← Сира

Сира · id 20594

خصائص سيد العالمين وما له من المناقب العجائب

السرمري

Полный текст (354 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فاختار العاقل على غيره وفضَّله عليه , ثم قسم العاقل قسمين: مؤمناً وغيره , فاختار المؤمن على غيره وفضَّله عليه , ثم قسم المؤمن قسمين: عالماً وغيره , فاختار العالم على غيره وفضَّله عليه , ثم قسم العالم قسمين: أنبياء وغيرهم , فاختار الأنبياء على غيرهم وفضَّلهم عليهم (١) , وهم مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي (٢) , فهم خيرته من خلقه , ثم قسم الأنبياء قسمين: رسُلاً وغيرهم , فاختار الرسل على غيرهم وفضَّلهم عليهم , وهم ثلاثمائة وثلاثة (٣) عشر رسولاً , فهم خيرته من الأنبياء , ثم قسم الرسل قسمين: أولي عزم وغيرهم , فاختار أولى العزم على غيرهم وفضَّلهم عليهم وهم خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وسلم , فهم خيرته من رسله عليهم الصلاة والسلام , ثم اختار من أولي العزم [الخليلين] (٤) إبراهيم ومحمّداً صلى الله عليهما وسلم , فهما خيرته من أولي العزم من الرسل , ثم اختار منهما [الحبيب] (٥) محمداً ﷺ (٦) , فهو المختار المصطفى من جميع الخلق , كما أخبرنا الشيخ أبو عبدالله

стр. 37

محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الأنصاري (١) -بقراءتي عليه- قلت له: أخبرك جماعة من شيوخك؛ منهم: أبو العباس أحمد بن عبدالدائم بن نِعْمة المقدسي (٢) وأبو محمد إسماعيل بن إبراهيم بن أبي اليُسْر التنُوخي (٣) قراءةً عليهما وإلا فإذناً (٤) , قالا: أخبرنا الإمام أبو الفرج عبدالرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي إجازة, قال المقدسي وحده:

стр. 38

إن لم يكن سماعاً قال: أخبرنا أحمد بن علي بن المُجْلِي (١) قال أخبرنا أبو الحسين بن المهتدي (٢) قال أخبرنا عبيدالله بن أحمد الصَّيدلاني (٣) (٤) قال أخبرنا الحسين بن إسماعيل المحاملي (٥) قال حدثنا يوسف بن موسى (٦) قال حدثنا عبيدالله (٧) بن موسى (٨)

стр. 39

عن إسماعيل بن أبي خالد (١) عن يزيد بن أبي زياد (٢) عن عبدالله بن الحارث بن [ق ٢/و] نوفل (٣) عن العباس بن عبدالمطلب ﵁ قال: قلت يا رسول الله إنّ قريشاً جلسوا فتذاكروا أحسابهم (فجعلوا) (٤) مَثَلك مَثل نخلة نَبَتتْ في كَبْوة (٥) من الأرض فقال رسول الله ﷺ : «إن الله يوم خلق الخلق جعلني في خيرهم ثم حين فرَّقهم جعلني في خير الفريقين , ثم حين جعل القبائل جعلني في خير قبيلة , ثم حين جعل البيوت جعلني في خير بيوتهم , فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً» (٦) , وقد خلق الله ﵎ النفوس مختلفة , فمنها الغاية في الجَودة والجوهريَّة , ومنها المتوسط ومنها الكدر , وجعل في

стр. 40

كل مرتبة درجات لتظهر أسرارُ حكمته في الخلق , فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم الغاية في الجودة , خُلقت أبدانهم سليمة من عيب فصلحت لحلول النفوس الكاملة , ثم هم يتفاوتون أيضاً في المراتب , ويتميَّز (١) بعضهم على بعض في المناقب وعلوِّ المناصب , وكان نبينا محمد ﷺ أصحَّ الأنبياء مزاجاً , وأكملهم (٢) بدناً , وأصفاهم رُوحاً , وبمعرفة ما نذكره من أحواله وأخلاقه وصفاته يتبين فضله , ولذلك قدَّمه الله تعالى على الكُل , فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم خلاصة الوجود , وواسطة العقود , وهم خيرة الخلائق , وصفوة الخالق , وهم في الفضل طبقات , وفي القدر درجات قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: من الآية ٥٥] فكلٌ له رتبة (لايتعدَّاها) (٣) , ومنزلة لايدرك غيره مَداها , وغاية إذا بلغ منتهاها تناهى , وجعل لمحمد ﷺ من الرتب أعلاها , ومن المنازل أسماها , ومن المعجزات أعظمهما وأقواها , ومن المنقبات أجملها وأبهاها , ومن الفضائل أُولاها وأُخراها , ومن المحاسن أَوْلاها وأَحراها , ففي حديث الإسراء عنه ﷺ : «إن الله تعالى جمع الأنبياء والملائكة صفوفاً قال فقدَّمني وأمرني أن أصلِّي بهم فصليت بهم ركعتين , ثم إنّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أثنوا على ربهم سبحانه , فقال إبراهيم ﵇[ق ٢/ظ]: الحمد لله الذي اتخذني خليلاً وأعطاني مُلكاً عظيماً وجعلني أمَّة قانتاً يؤتم بي وأنقذني من النار وجعلها عليَّ برداً وسلاماً , ثم إن موسى ﵇ أثنى على ربه تعالى فقال: الحمد لله رب العالمين الذي كَلَّمني تكليماً وجعل هلاك فرعون على يدي ونجَّا بني إسرائيل على يدي وجعل من أمتي قوماً يهدون بالحق وبه يعدلون , ثم إن داود ﵇ أثنى على ربه تعالى فقال: الحمد لله الذي جعل لي مُلكاً عظيماً وعلَّمني الزَّبور وألان لي الحديد وسخَّر لي الجبال يسبّحن والطير وأعطاني الحكمة وفصل الخطاب , ثم إن سليمان ﵇ أثنى على ربه فقال:

стр. 41

الحمد لله الذي سخَّر لي الرياح وسخَّر لي جنود الشياطين يعملون لي ماشئت من محاريب وثماثيل وجفان (١) كالجوابي (٢) (٣) وقدور راسيات وعلَّمني منطق الطير وآتاني من كل شيء فضلاً وآتاني ملكاً عظيماً لاينبغي لأحد من بعدي وجعل ملكي ملكاً طيِّباً ليس عليَّ فيه حساب , ثم إن عيسى ﵇ أثنى على ربِّه فقال: الحمد لله رب العالمين الذي جعلني كلمةً منه وجعل مَثَلي مَثل آدم خلقه من تراب ثم قال له: كن فيكون , وعلَّمني الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وجعلني أخلق من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله وجعلني أبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله ورفعني وطهّرني وأعاذني وأمّي من الشيطان الرجيم ولم يكن للشيطان علينا سبيل , ثم إن محمداً ﷺ قال: كلُّكم قد أثنى على ربّه وإني مُثْنٍ على ربي فقال: الحمد لله الذي أرسلني رحمةً للعالمين وكافةً للناس بشيراً ونذيراً وأنزل عليّ الفرقان (٤) فيه تبيان كل شيء وجعل أمَّتي خير أمَّة أخرجت للناس وجعل أمَّتي (أمَّة) (٥) وَسَطاً وجعل أمَّتي هم الأولين والأخرين وشرح لي صدري ووضع عنِّي وِزْري ورفع لي ذكري وجعلني فاتِحاً وخاتِماً فقال إبراهيم ﵇: بهذا فَضَلَكم محمد ﷺ » (٦) , وفي حديث الإسراء أيضاً [ق ٣/و] أنه قال: «قيل لي: سل , فقلتُ: ياربِّ اتخذتَ إبراهيم خليلاً وكلَّمتَ موسى تكليماً ورفعت

