← Акыда

Акыда · id 205

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (1 033 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

ولمّا كان زمن التألم والعذاب صبره (١) طويل، وأنفاسه ساعات، وساعاته أيام، وأيامه شهور وأعوام= سلّى سبحانه الممتحَنين فيه بأن لذلك الابتلاء أجلًا ثم ينقطع، وضرب لأهله أجلًا للقائه يسلّيهم به، ويُسكّن نفوسهم، ويهوّن عليهم أثقاله، فقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهْوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: ٥]. فإذا تصوّر العبد أجَل ذلك البلاء وانقطاعه، وأجَل لقاء المبتلِي سبحانه وإتيانه= هان عليه ما هو فيه، وخفّ عليه حمله. ثم لما كان ذلك لا يحصل إلا بمجاهدةٍ للنفس وللشيطان ولبني جنسه، وكان العامل إذا علم أنّ ثمرة عمله وتعبه تعود عليه وحده، لا يشركه فيه غيره= كان أتم اجتهادًا وأوفر سعيًا، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦]. وأيضًا فلا يتوهّم متوهِّم أن منفعة هذه المجاهدة والصبر والاحتمال تعود على الله سبحانه؛ فإنه غني عن العالمين، لم يأمرهم بما أمرهم به حاجة منه إليهم، ولا نهاهم عمّا نهاهم عنه بخلًا منه عليهم، بل أمرهم بما يعود نفعه ومصلحته عليهم في معاشهم ومعادهم، ونهاهم عمّا يعود مضرته وعنَتُه عليهم في معاشهم ومعادهم، فكانت ثمرة هذا الابتلاء والامتحان مختصّة بهم. واقتضت حكمته أنْ نصب ذلك سببًا مفضيًا إلى تميّز الطيب من الخبيث والشقي من الغوي، ومن يصلح له ممن لا يصلح، قال تعالى: ﴿كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا﴾ [آل عمران: ١٧٩]،

стр. 807

فابتلاهم سبحانه بإرسال رسله إليهم بأوامره ونواهيه واختباره، فامتاز برسله طيّبُهم من خبيثهم، وجيّدُهم من رديئهم، فوقع الثواب والعقاب على معلوم أظهره ذلك الابتلاء والامتحان. ثم لما كان الممتحَن لا بدّ أن ينحرف عن طريق الصبر والمجاهدة لدواعي طبعه وهواه، وضعفه عن مقاومة ما ابتُلِي به= وعَدَه سبحانه أن يتجاوز له عن ذلك، ويكفره عنه؛ لأنه لمّا آمن به والتزم طاعته اقتضت رحمته أن كفّر عنه سيئاته، وجازاه بأحسن أعماله. ثم ذكر سبحانه ابتلاء العبد بأبويه، وما أُمِر به من طاعتهما، وصبره على مجاهدتهما له على أن يُشْرك به (١)، فيصبر على هذه المحنة والفتنة، ولا يطيعهما، بل يصاحبهما على هذه الحال معروفًا، ويعرض عنهما إلى متابعة سبيل رسله. وفي الإعراض عنهما وعن سبيلهما، والإقبال على من خالفهما وعلى سبيله من الامتحان والابتلاء ما فيه. ثم ذكر سبحانه حال من دخل في الإيمان على ضعف عزم، وقلة بصيرة، وعدم ثبات على المحنة والابتلاء، وأنه إذا أوذي في الله ــ كما جرت به سنة الله، واقتضت حكمته من ابتلاء أوليائه بأعدائه وتسليطهم عليهم بأنواع المكاره والأذى ــ لم يصبر على ذلك، وجزع منه، وفرّ منه ومن أسبابه كما يفرّ من عذاب الله، فجعل فتنة الناس له على الإيمان وطاعة رسله كعذاب الله لمن يعذبه على الشرك ومخالفة رسله.

стр. 808

وهذا يدل على عدم البصيرة، وأن الإيمان لم يدخل قلبه، ولا ذاق حلاوته حين سَوَّى بين عذاب الناس (١) له على الإيمان بالله ورسوله وبين عذاب الله لمن لم يؤمن به وبرسله. وهذا حال من يعبد الله على حرف واحد، لم ترسخ قدمه في الإيمان وعبادة الله، فهو من المفتونين المعذَّبين، وإن فرّ من عذاب الناس له على الإيمان. ثم ذكر حال هذا عند نصرة المؤمنين، وأنهم إذا نُصِروا لجأ إليهم، وقال: كنت معكم، والله سبحانه يعلم من قلبه خلاف قوله. ثم ذكر سبحانه ابتلاء نوح ﵇ بقومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وابتلاء قومه بطاعته، فكذبوه، فابتلاهم بالغرق، ثم بعده بالحرق. ثم ذكر ابتلاء إبراهيم ﵇ بقومه وما ردّوا عليه، وابتلاءهم بطاعته ومتابعته. ثم ذكر ابتلاء لوط ﵇ بقومه وابتلاءهم به، وما صار إليه أمره وأمرهم. ثم ذكر ابتلاء شعيب ﵇ بقومه وابتلاءهم به، وما انتهت إليه حالهم وحاله. ثم ذكر ما ابتَلَى به عادًا وثمودًا وقارون وفرعون وهامان وجنودهم من الإيمان به وعبادته وحده، ثم ما ابتلاهم به من أنواع العقوبات.

