← Акыда

Акыда · id 20593

منهج الإمام جمال الدين السرمري في تقرير العقيدة

خالد المطلق

Полный текст (285 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وهدى الله أهل السنة للجمع بين النصوص فكان منهجهم وسطاً بين الإفراط والتفريط، فقالوا: إن مرتكب الكبيرة -عدا الشرك- لا يكفر -إذا لم يستحل ذلك- ولا يخرج من الإسلام بهذه المعصية، بل هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بمعصيته، وإذا مات من غير توبة فهو تحت المشيئة, إن شاء الله غفر له ابتداءاً وأدخله الجنة رحمه منه وفضلاً، وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه ثم أدخله الجنه بعدله وحكمته. ولا شك أن هذا المعنى هو ما تواترت عليه أدلة الكتاب والسنة: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]. قال ابن جرير في تفسير هذه الآية: "وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن كبيرة شركًا بالله" (١). وقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحُجُرات: ٩]. فسمى الله تعالى كلا من الطائفتين المقتتلتين مؤمنة وأمر بالاصلاح بينهما ولو بقتال الباغية (٢). وكذلك في آية القصاص أثبت الإيمان للقاتل والمقتول من المؤمنين وأثبت لهم أخوة الإيمان فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: من الآية ١٧٨].

стр. 247

وحديث أبي ذر ﵁ الطويل، وفيه أن النبي ﷺ ذكر أن جبريل عرض له في جانب الحرة، فقال: «بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، قلت يا جبريل، وإن سرق؟ وإن زنى؟ قال: نعم، قال: قلت: وإن سرق؟ وإن زنى؟ قال: نعم وإن شرب الخمر» (١). وعن عمر بن الخطاب ﵁، أن رجلاً كان على عهد النبي ﷺ كان اسمه عبدالله وكان يُلقب "حمَاراً"، وكان يُضحك رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب، فأُتي به يوماً فأمَر به فجُلِد، فقال رجلٌ من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ : «لا تلعنوه، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله» (٢). وأحاديث الشفاعة لأهل الكبائر جميعها دالة على هذا المعنى، وقد تقدمت في مطلب الشفاعة. وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري ﵀ هذا الأصل، وبيَّن أن لا يكفر أحد من أهل القبلة بكل ذنب، ولا يخرج من الإسلام بمعصية، وأنه يُرجى للمحسن، ويُخاف على المسيء، فقال: "ولا يخرج الإيمان من قلب مؤمن مصرٍّ على فعل المآثم مستجري ونرجوا الرِّضا عمَّن قضى وهو مؤمن ويُخشى على من مات وهو على شرِّ" (٣). وقال في موضع آخر في بيان عدم خلود أهل الكبائر في النار: "ويدخل ناسٌ بالمعاصي جهنماً ... فيأخذهم منها على قدر الوزر ويشفع فيهم سيد الخلق أحمد ... عليه صلاة الله ما غرَّد القمري ويخرج مَن في قلبه وزن ذرة ... بلا شك منها مِن مُقارفة البِرِّ" (٤).

стр. 248

وما قرره الإمام جمال الدين السرمري ﵀ هو ما أجمع عليه أهل السنة والجماعة في هذه المسألة. قال ابن بطة: "وقد أجمعت العلماء لا خلاف بينهم أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بمعصية، نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء" (١). وقال أبو الحسن الأشعري: " وأجمعوا -يعني أهل السنة- على أن المؤمن بالله تعالى وسائر ما دعاه النبي إلى الإيمان به لا يخرجه عنه شيء من المعاصي ولا يحبط إيمانه إلا الكفر، وأن العصاة من أهل القبلة مأمورين بسائر الشرائع غير خارجين عن الإيمان بمعاصيهم" (٢). وقال الإمام الصابوني: "ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوباً كثيرة صغائر وكبائر فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها ومات على التوحيد والإخلاص، فإن أمره إلى الله إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة يوم القيامة سالماً غانماً غير مبتلى بالنار ولا معاقب على ما ارتكبه واكتسبه ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عفا عنه وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده فيها، بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار" (٣). وقال شيخ الإسلام في معرض ذكره لأصول أهل السنة: "وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي ... ولا يسلبون الفاسق الملِّي الإيمان بالكلية ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة ... ويقولون: هو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم" (٤).

стр. 249

وقال ابن أبي العز الحنفي: "أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفراً ينقل عن الملة بالكلية ... ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام، ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود مع الكافرين" (١).

стр. 250

الفصل السادس منهج جمال الدين السرمري في الصحابة والإمامة وفيه مبحثان: المبحث الأول: منهج جمال الدين السرمري في الصحابة ﵃. المبحث الثاني: منهج جمال الدين السرمري في الإمامة.

стр. 251

المبحث الأول منهج جمال الدين السرمري في الصحابة ﵃ - تمهيد: تعريف الصحابي: لغة: الصاد والحاء والباء، أصل واحد، يدل على مقارنة شيء ومقاربته من ذلك الصَّاحب، والجمع: الصَّحْب؛ ومن الباب: أصحب فلان: إذا انقاد، وكل شيء لائم شيئاً فقد استصحبه (١). قال الباقلاني: "لا خلاف بين أهل اللغة في أن القول صحابي مشتق من الصحبة وأنه ليس بمشتق من قدر منها مخصوص بل هو جار على كل من صحب غيره قليلًا كان أو كثيرًا كما أن القول مكلم ومخاطب وضارب مشتق من المكالمة والمخاطبة والضرب وجار على كل من وقع منه ذلك قليلًا كان أو كثيرًا وكذلك جميع الأسماء المشتقة من الأفعال وكذلك يقال: صحبت فلاناً حولاً ودهرًا وسنة وشهرًا ويومًا وساعة، فيوقع اسم المصاحبة بقليل ما يقع منها وكثيره وذلك يوجب في حكم اللغة إجراء هذا على من صحب النبي ﷺ ولو ساعة من نهار هذا هو الأصل في اشتقاق الاسم ... " (٢). وقال السخاوي: "الصحابي لغة: يقع على من صحب أقل ما يطلق اسم الصحبة فضلاً عمن طالت صحبته وكثرت مجالسته" (٣).

