحيحة الشهيرة التي

стр. 206

يحصل بمجموعها العلم القطعي ... وأجمع على إثباته السلف وأهل السنة من الخلف، وأنكرت ذلك طائفة من المبتدعة وأحالوه على ظاهره وغلوا في تأويله من غير استحالة عقلية ولا عادية تلزم من حمله على ظاهرة وحقيقته ولا حاجة تدعو إلى تأويله فخرق من حرفه إجماع السلف وفارق مذهب أئمة الخلف" (١). المطلب السادس: الصراط: الصراط: وهو جسر ممدود على ظهر جهنم مدحضة مزلة، أحدّ من السيف وأدق من الشعر، وأحر من الجمر، عليه خطاطيف تأخذ الأقدام، وعبوره بقدر الأعمال، مُشاة وركباناً وزحفاً، يمر عليه المسلم والكافر، فيجوزه المؤمن كالبرق والريح وأجاويد الخيل والركبان والمشاة، فناج مسلم ومخدوش ومكردس في النار (٢). وقد دلت الأدلة في الكتاب والسنة على إثبات الصراط قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢] ذهب أكثر المفسرين أن المقصود بورود النار هنا: المرور على الصراط، وهو منقول عن ابن مسعود وجابر والحسن وقتادة وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم والكلبي وغيرهم (٣). وقال ابن جرير ﵀ بعد أن حكى الخلاف في تفسير الآية: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: يردها الجميع ثم يصدر عنها المؤمنون، فينجيهم الله، ويهوي فيها الكفار، وورودها هو ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من مرورهم على الصراط المنصوب على متن جهنم، فناج مسلم، ومكدس فيها" (٤).

стр. 207

وقال ابن أبي العز: " واختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: من الآية ٧١] ما هو؟ والأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]، وفي الصحيح أنه ﷺ قال: «والذي نفسي بيده، لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة»، قالت حفصة: فقلت: يا رسول الله، أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: من الآية ٧١] فقال: «ألم تسمعيه قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]» أشار ﷺ إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها، وأن النجاة من الشر لا تستلزم حصوله، بل تستلزم انعقاد سببه، فمن طلبه عدوه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه، يقال: نجاه الله منهم ... وكذلك حال الوارد في النار، يمرون فوقها على الصراط، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثياً، فقد بين ﷺ في حديث جابر المذكور: أن الورود هو الورود على الصراط" (١). أما من السنة: فقد حكى بعض العلماء أن أحاديث الصراط بلغت حد التواتر المعنوي (٢). والإيمان بالصراط من أصول الإيمان باليوم الآخر. وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري هذا الأصل بقوله: "وفي الحشر ميزان ونار وجنة وفيه صراط للمزلة والعبر" (٣). وما قرره جمال الدين السرمري من الإيمان بالصراط المنصوب على متن جهنم هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافاً للمعتزلة الذين يأولون النصوص الواردة في الصراط عن ظاهرها. قال السفاريني: "اتفقت الكلمة على إثبات الصراط في الجملة، لكن أهل الحق يثبتونه على ظاهره من كونه جسراً ممدوداً على متن جهنم، أحد من السيف وأدق من الشعر، وأنكر هذا الظاهر القاضي عبد الجبار المعتزلي، وكثير من أتباعه زعماً منهم أنه لا يمكن عبوره، وإن أمكن ففيه تعذيب، ولا عذاب على المؤمنين والصلحاء يوم القيامة، وإنما المراد طريق الجنة

