فإن قلتَ: فهلّا وفَّقَهم للخروج الذي يحبّه ويرضاه، وهو الذي خرج عليه المؤمنون؟
قلتُ: قد تقدم جواب مثل هذا السؤال مرارًا، وأن حكمته سبحانه تأبى أن يضع التوفيق في غير محله وعند غير أهله، فالله أعلم حيث يجعل هداه وتوفيقه وفضله، وليس كل محلّ يصلح لذلك، ووضع الشيء في غير محله لا يليق بحكمته.
فإن قلتَ: وعلى ذلك: فهلّا جعل المَحالّ كلها صالحة؟
قلتُ: يأباه كمال ربوبيته وملكه، وظهور آثار أسمائه وصفاته في الخلق والأمر، وهو سبحانه لو فعل ذلك لكان محبوبًا له؛ فإنه يحب أن يُذكر ويُشكر ويُطاع ويُوحّد ويُعبد، ولكن كان ذلك يستلزم فوات ما هو أحب إليه من استواء أقدام الخلائق في الطاعة والإيمان، وهو محبته لجهاد أعدائه والانتقام منهم، وإظهار قدر أوليائه وشرفهم، وتخصيصهم بفضله، وبَذْل نفوسهم له في معاداة من عاداه، وظهور عزته وقدرته وسطوته، وشدّة أخذه، وأليم عقابه، وأضعاف أضعاف هذه الحكم التي لا سبيل للخلق ــ ولو تناهوا في العلم والمعرفة ــ إلى الإحاطة بها، ونسبة ما عقلوه منها إلى ما خفي عنهم كنقرة عصفور في بحر.
فصل
وأما التزيين، فقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨]، وقال: ﴿(٧) أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَأَىهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨]، وقال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣]،
стр. 387
فأضاف التزيين إليه سبحانه خلقًا ومشيئة، وحذف فاعله تارة، ونسبه إلى سببه (١) ومن أجراه على يده تارة، وهذا التزيين منه سبحانه حسن؛ إذ هو (٢) ابتلاء واختبار لعبيده؛ ليتميز المطيع منهم من العاصي، والمؤمن من الكافر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]، وهو من الشيطان قبيح.
وأيضًا فتزيينه سبحانه للعبد عمله السيئ عقوبة منه له على إعراضه عن توحيده وعبوديته، وإيثاره سيئ العمل على حَسَنِه؛ فإنه لابدّ أن يُعرّفه سبحانه السيئ من الحسن، فإذا آثر القبيح، واختاره وأحبَّه ورضيه لنفسه زيّنه سبحانه له، وأعماه عن رؤية قبحه بعد أن رآه قبيحًا، وكل ظالم وفاجر وفاسق لابد أن يريه الله تعالى ظلمه وفجوره وفسقه قبيحًا، فإذا تمادى عليه ارتفعت رؤية قبحه من قلبه، فربما رآه حسنًا عقوبة له؛ فإنه إنما يكشف له عن قبحه بالنور الذي في قلبه، وهو حجة الله عليه، فإذا تمادى في غيّه وظلمه ذهب ذلك النور، فلم ير قبحه في ظلمات الجهل والفسوق والظلم.
ومع هذا فحجة الله قائمة عليه بالرسالة، وبالتعريف الأول، فتزيين الربّ تعالى عدل، وعقوبته حكمة، وتزيين الشيطان إغواء وظلم، وهو السبب الخارج عن العبد، والسبب الداخل فيه حبّه وبغضه وإعراضه، والرب سبحانه خالق الجميع، والجميع واقع بمشيئته وقدرته، ولو شاء لهدى خلقه أجمعين، والمعصوم من عصمه الله، والمخذول من خذله الله، ﴿لَهُ الْخَلْقُ
стр. 388
وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
فصل
وأما عدم مشيئته سبحانه وإرادته، فكما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ [المائدة: ٤١]، وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣]، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]، وعدم مشيئته للشيء مستلزم لعدم وجوده، كما أن مشيئته له تستلزم وجوده، فما شاء الله وجب وجوده، وما لم يشأ امتنع وجوده.
وقد أخبر الله سبحانه أن العباد لا يشاؤون إلا بعد مشيئته، ولا يفعلون إلا بعد مشيئته، فقال: ﴿وَمَا يَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، وقال: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٥٦].
فإن قيل: ف هل يكون الفعل مقدورًا للعبد في حال عدم مشيئة الله له أن يفعله ؟
قيل: إن أريد بكونه مقدورًا: سلامة آلة العبد التي يتمكّن بها من الفعل، وصحة أعضائه، ووجود قواه، وتمكينه من أسباب الفعل، وتعريفه طريق فعله، وفتح الطريق له= فنعم، هو مقدور بهذا الاعتبار.
وإن أريد بكونه مقدورًا: القدرة المقارِنة للفعل، وهي الموجِبة له، التي إذا وجدت لم يتخلف عنها الفعل؛ فليس بمقدور بهذا الاعتبار.
وتقرير ذلك أن القدرة نوعان:
قدرة مُصَحِّحة، وهي قدرة الأسباب والشروط وسلامة الآلة، وهي
стр. 389
مناط التكليف، وهذه متقدمة على الفعل غير موجِبة له.
وقدرة مقارِنة للفعل مستلزِمة له، لا يتخلف الفعل عنها، وهذه ليست شرطًا في التكليف، فلا تتوقّف صحته وحسنه عليها، فإيمان من لم يشأ الله إيمانه، وطاعة من لم يشأ طاعته مقدور بالاعتبار الأول، غير مقدور بالاعتبار الثاني.
وبهذا التحقيق تزول الشبهة في تكليف ما لا يُطاق، كما يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
فإذا قيل: هل خَلَق لمن علم أنه لا يؤمن قدرة على الإيمان، أم لم يخلق له قدرة؟
قيل: خَلَق له قدرة مُصَحِّحة متقدِّمة على الفعل، هي مناط الأمر والنهي، ولم يخلق له قدرة موجِبة للفعل مستلزِمة له، لا يتخلّف عنها، فهذه فضله يؤتيه من يشاء، وتلك عدله التي تقوم بها حجته على عبده.
فإن قيل: فهل يمكنه الفعل ولم تُخْلَق له هذه القدرة؟
قيل: هذا هو السؤال السابق بعينه، وقد عرفت جوابه، وبالله التوفيق.
فصل
وأما إماتة قلوبهم، ففي قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]، وقوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وقوله: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: ٧٠]، وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، فوصف
стр. 390
الكافر بأنه ميت، وأنه بمنزلة أصحاب القبور، وذلك أن القلب الحيّ هو الذي يعرف الحق ويقبله ويحبه ويؤثره على غيره، فإذا مات القلب لم يبق فيه إحساس ولا تمييز بين الحق والباطل، ولا إرادة (١) للحق وكراهة للباطل، بمنزلة الجسد الميت الذي لا يحسّ بلذة الطعام والشراب وألم فقدهما.
ولذلك (٢) وصف سبحانه كتابه ووحيه بأنه روح؛ لحصول حياة القلب به، فيكون القلب حيًّا، ويزداد حياة بروح الوحي، فيحصل له حياة على حياة، ونور على نور، نور الوحي على نور الفطرة، قال تعالى: ﴿الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ﴾ [غافر: ١٥]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى: ٥٢]، فجعله روحًا لما يحصل به من الحياة، ونورًا لما يحصل به من الهدى والإضاءة، وذلك نور وحياة زائد على نور الفطرة وحياتها، فهو نور على نور، وحياة على حياة.
ولهذا يضرب سبحانه لمن عدم ذلك مثلًا بمستوقد النار التي ذهب عنه ضوؤها، وبصاحب الصَّيِّب الذي كان حظّه منه الصواعق والظلمات والرعد والبرق، فلا استنار بما أوقد من النار، ولا حيي بما في الصَّيِّب من الماء.