стр. 252

أما تعريفه في الاصطلاح: فقد تنوعت عبارات العلماء في ذلك مع اتفاق المعنى في الجملة: قال الواقدي: "ورأينا أهل العلم يقولون: كل من رأى رسول الله ﷺ وقد أدرك الحلم فأسلم وعقل أمر الدين ورضيه فهو عندنا ممن صحب رسول الله ﷺ ولو ساعة من نهار ولكن أصحابه على طبقاتهم وتقدمهم في الإسلام" (١). قال الإمام أحمد: "كل من صحبه سنة أو شهراً أو يوماً أو ساعة أو رآه فهو من أصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه، وكان سابقته معه، وسمع منه، ونظر إليه" (٢). وقال البخاري: "من صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه" (٣). ولعل من أدق التعاريف ما ذكره الحافظ ابن حجر بقوله: "وأصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي: من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على الإسلام -ثم شرح التعريف بقوله: - فيدخل فيمن (لقيه): من طالت مجالسته له أو قصرت ومن روى عنه أو لم يرو ومن غزا معه أو لم يغز ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه ومن لم يره لعارض كالعمى، ويخرج بقيد (الإيمان): من لقيه كافرًا ولو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتمع به مرة أخرى، وقولنا (به): يخرج من لقيه مؤمنًا بغيره كمن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة، وهل يدخل من لقيه منهم وآمن بأنه سيبعث أو لا يدخل محل احتمال ومن هؤلاء بحيرا الراهب ونظراؤه، ويدخل في قولنا (مؤمنًا به): كل مكلف من الجن والإنس فحينئذ يتعين ذكر من حفظ ذكره من الجن الذين آمنوا به بالشرط المذكور ... ، وهل تدخل الملائكة محل نظر قد قال بعضهم إن ذلك ينبني على أنه هل كان مبعوثا إليهم أو لا ... ، وخرج بقولنا (ومات على الإسلام): من لقيه مؤمنًا به ثم ارتد ومات على ردته والعياذ بالله ... ويدخل فيه من ارتد وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت سواء اجتمع به ﷺ مرة أخرى أم لا وهذا هو الصحيح المعتمد والشق الأول لا خلاف في دخوله وأبدى

стр. 253

بعضهم في الشق الثاني احتمالًا وهو مردود لإطباق أهل الحديث على عد الأشعث بن قيس في الصحابة وعلى تخريج أحاديثه في الصحاح والمسانيد وهو ممن ارتد ثم عاد إلى الإسلام في خلافة أبي بكر, وهذا التعريف مبني على الأصح المختار عند المحققين كالبخاري وشيخه أحمد ابن حنبل ومن تبعهما" (١). المطلب الأول: حق الصحابة ﵃ -: يقرر جمال الدين السرمري ﵀ تولي جميع أصحاب النبي ﷺ ، ومحبتهم، والترضي عنهم، وأنهم خير قرون الخلق. أما على الخصوص: فمعرفة لكل فضله ومنزلته وسابقته بحسب ورود النص فيه على خصوصه، والشهادة له وفق ما جاء في هذا النص، كالخلفاء الأربعة، وبقية العشرة، وأهل بدر، وبيعة الشجرة، وعائشة، وسائر أمهات المؤمنين. يقول ﵀: "وخير القرون الخلق قرن نبيّنا ... وأفضله عشرون مع عشر مع عشر هم الأربعون المسلمون الألى بهم ... جرى القمر الإيمان في فلك النَّصر وأفضلهم عشر عن النار زحزحوا ... فكل ثَوى من جنة الخلد في قَصْر وأفضل هذا العشر أربعة لهم ... على الخلق فضل كالنُّضار على الصُّفْر (٢) -ثم قال: - وأن نترضى عن صحاب محمد ... كما أمر الرحمن في سورة الحشر -إلى أن قال: - وأن لأهل البيت فضلاً على الورى ... نحققه فيهم للفقير وللمثري

стр. 254

وأن ابنة الصدّيق عائشة الرضى ... منزهة عما يقول أولو الأشر وكل نساء المصطفى أمهاتنا ... ورادِدُ هذا القول مستوجب الهجر" (١). وقد تقدم أن من مؤلفات السرمري: كتاب "عمدة الدين في فضل الخلفاء الراشدين" , وكتاب "غيث السحابة في فضائل الصحابة", وكتاب "نشر القلب الميْت بفضل أهل البيت". وما قرره جمال الدين السرمري ﵀ موافق للنصوص الشرعية ومنهج أهل السنة والجماعة. قال : ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. وقال : ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨]. وقال ﷻ : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩]. وعن عمران بن حصين ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «خيركم قرني، ثم يلونهم، ثم الذين يلونهم» (٢). وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق

стр. 255

مثل أحد ذهباً، ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه» (١). وحديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها» (٢). وحديث علي بن أبي طالب ﵁ الطويل في قصة حاطب بن أبي بلعتة ﵁، وفيه: فقال النبي ﷺ : «إنه شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدراً فقال: اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم» (٣). والأدلة من السنة كثيرة جداً، حتى أن أئمة أهل الحديث عقدوا لهذا الموضوع مباحث مستقلة في كتبهم. قال شيخ الإسلام -بعد أن ذكر جملة من أحاديث فضائل الصحابة-: "وهذه الأحاديث مستفيضة بل متواترة في فضائل الصحابة والثناء عليهم وتفضيل قرنهم على من بعدهم من القرون" (٤). وقال ابن كثير: "والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة، لما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم، وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله ﷺ ، رغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل، والجزاء الجميل" (٥). وقد حُكي الإجماع على عدالتهم، قال السفاريني: "فمعتمد القول عند أئمة السنة أن

стр. 256

الصحابة رضوان الله عليهم كلهم عدول بالكتاب والسنة وإجماع أهل الحق المعتبرين" (١). المطلب الثاني: الإمساك عما شجر بين الصحابة ﵃ -: قرر جمال الدين السرمري ﵀ الإمساك عما شجر بينهم، مع سلامة القلوب، وكف الألسن عن الخوض في ذلك، فقال: "ونمسك عمّا شجر بينهم من تشاجر ... ونعلم أن الله لكل ذو غفر" (٢). وما قرره جمال الدين السرمري هو أصل من أصول مذهب أهل السنة والجماعة تجاه أصحاب النبي ﷺ . قال ابن عباس ﵁: "لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ فإن الله قد أمر بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيقتتلون" (٣). وقال الإمام الصابوني في عقيدة السلف وأصحاب الحديث: "ويرون الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ ، وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيبًا لهم ونقصًا فيهم، ويرون الترحم على جميعهم والموالاة لكافتهم" (٤). وقال أبو الحسن الأشعري: "وأجمعوا -يعني أهل السنة- على الكف عن ذكر الصحابة ﵈ إلا بخير ما يذكرون به، وعلى أنهم أحق أن ينشر محاسنهم ويلتمس لأفعالهم أفضل المخارج وأن نظن بهم أحسن الظن وأحسن المذاهب ممتثلين في ذلك لقول رسول الله: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا» وقال أهل العلم: معنى ذلك لا تذكروهم إلا بخير الذكر ... " (٥). وقال شيخ الإسلام في معرض ذكره لأصول أهل السنة والجماعة: "ويمسكون عما شجر

стр. 257

بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ماهو كذب ومنها ما قدر زيد ونُقص وغُيِّر عن وجهه، والصحيح منه: هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون ... " (١). ولا يعني الإمساك عما شجر بين الصحابة ادعاء العصمة لهم، بل هم بشر يجري عليهم ما يجري على سائر البشر من الخطأ والسهو والغفلة. قال شيخ الإسلام: "ومما ينبغي أن يُعلم أنه وإن كان المختار الإمساك عما شجر بين الصحابة والاستغفار للطائفتين جميعاً وموالاتهم، فليس من الواجب اعتقاد أن كل واحد من العسكر لم يكن إلا مجتهداً متأولاً كالعلماء، بل فيهم المُذنب والمُسيء، وفيهم المُقصر في الاجتهاد لنوع من الهوى لكن إذا كانت السيئة في حسنات كثيرة كان مرجوحة مغفورة، وأهل السنة تُحسن القول فيهم وتترحم عليهم وتستغفر لهم، لكن لا يعتقدون العصمة من الإقرار على الذنوب وعلى الخطأ في الاجتهاد ... " (٢). المطلب الثالث: ترتيب الخلفاء في الفضل: إن التفاضل بين الخلق سنة من سنن الله في هذا الكون: قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: من الآية ٣٢]. وقال : ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: من الآية ٧١]. ولقد فضل الله بعض النبيين على بعض، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: من الآية ٢٥٣]. وقال : ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: من الآية ٥٥].

