← Акыда

Акыда · id 205

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 033 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

فصل وأما الأقسام الخمسة الباقية فلا يدخل منها في الوجود إلا ما كانت المصلحة والحكمة والخير في إيجاده أكثر من المفسدة، والأقسام الأربعة لا تدخل في الوجود، أما الشر المحض الذي لا خير فيه، فذاك ليس له حقيقة، بل هو العدم المحض. فإن قيل: إبليس شر محض، والكفر والشرك كذلك، وقد دخل في الوجود، فأي خير في إبليس، وفي وجود الكفر؟ قيل: في خلق إبليس من الحِكَم والمصالح والخيرات التي ترتبت على وجوده ما لا يعلمه إلا الله، كما سننبه على بعضه، فالله سبحانه لم يخلقه عبثًا، ولا قصد بخلقه إضرار عباده وهلاكهم، فكم لله في خلقه من حكمة باهرة، وحجة قاهرة، وآية ظاهرة، ونعمة سابغة، وهو وإن كان للأديان والإيمان كالسموم للأبدان؛ ففي إيجاد السموم من المصالح والحِكَم ما هو خير من تفويتها. وأما الذي لا خير فيه ولا شر فلا يدخل أيضًا في الوجود؛ فإنه عبث يتعالى الله عنه، وإذا امتنع دخول هذا القسم في الوجود فدخول ما الشر في إيجاده أغلب من الخير أولى بالامتناع. ومن تأمل هذا الوجود علم أن الخير فيه غالب؛ فإن الأمراض ــ وإن كثرت ــ فالصحة أكثر منها، واللذات أكثر من الآلام، والعافية أعظم من البلاء، والغرق والحرق والهدم ونحوها ــ وإن كثرت ــ فالسلامة أكثر. ولو لم يوجد هذا القسم الذي خيره غالب لأجل ما يعرض فيه من الشر

стр. 632

لفات الخير الغالب، وفوات الخير الغالب شر غالب، ومثال ذلك: النار، فإن في وجودها منافع كثيرة، وفيها مفاسد، ولكن إذا قابلنا بين مصالحها ومفاسدها لم تكن لمفاسدها نسبة إلى مصالحها، وكذلك المطر والرياح والحر والبرد. وبالجملة فعناصر هذا العالم السفلي خيرها ممتزج بشرها، ولكن خيرها غالب، وأما العالم العلوي فبريء من ذلك. فإن قيل: فهلّا خَلَقَ الخلّاق الحكيم هذه خالية من الشر، بحيث تكون خيرات محضة؟ فإن قلتم: اقتضت الحكمة خلق هذا العالم ممتزجًا فيه اللذة بالألم، والخير بالشر، فقد كان يمكن خلقه على حالة لا يكون فيه شرًّا كالعالم العلوي. سلّمْنا أن وجود ما الخير فيه أغلب من الشر أولى من عدمه، فأي خير ومصلحة في وجود رأس الشر كله ومنبعه وقدوة أهله فيه: إبليس، وأي خير في إبقائه إلى آخر الدهر؟ وأي خير يغلب في نشأة يكون منها تسعة وتسعون في النار وواحد في الجنة؟ وأي خير غالب حصل بإخراج الأبوين من الجنة، حتى جرى على الأولاد ما جرى، ولو داما في الجنة لارتفع الشر بالكلية؟ وإذا كان قد خلقهم لعبادته فكيف اقتضت حكمته أنْ صرف أكثرهم عنها، ووفّق لها الأقل من الناس؟

стр. 633

وأي خير يغلب في خلق الكفر والفسوق والعصيان والظلم والبغي؟ وأي خير في إيلام غير المكلفين، كالأطفال والمجانين؟ فإن قلتم: فائدته التعويض؛ انتقض عليكم بإيلام البهائم. ثم (١) وأيّ خير في خلق الدجال، وتمكينه من الظهور والافتتان به؟ وإذ قد اقتضت الحكمة ذلك فأي خير حصل في تمكينه من إظهار تلك الخوارق والعجائب؟ وأي خير في السحر وما يترتب عليه من المفاسد والمضار؟ وأي خير في إلباس الخلق شِيَعًا، وإذاقة بعضهم بأس بعض؟ وأي خير في خلق السموم وذوات السموم، والحيوانات العادِيَة المؤذية بطبعها؟ وأي خير في خراب هذه البِنْية بعد خلقها في أحسن تقويم، وردّها إلى أرذل العمر بعد استقامتها وصلاحها؟ وكذلك خراب هذه الدار ومحو أثرها. فإن كان وجود ذلك خيرًا غالبًا فإبطاله إبطال للخير الغالب. دع هذا كله، فأي خير راجح أو مرجوح في النار، وهي دار الشر الأعظم والبلاء الأكبر؟ ولا خلاص لكم عن هذه الأسئلة إلا بسدّ باب الحكمة والتعليل،

стр. 634

وإسناد الكون إلى محض المشيئة، أو القول بالإيجاب الذاتي، وأن الربّ لا يفعل باختياره ومشيئته. وهذه الأسئلة إنما ترد على مَن يقول بالفاعل المختار، فلهذا لجأ القائلون به إلى إنكار التعليل جملة، فاختاروا أحد المذهبين، وتحيّزوا إلى إحدى الفئتين، وإلا فكيف تجمعون بين القول بالحكمة والتعليل وبين هذه الأمور؟! فالجواب بعد أن نقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، بل في تحقيق هذه الكلمات الجواب الشافي. ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ [آل عمران: ١٩١]، ﴿(٣٧) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا﴾ [الدخان: ٣٨ - ٣٩]، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧]، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦]، ﴿(١١) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧]، ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]، و ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ [السجدة: ٧]. فما في خلقه سبحانه من تفاوت، بل هو في غاية التناسب، واقع على

стр. 635

أكمل الوجوه، وأقربها إلى حصول الغايات المحمودة والحِكَم المطلوبة، فلم تكن تحصل تلك الحِكَم والغايات التي انفرد الله سبحانه بعلمها على التفصيل، وأطلع من شاء من عباده على أيسر اليسير منها، إلا بهذه الأسباب والبدايات (١). وقد سأله الملائكة المقربون عن جنس هذه الأسئلة وأصلها فقال: ﴿إِنِّيَ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، فأقرّوا له بكمال العلم والحكمة، وأنه في جميع أفعاله على صراط مستقيم، وقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]، ولما ظهر لهم بعض حكمته فيما سألوا عنه، وأنهم لم يكونوا يعلمون قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣]. فصل ونحن نذكر أصولًا مهمة يتبين بها جواب هذه الأسئلة، وقد اعترف كثير من المتكلمين ــ ممن له نظر في الفلسفة والكلام ــ أنه لا يمكن الجواب عنها إلا بالتزام القول بالموجِب بالذات، أو القول بإبطال الحكمة والتعليل، وأنه سبحانه لا يفعل شيئًا لشيء، ولا يأمر بشيء لحكمة، ولا جعل شيئًا من الأشياء سببًا لغيره، وما ثَمّ إلا مشيئة محضة، وقدرة ترجّح مِثْلًا على مِثْل بلا سبب ولا علّة، وأنه لا يقال في فِعْله: لِمَ ولا كيف، ولا لأي سبب وحكمة، ولا هو مُعلَّل بالمصالح.