وكذلك ضرب هذين المثلين في "سورة الرعد" لمن استجاب له، فحصل على الحياة والنور، ولمن لم يستجب له وكان حظه الموت
стр. 391
والظُّلمة، وأخبر عمن أمسك عنه نوره بأنه في الظلمة ليس له من نفسه نور، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دِرِّيءٌ تَوَقَّدَ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)(١)﴾ [النور: ٣٥].
ثم ذكر من أمسك عنه هذا النور، ولم يجعله له، فقال: ﴿(٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ يَحْسِبُهُ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ﴾ [النور: ٣٩ - ٤٠].
وفي "المسند" من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل"، فلذلك أقول: جفّ القلم على علم الله (٢).
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: ٣٩]. وهذه الظلمات ضدّ الأنوار التي يتقلب فيها المؤمن، فإن نور الإيمان في قلبه، ومدخله نور، ومخرجه نور، وعمله نور، ومشيه في الناس بالنور، وكلامه نور، ومصيره إلى النور. والكافر بالضدّ.
стр. 392
ولما كان النور من أسمائه سبحانه وصفاته كان دينه نورًا، ورسوله نورًا، وكلامه نورًا، وداره نورًا تتلألأ، والنور يتوقد في قلوب عباده المؤمنين، ويجري على ألسنتهم، ويظهر على وجوههم.
وكذلك لما كان الإيمان صفته، واسمه المؤمن؛ لم يعطه إلا أحبّ خلقه إليه. وكذلك الإحسان صفته وهو المحسن، ويحب المحسنين، وهو صابر يحب الصابرين، شاكر يحب الشاكرين، عفو يحب أهل العفو، حيِيّ يحب أهل الحياء، سِتّير يحب أهل الستر، قوي يحب أهل القوة من المؤمنين، عليم يحب أهل العلم من عباده، جواد يحب أهل الجود، جميل يحب المتجمّلين، بَرّ يحب الأبرار، رحيم يحب الرحماء، عدل يحب أهل العدل، رشيد يحب أهل الرشد، وهو الذي جعل من يحبّه من خلقه كذلك، وأعطاه من هذه الصفات ما شاء، وأمسكها عمن يبغضه، وجعله على أضدادها، فهذا عدله، وذلك فضله، والله ذو الفضل العظيم.
فصل
وأما جعله القلب قاسيًا، فقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة: ١٣]، والقسوة: الشدّة والصلابة في كل شيء، يقال: حجر قاس، وأرض قاسية لا تنبت شيئًا.
قال ابن عباس: "قاسية عن الإيمان".
وقال الحسن: "طبع عليها" (١).
стр. 393
والقلوب ثلاثة: قلب قاس، وهو اليابس الصلب الذي لا يقبل صورة الحق، ولا تنطبع فيه ليبسه. وضده القلب الليّن المتماسك، وهو السليم من المرض، الذي يقبل صورة الحق بلينه، ويحفظها بتماسكه، بخلاف المريض الذي لا يحفظ ما ينطبع فيه؛ لميعانه ورخاوته، كالمائع الذي إذا طَبعتَ فيه الشيء قَبِل صورته بما فيه من اللِّيْن، ولكن رخاوته تمنعه من حفظها، فخير القلوب الصلب الصافي الليْن، فهو يرى الحق بصفائه، ويقبله بلينه، ويحفظه بصلابته.
وفي "المسند" (١) وغيره عن النبي ﷺ : "القلوب آنية الله في أرضه، فأحبها إليه أصلبها وأرقّها وأصفاها".
وقد ذكر سبحانه أنواع القلوب في قوله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٣ - ٥٤]، فذكر القلب المريض وهو الضعيف المنحل الذي لا تثبت فيه صورة الحق، والقلب القاسي اليابس الذي لا يقبلها ولا تنطبع فيه، فهذان القلبان شقيّان معذّبان.
стр. 394
ثم ذكر القلب المُخْبِت المطمئن إليه، وهو الذي ينتفع بالقرآن ويزكو به.
قال الكلبي: " ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ فترق للقرآن قلوبهم" (١).
وقد بيّن سبحانه حقيقة الإخبات ووصف المُخْبِتين في قوله: ﴿الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥].
فذكر للمُخْبِتين أربع علامات: وَجَل قلوبهم عند ذكره ـ والوَجَل: خوفٌ مقرون بهيبة ومحبّة ـ، وصبرهم على أقداره، وإتيانهم بالصلاة قائمة الأركان ظاهرًا وباطنًا، وإحسانهم إلى عباده بالإنفاق مما آتاهم، وهذا إنما يتأتّى للقلب المُخْبِت.
قال ابن عباس: "المُخْبِتين: المتواضعين" (٢).
وقال مجاهد: "المطمئنّين إلى الله" (٣).
وقال الأخفش: "الخاشعين" (٤).
стр. 395
وقال ابن جرير: "الخاضعين" (١).
قال الزَّجّاج: "اشتقاقه من الخَبْت وهو المنخفض من الأرض، فكل مُخْبِت متواضع، فالإخبات سكون الجوارح على وجه التواضع والخشوع لله تعالى" (٢).
فإن قيل: فإذا كان معناه التواضع والخشوع، فكيف عُدّي بـ "إلى" في قوله: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ٢٣]؟
قيل: ضُمِّن معنى: أنابوا واطمأنوا وتابوا، وهذه عبارات السلف في هذا الموضع.
والمقصود: أن القلب المُخْبِت ضدّ القاسي والمريض، وهو سبحانه الذي جعل بعض القلوب مُخْبِتًا إليه، وبعضها مريضًا، وبعضها قاسيًا، وجعل للقسوة آثارًا، وللإخبات آثارًا.
فمن آثار القسوة: تحريف الكلم عن مواضعه، وذلك من سوء الفهم وسوء القصد، وكلاهما ناشئ عن قسوة القلب، ومنها نسيان ما ذُكّر به، وهو تَرْك ما أُمرَ به علمًا وعملًا، ومن آثار الإخبات وجَل القلوب لذكره سبحانه، والصبر على أقداره، والإخلاص في عبوديته، والإحسان إلى خلقه.
فصل
وأما تضييق الصدر وجعله حرجًا لا يقبل الإيمان، فقال تعالى: ﴿فَمَنْ
стр. 396
يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، والحرج: هو الشديد الضيق في قول أهل اللغة جميعهم، يقال: رجلٌ حَرِجٌ وحَرَجٌ، أي: ضَيِّقُ الصدر، قال الشاعر:
لا حَرِج الصدرِ ولا عنيفُ (١)
قال عبيد بن عمير: قرأ ابن عباس هذه الآية فقال: هل ههنا أحد من بني بكر؟ قال رجل: نعم. قال: ما الحَرَجة فيكم؟ قال: الوادي الكثير الشجر الذي لا طريق فيه. فقال ابن عباس: كذلك قلب الكافر (٢).
وقرأ عمر بن الخطاب الآية فقال: ابغوني رجلًا من كنانة، واجعلوه راعيًا. فأتوه به، فقال له عمر: يا فتى، ما الحَرَجة فيكم؟ فقال: الشجرة تحدق بها الأشجار فلا تصل إليها راعية ولا وحشية. فقال عمر: كذلك قلب الكافر، لا يصل إليه شيء من الخير (٣).
قال ابن عباس: " ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾، إذا سمع ذكر الله اشْمَأزَّ قلبه ونفسه، وإذا ذُكِر شيء من عبادة الأصنام ارتاح إلى ذلك" (٤).
стр. 397
ولما كان القلب محلًّا للمعرفة والعلم والمحبة والإنابة، وكانت هذه الأشياء إنما تدخل في القلب إذا اتسع لها، فإذا أراد الله هداية عبده وسّع صدره وشرحه، فدخلت فيه وسكنته، وإذا أراد ضلاله ضيّق صدره وأحرجه، فلم يجد محلًّا يدخل فيه، فيعدل عنه ولا يساكنه، وكل إناء فارغ إذا دخل فيه الشيء ضاق به، وكلما أفرغت فيه الشيء ضاق، إلا القلب الليّن (١)، فكلما أُفْرِغ فيه الإيمان والعلم اتسع وانفسح، وهذا من آيات (٢) قدرة الرب تعالى.