стр. 258

كما أنه فاضل بين الأمم، فقال : ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة من الآية: ٤٧]. وكذلك الصحابة ﵃ كسائر الخلق بينهم التفاضل، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: من الآية ١٠]. وأهل السنة والجماعة يقرون بما تواتر به النقل ودلت عليه الآثار من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ووقع الخلاف من بعضهم في عثمان وعلي ﵃ في الفضل مع إجماعهم على تقديم عثمان ﵁ في مسألة الخلافة. ثم استقر قول أهل السنة على تقديم عثمان على علي في الفضل، وأن ترتيب الخلفاء الأربعة في الفضل كترتيبهم في الخلافة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معرض ذكره لأصول أهل السنة والجماعة: "ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وعن غيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ويثلثون بعثمان ويربِّعون بعلي ﵃ كما دلت عليه الآثار وكما أجمع الصحابة ﵃ على تقديم عثمان في البيعة مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي ﵄ بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر- أيها أفضل، فقدم قوم عثمان وسكتوا أو ربعوا بعلي، وقدَّم قوم علياً، وقوم توقفوا؛ لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان، وإن كانت هذه المسألة -مسألة عثمان وعلي- ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن المسألة التي يضلل المخالف فيها هي مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء الأئمة فهو أضل من حمار أهله" (١). وهذا ما قرره جمال الدين السرمري ﵀ حيث قال:

стр. 259

"وأفضلهم صدِّيقه ووزيره ... أبو بكر ذو الإنفاق في اليسر والعسر ومن بعده الفاروق لا يُنسى فضله ... وعثمان ذو النورين ذو القرب بالصهر ومن بعده زوج البتول عليّ الذي ... جاهد الكفار بالبيض والسُمر" (١). وقال في تقدمة كتابه (المولد الكبير للبشير النذير ﷺ ) بعد الصلاة على النبي ﷺ : "وعلى صاحبه الصدّيق وخليفته بالتحقيق، والمُنفق عليه ماله في الضيق، أبي بكر عبدالله بن عثمان الذي قاتل أهل الردة، وألحق العاصي بالمطيع؛ وعلى صاحبه الفاروق، المكلَّم والمكاشف، المحدث الملهم، والعادل المعظم المكرم، أبي حفص عمر بن الخطاب، كافل الأرملة واليتيم، والعظيم والرّضيع؛ وعلى ذو النورين، صهره على الابنتين، وختنه على الكريمتين، وأمينه على البضْعتين، أبي عمرو عثمان بن عفان المقتول ظلماً، أفضل أهل البقيع؛ وعلى المرتضى البطل الهمام، والأسد الهزبر الضرغام، كاثر الأوثان والأصنام، أبي الحسن علي بن أبي طالب الذي ما بارزه بطل إلا سقاه كأس النَّجيع" (٢). المطلب الرابع: موقف أهل البدع من الصحابة: عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن في آيات كثيرة يكثر إيرادها ويطول تعدادها، ووصف رسول الله الصحابة مثل ذلك، وأطنب في تعظيمهم، وأحسن الثناء عليهم؛ وهؤلاء الصفوة الذين يعتبرون تاجاً في رأس الأمة الإسلامية، لم تسلم من كيد بعض أصحاب القلوب المريضة ممن وجدوا في هذه الصفوة الطاهرة بغيتهم، فذهبوا يكيدون لها بالكذب والافتراء، حتى طعنوا في عدالتهم ورموهم بالعظائم زوراً وبهتاناً، يحدوهم في هذا كله الجهل حيناً والهوى أحياناً.

стр. 260

وممن تولى كبر ذلك وحمل لواءه: ١ - الخوارج: قالوا بتكفير علي وعثمان، وأصحاب الجمل والحكمين ومن صوبهما أو صوب أحدهما أو رضي بالتحكيم (١). ٢ - الروافض: قالوا بتكفير أبي بكر وعمر وعثمان ومن عقدوا خلافتهم وبايعوهم (٢). ولقد عَرَضَ الإمام جمال الدين السرمري لكل الطائفتين، وبين فساد مذهبهم بالعموم، ولم يعرض لشيء من شبههم، فمن ذلك قوله: "ومحبة أحد من أهل الجنة لا ينفعه ذلك مع مجانبة الكتاب والسنة، ممن أحب أبا بكر وعمر وعثمان وأبغض علياً، أو أحب علياً وأبغض أبا بكر وعمر وعثمان ... وقد جاء الحديث أن: «من أبغض أبا بكر وعمر فقد كفر» فلا تنفعه محبة علي، ومَثلُ ذلك كما قال الصرصري رحمه الله تعالى: مثل الذي جحد ابن مريم وادَّعى حب الكليم وتلك دعوى تفسدُ وروي في الحديث: أن علياً ﵁ لا يبغضه إلا منافق ولا يحبه إلا مؤمن، قال بعض الصحابة: إنْ كنَّا لنعرف المنافقين منا معاشر الأنصار ببغضهم علي بن أبي طالب؛ وأما ما يدعيه الرافضة من حبهم علياً ﵇، فليس من هذا في شيء، ودعواهم أن محبته ومحبة أهل البيت حسنة لا يضرها معها سيئة فهي دعوى فاسدة، لأنهم كما زعموا يحبونهم ويبغضون أهلهم وأصحابهم وأختانهم وأحماهم ومواليهم، ويسبونهم ويلعنونهم، وقد قال النبي ﷺ : «المؤمن لا يكون لعاناً»، وليس أحد ممن لعنوه أو سبوه إلا وقد سبقت له سابقة صالحة في الإسلام، وأبلى بلاءً حسناً، وقد نص النبي ﷺ في جماعة منهم بأنهم في الجنة، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ونحوهم، فمن أبغض علياً وأحب أبا بكر وعمر وعثمان لم ينفعه حبهما" (٣). وقال في موضع آخر في بيان ضلال الرافضة: "هم أكذب الناس في قول وفي عمل وأعظم الخلق جهلاً في توثبه