стр. 208

المشار إليه بقوله تعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد: ٥]، وطريق النار المشار إليه بقوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: من الآية ٢٣]. ومنهم من حمله على الأدلة الواضحة، والمباحات والأعمال الرديئة ليسأل عنها ويؤاخذ بها، وكل هذا باطل وخرافات، لوجوب رد النصوص على حقائقها، وليس العبور على الصراط بأعجب من المشي على الماء أو الطيران في الهواء، والوقوف فيه، وقد أجاب ﷺ عن سؤال حشر الكافر على وجهه بأن القدرة صالحة لذلك، وأنكر العلامة القرافي كون الصراط أدق من الشعر وأحد من السيف، وسبقه إلى ذلك شيخه العز بن عبد السلام، والحق أن الصراط وردت به الأخبار الصحيحة، وهو محمول على ظاهره بغير تأويل كما ثبت في الصحيحين والمسانيد والسنن والصحاح مما لا يحصى إلا بكلفة من أنه جسر مضروب على متن جهنم يمر عليه جميع الخلائق، وهم في جوازه متفاوتون. وقال المنكر لكون الصراط أدق من الشعر وأحد من السيف: هذا إن ثبت حمل على غير ظاهره لمنافاته للأحاديث الأخر من قيام الملائكة على جنبتيه، وكون الكلاليب والحسك فيه، وإعطاء كل من المارين عليه من النور قدر موضع قدميه. قال القرافي: والصحيح أنه عريض، وقيل: طريقان يمنى ويسرى، فأهل السعادة يسلك بهم ذات اليمين، وأهل الشقاوة يسلك بهم ذات الشمال، وفيه طاقات كل طاقة تنفذ إلى طبقة من طبقات جهنم، وجهنم بين الخلق وبين الجنة، والجسر على ظهرها منصوب فلا يدخل أحد الجنة حتى يمر على جهنم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: من الآية ٧١] على أحد الأقوال. ثم قال القرافي تبعاً للحافظ البيهقي: كون الصراط أدق من الشعر وأحد من السيف لم أجده في الروايات الصحيحة، وإنما يروى عن بعض الصحابة، فيؤول بأن أمره أدق من الشعر، فإن يسر الجواز عليه وعسره على قدر الطاعات والمعاصي، ولا يعلم حدود ذلك إلا الله تعالى، وقد جرت العادة بضرب دقة الشعر مثلا للغامض الخفي، وضرب حد السيف لإسراع الملائكة في المضي لامتثال أمر الله، وإجازة الناس عليه.

стр. 209

ورد هذا الإمام القرطبي وغيره من أئمة الآثار، وقد أخرج مسلم تلك الزيادة في صحيحه عن أبي سعيد بلاغاً، وليست مما للرأي والاجتهاد فيه مجال فهي مرفوعة، وقد مر من الأخبار ما يوجب الإيمان بذلك، ثم إن القادر على إمساك الطير في الهواء قادر على أن يمسك عليه المؤمن ويجريه ويمشيه، على أنه أخرج الإمام عبد الله بن المبارك، وابن أبي الدنيا عن سعيد بن أبي هلال قال: بلغنا أن الصراط يوم القيامة يكون على بعض الناس أدق من الشعر، وعلى بعض مثل الوادي الواسع، وأخرج أبو نعيم عن سهل بن عبد الله التستري قال: من دق الصراط عليه في الدنيا عرض عليه في الآخرة، ومن عرض عليه الصراط في الدنيا دق له في الآخرة" (١). وقال أبو الحسن الأشعري: "وأجمعوا -يعني: أهل الحديث- على أن الصراط جسر ممدود على جهنم، يجوز عليه العباد بقدر أعمالهم، وأنهم يتفاوتون في السرعة والإبطاء على قدر ذلك" (٢). المطلب السابع: الجنة والنار: من لوازم الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بالجنة والنار، وأنهما مخلوقتان موجودتان، وأن الجنة لا تفنى ونعيمها لا يزول، وأن أهل النار خالدين فيها. وقد دل على ذلك الكتاب والسنة. فمن أدلة الكتاب: الآيات الكثيرة التي دلت على أن آدم وحواء أسكنهما الله الجنة، وأهبطهما منها، كقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: من الآية ٣٥]، وقوله تعالى: ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي

стр. 210

آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: من الآية ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧]. ومن أدلة الكتاب قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١] فالجنة والنار بدلالة الآيتين قد أعدتا وفرغ من إعدادهما، مما يقتضي أنهما مخلوقتان موجودتان الآن. وأما الأدلة على أن الجنة لا تفنى ونعيمها لا يزول فكثيرة، ومن ذلك: قوله تعالى في الجنة: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: من الآية ٣٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: من الآية ٥٦]. وأما الأدلة على خلود أهل الجنة والنار فيهما، فقد جاء في غير آية من القرآن الكريم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٧/ ١٢٢/١٦٩، المائدة: ١١٩، التوبة: ٢٢/ ١٠٠، الأحزاب: ٦٥، التغابن: ٩، الطلاق: ١١، الجن: ٢٣، البينة: ٨]، إلى غير ذلك من الأدلة. وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري الإيمان بالجنة والنار وخلود أهلهما فيهما في منظومته في الاعتقاد، فقال: "ويدخل ناس بالمعاصي جهنماً ... فيأخذهم منها على قدر الوزر إلى أن قال: ويُذبَح كبش الموت فالناس بعده ... فريقان ذو ربح وآخرُ ذو خسر" (١). ولا شك أن ما قرره الإمام جمال الدين السرمري هو مذهب أهل السنة والجماعة قاطبة. قال الإمام الصابوني: "ويشهد أهل السنة: أن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما باقيتان لا