стр. 809

ثم ذكر ابتلاء رسوله محمد ﷺ بأنواع الكفار من المشركين وأهل الكتاب، وأَمَرَهُ أن يجادل أهل الكتاب بالتي هي أحسن. ثم أمر عباده المبتلين بأعدائه أن يهاجروا من أرضهم إلى أرضه الواسعة فيعبدونه فيها، ثم نبّهَهُم بالنّقلة الكبرى من دار الدنيا إلى دار الآخرة على نقلتهم الصغرى من أرض إلى أرض، وأخبرهم أن مرجعهم إليه، فلا قرار (١) لهم في الدار (٢) دون لقائه. ثم بيّن لهم حال الصابرين على الابتلاء فيه بأنه يُبَوِّئُهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، فسلّاهم عن أرضهم ودارهم التي تركوها لأجله ــ وكانت مَباءة لهم ــ بأن بوّأهم دارًا أحسن منها، وأجمع لكل خير ولذة ونعيم مع خلود الأبد، وأنهم نالوا ذلك بصبرهم على الابتلاء، وتوكلهم على ربهم. ثم أخبرهم بأنه ضامنٌ لرزقهم في غير أرضهم كما كان يرزقهم في أرضهم، فلا يهتمّوا بحمل الرزق، فكم من دابة إذا سافرت من مكان إلى مكان لا تحمل رزقها. ثم أخبرهم أن مدة الابتلاء والامتحان في هذه الدار قصيرة جدًّا بالنسبة إلى دار الحيوان والبقاء. ثم ذكر سبحانه عاقبة أهل الابتلاء ممن لم يؤمن به، وأن مقامهم في هذه الدار تمتُّع، وسوف يعلمون عند النّقْلة منها ما فاتهم من النعيم المقيم، وما

стр. 810

حصلوا عليه من العذاب الأليم، وذَكَر عاقبة أهل الابتلاء ممن آمن به، وأطاع رسله، وجاهد نفسه وعدوه في دار الابتلاء بأنه هاديه وناصره. فأخبر سبحانه أنّ أجلّ عطائه وأفضلَه في الدنيا والآخرة هو لأهل الابتلاء الذين صبروا على ابتلائه وتوكلوا عليه، وأخبر أن أعظم عذابه وأشدّه هو للذين لم يصبروا على ابتلائه وفرّوا منه، وآثروا النعيم العاجل عليه. فمضمون هذه السورة هو سر الخلق والأمر، فإنها سورة الابتلاء والامتحان، وبيان حال أهل البلوى في الدنيا والآخرة، ومن تأمل فاتحتها ووسطها وخاتمتها وجد في ضمنها أن أول الأمر ابتلاء وامتحان، ووسطه صبر وتوكل، وآخره هداية ونصر، والله المستعان. يوضحه الوجه الخامس والثلاثون: وهو أنه سبحانه أخبر أنه خلق السماوات والأرض ــ العالم العلوي والسفلي ــ ليبلونا أيّنا أحسن عملًا، وأخبر أنه زيّن الأرض بما عليها من حيوان ونبات ومعادن وغيرها لهذا الابتلاء، وأنه خلق الموت والحياة لهذا الابتلاء، فكان هذا الابتلاء غاية الخلق والأمر، فلم يكن بدّ (١) من دار يقع فيها هذا الابتلاء، وهي دار التكليف. ولمّا سبق في حكمته أنّ الجنة دار نعيم لا دار ابتلاء وامتحان؛ جعل قبلها دار الابتلاء جسرًا يُعْبَر عليه إليها، ومزرعة يُبْذَر فيها، وميناء يُتَزوّد منها، وهذا هو الحق الذي خَلَق الخلقَ به ولأجله، وهو أن يُعْبد وحده بما أمر به

стр. 811

على ألسنة رسله، فأَمَر ونهى على ألسنة رسله، ووعدنا بالثواب والعقاب، ولم يخلق خلقه سدى لا يأمرهم ولا ينهاهم، ولا تركهم هملًا لا يثيبهم ولا يعاقبهم، بل خُلِقوا للأمر والنهي والثواب والعقاب، ولا يليق بحكمته وحمده غير ذلك. فصل وقد عُرِف من هذا الجواب عن قولهم: أي حكمة في خَلْق النفس مريدة للخير والشر؟ وهلّا خُلِقت مريدة للخير وحده؟ وكيف اقتضت الحكمة تمكينها من الشرّ مع القدرة على منعها منه؟ وأي حكمة في إعطائها قوةً وأسبابًا يَعلم المعطي أنها لا تفعل بها إلا الشرّ وحده؟ وأي حكمة في إقرار هذه النفوس على غيِّها وظلمها وعدوانها؟ ومعلوم أنّ من يفعل لحكمة لا يفعل ذلك، وأنّ من يفعل لحكمة إذا رأى عبيده يقتل بعضهم بعضًا، ويُفِسد بعضهم بعضًا، ويظلم بعضهم بعضًا ــ وهو قادر على منعهم ــ فلا تدعه حكمتُه وإهمالَهم، فحيث تركهم كذلك، فإما أن لا يكون عالمًا بما يأتون به، أو لا يكون قادرًا على منعهم، أو لا يكون ممن يفعل لغرض وحكمة؟ والأولان مستحيلان في حقّ الربّ تعالى، فتعيّن الثالث. ومبنى هذه الشبهة على أصل فاسد وهو: قياس الربّ تعالى على خلقه وتشبيهه بهم في أفعاله، بحيث يحسن منه ما يحسن منهم، ويقبح منه ما يقبح منهم. ولهذا كانت القدرية مشبِّهة الأفعال، ومتأخروهم جمعوا بين هذا التشبيه وبين تعطيل الصفات، فصاروا معطِّلين للصفات، مشبِّهين في الأفعال.