стр. 261

وهم أقل الورى عقلاً وأغفلهم ... عن كل خير وأبطا عن تكسبه وكل عيب يَرُدُّ الشرع قد جمعوا ... هم جند إبليس بل فرسان مِقْنبه (١) " (٢). وقال في موضع آخر عند رده على السبكي حين شنع على شيخ الإسلام رده على ابن مطهر الحلي، وأوضح السرمري وجوب الرد على الرافضة، فقال: "والله لا غنية عن رد إفكهم ... بل رده واجب أعظم بمُوجبه أيتركون يسبون الصحابة والـ ... إسلام يختال زهواً في تصلبه هذا مقال شنيع لم يقل أحد ... به ولا رهط جهم في تحزبه" (٣). وما ذكره السرمري من بيان ضلالهم وفساد مذهبهم هو قول أهل الأئمة في هذا الباب. قال الإمام الصابوني: "ومن أبغضهم -يعني الصحابة- وسبهم، ونسبهم إلى ما تنسبهم الروافض والخوارج، فقد هلك في الهالكين" (٤). وقال الإمام النووي: "واعلم أن سب الصحابة ﵃ حرام من فواحش المحرمات سواء من لابس الفتن منهم وغيره لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون ... قال القاضي عياض: وسب أحدهم من المعاصي الكبار" (٥). وقال الإمام أحمد: "من تنقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ فلا ينطوي إلا على بلية وله خبيئة سوء" (٦). وقال شيخ الإسلام في حكم تكفير الصحابة: "وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله ﵊ إلا نفراً قليلاً يبلغون بضعة عشر نفساً أو أنهم فسقوا عامتهم فهذا لا ريب أيضاً في كفره لأنه كذب لما نصه القرآن في غير موضع: من الرضى

стр. 262

عنهم والثناء عليهم بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق وأن هذه الآية التي هي: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وخيرها هو القرن الأول، كان عامتهم كفاراً أو فساقاً ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم وأن سابقي هذه الأمة هم شرارهم وكفر هذا مما يعلم باضطرار من دين الإسلام" (١).

стр. 263

المبحث الثاني منهج جمال الدين السرمري في الإمامة تعريف الإمامة: الإمامة في اللغة: مصدر من الفعل (أمَّ) تقول: أمَّهم وأمَّ بهم: تقدَّمهم، والإمام: ما ائتم به من رئيس أو غيره (١). وقال ابن منظور: " والإمام ما ائتم به من رئيس وغيره، والجمع: أئمة ... وإمام كل شيء قيِّمُه والمصلح له، والقرآن إمام المسلمين، وسيدنا محمد رسول الله ﷺ إمام الأئمة، والخليفة إمام الرعية" (٢). أما تعريف الإمامة في الاصطلاح: فقد عرفها العلماء بعدة تعريفات، وكلها متقاربة في المعنى فيعرفها الماوردي بأنها: "خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا" (٣). وقال الجويني: "رياسة تامة وزعامة عامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا، متضمنها حفظ الحوزة ورعاية الرعية وإقامة الدعوة بالحجة والسيف وكف الجنف والحيف والانتصاف للمظلومين من الظالمين واستيفاء الحقوق من الممتنعين وإيفاؤها على المستحقين" (٤). وقال ابن خلدون: "هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة،

стр. 264

فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به" (١). وقال الإيجي: "هي خلافة الرسول في إقامة الدين وحفظ حوزة الملة بحيث يجب اتباعه على كافة الأمة" (٢). المطلب الأول: طاعة الأئمة، وحكم الخروج على الإمام الجائر: هذه المسألة من أبرز المسائل المتعلقة بمبحث الإمامة، وذلك لما حصل فيها من خلاف بين أهل السنة وبين بعض أهل البدع. وقد ذهب عامة أهل السنة إلى وجوب طاعة الأئمة، وعدم جواز الخروج على ولاة الأمر حتى ولو جاروا وظلموا، مالم يُرَ كفراً بواحاً فيه من الله برهان، لما يترتب على الخروج عليهم من المفاسد التي لا يقدر قدرها إلا الله، من سفك الدماء، وانتهاك الأعراض، وانتهاب الأموال. بل وأوجب العلماء إقامة الشعائر العامة معهم مع جورهم وظلمهم، كإقامة الجمع، والحج، والعيدين، والجهاد، ونحو ذلك. وهذا ما قرره الإمام جمال الدين السرمري وبينه بياناً لا لبس فيه، حيث قال: "وإن نحن بايعنا الإمام ببيعة ... وَفينا ولم نغدرْ ولا خير في الغدرِ ونَلقى ولاة الأمر منا بطاعة ... ولا يُلتقى بالسيف منا أولى الأمرِ وننصرهم إن جاهدوا ونطيعهم ... وإن ظلموا عُدنا من الظلم بالصبرِ" (٣). وكلام جمال الدين السرمري هذا، وكلام الأئمة قبله وبعده قد استند في ذلك إلى النصوص الصحيحة الصريحة من الكتاب والسنة. ومما ورد في هذا المعنى:

стр. 265

قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: من الآية ٥٩]. وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي، كأنَّ رأسه زبيبة» (١). وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول ﷺ قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» (٢). وعن عبدالله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، مالم يؤمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (٣). وعن عوف بن بن مالك ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه، فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يداً من طاعة» (٤). وعن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع» قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما صلَّوا» (٥).

стр. 266

وعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ : «من رأى من أميره شيئاً فكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يُفارق الجماعة شبراً فيموت، إلا مات ميتة جاهلية» (١). هذه بعض نصوص الكتاب والسنة الدالة على وجوب طاعة الأئمة في غير معصية الله أبراراً كانوا أو فجاراً، وتحريم الخروج عليهم. أما الآثار عن السلف في هذا المعنى فكثيرة جداً. فمن ذلك قول أبو إسماعيل الصابوني: "ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام مسلم براً كان أو فاجرًا، ويرون جهاد الكفرة معهم وإن كانوا جورة فجرة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح، ولا يرون الخروج عليهم وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف" (٢). وقال ابن بطال: "وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء ... ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها" (٣). وقال حنبل: "اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق إلى أبي عبدالله، وقالوا له: إن الأمر قد تفاقم وفشا -يعنون إظهار القول بخلق القرآن وغير ذلك- ولا نرضى بإمرته ولا سلطانه، فناظرهم في ذلك وقال: عليكم بالإنكار بقلوبكم ولا تخلعوا يداً من طاعة ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر، وقال: ليس هذا بصواب، هذا خلاف الآثار" (٤).

стр. 267

وقال النووي: "أجمع العلماء على وجوبها -يعني طاعة الأمراء- في غير معصية وعلى تحريمها في المعصية" (١). وقد بين الإمام النووي أن العلة من الحكم بالحرمة والتي من أجلها تظاهرت الأحاديث وانعقد إجماع أهل السنة: هو ما يترتب على ذلك من المفاسد الكثيرة، فقال: "وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل وحكى عن المعتزلة أيضاً فغلط من قائله مخالف للإجماع، قال العلماء: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه" (٢). وأما من يقول بجواز الخروج على أئمة الجور محتجاً بفعل بعض السلف، فالجواب عليه: أن القول بعدم جواز الخروج على أئمة الجور كان من مسائل الخلاف بين أهل السنة ثم انعقد الإجماع على الحرمة، ثم ليس كل خروجهم كان بمجرد الفسق، قال القاضي عياض: "وقد ادعى أبو بكر بن مجاهد في هذا الإجماع وقد رد عليه بعضهم هذا بقيام الحسن وابن الزبير وأهل المدينة على بني أمية وبقيام جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحجاج مع ابن الأشعث، وتأول هذا القائل قوله أن لا ننازع الأمر أهله في أئمة العدل، وحجة الجمهور أن قيامهم على الحجاج ليس بمجرد الفسق بل لما غير من الشرع وظاهر من الكفر، قال القاضي: وقيل أن هذا الخلاف كان أولاً ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم" (٣). قال الباحث: وإن كان ظاهر قول القاضي عياض أنه يضعف انعقاد الإجماع على ذلك، لكن قد تقدم عن غير واحد من أهل العلم من حكى الإجماع عليه.