стр. 42

إدريس مكاناً علياً وآتيت سليمان ملكاً عظيماً وآتيتَ داود زبوراً فما لي ياربّ , فقال لي ربي : يا محمد اتخذتك حبيباً كما اتخذت إبراهيم خليلاً وكلَّمتك كما كلَّمتُ موسى تكليماً وأعطيتك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة وكانا من كنوز عرشي ولم أعطها نبيّاً قبلك وأرسلتك إلى أهل الأرض جميعاً أبيضهم وأسودِهم إنسهم وجنِّهم ولم أرسل إلى جماعتهم نبيّاً قبلك وجعلت الأرض كلّها بَرَّها وبحرها طهوراً ومسجداً لك ولأُمَّتك وأطعمت أمَّتك الفيء ولم أُطعمه أمَّة قبلهم ونصرتك بالرعب على عدوّك مسيرة شهر وأنزلت عليك سيِّد الكتب كُلِّها ومهيمناً عليها قرآناً فرقناه ورفعت لك ذكرك حتى تُذكَر كلَّما ذُكرتُ من [أجلِّ] (١) شرائع ديني وأعطيتك مكان التوراة المثاني ومكان الإنجيل المئين (٢) ومكان الزبور الحواميم وفضّلتك بالمُفصَّل وشرحتُ لك صدرك ووضعتُ عنك وزرك وجعلتُ أمَّتك خير أمَّة أخرجت للنَّاس وجعلتهم (٣) أمَّة وسطاً وجعلتهم (٤) الأولين وهم الآخرون (٥) فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ثم أفضى إليَّ بعدها أموراً لم يُؤذن لي أن أخبركم بها ... » وذكر باقي (٦) الحديث (٧)؛ و (في) (٨) حديث

стр. 43

أنس ﵁[أيضاً] (١) قال: قال رسول الله ﷺ : «لواء الحمد بيدي ولا فخر , (آدم) (٢) ومَن دونه من النبيين تحت لوائي يوم القيامة ولافخر» (٣) وفي حديث أنس ﵁ أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : «يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل ويجيء النبي ومعه الرجلان وأنا أكثر الناس تَبَعاً يوم القيامة» رواه البخاري (٤)؛ وعن جابر بن عبدالله ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: «إنَّ لكل نبي دعوة دعا بها في أمَّته , وخبأتُ دعوتي شفاعة لأمّتي يوم القيامة» أخرجاه في الصحيحين [ق ٣/ظ] من حديث أنس مثلَه سواء (٥)؛ وفي رواية: «اختبأت دعوتي شفاعةً لأمَّتي لأنَّها أعمُّ وأكفأ» (٦) , وفي هذا الحديث الشريف

стр. 44

دليل ظاهر على فضل نبيِّنا [محمد] (١) ﷺ على جميع الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين , وإشارة بيِّنة إلى أن كل فضيلةٍ لنبي من الأنبياء قد شاركه فيها وزاد عليه فيما يشابهها ويُقاربُها مما تظاهرت به الأخبار وتواطئت عليه الآثار عن علماء الأمصار. فصل اعلم أن التفضيل إنما يكون إذا ثبت للفاضل من الخصائص ما لايوجد للمفضول مثلُه , فإذا استويا في أسباب الفضل وانفرد أحدهما بخصائص لم يَشْرَكْه فيها الآخر كان أفضل منه , وأمَّا ماكان مشتركاً بين الرجل وغيره من المحاسن فتلك مناقب وفضائل ومآثر لكن لاتُوجب تفضيله على غيره إذا كانت مشتركة ليست من خصائصه , وإذا اتَّحَدت الفضيلتان فكانتا من جنسٍ واحد لكن كانت إحداهما أكمل من الأخرى وأعظم أو أعجب أو أبلغ فلا ريب أنَّ صاحب ذلك أفضل في ذلك , ومحمد ﷺ قد امتاز عن غيره بأمور لم يشركه (٢) فيها غيرُه وشارك غيرَه في أمور كثيرة على الوجه الأكمل فظهرت مزيَّته على مزية غيره وفضيلتُه على مَن عداه كما سنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى , ونحن نذكر إن شاء الله تعالى مانُقل عن كل نبيّ من المعجزات وماثبت لنبيِّنا ﷺ من الخصائص وماله من الفضائل الفواضل وما أُوتي من المناقب العجائب على جميع الأنبياء ﵈ , فإن محمداً ﷺ من خصائصه أنه أُرسِل إلى جميع الخلق أسودهم وأحمرهم وجنِّهم وإنسهم وأن الله تعالى أخذ العهد على جميع النبيين لئن بُعث وهم أحياء ليؤمننَّ به ولينصرنَّه وخَتم به النَّبيِّين وجعل أمَّته خير أمة أُخرجت للناس وآتاه السبعَ المثاني والقرآن العظيم وأُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم عُرج به إلى فوق سبع سموات وإلى سدرة المنتهى وإلى ماشاء الله تعالى مما فوق ذلك وأشياء

стр. 45

غير ذلك نذكرها فيما [ق ٤/و] بعد إن شاء الله تعالى في مواضعها يتبيَّن بها فضله على غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين , ونذكر من معجزاته وما آتاه الله تعالى من الكرامات والمزايا الكريمة والعطايا العظيمة ممَّا فاق به عليهم من الآيات البيِّنات والمفاخر الظاهرات , فمن ذلك: أولو العزم (١) من الرسل وهم خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى [ابن مريم] (٢) ومحمد صلى الله عليهم وسلم , فمحمد ﷺ آخرهم بعْثاً وأوّلهم في الذّكْر والفضيلة قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب: ٧].

стр. 46

فصل فأمّا فضيلة نوح ﵇ فظاهرة , ومعجزته (١) باهرة , وهو أوَّل رسول أُرسِل إلى بني آدم في أحد قولي العلماء , وآيته التي أوتي نجاته في السفينة بمن آمن معه وإغراق عدوّه بدعوته وهي لعَمري فضيلة عظيمة ومعجزة كريمة , ولاشك أن الماشي على وجه الماء من غير سفينةٍ أعظم من الماشي عليه في السفينة , وقد أعطى الله تعالى نبيَّنا ﷺ في أمَّته مَن مشى على وجه الماء بغير سفينة , فكثير من أولياء أمَّة نبينا ﷺ مشى (٢) على الماء , فمن ذلك ماروى مِنْجابٌ (٣) قال: "غزونا مع العلاء بن الحَضْرمي (٤) دَارِينَ (٥) فدعا بثلاث دعوات فاستجيبت له , نزلنا منزلاً فطَلَب الماء فلم يجدْه فقام فصلى ركعتين وقال: اللهم إنَّا عبيدك وفي سبيلك نقاتل عدوَّك اللهم اسقنا غيثاً نتوضَّأ به ونشرب ولايكون لأحد فيه نصيب غيرنا , فسِرْنا قليلاً فإذا نحن بماءٍ حين أقلعت السماء عنه