стр. 812

وهذا الأصل الفاسد مما رده عليهم سائر العقلاء، وقالوا: قياس أفعال الربّ على أفعال العباد من أفسد القياس، وكذلك قياس حكمته على حكمتهم، وصفاته على صفاتهم. ومن المعلوم أن الربّ تعالى علم أن عباده يقع منهم الكفر والظلم والفسوق، وكان قادرًا على أن لا يوجدهم، وأن يوجدهم كلهم أمة واحدة على ما يحبّ ويرضى، وأن يحول بينهم وبين بَغْي بعضهم على بعض، ولكن حكمته البالغة أبت ذلك، واقتضت إيجادهم على الوجه الذي هم عليه. وهو سبحانه خلق النفوس أصنافًا: فصنف منها مريد للخير وحده ــ وهي نفوس الملائكة ــ، وصنف مريد للشر وحده ــ وهي نفوس الشياطين ــ، وصنف فيه إرادة النوعين ــ وهي النفوس البشرية ــ. فالأولى: الخير لهم طباع، وهي محمودة عليه، والشر للنفوس الثانية طباع، وهي مذمومة عليه، والصنف الثالث بحسب الغالب عليه من الوصفين: فمن غَلَب عليه وصف الخير التحق بالصنف الأول، ومن غَلَب عليه وصف الشر التحق بالصنف الثالث (١)، فإذا اقتضت الحكمة وجود هذا الصنف الثالث فأنْ تقتضيَ وجود الثاني أولى وأحرى. والرب تعالى اقتضت قدرته وعزته وحكمته إيجاد المتقابلات في الذوات والصفات والأفعال كما تقدم، وقد نوّع خلقه تنويعًا دالًّا على كمال

стр. 813

قدرته وربوبيته، فمِنْ أعظم الجهل والضلال أن يقول القائل: هلّا كان خَلْقُهُ كلهم نوعًا واحدًا، فيكون العالم عُلْوًا كله، أو نورًا كله، أو الحيوان مَلَكًا كله؟ وقد يقع في الأوهام الفاسدة أنّ هذا كان أولى وأكمل، ويفرض الوهم الفاسد ما ليس ممكنًا: كمالًا. الوجه السادس والثلاثون: قوله: «وأي حكمة في إيلام الحيوانات غير المكلفة؟». فهذه مسألة تكلم الناس فيها قديمًا وحديثًا، وتباينت طرقهم في الجواب عنها. فالجاحدون للفاعل المختار الذي يفعل بمشيئته وقدرته يُحِيلون ذلك على الطبيعة المجرّدة، وأن ذلك من لوازمها ومقتضياتها، ليس بفعل فاعل، ولا قدرة قادر، ولا إرادة مريد. ومنكرو الحكمة والتعليل يردّون ذلك إلى محض المشيئة، وصِرْف الإرادة التي تُخَصِّص مِثْلًا على مِثْل بلا موجِب ولا غاية ولا حكمة مطلوبة ولا سبب أصلًا. وظنَّوا أنهم بذلك يتخلصون من السؤال، ويسدّون على نفوسهم باب المطالبة، وإنما سدّوا على نفوسهم باب معرفة الربّ وكماله، وكمال أسمائه وأوصافه وأفعاله، فعطّلوا حكمته وحقيقة إلهيته وحمده، وكانوا كالمستجيرين من الرمضاء بالنار. وأما من أثبت حكمة وتعليلًا لا يعود إلى الخالق بل إلى المخلوق؛

стр. 814

سلكوا (١) طريق (٢) التعويض على تلك الآلام في حق من يُبعَث للثواب والعقاب. وقالوا: قد يكون في ذلك إثابة، لإثابتهم (٣) بصبرهم وتألمهم، وإثابة لهم وتعويضًا في القيامة بما نالهم من تلك الآلام، فلما أُورِد عليهم إيلامُ الحيوانات التي لا تُثاب ولا تعاقب ... (٤). وأما المثبتون لحقائق أسماء الربّ وصفاته وحكمته التي هي وصفه، ولأجلها تسمَّى بالحكيم، وعنها صدر خلقه وأمره= فهم أعلم الفرق بهذا الشأن، ومسلكهم فيه أصح المسالك، وأسلم من التناقض والاضطراب؛ فإنهم جمعوا بين إثبات القدرة والمشيئة العامة والحكمة الشاملة التي هي غاية الفعل، وربطوا ذلك بالأسماء والصفات، فتصادق عندهم السمع والعقل والشرع والفطرة، وعلموا أن ذلك مقتضى الحكمة البالغة، وأنه من لوازمها، وأن لازم الحق حق، ولازم العدل عدل، ولوازم الحكمة من الحكمة. فاعلم أن ههنا أمرين: نفسًا متحركة بالإرادة والاختيار، وطبيعةً متحركة بغير الاختيار والإرادة، وأن الشر منشؤه من هذين المتحركين، وعن هاتين الحركتين، وخُلِقت هذه النفس وهذه الطبيعة على هذا الوجه، فهذه تتحرك