وفي "الترمذي" وغيره (٣) عن النبي ﷺ : "إذا دخل النورُ القلبَ انفسح وانشرح"، قالوا: فما علامة ذلك يا رسول الله؟ قال: "الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله".
فَشَرْح الصدر من أعظم أسباب الهدى، وتضييقه من أسباب الضلال، كما أن شَرْحَه من أَجَلِّ النعم، وتضييقه من أعظم النقم، فالمؤمن مشروح الصدر منفسحه في هذه الدار على ما ناله من مكروهها، وإذا قوي الإيمان وخالط بشاشته القلوب كان على مكارهها أشرح صدرًا منه على شهواتها
стр. 398
ومحابها، فإذا فارقها كان انفساح روحه والشرح الحاصل له بفراقها أعظم بكثير، كحال من خرج من سجن ضيق إلى فضاء واسع موافق له؛ فإنها سجن المؤمن، فإذا بعثه الله يوم القيامة، رأى من انشراح صدره وسعته ما لا نسبة لما قبله إليه، فَشَرْح الصدر كما أنه سبب الهداية فهو أصل كل نعمة، وأساس كل خير.
وقد سأل كليمُ الرحمن موسى بن عمران ربَّه أن يشرح له صدره لما علم أنه لا يتمكن من تبليغ رسالته والقيام بأعبائها إلا إذا شرح له صدره.
وقد عدّد سبحانه من نعمه على خاتم أنبيائه ورسله شَرْح صدره له، وأخبر عن أتباعه أنه شَرَحَ صدورهم للإسلام.
فإن قلتَ: ف ما الأسباب التي تشرح الصدر، والتي تضيقه ؟
قلتُ: السبب الذي يشرح الصدر: النور الذي يقذفه الله سبحانه فيه، فإذا دخله ذلك النور اتسع بحسب قوة النور وضعفه، وإذا فقد ذلك النور أظلم وتضايق.
فإن قلتَ: ف هل يمكن اكتساب هذا النور، أم هو وَهْبي ؟
قلت: هو وَهْبي وكَسْبي، واكتسابه أيضًا مجرد موهبة من الله تعالى، فالأمر كله لله، والحمد كله له، والخير كله بيديه، وليس مع العبد من نفسه شيء البتَّة، بل الله واهب الأسباب ومسبباتها وجاعلها أسبابًا، ومانحها من يشاء، ومانعها من يشاء، فإذا أراد بعبده خيرًا وفقه لاستفراغ وسعه وبذل جهده في الرغبة والرّهبة إليه، فإنهما مادتا التوفيق، فعلى قدر قيام الرغبة والرّهبة في القلب يحصل التوفيق.
стр. 399
فإن قلتَ: فالرغبة والرهبة بيده لا بيد العبد!
قلتُ: نعم والله، وهما مجرد فضله ومنّته، وإنما يجعلهما في المحل الذي يليق بهما، ويحبسهما عمن لا يصلح.
فإن قلتَ: ف ما ذنب من لا يصلح ؟
قلتُ: أكبر ذنوبه أنه لا يصلح؛ لأن عدم صلاحيته بما اختاره لنفسه وآثره وأحبّه من الضلال والعمى (١) على بصيرة من أمره، فآثر هواه على حق ربّه ومرضاته، واستحب العمى على الهدى، وكان كُفْر المُنْعِم عليه بصنوف النعم، وجَحْد إلهيته والشرك به، والسعي في مساخطه؛ أحبَّ إليه من شكره وتوحيده، والسعي في مرضاته، فهذا من عدم صلاحيته لتوفيق خالقه ومالكه، وأي ذنب فوق هذا؟!
فإذا أمسك الحَكَمُ العدلُ توفيقه عمن هذا شأنه كان قد عَدَل فيه، وانسدَّت عليه أبواب الهداية وطرق الرشاد، فأظلم قلبه، فضاق عن دخول الإسلام والإيمان فيه، فلو جاءته كل آية لم تزده إلا ضلالًا وكفرًا.
وإذا تأمل من شرح الله صدره للإسلام والإيمان هذه الآية، وما تضمنته من أسرار التوحيد والقدر والعدل وعظمة شأن الربوبية؛ صار لقلبه عبودية أخرى ومعرفة خاصة، وعلم أنه عبد من كل وجه وبكل اعتبار، وأن الربّ تعالى ربّ كل شيء ومليكه من الأعيان والصفات والأفعال، والأمر كله بيده، والحمد كله له، وأزمّة الأمور بيديه، ومرجعها كلها إليه.
ولهذه الآية شأن فوق عقولنا، وأجلّ من أفهامنا، وأعظم مما قال فيها
стр. 400
المتكلمون الذين ظلموها معناها، وأنفسهم كانوا يظلمون. تالله لقد غلظ عنها حجابهم، وكثفت عنها أفهامهم، ومنعتهم الوصولَ إلى المراد بها أصولُهم التي أصّلوها، وقواعدُهم التي أسّسوها؛ فإنها تضمنت إثبات التوحيد والعدل الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، لا التوحيد والعدل الذي يقوله معطلو الصفات ونفاة القدر، وتضمنت إثبات الحكمة، والقدرة، والشرع، والقدر، والسبب، والحكم، والذنب، والعقوبة، ففتحت للقلب الصحيح بابًا واسعًا من معرفة الرب تعالى بأسمائه، وصفات كماله، ونعوت جلاله، وحكمته في شرعه وقدره، وعدله في عقابه، وفضله في ثوابه.
وتضمنت كمال توحيده في ربوبيته (١) وقيّوميته وإلهيته، وأن مصادر الأمور كلها عن محض إرادته، ومردّها إلى كمال حكمته، وأن المهتدي من خصّه بهدايته، وشرح صدره لدينه وشريعته، وأن الضال من جعل صدره ضيقًا حرجًا عن معرفته ومحبته، كأنما تصاعد في السماء، وليس ذلك في قدرته، وأن ذلك عدل منه في عقوبته لمن لم يقدره حق قدره، وجحد كمال ربوبيته، وكفر بنعمته، وآثر عبادة الشيطان على عبوديته، فَسدَّ عليه باب توفيقه وهدايته، وفتح عليه أبواب غيّه وضلالته، فضاق صدره، وقسا قلبه، وتعطلت من عبودية ربِّها جوارحه، وامتلأت بالظلمة جوانحه.
والذنب له حيث أعرض عن الإيمان، واستبدل به الكفر والفسوق والعصيان، ورضي بموالاة الشيطان، وهانت عليه معاداة الرحمن، لا يحدّث نفسه بالرجوع إلى مولاه، ولا يعزم يومًا على إقلاعه عن هواه، قد ضادّ الله في أمره بحب ما يبغضه، وببغض ما يحبه، ويوالي من يعاديه، ويعادي من يواليه،
стр. 401
فيغضب إذا رضي الربّ، ويرضى إذا غضب، هذا وهو يتقلب في إحسانه، ويسكن في داره، ويغتذي برزقه، ويتقوى على معاصيه بنعمه.
فمَنْ أعدلُ منه ــ سبحانه عما يصفه به الجاهلون والظالمون ــ إذا جعل الرجس على أمثال هؤلاء من الذين لا يؤمنون؟!
فصل
إذا شرح اللهُ صدرَ عبده بنوره الذي يقذفه في قلبه أراه في ضوء ذلك النور حقائق الأسماء والصفات التي تصل إليها معرفة العبد؛ إذ لا يمكن أن يعرفها العبد على ما هي عليه في نفس الأمر، وأراه في ضوء ذلك النور حقائق الإيمان، وحقائق العبودية وما يصححها وما يفسدها.