стр. 47

فتوضأنا منه وتزوّدنا وملأت إداوتي (١) وتركتها مكانها حتى أنظر هل يستجيب له أم لا فسرنا قليلاً ثم قلت: لأصحابي نسيت إداوتي فرجعت إلى ذلك المكان فكأنَّه لم يصبه ماء قط , ثم سرنا حتى أتينا دَارِينَ والبحر بيننا وبينهم فقال: يا عليم يا حليم يا عليّ يا عظيم إنَّا عبيدك وفي سبيلك نقاتل عدوّك اللهم فاجعل لنا إليهم سبيلاً فدخلنا البحر فلم يبلغ الماء لُبُودَنا (٢) ومشينا على متن الماء ولم يَبْتلّ لنا شيء [ق ٤/ظ] فلما رجع أخذه وجع البطن فمات فطلبنا ماء نغسله فلم نجده فلففناه في ثيابه ودفنَّاه فَسِرنا غير بعيدٍ فإذا نحن بماء كثير فقال بعضنا لبعضٍ: لو رجعنا فاستخرجناه ثم غسلناه فَرُحْنا (٣) فطلبناه فلم نجده فقال رجل من القوم إني سمعته يقول: يا عظيم (٤) يا حليم يا علي يا عظيم أخْفِ عليهم موتي - أو كلمة نحوها - ولا تُطلع على عيوبي أحداً فرحَلْنا وتركناه" (٥) , وقال عمر بن ثابت: "دخلتْ في أذن رجل من أهل البصرة حصاة فعالجها الأطبَّاء فلم يقدروا عليها حتى وصلت إلى سِماخه (٦) فأسهرت ليلَهُ ونغَّصت عيشَ نهاره فأتى رجلاً من أصحاب الحَسَن فشكا إليه فقال له: ويحك إن كان شيء ينفعُك الله به فدعوة العلاء بن الحَضْرمي التي دعا بها في البحر والمفازة , قال: وما هي رحمك الله ,

стр. 48

قال: يا علي يا عظيم يا حليم يا عليم فدعا بها فوالله ما برحنا حتى خرجت من أذنه ولها طنين حتى أصابت الحائط وبرأ" (١)؛ والمشي على الماء في السفينة أمر معلوم معهود والنجاة فيه غير مستبعدة , ومشيُ العلاء بن الحَضرمي وأصحابه بخيولهم ودوابِّهم وحمُولهم على متن الماء بلا سفينة أعظم بالنسبة إلى معجزة محمد ﷺ مِن مشي نوح ﵇ ومن معه في السفينة واستجيبت دعواته كما استجيبت دعوة نوح ﵇ أيضاً , فكرامة الأمَّة (٢) من معجزة نبيِّنا ﷺ , وسيأتي قصة سعد بن أبي وقاص ﵁ وأصحابه في فتح أبيض كسرى (٣) إن شاء الله تعالى. فإن قيل: إن الله تعالى أعطى نوحاً ﵊ ما سأل من شِفَاء غيظه في إجابة دعوته على قومه بتعجيل النقمة عليهم حين كذَّبوه وكفروا بما أُرسل به فأهلك بدعوته مَن على بسيط الأرض مِن صامتٍ وناطقٍ إلا مَن آمن به ودخل معه السفينةَ وكانوا قليلاً كما قال تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: من الآية ٤٠] وكانوا فيما قيل: ثمانين نفساً أو نحوها , قلنا: هذه فضيلة عظيمة وآية جسيمة وافقَتْ سابِق القَدَر في هلاك مَن هلك لكن فضيلة نبيِّنا صلوات الله عليه وسلامه أكمل , ومعجزته أجمل , وعاقبتها أحسن , وصورة الواقع فيها أبين , وذلك أنه لمَّا كذَّبه قومُه [ق ٥/و] وآذوه وبالغوا في أذاه جاءه الملك من ربِّه يُخيِّره في أن يُطبِق عليهم الأخشبَيْن: أخشبَي مكة يعني: الجبلين المكتنفين لها , فقال: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم مَن يعبد الله لايشركُ به شيئاً» (٤) , فكان ما رَجَا من ذلك وزيادة , ولمَّا أسْرَف

стр. 49

من أسْرَف في عداوته وبلغ الغاية في أذيَّته حين ألقى عُقبة بن أبي مُعَيْط على ظهره ﷺ سَلَا (١) الجزور وهو ساجد والحديث فيه مشهور وهو ما رُوي عن عبدالله بن مسعود ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ يصلي عند الكعبة وجَمْعٌ (٢) من قريش ينظرون فقال قائل منهم: ألا ترون إلى هذا المُرائِي أيُّكم يقوم إلى جَزور آل فلان فيعمد إلى فرثها ودَمِها وسَلاها حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه , فانطلق أشقاهم فجاء به حتى إذا سجد ﷺ وضعه بين كتفيه , وثبت رسول الله ﷺ ساجداً , وضحكوا حتى مال بعضهم على بعض من الضحك , فانطلق منطلق إلى فاطمة وهي جويرية (٣) فأقبلت تسعى وثبت النبي ﷺ ساجداً حتى نَحَّتْهُ عنه وأقبلت عليهم تسبُّهم , فلما قضى النبي ﷺ صلاته استقبل الكعبة فقال (٤): «اللهم عليك الملأ من قريش» ثم سمّاهم فقال: اللهم عليك بعَمرو بن هشام وشيبة وعُتبة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي مُعَيط وعُمَارة بن (٥) الوليد» قال عبدالله: والذي توفّى نفْسَه لقد رأيتهم صرعى يُسحَبون إلى القليب قليب بدْر , قال رسول الله ﷺ : «اللهم أتبع أهل القليب لعنةً» (٦) فلم يَدْعُ عليهم بالبوار

стр. 50

كلِّهم ولا باستئصال شأفتهم (١) (٢) , وكذلك لما استعان عليهم بدعائه أن يعينه عليهم بسبع كسبع يوسف فأجْدبوا حتى أكلوا العظام من الجوع حتى جاء إليه ﷺ أكابرهم يسألونه أن يدعو لهم بكشف ذلك عنهم , فلما دعا قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٥] , فلما عادوا انتقم الله منهم قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] فانتقم منهم بالقتل يوم بدر (٣)؛ والسِّرُّ في دعائه ﷺ على هؤلاء النَّفر خاصَّةً أنهم اتّفقوا [ق ٥/ظ] على هذا الفعل القبيح , وادَّعوا أنه مُراءٍ بصلاته , وانتهكوا حرمة الصلاة مع حرمته ﷺ , فكان غضبه ودعاؤه لأجل انتهاك حرمة الصلاة لله تعالى في ذلك المكان فلم يَحسُن العفو حينئذ بل تعيَّن الانتصار والانتصاف فإنه كان (٤) من عادته ﷺ أن لاينتصر لنفسه كما لم يعاقب الذين سَمُّوه ولا الذين سَحروه ولا الذي أراد اغتياله في أشياء نحو ذلك وإنما غضب هنا (٥) وانتصر لحقِّ الله تعالى فدعا عليهم فاستجاب الله تعالى له فيهم وأظهر تكذيبهم في اعتقادهم أنه مُراءٍ فاجتمع له ﷺ في هذه القصة من الفضائل ما يضيق هذا المكان عن ذكره مما لم يحصل لنوح ﵇ منه إلا البعض , فإنَّ نوحاً ﵊ لمَّا اشتدَّ عليه الأذى من قومه دعا ربَّه أنِّي مغلوب فانتصر فقال الله تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر: ١١ - ١٤] فكان دعاؤه ﵇ دعاء منتقمٍ مستنصرٍ (٦)