стр. 815

لكمالها، وهذه تتحرك لكمالها، وينشأ عن الحركتين خير وشر، كما ينشأ عن حركة الأفلاك والشمس والقمر، وحركة الرياح، والماء والنار: خير وشر. فالخيرات الناشئة عن هذه الحركات مقصودة بالقصد الأول، إما لِذَاتها وإما لكونها وسيلة إلى خيرات أتم منها، والشرور الناشئة عنها غير مقصودة بالذات، وإن قُصِدت قَصْد الوسائل واللوازم التي لا بدّ منها، فما جُبِلت عليه النفس من الحركة هو من لوازم ذاتها، فلا تكون النفس البشرية نفسًا إلا بهذا اللازم. فإذا قيل: لِمَ خُلِقت متحركة على الدوام؟ فهو بمنزلة أن يقال: لِمَ كانت النفس نفسًا، ولِمَ كانت النار نارًا، والريح ريحًا؟ فلو لم تُخْلق هكذا ما كانت نفسًا، ولو لم تُخْلق الطبيعة هكذا ما كانت طبيعة، ولو لم يُخْلق الإنسان على هذه الصفة والخِلْقة ما كان إنسانًا. فإن قيل: فلِمَ خُلِقت النفس على هذه الصفة؟ قيل: من كمال الوجود خَلْقها على هذه الصفة كما تقدم، وكذلك كمال فاطرها ومبدعها اقتضى خَلْقها على هذه الصفة؛ لما في ذلك من الحِكَم التي لا يحصيها إلا مبدعها سبحانه. وإن كان في إيجاد هذه النفس شرًّا فهو شرّ جزئي بالنسبة إلى الخير الكلّي الذي في (١) إيجادها، فوجودها خير من أن لا توجد، فلو لم تُخْلَق مثل هذه النفس لكان في الوجود نقص وفوات حِكَم ومصالح عظيمة موقوفة على خَلْق مثل هذه النفس.

стр. 816

ولهذا لما اعترضت الملائكة على خلق الإنسان وقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠]؛ أجابهم سبحانه بأن في خلقه من الحِكَم والمصالح ما لا تعلمه الملائكة والخالق سبحانه يعلمه. وإذا كانت الملائكة لا تعلم ما في خَلْق هذا الإنسان الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء من الحِكم والمصالح فغيرهم أولى أن لا يحيط به علمًا. فخَلْق هذا الإنسان من تمام الحكمة والرحمة والمصلحة، وإن كان وجوده مستلزمًا لشر، فهو شر مغمور بما في إيجاده من الخير، كإنزال المطر والثلج، وهبوب الرياح، وطلوع الشمس، وخلق الحيوان والنبات والجبال والبحار. وهذا كما أنه في خَلْقه فهو في شرعه ودينه وأمره؛ فإن ما أَمَر به من الأعمال الصالحة خيره ومصلحته راجح، وإن كان فيه شرّ فهو مغمور جدًّا بالنسبة إلى خيره، وما نهى عنه من الأعمال والأقوال القبيحة فشرّه ومفسدته راجح، والخير الذي فيه مغمور جدًّا بالنسبة إلى شره. فسنّته سبحانه في خلقه وأمره فِعْل (١) الخير الخالص والراجح، والأمر بالخير الخالص والراجح، فإذا تناقضت أسباب الخير والشر ــ والجمع بين النقيضين محال ــ قدّم أسباب الخير الراجحة على المرجوحة، ولم يكن تفويت المرجوحة شرًّا، ودفع أسباب الشر الراجحة بالأسباب المرجوحة، ولم يكن حصول المرجوحة شرًّا بالنسبة إلى ما اندفع بها من الشرّ الراجح.

стр. 817

وكذلك سنّته في شرعه وأمره، فهو يقدم الخير الراجح وإن كان في ضمنه شرٌّ مرجوح، ويعطل الشر الراجح وإن فات بتعطيله خير مرجوح، هذه سنّته فيما يحدثه ويبدعه في سماواته وأرضه، وما يأمر به وينهى عنه، وكذلك سنّته في الآخرة. وهو قد أحسن كل شيء خلقه، وقد أتقن كل ما صنع، وهذا أمر يعلمه العالمون بالله جملة، ويتفاوتون في العلم بتفاصيله. وإذا عُرِف ذلك فالآلام والمشاق إما إحسان ورحمة، وإما عدل وحكمة، وإما إصلاح وتهيئة لخير يحصل بعدها، وإما لدفع ألم هو أصعب منها، وإما لتولّدها عن لذّات ونِعَم، يولّدها عنها أمر لازم لتلك اللذات، وإما أن يكون من لوازم العدل، أو لوازم الفضل والإحسان، فيكون من لوازم الخير التي إن عُطِّلتْ عُطِّلتْ ملزوماتها، وفات بتعطيلها خير أعظم من مفسدة تلك الآلام، والشرع والقدر أعدل شاهدين بذلك. فكم في طلوع الشمس من ألم لمسافر وحاضر، وكم في نزول الغيث والثلوج من أذى، كما سمَّاه الله تعالى بقوله: ﴿كَانَ (١) بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ﴾ [النساء: ١٠٢]، وكم في هذا الحرِّ والبرد والرياح من أذى موجِب لأنواع من الآلام لصنوف الحيوانات. وأعظم لذّات الدنيا لذّة الأكل والشرب والنكاح واللباس والرياسة، ومعظم آلام أهل الأرض أو كلها ناشئة عنها ومتولّدة منها، بل الكمالات