стр. 268

وأما من ينفي من العلماء صحة الإجماع أصلاً على ذلك، كابن حزم (١) وابن الوزير (٢) والشوكاني (٣) وغيرهم، فمنزع قول أكثرهم مبني على مسألة أصولية، إذ لا يثبتون الإجماع الذي يقع بعد الخلاف، والله أعلم. المطلب الثاني: موقف المخالفين لأهل السنة في مسألة الإمامة: لم يكن إدخال العلماء هذه المسألة في صلب مسائل العقيدة، أو الإسهاب في الحديث عنها عبثاً، بل إن مما دعاهم إلى ذلك ما جنح إليه بعض أهل الأهواء والبدع من التخبط والانحراف في هذا الأصل العظيم، حتى صار ضلالهم فيه من الأصول التي يتفقون عليها في الغالب. ومن أبرز الفرق التي خالفت أهل السنة في هذه المسألة: الخوارج، والمعتزلة، والرافضة. والفرقة التي أشار إليه جمال الدين السرمري من بين هذه الفرق هي الخوارج وأشار إلى جانب من انحرافهم فيما يتعلق بهذا الأصل بكونهم أوجبوا الخروج على الإمام (٤). أما المعتزلة: فإن من أصولهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن المعاني التي ستروها تحت مسمى هذا الأصل، الخروج على الولاة إذا خالفوهم فيما ذهبوا إليه. قال أبو الحسن الأشعري: " فقالت المعتزلة: إذا كنا جماعة وكان الغالب عندنا أنا نكفي مخالفينا، عقدنا للإمام، ونهضنا فقتلنا السلطان وأزلناه وأخذنا الناس بالانقياد لقولنا، فإن دخلوا في قولنا الذى هو التوحيد وفى قولنا في القدر وإلا قتلناهم، وأوجبوا على الناس الخروج على

стр. 269

السلطان على الإمكان والقدرة إذا أمكنهم ذلك وقدروا عليه" (١). وأما جمهور الرافضة فمخالفتهم لأهل السنة في هذا الأصل من وجوه متعددة منها على سبيل المثال: أنهم جعلوا الإمامة أحد أركان الإيمان بل هي أفضل هذه الأركان، وأهم المطالب في أحكام الدين وأشرف مسائل المسلمين. وأيضاً القول بعصمة الأئمة، وأن الإمامة نص من الله لا تكون إلا في المنصوص عليهم أو من ينوبنهم، وما سواهم فمغتصب يجب الخروج عليه، وإزالته بالقوة كائناً من كان (٢). والذي يهمنا هنا من هذه الطوائف الثلاث: فرقة الخوارج، لأن الإمام جمال الدين السرمري قد تناولها بالإشارة والحديث من بين هذه الطوائف، واكتفى في الرد عليهم بإيراد بعض النصوص الدالة على الحث على قتالهم بسبب خروجهم على الإمام، فقال في كتابه إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة: "فصل في قتال الخوارج والبغاة. قال علي ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيخرج قوم في آخر الزمان حُدَّاث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قلتهم أجراً لمن قتلهم يوم القيامة» متفق عليه. وقال: «يكون من أمتي فرقتين فيخرج من بينهما مارقة يلي قتلَهم أولاهما بالحق». وفي لفظ: «تمرق مارقة عند فُرقة من المسلمين يقتُلُها أولى الطائفتين بالحق» رواهما أحمد ومسلم. وقال: «من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة فمات فميتته جاهلية» متفق عليه. وقال: «من أتاكم وأمرُكم جميعٌ على رجل، يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم

стр. 270

فاقتلوه» رواه أحمد ومسلم. وقال: «من حمل علينا السلاح فليس منا» رواه أحمد" (١). ومذهب الخوارج على الأئمة إذا ظلموا وجاروا مبني على مذهبهم في حكم مرتكب الكبيرة، حيث كفروه بذلك. فيرد عليهم في مسألة الإمامة بنقض قولهم في حكم مرتكب الكبيرة أولاً، وهذا قد سبقت الإشارة إليه في مبحث الكبيرة وحكم مرتكبها (٢). ويرد عليهم أيضاً بالنصوص الآنفة الذكر، المتضمنة تحريم الخروج على الولاة، وعدم نزع اليد من طاعتهم عند ظلمهم وجورهم، إذ النصوص صريحة في النهي عن ذلك والتشديد فيه، ويرد عليهم أيضاً بالإجماع الذي حكاه غير واحد من أهل العلم -وقد تقدم نقله- (٣) على حرمة الخروج على الأئمة وإن كانوا فسقة ظالمين.

стр. 271

الفصل السابع موقف جمال الدين السرمري من أهل الأهواء والبدع وفيه مبحثان: المبحث الأول: لزوم الجماعة وذم الفرقة. المبحث الثاني: موقفه من أهل البدع.

стр. 272

المبحث الأول: لزوم الجماعة وذم الفرقة مفهوم الجماعة: الجماعة في اللغة: مأخوذة من الاجتماع، وهو ضد التفرق، يقال: جمع الشيء عن تفرقة فاجتمع، وجمعت الشيء إذا جئت به من هاهنا وهاهنا، وأجمع أمره أي جعله جميعاً بعدما كان متفرقاً، والجمع اسم لجماعة الناس، والجماعة والجميع والمجمع كالجمع، وقد تستعمل الجماعة في غير الناس حتى قالوا: جماعة الشجر، وجماعة النبات (١). وقال ابن فارس: "الجيم والميم والعين أصل واحد، يدل على تضام الشيء، يقال: جمعت الشيء جمعاً، والجُمَّاع الأُشابه من قبل شتى" (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة، وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسماً لنفس القوم المجتمعين" (٣). أما مفهوم الجماعة بالمعنى الخاص، فقد اختلف العلماء في المقصود بها على أقوال (٤): ١ - أن الجماعة هم السواد الأعظم من أهل الإسلام، يقول أبو غالب: إن السواد الأعظم هم الناجون من الفرق، فما كانوا عليه من أمر دينهم فهو الحق، ومن خالفهم مات ميتة جاهلية، سواء خالفهم في شيء من الشريعة أو في إمامهم وسلطانهم، فهو مخالف للحق. وممن قال بهذا عبدالله بن مسعود ﵁، فقد روي أنه لما قُتل عثمان سُئل عن الفتنة فقال: "عليك بالجماعة فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد ﷺ على ضلالة، واصبر حتى يستريح بر أو