стр. 51

فاستجاب الله تعالى له فشفى صدره منهم وأغرقهم ودعوة نبيّنا ﷺ كانت رحمةً و (كانت) (١) أكثر نفعاً وأعظم أثراً في الخير والبركة كما روى أنس ﵁ قال: أصاب أهلَ المدينة قحط على عهد رسول الله ﷺ فقام إليه الناس يوم جمعة وهو على المنبر يخطب فقالوا: يا رسول الله غلَتِ الأسعار واحتَبَست الأمطار فادع الله أن يسقينا فرفع رسول الله ﷺ يَده واستسقى قال: فمُطِرنا ولم نزل نُمطَرُ حتى كانت الجمعة المُقبلة فقام إليه الناس فقالوا: ادع الله يَحْبِسْها عنَّا فتبسَّم رسول الله ﷺ ورفع يده فقال: «اللهم حوالينا ولا علينا» قال: فتخرَّقَتْ (٢) فصارت المدينة كأنَّها إكْليل (٣) وما حولها ممطور (٤) , وعن ابن عمر ﵄ قال: ربَّما ذكرتُ قول الشاعر وأنا أنظر إلى وجه النّبي ﷺ يستسقى (فما ينزل حتى يجيش [ق ٦/و] كل مِيزاب (٥)) (٦) وأبيض يُسْتسقى الغَمام بوجهه ... ثِمَالَ (٧) اليتامى عصمةً للأرامل (٨)

стр. 52

وهو قول عمه أبي طالب (١) رواه البخاري (٢) , فكانت دعوته نعمة في الأوَّل [و] (٣) رحمة في الآخر (٤) , ولم تكن دعوة نوح ﵊ إلا مجرَّد عذابٍ شفى الله تعالى به قلبه؛ ولبث نوح ﵇ في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم فبلغ جميع من آمن به من الرجال والنساء الذين ركبوا معه في السفينة وهم دون المائة نفْسٍ كما أشرنا إليه , ونبينا ﷺ كانت مدَّة دعائه (٥) الخلق إلى الحقِّ نحو عشرين سنة فآمن فيها من الخلق شرقاً وغرباً ما لايُحصى ودانت له جبابرة الأرض وملوكها وخافته على ملْكها ككسرى وقيصر وأسلم النَّجاشي والأقيال (٦) رغبة في دين الله تعالى ممن رآه وممن سمع به ولم يره لِمَا ألقى الله في قلوب الخلق من هيبته , والتزم مَن لم يؤمن به من أقطار الأرض الجزية والأتاوة (٧) عن صَغار كأهل نجران وهجر وأيلة وغيرهم فأذلَّهم الله بما ألقى في قلوبهم من الرعب الذي كان يسير أمامه مسيرة شهر حتى جاءه نصر الله والفتح

стр. 53

ودخل الناس في دين الله أفواجاً فهذه منزلة لم تحصل لا (١) لنوح ولا لغيره من النبيين صلوات الله عليهم أجمعين , ولا بلغ مُلْك مَلك ما بلغ مُلكه ودينَه كما قال: «زُويت (٢) لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وأن مُلك أمّتي سَيبلغ (٣) ذلك» (٤). وأما فضيلة نوح ﵇ بأن الله تعالى سماه شكوراً باسم من أسماءه سبحانه , فنبيّنا ﷺ قد خصَّه باسمين من أسماءه جمعهما له لم يشركه فيهما أحد فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] , ونوح ﵇ لمَّا خاطبه الله تعالى قال له: ﴿يَانُوحُ [اهْبِطْ بِسَلَامٍ] (٥)﴾ [هود: من الآية ٤٨] , ولمَّا خاطب ﷺ لم يقل له: يامحمد بل قال له: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١ , ٦٧] , ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال: من الآية ٦٤ , ٦٥ , ٧٠ / التوبة: من الآية ٧٣ / الأحزاب: من الآية ١ , ٢٨ , ٤٥ , ٥٠ , ٥٩ / الممتحنة: من الآية ١٢ / الطلاق: من الآية ١ / التحريم: من الآية ١ , ٩] , ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزَّمل: ١] , ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدَّثر: ١] , فخاطبه بصفات الشَّرف والرِّفعة التي تقوم مقام الكنية واللقب بل أعظم , والخطاب بالكنية واللقب أعظم من الخطاب بالاسم المجرَّد , وكذلك باقي الأنبياء خاطبهم [ق ٦/ظ] بأسمائهم المجرَّدة فقال: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ [هود: من الآية ٧٦ / مريم: من الآية ٤٦ / الأنبياء: من الآية ٦٢ / الصافات: من الآية ١٠٤] , ﴿يَامُوسَى﴾ [البقرة: من الآية ٥٥ , ٦١ / المائدة: من الآية ٢٢ , ٢٤ / الأعراف: من الآية

стр. 54

١١٥ , ١٣٤ , ١٣٨ , ١٤٤ / الإسراء: من الآية ١٠١ / طه: من الآية ١١ , ١٧ , ١٩ , ٣٦ , ٤٠ , ٤٩ , ٥٧ , ٦٥ , ٨٣ / النمل: من الآية ٩ , ١٠ / القصص: من الآية ١٩ , ٢٠ , ٣٠ , ٣١] , ﴿يَايَحْيَى﴾ [مريم: من الآية ١٢] , ﴿يَادَاوُودُ﴾ [ص: من الآية ٢٦] , ﴿يَاعِيسَى﴾ [آل عمران: من الآية ٥٥ / المائدة: من الآية ١١٠ , ١١٢ , ١١٦] ولم يكنهم ولم يخاطبهم بما يقوم مقام الكنية واللقب , ولمَّا خاطبهم كلّهم وكان محمد صلى الله عليه وعليهم وسلم داخلاً (١) فيهم خاطبهم بالتعظيم فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ ... ﴾ (الآية) (٢) [المؤمنون: ٥١] , فظهر فضل محمد ﷺ عليهم كلهم في هذه المسئلة وفي غيرها كما سنذكره إن شاء الله تعالى , وقريبٌ من هذا المعنى أن كل نبيّ لما آذاه قومُه وكذَّبوه وسبّوه تولى هو الذب عن نفسه بنفسه , ومحمد ﷺ صفح عنهم وأعرض عن إجابتهم فتولى الله سبحانه الجواب عنه وانتصر له وكذَّبهم فيما نسبوه (٣) ﷺ إليه , وذلك نحو قول قوم نوح لنوح ﵊: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: من الآية ٦٠] فأجابهم: ﴿يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: من الآية ٦١] , ونحو قول قوم هود لهود ﵊: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ [الأعراف: من الآية ٦٦] فقال مجيباً لهم: ﴿يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: من الآية ٦٧] , وقول فرعون لموسى ﵊: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: من الآية ١٠١] فرد عليه بقوله: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: من الآية ١٠٢] وأشباه هذا , ونبينا ﷺ لمَّا قال له المشركون: شاعر أو مجنون صبر على أذاهم ووكل أمره إلى ربه سبحانه فتولى الجواب عنه ونصَره عليهم وكذّبهم بوحي يُتلى