стр. 636

قال الرازي في «مباحثه»: «فإن قيل: فلِمَ لمْ يخلق الخالق هذه الأشياء عَرِيّة عن كل الشرور؟ فنقول: لأنه لو جعلها كذلك لكان هذا هو القسم الأول، وذلك مما فُرِغ عنه (١)». يعني: كان ذلك هو القسم الذي هو خير محض لا شر فيه. قال: «وبقي في العقل (٢) قسم آخر، وهو الذي يكون خيره غالبًا على شره، وقد بينا أن الأولى بهذا القسم أن يكون موجودًا. قال: وهذا الجواب لا يعجبني؛ لأن لقائل أن يقول: إن جميع هذه الخيرات والشرور إنما توجد باختيار الله تعالى وإرادته، فالاحتراق الحاصل عقيب النار ليس موجَبًا عن النار، بل الله تعالى اختار خلقه عقيب مماسة النار، وإذا كان حصول الاحتراق عقيب مماسة النار (٣) باختيار الله وإرادته، فكان يمكنه أن يختار خلق الإحراق عند ما يكون خيرًا، ولا يختار خلقه عند ما يكون شرًّا. ولا خلاص عن هذه المطالبة إلا ببيان كونه سبحانه فاعلًا بالذات لا بالقصد والاختيار، ويرجع حاصل الكلام في هذه المسألة إلى مسألة القِدَم

стр. 637

والحدوث» (١). فانظر كيف اعترف بأنه لا خلاص عن هذه الأسئلة إلا بتكذيب جميع الرسل من أولهم إلى آخرهم، وإبطال جميع الكتب المنزلة من عند الله، ومخالفة صريح العقل في أن خالق العالم سبحانه مريد مختار، ما شاء كان بمشيئته، وما لم يشأ لم يكن لعدم مشيئته، وأنه ليس في الكون شيء حاصل بدون مشيئته البتّة. فأقرَّ على نفسه أنه لا خلاص له عن تلك الأسئلة إلا بالتزام طريقة أعداء الرسل والملل، القائلين بأن الله لم يخلق السماوات والأرض في ستة أيام، ولا أوجد العالم بعد عدمه، ولا يُفنيه بعد إيجاده، وصدور ما صدر عنه بغير اختياره ومشيئته، فلم يكن مختارًا مريدًا للعالم. وليس عنده إلا هذا القول، أو قول الجبرية منكري الأسباب والحِكَم والتعليل، أو قول المعتزلة الذين أثبتوا حكمة لا ترجع إلى الفاعل، وأوجبوا رعاية مصالح شبّهوا فيها الخالق بالمخلوق، وجعلوا له بعقولهم شريعة أوجبوا عليه فيها، وحرّموا، وحجروا عليه. فالأقوال الثلاثة تتردد في صدره، وتتقاذف به أمواجها تقاذف السفينة إذا لعبت بها الرياح الشديدة، والعاقل لا يرضى لنفسه بواحد من هذه الأقوال؛ لمنافاتها للعقل والنقل والفطرة. والقول الحق في هذه الأقوال كيوم الجمعة في الأيام، أضلّ الله عنه أهل

стр. 638

الكتابين قبل هذه الأمة، وهداهم إليه، كما قال النبي ﷺ في الجمعة: «أضل الله عنها مَنْ كان قبلنا، فاليوم لنا، وغدًا لليهود، وبعد غدٍ للنصارى» (١). ونحن هكذا نقول بحمد الله ومنّه: القول الوسط الصواب لنا، وإنكار الفاعل بالمشيئة والاختيار لأعداء الرسل، وإنكار الحكمة والمصلحة والتعليل والأسباب للجهمية والجبرية، وإنكار عموم القدرة والمشيئة والحكمة العائدة إلى الرب تعالى من محبته وكراهته وموجِب حمده ومقتضى أسمائه وصفاته ومعانيها وآثارها للقدرية المجوسية. ونحن نبرأ إلى الله من هذه الأقوال وقائلها، إلا من حق تتضمنه مقالة كل فرقة منهم، فنحن به قائلون، وإليه منقادون، وله مذعنون. فصل الأصل الأول: إثبات عموم علمه سبحانه ، وإحاطته بكل معلوم، وأنه لا تخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، بل قد أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، والخلاف في هذا الأصل مع فرقتين: إحداهما: أعداء الرسل كلهم، وهم الذين ينفون علمه بالجزئيات، وحاصل قولهم: إنه لا يَعلم موجودًا البتّة، فإن كل موجود جزئي معيّن، فإذا لم يعلم الجزئيات لم يكن عالمًا بشيء من العالم العلوي والسفلي. والفرقة الثانية: غلاة القدرية الذين اتفق السلف على كفرهم، وحكموا بقتلهم، الذين يقولون: لا يَعلم أعمالَ عباده حتى يعملوها، ولم يعلمها قبل

стр. 639

ذلك، ولا كتبها، ولا قَدّرها، فضلًا عن أن يكون قد شاءها وكوَّنها. وقول هؤلاء معلوم البطلان بالضرورة من أديان جميع المرسلين، وكتب الله المنزلة، وكلام الرسول ﷺ مملوء بتكذيبهم، وإبطال قولهم، وإثبات عموم علمه الذي لا يشاركه فيه خلقه، ولا يحيطون بشيء منه إلا بما شاء أن يطلعهم عليه، ويعلمهم به، وما أخفاه عنهم ولم يطلعهم عليه لا نسبة لما عرفوه إليه إلا دون نسبة قطرة واحدة إلى البحار كلها، كما قال الخضر لموسى وهما أعلم أهل الأرض إذ [ذاك] (١): «ما نقص علمي وعلمُك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من هذا البحر» (٢). ويكفي أن ما يتكلم به من علمه (٣) لو قُدِّر أنّ البحر يمده من بعده سبعةَ أبحرِ مدادٍ، وأشجار الأرض كلها من أول الدهر إلى آخره أقلام= يُكتب به ما يتكلم به مما يعلمه؛ لنفدت البحار، وفنيت الأقلام، ولم تنفد كلماته، فنسبة علوم الخلائق إلى علمه سبحانه كنسبة قدرتهم إلى قدرته، وغناهم إلى غناه، وحكمتهم إلى حكمته. وإذا كان أعلم خلقه به على الإطلاق يقول: «لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (٤)، ويقول في دعاء الاستخارة: «فإنك تقدر ولا