стр. 211

يفنيان أبداً، وأن أهل الجنة لا يخرجون منها أبداً، وكذلك أهل النار الذين هم أهلها خلقوا لها، لايخرجون منها أبداً، وأن المنادي ينادي يومئذ "يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت" على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله ﷺ " (١). وقد قال ابن حزم ﵀ في المسائل التي أجمع عليها أهل السنة: "وأن الجنة حق، وأنها دار نعيم أبداً، لا تفنى ولا يفنى أهلها بلا نهاية ... وأن النار حق، وأنها دار عذاب أبداً، لا تفنى ولا يفنى أهلها أبدا بلا نهاية ... " (٢). أما قول جمال الدين السرمري: " ويُذبَح كبش الموت" (٣) فصحيح ثابت في السنة، فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال ويقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح، قال: ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت» قال: ثم قرأ رسول الله ﷺ : «﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] وأشار بيده إلى الدنيا» واللفظ لمسلم (٤). المطلب الثامن: الشفاعة: الشفاعة في اللغة كما قال الراغب: "الانضمام إلى آخر ناصراً له، وسائلاً عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو أدنى. ومنه الشفاعة في القيامة" (٥).

стр. 212

وقال القرطبي: "أصل الشفاعة والشفعة ونحوها من الشفع وهو الزوج في العدد، ومنه الشفيع، لأنه يصير مع صاحب الحاجة شفعاً، ومنه ناقة شفوع إذا جمعت بين محلبين في حلبة واحدة، وناقة شفيع إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها، والشفع ضم واحد إلى واحد، والشفعة ضم ملك الشريك إلى ملكك؛ فالشفاعة إذا ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع وإيصال المنفعة إلى المشفوع له" (١). أما الشفاعة في الاصطلاح كما قال ابن الأثير: "هي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم بينهم" (٢). وقد دل الكتاب والسنة على وقوع الشفاعة يوم القيامة، وهي تقع بشرطين: أحدهما: أن يكون بعد إذن الله تعالى للشافع. والثاني: أن يرضى الله عن المشفوع له. وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: من الآية ٢٥٥] وقال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: من الآية ٢٨]. أما من السنة: فإن الأحاديث التي جاءت في إثبات الشفاعة قد بلغت حد التواتر (٣). والإيمان بالشفاعة من أصول الإيمان باليوم الآخر التي أجمع عليها أهل السنة والجماعة، خلافاً للمعتزلة والخوراج. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن أحاديث الشفاعة في أهل الكبائر ثابتة متواترة عن النبي ﷺ ، وقد اتفق عليها السلف من الصحابة وتابعيهم بإحسان وأئمة المسلمين، وإنما نازع في ذلك أهل البدع من الخوارج والمعتزلة ونحوهم" (٤). وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري هذا الأصل في غير ما موضع.

стр. 213

ومن ذلك قوله في منظومته في الاعتقاد: "ويدخل ناس بالمعاصي جهنمَّا ... فيأخذهم منها على قدر الوزر ويشفع فيهم سيد الخلق أحمد ... عليه صلاة الله ما غرد القمري ويخرج من في قلبه وزن ذرة ... بلا شك منها من مقارفة البر" (١). وقال في موضع آخر في ذكر ما خص الله به نبيه محمد ﷺ في الآخرة: "ومنها شفاعاته في الآخرة فإن له ﷺ عدّة شفاعات، الأولى: الشفاعة في عموم الخلق ليحاسَبُوا ويُراحُوا من الموقف كما سبق، وشفاعَةٌ في أهل الكبائر من أمّته، وشفاعة لمن في قلبه مثقال ذرّة من إيمان؛ إلى ما دون ذلك من الشفاعات الخاصّة والمشتركة هو وغيره فيها" (٢). وقال في موضع آخر: "فجملة الشفاعة خمسة مقامات، المقام الأول: في أهل الموقف لفصل القضاء وهي الشفاعة العظمى، وهي من خصائصه ﷺ ، والمقام الثاني: في من يدخل الجنة بغير حساب وهي من خصائصه أيضاً ﷺ ، والمقام الثالث: فيمن يخرج من النّار وابتداؤها له ﷺ فإنه أول شافع وأول مشفع كما سَبَق، المقام الرابع: فيمن يدخل الجنة واختصاصه منها أنه لا يدخل الجنة أحد بالشفاعة أكثر ممن يدخلها بشفاعته، المقام الخامس: شفاعته في قوم لرفع درجاتهم من الجنة" (٣). وهذه المقامات السابقة التي ذكرها جمال الدين السرمري سوى المقام الثالث ليست هي التي جرى فيها الخلاف بين الأمة، وإنما أكثر ما وقع الخلاف والإشكال والتنازع فيه هو في الشفاعة فيمن يخرج من النار، وهذا هو المحل الذي ذكر العلماء لأجله موضوع الشفاعة في كتب العقيدة وكرروا ذلك لأهميته بالنسبة للرد على أهل البدع، ولا يزال أهل البدع إِلى اليوم ينكرون هذا النوع، وهو شفاعته ﷺ في أهل الكبائر من أمته ممن دخل النار أن يخرجوا منها، فالمعتزلة والخوارج ينكرون الشفاعة لأهل الكبائر وأن الله لا يأذن لأحد أن