стр. 55

فقال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ [وَمَا يَنْبَغِي لَهُ] (١)﴾ [يس: من الآية ٦٩] وقال: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] وزاد على الانتصار له بمدحه إيّاه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وهدَّد مَن نسب إليه خلاف الصحة (٢) فقال: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٥ - ٦] ولما قالت قريش: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: من الآية ١٠٣] و ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان: من الآية ٤] دفع الله عنه ما قالوا وانتصر له وكذبهم وبكتهم وبكعهم (٣) وأظهر حجَّته له عليهم وكسر حجتهم وأبطل دعواهم فقال سبحانه: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: من الآية ١٠٣] وقال تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان: من الآية ٦] في أمثال (هذا) (٤) , وكمال هذه الأمور [ق ٧/و] لم تحصل لغير نبينا ﷺ . فإن قيل: في قوله تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: من الآية ٢٦] وأن الله سبحانه استجاب له فأغرق الأرض ومَن عليها دليل على أن نوحاً ﵊ كان مُرسلاً إلى جميع أهل الأرض فكيف يقال: بأن محمداً ﷺ وحده أُرسِل إلى الناس كافةً , فالجواب: أن رسالة محمد ﷺ عامَّة في جميع الأمكنة والأزمنة والأصناف , فإنه ﷺ بُعث إلى جميع أهل الأرض إنسهم وجنِّهم ودعوته ﷺ باقية إلى يوم القيامة لا يُبعث بعده نبي يَنسخ (٥) شريعته , وهذه الخصيصة ليست لنوح عليه الصلاة والسلام ولا لغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام , وقوم نوح ﵊ إذا كانوا هم الذين أُغْرِقُوا فدعوته مختصة بهم لم تتناول مَن بعدهم من القرون ,

стр. 56

ودعوة موسى ﵊ وإن كانت متناولة لبني إسرائيل قرناً بعد قرن إلى المسيح ﵊ فلم تكن متناولة لغيرهم ولهذا لم يكن مبعوثاً إلى الخضر وما جرى بينهما من المحاورة دليل على ذلك والله أعلم. فصل وأما إبراهيم ﵊ فهو خليل الله وناهيك بها فضيلة قد جمع الله تعالى له بين النُّبوة والرِّسالة والخلَّة (والعزيمة) (١) , لكن قد أُعطي نبينا ﷺ ذلك وزاد , فهو نبي رسول خليل حبيب , ففيه ما في إبراهيم والزيادة التي لم تتحصَّل لغيره من الرسل , فإبراهيم ﷺ خليل الله ومحمد ﷺ أيضاً خليل الله , ولكن محمد ﷺ أعظم الخليلين , وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: «إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً» أو كما قال (٢) , ففي الصحيح أنه ﷺ قال: «لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن صاحبكم خليل الله» (٣) , وقال ﷺ : «اتخذ اللهُ إبراهيم خليلاً وموسى نجياً واتخذني حبيباً - ثم قال - وعزَّتي لأُوثرنَّ حبيبي على خليلي ونجيِّي» (٤) , وهو ﷺ في

стр. 57

التوراة مكتوب محمد حبيب الرحمن (١). فإن قيل: إن إبراهيم ﵊ حُجب عن نُمروذ (٢) بحُجب ثلاثة (٣) , قيل: إنَّ محمَّداً صلوات الله وسلامه عليه حجبه الله تعالى بستة حجب قال [الله] (٤) تعالى في حقّه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا [ق ٧/ظ] فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٨ - ٩] فهذه أربعة حجب ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ

стр. 58

وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥ - ٤٦] وهذا حجابان فصارت ستَّة حجب , وزيادة أخرى وهي أنَّ الله تعالى جعل حجب محمد ﷺ من أعداءه حجباً لأمَّته من أعدائهم من الجنِّ والإنس كما ذكرنا ذلك في موضعه. فإن قيل: إن إبراهيم ﵇ كسر نمروذ (١) ببرهان نبوَّته فبهته كما قال تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: من الآية ٢٥٨] , قلنا: فمحمد ﷺ أتاه أُبيُّ بن خَلَف المكذِّب بالبعث بعظمٍ بالٍ ففركَه فانفتَّ في يده وقال: من يحي العظام وهي رميم إنكاراً لإحيائها بعدما رمَّت فأنزل الله تعالى البرهان الساطع والجواب القاطع: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] فانصرف مبهوتاً مكبوتاً (٢). فإن قيل: إبراهيم ﵇ كسَّر أصنام قومه غضباً لله تعالى , قلنا: فمحمد ﷺ نكَّس (٣) ثلاثمائة وستين صنماً كانت منصوبة حول الكعبة بإشارته إليها من غير أن يمسَّها بيده فتساقطت , وجعل يطعن بسية (٤) قوسٍ كانت معه في عين الصنم منها ويقول: «﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: من الآية ٨١] , ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ: من الآية ٤٩]» (٥) , وأبلغ من هذا في الطرفين أن إبراهيم

стр. 59

عليه الصلاة والسلام فعل ذلك مستخفياً من قومه وأحال به على كبيرهم وإن كان ذلك إلزاماً للحجة على قومه إذا لم ينطقوا حتى عدّد ذلك من كذباته , فنبينا ﷺ دخل هو وعلي ﵁ الكعبة فصعد ﷺ على منكب عليٍّ ﵁ فلم يقدر عليٌّ على حمله , فأصعد عليّاً على منكبه فقلع الصنم الذي كان من صُفرٍ على الكعبة فقذفه فوقع فتكسر كما تتكسَّر القوارير (١) [ق ٨/و] , ولا ريب أنَّ هذا كان سراً من قريش والأول (٢) جهراً يوم فتح مكة. فإن قيل: إبراهيم ﵇ لمَّا أُلقي في نار نمروذ (٣) خمدت وطفئت , قلنا: أبلغ من ذلك نار جهنم إذا مرَّ عليها المؤمن من أمَّة محمد ﷺ قالت: جُزْ يامؤمن فقد أطفأ نورك لهبي (٤). وليلة مولد نبينا ﷺ خمدت نيران فارس التي كانت تُعبَد ولم تخمد قبل ذلك بألف

стр. 60

عام (١) فإبراهيم ﵇ طفئت عنه نار نمروذ (٢) بقول الله تعالى لها: ﴿ ... كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: من الآية ٦٩] وقرب (٣) إبراهيم منها , ونيران فارس خمدت على مسافة أشهر من محمد ﷺ حين ولد , وفي أمة محمد ﷺ مَن أُلقي في النَّار فلم توثِّر فيه ببركته: منهم أبو مسلم الخَولاني لمَّا دعاه الأسود العَنْسي المتنبِّئ إلى تصديقه فقال: ما أسمع -مراراً- , فأجَّج له ناراً وطرح فيها أبا مسلم , فلم تضرُّه , فلمَّا قدم المدينة رآه عمر ﵁ فقبَّل بين عينيه , ثم جاء به حتى أجلسه بينه وبين أبي بكر الصديق ﵁ , وقال: الحمد لله الذي لم يُمتني حتى أراني في أمة محمد ﷺ من فُعل به كما فُعل بإبراهيم خليل الرحمن (٤) ﵇. وأما إلقاء إبراهيم ﵊ في المنجنيق ورميهم به فإن في أصحاب

