← Сира

Сира · id 20594

خصائص سيد العالمين وما له من المناقب العجائب

السرمري

Полный текст (354 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

عن النبي ﷺ ولا عن غيره , والروايات التي في حديث الإسراء عن أنس نفسه عند البخاريّ وعند مسلم في بعض ألفاظها مَقالٌ قد تكلموا على الغلط فيها , وتكلف (١) بعض الناس لأصل هذه الرواية أن الإسراء كان مراراً وذلك أيضاً غلط , وكذا (٢) من ادّعى أن المعراج كان قبل النبوة [ق ٧٨/ظ] وإنما كان بعد الرسالة بمكة , ومن فوائده في عرض الخمر واللّبن عليه ليلتئذ , واختياره اللبن , وقول جبريل له أصبت الفطرة , فالفطرة فطرة الإسلام وهي التي فطر الله عليها الناس كما قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ (٣) ... النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: من الآية ٣٠] , وتسمية اللبن بالفطرة لمناسَبة وقعت فيه وهي: أنه أول ما يقع في جوف المولود وأول ما يتغذى به فكان بفطوره عليه أولاً مناسباً لتسميته بفطرة الإسلام , وأما الخمر فإنها لما كانت تفسدُ العقل وتغيّر الفطرة تركَها لأنّها تُغوي كما قال في الحديث: «لو أخذت الخمر لغوت (٤) أمتك» , ومنها: فرض الصلاة خمسين أولاً ثم ردت إلى خمسٍ فيه حُجَّة لمن يُجوّز النسخ قبل التمكين من الفعل , فإن الله تعالى فرضها خمسين ثم نسخها إلى خمس قبل أن يُمكنهم من العمل , ومنها: مراجعة موسى دون إبراهيم لأنه كان له شريعة بأحكام التوراة كما قال: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران: من الآية ٦٥] ورأى موسى من بني إسرائيل ما أخبر به حيث خبَرهم وجَرَّبهم وعالجهم أشد المعالجة وقد كان إبراهيم ﵊ إمام الملة وموسى إمام الشريعة , ومنها: أن في قوله ﵊: «فرجعتُ إلى ربي» , وقول موسى: «فارجع إلى ربك» , وقوله: «فلم أزل أتردد بين موسى وبين ربي» حجة قاطعة على إثبات علوّ الربّ سبحانه [وتعالى] (٥) على خلقه وأنه يصعد إليه الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه وأن الملائكة تعرج إليه وتنزل

стр. 282

من عنده , ومنها: [أنه] (١) في تردّده بين ربه وبين موسى فيقول: «فحَطّ عني عشراً ... ثم عشراً ... ثم عشراً» (٢) وكذلك هو في الصحيحين من حديث أنس بن مالك من رواية شريك عنه , وفي رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أنه قال: «فحَطّ عني خَمساً» (٣) وهو في أفراد مسلم والأوّل أصح لأنه المتفق عليه عن أنس عن مالك بن صعصعة ومن حديث أنس نفسِه أيضاً «عشراً عشراً» فرواية الحط خمساً غلط من الراوي والله أعلم , وقد يُقالُ لفظ حديث أنسٍ لا يقتضي أن التردد كان كله بخمس خمس وإنما فيه أنه [ق ٧٩/و] قال بعد حط الخمس أنه قال: «فلم أزل ارجع بين ربي وبين موسى (٤) حتى قال يا محمد إنهن خمس صلوات ... » الحديث , وليس في هذا ما يدل على أن [هذا] (٥) التردد كان بخمس خمس (٦) , ولا يمنع أن التردد كان قبل الخمس بعشر عشر ثم بالخمس والله أعلم , ومنها: الخبر عن شرح صدره في بعض أحاديث الإسراء , وقد قيل في قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشَّرح: ١] هو هذا الشرح في هذه الأحاديث وقيل: بل هو الشرح المعنوي كقوله تعالى عن موسى: ﴿اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: من الآية ٢٥] وكقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: من الآية ١٢٥] وشرح صدره ﷺ كان مرتين وقيل: ثلاثاً: مرّة هذه أعني المعنوي , ومرة هو مع الغلمان كما ذكره مسلم في حديثه وبيّن فيه أنه أخرَج منه علقة فألقاها وقال: «هذا حظ الشيطان منك» (٧) , والعلقة قطعةُ دم تكون في تجويف القلب وتسمّى السُويداء , والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم , ومن القلب تَجري الحياةُ في البدن وهي التي يقول لها (٨) الأطباء: الروح والقوة والشهوة , والحياة تنبعث من

стр. 283

القلب , ولهذا كان القلب ملك البدن وكان إذا صلح صلح الجسد كله (وإذا فسد فسد الجسد كله) (١) , والقلب ما دامت فيه تلك العَلقَة يدخل الشيطان فيه فهي بَيْتُه منها يتصرف بالوسوسة , فأُخرِجت من النبي ﷺ وغُسل مكانها فلم يبق للشيطان عليه سبيل أصلاً , ولا بقي له بيت يدخل فيه ولا مسكن وكان يقول ﷺ : «ما من أحد إلا وقد وكل به قرينه , قالوا: وأنتَ يا رسول الله , قال: وأنا لكن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير» وليس المراد أسلمُ أنا بل أسلمَ هو من الاستسلام لا من إيمان لأنه قال: «فلا يأمرني إلا بخير» (٢) لأنه (٣) انقاد وانطاعَ فبقي لا يأمره إلا بما يناسبُ حاله [ق ٧٩/ظ] من الخير ﷺ , ومنها قوله ﵊: «ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام» (٤) المستوى: المكان العالي , وصريف الأقلام: صوتها على اللوح المحفوظ , وقوله: «سِدرة المنتهى» سميت سدرة (٥) المنتهى لأن (٦) إليها ينتهي ما ينزل من فوقها وإليها ينتهي ما يصعد من تحتها؛ تنبيهٌ لطيف في حديث المعراج أيضاً: وهو قوله عن عيسى ويحيى «وهما ابنا خالةٍ» قال ابن السكيت (٧): يقال: هما ابنا خالة ولا يقال: هما ابنا خال , ويقال: هما ابنا عم ولا يقال: هما (٨) ابنا عمّة (٩) , قلت: وعليه في هذا الكلام شيء , وقد اغترّ بأن غالب ما يقع أن ابني العمة وابني الخال غير متفق

стр. 284

وأن ابني (١) العم وابني الخالة لازم الوقوع لكن وقوع الأوّل غير ممتنع , بل وقوعه ممكن (واقع) (٢) كثيراً وصورتُه: أن يتزوّج رجلان كل (٣) منهما بأخت الآخر فيولد لكل منهما ولدٌ , فلا ريب أن ولد كل منهما ابن عَمّةِ الآخر وابن خالة أيضاً , (ثم) (٤) هُما ابنا خال وابنا عمةٍ كما ترى. فصل واختلف السلف والخلف ﵃ في رؤية محمد ﷺ ربَّه تعالى ليلة المعراج فممن أثبتها (٥) ابن عباس ﵄ , وممن نفاها (٦) عائشة ﵂ , وقال قوم: رآه بقلبه , وكل منهم احتج لما قال بحجة , فابن عباس روى فيها حديثاً عن النبي ﷺ أنه قال: «رأيت ربي» (٧) , وعائشة قالت: ثلاثٌ م (٨) تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على الله الفِرية -فذكرت منها: - من زَعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية (٩) , وقال بعض (١٠) [من] (١١) نفاةُ الرؤية: أن الله تعالى امتنّ على محمدٍ ﷺ

стр. 285

بأن أراهُ (١) من آياته الكبرى ليلة المعراج ولا يُمتنّ بالأدنى مع وجود الأعلى فإن رؤية الله تعالى أعلى النعم وأكبر المنح وأعظم المطالب (٢) كما في صحيح مسلم عن صهيب قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دخل أهل الجنة الجنة , نودوا: يا أهل الجنة إنّ لكم عند الله موعداً لم تروه - (قال: ) (٣) - فيقولون [ق ٨٠/و] ماهو؟ ألم يبيض وجوهنا؟ ويزحزحنا عن النار؟ ويدخلنا الجنّة -قال: - فيكشف الحجاب (٤) فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئاً هو أحبّ إليهم مما هم فيه - يعني: النظر إليه- ثم قرأ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: من الآية ٢٦]» (٥) وأخرج مسلم أيضاً من حديث صهيب قال: «قرأ رسول الله ﷺ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: من الآية ٢٦] قال: إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى منادٍ يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه فيقولون: ماهو؟ ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ فيكشف الحجاب فينظرون إلى الله [تعالى] (٦) فما شيء أُعطُوه أحبَّ إليهم من النظر إليه وهي الزيادة» (٧) , فإذا كانت الرؤية أعظم المطالب و (٨) قد أُعطِيَهَا محمَّد ﷺ فكيف يمتنّ عليه برُؤية جبريل وغيره من الملائكة والجنة والنار وما في ملكوت السموات والأرض الذي جميعه في جانب (٩) النظر إلى الله [تعالى] (١٠) العظيم أدنى من الخردلة الملقاة في أرضٍ فلاة , بل وذلك كلّه عند الكرسي كخردلة ملقاة