стр. 640

أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب» (١). ويقول سبحانه لملائكته: ﴿إِنِّيَ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، ويقول سبحانه لأعلم الأمم ـ وهم أمة محمد ﷺ ـ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهْوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهْوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهْوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]، ويقول لأهل الكتاب: ﴿أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [الإسراء: ٨٥]، وتقول رسله يوم القيامة حين يسألهم: ماذا أجبتم؟ ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩]، وهذا هو الأدب المطابق للحق في نفس الأمر؛ فإن علومهم وعلوم الخلائق تضمحلّ وتتلاشى في علمه سبحانه، كما يضمحلّ ضوء السراج الضعيف في عين الشمس. فمِنْ أظلم الظلم، وأبين الجهل، وأقبح القبيح، وأعظم القِحَة والجراءة: أن يعترض من لا نسبة لعلمه إلى علوم الناس، التي لا نسبة لها إلى علوم الرسل، التي لا نسبة لها إلى علم رب العالمين = عليه، ويقدح في حكمته، ويظن أن الصواب والأولى أن يكون غير ما جرى به قلمُه، وسبق به علمُه، وأن يكون الأمر بخلاف ذلك. فسبحان الله رب العالمين، تنزيهًا لربوبيته وإلهيته وعظمته وجلاله عما لا يليق به من كل ما نسبه إليه الجاهلون الظالمون، فسبحان الله كلمة يُحاشى اللهُ بها عن كل ما يخالف كماله من سوء ونقص وعيب، فهو المنزّه التنزيه التام من كل وجه، وبكل اعتبار عن كل نقص متوهَّم، وإثبات عموم حمده وكماله وتمامه ينفي ذلك، واتصافه بصفات الإلهية التي لا تكون لغيره،

стр. 641

وكونه أكبر من كل شيء في ذاته وأوصافه وأفعاله ينفي ذلك، فمن (١) رسخت معرفته في معنى: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وسافر قلبه في منازلها، وتلقى معانيها من مشكاة النبوة، لا من مشكاة الفلسفة والكلام الباطل وآراء المتكلمين. فهذا أصل يجب التمسك به في هذا المقام، وأن يُعرف أن عقول العالمين ومعارفهم وعلومهم وحكمهم تقصر عن الإحاطة بتفاصيل حكمة الرب تعالى في أصغر مخلوقاته. الأصل الثاني: أنه سبحانه حيّ حقيقة ، وحياته أكمل الحياة وأتمها، وهي حياة تستلزم جميع صفات الكمال، ونفي أضدادها من جميع الوجوه، ومن لوازم الحياة الفعل الاختياري؛ فإن كل حيّ فعّال، وصدور الفعل عن الحيّ بحسب كمال حياته ونقصها، فكل مَن كانت حياته أكمل من غيره كان فعله أقوى وأكمل، وكذلك قدرته، ولهذا كان الربُّ تعالى على كل شيء قدير، وهو فعَّال لما يريد. وقد ذكر البخاري في كتاب «خلق الأفعال» عن نعيم بن حماد أنه قال: «الحيُّ هو الفعّال، وكل حيّ فعّال» (٢). فلا فرق بين الحيِّ والميت إلا بالفعل والشعور. وإذا كانت الحياة مستلزِمة للفعل ــ وهو الأصل الثالث ــ فالفعل الذي لا يعقل الناس سواه هو الفعل الاختياري الإرادي، الحاصل بقدرة الفاعل

стр. 642

وإرادته ومشيئته، وما يصدر عن الذات من غير قدرة منها ولا إرادة لا يسميه أحد من العقلاء فعلًا، وإن كان أثرًا من آثارها ومتولّدًا عنها، كتأثير النار في الإحراق، والماء في الإغراق، والشمس في الحرارة، فهذه آثار صادرة عن هذه الأجسام، وليست أفعالًا لها، وإن كانت بقوى وطبائع جعلها الله فيها، فالفعل والعمل من الحيّ العالم لا يقع إلا بمشيئته وقدرته. وكون الربّ تعالى حيًّا فاعلًا مختارًا مريدًا مما اتفقت عليه الرسل والكتب، ودلّ عليه العقل والفطرة، وشهدت به الموجودات ناطقها وصامتها، جمادها وحيوانها، علويّها وسفليّها، فمن أنكر فعل الربّ الواقع بمشيئته واختياره فقد جحد ربّه وفاطره، وأنكر أن يكون للعالم ربّ. الأصل الرابع: أنه سبحانه ربط الأسباب بمسبَّباتها شرعًا وقدرًا ، وجعل الأسباب محل حكمته في أمره الديني الشرعي، وأمره الكوني القدري، ومحل ملكه وتصرفه، فإنكار الأسباب والقوى والطبائع جحد للضروريات، وقدح في العقول والفطر، ومكابرة للحس، وجحد للشرع والجزاء. فقد جعل الله تعالى مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، والثواب والعقاب، والحدود والكفارات، والأوامر والنواهي، والحِلّ والحرمة، كل ذلك مرتبطًا بالأسباب قائمًا بها، بل العبد نفسه وصفاته وأفعاله سبب لما يصدر عنه، بل الموجودات كلها أسباب ومسبَّبات، والشرع كله أسباب ومسبَّبات، والمقادير أسباب ومسبَّبات، والقدر جارٍ عليها، متصرف فيها، فالأسباب محل الشرع والقدر. والقرآن مملوء من إثبات الأسباب، كقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان: ١٥]، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٩]، ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ

стр. 643

يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠]، ﴿فَبِمَا (١) كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤]، ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦]، ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمِ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٦٠ - ١٦١]، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمِ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٥٥ - ١٥٧]، وقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ [المائدة: ١٣]، وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسْلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٢]، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله: ﴿(٢) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد: ٣]، وقوله: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً﴾ [الحاقة: ١٠]، وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٨]، ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا﴾ [المزمل: ١٦]، ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس: ١٤]، وقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥ - ٥٦]، وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا (٢) مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩]، وقوله: ﴿إِذَا أَقَلَّتْ أَقَلَّت سَّحَابًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ مَّيْتٍ بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ

стр. 644

الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]، وقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٤]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ: ١٤ - ١٦]. وكل موضع رُتِّب فيه الحكم الشرعي أو الجزائي على الوصف أفاد كونه سببًا له، كقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، وقوله: ﴿تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ﴾ [الأعراف: ١٧٠]، وقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ [النحل: ٨٨]، وهذا أكثر من أن يُستوعَب. وكل موضع تضمّن الشرط والجزاء أفاد سببية الشرط والجزاء، وهو أكثر من أن يُستوعَب، كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]، وقوله: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ. عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. وكل موضع رُتِّب فيه الحكم على ما قبله بحرف الفاء أفاد التسبيب، وقد تقدم. وكل موضع ذُكِرت فيه الباء تعليلًا لما قبلها بما بعدها أفاد التسبيب. وكل موضع صُرِّح فيه: بأن كذا جزاء لكذا أفاد التسبيب. وكل موضع ذُكِرت فيه حكمة الحُكْم وعلّته الغائية أفاد التسبيب؛ فإن العلّة الغائية علّة للعلّة الفاعلية.