стр. 61

محمد ﷺ ماهو شبيه بذلك , وهو أنَّ البراء بن مالك ﵁ لمَّا كانت وقعة مسيلمة وتحصَّنوا وأغلقوا باب الحصن , قال البراء لأصحابه: ضعوني على تُرسٍ واحملوني على رؤوس الرِّماح ثم ألقوني من أعلاها إلى داخل الحصن ففعلوا فوقع وقام فقاتل المشركين وقتل عشرةً أو أكثر وفتح الباب للمسلمين وكان سبب الفتح وقَتْل عدوِّ الله مسيلمة (١)؛ ونظير ذلك ما فعَل طُلَيحة بن خويلد لما خرج في أصحابه لغزو الروم في البحر فلقيهم العدو في سفينة فقال طُلَيحة لأصحابه: اقذفوني في سفينتهم , ففعلوا فغشيهم بسيفه حتى تطايروا (٢) فرقاً منه فغرق من غرق واستسلم [ق ٨/ظ] من استسلم فبلغ ذلك عمر ﵁ فأعجبه (٣) وإبراهيم ﵊ أُلقي في المنجنيق مُكرهاً , وهذان بذلا أنفسهما وطلبا ذلك واختاراه ففعلاه وهي فضيلة لنبينا ﷺ إذ (٤) كان في أمته مثل ذلك. وأما كرم إبراهيم ﵊ وإقراؤه للضيف وأنه كان يخرج المسافة يبتغي من يأكل معه حتى قيل له: أبو الضِيفان , فقد كان نبينا ﷺ من ذلك بالمنزلة التي لاتجهل فإنه كان يعطي عطاء من لا يخاف الفاقة فيهب المائة من الإبل , وأعطى رجلاً غنماً بين جبلين , وما سأله أحد شيئاً فقال: لا (٥) , ولقد أتاه مرةً ضيف فأرسل إلى

стр. 62

أزواجه واحدةً بعد واحدةٍ فيَقُلْن: والذي بعثك بالحق ماعندنا إلا ماء (١)؛ وذلك أنه كان لا يدَّخر شيئاً حتى يجوع ويربط على بطنه الحجر , وإبراهيم ﵊ كان صاحب مال وماشية يُطعِم ويُضيف من جملة ماله ولم نسمع أنه أعطى كلَّ ماعنده , ونبينا ﷺ يقول: «ما يكن عندي من خير فلن ادّخره عنكم» (٢) وقال: «لو أنَّ لي مثلَ هذه العِضاهِ نعماً لقسمته بينكم ثم لا تجدوني بخيلاً ولا جباناً» (٣) وجوده وكرمه من أشهر (٤) صفاته الحميدة صلوات الله عليه وسلامه. وأما فضيلة إبراهيم ﵊ في صبره على ما ابتُلي به مِن ذبح ولده حتى أكرمه الله تعالى بالفِداء وهذه رُتبة عظيمة , قلنا: ليس هذا بأعظم من فضيلة نبينا ﷺ إذ جاد بنفسه في جهاد أعداء الله تعالى فإنه صبَّر نفسه وغرَّر (٥) بها في طاعة ربه تعالى حتى إنه يوم حنين لما تولى عنه أصحابه وبقي وحده ما يألو ما صادم العدو بنفسه

стр. 63

وأخذ كفًّا من تراب فرمى به في وجوه القوم فهزمهم الله تعالى (١) , وجوده ﷺ بنفسه وصبره في (مثل) (٢) هذا المقام الذي لم يبق معه ناصر ولا معاضد والعدو حريص على قتله أعظم من صبر إبراهيم ﵊ على ذبح ابنه. وأما قول الله تعالى في إبراهيم: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: من الآية ١٢٤] ففي الحديث أن نبينا ﷺ [ق ٩/و] قال: «أنا إمامهم إذا بُعثوا وخطيبهم إذا ورَدُوا ... » الحديث (٣) , وقد صلى بإبراهيم وغيره من الأنبياء ليلة الإسراء وشريعته داخلة في شريعة محمد صلى الله عليهما وسلم وشريعة محمد ﷺ أتم وأكمل (٤) من شريعة إبراهيم صلى

стр. 64

الله عليه وسلم كما هو معروف؛ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: من الآية ١٢٠] ومعنى الأمة أنه كان معلماً للخير وداعياً إليه , ولا ريب أنَّ علم نبينا ﷺ وتعليمَه وما ظهر من الخير على يديه في زمانه وبعد موته بسببه أمر لا يكاد يرتاب فيه عاقل , فإنَّ علمَه وشريعته متداولة بين أمته إلى يوم القيامة , وسنَّة إبراهيم ﷺ من بعض ماهو من سنن محمد ﷺ التي دعا إليها وأمر بالاستنان بها , وقنوت محمد ﷺ كان أعظم فإنه ﷺ لما نزل عليه: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: من الآية ٢] قام (١) فصلى حتى تفطرت قدماه فقيل له: قد غُفر لك من ذنبك ماتقدم وما تأخر , فقال: «أفلا أكون عبداً شكوراً» (٢) وصلّى حتى أنزل عليه ﷺ : ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه: ١ - ٣] (٣). فإن قيل: إن إبراهيم ﷺ بوَّأ الله تعالى له مكانَ البيت حتى عَمَره وأقام شعائر الله , قيل: ما فعله محمد ﷺ في أمر البيت أعظم , فإن إبراهيم ﵊ جاء إلى أرض داثرة (٤) فبنى فيها بيتاً وأقام فيه أموراً شرعها الله تعالى له , وليس في ذلك كبير (٥) مشقة وإن كان فيه من الفضل والإحسان مافيه , فإن فعل نبينا ﷺ أعظم خطراً

стр. 65

وأشدّ ابتلاء فإنَّه بُدِّلت تلك الشعائر (١) التي رسمها إبراهيم ﵊ (بعده) (٢) , وتناسخت الأحوال حتى صار ذلك البيت الذي بناه إبراهيم ﵊ لإقامة شعائر الدين الحنيف بتبديل الجاهلية مَركزاً للشرك ومحلًّا للأوثان وصار يُعبَد فيه غير الله ويُدعى من سواه ويُقاتل على ذلك , فبعث الله محمداً ﷺ [ق ٩/ظ] فمحا تلك الآثار وكسر تلك الأصنام وأزال المنكرات وأعاد سنَّة إبراهيم ﵊ التي كانت (٣) قد دثرت , وعبد الله وحده وزال (٤) الإشراك (٥) وزاد على شريعة إبراهيم مما (٦) شرعه الله تعالى له حتى كان عام حجَّة الوداع أنزل عليه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: من الآية ٣] حتى قال بعض اليهود لعمر بن الخطاب: " (يا أمير المؤمنين) (٧) آيةٌ في كتابكم تقرؤنها لو علينا معشر يهود أنزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً , فقال عمر: أيّ آية , قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... ﴾ الآية [المائدة: من الآية ٣] , فقال عمر ﵁: إني لأعلم الموضع الذي نزلت فيه واليوم الذي نزلت فيه يوم جمعة عشية عرفة" (٨)؛ ففرقٌ بين من بنى بيتاً وسنَّ سُنَّة من غير منازع إلى من جاء إلى أمَّة جاهلية جهلاء , قد اجتمعت على بيتٍ جعلته دينها وأقامت فيه الأصنام يعبدونها من دون الله وشرعوا أموراً زيَّنها لهم الشيطان فرأوها حسنة واتخذوها ديناً وقاتلوا على ذلك وتوارثوه خلفاً عن سلف ووجدوا عليه آبائهم فأمرَهم بترك ما قد نشأوا عليه من ذلك الدين ومفارقة ما قد رسمه لهم أسلافهم