وتفاوُت الناس في معرفة الأسماء والصفات، والإيمان والإخلاص، وأحكام العبودية بحسب تفاوتهم في هذا النور، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وقال: ﴿آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٨].
فيكشف لقلب المؤمن في ضوء ذلك النور عن حقيقة المثل الأعلى، مستويًا على عرش الإيمان في قلب العبد المؤمن، فيشهد بقلبه ربًّا عظيمًا قاهرًا قادرًا، أكبر من كل شيء في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله، السماوات السبع قبضة إحدى يديه، والأرضون السبع قبضة اليد الأخرى، يمسك السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر على أصبع، والثرى على أصبع، ثم يهزّهن، ثم يقول: أنا الملك. فالسماوات
стр. 402
السبع في كفه كخردلة في كفّ العبد.
يحيط ولا يحاط به، ويحصر خلقه ولا يحصرونه، ويدركهم ولا يدركونه، لو أن الناس من لدن آدم إلى آخر الخلق قاموا صفًّا واحدًا ما أحاطوا به سبحانه.
ثم يشهده في علمه فوق كل عليم، وفي قدرته فوق كل قدير، وفي جوده فوق كل جواد، وفي رحمته فوق كل رحيم، وفي جماله فوق كل جميل، حتى لو كان جمال الخلائق كلهم على شخص واحد منهم، ثم أُعطي الخلق كلهم مثل ذلك الجمال؛ لكان نسبته إلى جمال الرب ﵎ دون نسبة سراج ضعيف إلى ضوء الشمس.
ولو اجتمعت قوى الخلائق على شخص واحد منهم، ثم أُعطي كلٌّ منهم مثل تلك القوة؛ لكان نسبتها إلى قوته سبحانه دون نسبة قوة البعوضة إلى الأسد.
ولو كان جودهم على رجل واحد، وكل الخلائق على ذلك الجود؛ لكانت نسبته إلى جوده دون نسبة قطرة إلى البحر.
وكذلك علم الخلائق إذا نُسِب إلى علمه كان كنقرة عصفور من البحر.
وهكذا سائر صفاته، كحياته وسمعه وبصره وإرادته، فلو فرض البحر المحيط بالأرض مدادًا تحيط به سبعة أبحر، وجميع أشجار الأرض شيئًا بعد شيء أقلام؛ لفني ذلك المداد والأقلام، ولا تفنى كلماته ولا تنفد، فهو أكبر في علمه من كل عالم، وفي قدرته من كل قادر، وفي جوده من كل جواد، وفي غناه من كل غني، وفي علوه من كل عال، وفي رحمته من كل رحيم.
стр. 403
استوى على عرشه، واستولى على خلقه، متفرّد بتدبير مملكته، فلا قبض ولا بسط، ولا عطاء ولا منع، ولا هدى ولا ضلال، ولا سعادة ولا شقاوة، ولا موت ولا حياة، ولا نفع ولا ضر إلا بيده، لا مالك غيره، ولا مدبر سواه، لا يستقل أحد معه بملك مثقال ذرة في السماوات والأرض، ولا يشركه في ملكها، ولا يحتاج إلى وزير ولا ظهير ولا معين، ولا يغيب فيخلفه غيره، ولا يعيى (١) فيعينه سواه، ولا يتقدم أحد بالشفاعة بين يديه إلا من بعد إذنه لمن شاء فيمن شاء.
فهذا أول مشاهد المعرفة.
ثم يترقى منه إلى مشهد آخر فوقه، لا يتم الإيمان إلا به، وهو مشهد الإلهية، فيشهده سبحانه متجلّيًا في كلامه بأمره ونهيه، ووعده ووعيده، وثوابه وعقابه، وعدله في عقابه، وفضله في ثوابه، فيشهد ربًّا قيّومًا متكلّمًا، آمرًا ناهيًا، يحبّ ويبغض، ويرضى ويغضب، قد أرسل رسله، وأنزل كتبه، وأقام على عباده حجته البالغة، وأتم عليهم نعمته السابغة، يهدي من يشاء نعمة منه وفضلًا، ويضل من يشاء حكمة منه وعدلًا، تنزل إليهم أوامره، وتعرض عليه أعمالهم، لم يخلقهم عبثًا، ولم يتركهم سدى، بل أَمْره جارٍ عليهم في حركاتهم وسكناتهم، وظواهرهم وبواطنهم، فلله عليهم حُكْم وأَمْر في كل تحريكة وتسكينة، ولحظة ولفظة.
وينكشف له في ضوء هذا النور عدله وحكمته، ورحمته ولطفه، وإحسانه وبرّه، في شرعه وأحكامه، وأنها أحكام ربّ رحيم محسن لطيف
стр. 404
حكيم، قد بهرت حكمته العقول، وأقرت بها الفطر، وشهدت لمنزلها بالوحدانية، ولمن جاء بها بالرسالة والنبوة.
وينكشف له في ضوء ذلك النور إثبات صفات الكمال، وتنزيهه سبحانه عن النقائص والمثال، وأن كل كمال في الوجود فمعطيه وخالقه أحق به وأولى، وكل نقص وعيب فهو سبحانه منزّه عنه، متعال عنه.
وينكشف له في ضوء هذا النور حقائق المعاد واليوم الآخر، وما أخبر به الرسول عنه، حتى كأنه يشاهده عيانًا، وكأنه يخبر عن الله وأسمائه وصفاته، وأمره ونهيه، ووعده ووعيده؛ إخبارَ من كأنه قد رأى وعاين وشاهد ما أخبر به.
فمن أراد الله سبحانه هدايته شرح صدره لهذا، فاتسع له وانفسح، ومن أراد ضلالته جعل صدره من ذلك في ضيق وحرج، لا يجد فيه مسلكًا ولا منفذًا، والله الموفق المعين.
وهذا الباب يكفي اللبيب في معرفة القدر والحكمة، ويطلعه على العدل والتوحيد اللذيْن تضمنهما قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٨ - ١٩].
* * * *
стр. 405
الباب السادس عشر
ما جاء من السنة في تفرد الرب تعالى بخلق أعمال العباد كما هو متفرد بخلق ذواتهم وصفاتهم
قال البخاري في كتاب "خلق أفعال العباد" (١): حدثنا علي بن عبد الله، ثنا مروان بن معاوية، ثنا أبو مالك، عن رِبْعِي بن حِرَاش، عن حذيفة قال: قال النبي ﷺ : "إن الله يصنع كل صانع وصنعته"، قال البخاري: وتلا بعضهم عند ذلك: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦].
حدثنا محمد، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن شَقِيق، عن حذيفة نحوه موقوفًا عليه.
وأما استشهاد بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾، فحَمَلَ "ما" على المصدر، أي: خلقكم وأعمالكم، والظاهر خلاف هذا، وأنها موصولة، أي: خلقكم وخلق الأصنام التي تعملونها، فهو يدل على خلق أعمالهم من جهة اللزوم؛ فإن الصنم اسم للآلة التي حل فيها العمل المخصوص، فإذا كان مخلوقًا لله كان خلقه متناولًا لمادته وصورته.
قال البخاري: وحدثنا عمرو بن محمد، ثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن طاووس، عن ابن عمر (٢): "كل شيء بقدر حتى وضعك يدك على
стр. 406
خدك" (١).
قال البخاري: وحدثني إسماعيل، قال: حدثني مالك، عن زياد بن سعد، عن عمرو بن مسلم، عن طاووس قال: "أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس" (٢).
ورواه مسلم في "صحيحه" (٣) عن طاووس، وقال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : "كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس" (٤).
قال البخاري: وقال ليث: عن طاووس، عن ابن عباس: " ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] حتى العجز والكيس".
قال البخاري: سمعت عبيد الله بن سعيد يقول: سمعت يحيى بن سعيد يقول: ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: "أفعال العباد مخلوقة".
قال البخاري: "حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة" (٥).