стр. 645

ولو تتبعنا ما يفيد إثبات الأسباب من القرآن والسنة لزاد على عشرة آلاف موضع، ولم نقل ذلك مبالغة بل حقيقة، ويكفي شهادة الحسِّ والعقل والفِطَر. ولهذا قال مَن قال من أهل العلم: تكلم قوم في إنكار الأسباب فأضحكوا ذوي العقول على عقولهم (١). وظنوا أنهم بذلك ينصرون التوحيد، فشابهوا المعطلة الذين أنكروا صفات الربّ، ونعوت كماله، وعلوّه على خلقه، واستواءه على عرشه، وتكلّمَه بكتبه، وتكليمه لملائكته وعباده، وظنوا أنهم بذلك ينصرون التوحيد، فما أفادهم إلا تكذيب الله ورسله، وتنزيهه عن كل كمال، ووصفه بصفات المعدوم والمستحيل. ونظير من نزَّه الله عن أفعاله، وأن يقوم به فِعْل البتّة، وظنّ أنه ينصر بذلك حدوث العالم، وكونَه مخلوقًا بعد أن لم يكن، وقد أنكر أصل الفعل والخلق جملة. ثم من أعظم الجناية على الشرائع والنبوات والتوحيد إيهام الناس أن التوحيد لا يتم إلا بإنكار الأسباب، فإذا رأى العقلاء أنه لا يمكن إثبات توحيد الربّ إلا بإبطال الأسباب ساءت ظنونهم بالتوحيد وبمن جاء به، وأنت لا تجد كتابًا من الكتب أعظم إثباتًا للأسباب من القرآن. ويالله العجب! إذا كان الله خالق السبب والمسبَّب، وهو الذي جعل هذا سببًا لهذا، والأسباب والمسبَّبات طوع مشيئته وقدرته، منقادة لحكمه، إن شاء أن يبطل سببية الشيء أبطلها، كما أبطل إحراق النار على خليله إبراهيم،

стр. 646

وإغراق الماء على كَلِيمه وقومِه، وإن شاء أقام لتلك الأسباب موانع تمنع تأثيرها مع بقاء قواها، وإن شاء خلّى بينها وبين اقتضائها لآثارها، فهو سبحانه يفعل هذا وهذا وهذا، فأي قدح يوجب ذلك في التوحيد، وأي شرك يترتب على ذلك بوجه من الوجوه! ولكن ضعفاء العقول إذا سمعوا أن النار لا تُحْرِق، والماء لا يُغرِق، والخبز لا يُشبِع، والسيف لا يقطع، ولا تأثير لشيء من ذلك البتّة، ولا هو سبب لهذا الأثر، وليس فيه قوة، وإنما الخالق المختار يشاء حصول كل أثر من هذه الآثار عند ملاقاة كذا لكذا= قال (١): هذا هو التوحيد، وإفراد الربّ بالخلق والتأثير، ولم يدر هذا القائل أن هذا إساءة ظن بالتوحيد، وتسليط لأعداء الرسل على ما جاؤوا به، كما تراه عيانًا في كتبهم، ينفّرون به الناس عن الإيمان، ولا ريب أن الصديق الجاهل قد يضر ما لا يضره العدو العاقل. وقد قال تعالى عن ذي القرنين: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤]، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: «علمًا» (٢). قال قتادة وابن زيد وابن جُرَيْج والضحاك: «علمًا يتسبّب به إلى ما يريد» (٣). وكذلك قال أبو إسحاق: «علمًا يوصله إلى حيث يريد» (٤).

стр. 647

قال المبرّد: «وكل ما وَصَل شيئًا بشيء فهو سبب» (١). وقال كثير من المفسرين: آتيناه من كل ما بالخلق إليه حاجة علمًا ومعونة له. وقد سمَّى سبحانه الطريق سببًا في قوله: ﴿فَاَتَّبَعَ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٥]، قال مجاهد: «طريقًا» (٢). وقيل: السبب الثاني هو الأول، أي: اتَّبَعَ سببًا من تلك الأسباب التي أوتيها، مما يوصله إلى مقصوده. وسَمَّى تعالى أبواب السماء أسبابًا، إذ منها يُدخَل إلى السماء، قال تعالى عن فرعون: ﴿لَّعَلِّيَ أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]، أي: أبوابها التي أدخل منها إليها. وقال زهير: ومن هاب أسباب المنايا ينَلْنَهُ ... ولو رام أسباب السماء بسُلَّمِ (٣) وسُمِّي الحبل سببًا لإيصاله إلى المقصود، قال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج: ١٥]. قال بعض أهل اللغة: السبب من الحبال القوي الطويل.

стр. 648

قال: ولا يُدعى الحبلُ سببًا حتى يُصعَد به ويُنزَل (١)، ثم قيل لكل شيء وصلت به إلى موضع أو حاجة تريدها: سبب، يقال: ما بيني وبين فلان سبب، أي: آصرة رحم أو عاطفة مودة. وقد سمَّى تعالى وَصْل الناس بينهم أسبابًا، وهي التي يتسببون بها إلى قضاء حوائجهم (٢) بعضهم من بعض، قال تعالى: ﴿إِذ تَّبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦]، يعني: الوُصلات التي كانت بينهم في الدنيا. قال ابن عباس وأصحابه: «يعني أسباب المودة والوُصلات التي كانت بينهم في الدنيا» (٣). وقال ابن زيد: «هي الأعمال التي كانوا يؤمّلون أن يصلوا بها إلى ثواب الله». وقيل: هي الأرحام التي كانوا يتعاطفون بها (٤). وبالجملة فسمى الله سبحانه ذلك كله أسبابًا؛ لأنها كانت يُتَوصَّل بها إلى مسبَّباتها، وهذا كله عند نفاة الأسباب مجاز لا حقيقة له، وبالله التوفيق.

стр. 649

وهذا الباب يتصل (١) بـ الباب الثاني والعشرون في إثبات حكمة الربِّ تعالى في خَلْقه وأَمْره، وذِكْر الغايات المطلوبة له بذلك، والعواقب الحميدة التي يفعل لأجلها ويأمر لأجلها فنقول: قد دلت أدلة العقول الصحيحة والفِطَر السليمة على ما دلَّ عليه القرآن والسنة (٢)؛ أنه سبحانه حكيم لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل، وقد دلّ كلامه وكلام رسوله على هذا وهذا في مواضع لا تكاد تحصى، ولا سبيل إلى استيعاب أفرادها، فنذكر بعض أنواعها: النوع الأول: التصريح بلفظ الحكمة وما تصرف منه، كقوله: ﴿فَمَا تُغْنِ﴾ [القمر: ٥]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣]، وقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]، والحكمة هي العلم النافع والعمل الصالح، وسُمّي حكمة لأن العلم والعمل قد تعلقا بمتعلّقيهما، وأوصلا إلى غايتيهما.