стр. 66

ونبتت عليه (١) لحومهم ودماؤهم فصرفهم عنه طوعاً وكرهاً وردَّهم عنه إلى دين لم يعرفوه هم ولا آباؤهم بما أوضحه لهم من الحق حتى أطاعوه وقال أحبَّ إليهم من آبائهم وأولادهم وإخوانهم وعشيرتهم حتى ضَرَبَ الدينُ بحرانه واستقر على أركانه. وأما كفالة إبراهيم ﵊ الأطفال (٢) المؤمنين الذين يُتوفون وهم صغار فليس ذلك بأعظم من كفالة الأطفالِ في الدنيا , فإن في الدنيا يحتاجون إلى ما يمونهم من مأكول ومشروب وغير ذلك , بخلاف من هو في الآخرة في كفالة الله تعالى لا يحتاج إلى أكل وشرب وكسوة ومؤنة , فإن محمداً ﷺ كان لليتيم كالأب الرحيم وللأرملة كالزوج الشفيق كما قال فيه عمه أبو طالب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل (٣) فكفالة الأحياء (بلا ريب أعظم من كفالة الأموات) (٤). فإن قيل: إن الله تعالى أمر محمداً ﷺ وبارك باتباع [ق ١٠/و] ملة إبراهيم ﷺ , قلنا: ذلك إحدى حسناته ﷺ فإنَّ محمداً ﷺ قد اتبع ملة إبراهيم ﷺ فحاز آخرها وزاد عليها ما أمر اللهُ به فكان له الفضل أولاً وأخيراً. فإن قيل: إن الله تعالى سمَّى إبراهيم حليماً ومنيباً وأوَّاهاً , قيل: هذه كلّها من بعض خصال محمد ﷺ وله من الخصال الحميدة أضعافُ أضعاف هذه كما هو مبسوط في كتب مناقبه , فكان في الحلم آيةً [كما] (٥) قال أنس ﵁: "خدَمتُه عشر سنين (٦)

стр. 67

وليس كلّ شأني كما يَرضى صاحبي , فما قال لي يوماً قط لشيء صنعته لم صنعت هذا هكذا , ولا لشيء لم أصنعه لِمَ لم تصنع هذا هكذا" (١) وكان ﷺ من الإنابة إلى ربِّه سبحانه بالموضع الذي لايخفى فإنه كان من دعائه: «اللهم بك أُقاتِل وبك أصول وبك أحول» (٢) إلى غير ذلك من الإنابة في جِلِّ الأمور ودِقِّها وكان من تأوهه وخوفه من ربه أنه يقول: «لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم (٣) قليلاً وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصّعدات تجأرون إلى ربكم» (٤) إلى غير ذلك من أخباره عن حلمه وإنابته وتأوّهه. فإن قيل: إن إبراهيم ﵇ أوحي إليه: "يا إبراهيم إنك لمَّا سَلَّمت مالك إلى الضِيفان , وابنك إلى القربان , ونفسك إلى النيران , وقلبك إلى الرحمن , اتخذناك خليلاً" (٥) , قلنا: إن ذلك لفضل عظيم , وخير عميم , وفخر مقيم , وكل ذلك من

стр. 68

بعض ما أُعطي نبينا ﷺ وزاد عليه كما أشرنا إليه وكما يأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى. فإن قيل: إن إبراهيم ﵊ أُعطي الصّحف وكانت عشر صحائف , قلنا: إن ما أوتي محمد ﷺ من السبع المثاني والقرآن العظيم أعظم من ذلك بكثير فإن صحف إبراهيم ﵇ كانت كلها مواعظ وأمثالاً كقوله فيها: "أيها الملِك المبتلى المُسَلّط المغرور إنِّي لم أبعثك لجمع الدنيا بعضها على بعض ولكن بعثتك لتَرُدَّ عنِّي دعوة المظلوم فإنِّي [ق ١٠/ظ] لا أردها وإن كانت من كافر" (١) وأمثال ذلك من الحِكَم (٢) , وكان ما أوتيه محمد ﷺ من القرآن فيه نبأ مَن مضى ونبأ مَن يأتي إلى يوم القيامة ومابين ذلك من الحِكَم والأحكام والمواعظ والزواجر والأمر والنهي والتحليل والتحريم إلى غير ذلك مما يطول ذكره ويشق حصره , فمحمد ﷺ سيّد الرُّسل عليهم الصلاة والسلام وكتابه سيّد الكتب وأمَّته خَيْر الأمم صلوات الله عليه وسلامه. وأما قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]: أي وفَّى بما ابتلاه به من قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: من الآية ١٢٤] اختلف العلماء في الكلمات التي ابتلى الله تعالى بها إبراهيم ﵊ فقال عكرمة عن ابن عباس ﵄: "هي ثلاثون سهماً , وهي شرائع الإسلام لم يُبْتلَ أحدٌ بهذا الدين فأقامه كلَّه إلا إبراهيم ﵇ أتمهنَّ فكُتِب له البراءة فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] وهي عشر في سورة براءة (٣): ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ ... ﴾ إلى

стр. 69

آخرها (١) [التوبة: ١١٢] وعشر في الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ... ﴾ إلى آخرها [الأحزاب: ٣٥] وعشر في المؤمنين: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ... ﴾ [المؤمنون: ١] وقوله: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ ... ﴾ [المعارج: ٢٢] في سأل سائل" , وروى طاوس عن ابن عباس أيضاً قال: "ابتلاه الله تعالى بعشرة أشياء هي من الفطرة والطهارة , خمس في الرأس وخمس في الجسد فالتي في الرأس قصُّ الشارب والمضمضة والاستنشاق والسواك وفرق الرّأس (٢) , والتي في الجسد تقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة والختان والاستنجاء بالماء" , وقال مجاهد: "هي الآيات التي بعدها في قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ... ﴾ [البقرة: من الآية ١٢٤] إلى آخر القصة" , وقال الربيع وقتادة: مناسك الحج , وقال الحسن: سبعة أشياء ابتلاه [الله] (٣) بالكوكب والقمر والشمس وأحسن النظر في ذلك وعلم أن ربَّه دائم لايزول [أبداً] (٤) وابتلاه بالنَّار فصبر على ذلك وابتلاه بالهجرة فصبر على ذلك وابتلاه بذبح ابنه فصَبر [على ذلك] (٥) وبالختان فصبر على ذلك؛ وقال أبو رَوْقٍ (٦): هي قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) ... ﴾ [الشعراء: ٧٨] إلى آخر الآيات؛ وقال بعضهم: هي [ق ١١/و] أن الله تعالى ابتلاه في ماله وولده ونفسه وقلبه , فسَلَّم مالَه للضيفان , وولدَه إلى القربان , ونفسه إلى النيران , وقلبه إلى الرحمن , فاتخذه خليلاً؛ وقيل هي: سهام الإسلام وهي عشرة: شهادة أن لا إله إلا الله وهي الملة , والصلاة وهي الفطرة , والزكاة وهي الطُهْرة , والصوم وهو الجُنّة , والحج وهو