стр. 286

بأرضِ فلاة , بل ذلك كله والكرسي [كله] (١) كخردلة ملقاة بأرضِ فلاة عند عرش الرحمن سبحانه , فكيف برؤية ربّ العرش العظيم الذي لا نسبة للعرش والكرسي وسائر خلقه إليه , قال: فلو كان رآه وهذا شأن رؤيته لم يمتن عليه برؤية ما سواه وكل ما سواه ليس له نسبة إلى عظمته ولكان قال: لقد رأى ربَّهُ الأعظَمُ والله تعالى أعلم. فأما في الآخرة فلا شك أن له من الرؤية النصيب الأوفر , والحظ الأعظم , كما له من الدرجات في الجنة أعلاها , ومن مناصب الآخرة أجلها وأسماها , ومن كراماتها غاية منتاها , وفوائد حديث المعراج عظيمة يضيق [ق ٨٠/ظ] الوقت عن استيفائها , ويتعذر أو يتعسر الوصل إلى استقصائها , وقد رَوى حديث الإسراء والمعراج عن رسول الله ﷺ جماعَةٌ من الصحابة منهم علي وابن مسعود وأبيّ وحذيفة وأبو سعيد وجابر وأبو هريرة وابن عباس وأم هانئ ﵃ , وهو مخرج في الصحيحين , رواه البخاري في أربعة مواضع من صحيحه (ورواه مسلم) (٢) بعدة طرق في صحيحه , وغيرهما , وهو من أعظم معجزاته ﷺ . فصل جامع لمقاصد الكتاب كل معجزة وفضيلة ومنقبة حصلت للأنبياء فبكمال نبوّتهم , وكمال نبوتهم كان بالإيمان بمحمد ﷺ , والإقرار برسالته , والعزم على نصره لو (٣) خرج وهم أحياء , وبذلك أخَذ الله عليهم [الميثاق و] (٤) العهد في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ

стр. 287

بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ (وَأَخَذْتُمْ) (١) عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] , وكذلك كل كرامة وفضيلة (ومنقبة) (٢) حصلت لأحد من الأمة إنما حصلت له بالإيمان بمحمد ﷺ , ومتابعته (٣) , والأخذ بهديه , فلولا الإيمان بمحمد وبرسالته لم تتم (٤) معجزة لنبي ولا (كرامة) (٥) لأحد من الأمة , فعلى هذا معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء كلها معجزات له وكرامات مُضافة إليه , زائدة في مناقبه وفضائله ﷺ . فصل فيما خصه الله به (في) (٦) وفاته ﷺ من ذلك أن الله جعل له علامةً يَعرف بها قرب أجله وهو قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] [و] (٧) رَوى ابن عباسٍ قال: لما نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] دعا رسول الله ﷺ فاطمة ﵂ فقال: «إني قد نُعِيَتْ إليّ نَفْسي ... » الحديث (٨) , يعني قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] أي فتح مكة ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ٢] يعني فذلك علامة قرب أجلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣] فكان ﷺ يُكثر التسبيح

стр. 288

والاستغفار [ق ٨١/و] ويقول: «أمرت إذا نُصرت وفتح الله علي أن أسبّح (١) بحمد ربي واستغفره» (٢) فكان يكثر أن يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك , استغفرك اللهم وأتوب إليك» يتأول القرآن (٣) , ومن ذلك: أن جبريل كان يعارضه القرآن كل عام مرة فلما كان (٤) العام الذي توفي فيه عارضه مرتين فقال: «ما أُراه إلا قد حضر أجلي» وأسرّ ذلك إلى فاطمة ﵂ (٥) , فكان يعتكف في كل عام عشراً فاعتكف عشرين في العام الذي قُبض فيه (٦) , ومن ذلك: ما رَوَى أبو سَعيد قال: خطبَ رسول الله ﷺ الناس فقال: «إن الله تعالى خيّر عبداً بين الدنيا وبين ما عنده , فاختار ذلك العبدُ ما عند الله » , فبكى أبو بكر ﵁ , فعجبنا من بكائه أن خَبَّر رسولُ الله ﷺ عن عبد خير , فكان رسول الله ﷺ المخيّر وكان (٧) أبو بكر أعلمنا به (٨)؛ ومن ذلك أن ملك الموت استأذن عليه فيما روى جعفر بن محمد عن أبيه في حديث قال فيه: «لما بقي من أجل رسول الله ﷺ ثلاث نزل عليه جبريل فقال: يا أحمد إن الله أرسلني إليك إكراماً لك , وتفضيلاً لك , وخاصةً لك يسألك عما هو أعلم به منك يقول: كيف تجدك؟ قال: أجدني يا جبريل مغموماً وأجدني يا جبريل مكروباً , فلما كان اليوم الثاني هبط إليه جبريل , فقال: يا أحمد إن الله أرسلني إليك إكراماً لك , وتفضيلاً لك , وخاصةً لك , يسألك عما هو أعلم به منك يقول كيف تجدك؟ فقال (٩): أجدني يا جبريل مغموماً وأجدني مكروباً , فلما كان اليوم الثالث نزل جبريل وهبط معَهُ ملك يقال له: إسماعيل , يسكن الهواء ,

стр. 289

لم يصعد إلى السماء قط ولم يهبط إلى الأرض منذ كانت الأرض , فهو على سبعين ألف ملك ليس منهم ملك إلا على سبعين ألف ملك , فسبقهم جبريل فقال: يا أحمد إن الله تعالى أرسلني إليك إكرماً لك وتفضيلاً لك وخاصة لك يسألك عما هو أعلم به (منك) (١) يقول لك: كيف تجدك؟ قال: أجدني يا جبريل مغموماً وأجدني يا جبريل مكروباً , ثم استأذن ملك الموت فقال جبريل: هذا ملك الموت [ق ٨١/ظ] يستأذن عليك ولم يستأذن على آدمي كان قبلك ولا يستأذن على آدمي (٢) بعدك , قال: ائذن له , فدخل ملك الموت فوقف بين يدي رسول الله ﷺ , فقال: يا رسول الله يا أحمد إن الله أرسلني إليك وأمرني أن أطيعك في كل ما (٣) تأمرني إن أمرتني أن أقبض نفسك قبضتُها وإن أمرتني أن أتركها تركتها قال: وتفعل يا ملك الموت؟ قال: بذلك أُمِرتُ أن أطيعك في (كل) (٤) ما أمرتني , فقال جبريل: يا أحمد إن الله تعالى قد اشتاق إليك , قال: فامضِ يا ملك الموت لما (٥) أمرت به , فقال جبريل ﵇: يا رسول الله هذا آخر مَوَاطِئي الأرضَ إنما كنتَ حاجتي من الدنيا , فتوفي رسول الله ﷺ » (٦) ومن ذلك حديث عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يعوّذ بهذه الكلمات: «أذهب البأس , رب الناس , اشف وأنت الشافي , لا شفاء إلا شفاؤك , شفاءً لا يغادر سقماً» قالت: فلما ثَقُل رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه أخذت بيده , فجعلت امسحه بها وأقولها , فنزع يده مني ثم قال: «رب اغفر لي وألحقني بالرفيق الأعلى» فكان هذا آخر ما سمعت من كلامه أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما (٧)؛ وعنها أيضاً قالت:

стр. 290

قُبض رسول الله ﷺ ورأسُه بين سحري ونحري , فلما خرجت نفسُه ﷺ لم أجد ريحاً قط أطيب منها (١)؛ ومنها: أنه لما مات اختلفوا فيه فقالوا: والله ما ندري كيف نصنع أنُجرِّد رسول الله ﷺ كما نجرّد موتانا؟ أم نغسله وعليه ثيابُه؟ فلما اختلفوا أرسل الله عليهم السِّنَةَ (٢) حتى والله ما من القوم رجل إلا ذَقَنُه في صدره نائماً , ثم كلمهم من ناحية البيت لا يدرون ماهو , فقال: اغسلوا النبي ﷺ وعليه ثيابه , فثَارُوا إليه فغسَلوه وهو في قميصه , يُفاض عليه الماء والسدر ويَدْلُكُه الرجال بالقميص (٣)؛ ومنها: ما روى الدارمي من حديث [أبي] (٤) الجوزاء (٥) أوس بن عبدالله قال: [قد] (٦) قَحِطَ أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة ﵂ فقالت: انظروا قبر النبي ﷺ فاجعلوا [ق ٨٢/و] منه كُوًى إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف , ففعلوا فمطروا حتى نبت العُشبُ وسَمِنت الإبل حتى تفتَّقَتْ من الشَّحْم فسُمي عامَ الفتق (٧).