стр. 650

ولذلك لا يكون الكلام حكمة حتى يكون موصلًا إلى الغايات المحمودة والمطالب النافعة، فيكون مرشدًا إلى العلم النافع والعمل الصالح، فتحصل الغاية المطلوبة، فإذا كان المتكلم به لم يقصد مصلحة المخاطبين ولا هُداهم، ولا إيصالهم إلى سعادتهم، ودلالتهم على أسبابها وتوابعها، ولا كان ذلك هو الغاية المقصودة المطلوبة، ولا تكلَّم لأجلها، ولا أَرسل الرسلَ وأَنزل الكتبَ لأجلها، ولا نَصب الثوابَ والعقابَ لأجلها= لم يكن حكيمًا، ولا كلامه حكمة، فضلًا عن أن تكون بالغة. النوع الثاني: إخباره أنه فعل كذا لكذا، وأنه أمر بكذا لكذا، كقوله: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٩٧]، وقوله: ﴿(١١) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]، وقال: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٧]، وقوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقوله: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا﴾ [النساء: ١٠٥]، وقوله: ﴿أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ﴾ [الحديد: ٢٩]، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله: ﴿فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: ٢٧ - ٢٨] أي: ليتمكنوا بهذا الحفظ والرصد من تبليغ

стр. 651

رسالاته، فيعلم الله بذلك واقعًا، وقوله: ﴿وَيُنزِلُ عَلَيْكُمْ (١) مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: ١١]، وقوله: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ﴾ [الأنفال: ٨]، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، وقوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢]، وقوله: ﴿(٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المدثر: ٣١]، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وقوله: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]، وقوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسْلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقوله: ﴿(٧٤) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ﴾ [الأنعام: ٧٥]، وقوله: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]، وهذا في القرآن كثير جدًّا. فإن قيل: اللام في هذا كله لام العاقبة، كقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ

стр. 652

بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: ٥٣]، وقوله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الحج: ٥٣]، وقوله: ﴿مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢]، وقوله: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ [الأنعام: ١١٣]، فإنّ ما بعد اللام في هذا ليس (١) هو الغاية المطلوبة، ولكن لما كان الفعل منتهيًا إليه، وكان عاقبة الفعل؛ دخلت عليه لامُ التعليل، وهي في الحقيقة لام العاقبة. فالجواب من وجهين: أحدهما: أن لام العاقبة إنما تكون في حق من هو جاهل بالعاقبة، أو عاجز عن دفعها، فالأول كقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]، والثاني كقول الشاعر: لِدُوا للموت، وابنُوا للخرابِ ... فكلكمُ يصير إلى ذهابِ (٢) وأما مَن هو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، فيستحيل في حقه دخول هذه اللام، وإنما اللام الواردة في أفعاله وأحكامه لام الحكمة والغاية المطلوبة. الجواب الثاني: إفراد كل موضع من تلك المواضع بالجواب.

стр. 653

أما قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ فهو تعليل لقضاء الله سبحانه بالتقاطه، وتقديره له؛ فإن التقاطهم له إنما كان بقضائه وقدره، فهو سبحانه قدّر ذلك وقضى به؛ ليكون لهم عدوًّا وحزنًا، وذكَرَ فعلهم دون قضائه؛ لأنه أبلغ في كونه حَزَنًا لهم وحسرة عليهم؛ فإن من اختار أخْذ ما يكون هلاكه على يديه إذا أصيب به كان أعظم لحزنه وغمّه وحسرته من أن لا يكون له فيه صنع ولا اختيار، فإنه سبحانه أراد أن يظهر لفرعون وقومه ولغيرهم من خلقه كمال قدرته وعلمه وحكمته الباهرة، وأن هذا الذي يذبح فرعونُ الأبناءَ في طلبه؛ هو الذي يتولّى تربيته في حِجْره وبيته باختياره وإرادته، ويكون في قبضته وتحت تصرّفه، فذِكْر فِعْلهم به في هذا أبلغ وأعجب من أن يذكر القضاء والقدر، وقد أعلمنا الله سبحانه أن أفعال عباده كلها واقعة بقضائه وقدره. وأما قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: ٥٣]، فلا ريب أن هذا تعليل لفعله المذكور، وهو امتحان بعض خلقه ببعض، كما امتحن السادات والأشراف بالعبيد والضعفاء والموالي، فإذا نظر الشريف والسيد إلى العبد والضعيف والمسكين قد أسلم أَنِفَ وحمي أن يسلم معه أو بعده، ويقول: أهذا يسبقني إلى الخير والفلاح وأتخلّف أنا؟! فلو كان ذلك خيرًا وسعادة ما سبقنا هؤلاء إليه. فهذا القول منهم هو بعض الحِكَم والغاية المطلوبة بهذا الامتحان؛ فإن هذا القول دالٌّ على إباء واستكبار، وترْكِ الانقياد للحق بعد المعرفة التامة به. وهذا وإن كان علّة فهو مطلوب لغيره، والعلل الغائية تارة تُطلب لنفسها، وتارة تُطلب لغيرها، فتكون وسيلة إلى مطلوب لنفسه، وقول هؤلاء

стр. 654

ما قالوه (١) وما يترتب على هذا القول موجبٌ لآثارٍ مطلوبةٍ للفاعل من إظهار عدله وحكمته وعزّه وقهره وسلطانه، وعطائه مَن يستحق عطاءه ويحسن وضعه عنده، ومنعه من يستحق المنع ولا يليق به غيره، ولهذا قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣] الذين يعرفون قدر النعمة، ويشكرون المنعم عليهم بها، فيَمُنّ عليهم مِن بين مَن لا يعرفها ولا يشكر ربه عليها، فكانت فتنة بعضهم ببعض سببًا لحصول هذا التمييز الذي ترتب عليه شكْر هؤلاء وكفْر هؤلاء. فصل وأما قوله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٥٣]، فهي على بابها، وهي لام الحكمة والتعليل، أخبر الله سبحانه أنه جعل ما ألقاه الشيطان في أُمْنِيّة الرسول محنة واختبارًا لعباده، فافتتن به فريقان: وهم الذين في قلوبهم مرض، والقاسية قلوبهم، وعلم المؤمنون أن القرآن والرسول حق، وأن إلقاء الشيطان باطل، فآمنوا بذلك فأخبتت له قلوبهم، فهذه غاية مطلوبة مقصودة بهذا القضاء والقدر. فالله سبحانه جعل القلوب على ثلاثة أقسام: مريضة وقاسية ومُخْبِتة، وذلك لأنها إما أن تكون يابسة جامدة لا تلين للحق اعترافًا وإذعانًا، أو لا تكون كذلك. فالأول: حال القلوب القاسية الحجرية (٢)، التي لا تقبل ما يُكتَب

стр. 655

فيها (١)، ولا ينطبع فيها الحق، ولا ترتسم فيها العلوم النافعة، ولا تلين لإعطاء الأعمال الصالحة. وأما النوع الثاني: فلا يخلو إما أن يكون الحق ثابتًا فيه ولا يزول عنه؛ لقوته مع لينه، أو يكون لينه مع ضعف وانحلال، والثاني هو القلب المريض، والأول هو الصحيح المُخْبِت، وهو الذي جمع الصلابة والصفاء واللين، فيبصر الحق بصفائه، ويشتد فيه بصلابته، ويرحم الخلق بلينه، كما في أثر مروي: «القلوب آنية الله في أرضه، فأحبها إليه أصلبها وأرقها وأصفاها» (٢)، كما قال تعالى في أصحاب هذه القلوب: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]، فهذا وصف منه للمؤمنين الذين عرفوا الإيمان بصفاء قلوبهم، واشتدوا على الكفار بصلابتها، وتراحموا فيما بينهم بلينها. وذلك أن القلب عضو من أعضاء البدن، وهو أشرف أعضائه، وملكها المطاع، وكل عضو كاليد مثلًا إما أن تكون جامدة يابسة، لا تلتوي ولا تبطش، أو تبطش بعنف، فذلك مثل القلب القاسي، أو تكون مريضة ضعيفة عاجزة؛ لضعفها ومرضها، فذلك مثل الذي فيه مرض، أو تكون باطشة بقوة ولين، فذلك مثل القلب العليم الرحيم، فبالعلم خرج عن المرض الذي (٣) ينشأ من الشهوة والشبهة، وبالرحمة خرج عن القسوة، ولهذا وصف سبحانه من عدا أصحاب القلوب المريضة والقاسية بالعلم والإيمان والإخبات.