وقال جابر بن عبد الله: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور،
стр. 407
كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: "إذا همّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فيسّره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم رضِّني به"، قال: "ويسمي حاجته"، قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح" (١).
فقوله: "إذا هَمَّ أحدُكم بالأمر" صريحٌ في أنه الفعل الاختياري المتعلق بإرادة العبد.
وإذا عُلِم ذلك، فقوله: "أستقدرك بقدرتك" أي: أسألك أن تقدرني على فعله بقدرتك، ومعلوم أنه لم يسأل القدرة المُصَحِّحة التي هي سلامة الأعضاء وصحة البِنْيَة، وإنما سأل القدرة التي توجب الفعل، فعلم أنها مقدورة لله ومخلوقة له، وأكد ذلك بقوله: "فإنك تقدر ولا أقدر" أي: تقدر أن تجعلني قادرًا فاعلًا، ولا أقدر أجعل نفسي كذلك.
وكذلك قوله: "تعلم ولا أعلم" أي: حقيقة العلم بعواقب الأمور، ومآلها والنافع منها والضار عندك، وليس عندي.
وقوله: "يسّره لي، أو اصرفه عني" فإنه طَلَبَ من الله تيسيره إن كان له فيه
стр. 408
مصلحة، وصَرْفه عنه إن كان عليه فيه مفسدة. وهذا التيسير (١) والصرف متضمن إلقاء داعية الفعل في القلب، أو إلقاء داعية الترك فيه، ومتى حصلت داعية الفعل حصل الفعل، وداعية الترك امتنع الفعل.
وعند القدرية ترجيح فاعلية العبد على تركه منه، ليس للرب فيه صنع ولا تأثير، فطَلَبُ هذا التيسير منه لا معنى له عندهم؛ فإن تيسير الأسباب التي لا قدرة للعبد عليها موجود، ولم يسأله العبد.
وقوله: "ثم رضِّني به" يدل على أن حصول الرضا ــ وهو فعل اختياري من أفعال القلوب ــ أمر مقدور للرب تعالى، وهو الذي يلقيه في قلب عبده فيجعله راضيًا.
وعند القدرية هو الذي يجعل نفسه راضيًا.
وقوله: "فاصرفه عني واصرفني عنه" صريحٌ في أنه سبحانه هو الذي يصرف عبده عن فعله الاختياري إذا شاء صرفه عنه، كما قال سبحانه في حق يوسف الصديق: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾ [يوسف: ٢٤]، وصَرْف السوء والفحشاء هو صَرْف دواعي القلب وميله إليهما، فينصرفان عنه بصَرْف دواعيهما.
وقوله: "واقدر لي الخير حيث كان" يعم الخير المقدور للعبد من طاعاته، وغير المقدور له، فعُلِم أن فعل العبد للطاعة والخير أمر مقدور لله، إن لم يقدره الله لعبده لم يقع من العبد.
ففي هذا الحديث الشفاء في مسألة القدر.
стр. 409
وأمَرَ النبي ﷺ الداعي به أن يقدم بين يدي هذا الدعاء ركعتين، عبودية منه بين يدي نجواه، وأن تكونا من غير الفريضة؛ ليتجرد فعلهما لهذا الغرض المطلوب.
ولما كان الفعل الاختياري متوقّفًا على العلم والقدرة والإرادة، لا يحصل إلا بها؛ توسّل الداعي إلى الله بعلمه وقدرته وإرادته التي يؤتيه بها من فضله، وأكد هذا المعنى بتجرده وبراءته من ذلك، فقال: "إنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر"، وأَمَرَ الداعي أن يعلق التيسير والصرف بالشرط ـ وهو علم الله سبحانه ـ تحقيقًا للتفويض إليه، واعترافًا بجهل العبد بعواقب الأمور، كما اعترف بعجزه، ففي هذا الدعاء إعطاء العبودية حقها، وإعطاء الربوبية حقها، وبالله المستعان.
وفي الترمذي (١) وغيره من حديث الحسن بن علي قال: علمني رسول الله ﷺ كلمات أقولهن في الوتر: "اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرّ ما قضيت، إنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، تبارك وتعاليت".
فقوله: "اهدني" سؤال للهداية المطلقة التي لا يتخلف عنها الاهتداء.
وعند القدرية أن الربّ ــ عن قولهم ــ لا يقدر على هذه الهداية، وإنما يقدر على هداية البيان والدلالة المشتركة بين المؤمنين والكفار.
стр. 410
وقوله: "فيمن هديت" فيه فوائد:
أحدها: أنه سؤال له أن يدخله في جملة المهتدين وزمرتهم ورفقتهم.
الثانية: توسل إليه بإحسانه وإنعامه، أي: إنك قد هديت من عبادك بشرًا كثيرًا فضلًا منك وإحسانًا، فأحسن إليّ كما أحسنت إليهم، كما يقول الرجل للمَلِك: اجعلني من جملة من أغنيتَه وأعطيتَه وأحسنتَ إليه.
الثالثة: أن ما حصل لأولئك من الهدى لم يكن منهم ولا بأنفسهم، وإنما كان منك، فأنت الذي هديتهم.
وقوله: "وعافني فيمن عافيت" إنما يسأل ربّه العافية المطلقة، وهي العافية من الكفر والفسوق والعصيان والغفلة والإعراض، وفعل ما لا يحبه، وترك ما يحبه، فهذا حقيقة العافية، ولهذا ما سُئل الربّ سبحانه شيئًا أحب إليه من العافية؛ لأنها كلمة جامعة للتخلص من الشرّ كله وأسبابه.
وقوله: "وتولّني فيمن تولّيت" سؤال للتولّي الكامل، ليس المراد به ما فعله بالكافر من خَلْق القدرة وسلامة الآلة وبيان الطريق، فإن كان هذا هو ولايته للمؤمنين فهو ولي الكفار كما هو ولي المؤمنين، وهو سبحانه يتولّى أولياءه بأمور لا توجد في حق الكفار؛ من توفيقهم وإلهامهم وجعلهم مهتدين مطيعين.
ويدل عليه قوله: "إنه لا يذل من واليت"؛ فإنه منصور عزيز غالب بسبب تولّيك له، وفي هذا تنبيه على أن من حصل له ذلّ في الناس فهو بنقصان ما فاته من تولي الله له، وإلا فمع الولاية الكاملة ينتفي الذل كلّه، ولو سُلّط عليه بالأذى مَن بأقطارها فهو العزيز غير الذليل.
стр. 411
وقوله: "وقني شرَّ ما قضيت" يتضمن أن الشرّ بقضائه، وأنه هو الذي يقي منه.
وفي "المسند" (١) وغيره أن رسول الله ﷺ قال لمعاذ بن جبل: "يا معاذ، والله إني لأحبك، فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أَعِنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"، وهذه أفعال اختيارية، وقد سأل الله أن يعينه على فعلها.
وهذا الطلب لا معنى له عند القدرية؛ فإن الإعانة عندهم: الإقدار، والتمكين، وإزاحة الأعذار، وسلامة الآلة، وهذا حاصل للسائل وللكفار أيضًا، والإعانة التي سألها أن يجعله ذاكرًا له، شاكرًا، محسنًا لعبادته، كما في حديث ابن عباس عنه ﷺ في دعائه المشهور: "رب، أعنِّي ولا تعن عليَّ، وانصرني ولا تنصر عليّ، وامكر لي ولا تمكر عليّ، واهدني ويسّر الهدى لي، وانصرني على من بغى علي (٢)، رب اجعلني لك شكّارًا، لك ذكّارًا، لك رهّابًا، لك مِطْواعًا، لك مُخْبِتًا، إليك أوّاهًا منيبًا، رب، تقبل توبتي، واغسل حَوْبتي، وأجب دعوتي، وثبّت حجّتي، واهد قلبي، وسدّد لساني، واسلل سَخِيمة صدري" رواه الإمام أحمد في "المسند"، والترمذي وقال: "حديث حسن صحيح" (٣)، وفيه أحد وعشرون دليلًا، فتأملها.