стр. 291

فصل فيما خصه الله تعالى به في الآخرة من ذلك ما صح وثبت عنه أنه قال: «أنا سيّد ولد آدم ولا فخر» (١) وأنه قال: «أنا أول شافعٍ وأول مشفع» (٢) , وأنه أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة (٣) , وأنه أول من يأتي المحشر , وأنه قال: «آدم ومن دونه تحت

стр. 292

لوائي يوم القيامة» (١) , وأنه أكرم بني آدم على ربه (٢) , وأنه صاحب المقام المحمُود (٣) , وأن لواء الحمد بيده يوم القيامة يقوم على يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيره (٤) , ومن ذلك: أن اسمه مكتوب على العرش مع اسمِ ربّه ﵎ لا إله إلا الله محمد رسول الله (٥) [ ﷺ ] (٦) , ومن ذلك: الشفاعة العامة العُظمى التي يتخلف عنها إبراهيم الخليل وموسى الكليم فمن دونهما من الأنبياء ويُحْجِمُونَ عنها وكلٌ يقول: نفسي نفسي , وذلك ما روى الإمام أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وغيرهم من حديث أبي هريرة قال: أن رسول الله ﷺ أتى بلحم فرُفعَ إليه الذِراع وكانت تعجبه فنهسَ منها نهسة , ثم قال: «أنا سيد الناس يوم القيامة , وهل تدرونَ لِمَ ذاك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد , فيسمعهم الداعي , وينفذهم البصر , وتدنو الشمسُ , فيبلغ الناسَ من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون , فيقول بعض الناس لبعضٍ: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم ؟ فيقول بعضُ الناس لبعض: أبوكم آدم , فيأتون آدم , فيقولون: يا آدمُ أنت أبو البشر , خلقك الله تعالى بيده , ونفخ فيك من روحه , وأمر الملائكة فسجدوا لك , فاشفع لنا إلى ربك , ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله , وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته , نفسي نفسي , نفسي نفسي , اذهبوا إلى غيري , اذهبوا إلى نوح , فيأتون نوحاً ﵇[ق ٨٢/ظ] فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض , وسماك الله عبداً شكوراً , فاشفع لنا إلى ربّك , ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا (٧) ترى ما قد بلغنا؟ فيقول نوح: إن

стр. 293

ربّي قد غضب اليوم غضباً [شديداً] (١) لم يغضب قبله مثله , ولن يغضب بعده مثله , وإنه كانت لي دعوة على قومي , نفسي نفسي , نفسي نفسي , اذهبوا إلى غيري , اذهبوا إلى إبراهيم , فيأتون إبراهيم ﵇ , فيقولون: يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض , اشفع لنا إلى ربك , أما ترى ما نحن عليه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم إبراهيم ﵇: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله , فذكر كذباته , نفسي نفسي , نفسي نفسي , اذهبوا إلى غيري , اذهبوا إلى موسى , فيأتون موسى ﵇ , فيقولون: يا موسى أنت رسول الله تعالى , اصطفاك الله برسالاته وبتكليمه على الناس , اشفع لنا إلى ربك ألا (٢) ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى: إن رَبّي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله , وإني قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها , نفسي نفسي , نفسي نفسي , اذهبوا إلى غيري , اذهبوا إلى عيسى , فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمتُهُ ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد , فاشفع لنا إلى ربك , ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله , ولم يذكر له ذنباً , اذهبوا إلى غيري , اذهبوا إلى محمّد ﷺ , فيأتوني (٣) , فيقولون: يا محمّد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء , غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر , فاشفع لنا إلى [ق ٨٣/و] ربك , ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأقوم فآتي تحت العرش , فأقع ساجداً لربي , ثم يفتح الله تعالى علي ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه ما لم يفتحه على أحد قبل , فيقال: يا محمد ارفع رأسك , سَل تعطه , اشفع تشفع , فأقول: أمتي أمتي يا رب , أمتي أمتي يا رب , أمتي أمتي يا رب , أمتي أمتي يا رب , فيقال: يا محمد أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سواه من الأبواب ,

стр. 294

ثم قال: والذي نفسُ محمد بيده لما بين المصراعيْن (١) من مصاريع الجنة لكما بين مكة وهجر (٢) أو كما بين مكة وبصرى (٣)» (٤) , وفي رواية أخرى: «حتى يأتوني فإذا جاءوني انطلقت حتى آتي الفحْصَ فأخِرّ قدام العرش لربي ساجداً ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحدٍ قبلي حتى يبعث الله إليّ ملكاً فيأخذ بعضدي فيرفعني» فقال أبو هريرة: قلت يا رسول الله وما الفحص , قال: «قدام العرش» (٥) , «فيقول (لي) (٦) إذا رفعني الملك: ما شأنك يا محمد وهو أعلم , فأقول: يا رب وعدتني الشفاعة فشفِّعني في خلقك فأقض بينهم , فيقول الله تعالى: قد شفعتك , أنا آتيكم فأقضي بينكم - قال رسول الله ﷺ : - فأرجع فأقف مع الناس» (٧) , وفي رواية أخرى: «فيقول عيسى بن مريم ﷺ : عليكم بمحمد ﷺ فيأتوني ولي عند الله ثلاث شفاعات وعدنيهن , فأنطلق حتى آتي باب الجنة فآخذ بحلقة الباب فأستفتح فيفتح لي فأُحيَّا ويُرَحّبُ بي , فإذا دخلت ونظرت إلى ربي على عرشه خررت له ساجداً فأسجد ما شاء الله أن أسجد ويأذن لي في محامده وتمجيده وحسن الثناء عليه ما لم يأذن به (٨) لأحد من خلقه حتى يقول: ارفع رأسك (يا محمد) (٩) اشفع تشفع وسل

стр. 295

تعطه - قال: - فأرفع رأسي فإذا نظرت إلى ربّي خررت (١) له ساجداً قال: فأفعل مثل ما فعلت في السجدة الأولى ثم يقول: ارفع رأسك يا محمد اشفع تشفع وسل تعطه (٢) [ق ٨٣/ظ] , فأفعل ذلك ثلاث مرات , فيقول: ما شأنك يا محمد , وهو أعلم , فأقول: أي رب وعدتني الشفاعة فشفعني في أهل الجنة , فيقول: قد شفعتك قد أذنت لهم في دخول الجنة , فقال رسول الله ﷺ : والذي بعثني بالحق ما أنتم في الدنيا بأعرف بمنازلكم وأزواجكم منكم في الجنة إذا دخلتموها ثم أشفع فأقول (٣): أي رب فمن وقع في النار من أمتي , فيقول: اذهبوا فمن عرفتم صورته فأخرجوه من النار , فيخرج أولئك حتى لا يبقى أحد ثم يأذن في الشفاعة فلا يبقى نبي ولا شهيد ولا مؤمن إلا اللعّان فإنه لا يكتب شهيداً ولا يؤذن له في الشفاعة» (٤) , فهؤلاء أكابر الأنبياء الذين هم أولو العزم من الرسل نَكَلُوا عن الشفاعة واعتَذَروا وكل يقول: نفسي , ومحمد ﷺ انتدب لها وقام ذلك المقام وقال: أنا لها وشفع وشُفعَ. فإن قيل: عذر من لم يقم بها منهم ما ذكر من ذنبه ومحمد عرف أن أن الله تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر , قلنا (٥): ليس العلة في تأخّرهم ذلك وإنما هو لأن محمداً ﷺ كان مختصاً بها , ألا ترى أن عيسى ﵇ لما نُدب إليها امتنع ولم يذكر لنفسه ذنباً , فدل ذلك على عظم منزلة محمد ﷺ واختصاصه وحده بالشفاعة , ومن كبار خصائصه ﷺ ما قاله عبدالله بن سلام قال: إذا كان يوم القيامة جاء نبيكم ﷺ فيقعد بين يدي الله على كرسيّه (٦) , وعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: من الآية ٧٩] قال: يُقعده على العرش , قال أبو بكر

стр. 296

محمد بن الحسين الآجريّ (١): حديث مجاهد في فضيلة النبي ﷺ تفسيره لهذه الآية أنه يقعده على العرش تلقاها الشيوخ من أهل العلم والنقل بحديث رسول الله ﷺ وقبلوها أحسن قبول ولم ينكروها (٢) , وصنف في ذلك الإمام أبو بكر (أحمد) (٣) بن محمد بن الحجاج المروذي (٤) ﵀ كتاباً (٥) سمعناه [ق ٨٤/و] ببغداد على بعض شيوخنا ذكر فيه ما وقع إليه من الأحاديث المتضمنة لذلك , ومنها ما رواه أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا أولهم خروجاً (من الأرض) (٦) إذا بعثوا وأنا قائدهم إذا وَافدوا وأنا خطيبُهم إذا أنصَتوا وأنا مُستَشفَعُهم (٧) , إذا حبسوا وأنا مبشرهم إذا يئسوا , الكرامَةُ والمنائحُ بيدي وأنا أكرم ولد آدم على ربي يطوف عليّ خدّام كأنهنّ بَيْضٌ مكنون أو (٨) لؤلؤٌ منثور» (٩) , ومنها في حديث ابن عباس قال فيه: ثم يقال (١٠): «يا محمد استَبِقْ إلى الجنة بأمّتك فأستفتح الباب فيقال: من أنت , فأقول: أنا محمد بن عبدالله , فيقول: بك أُمِرتُ لا أفتح لأحد قبلك فإن الجنة حرام على الأنبياء حتى تدخلها وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك» (١١) وذكر أبو الربيع السِبُتِي سليمان بن سَبُعٍ (١٢) في كتابه