стр. 70

الشريعة , والغَزْو وهو النصرة , والطاعة وهي العصمة , والجماعة وهي الأُلفة , والأمر بالمعروف وهو الوفاء , والنهي عن المنكر وهو الحجة , فأتمهن , وقام بهن , ووفَّى بهن , فقال الله تعالى له: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: من الآية ١٢٤] (١). الكلام على تفضيل هذه الأشياء وأنَّ ما أوتي محمد ﷺ منها مثلُها أو ما يوازيها على أتم مما أوتيها إبراهيم ﵊ وأكمل وأفضل فأما العشر التي في سورة براءة فقوله: ﴿التَّائِبُونَ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢] فقد أوتيها محمد ﷺ بل وكثير من أمَّته , فإنه ﷺ قال: «استغفروا الله وتوبوا إليه فإنِّي أتوب إلى الله في اليوم مائة مرّة» (٢) , وفي أمّته من يفعل ذلك وقريباً منه كثير , وقوله: ﴿الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢] فبعبادته تضرب الأمثال وحالُهُ فيها لاتطاق , فقد كان يقوم حتى تتفطر قدماه (٣) , ويصوم حتى يُقال لا يفطر , وكنت لاتشاء أن تراه من الليل قائماً إلا رأيته (٤) , وكان يقوم من الليل ما شاء الله ثم ينام ثم يقوم ثم ينام ثم يقوم (٥) وهذه حالةٌ لا يتمكن منها أحد غيره في الليلة الواحدة , وكثير من أمَّته كان يُحيي

стр. 71

الليل ويصوم النهار , وأراد بعض أصحابه أنْ يتبتَّل (١) فنهاهم عن ذلك (٢) , وعزموا على الوصال في رمضان كما كان يُواصِل فنهاهم خوفاً عليهم أن يُفرَض عليهم فيعجز منهم من يعجز منهم عنه (٣) , وكان كثيراً ما يعمل العمل والأشياء من النوافل وقتاً دون وقتٍ خوفاً أن يتبعه أصحابُه فيُفرَض عليهم , وخلائق من لايُحصى من أمَّته كان يصلِّي الصبح بوضوء العشاء ويَسرُد الصَّومَ في ضمن ما يعملون من الجهاد وغيره مما يطول شرحه وهو واضح ظاهر , وقوله: ﴿الْحَامِدُونَ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢] فقد كان محمد ﷺ أعظم النَّاس [ق ١١/ظ] حمداً لربِّه سبحانه , وأنزل الله فاتحة الكتاب المفتتحة بالحمد لله التي لم تُنزل على أحد من الأنبياء قبله المتضمّنةِ لحقوق الله تعالى ومطالب العبد كما في الحديث «قسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل , يقول العبد: الحمد لله رب العالمين , يقول الله: حمدني عبدي ... » (الحديث) (٤) (٥) , فجعل الله

стр. 72

هذه السورة مُكرَّرة في صلاته في كل ركعة من الصلوات الخمس فجعل صلاته كلّها حمداً لله تعالى , هذا غير ما يحمده في غيرها ضمن التسبيح والتحميد والتكبير الذي كان يفعله عقيب الصلوات وعند المنام وعند القيام وعند الطعام وعند غالب أحواله ولأمَّته من ذلك النصيب الوافر , ولهذا أنزل في التوراة على موسى في صفتهم أنهم "الحمَّادون رُعاة الشمس" (١) يعني المحافظين على الصلوات في أوقاتها بمراعاة (٢) زوال الشمس وتحلّقها (٣) وغروبها وغير ذلك , فمحمَّد ﷺ وأمَّته الحمَّادون الله (٤) على كل حال وفي كل نعمة , وفي التوراة أنهم الحمادون على كل نجد (٥) (٦)؛ وقوله:

стр. 73

﴿السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢] يعني «الصّائمين» (١) رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ (٢) , وقال سعيد بن جُبَيْر: هم الصائمون ألم تر أنّ الله تعالى إذاً ماذكر الصائمين (٣) , وقال الحسن: ﴿السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢] الصائمون عن الحلال الممسكون عن الحرام , وقال عطاء: ﴿السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢] الغُزَاةُ والمجتهدون , وقال عُمَر بن نافع: سمعت عكرمة وسئل عن قول الله تعالى: ﴿السَّائِحُونَ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢] فقال: هم طلبة العلم (٤) , وقد أوتي محمَّد ﷺ وأمَّته من هذا النصيب الأوفى فقد ذكرنا أنه كان يصوم حتى يُقال لايُفطر , وقال بعض أصحابه وأراد التّبتل للعبادة: أما أنا فأصوم لا أُفْطر وهو عبدالله بن عمرو بن العاص وفعل ذلك مدَّة حتى نهاه النبي ﷺ عن ذلك شفقةً عليه (٥) , وأمّا كون السياحة الجهاد فقد باشر النبي ﷺ الجهاد بنفْسه وكُسرت رباعيته ودُمِي وهُشمت البيضة على رأسه وكان يَحْمل على الكَتيبَةِ ويقول: «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبدالمطلب» (٦) فيُوَلّي الكفارُ الأدبارَ , وقد جاهد في الله تعالى حق جهاده , وفي الصحيح أنَّ البراء قال: كنا والله

стр. 74

إذا احمرَّ البأس نتَّقي به وإن الشجاع منَّا للذي يُحاذي به يعني [ق ١٢/و] النبي ﷺ (١) , وكان من أُمَّته من إذا لقي العدو كسَر جَفْن سيفه (٢) (٣) وحمل عليهم (٤) , ومنهم من كان في يده تمرات فلمَّا التقى الجمعان قال: لئن عشتُ حتى آكل تمراتي هذه إنَّها لحياة طويلة فألقى التمرات وقاتل حتّى قُتل (٥) ومن هذا الجنس في أمّة محمد ﷺ قديماً وحديثاً كثيرٌ معروف مشهور , وأمَّا كون السِّياحة طلب العلم فإنَّ محمَّداً ﷺ كان في بَدْء أمره يتزوَّد ويخرج إلى جبل حراء يتوقع نزولَ الوحي وتعلُّم العلم من الملَك , ولم يُنقَل عن أحد من الأمم في كثرة طلب العلم ما في أمَّة محمد ﷺ حتى إنَّ أحدهم يرحل مسيرة الشهر في طلب الحديث الواحد , ومنهم من يتغرَّب السنين في طلب العلم ويترك وطنه وأهله وولده , وقوله: ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢]: يعني

стр. 75

المصلين , وقد ذكرنا (١) أن محمداً ﷺ صلَّى حتى تفطَّرت قدماه , وأمَّتُه الموصوفون في التوراة بأنهم رُعاة الشمس يُوضِّؤون أطرافهم ويسجدون على جباههم وأن الأرض كلها لهم مسجد وترابها طَهُور , فليس في الأمم أعظم صلاة منهم كما هو وصفهم في التوراة أنهم يصفّون في صلاتهم صفوف الملائكة وأصواتهم في مساجدهم كَدوي النحل (٢) , وأن موسى ﵇ قد كان أراد بني إسرائيل على أقلّ من خمس صلوات فلم يقدروا ولم يفعلوا كما في حديث الإسراء , وفي أمّة محمد ﷺ مَن يُصلي الخمس ثم يصلي من النوافل أضعافها , فصلاة محمد ﷺ وأمّته على أتمّ الوجوه وأكمل الأحوال؛ وقوله: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢] وكان لمحمد ﷺ من ذلك النصيب الأوفى والحظ الأسنى كما أوحى الله تعالى إليه في شأن أهل الكتاب أنه ﷺ ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: من الآية ١٥٧] فأخبر أنه مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل بهذه الصفات وكذلك صفة [ق ١٢/ظ] أمته في التوراة أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر (٣) , وقوله: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ [التوبة: من الآية ١١٢] قال ابن عباس ﵄: القائمون على طاعة الله (٤) , وهذا من خواص ما أوتي محمد ﷺ أنّ دينه لا يزال قائماً حتى تقوم الساعة كما في الصحيح: «لا تزال
следующие страницы →