стр. 412
وفي "الصحيحين" (١) أنه ﷺ كان يقول بعد انقضاء صلاته: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجَدّ منك الجَدّ"، وكان يقول ذلك الدعاء عند اعتداله من الركوع، ففي هذا نفي الشريك عنه بكل اعتبار، وإثبات عموم الملك له بكل اعتبار، وإثبات عموم الحمد، وإثبات عموم القدرة، وأن الله سبحانه إذا أعطى عبدًا فلا مانع له، وإذا منعه فلا معطي له.
وعند القدرية أن العبد قد يمنع مَن أعطى الله، ويعطي مَن منعه؛ فإنه يفعل باختياره عطاءً ومنعًا لم يشأه الله، ولم يجعله معطيًا مانعًا، فيتصور أن يكون لمن أعطى مانع، ولمن منع معطٍ.
وفي الصحيح عنه أن رجلًا سأله أن يدله على عمل يدخل به الجنة، فقال: "إنه ليسير على من يسّره الله عليه" (٢)، فدلَّ على أن التيسير الصادر من قبله سبحانه يوجب اليسر في العمل، وعدم التيسير يستلزم عدم العمل؛ لأنه ملزومه، والملزوم ينتفي لانتفاء لازمه، والتيسير بمعنى التمكين، وخَلْق العقل، وإزاحة العذر، وسلامة الأعضاء؛ حاصل للمؤمن والكافر، والتيسير المذكور في الحديث أمر آخر وراء ذلك، وبالله التوفيق والتيسير.
стр. 413
وفي "الصحيح" (١) عنه ﷺ أنه قال لأبي موسى: "ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ولا قوة إلا بالله"، وقد أجمع المسلمون على هذه الكلمة وتلقيها بالقبول، وهي شافية كافية في إثبات القدر، وإبطال قول القدرية.
وفي بعض الحديث إذا قالها العبد قال الله: "أسلم عبدي واستسلم" (٢)، وفي بعضه: "فوَّض إليّ عبدي" (٣).
قال بعض المنتسبين للقدر: لما كانت القدرة بالنسبة إلى الفعل وإلى الترك على السويّة، وما دام الأمر كذلك امتنع صدور الفعل، فإذا رَجَح جانب الفعل على الترك بحصول الدواعي، وإزالة الصوارف حصل الفعل، وهذه القوة هي المشار إليها بقولنا: لا حول ولا قوة إلا بالله.
وشأن الكلمة أعظم مما قال؛ فإن العالم العلوي والسفلي كله في تحوّل من حال إلى حال، وذلك التحوّل لا يقع إلا بقوة يقع بها التحوّل، فذلك (٤) الحول وتلك القوة عليه بالله وحده ليست بالتحوّل، فيدخل في هذا كل حركة في العالم العلوي والسفلي، وكل قوة على تلك الحركة، سواء كانت الحركة قسرية أو إرادية أو طبيعية، وسواء كانت من الوسط أو إلى الوسط أو على الوسط، وسواء كانت في الكَمّ أو في الكيف أو في الأين، كحركة النبات،
стр. 414
وحركة الطبيعة، وحركة الحيوان، وحركة الفَلَك، وحركة النفس والقلب، والقوة على هذه الحركات التي هي حَوْل، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ولما كان الكنز هو المال النفيس المجتمع الذي يخفى على أكثر الناس، وكان هذا شأن هذه الكلمة؛ كانت كنزًا من كنوز الجنة، وأوتيها النبي ﷺ من كنز تحت العرش، وكأن قائلها أسلم واستسلم لمن أزمَّة الأمور بيديه، وفوّض إليه.
وفي "المسند" و"السنن" (١) عن ابن الديلمي قال: أتيت أبيّ بن كعب فقلت: في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من قلبي. فقال: إن الله لو عذّب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبًا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير ذلك لكنت من أهل النار. قال: فأتيت عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت؛ فكل منهم حدثني بمثل ذلك عن رسول الله ﷺ .
وهذا الحديث حديث صحيح، رواه الحاكم في "صحيحه"، وله شأن عظيم، وهو دالٌّ على أن من تكلم به أعرف الخلق بالله، وأعظمهم له توحيدًا، وأكثرهم له تعظيمًا، وفيه الشفاء التام في باب العدل والتوحيد؛ فإنه لا يزال يجول في نفوس كثير من الناس كيف يجتمع القضاء والقدر، والأمر والنهي؟ وكيف يجتمع العدل والعقاب على المَقْضِي المُقَدَّر الذي لا بدّ للعبد من
стр. 415
فعله؟
ثم سلك كل طائفة في هذا المقام واديًا وطريقًا.
فسلكت الجبرية وادي الجَبْر وطريق المشيئة المحضة التي تُرَجِّح مِثْلًا على مِثْل من غير اعتبار علة، ولا غاية، ولا حكمة.
قالوا: وكل ممكن عدل، والظلم هو الممتنع لذاته، فلو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لكان متصرفًا في ملكه، والظلم تصرف القادر في غير ملكه، وذلك مستحيل عليه سبحانه.
قالوا: ولما كان الأمر راجعًا إلى محض المشيئة لم تكن الأعمال سببًا للنجاة، فكانت رحمته للعباد هي المستقلة بنجاتهم لا أعمالهم، فكانت رحمته خيرًا من أعمالهم، وهؤلاء راعوا جانب المُلْك، وعطّلوا جانب الحمد، والله سبحانه له المُلْك وله الحمد.
وسلكت القدرية وادي العدل والحكمة، ولم يوفّوه حقه، وعطّلوا جانب التوحيد والمُلْك، وحاروا في هذا الحديث، ولم يدروا ما وجهه، وربما قابله كثير منهم بالتكذيب والردّ له، وأن الرسول لم يقل ذلك.
قالوا: وأيُّ ظلم يكون أعظم من تعذيب من استنفذ أوقات عمره كلّها، واستفرغ قواه في طاعته، وفعل ما يحبّه، ولم يعصه طرفة عين، وكان يعمل بأمره دائمًا، فكيف يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: إن تعذيب هذا يكون عدلًا لا ظلمًا؟!
قالوا: ولا يقال: إن حقّه عليهم وما ينبغي له أعظم من طاعاتهم، فلا تقع تلك الطاعات في مقابلة نعمه وحقوقه، فلو عذبهم لعذبهم بحقّه عليهم؛ لأنهم
стр. 416
إذا فعلوا مقدورهم من طاعته لم يُكلَّفوا بغيره، فكيف يُعذَّبون على ترك ما لا قدرة لهم عليه، وهل ذلك إلا بمنزلة تعذيبهم على كونهم لم يَخْلقوا السماوات والأرض، ونحو ذلك مما لا يدخل تحت مقدورهم؟!
قالوا: فلا وجه لهذا الحديث إلا ردّه، أو تأويله وحمله على معنى يصح، وهو أنه لو أراد تعذيبهم لجعلهم أمة واحدة على الكفر، فلو عذبهم في هذه الحال لكان غير ظالم لهم، وهو لم يقل: لو عذّبهم مع كونهم (١) مطيعين له، عابدين له؛ لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ثم أخبر أنه لو عمّهم بالرحمة لكانت رحمته لهم خيرًا من أعمالهم، ثم أخبر أنه لا يُقبل من العبد عملٌ حتى يؤمن بالقدر، والقدر هو علم الله بالكائنات وحكمه فيها.
ووقفت طائفة أخرى في وادي الحيرة بين القدر والأمر، والثواب والعقاب، فتارة يغلب عليهم شهودُ القدر فيغيبون به عن الأمر، وتارة يغلب عليهم شهودُ الأمر فيغيبون به عن القدر، وتارة يبقون في حيرة وعمى.