стр. 297

خصائص محمد ﷺ (١) قال: ورد حديثُ الشفاعة من طرق كثيرة , وفي كل طريق منها فائدة لم يتضمنها الطريق الأخرى , وهي مشتملة على أزيد من ثلاثين فضيلة , وذكر منها: المقام المحمود , ولواء الحمد بيده , تحته آدم فمن دونه , وأنه (٢) أول من يؤذن له في الكلام فيتكلم - يعني: قوله: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: من الآية ٣٨] وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]- وهو أول شفيع فيَشفَع , وأول من تنشق عنه الأرض , وأول من يكسى من حُلل الجنة , وأول من يركب البراق , وأول من يقرع باب الجنة فيفتح له , و (٣) أول من ينظر إلى رب العالمين , واختصاصه بالسجود لرب العزة أمام العرش وبديع ما يفتح الله عليه من تحميد ربه في سجوده والثناء عليه بما لم يفتحه على أحد قبله ولا بعده , وقد تقدم أشياء من ذلك , ومنها قول الله سبحانه: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع مرة بعد مرة في تكرار الشفاعة , ومنها: أن الأنبياء يؤتون

стр. 298

فيُسألون (١) أن يشفع لهم إلى ربهم ليريحهم من غمهم وعرقهم وطول وقوفهم في المحشر فيجاب إلى ذلك , وقد تبرَّأ منها كل نبي وأحال بها على غيره حتى تصل إليه [ق ٨٤/ظ] فيقول: «أنا لها» (٢) , ومنها: شفاعته فيمن لا حساب عليه كما في الحديث يقول له: «يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن ثم هم شركاء الناس فيما سوى ذلك» (٣) , ومنها: شفاعته فيمن أدخل النار مرة بعد مرة , ثم يشفع فيمن عرفت صورته , ثم فيمن كان في قلبه مثقال دينار من الإيمان , ومثقال ثلثي دينار , ومثقال نصف دينار , ومثقال (٤) ثلث دينار , وقيراط (٥) ودانق (٦) وشعيرة وحبة وخردلة وبعوضة وذرة وأدنى أدنى (أدنى) (٧) حبة خردل من الإيمان إلى غير ذلك , وكل ذلك يُجاب ويشفّع فيخرجهم من النار ويدخلهم الجنة , فجملة الشفاعة خمسة مقامات: المقام الأول: في أهل الموقف لفصل القضاء وهي الشفاعة العظمى وهي من خصائصه ﷺ , والمقام الثاني: في من يدخل الجنة بغير حساب وهي من خصائصه أيضاً ﷺ , [و] (٨) المقام الثالث: فيمن يخرج من النّار وابتداؤها له ﷺ فإنه أول شافع وأول مشفع كما سَبَق , المقام الرابع: فيمن يدخل الجنة واختصاصه منها أنه لا يدخل

стр. 299

الجنة أحد بالشفاعة أكثر ممن يدخلها بشفاعته , المقام الخامس: شفاعته في قوم لرفع درجاتهم من الجنة , ومن خصائصه ﷺ أنه أعظم الخلق ثواباً , وذلك أنه أكثر الأنبياء تابعاً واهتدى به من الخلق أكثر ممن اهتدى بغيره من الأنبياء , فإن أمته ثلثا أهل الجنة كما في الحديث أن أهل الجنة مائة وعشرون صفاً منها هذه الأمة ثمانون صفاً (١) , فله أجره المختصّ به ويضاف إليه مثل أجر من تبعه كما في الحديث الصحيح: من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من تبعه (٢) , فهو أعظم الأنبياء أجراً وأكثرهم تابعاً وأوفرهم ثواباً ﷺ , وموضوع هذا الكتاب أنه لم يكن لنبي من الأنبياء معجزة أو فضيلة إلا ولمحمد [ق ٨٥/و] ﷺ من جنسها ما هو أكمل منها أو مثلها , وأنه اختص بأشياء لم يشركه فيها غيره كما قد ذكرناه (٣) في أماكنه والله يختص بفضله من يشاء والله ذو الفضل العظيم. فصل كُلُما في هذا الكتاب من حديث فيه ضعف أو وهن فالعمدة إنما (٤) (هي) (٥) على ما ثبت من جنسه من آيةٍ أو خبر , وإنما ذكرناه (٦) لما عساه يكون فيه من فائدة إما توضيح معنى أو زيادة بيان كما يذكره أهل الحديث من الشواهد والمُتابَعات , أو كما يقول الفقهاء في مثله: هذا سند الدليل , على أنّا لو أتينا بكل ما ورد في خصائصه وفضائله ﷺ من ذلك لاجتمع عنه مجلدات لكن نبهنا بهذا القدر على ما وراءهُ , والله أعلم.

стр. 300

فصل وقد قدّمنا فصلاً لطيفاً في ذكر الصلاة عليه وفضلها , ونذكر هاهنا طرفاً آخر (١) نختم به الكتاب ليكون مشحوناً بذكر الصلاة عليه ﷺ , فقد روي عنه أنه قال: «لا تجعلوني كقدح الراكب - يعني: آخر الكلام - ولكن في أوله وأوسطه وآخره» (٢) أو (٣) كما جاء , فمن ذلك ما رَوَى عامر بن ربيعة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من صلى علي صلاة لم تزل الملائكة تصلي عليه ما صلى علي فليقلّ عبد من ذلك أو ليكثر» (٤). فأما صفة الصلاة عليه ﷺ ففيها عدة أحاديث بصفات متنوعة منها ما روى ابن أبي ليلى قال: لقيني كعبُ بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هديةً , خرج علينا رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله قد علمنا كيف السلام عليك , فكيف الصلاة عليك؟ قال: «قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على (آل) (٥) إبراهيم إنك حميد مجيد , اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على (آل) (٦) إبراهيم إنك حميد مجيد» أخرجاه في الصحيحين على هذا اللفظ (٧) , وعن كعب بن عجرة أيضاً قال: لما نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: من الآية ٥٦] قلنا: «يا رسول الله قد علمنا كيف السلام عليك فكيف الصلاة [ق ٨٥/ظ] عليك؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل

стр. 301

إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد» (١) , وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «من سَرّهُ أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهلَ البيت فليقل: اللهم صَل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذرّيته وأهل بيته كما صليتَ على إبراهيم إنك حميد مجيد» رواه أبو داود (٢)؛ وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «من قال: جزى الله محمداً نبينا ما هو أهله أتعبَ سبعين كاتباً ألف صباح , وما صَلى عليّ أحد إلا صلى عليه سبعون ألف ملك , ومن صلى عليّ في كل يوم مائة مرة قضيت له مائةُ حاجة منها ثلاثون للدنيا وسائرها للآخرة , وما من مسلم صلى علي إلا رَدّ الله علي روحي حتى أرُد ﵇ , ومن صلى علي عشراً في أول النهار وعشراً في آخره نالته شفاعتي يوم القيامة» (٣) , وعن علي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: «أكثر من الصلاة عليّ إذا مت» قال علي: فقلت (٤) يا رسول الله وهل تبلغك الصلاة منا عليك بعد أن صرت رميماً , قال: «إن الله حرم لحوم الأنبياء على الأرض أن تأكلها وأنا أكرم على الله أن يُسلطها علي , وإن الله قد وكل بقبري ملكاً اسمه صَلْ صائل وهو في صورة الديك مَثْنِيٌ عُنقُه تحت العرش ومَخَالِيبُه في تخوم الأرض السابعة له ثلاثة أجنحة جناح بالمشرق وجناح بالمغرب وجناح يُرَفْرِفُ به على قبري فإذا صلى عليّ العبدُ حيث كان بلّغها إليّ» وفي لفظ آخر قال: «فإذا قال العبد: اللهم صل على محمد - إلى قوله: - حميد مجيد التَقَطَها مِن فيه كما يلتَقِطُ الطَيرُ الحَبَّ ثم يقول [ق ٨٦/و]: يا محمد إن فلان بن فلان من موضع كذا وكذا صلى عليك ويقرئك السلام ثم يكتبها في رق من نور بالمسك الأذفر الأبيض ويضعها عند رأسي حتى أشفع له بها يوم القيامة ويرفع له