стр. 818

الإنسانية لا تنال (١) إلا بالآلام والمشاقّ، كالعلم والشجاعة والزهد والعِفّة والحلم والمروءة والصبر والإحسان، كما قال: لولا المشقةُ ساد الناسُ كلهمُ ... الجودُ يُفْقِرُ والإقدامُ قَتَّالُ (٢) وإذا كانت الآلام أسبابًا لِلَذّاتٍ أعظم منها وأدوم؛ كان العقل يقضي باحتمالها. وكثيرًا ما تكون الآلام أسبابًا لصحة لولا تلك الآلام لفاتت، وهذا شأن أكثر أمراض الأبدان. فهذه الحمّى فيها من المنافع للأبدان ما لا يعلمه إلا الله، وفيها من إذابة الفضلات وإنضاج المواد الفِجّة (٣) وإخراجها ما لا يصل إليه دواء غيرها، وكثير من الأمراض إذا عرض لصاحبها الحمّى استبشر بها الطبيب. وأما انتفاع القلب والروح بالآلام والأمراض فأمرٌ لا يحسّ به إلا من فيه حياة، فصحة القلوب والأرواح موقوفة على آلام الأبدان ومشاقها، وقد أُحْصِيت فوائد الأمراض فزادت على مائة فائدة. وقد حجب الله سبحانه أعظم اللذات بأنواع المكاره، وجعلها جسرًا موصلًا إليها، كما حجب أعظم الآلام بالشهوات واللذات، وجعلها جسرًا

стр. 819

موصلًا إليها (١). ولهذا كانت العقلاء قاطبة على أن النعيم لا يُدرك بالنعيم، وأن الراحة لا تنال بالراحة، وأن من آثر اللذات فاتته اللذات، فهذه الآلام والأمراض والمشاق من أعظم النعم؛ إذ هي أسباب النعم. وما ينال الحيوانات غير المكلفة منها فمغمور جدًّا بالنسبة إلى مصالحها ومنافعها، كما ينالها من حرِّ الصيف وبرد الشتاء، وحَبْس المطر والثلج، وألم الحمل والولادة، والسعي في طلب أقواتها، وغير ذلك، ولكن لذاتها أضعاف أضعاف آلامها، وما ينالها من المنافع والخيرات أضعاف ما ينالها من الشرور والآلام. فسنّة الله في خلقه وأمره هي التي أوجبها كمال علمه وحكمته وعزّته، ولو اجتمعت عقول العقلاء كلهم على أن يقترحوا أحسن منها لعجزوا عن ذلك، وقيل لكل منهم: ارجع بصر العقل؛ هل ترى من خلل؟ ثم ارجع البصر كَرّتين ينقلب إليك البصر خاسِئًا وهو حَسِير. فتبارك الذي من كمال حكمته وقدرته أن أخرج الأضداد من أضدادها، والأشياء من خلافها، فأخرج الأضداد والأشياء من خلافها (٢)، فأخرج الحي من الميت، والميت من الحي، والرطب من اليابس، واليابس من الرطب، فكذلك أنشأ اللذات من الآلام، والآلام من اللذات، فأعظم اللذات ثمرات الآلام ونتائجها، وأعظم الآلام ثمرات اللذات ونتائجها.

стр. 820

وبعدُ؛ فاللذة والسرور والخير والنعيم والعافية والمصلحة والرحمة في هذه الدار المملوءة بالمحن والبلاء أكثر من أضدادها بأضعاف مضاعفة، فأين آلام الحيوان من لذته؟ وأين سقمه من صحته؟ وأين جوعه وعطشه من شبعه وريِّه، وتعبه من راحته؟ قال تعالى: ﴿(٤) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ﴾ [الشرح: ٥ - ٦]، ولن يغلب عسرٌ يُسْرَين، وهذا لأنّ الرحمةَ غلبت الغضب، والعفوَ سبق العقوبة، والنعمةَ تقدمت المحنة. والخير في الصفات والأفعال، والشر في المفعولات لا في الأفعال، فأوصافه كلّها كمال، وأفعاله كلّها خيرات. فإنْ ألِمَ الحيوانُ لم يعدم تألمه عافية من ألم هو أشد من ذلك الألم، أو تهيئة لقوة وصحة وكمال، أو عوضًا لا نسبة لذلك الألم إليه بوجه ما، فآلام الدنيا جميعها نسبتها إلى لذات الآخرة وخيراتها أقل من نسبة ذرة إلى جبال الدنيا بكثير، وكذلك لذات الدنيا جميعها بالنسبة إلى آلام الآخرة، والله سبحانه لم يخلق الآلام واللذات سُدى، ولم يقدرهما عبثًا، ومن كمال قدرته وحكمته أن جَعل كل واحدة منهما تُثمر الأخرى. هذا ولوازم الخِلْقة يستحيل ارتفاعها، كما يستحيل ارتفاع الفقر والحاجة والنقص عن المخلوق، فلا يكون المخلوق إلا فقيرًا محتاجًا ناقص العلم والقدرة، فلو كان الإنسان وغيره من الحيوان لا يجوع ولا يعطش ولا يألم في عالم الكَوْن والفساد لم يكن حيوانًا، ولكانت هذه الدار دار بقاء ولذة مطلقة كاملة، والله لم يجعلها كذلك، وإنما جعلها دارًا ممتزجًا ألمُها بلذتها، وسرورُها بأحزانها، وغمومُها وصحتُها بسقمها؛ حكمةً منه بالغة.