وهذا كله إنما سببه الأصول الفاسدة، والقواعد الباطلة التي بنوا عليها، ولو جمعوا بين المُلْك والحمد، والربوبية والإلهية، والحكمة والقدرة، وأثبتوا له الكمال المطلق، ووصفوه بالقدرة التامة الشاملة، والمشيئة العامة النافذة التي لا يوجد كائن إلا بعد وجودها، والحكمة البالغة التي ظهرت في كل موجود= لعلموا حقيقة الأمر، وزالت عنهم الحيرة، ودخلوا إلى الله سبحانه من باب أوسع من السماوات السبع، وعرفوا أنه لا يليق بكماله المقدس إلا ما أخبر به عن نفسه على ألسنة رسله، وأن ما خالفه ظنون كاذبة،
стр. 417
وأوهام باطلة، تولّدت من بين أفكار باطلة، وآراء مظلمة، فنقول وبالله التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا به:
الربّ تبارك اسمه وتعالى جَدّه ولا إله غيره هو المنعم على الحقيقة بصنوف النعم التي لا يحصيها أهل سماواته وأرضه، فإيجادهم نعمة منه، وجعلهم أحياء ناطقين نعمة منه، وإعطاؤهم الأسماع والأبصار والعقول نعمة منه، وإدرار الأرزاق عليهم على اختلاف أنواعها وأصنافها نعمة منه، وتعريفهم نفسه بأسمائه وصفاته وأفعاله نعمة منه، وإجراء ذكره على ألسنتهم ومحبته ومعرفته على قلوبهم نعمة منه، وحفظهم بعد إيجادهم نعمة منه، وقيامه بمصالحهم دقيقها وجليلها نعمة منه، وهدايتهم إلى أسباب مصالحهم ومعاشهم نعمة منه. وذِكْر نعمه على سبيل التفصيل لا سبيل إليه، ولا قدرة للبشر عليه.
ويكفي أن النّفَس من أدنى نعمه التي لا يكادون يعتدّون بها، وهو أربعة وعشرون ألف نَفَس في كل يوم وليلة، فلله على العبد في النّفَس خاصة أربعة وعشرون ألف نعمة كل يوم وليلة، دع ما عدا ذلك من أصناف نعمه على العبد.
ولكل نعمة من هذه النعم حق من الشكر يستدعيه ويقتضيه، فإذا وُزّعت طاعات العبد كلها على هذه النعم لم يَخْرُج في قسط (١) كل نعمة منها إلا جزءًا يسيرًا جدًّا، لا نسبة له إلى قدر تلك النعمة بوجه من الوجوه.
قال أنس بن مالك: "يُنشر للعبد يوم القيامة ثلاثة دواوين: ديوان فيه
стр. 418
ذنوبه، وديوان فيه النعم، وديوان فيه العمل الصالح، فيأمر الله تعالى أصغر نعمة من نعمه فتقوم فتستوعب عمله كله، ثم تقول: أي ربِّ، وعزتك وجلالك ما استوفيت ثمني. وقد بقيت الذنوب والنعم؛ فإذا أراد الله بعبد خيرًا قال: ابنَ آدم، ضعَّفْتُ حسناتك، وتجاوزتُ عن سيئاتك، ووهبتُ لك نعمي فيما بيني وبينك" (١).
وفي "صحيح الحاكم" (٢) حديث صاحب الرمّانة الذي عَبَدَ الله خمسمائة سنة، يأكل كل يوم رمّانة تخرج له من شجرة، ثم يقوم إلى صلاته، فيسأل ربَّه وقت الأجل أن يقبضه ساجدًا، وأن لا يجعل للأرض عليه سبيلًا حتى يُبعث وهو ساجد، فإذا كان يوم القيامة وقف بين يدي الربّ، فيقول تعالى: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي. فيقول: يا ربِّ، بل بعملي. فيقول: أدخلوا عبدي الجنة برحمتي. فيقول: ربِّ، بل بعملي. فيقول الربّ ﷻ : قايسوا عبدي بنعمتي عليه وبعمله. فتوجد نعمة البصر قد أحاطت بعبادة خمسمائة سنة، وبقيت نعمة الجسد فضلًا عليه. فيقول: أدخلوا عبدي النار. فيُجرّ إلى النار، فينادي: ربِّ، برحمتك، ربِّ، برحمتك أدخلني الجنة. فيقول: رُدّوه. فيوقف بين يديه، فيقول: يا عبدي، من خلقك ولم تكن شيئًا؟ فيقول: أنت يا ربِّ. فيقول: من قوّاك على عبادة خمسمائة سنة؟ فيقول: أنت يا ربِّ. فيقول: من أنزلك في جبل وسط اللُّجَّة؟ وأخرج لك الماء العذب من
стр. 419
الماء المالح؟ وأخرج لك كل يوم رمّانة، وإنما تخرج مرّة في السنة؟ وسألتني أن أقبضك ساجدًا ففعلت ذلك بك. فيقول: أنت يا ربِّ. فيقول الله: فذلك برحمتي، وبرحمتي أدخلك الجنة".
رواه من طريق يحيى بن بُكَير، ثنا الليث بن سعد، عن سليمان بن هرم، عن محمد بن المنكدر، عن جابر عن النبي ﷺ ، والإسناد صحيح، ومعناه صحيح لا ريب فيه.
فقد صحّ عنه ﷺ أنه قال: "لن ينجو أحدٌ منكم بعمله"، وفي لفظ: "لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل" (١).
فقد أخبر ﷺ أنه لا ينجي أحدًا عمُلُه، لا من الأولين ولا من الآخرين، إلا أن يرحمه ربه ﵎، فتكون رحمته له خيرًا من عمله؛ لأن رحمته تنجّيه، وعمله لا ينجّيه، فعُلِم أنه سبحانه لو عذّب أهل سماواته وأرضه لعذّبهم ببعض حقه عليهم.
ومما يوضحه: أنه كلما كملت نعمة الله على العبد عظم حقّه عليه، وكان ما يُطَالَب به من الشكر أكثر مما يُطَالَب به مَنْ هو دونه، فيكون حق الله عليه أعظم، وأعماله لا تفي بحقه عليه، وهذا إنما يعرفه حق المعرفة مَنْ عرف الله وعرف نفسه.
هذا كله لو لم يحصل للعبد من الغفلة والإعراض والذنوب ما يكون في قبالة طاعاته، فكيف إذا حصل له من ذلك ما يوازي طاعاته أو يزيد عليها؟!
стр. 420
فإن من حق الله على عبده أن يعبده لا يشرك به شيئًا، وأن يذكره ولا ينساه، وأن يشكره ولا يكفره، وأن يرضى به ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا، وليس الرضا بذلك مجرد إطلاق هذا اللفظ، وحاله وإرادته تكذبه وتخالفه، فكيف يرضى به ربًّا مَنْ يتسخّط ما يقضيه له إذا لم يكن موافقًا لإرادته وهواه، فيظل ساخطًا به مُتبَرِّمًا، يرضى وربه غضبان، ويغضب وربّه راض، فهذا إنما رضي بحظه من ربه حظَّ [من] لم يرض (١) بالله ربًّا.
وكيف يدّعي الرضا بالإسلام دينًا مَنْ ينبذ أصوله خلف ظهره إذا خالفت بدعته وهواه، وفروعه وراءه إذا لم توافق غرضه وشهوته؟!
وكيف يصح الرضا بمحمد رسولًا لمن لم يحكّمه على ظاهره وباطنه، ويتلقَّ أصول دينه وفروعه من مشكاته وحده؟!
وكيف يرضى به رسولًا من يترك ما جاء به لقول غيره، ولا يترك قول غيره لقوله، ولا يحكّمه ويحتج بقوله إلا إذا وافق تقليده ومذهبه، فإذا خالفه لم يلتفت إلى قوله؟!
والمقصود أن من حقه سبحانه على كل أحد من عبيده أن يرضى به ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا، وأن يكون حبه كله لله، وبغضه في الله، وقوله لله، وفعله لله، وتركه لله، وأن يذكره ولا ينساه، ويطيعه ولا يعصيه، ويشكره ولا يكفره.