стр. 656

فتأمل ظهور حكمته سبحانه في أصحاب هذه القلوب، وهم كل الأمة، فأخبر أن الذين أوتوا العلم علموا أنه الحق من ربهم، كما أخبر أنهم في المتشابه يقولون (١): ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]، وكلا الموضعين موضع شبهة، فكان حظهم منه الإيمان، وحظ أرباب القلوب (٢) المنحرفة عن الصحة الافتتان. ولهذا جعل سبحانه إحكام آياته في مقابلة ما يلقي الشيطان بإزاء الآيات المحكمات في مقابلة المتشابهات، فالإحكام ههنا بمنزلة إنزال المحكمات هناك، ونسخ ما يلقي الشيطان ههنا في مقابلة رد المتشابه إلى المحكم هناك، والنسخ ههنا رفع ما ألقاه الشيطان، لا رفع ما شرعه الربّ سبحانه. وللنسخ معنى آخر، وهو النسخ من أفهام المخاطبين ما فهموه مما لم يُرِدْه، ولا دلّ اللفظ عليه، وإن أوهمه، كما أطلق الصحابة ﵃ النسخ على قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِر لِّمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّب مَّن يَشَاءُ﴾ (٣) [البقرة: ٢٨٤]، قالوا: نسخها قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ الآية [البقرة: ٢٨٦]، فهذا نسخ من الفهم لا نسخ للحكم الثابت؛ فإن المحاسبة لا تستلزم العقاب في الآخرة ولا في الدنيا أيضًا، ولهذا عمهم بالمحاسبة، ثم أخبر أنه بعدها يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، ففَهْم المؤاخذة التي هي المعاقبة (٤) من الآية تحميل لها

стр. 657

فوق وسعها. فرَفَع هذا المعنى مِن فهم مَن فهمه بقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ إلى آخرها. فهذا رفْعٌ لفهمِ غير المراد من إلقاء المَلَك، وذاك رفعٌ لما ألقاه غير المَلَك في أسماعهم، أو في التمني. وللنسخ معنى ثالث عند الصحابة والتابعين، وهو ترك الظاهر إما بتخصيص عام، وإما بتقييد مطلق، وهذا كثير في كلامهم جدًّا. وله معنى رابع، وهو الذي يعرفه المتأخرون، وعليه اصطلحوا، وهو رفع الحكم بجملته بعد ثبوته بدليل رافع له، فهذه أربعة معان للنسخ. والإحكام له ثلاثة معانٍ (١): أحدها: الإحكام الذي في مقابلة المتشابه، كقوله تعالى: ﴿ا مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: (٧)]. الثاني: الإحكام في مقابلة نسخ ما يلقي الشيطان، كقوله: ﴿ا فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ [الحج: ٥٢]، وهذا الإحكام يعمُّ جميع آياته، وهو إثباتها وتقريرها وبيانها، ومنه قوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]. الثالث: إحكام في مقابلة الآيات المنسوخة، كما يقوله السلف كثيرًا: هذه الآية محكمة غير منسوخة.

стр. 658

وذلك لأن الإحكام تارة يكون في التنزيل، فيكون في مقابلة ما يلقيه الشيطان في أُمنِية المبلِّغ، أو في سمع المبلَّغ، فالمُحْكَم ههنا هو المنزّل من عند الله، أحكمه الله: أي فصّله من اشتباهه بغير المنزّل، وفصّل منه ما ليس منه بإبطاله، وتارة يكون في إبقاء المنزّل واستمراره، فلا يُنسخ بعد ثبوته، وتارة يكون في معنى المنزّل وتأويله، وهو تمييز المعنى المقصود من غيره حتى لا يشتبه به. والمقصود أن قوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [الحج: ٥٣]، هي لام التعليل على بابها، وهذا الاختبار والامتحان مُظْهِر لمختلف القلوب الثلاثة، فالقاسية والمريضة ظهر خِبْؤها من الشك والكفر، والمُخْبِتة ظهر خِبْؤها من الإيمان والهدى وزيادة محبته، وزيادة بغض الكفر والشرك والنفرة عنه، وهذا من أعظم حِكَم هذا الإلقاء. فصل وأما اللام في قوله: ﴿مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢]، فلام التعليل على بابها، فإنها مذكورة في بيان حكمته في جمع أوليائه وأعدائه على غير ميعاد، ونصرة أوليائه مع قلتهم ورقّتهم وضعف عَددهم وعُدَدهم على أصحاب الشوكة والعَدد والحدّ والحديد، الذين لا يَتوهّم بشرٌ أنهم يُنصرون عليهم، فكانت تلك آية من أعظم آيات الربّ تعالى، صَدّق بها رسولَه وكتابَه، ليهلك بعدها من اختار لنفسه الكفر والعناد عن بَيّنة، فلا يكون له على الله حجة، ويحيى من حَيّ بالإيمان بالله ورسوله عن بَيّنة، فلا يبقى عنده شك ولا ريب، وهذا من أعظم الحِكَم.

стр. 659

ونظير هذا قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٦٩ - ٧٠]. فصل وأما اللام في قوله تعالى: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ الآية [الأنعام: ١١٣]، فهي على بابها للتعليل، فإنها إن كانت تعليلًا لفعل العدو ـ وهو إيحاء بعضهم إلى بعض ـ فظاهر، وعلى هذا فيكون عطفًا على قوله: ﴿غُرُورًا﴾، فإنه مفعول لأجله، أي: ليغروهم بهذا الوحي، ولتصغى إليه أفئدة مَن يُلقى إليه فيرضاه ويعمل بموجبه، فيكون سبحانه قد أخبر بمقصودهم من الإيحاء المذكور، وهو أربعة أمور: غرور من يوحون إليه، وإصغاء أفئدتهم إليهم، ومحبتهم لذلك، وانفعالهم عنه بالاقتراف (١). وإن كان ذلك تعليلًا لجَعْله سبحانه لكل نبي عدوًّا فتكون هذه الحِكَم (٢) من جملة الغايات والحِكَم المطلوبة له بهذا الجَعْل، وهي غايات وحِكَم مقصودة لغيرها؛ لأنها مفضية إلى أمور هي محبوبة مطلوبة للربّ تعالى، وفواتها يستلزم فوات ما هو أحب إليه من حصولها. وعلى التقديرين فاللام لام التعليل والحكمة. فصل النوع الثالث: الإتيان بـ «كي» الصريحة في التعليل، كقوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ

стр. 660

اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، فعلّل سبحانه قسمة الفيء بين هذه الأصناف كي لا يتداوله الأغنياء دون الفقراء، والأقوياء دون الضعفاء. وقوله سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا أَتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٢ - ٢٣]، فأخبر سبحانه أنه قدّر ما يصيبهم من البلاء في أنفسهم قبل أن يبرأ الأنفس أو المصيبة أو الأرض أو المجموع، وهو الأحسن، ثم أخبر أنّ مصدر ذلك قدرتُه عليه، وأنه يسيرٌ عليه، وحكمتُه (١) البالغة التي منها أن لا يَحزن عباده على ما فاتهم، ولا يفرحوا بما آتاهم، فإنهم إذا علموا أن المصيبة فيه مقدّرة كائنة (٢) ولا بدّ، وقد كُتِبت قبل خلقهم؛ هان عليهم الفائت فلم يأسوا عليه، ولم يفرحوا بالحاصل؛ لعلمهم أن المصيبة مقدّرة في كل ما على الأرض، فكيف يُفرَح بشيء قد قُدِّرت المصيبةُ فيه قبل خلقه. ولما كانت المصيبة تتضمن فوات محبوب، أو خوف فواته، أو حصول مكروه، أو خوفه= نبَّه بالأسى على الفائت على مفارقة المحبوب بعد حصوله، وعلى فواته حيث لم يحصل، ونبَّه بعدم الفرح به إذا وُجِد على توطين النفس لمفارقته قبل وقوعها، وعلى الصبر على مرارتها بعد الوقوع،

стр. 661

وهذه هي أنواع المصائب، فإذا تيقن العبد أنها مكتوبة مقدّرة، وأن ما أصابه منها لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه؛ هانت عليه، وخفّ حملها، وأنزلها منزلة الحر والبرد. فصل النوع الرابع: ذِكْر المفعول له، وهو علة للفعل المعلَّل به، كقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ (١) الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ [النحل: ٨٩]، ونَصْبُ ذلك على المفعول له أحسن من غيره، كما صرح به في قوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، وفي قوله: ﴿وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]، فإتمام النعمة هو الرحمة. وقوله: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨ - ٢٠٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧]، أي لأجل الذكر، كما قال: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨]، وقوله: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ٥ - ٦] أي للإعذار والإنذار. وقوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٤]. فهذا كله مفعول لأجله. وقوله: ﴿إِنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا﴾ [عبس: ٢٥] إلى قوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٣٢]، والمتاع واقع موقع التَّمْتِيع، كما يقع السلام موقع التسليم،

стр. 662

والعطاء موقع (١) الإعطاء. وأما قوله تعالى: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم: ٢٤]، فيحتمل أن يكون من ذلك، أي: إخافةً لكم وإطماعًا، وهو أحسن. ويحتمل أن يكون معمولَ فعلٍ محذوف (٢)، أي: فيرونهما (٣) خوفًا وطمعًا، فيكونان حالًا. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ (٤) يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ [ق: ٦] إلى قوله: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٨] أي لأجل التبصرة والذكرى، والفرق بينهما: أن التبصرة توجب العلم والمعرفة، والذكرى توجب الإنابة والانقياد، وبهما تتم الهداية. فصل النوع الخامس: الإتيان بأنْ والفعلِ المستقبل بعدها تعليلًا لما قبله، كقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: ١٥٦]، وقوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا﴾ [الزمر: ٥٦]، وقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذْكِرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢] ونظائره. وفي ذلك طريقان (٥):

стр. 663

أحدهما للكوفيين: والمعنى: لئلا تقولوا، ولئلا تقول نفس. والثاني للبصريين: أن المفعول له محذوف، أي: كراهةَ أن تقولوا، أو حِذارَ أن تقولوا. فإن قيل: فكيف يستقيم الطريقان في قوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾، فإنك إن قدَّرتَ: «لئلا تضل إحداهما» لم يستقم العطف «فتذكر إحداهما» عليه، وإن قدَّرتَ: «حِذارَ أن تضل إحداهما» لم يستقم العطف (١) أيضًا، وإن قدَّرتَ: «إرادةَ أن تضل» لم تصح أيضًا؟ قيل: هذا من الكلام الذي ظهور معناه مزيل للإشكال، فإن المقصود إذكار (٢) إحداهما للأخرى إذا ضلت ونسيت، فلما كان الضلال سببًا للإذكار جُعِل موضع العلة، كما تقول: أعددتُ هذه الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه بها، فإنما أعددتَها للدعم لا للميل، وأعددتُ هذا الدواء أن أمرض فأتداوى به، ونحوه. هذا قول سيبويه والبصريين. وقال أهل الكوفة: تقديره: كي تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت، فلما تقدم الجزاء اتصل بما قبله ففتحت «أن». قال الفراء: «ومثله قولك: إنه ليعجبني أن يَسأل السائلُ فيُعطى، معناه: ليعجبني أن يُعطى السائلُ إن سأل؛ لأنه إنما يعجبه الإعطاءُ لا السؤال» (٣).

стр. 664

ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا يَقُولُوا تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) يَقُولُوا تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣]، فذكَر سبحانه من حِكَم أخذ الميثاق عليهم أن لا يحتجوا يوم القيامة بغفلتهم عن هذا الأمر، ولا بتقليد الأسلاف. ومنه قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الأنعام: ٧٠]، فالضمير في «به» للقرآن و «أن تُبْسَل» في محلّ نصب على أنه مفعول له، أي: حِذارَ أن تسلم نفس إلى الهلكة والعذاب، وترتهن بسوء عملها. فصل النوع السادس: ذِكْر ما هو من صرائح التعليل، وهو: «من أجل»، كقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]. وقد ظنت طائفة أن قوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ﴾ تعليل لقوله: ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ﴾ [المائدة: ٣١]، أي: من أجل قتله لأخيه، وهذا ليس بشيء؛ لأنه يشوّش صحةَ النظم، وتقلُّ الفائدةُ بذكره، ويذهبُ شأنُ التعليل بذلك للكتابة (١) المذكورة، وتعظيم شأن القتل، حين (٢) جُعل علة لهذه الكتابة،

стр. 665

فتأمله. فإن قلت: كيف يكون قتلُ أحد ابني آدم للآخر علةً لحكمه على أمة أخرى بذلك الحكم؟ وإذا كان علة فكيف كان قاتل نفس واحدة بمنزلة قاتل الناس كلهم؟ قلت: الربّ تعالى يجعل أقضيته وأقداره عللًا وأسبابًا لشرعه وأمره، فجَعَل حكمه الكوني القدري علةً لحكمه الديني الأمري، وذلك أن القتل عنده لما كان من أعلى أنواع الظلم والفساد فَخّم أمره وعَظّم شأنه، وجعل إثمه أعظم من إثم غيره، ونَزّل قاتلَ النفس الواحدة منزلةَ قاتل الأنفس كلها (١). ولا يلزم من التشبيه أن يكون المشبَّه بمنزلة المشبَّه به من كل الوجوه، فإذا كان قاتل الأنفس كلّها يصلى النار، وقاتل النفس الواحدة يصلاها؛ صَحّ تشبيهه به. كما يأثم من شرب قطرة واحدة من الخمر، ومَن شرب عدة قناطير، وإن اختلف مقدار الإثم. وكذلك من زنى مرة واحدة، وآخر زنا مرارًا كثيرة كلاهما آثم وإن اختلف قدر الإثم. وهذا معنى قول مجاهد: «من قتل نفسًا محرّمة يصلى النار بقتلها كما يصلاها من قتل الناس جميعًا» (٢). وعلى هذا فالتشبيه في أصل العذاب لا في وصفه، وإن شئت قلت:

стр. 666

التشبيه في أصل العقوبة الدنيوية وقدرها، فإنها لا تختلف بقلة القتل وكثرته، كما لو شرب قطرة، فإنّ حَدّه حَدّ من شرب راوية، ومن زنى بامرأة واحدة حَدّه حَدّ من زنى بألف، وهذا تأويل الحسن وابن زيد، قالا: «يجب عليه من القصاص بقتلها مثل الذي يجب عليه لو قتل الناس جميعًا» (١). ولك أن تجعل التشبيه في الأذى والغم الواصل إلى المؤمنين بقتل الواحد منهم، فقد جعلهم كلهم خصماءه، وأوصل إليهم من الأذى والغم ما يشبه القتل (٢)، وهذا تأويل ابن الأنباري، وفي الآية تأويلات أخر (٣). فصل النوع السابع: التعليل بلعل، وهي في كلام الله سبحانه للتعليل مجردة من معنى الترجّي، فإنها إنما يقارنها معنى الترجّي إذا كانت من المخلوق، وأما في حق من لا يصح عليه الترجّي فهي للتعليل المحض، كقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]، فقيل هو تعليل لقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ وقيل تعليل لقوله: ﴿خَلَقَكُمْ﴾، والصواب أنه تعليل للأمرين: لشرعه وخلقه. ومنه قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢]، وقوله: ﴿تَذَكَّرُونَ تَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧]،

стр. 667

﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، فـ «لعل» في هذا كله قد أُخلِصت للتعليل، والرجاء الذي جاء فيها متعلّق بالمخاطبين. فصل النوع الثامن: ذِكْر الحُكم الكوني أو الشرعي عقيب الوصف المناسب له، فتارة يُذكر بـ «إنّ»، وتارة يُقرن بالفاء، وتارة يُذكر مجرّدًا. فالأول كقوله: ﴿وَزَكَرِيَّاءَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩ - ٩٠]، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٥ - ١٦]، وقوله: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا اَلْمُخْلِصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]، وقوله: ﴿تَعْقِلُونَ (١٦٩) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ﴾ [الأعراف: ١٧٠]. والثاني كقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢]، ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]. والثالث كقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الذاريات: ١٥]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٢٧٧]، وهذا في التنزيل يزيد على عدة آلاف موضع، بل القرآن مملوء منه.

стр. 668

فإن قيل: هذا إنما يفيد كون تلك الأفعال أسبابًا لما رُتِّب عليها، لا تقتضي إثبات التعليل في فعل الرب وأمره، فأين هذا من هذا؟ قيل: لمّا جعل الرب سبحانه هذه الأوصاف عللًا لهذه الأحكام، وأسبابًا لها؛ دل ذلك على أنه حَكَم بها شرعًا وقدرًا لأجل تلك الأوصاف، وأنه لم يحكم بها لغير علة ولا حكمة. ولهذا كان كل مَن نفى التعليل والحِكَم نفى الأسباب، ولم يجعل لحُكْم الرب الكوني والديني سببًا ولا حكمة هي العلّة الغائية (١)، فهؤلاء ينفون الأسباب والحِكَم. ومن تأمل شرعَ الربّ تعالى وقدرَه وجزاءه جزَمَ جزمًا ضروريًا ببطلان قول النفاة، والله تعالى قد رتّبَ الأحكام على أسبابها وعللها، وبيّن ذلك خبرًا وحسًّا وفطرة وعقلًا، ولو ذكرنا ذلك على التفصيل لقام منه عدّة أسفار. فصل النوع التاسع: تعليله سبحانه عدم الحُكْم القدري أو الشرعي بوجود المانع منه، كقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سَقْفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ الآية [الزخرف: ٣٣]، ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧]، وقوله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]، أي: آيات الاقتراح، لا الآيات الدالة على صدق الرسل التي يقيمها هو

стр. 669

سبحانه ابتداء، وقوله: ﴿(٤٣) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ آاعْجَمِيٌّ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤]، وقوله: ﴿مُبِينٌ (٧) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٨ - ٩]، فأخبر سبحانه عن المانع الذي منع من إنزال المَلَك عيانًا بحيث يشاهدونه، وأن حكمته وعنايته بخلقه منعت من ذلك؛ فإنه لو أنزل المَلَك ثم عاينوه ولم يؤمنوا لعُوجِلوا بالعقوبة ولم يُنظَروا. وأيضًا فإنه جعل الرسول بشرًا ليمْكنهم التلقّي عنه والرجوع إليه، ولو جعله مَلَكًا فإما أن يدعه على هيئة الملائكة، أو يجعله على هيئة البشر. والأول يمنعهم من التلقّي عنه، والثاني لا يُحصِّل مقصودَهم؛ إذ كانوا يقولون: هو بشر، لا مَلَك! وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذ جَّاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤ - ٩٥]، فأخبر سبحانه عن المانع من إنزال الملائكة، وهو أنه لم يجعل الأرض مسكنًا لهم، ولا يستقرون فيها مطمئنين، بل يكون نزولهم لتنفيذ أوامر الربّ، ثم يعرجون إليه. ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩]، فأخبر سبحانه عن حكمته في الامتناع من إرسال رسله بآيات الاقتراح والتشهّي، وهي أنها لا توجب الإيمان، فقد سألها الأولون فلمّا أوتوها كذبوا بها فأهلكوا، فليس لهم مصلحة في الإرسال بها، بل حكمته تعالى تأبى ذلك كل الإباء.

стр. 670

ثم نبّهَ على ما أصاب ثمود من ذلك بأنهم اقترحوا الناقة، فلمّا أُعطوا ما سألوا ظلموا ولم يؤمنوا، فكان في إجابتهم إلى ما سألوا هلاكُهُم واستئصالُهُم. ثم قال: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، أي: لأجل التخويف، فهو منصوب نصب المفعول لأجله. قال قتادة: «إنّ الله يخوّف الناس بما شاء من آياته لعلهم يُعْتِبون أو يذّكرون أو يرجعون» (١). وهذا يعم آياته التي تكون مع الرسل، والتي تقع بعدهم في كل زمان، فإنه سبحانه لا يزال يُحْدِث لعباده من الآيات ما يخوّفهم بها، ويذكّرهم بها. ومن ذلك قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٣٧]، أي لا يعلمون حكمته تعالى ومصلحة عباده في الامتناع من إنزال الآيات التي يقترحها الناس على الأنبياء، وليس المراد أنّ أكثر الناس لا يعلمون أنّ الله قادر؛ فإنه لم ينازع في قدرة الله في الجملة أحد من المقرّين بوجوده سبحانه، ولكن حكمته في ذلك لا يعلمها أكثر الناس. فصل النوع العاشر: إخباره عن الحِكَم والغايات التي جعلها في خلقه وأمره، كقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ
следующие страницы →