стр. 821

فصل ولمّا كانت الآلام كالأدوية للأرواح والأبدان كانت كمالًا للحيوان، خصوصًا لنوع الإنسان؛ فإن فاطره وبارئه إنما أمرضه ليشفيه، وإنما ابتلاه ليعافيه، وإنما أماته ليحييه، فهو سبحانه يسوق الحيوان والإنسان في مراتب الكمال طورًا بعد طور إلى آخر كماله بأسباب لا بدّ له منها، وكماله موقوف على تلك الأسباب، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع، كوجود المخلوق بدون الحاجة والفقر والنقص ولوازم ذلك، ولوازم تلك اللوازم. ولكن أكثر النفوس جاهلة بالله وحكمته وعلمه وكماله، فتفرض أمورًا ممتنعة وتقدّرها تقديرًا ذهنيًا، وتحسب أنها أكمل من الممكن الواقع، ومع هذا فربّها يرحمها لجهلها وعجزها ونقصها، فإن اعترفت بذلك واعترفت له بكماله وحمده، وقامت بمقتضى هذين الاعترافين؛ كان نصيبها من الرحمة أوفر. والله سبحانه افتتح الخلق بالحمد، وختم أمر هذا العالم بالحمد، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: ١]، وقال: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾ [الزمر: ٧٥]، وأنزل كتابه بالحمد، وشرع دينه بالحمد، وأوجب ثوابه وعقابه بالحمد، فحمده من لوازم ذاته؛ إذ يستحيل أن يكون إلا محمودًا. فالحمد سبب الخلق وغايته، الحمدُ أوجبه، وللحمد وُجِد. فحمده واسع لما وسعه علمه ورحمته، وقد وسع ربنا كل شيء رحمة وعلمًا، فلم يوجِدْ شيئًا ولم يقدّره ولم يشرَعْه إلا بحمده ولحمده.

стр. 822

وكل ما خلقه وشرعه فهو متضمن للغايات الحميدة، ولابد من لوازمها ولوازم لوازمها، ولهذا ملأ حمده سماواته وأرضه وما بينهما، وما شاء من شيء بعد، مما خلقه ويخلقه هناك بعد هذا الخلق، فحمده ملأ ذلك كله. وحمده تعالى أنواع: حمد على ربوبيته، وحمد على تفرده بها، وحمد على ألوهيته وتفرده بها، وحمد على نعمته، وحمد على منّته، وحمد على حكمته، وحمد على عدله في خلقه، وحمد على غناه عن اتخاذ الولد والشريك والولي من الذل، وحمد على كماله الذي لا يليق بغيره، فهو محمود على كل حال، وفي كل آن ونَفَس، وعلى كل ما فعل وكل ما شرع، وعلى كل ما هو متصف به، وعلى كل ما هو منزّه عنه، وعلى كل ما في الوجود من خير وشَرّ، ولذّة وألم، وعافية وبلاء. فكما أن المُلك كله له، والقدرة كلها له، والعزة كلها له، والعلم كله له، والجمال كله له= فالحمد كله له، كما في الدعاء المأثور: «اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله، وأنت أهل أن تُحمد» (١). وما عُمِرت الدنيا إلا بحمده، ولا الجنة إلا بحمده، ولا النار إلا بحمده، حتى إن أهلها ليحمدونه، كما قال الحسن: «لقد دخل أهلُ النارِ النارَ وإنّ قلوبهم لتحمده، ما وجدوا عليه من حجة ولا سبيل» (٢).

стр. 823

فصل فإن قيل: فأي لذة وأي خير ينشأ من العذاب الشديد الدائم الذي لا ينقطع ولا يفتر عن أهله، بل أهله فيه أبد الآباد، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦]، ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦]، ولا يُخفَّف عنهم طرفة عين؟ قيل: لعمر الله هذا سؤال يُقَلْقِلُ الجبال، فضلًا عن قلوب الرجال. وعن هذا السؤال أنكر من أنكر من المُقرِّين بالمعاد حكمة العزيز الحكيم، وردّ الأمر إلى مشيئة محضة لا سبب لها ولا غاية، وجَوّز على الله أن يعذب أهل طاعته وأولياءه، وينزلهم إلى أسفل الجحيم، وينعم أعداءه المشركين به، ويرفعهم إلى أعلى جنات النعيم أبد الآباد، وأن يدخل النار من يشاء بغير سبب ولا عمل أصلًا، وأن يفاوت بين أهلها مع تساويهم في الأعمال، ويسوّي بينهم في العذاب مع تفاوتهم في الأعمال، وأن يعذب الرجل بذنب غيره، وأن يبطل حسناته كلّها فلا يثيبه بها، أو يثيب بها غيره، كل ذلك جائز عليه، لا نعلم أنه لا يفعله (١) إلا بخبر صادق؛ إذ نسبة ذلك وضدّه إليه على حد سواء. وقالوا: ولا مَخْلص عن هذا السؤال إلا بهذا الأصل.

стр. 824

وربما تمسكوا بظاهر من القول لم يضعوه على مواضعه، ولم يجمعوا بينه وبين أدلة العدل والحكمة، وتعليق الأمور بأسبابها، وترتيبها عليها، وآيات الموازنة والمقابلة، وأخطؤوا في فهم القرآن كما أخطؤوا في وصف الربّ بما لا يليق به، وفي التجويز عليه بما لا يجوز عليه. وقابلهم مثبتو الأسباب والحِكَم من القدرية، وزعموا أنهم يتخلصون من قبيح هذا القول بما أثبتوه من الحكمة والتعليل، ولكن وقعوا في نظيره أو ما هو شر منه، حيث أوجبوا على الله سبحانه تخليد من أفنى عمره في طاعته، ثم ارتكب كبيرة واحدة ومات مُصِرًّا عليها في النار مع أعدائه الكفار أبد الآباد، ولم يرقبوا له طاعة، ولم يرعوا له إسلامًا. وهم في هذا المذهب شرٌّ قولًا من إخوانهم الجبرية؛ فإن أولئك لم يوجبوا على الله ذلك الحُكْم، وإنما جوّزوه عليه، وجوّزوا أن لا يفعله، وهؤلاء أوجبوا عليه تخليد أهل الكبائر مع الكفار، ولم يجوّزوا عليه إخراجهم منها، وأصابهم في غلطهم على القرآن والسنة، وما يجوز على الرب وما لا يجوز عليه= ما أصاب إخوانهم من الجبرية. ولمّا ظنَّ غيرهم من أهل النظر والبحث أن هذا هو المعاد الذي أخبرت به الرسل، وعلموا أن هذا منافٍ للحكمة والرحمة والعدل والمصلحة= قالوا: إن ذلك تخويف وتخييل لا حقيقة له، يَزَعُ النفوس السَّبْعِية والبهيمية عن عدوانها وشهواتها، فتقوم بذلك مصلحة الوجود. وكان من أكبر أسباب إلحاد هؤلاء وكفرهم بالله واليوم الآخر نسبةُ أولئك مذاهبَهُم الباطلة وأقوالهم الفاسدة إلى الرسل، وإخبارَهُم أنهم دعوا