وإذا قام بذلك كله كانت نعم الله عليه أكثر من عمله، بل ذلك نفسه من
стр. 421
نعم الله عليه، حيث وفّقه له، ويسَّره وأعانه عليه، وجعله من أهله، واختصه به على غيره، فهو يستدعي شكرًا آخر عليه، فلا سبيل له إلى القيام بما يجب لله من الشكر أبدًا، فنعم الله تطالبه بالشكر، وأعماله لا تقابلها، وذنوبه وغفلته وتقصيره قد تستنفذ عمله. فديوان النعم وديوان الذنوب يستنفذان طاعاته كلها.
هذا وأعمال العبد مُستحَقَّة عليه بمقتضى كونه عبدًا مملوكًا مُسْتعمَلًا فيما يأمره به سيده، فنفسه مملوكة، وأعماله مُستحَقَّة بموجِب العبودية، فليس له شيء من أعماله، كما أنه ليس له ذرة من نفسه، فلا هو مالك لنفسه ولا صفاته ولا أعماله ولا لما بيده من المال في الحقيقة، بل كل ذلك مملوك عليه، مُستحَقّ عليه لمالكه، أعظم استحقاقًا من سيد اشترى عبدًا بخالص ماله، ثم قال: اعمل، وأدِّ إليَّ، فليس لك في نفسك ولا في كسبك شيء. فلو عمل هذا العبد من الأعمال ما عمل لرأى ذلك كله مُستحَقًّا عليه لسيده، وحقًّا من حقوقه عليه.
فكيف بالمنعم المالك على الحقيقة، الذي لا تُعدّ نعمه وحقوقه على عبده، ولا يمكن أن تقابلها طاعاته بوجه، فلو عذّبه سبحانه لعذّبه وهو غير ظالم له، وإذا رحمه فرحمته خير له من أعماله، ولا تكون أعماله ثمنًا لرحمته البتَّة.
فلولا فضل الله ورحمته ومغفرته ما هنأ أحدًا عيشٌ البتة (١)، ولا عرف
стр. 422
خالقه، ولا ذكره، ولا آمن به، ولا أطاعه، فكما أن وجود العبد محض جوده وفضله ومنّته عليه، وهو المحمود على إيجاده؛ فتوابع وجوده كلها كذلك، ليس للعبد منها شيء، كما ليس له في وجوده شيء، فالحمد كله لله، والفضل كله له، والإنعام كله له، والحق له على جميع خلقه.
ومن لم ينظر في حقه عليه، ويرى تقصيره وعجزه عن القيام به فهو من أجهل الخلق بربه وبنفسه، ولا تنفعه طاعاته، ولا يُسمع دعاؤه.
قال الإمام أحمد: حدثنا حجّاج، حدثنا جَرِير بن حازم، عن وهب قال: بلغني أن نبي الله موسى ﷺ مَرَّ برجل يدعو ويتضرّع، فقال: يا ربّ، ارحمه فإني قد رحمته. فأوحى الله تعالى إليه: لو دعاني حتى تنقطع قواه (١) ما استجبت له حتى ينظر في حقي عليه (٢).
و العبد يسير إلى الله سبحانه بين مشاهدة منّته عليه ونعمه وحقوقه، وبين رؤية عيب نفسه وعمله وتفريطه وإضاعته ، فهو يعلم أن ربّه لو عذّبه أشد العذاب لكان قد عدل فيه، وأن أقضيته كلها عدل فيه، وأن ما هو فيه من الخير فمجرد فضله ومنّته وصدقته عليه، ولهذا كان في حديث سيد الاستغفار: "أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي" (٣)، فلا يرى نفسه إلا مقصِّرًا مذنبًا، ولا يرى ربَّه إلا محسنًا متفضّلًا.
стр. 423
وقد قسم الله خلقه إلى قسمين لا ثالث لهما: تائبين وظالمين، فقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُب فَّأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١]، وكذلك جعلهم قسمين: معذَّبين وتائبين، فمن لم يتب فهو معذَّب ولا بد، قال تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٧٣].
وأَمَرَ جميع المؤمنين من أولهم إلى آخرهم بالتوبة، فلا يُستثنى من ذلك أحد، وعلّق فلاحهم بها، قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
وعدّد سبحانه من جملة نعمه على خير خلقه وأكرمهم عليه، وأطوعهم له، وأخشاهم له، أن تاب عليه وعلى خواصّ أتباعه، فقال: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ١١٧]، ثم كرر توبته عليهم، فقال: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُف رَحِيمٌ﴾. وقدّم توبته عليهم على توبة الثلاثة الذين خُلِّفوا، وأخبر سبحانه أن الجنة التي وعدها أهلها في التوراة والإنجيل والقرآن إنما يدخلها التائبون، فذكر عموم التائبين أوّلًا، ثم خصّ النبي والمهاجرين والأنصار بها، ثم خصّ الثلاثة الذين خُلِّفوا، فعُلِم بذلك احتياج جميع الخلق إلى توبته عليهم، ومغفرته لهم، وعفوه عنهم.
وقد قال تعالى لسيد ولد آدم، وأحبّ خلقه إليه: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة: ٤٣]، فهذا خبر منه سبحانه ـ وهو أصدق القائلين ـ، أو دعاء لرسوله بعفوه عنه، وهو طلب من نفسه.
стр. 424
وكان ﷺ يقول في سجوده ـ أقرب ما يكون من ربه ـ: "أعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بعفوك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" (١).
وقال لأطوع نساء الأمة وأفضلهن وخيرهن: الصديقة بنت الصديق، وقد قالت له: يا رسول الله، إن وافقت ليلة القدر فما أدعو به؟ قال: "قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو، فاعفُ عني" (٢)، قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وهو سبحانه لمحبته للعفو وللتوبة خلق خلقه على صفات وهيئات وأحوال تقتضي توبتهم إليه واستغفارهم، وعفوه ومغفرته (٣)، وقد روى مسلم في "صحيحه" (٤) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم".
والله تعالى يحب التوابين، والتوبة من أحب الطاعات إليه، ويكفي في محبتها شدة فرحه بها سبحانه كما في "صحيح مسلم" (٥) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله : أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين
стр. 425
يذكرني، والله، للهُ أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في الفلاة".
وفي "الصحيحين" (١) من حديث عبد الله بن مسعود، عن رسول الله ﷺ : "لله أشد فرحًا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دَوِّيّة مَهْلكة، معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فنام، فاستيقظ وقد ذهبت، فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال: أرجع إلى المكان الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت. فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته، عليها زاده وطعامه وشرابه، فالله أشد فرحًا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده".
وفي "صحيح مسلم" (٢) عن النعمان بن بشير يرفعه إلى النبي ﷺ قال: "لله أشد فرحًا بتوبة عبده من رجل حمل زاده ومزاده على بعير، ثم سار حتى كان بفلاة من الأرض، فأدركته القائلة، فنزل فقال تحت شجرة، فغلبته عينه، وانسلَّ بعيره، فاستيقظ فسعى شَرَفًا (٣) فلم يرَ شيئًا، ثم سعى شَرَفًا ثانيًا، فلم يرَ شيئًا، ثم سعى شَرَفًا ثالثًا، فلم يرَ شيئًا، فأقبل حتى أتى مكانها الذي قال فيه، فبينا هو قاعد فيه، إذ جاء بعيره يمشي حتى وضع خطامه في يده، فالله أشد فرحًا بتوبة العبد من هذا حين وجد بعيره على حاله".
فتأمل محبته سبحانه لهذه الطاعة التي هي أصل الطاعات وأساسها، وإن من زعم أن أحدًا من الناس يستغني عنها ولا حاجة به إليها فقد جهل حق الربوبية، ومرتبة العبودية، وينتقص بمن أغناه بزعمه عن التوبة من حيث