стр. 273

يستراح من فاجر" (١). فعلى هذا القول يدخل في الجماعة مجتهدو الأمة وعلماؤها وأهل الشريعة العاملون بها، ومن سواهم داخلون في حكمهم، لأنه تابعون لهم ومقتدون بهم، فكل من خرج عن جماعتهم فهم الذين شذوا، ويدخل في هؤلاء جميع أهل البدع لأنهم مخالفون لمن تقدم من الأمة، لم يدخلوا في سوادهم بحال. ٢ - أن الجماعة هي جماعة أئمة العلماء المجتهدين، فمن خرج عما عليه جماعة علماء الأمة مات ميتة جاهلية، لأن الله تعالى جعلهم حجة على العالمين، وأما العامة فعنها تأخذ دينها، وإليها تفزع في النوازل، وهي تبع لها، وممن قال بهذا عبدالله بن المبارك وإسحاق بن راهويه وجماعة من السلف وهو رأي الأصوليين، فقيل لعبدالله بن المبارك من الجماعة الذين ينبغي أن يقتدى بهم؟ قال: "أبو بكر وعمر، فلم يزل يحسب حتى انتهى إلى محمد بن ثابت والحسين بن واقد، فقيل: هؤلاء ماتوا، فمن الأحياء؟ قال: أبو حمزة السكري" (٢). فعلى هذا القول لا مدخل في هذا السواد لمن ليس بعالم مجتهد، لأنه داخل في أهل التقليد، فمن عمل منهم بما يخالفهم فهو صاحب الميتة الجاهلية، ولا يدخل فيهم أيضاً أحد المبتدعين، لأن البدعة قد أخرجته عن نمط من يعتد بأقواله. ٣ - أن الجماعة هي جماعة الصحابة على الخصوص، فإنهم الذين أقاموا عماد الدين وأرسوا أوتاده، وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أصلاً، ولأنهم المتلقون لكلام النبوة الذين فهموا مراد الله بالتلقي من نبيه مشافهة، على علم وبصيرة بمواطن التشريع وقرائن الأحوال بخلاف غيره، فإن فيه لأهل الاجتهاد مجالاً للنظر رداً أو قبولاً، فأهل البدع إذاً غير داخلين فيه، وممن قال بهذا القول عمر بن عبدالعزيز. ٤ - أن الجماعة هي جماعة أهل الإسلام، إذا أجمعوا على أمر فواجب على غيرهم من

стр. 274

أهل الملل اتباعهم، وهم الذين ضَمِن الله لنبيه ﵊ أن لا يجمعهم على ضلالة. وكأنَّ هذا القول راجع إلى الثاني وهو يقتضي ما يقتضيه، أو يرجع إلى القول الأول وهو الأظهر، وفيه من المعنى ما في الأول من أنه لابد من كون المجتهدين فيهم، وعند ذلك لا يكون مع اجتماعهم على هذا القول بدعة أصلاً. ٥ - أن الجماعة هي جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير، وقد اختار هذا القول الإمام الطبري؛ وحاصل هذا القول أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإمام الموافق للكتاب والسنة، وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنة خارج عن معنى الجماعة كالخوارج ومن جرى مجراهم. والذي يظهر أنه لا تعارض بين هذه الأقوال إذ الجماعة هي من كان على مثل ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه الكرام والتابعون ومن تبعهم بإحسان، فمن وافقهم فهو من الجماعة، وإن كان فرداً، ومن خالفهم فهو من أهل الشذوذ والفرقة وإن كثر عددهم. قال عبدالله بن مسعود ﵁: "إنما الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كنت وحدك" (١). وقال أبو شامة: "وحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق واتباعه وإن كان المتمسك بالحق قليلاً والمخالف كثيراً لأن الحق الذي كانت عليه الجماعة الأولى من النبي ﷺ وأصحابه ﵃ ولا نظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم" (٢). وقال ابن القيم: " واعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالم صاحب الحق وإن كان وحده وإن خالفه أهل الأرض ... وقال بعض أئمة الحديث وقد ذكر له السواد الأعظم فقال: أتدري ما السواد الأعظم هو محمد بن أسلم الطوسي وأصحابه! فمُسخ المختلفون الذين

стр. 275

جعلوا السواد الأعظم والحجة والجماعة هم الجمهور وجعلوهم عياراً على السنة وجعلوا السنة بدعة والمعروف منكراً لقلة أهله وتفردهم في الإعصار والأمصار وقالوا: من شذ شذ الله به في النار، وما عرف المختلفون أن الشاذ ما خالف الحق وإن كان الناس كلهم عليه إلا واحداً منهم فهم الشاذون، وقد شذ الناس كلهم زمن احمد بن حنبل إلا نفراً يسيراً فكانوا هم الجماعة، وكانت القضاة حينئذ والمفتون والخليفة وأتباعه كلهم هم الشاذون، وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة" (١). الحث على لزوم الجماعة وذم التفرق: جاءت النصوص الدالة على لزوم الجماعة والتمسك بها كثيرة ومتضافرة، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: من الآية ١٠٣]. وقوله ﷻ : ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: من الآية ١٠٥]. وقوله ﷻ : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: من الآية ١٥٣]. وقوله : ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: من الآية ١٣]. وعن عبدالله بن عمر ﵄ قال: خطبنا عمر بالجابية فقال: يا أيها الناس، إني قمت فيكم كمقام رسول الله ﷺ فينا فقال: «أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل ولا يستحلف، ويشهد الشاهد ولا يستشهد، ألا

стр. 276

لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان، عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد، من أراد بحبوبة الجنة فيلزم الجماعة ... » (١). وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من فارق الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» (٢). وقد ذكر الإمام جمال الدين السرمري فيما يندرج تحت هذا المبحث الأحاديث الواردة بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة في فصل قتال الخوارج والبغاة (٣). وما أشار إليه الإمام جمال الدين السرمري هو منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب. قال الإمام البربهاري: "اعلموا أن الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر، فمن السنة لزوم الجماعة، فمن رغب غير الجماعة وفارقها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وكان ضالاً مضلاً" (٤). وقد عقد الإمام الآجري باباً في ذكر الأمر بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة، ومما قال فيه: " أمرنا بلزوم الجماعة، ونهانا عن الفرقة، وكذلك حذرنا النبي ﷺ من الفرقة وأمرنا بالجماعة، وكذلك حذرنا أئمتنا ممن سلف من علماء المسلمين كلهم يأمرون بلزوم الجماعة، وينهون عن الفرقة" (٥). كما عقد أيضاً الإمام اللالكائي فصلاً في سياق ما ورد عن النبي ﷺ في الحث على اتباع الجماعة والسواد الأعظم والوعيد عن مفارقة الجماعة.