стр. 214

يشفع في أهل الكبائر فيخرجون من النار، والسبب في ذلك لأنهم يرون فيها تعارضاً مع ما أصَّلوه وهو: أن صاحب الذنب لا بد أن يُجازى بذنبه وجوباً، فيدخل النار ولا يخرج منها، هكذا قررت عقولهم دون الرجوع إِلى الآيات وإلى الأحاديث. يقول ابن القيم ﵀: "رد الخوارج والمعتزلة النصوص المتواترة الدالة على خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة وكذبوا بها، وقالوا: لا سبيل لمن دخل النار إلى الخروج منها بالشفاعة ولا غيرها، ولما بهرتهم نصوص الشفاعة وصاح بهم أهل السنة وأئمة الإسلام من كل قطر وجانب ورموهم بسهام الرد عليهم أحالوا بالشفاعة على زيادة الثواب فقط لا على الخروج من النار فردوا السنة المتواترة قطعاً ... " (١). المطلب الثامن: رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة: وهذه المسألة من أشرف مسائل أصول الدين وأجلها، وهي الغاية التي شمَّر إليها المشمرون، وتنافس المتنافسون، وحُرمها الذين هم عن ربهم محجوبون، وعن بابه مردودون (٢)، فإن أعظم نعيم وعده الله عباده المؤمنين هو رؤيته تعالى في الآخرة، وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، وأجمع عليه سلف الأمة. فمن أدلة الكتاب: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وهي من أظهر الأدلة, فإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية، وتعديته بأداة إلى الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلافه، حقيقة موضوعة صريحة في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب ﷻ (٣).

стр. 215

أما من السنة: فإن الأحاديث التي جاءت في إثبات الرؤية قد بلغت حد التواتر، حكى ذلك غير واحد من العلماء (١). وقد أجمع السلف وأئمة المسلمين على إثبات رؤية المؤمين لربهم سبحانه في الآخرة عياناً بأبصارهم، وممن نقل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وابن أبي العز (٣). وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري مذهب السلف في هذه المسألة فقال: ولا يُمتَرى في رؤية الله ربِّنا ... وهل يُمترى في الشمس في ساعة الظهر (٤). وأما من خالف في إثبات الرؤية: فهم الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية (٥)، وأما الأشاعرة: لما لم يمكنهم إنكار الأدلة من الكتاب والسنة أثبوا الرؤية وقالوا: يُرى ولكن ليس في جهة، وهذا من التناقض العجيب، إذ ليس هناك شيء يُرى وهو ليس في جهة. نقل شيخ الإسلام عن ابن رشد قوله: " أنكرها -أي الرؤية- المعتزلة، وردت الآثار الواردة في الشرع بذلك مع كثرتها وشهرتها، فشنع الأمر عليهم، وسبب وقوع هذه الشبهة في الشرع أن المعتزلة لما اعتقدوا انتفاء الجسمية عنه ، واعتقدوا وجوب التصريح بها لجميع المكلفين، ووجب عندهم إذا انتفت الجسمية أن تنتفي الجهة، وإذا انتفت الجهة انتفت الرؤية، إذ كل مرئي في جهة من الرائي، فاضطروا لهذا المعنى لرد الشرع المنقول، واعتلوا للأحاديث بأنها أخبار آحاد وأخبار الآحاد لا توجب العلم ... وأما الأشعرية فراموا الجمع بين الاعتقادين أعني بين انتفاء الجسمية وبين جواز الرؤية لما ليس بجسم بالحس فعسر ذلك عليهم ولجؤوا في ذلك إلى حجج سوفسطائية مموهة" (٦).
следующие страницы →