стр. 302

عشرون ألف درجة ويكتب له عشرون ألف حسنة ويمحو عنه عشرون ألف سيئة ويغرس له عشرون ألف شجرة على شاطئ الكوثر» وفي الحديث طُولٌ ذكَره أبو الربيع سليمان بن سبع السبتي في كتاب الخصائص له والله أعلم بحال هذا الحديث , وفي كتابه هذا أحاديث فيها ما فيها , وفضيلة نبينا ﷺ لا شك فيها وخصائصه لا مِرية يَعتَريها , وعن عمار بن ياسر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله أعطاني مَلَكاً يقوم على قبري إذا أنا مت فلا يصلي عليّ عبد إلا قال لي: يا محمد فلان بن فلان يصلي عليك باسمه واسم أبيه فيصلي الله عليه مكانها عشراً» (١) , وفي حديث آخر أنه قال: «إن لله تعالى ملكاً أعطاه سمع العباد فليس من عبد يصلي عليّ صلاة إلا صلّى الله عليه عشر أمثالها (٢)» (٣) , وعن ابن عباس ﵄ قال: قال أصحاب رسول الله ﷺ الأكابر سمعنا رسول الله ﷺ يقول مراراً: «من صلّى عليّ واحدة صلى الله عليه عشراً ومن صلى علي عشراً صلى الله عليه مائةً [مرة] (٤) , ومن صلى علي مائة صلى الله عليه ألفاً , ومن صلى علي ألفاً زاحمت كتفه كتفي على باب الجنة» (٥) , وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «صلوا عليّ فإن تلك زكاة لَكُم وسَلوا لي الوسيلة» قالوا: وما الوسيلة يا رسول الله , قال: «أعلى درجة في الجنة لا يدخلها إلا رجلٌ واحدٌ وأنا أرجو أن أكون ذلك الرجل» (٦) , وعنه أيضاً عن النبي ﷺ أنه قال: «من صلى [ق ٨٦/ظ] علي في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له مادام اسمي في ذلك الكتاب» (٧) , وعن عمر بن الخطاب ﵁

стр. 303

عن النبي ﷺ أنه قال: «أكثروا من الصلاة علي في الليلة الزهراء واليوم الأغر فإن صلاتكم تعرض علي فأدعو واستغفر لكم» (١) يعني: ليلة الجمعة ويوم الجمعة؛ وعنه ﷺ أنه قال: «الصلاة عليّ نور يوم القيامة على الصراط , فمن صلى علي يوم جمعة ثمانين مرة غُفرت ذنوبه» (٢) , وروى البزار عن [رويفع] (٣) بن ثابت قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى على محمدٍ وقال: اللهم أنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة , وجبت له شفاعتي» , وعنه أنه قال: «من الجفاء أن أُذكَر عند الرجل ولا يصلي عليّ» (٤) , وعن أبي هريرة ﵁ عنه قال: «من صلى علي عند قبري سمعته , ومن صلى علي نائياً بُلِّغتُه» (٥) , وعن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «ما من دعاء إلا بينه وبين الله حجاب حتى يصلي على محمد ﷺ , فإذا صلّى على محمد ﷺ انخرق الحجاب واستجيب له , وإذا لم يُصَل على محمد ﷺ رَجَع الدعاء» (٦) , وعن أنس بن مالك ﵁ يعني عن النبي ﷺ : «إن أنجاكم يوم القيامة من أهوالها ومواطنها أكثركم صلاةً عليّ في الدنيا» (٧) , وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «صلاتكم علي مُحرِزَةٌ لدعائكم ومرضاة لربكم وزكاة لأبدانكم» (٨) , وعنه ﷺ أنه قال: «من نَسِي

стр. 304

الصلاة عليّ نُسّي طريق الجنة» (١) , وقال: «إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة وما جلس قوم مجلساً لا يصلون فيه علي إلا كان عليهم ترة يوم القيامة إن شاء عفا عنهم وإن شاء أخذهم» (٢) , وعنه ﷺ قال: «ما جلس قوم مجلساً [ق ٨٧/و] فتفرقوا على غير الصلاة علي إلا تفرقوا عن أنتن من جيفة حمار» (٣) , وعنه أنه قال: «أكثركم صلاة علي أقربكم مني غداً» (٤) , وفي حديث آخر أنه قال: «لا يجلس قوم مجلساً لا يصلون فيه على النبي ﷺ إلا كان عليهم حسرة وإن دخلوا الجنة لما يرون من الثواب» (٥) , وعن أبي بن كعب قال: كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ربُع الليل قال: «أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة جاء الموت بما فيه» قال أبي: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي , قال: «ما شئت» قال: الربع , قال: «ما شئت وإن زدتَ فهو خير» قال: النصف , قال: «ما شئت وإن زدت فهو خير» قال: الثلثين , قال: «ما شئت وإن زدتَ فهو خير» قال: يا رسول الله فأجعل صلاتي كلها لك , قال: «إذاً تُكْفَى هَمك ويغفر لك ذنبك» (٦) , وفي حديث أبي بكر ﵁ عنه ﷺ أنه قال: «من صلى علي كنت شفيعه يوم القيامة» (٧) , وروي أنه إذا كان يوم

стр. 305

القيامة وضعت حسنات المؤمن وسيئاته فتنزل صُحفٌ من عند الله بيضٌ على حسناته فتَرجُح حسناته على سيئاته فيقول الربّ: هذه صلاتك على نبيّي ثقّلتُ بها ميزانك وجعلتها لك ذخيرة وقربة؛ وحكي عن الشبلي (١) أنه قال: مات رجل من جيراني فرأيته في المنام فسألته عن حاله , فقال: يا شبلي مرّت بي أهوال عظيمة وذلك أنه ارتج عليّ عندَ السُؤال فقلت في نفسي: من أين أُتي عليَّ , ألم أمُتْ على الإسلام , فنوديت هذه عثرةُ إهمالِك للسائل في الدنيا , فلما همّ بي الملكان حال بيني وبينهما رجل جميل الشخص طيب الرائحة فذكّرني (حجتي) (٢) فذكرتها فقلتُ: من أنت يرحمك الله؟ قال: أنا شخص خلقت من كثرة صلاتك على محمد (٣) ﷺ وأُمرت أن أنصُرك في كل كرب (٤)؛ وروي عن سفيان الثوري قال: خرجت حاجاً إلى بيت (الله) (٥) الحرام فبينا أنا أطوف إذا (٦) أنا بشاب متعلق بأستار الكعبة فقال: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد , فأكثر في ذلك , قال (سفيان) (٧): فما زلت أطوف حول البيت لا أسمع منه إلا الصلاة [ق ٨٧/ظ] على محمد ﷺ حتى قضيت أسبُوعاً من الطواف فقلت: أيها الشاب اعلم رحمك الله أن هذا بيت الله وحرمه وأمنُه وقد أمر الله تعالى بمناسكه (٨) وأنا اليوم لم أفْتُرْ مِنَ الطواف ولم أسمع منك غير الصلاة على محمد ﷺ فأخبرني بقصتك فرفع الشاب بصره إليّ وقال: من أنت أيها الشيخ؟ فقلت: أنا سفيان بن سعيد الثوري ,

стр. 306

فقال الشابُ: لولا أنك من عظماء علماء أمة محمد ﷺ ما أخبرتك , وإنها لفضيلة (١) خصّني الله بها , أخبرك يا سفيان أني كنتُ مع أبي في حياته , فخرجنا إلى بيت الله الحرام فبينا نحن في بعض المنازل إذ (٢) مرض أبي فمات وكان ذا بَهاء ونورٍ فلم يلبث أن اسوَدَّ وجهُه وأزرَقت (٣) عيناه وصار رأسه رأس حمارٍ فبقيت باهتاً حيران متعجباً أُفكر في حالِه فأقول كيف أكفنه وأدفنه في هذه الحال؟ ! إذ غلبتني عيناي فنمت فبينا أنا في نومي إذا بشاب قد دَخَل عليَّ بابَ البيت لا بالطويل ولا بالقصير كث اللحية سَبط الشعر واضح الجبين رَقيق الغرتين أبيض الثياب طيب الرائحة فجلس عند رأس أبي وكشف الغطاء عن وجهه وأمدّ يده اليُمنى على رأسه ووجهه وعينيه , فأذهب الله السواد والزرقة وعاد كما كان ورجع إلى حاله , ثم قام الشابُ ليخرج فضربت بيدي عليه وقلت: من أنت؟ قد مَن الله عليّ وعلى أبي بك اليوم , فقال الشاب: أنا سيد ولد آدم ولا فخر أنا محمد بن عبدالله , يا شاب إن أباك كان بينه وبين الله سرٌ استحق تعجيل العقوبة في دار الدنيا والعذاب في الآخرة ولكن والدك كان لا يفتر في قيامه وقعوده وطعامه وشرابه في ليله ونهاره من الصلاة عليَّ فلما نزلت ملائكة العذاب وكان من أمره ما صار تسارعت إليَّ ملائكة الرحمة الموكلون بي وقالوا: يا محمد إن فلان بن فلان قد نزلت به ملائكة العذاب فعساك أن تشفع له إلى ربّك فاستشفعت فيه فشفعني فيه ربّي بفضله وكرمه , أفتلومني يا سفيان في إكثار الصلاة عليه وعلى أهل بيته في جميع المواطن؟ ! قال سفيان [ق ٨٨/و]: لا والله لا ألُومُك وإنها لفضيلة خصّك الله بها وإنّي بعد هذا لفاعلٌ مثل ما فعلت؛ وحكي عن القواريري قال: كان لنا جار ورّاق فمات فرؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك قال: قد غفر لي , فقيل: بماذا , قال: كنت إذا كتبت ذكر رسول الله ﷺ في الحديث كتبتُ: ﷺ (٤) , وحكي عن محمد بن أبي سليمان قال: رأيت أبي في النوم فقلت: يا أبت ما فعل الله بك , قال: غفر لي , فقلت:

стр. 307

بماذا , قال: بكتابتي الصلاة على النبي ﷺ في كل حديثٍ (١)؛ ويحكى عن عبدالله بن عبدالحكم قال: رأيت الشافعي ﵀ في النوم فقلتُ له: ما فعل الله بك؟ قال: رحمني وغفر لي وزُفَّتْ إليّ الجنة كما تُزَف العروس , فقلت: بما بلغتُ هذه الحال؟ فقال لي قائل: بقولك بما في كتاب الرسالة من الصلاة على نبيه محمد ﷺ , فقلت: وكيف ذلك؟ قال: قال لي: وصلى الله على محمد عدد ما ذكره الذاكرون وعدد ما غفل عنهُ الغافلون , فلما أصبحت نظرت إلى الرسالة فوجدت الأمر كذلك (٢) , وحكى المروزي قال: كنتُ أنا وأبي نتقابل بالليل (٣) ... الحديث فرؤي في الموضع الذي كنا نتقابل فيه عمودَ نور بلغ عنان السماء , فقيل: ما هذا النور؟ فقيل: صلاتهما (٤) على رسول الله ﷺ إذا تقابلا (٥) , ويحكى أن خلفاً صاحب الخلقاني قال: كان لي صَديق يطلب الحديث فتوفي فرأيته في منامي عليه ثيابٌ خُضر يَرْفُل فيها , فقلت له: أليس كنتَ يا فلان صَدِيقاً لي وطلبَت (معي) (٦) الحديث؟ قال: بلى , قلت: بم نلتَ هذا؟ قال: لم يكن يَمُرُّ بي حديثٌ فيه ذِكر النبي ﷺ إلا قلت فيه: ﷺ , فكافأني ربي بهذا (٧)؛ والأحاديثُ والآثار والحكايات والأشعار في الصلاة على النبي ﷺ كثيرة في كتب الحديث وكتب الفضائل والسير والرقائق والزهد وغيرها , مشحونةٌ من ذلك بما لا يكاد ينحصر , وحقوقه ﷺ [ق ٨٨/ظ] عظيمة , وخصائصه جسيمة , ومعجزاته كبيرة , وفضائله كثيرة.

стр. 308

(فصل) (١) ومن خصائصه ﷺ في ذكر اسمه والصلاة عليه من ذلك أن الرِّجل إذا خَدِرت فذُكر اسمه زال خدَرها رَوى الهيثم بن حَنَشِ قال: كنا عند ابن عمر ﵄ فخدرت رجله , فقال له رَجُلٌ: اذكر أحبّ الناس إليك , فقال: يا محمد , فكأنما نُشِطَ مِن عقال (٢) , وعن مجاهد قال: خدرت رِجْلُ رَجُل عند ابن عباس , فقال: اذكر أحب الناس إليك , فقال: محمد ﷺ , فذهب خَدَرهُ (٣) , وذكر (٤) بعض شيوخنا أن من صلى على محمد ﷺ عند أول عَضّةٍ يأكلُها من الفجل لم تخرج منه له في الجُشاء ريح كريهة وجرّبنا نحنُ ذلك مراراً فوجدناه كذلك.

стр. 309

(فصل) (١) محمد ﷺ أعظم الخلق أجراً , وذلك أنه أكثر الأنبياء تبعاً فإن من الأنبياء من لا يتبَعه إلا الرجل و [إلا] (٢) الرجلان كما في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «عُرِضَت علي الأمم فرأيتُ النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي ليس معه أحد , إذ رفع لي سواد عظيم فقلت: هذه أمتي , فقيل: هذا موسى (﵇ وقومُه) (٣) , ولكن انظر إلى الأفق فإذا سَواد عظيم , ثم قيل لي: انظر إلى (هذا) (٤) الجانب الآخر فإذا سواد عظيم , فقيل: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب» ثم نهض النبي ﷺ فدخل منزله فخاض القوم في ذلك فقالوا: مَن هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذابٍ , فقال بعضهم: لعلهم الذين صحبوا النبي ﷺ , وقال بعضهم: لعلهم الذين وُلِدُوا في الإسلام ولم يُشركوا بالله شيئاً قط , وذكروا أشياء , فخرج النبي ﷺ فقال: «ماهذا الذي كنتم تخوضون فيه؟ » فأخبروه , فقال: «هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون ... » الحديث (٥) , وعن المختار بن فلفل عن أنس قال: قال رسول الله [ق ٨٩/و] ﷺ : «يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل ويجيء النبي ومعه الرجلان , وأنا أكثر الناس تبعاً يوم القيامة» (٦) , وبحَسَبِ ما يكون له من الأتباع يكون له من الأجر مضافاً إلى أجره المختص به لأنه ﷺ قال: «من دَعا إلى هُدًى فله أجره وأجر من تبعه من غير أن ينقص من أجر من تبعه شيء» (٧) , وله مثل أجر الأنبياء قبله لأن الله تعالى

стр. 310

أخذ عليهم العهد لأن بُعث وهم أحياء ليَتبِعُنَّه , فهو أعظم الأنبياء أجراً , وأكبرهم قدراً , وأحسنهم في الخلائق ذكراً , وأعلاهم في الدنيا والآخرة فخراً , وأمته أكثر الأمم يوم القيامة فإنهم ثُلثا أهل الجنة , وله مثل أجورهم مضافاً إلى أجره المختص به , وقد تقدم هذا المعنى غير مرة. (فصل) (١) قد ذكرنا من خصائصه في هذا المختصر ما اشتهر , ومن معجزاته الغُرَر ما أنافَ على الشمس والقمر , ومن كرامة منزلته عند ربه ما حيّر البشر , ومن جلالة قدره عند بارئه ما أذهل وبَهَر , على أنّ وَصْفَ ما فيه من المعجزات العجيبة , ورصف ما جمَع من المنقبات الغريبة , لا يمكن جمعه في الدفاتر , ويعجز حَصرُه أصحابَ المحابر , ثم لابد من سياق معجزاته لتَثبُت النبوة وتقوم الحجة (٢) , ولا غنى عن ذكر شمائله وأخلاقه

стр. 311

ليُقتدى به , ولابدّ من تبليغ أوامره ونواهيه ليطاع , ويتم به الانتفاع , فقد ظهرت آياته وثبتت معجزاته , وتجلّت أقمار أخلاقه في بروج سعود سماء سماته , وظهرت ظهورَ النيْرين أعلامُ أوامره ونواهيه في أرض الله وسماواته , ولم يبق إلا التصديق برسالته , والانقياد لإيالته (١) , والاقتفاء لآدابه وسيرته , والقيام بأعْبَاء شريعته , والدخول في طاعته؛ وأنشد لسان الحال بالحَقّ لا المحال: فالآن قد تمّ هلال العلى ... وصار في مطلعه بَدراً (٢) هو النبي المصطفى , والصفي المرتضى [ق ٨٩/ظ] , أصفى الخلائق سرّاً , وأعلاهم قدراً , وأنقاهم صدراً , وأنورهم وجهاً ولوناً , وأحسنهم عرنيناً (٣) وعيناً , وجبيناً وجفناً , وأجملهم هامة وخدّاً , وأكملهم قامة وقدّاً (٤) , وأرجحهم ميزاناً , وأوضحهم بياناً , وأفصحهم لساناً , وأنورهم برهاناً , وأوفرهم إحساناً , وأعظمهم إيماناً , له الأسماء المعروفة بالجمال , والأفعال الموصوفة بالكمال , والحركات المبنية على العدل , والسكنات الممالة عن الطيش الرَّذل , ماضي أمره كالمستقبل , ووجهه لمنادي نداه يتهلَّل , لا تنصرف فوارس نصره إلا بإضافة الأنفال , ولا ترفع أعلام رماحه وسيوفه إلا عن دم الأبطال , فهي من تأييد الله منصوبة على الحال , وله ابتداء غايَةِ الاختصاص في المعرفة بالتصريف (٥) والإبدال , فالمعرفة شعاره , والنكرة انتهاره , والتعجُب من طيِّ بشره , والحكاية المستغربة رَدُّه السائل على فقره , لقد تميّز شأنه وقصّته عن الشؤون والقصص , وتأكّد نعته المختص بلزوم ما تمّ وإلغاءِ ما نقص , فهو على هذا (النحو) (٦)