стр. 277

المبحث الثاني: موقف جمال الدين السرمري من أهل البدع تمهيد أهل البدع نسبة إلى البدعة: والبدعة في اللغة: مصدر (بَدَعَ)، قال ابن فارس: " الباء والدال والعين أصلان: أحدهما ابتداء الشيء وصنعُه لا عن مثال، والآخر الانقطاع والكلال" (١). والمعنى الثاني داخل في المعنى الأول، كما أشار إلى ذلك ابن الأثير حيث قال: "أبدعت الناقة إذا انقطعت عن السير بكلال أو ظلع كأنه جعل انقطاعها عما كانت مستمرة عليه من عادة السير إبداعاً أي إنشاء أمر خارج عما اعتيد منها" (٢). وقال ابن منظور: "البدعة: الحَدَث، وما ابتُدع من الدين بعد الإكمال، -وقال- ابن السكيت: البدعة كل مُحدثة -إلى أن قال: - وفلان بِدْع في هذا الأمر: أي أول لم يسبقه أحد" (٣). وعليه فإن البدعة بالمفهوم اللغوي العام: ابتداء الشيء وإنشاؤه لأول مرة على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: من الآية ٩]، وقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: من الآية ١١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: من الآية ٢٧]. أما البدعة في الاصطلاح: فقد اختلفت عبارات العلماء في ذلك، علماً بأنها تلتقي في معنى عام كلي في الجملة.

стр. 278

فقد عرفها الإمام الشاطبي بأنها: "طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يُقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه" (١). ويعرفها شيخ الإسلام بأنها: "ما لم يشرعه الله ورسوله وهو مالم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب" (٢). وقال في موضع آخر: "والبدعة: ما خالفت الكتاب والسنة أو إجماع سلف الأمة من الاعتقادات والعبادات، كأقوال الخوارج والروافض والقدرية والجهمية وكالذين يتعبدون بالرقص والغناء في المساجد والذين يتعبدون بحلق اللحى وأكل الحشيشة وأنواع ذلك من البدع التي يتعبد بها طوائف من المخالفين للكتاب والسنة" (٣). ويعرفها ابن رجب بأنها: "ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعاً وإن كان بدعة لغة" (٤). ويعرفها السيوطي بأنها: "عبارة عن فعلة تصادم الشريعة بالمخالفة، أو توجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان" (٥). وكما سبق فإن هذه الضوابط والحدود التي ذكرها العلماء للبدعة لا تخرج في مفهومها العام من كون البدعة إحداث في الدين ماليس له أصل في الشرع، سواء كان ذلك في العمل أو القول أو في الاعتقاد. ومفهوم مسمى (أهل البدع) يطلق غالباً على كل من اشتهر ببدعة وخاصة منها الاعتقادية. قال الإمام الشاطبي: "إن لفظ أهل الأهواء وعبارة أهل البدع إنما تطلق حقيقة على الذين

стр. 279

ابتدعوها، وقدَّموا فيها شريعة الهوى بالاستنباط والنصر لها، والاستدلال على صحتها في زعمهم، حتى عُدّ خلافهم خلافاً، وشبههم منظوراً لها، ومُحتاجاً إلى ردِّها والجواب عنها، كما تقول في ألقاب الفرق من المعتزلة والقدرية والمرجئة والخوارج والباطنية ومن أشبههم فإنها ألقاب لمن قام بتلك النحل، ما بين مستنبط لها، وناصر لها، وذاب عنها" (١). وقال شيخ الإسلام: "ومما ينبغي أيضاً أن يُعرف أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين والكلام على درجات: منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة، ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة ... ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولاً يُفارقون به جماعة المسلمين، يُوالون عليه ويعادون، كان من نوع الخطأ ... بخلاف من والى موافقه وعادى مخالفه وفرَّق بين جماعة المسلمين وكفَّر وفسَّق مخالفه دون موافِقِه في مسائل الآراء والاجتهادات، واستحل قتال مخالفه دون موافقه من أهل التفرق والاختلافات، ولهذا كان أوَّل من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع الخوارج المارقون" (٢). الموقف من أهل البدع: لقد وضع أهل السنة والجماعة قواعد وضوابط في التعامل مع أهل الأهواء والبدع، ومن ذلك: أولاً: حراسة الدين، وإبطال البدع: أول موقف لأهل السنة والجماعة من البدع والمبتدعة هو نفيرهم الدائم لحراسة الدين وإبطال البدع، فما كان يطلع للبدعة قرن إلا ويهب الرجال العاملون والعلماء المخلصون لاستئصال شأفة هذه البدعة وإماتتها وقطعها عن طريق الأمة.

стр. 280

وكان أول بدعة ظهرت في الدين التفريق بين الصلاة والزكاة، والادعاء أن الزكاة لا تؤدى إلا للرسول ولا تعطي لخلفائه من بعده، فتصدى الصديق ﵁ لهذه البدعة، وقاتل القائلين بها، ووأدها في مهدها قبل أن يستفحل ضررها وشرها، ولو ترك أبو بكر ذلك فلم يقاتلهم لانْثَلَم الإسلام، ولما التأم بعد ذلك أبداً، ولأصبحت هذه البدعة سنة مُتّبعةً يأخذ بها الناس بعدهم فيؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، ويفعلون ما يحلو لهم من الدين ويتركون ما لا يشتهون. وفي عهد الفاروق ﵁ حصلت بعض البدع الصغيرة فأماتها كاتباع متشابه القرآن، واستحلال الخمر بزعم أن القرآن يبيح ذلك، والزعم أن الصحابة لا يطبقون القرآن كله. وفي عهد عثمان ﵁ حدثت أوائل الفتنة الكبرى وهي الخروج على الإمام الحق بالسيف، وانتهت بدعتهم بمقتله ﵁، وكان هذا بداية فتنة عظمى في الإسلام وظهور بدعة الخوارج التي لا تزال إلى يوم القيامة، ولقد قام أهل السنة والجماعة فردوا هذه البدعة بالعلم والبرهان والدليل. ثم توالت البدع فجاءت القدرية، وجاءت المرجئة، وجاءت الرافضة، وجاء الزنادقة، والفرق الباطنية، وجاءت الجهمية منكروا الصفات والأسماء، وكلما ظهرت بدعة من هذه البدع كان أهل الإسلام الحق لها بالمرصاد، فأما الأمراء الصالحون فقد وضعوا السيف في أصحابها ومروجيها، وأما العلماء الأبرار فقد قاموا بالرد والإبطال لها. ولا تكاد توجد بدعة أو مقالة من مقالات الخارجين عن الكتاب والسنة إلا ولعلماء السنة والجماعة جهاد مشكور وردود تدحض هذه البدعة، وتبين زيفها وبعدها عن الحق. والخلاصة أن موقف أهل السنة والجماعة من البدع والمبتدعة هو أنهم كشفوا اللثام عن كل قول أو فعل يخالف القرآن والسنة ويخرج عن إجماع الأمة، وصاحوا بأهل البدع من كل مكان في الأرض يبينون زيف مقالاتهم، وكذب ادعاءاتهم، وخروجهم ببدعتهم عن الإسلام