стр. 312

سالم الأفعال , منزّه عن التصغير بالنسب الشريف العال (١) , فقد ثبت له الفضل واستقرّ واستمرّ , أليس اسمُه أحمد عند أهل المعرفة لا ينصرف ولا يُجَرّ , ألقابه أجمل الألقاب وأحلاها (٢) , كما أنّ أسماءه أحسن أسماء المخلوقين (٣) وأسماها , فهو مذكور في السموات والأرض بالتبجيل , معروف في التوارة والزبور والإنجيل , محمد وحامد ومحمود وفاتح وخاتم وهادي ومهتدي وصفي وخليل وكليم وحبيب ومختار وناصر وقائم وحافظ وعدل وحليم وحجة وبيان ومهيمن وبرهان ومطيع وواعظ وأمين ومكين وناطق وصادق أمّي عربيّ هاشميّ قرشي مضريّ أبطحيّ تهاميّ مكّيّ مدنيّ عائل غني جواد [ق ٩٠/و] سخي طيب طاهر زكيّ خطيب أريب فصيح صبيح سيد إمام بَطَلٌ هُمَامٌ بارٌّ سابق مقتصد أول آخر شفيع مشفَّع محلّل محَرِّم آمِرٌ ناهٍ مبلّغ ناصح مؤدّي وليّ متوكّل , صاحب الّلواء والتّاج , والإسراء والمعراج , الكريم المنتجب , سيد العجم والعرب , المبعوث بالتوحيد والشهادة , والصلاة والزهد والعبادة , والدّين الحنيف والهداية , والدعوة العامة والرعاية , المنعوت بالقوّة والشجاعة , الموصوف بالنجدة والبراعة , صاحب الحوض المورود , والمقام المحمود , والكرم والجود , وهو خير والد وأشرف مولود , وأفضل موجود في الخلق وأعز مفقود , ذو الأصل اللُباب , والدعاء المستجاب , الناطق بالصواب , الخاشع الأوّاب , قامع الأباطيل , وموضح الدليل , الإسلام ملّته , والكعبة قبلته , والحنيفيّة السمحة شريعته , وخير أمّة أخرجت للناس أمّته , عند ذكره ترتاح الأرواح , وعند رؤيته تحدث الأفراح , وبمجالسته تنزل الرحمة , وبمحادثته تتمّ النّعمة , وبمتابعته تكمل العبادة , وبطاعته تحصل السّعادة , والأمن كُلُّه في جنابه (٤) ,

стр. 313

واليمن جميعه في انتآبه (١) , والسلامة في التّمسّك بهديه , والهلاك في مخالفة أمره ونهيه , رسالته عامّة , وإيالته تامّة , ودعوته شاملة , ومرتبته كاملة , وأموره كلّها على النّظام , وشؤونه جميعها على التّمام , أحكامه قاطعة , وسيوف عدله لامعة , وآراؤه صائبة , وآلاؤه دائبة , وقضاياه مسدّدة , وسراياه مؤيّدة , وعساكره منصورة , ومعاقلة معمورة , أخرست فصاحتُه الألسنة , وملأت سماحته الأمكنة , فآياته باهرة , ومعجزاته ظاهرة , أكبر معجزاته القرآن , الذي عجر عن الإتيان [ق ٩٠/ظ] بسورة من مثله الثَّقلان , ثم مسراه ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى , المتضمِّن من المفاخر ما لا يُعَدُّ ولا يُحصَى , يكفي من الإشارة فيه والذكرى ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] , سلّمت عليه الأحجار , ولبَّت دعوته الأشجار , وانشقّ له القمر المنير , ونبع من بين أصابعه الماء النمير (٢) , وكلمته الشاة المسمومة ونطق البعير , وسلم عليه الضب والظّبي والذئب المغير , وحنَّ الجذع اليابس إليه , وسبَّح الحصى في كفَّيه , وأطعم الجيش الكثير من الطعام اليسير , وروَّى بالماء القليل الحقير الجمَّ العظيم الغفير , وبَركته في تمر جابر ظاهرة , ومعجزته في سمن أمّ سُليم باهرة , تحرّك الجبل لهيبته , وسَكن بإشارته عن حركته , شكى الجمل السانئ (٣) إليه فشكَّاه , ورحم تضرَّعه بين يديه وبكاه , ضَرْعُ الشاة الحائلة بيمن (٤) يمينه دَرَّ , والبعير الحاسر (٥) ببركته سَرى ومَرَّ , ملأ بقبضةٍ من ترابٍ أعينَ الكفرة , وأشار إلى الأصنام فخرَّت منعفرة , أخبر بالغائبات فوقعت كما قال , وضَرب الحجر الصلد الجلمد فانهال , أراد الكفار قتله فما أطاقوا , وقَصَدوا أذَاهُ فاعتاقوا , وعمدوا إلى غرته فمُنعوا , وبَغى السَّاحرون مضرَّتَه فدُفِعوا , وُقي من شرِّ الإنس والجان , وكُفي معرَّة (٦) الهوام والحيوان , رَدَّ عين قتادة

стр. 314

بعدما قلعت , وعين عليٍّ بعدما رمدت ودمعت , لقد كان يرى في الظلام كما يرى في الضِّياء , وينظر مَن ورائه كما ينظر من تلقاء , وأمَّهات هذه المفاخر قد سبقت , وارتفعت أفنانها في مكانها وبسَقت , وجملة القول في أحواله , وفصل الخطاب في أقواله وأفعاله , أنّه خير من أقلَّت الغبراء , وأشرفُ مَن أظلَّت الخضراء ماذا يقول الواصفون له ... وصفاته جلّت عن الحَصْر الأنبياء كأنجم زُهُرٍ ... ومحمّد أبْهى من البدر [ق ٩١/و] سبحان من جَمع المحاسن في هذا النّبيِّ الكريم , سبحان من منحه بالخُلق العظيم , سبحان من نحله الجمال والجلال , سبحان من طبعه على أكمل الخلال وأجمل الأحوال , فلقد كان أكرمَ الناس وأجود الناس وأحلمَ الناس وأعلمَ الناس وأشرفَ الناس , وأطيبَهم نفساً وأحسنهم عشرة , وأعظمهم صفحاً وأكملهم فِطرة , وأحياهم طَرفاً , وأعطرهم عَرْفاً (١) , لم يُؤتَ أحد من الخلق خصلة جميلة إلا وهي فيه أجمل , ولا خُصَّ أحد بخصيصة جليلة إلا وهي عنده أجلُّ وأكمل , مولدُه بمكة , ومهاجَره بطَيْبة , أُرسِل ليُتمِّم مكارم الأخلاق , ويُبلِّغ الرسالةَ إلى الخلق في جميع الآفاق , فقام بأعْباء الرسالة , ونهض بأثقالها وما هالَه , وبَلَّغ ما أُرسل به كما أُمر , وأدَّى الأمانة إلى الخلق وما حُصِر , ونصح الأمَّة وكشف الغُمَّة , ودعا إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة , وعَبَد ربَّه حتى أتاه اليقين , وقد أكمل الله تعالى له الدّين وأتَمّ عليه النّعمة , حتى استقرّ الإيمان في نِصابه , وحفظ الإسلام في إهابه (٢) , وضَرَب الدِّين بِجِرَانِه (٣) , وثبت على أركانه , ثم مضى لسبيله طيّباً طاهراً نقيّاً زكيّاً , وترك الخلق على بيضاء نقيّة ليلُها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك , ولا يحيد عنها إلا ملحد , فصلوات الله وسلامه عليه , وتحيّاته وبركاته واصلةً إليه , وإلى صاحبيه , وإلى من جاهد بين يديه , صلاةً دائمة إلى يوم الدين , والحمد لله رب العالمين. آخرُ الكتاب , وحسبنا الله ونعم الوكيل.

стр. 315

الخاتمة الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات, وله الحمد أولاً وآخراً. وفي ختام هذا البحث, ومن خلال دراسة منهج جمال الدين السرمري في تقرير العقيدة, يمكن استخلاص النتائج التالية: ١ - نبغ جمال الدين السرمري في ظروف سياسية مضطربة من تسلط العدو والنزاعات الداخلية؛ فقد عاش في العراق ما يقارب الاثنين والأربعين سنة تحت حكم التتار, ثم عاش في دمشق في فترة تولي أولاد وأحفاد الناصر محمد, وهي الفترة التي كان الصراع على السلطة فيها على أشده. ٢ - تعد الحالة الاجتماعية لعصر جمال الدين السرمري من الأحوال السيئة, فقد شهدت فوضى اجتماعية تأثراً بالحالة السياسية, ووقعت عدة مجاعات, وتفشت كثير من المنكرات بشكل علني. ٣ - لم تتأثر الحالة الثقافية والعلمية في القطر العراقي رغم مافيه من زوابع وغوائل, وأما في مصر والشام فقد وجدت نهضة علمية مباركة متميزة. ٤ - تبوأ الإمام جمال الدين السرمري مكانة رفيعة عند كثير ممن ترجم له, إذ نبغ في علوم شتى , وصنَّف في أنواع كثيرة نثراً ونظماً, وخرَّج وأفاد وأملى رواية وعلماً, فخلد الأئمة ذكرَه, وأثنوا عليه ثناء عاطراً. ٥ - اعتمد جمال الدين السرمري في التلقي والاستدلال اعتماداً مباشراً على الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة, فهو يعتبر الصراط المستقيم ما كان عليه النبي ﷺ والسلف الصالح. ٦ - حذر جمال الدين السرمري من علم الكلام وذم أهله وبيَّن أن مصدرهم آراء الرجال وزبالة أذهانهم, فتململ من موقفه المتهالكون من أهل البدع والأهواء, ورموه بالشناعات.

стр. 316

٧ - منهج جمال الدين السرمري في التوحيد منهج من ذهب إلى القسمة الثلاثية (الربوبية, الألوهية, الأسماء والصفات). ٨ - قرر جمال الدين السرمري أن الإيمان بوجود الله قد دلت عليه بعثة الأنبياء وآياتهم, ونفى أن يكون الدليل العقلي متقدم عليها كما يزعم أهل الكلام, وأبطل دلالة العقل من القياس في الرب على معرفة الله, وقرر أن لا يحصل للعقل من القياس في الرب إلا العلم بالسلب والعدم إذا كان القياس صحيحاً. ٩ - قرر جمال الدين السرمري قول شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة تسلسل الحوادث, وقال بأن جنس الحوادث لا أول لها, وأن القول بأن جنس الحوادث لها أول يلزم منه أنه سبحانه كان معطلاً عن الصنع. ١٠ - أجمل القول في القسم الثاني من أقسام التوحيد (الألوهية) -فيما وقفت عليه من كتبه-. ١١ - وافق جمال الدين السرمري مذهب السلف في توحيد الألوهية سوى ثلاثة نصوص له في الاستشفاء بتربة قبور الصالحين وبركة الأتربة المضافة إليهم قد ذكرها في سياق حديثه عن التداوي بالأتربة وهذا من التبرك الممنوع؛ وأما مسألة التوسل الممنوع فقد كان منهجه فيها مضطرب بين منع التوسل بذوات الأولياء وذم مسلك الصوفية في ذلك على منهج شيخ الإسلام ابن تيمية , وبين الاستعمال بأبيات في ظاهرها التوسل الممنوع بالنبي ﷺ وآله ﵃ والاستعانة بهم في حصول المنفعة ودفع المضرة. ١٢ - قرر جمال الدين السرمري أن خلاف السلف في أيّ شهر ولد النبي ﷺ وفيما مضى من الشهر يدل على أن السلف لم يكونوا يجعلون ذلك موسماً للاجتماع والولائم والاحتفال في صُنع الأطعمة والأشربة والسماعات, إذ السلف كانوا أعظم الناس توقيراً ومحبة وتعظيماً للنبي ﷺ وأحرص الخلق على نشر محاسنه.

стр. 317

١٣ - وافق جمال الدين السرمري مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية في النهي عن شد الرحال بقصد زيارة قبر النبي ﷺ دون الصلاة في مسجده. ١٤ - توسع كثيراً في (توحيد الأسماء والصفات) وبسط القول في هذا النوع, بسبب أن أهل البدع في عصره قد استشرى شرهم وانتشر مذهبهم. ١٥ - نهج في تقرير الأسماء والصفات تفصيلاً منهج السلف. ١٦ - أجمل القول كثيراً في مسألة الإيمان بالملائكة والإيمان بالرسل -فيما وقفت عليه من كتبه-. ١٧ - قرر جمال الدين السرمري الإيمان باليوم الآخر جملة وتفصيلاً, فقرر الإيمان بكل ما ورد في الكتاب والسنة من التفصيلات المتعلقة باليوم الآخر, من حياة البرزخ, والنفخ في الصور, والبعث, والحشر, والميزان, والحوض, والصراط, والجنة والنار, والشفاعة, ورؤية المؤمنين لربهم. ١٨ - قرر الأصلين الذين بسبب عدم فهمهما نشأ الضلال في القدر: -الأول: التفريق بين صفة المشيئة وصفة المحبة, وأنهما ليسا واحداً, ولا هما متلازمان. - الثاني: التفريق بين فعل الله ومفعوله وخلقه ومخلوقه. ١٩ - قرر مذهب أهل السنة والجماعة في الجمع بين الإيمان بالأحكام الشرعية والأحكام القدرية والتسليم لهما. ٢٠ - قرر تأثير الأسباب في المسبَّبات وأن الله هو خالقهما, وأنه لا يجوز نسبة الانفراد بالخلق في صفة الفعل لغير الله تعالى, كما أنه لا يجوز على الضد من ذلك نفي التأثير للأشياء التي جعلها الله تعالى أسباباً ووسائط على المسبّبات. ٢١ - قرر أن المقتول مات بأجله. ٢٢ - منهجه في القدر التسليم والاستسلام لله تعالى في كل ما يقضيه ويقدره, وفي كل ما

стр. 318

يشرعه ويأمر به وينهى عنه, والتحذير من الاحتجاج بالقدر. ٢٣ - حدد مفهوم الإيمان بأنه تصديق بالجنان, وقول باللسان, وعمل بالأركان, يزيد بكثرة العمل والطاعة, وينقص بترك العمل والمعصية. ٢٤ - قرر أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بمطلق المعصية, ولا يسلب الفاسق الملِّي الإيمان بالكلية , وأنه يُرجى للمحسن, ويُخاف على المسيء. ٢٥ - قرر تولِّي جميع أصحاب النبي ﷺ ومحبتهم, والترضي عنهم, وأنهم خير القرون, أما على وجه الخصوص فمعرفة لكل فضله ومنزلته بحسب ورود النص فيه على خصوصه , والشهادة له وفق ما جاء في هذا النص. ٢٦ - قرر الإمساك عما شجر بين الصحابة ﵃ مع سلامة القلوب وكف الألسن عن الخوض في ذلك. ٢٧ - قرر أن ترتيب الخلفاء الأربعة في الفضل كترتيبهم في الخلافة. ٢٨ - قرر وجوب طاعة الأئمة في غير معصية الله, ووجوب إقامة الشعائر العامة معهم, وعدم جواز الخروج على ولاة الأمر حتى ولو جاروا وظلموا, مالم يُرَ كفراً بواحاً فيه من الله برهان. ٢٩ - قرر وجوب لزوم الجماعة والنهي عن الفرقة. ٣٠ - منهجه في التعامل مع أهل الأهواء والبدع يتلخص في ضابطين: - الأول: حراسة الدين وإبطال البدع والنفير الدائم في ذلك, وأن هذا الضابط داخل دخولاً أولياً في شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. -الثاني: مخاصمة أهل البدع وترك مجالستهم عموماً لما يترتب على ذلك من المفاسد العظيمة. وختاماً؛ فإن الإمام جمال الدين السرمري يعد من أئمة أهل السنة الذين كان لهم دور بارز في تقرير العقيدة الصحيحة وفق قواعد وأصول سلف الأمة, كما أنه بهذا

стр. 319

المنهج صار سداً منيعاً في وجه من أراد النيل من تلك العقيدة أو تكدير نقائها. نسأل الله أن يجعل ذلك في ميزان حسناته, وأن يجمعنا به في بحبوحة جنانه, إنه جواد كريم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 320

فهرس المصادر والمراجع ١ - إغاثة اللهفان، لابن القيم, تحقيق: محمد حامد الفقي، الطبعة الثانية ١٣٩٥، دار المعرفة، بيروت. ٢ - ابن تيمية السلفي، لمحمد خليل هراس، الطبعة الأولى ١٤٠٤، دار الكتب العلمية، بيروت. ٣ - اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية، لابن القيم, الطبعة الأولى ١٤٠٤، دار الكتب العلمية، بيروت. ٤ - أحاديث الشيوخ الثقات، لقاضي مارستان، تحقيق: الشريف حاتم بن عارف العوني، الطبعة الأولى ١٤٢٢، دار عالم الفوائد. ٥ - الأحاديث المختارة، للضياء المقدسي، تحقيق: عبدالملك بن دهيش، الطبعة الأولى ١٤١٠، مكتبة النهضة، مكة ٦ - إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، لجمال الدين السرمري, تحقيق: أبي عبدالله حسين بن عكاشة رمضان، الطبعة الأولى ١٤٢٧، دار الكيان، الرياض. ٧ - الأحكام السلطانية والولايات الدينية، لأبي الحسن الماوردي، تحقيق: د. أحمد مبارك البغدادي، الطبعة الأولى ١٤٠٩، دار ابن قتيبة، الكويت. ٨ - الإحكام في أصول الأحكام، للآمدي، تحقيق د. سيد الجميلي، الطبعة الأولى ١٤٠٤، دار الكتاب العربي، بيروت. ٩ - اختصار علوم الحديث، لابن كثير، تحقيق: أحمد شاكر، الطبعة الثانية، دار الكتب العلمية، بيروت.
следующие страницы →