стр. 281

الصحيح، والدين الخالص. ولقد سار الإمام جمال الدين السرمري على هذا النهج في حراسة الدين وإبطال البدع، يوضح ذلك رده على تقي الدين السبكي لما شنع على شيخ الإسلام ابن تيمية رده رفض ابن مطهر الحلي، حين قال السبكي: "والناس في غُنية عن ردِّ إفكهمُ ... لهجنة الرفض واستقباح مذهبه" (١). فرد عليه الإمام جمال الدين السرمري ببيان وجوب حراسة الدين وإبطال البدع، وأن هذا هو منهاج الأئمة، بل هذا داخل دخولاً أولياً في شريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: "والله لا غنية عن رد إفكهم ... بل رده واجب أعظم بموجبه أيتركون يسبون الصحابة والـ ... إسلام يختال زهواً في تصلبه هذا مقال شنيع لم يقل أحد ... به ولا رهط جهم في تحزبه والله لولا سيوف من أئمتنا ... في كاهل الرفض لا تُلْوى ومنكبه لأضحت السنة الغراء دائرة ... بين البرية كالعنقا وأغربه إلى أن قال: أيترك الأمر بالمعروف مطرحاً ... والنهي عن منكر ما من يقول به كلا ومن رفع السبع الطباق على ... وجه الثرى وتعالى في تحجبه" (٢). ثانياً: الهجر: الأصل في الشرع هو هجر المبتدع، لكن ليس عاماً في كل حال ومن كل إنسان ولكل مبتدع، ومشروعية الهجر هي في دائرة ضوابطه الشرعية المبنية على رعاية المصالح ودرء المفاسد،

стр. 282

وهذا مما يختلف باختلاف البدعة نفسها واختلاف مبتدعها واختلاف أحوال الهاجرين، واختلاف المكان والقوة والضعف، والقلة والكثرة، وهكذا من وجوه الاختلاف والاعتبار التي يرعاها الشرع. وميزانها للمسلم الذي به تنضبط المشروعية هو: مدى تحقق المقاصد الشرعية من الهجر: من الزجر، والتأديب، ورجوع العامة، وتحجيم المبتدع وبدعته وضمان السنة من شائبة البدعة. ويحسن هنا أن أنقل بالنص فتوى شيخ الإسلام ﵀ حول أحكام الهجر، وحكمته، فقد سئل ﵀ عمن يجب أو يجوز بغضه أو هجره أو كلاهما لله تعالى؟ وماذا يشترط على الذي يبغضه أو يهجره لله تعالى من الشروط؟ وهل يدخل ترك السلام في الهجران؟ وإذا بدأ المهجور بالسلام فهل يجب الرد عليه أم لا؟ وهل يستمر البغض والهجران لله حتى يتحقق زوال الصفة المذكورة التي أبغضه وهجره عليها؟ أم هل يكون لذلك مدة معلومة؟ فإن كان لها مدة معلومة فما حدها؟ فأجاب ﵀: "الهجر الشرعي نوعان: أحدهما بمعنى الترك للمنكرات، والثاني: بمعنى العقوبة عليها. فالأول: هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: من الآية ١٤٠]. فهذا يراد به أنه لا يشهد المنكرات لغير حاجة مثل قوم يشربون الخمر يجلس عندهم، وقوم دعوا إلى وليمة فيها خمر وزمر لا يجيب دعوتهم، وأمثال ذلك؛ بخلاف من حضر عندهم للإنكار عليهم، أو حضر بغير اختياره، ولهذا يقال: حاضر المنكر كفاعله، وفي الحديث: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يشرب عليها الخمر»، وهذا الهجر من

стр. 283

جنس هجر الإنسان نفسه عن فعل المنكرات، كما قال ﷺ : «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه» ومن هذا الباب الهجرة من دار الكفر والفسوق إلى دار الإسلام والإيمان، فإنه هجر للمقام بين الكافرين والمنافقين الذين لا يمكنونه من فعل ما أمر الله به، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدَّثر: ٥]. النوع الثاني: الهجر على وجه التأديب، وهو هجر من يظهر المنكرات، يُهجر حتى يتوب منها، كما هجر النبي ﷺ والمسلمون الثلاثة الذين خلفوا حتى أنزل الله توبتهم حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعيّن عليهم بغير عذر، ولم يهجر من أظهر الخير وإن كان منافقاً، فهنا الهجر هو بمنزلة التعزير. والتعزير يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات وفعل المحرمات: كتارك الصلاة والزكاة والتظاهر بالمظالم والفواحش والداعي إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة التي ظهر أنها بدع. وهذه حقيقة قول من قال من السلف والأئمة: إن الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم، ولا يصلى خلفهم، ولا يؤخذ عنهم العلم، ولا يناكحون. فهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا؛ ولهذا يُفرقون بين الداعية وغير الداعية، لأن الداعية أظهر المنكرات فاستحق العقوبة بخلاف الكاتم فإنه ليس شراً من المنافقين الذين كان النبي ﷺ يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله مع علمه بحال كثير منهم، ولهذا جاء في الحديث: «إن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة»، وذلك لأن النبي ﷺ قال: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوْشَك أن يعمهم الله بعقاب منه»، فالمنكرات الظاهرة يجب إنكارها، بخلاف الباطنة فإن عقوبتها على صاحبها خاصة، وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم، فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث

стр. 284

يُفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعاً، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر، بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا كان النبي يتألف قوماً ويهجر آخرين ... وإذا عرف هذا فالهجرة هي من الأعمال التي أمر الله بها ورسوله، فالطاعة لابد أن تكون خالصة لله وأن تكون موافقة لأمره فتكون خالصة لله صواباً، فمن هجر لهوى نفسه أو هجر هجراً غير مأمور به، كان خارجاً عن هذا، وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانة أنها تفعله طاعة لله ... " (١). وقد نقل ابن حجر ﵀ أقوال الأئمة في هذه المسألة عند تبويب البخاري (باب من لم يُسلم على من اقترف ذنباً)، فقال: "وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يسلم على الفاسق ولا المبتدع، قال النووي: فإن اضطر إلى السلام بأن خاف ترتب مفسدة في دين أو دنيا إن لم يسلم سلم، وكذا قال ابن العربي وزاد: وينوي أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، فكأنه قال: الله رقيب عليكم، وقال المهلب ترك السلام على أهل المعاصي سنة ماضية وبه قال كثير من أهل العلم في أهل البدع، ... وحكى ابن رشد قال: قال مالك: لا يسلم على أهل الأهواء، قال ابن دقيق العيد: ويكون ذلك على سبيل التأديب لهم والتبري منهم" (٢). وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري ﵀ هذا المنهج في التعامل مع أهل البدع في أكثر من موضع؛ فمن ذلك قوله عند الحديث الوارد في النهي عن التهاجر والتشاجر: "يشترط في هذه الهجرة أن تكون في غير ذات الله تعالى، كمن هجر مسلماً غير مبتدع، بل لحظ النفس، فذلك الذي لا يجوز هجره أكثر من ثلاثة أيام، وهو الذي يُحبس عن دخول الجنة؛ وأما إن كان الهجر لبدعة، فهو مندوب إليه، ويثاب المسلم عليه، ولا يجوز أن يُسَلَّم عليه ما دام على بدعته، لأنه ورد أن: من سلَّم على صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام" (٣).

стр. 285

وقال في كتاب الأدب من كتابه إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة: "ولا تهجر مسلماً فوق ثلاث إلا لبدعة" (١). وقال في منظومته في الاعتقاد: "ومن كان بدعيًّا أُمرنا بهجره ... وقلنا لهم لا قوه بالزجر لا البشر" (٢).