стр. 825

إلى الإيمان بها، كما أصابهم معهم في مسألة (١) حدوث العالم، حيث أخبروهم أن الرسل أخبرت عن الله تعالى أنه لم يزل معطَّلًا عن الفعل، والفعل غير ممكن منه، ثم انقلب من الإحالة الذاتية إلى الإمكان الذاتي عند ابتدائه بلا تجدّد سبب، ولا أمر قام بالفاعل، وقالوا: من لم يعتقد هذا فليس بمؤمن، ولا مصدِّق للرسل، فهذا في المبدأ، وذاك في المعاد. ثم جاءت طائفة أخرى فطووا بساط الخلق والأمر جملة، وقالوا: كل هذا محال وتلبيس، وما ثَمّ وجودان، بل الوجود كله واحد، ليس هناك خالق ومخلوق، وربّ ومربوب، وطاعة ومعصية، وما الأمر إلا نَسَق (٢) واحد، والتفريق من أحكام الوهم والخيال، فالسماوات والأرض، والدنيا والآخرة، والأزل والأبد، والحسن والقبيح كله شيء واحد، وهو من عين واحدة، ثم استدركوا فقالوا: لا بل هو العين الواحدة. ونشأ الناس ــ إلا من شاء الله ــ بين هؤلاء الطوائف الأربع، لا يعرفون سوى أقوالهم ومذاهبهم، فعظمت البليّة، واشتدت المصيبة، وصار أذكياءُ العالم زنادقةَ الناس، وأدناهم إلى الخلاص أهلُ البَلادة والبَلَه، والعقل والسمع عن هذه الفرق بمعزل، ومنازلهم منهما أبعد منزل. فنقول والله المستعان، وعليه التكلان، وبيده التوفيق (٣): قد دلَّ القرآن والسنة والفطرة وأدلة العقول أنه سبحانه خلق السماوات

стр. 826

والأرض وما بينهما بالحق، ولم يخلق ذلك عبثًا ولا سُدى ولا باطلًا، وإنما أوجد العالم العلوي والسفلي ومن فيهما بالحق الذي هو وصفه واسمه وقوله وفعله، وهو سبحانه الحق المبين، فلا يصدر عنه إلا حق، ولا يقول إلا حقًّا، ولا يفعل إلا حقًّا، ولا يأمر إلا بالحق، ولا يجازي إلا بحق. فالباطل لا يُضاف إليه، بل الباطل ما لم يُضَف إليه، كالحكم الباطل، والدين الباطل الذي لم يأذن فيه ولم يشرعه على ألسنة رسله، والمعبود الباطل الذي لا يستحق العبادة وليس أهلًا لها، فعبادته باطلة، ودعوته باطلة، والقول الباطل هو الكذب والزور، والمحال من القول الذي لا يتعلق بحق موجود، بل متعلَّقه باطل لا حقيقة له. وهو سبحانه إنما خلق خلقه لعبادته ومعرفته، وأصل عبادته محبته على آلائه ونعمه، وعلى كماله وجلاله، وذلك أمر فطري ابتدأ الله عليه خلقه، وهي فطرته التي فطر الناس عليها، كما فطرهم على الإقرار به، كما قالت الرسل صلوات الله عليهم لأممهم: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ﴾ [إبراهيم: ١٠]، فالخلق مفطورون على معرفته وتوحيده، فلو خُلّوا وهذه الفطرة لنشؤوا على معرفته وعبادته وحده. وهذه الفطرة أمر خَلْقي خُلِقوا عليه، ولا تبديل لخَلْقه، فمضى الناس على هذه الفطرة قرونًا عديدة، ثم عرض لها موجِب فسادِها وخروجِها عن الصحة والاستقامة، بمنزلة ما يعرض للبدن الصحيح والطبيعة الصحيحة مما يوجب خروجهما عن الصحة إلى الانحراف. فأرسل الله رسله بردِّ الناس إلى فطرتهم الأولى التي فُطِروا عليها، فانقسم الناس معهم ثلاثة أقسام:

стр. 827

منهم من استجاب لهم كل الاستجابة، وانقاد إليهم كلّ الانقياد، فرجعت فطرتُهُ إلى ما كانت عليه، مع ما حصل لها من الكمال والتمام في قُوَّتَي العلم النافع والعمل الصالح، فازدادت فطرتهم كمالًا إلى كمالها، فهؤلاء لا يحتاجون في المعاد إلى تهذيب وتأديب، ونار تذيب فضلاتهم الخبيثة، وتطهّرهم من الأدران والأوساخ؛ فإن انقيادهم للرسل أزال عنهم ذلك كله. وقسم استجابوا لهم من وجه دون وجه، فبقيت عليهم بقية من الأدران والأوساخ التي تنافي الحق الذي خُلِقوا له (١)، فهيَّأ لهم العليم الحكيم من أدوية الابتلاء والامتحان بحسب تلك الأدواء التي قامت بهم، فإن وَفَتْ بالخلاص منها في هذه الدار وإلا ففي البرزخ، فإن وَفَى بالخلاص وإلا ففي موقف القيامة وأهوالها ما يخلصهم من تلك البقية، فإن وَفَى بها وإلا فلابدّ من المداواة بالدواء الأعظم، وآخر الطب الكي، فيدخلون كِيْرَ التمحيص والتخليص، حتى إذا هُذّبوا ونُقّوا ولم يبق للدواء فائدة؛ أُخْرِجوا من مارَسْتان المرضى إلى دار أهل العافية، كما دلّ على ذلك السنة المتواترة عن النبي ﷺ ، وصَرَّح به في قوله: «حتى إذا هُذّبوا ونُقّوا أذن لهم في دخول الجنة» (٢)، فذلك قوله تعالى: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]، فلم يأذن لهم في دخولها إلا بعد طيبهم؛ فإنها دار الطيبين، فليس فيها شيء من الخَبَث أصلًا، ولهذا يلبث هؤلاء في النار على قدر حاجتهم إلى التطهير وزوال الخَبَث.

стр. 828

القسم الثالث: قوم لم يستجيبوا للرسل، ولا انقادوا لهم، بل استمروا على الخروج عن الفطرة، ولم يرجعوا إليها، واستحكم فسادها فيهم أتم استحكام، بحيث لا يُرْجَى لهم صلاح، فهؤلاء لا تفي محنُ الدنيا ومُصَابُ الموت وما بعده وأهوالُ القيامة بزوال أوساخهم وأدرانهم، ولا يليق بحكمة العليم الحكيم أن يجاور بهم الطيبين في دارهم، ولم يُخْلَقوا للفناء، فهؤلاء أهل دار الابتلاء والامتحان، باقون فيها ببقاء ما معهم من درن الكفر والشرك، والنار إنما أُوْقِدت عليهم بأعمالهم الخبيثة، فعذابهم بنفس أعمالهم، أُنشِئ لهم منها صورٌ من العذاب تناسبها وتشاكلها (١)، فالعذاب باقٍ عليهم ما بقيت حقائق تلك الأعمال وما تولد منها، فما دامت موجِبات العذاب باقية فالعذاب باقٍ. يبقى أن يقال: فهل ذهب أثر الفطرة الأولى بالكلية، بحيث صارت كأن لم تكن، وبطلت بالكلية، وانتقل الأمر إلى العارض المفسد لها، وعلى هذا فلا سبيل إلى خلاصهم من العذاب؛ إذ هو أثر ذلك الفساد الذي أزال الفطرة؟ أو يقال: الفطرة لم تذهب بالكلية، وإنما استحكم مرضها وفسادها وأصلها باقٍ، كما يستحكم مرض البدن وفساده والحياة قائمة به، لكنها حياة لا تنفع، فإذا قُدّر دواءٌ كريه صعب التناول لا سبيل إلى الصحة إلا بتكرّر تناوله مرارًا كثيرة العدد جدًّا تزيل ذلك المرض العارض، فيظهر أثر الفطرة الأولى، فلا يحتاج بعده إلى الدواء؟

стр. 829

هذا سر المسألة، ومن يذهب إلى هذا التقدير الثاني فإنه يقول: العقل لا يدل على امتناع ذلك، أو ليس فيه ما يحيله. ونقول: بل قد دلّ العقل والنقل والفطرة على أن الربّ تعالى حكيم رحيم، والحكمة والرحمة تأبى بقاء هذه النفوس في العذاب سرمدًا أبد الآباد، بحيث يدوم عذابها بدوام الله، فهذا ليس في الحكمة والرحمة (١). قالوا: وقد دلَّت الدلائل الكثيرة من النصوص والاعتبار، على أن ما شرعه الله في هذه الدار، أو قدَّره من العذاب والعقوبات، فإنما هو لتهذيب النفوس وتصفيتها من الشر الذي فيها، ولحصول مصلحة الزجر والاتعاظ، وفَطْمًا للنفوس عن المعاودة، وغير ذلك من الحكم التي إذا حصلت خلا التعذيب عن الحكمة والمصلحة فيبطل؛ فإنه تعذيب عليم حكيم رحيم لا يعذّب سدى، ولا لنفع يعود إليه بالتعذيب، بل كلا الأمرين محال، فإذًا لا يقع التعذيب إلا لمصلحة المعذِّب أو مصلحة غيره، ومعلوم أنه لا مصلحة له ولا لغيره في بقائه في العذاب سرمدًا أبد الآباد. قالوا: فمما دَلّ عليه القرآن والسنة أنّ جنس الآلام لمصلحة بني آدم قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١]، فأخبر أنّ ألم القتل والجراح في سبيله تمحيص، أي تطهير وتصفية للمؤمنين، وبَشَّر الصابرين على ألم الجوع

стр. 830

والخوف والفقر وفَقْد الأحباب وغيرهم بصلاته عليهم ورحمته وهدايته. وقال تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، قال أبو بكر الصديق ﵁: يا رسول الله، جاءت قاصمة الظهر، وأيّنا لم يعمل سوءًا؟ فقال: «يا أبا بكر، ألستَ تَنْصَب؟ ألستَ تحزن؟ أليس يصيبك الأذى؟» قال: بلى، قال: «فذلك مما تُجْزَون به» (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، وفي هذا تبشير وتحذير، إذ أعلمنا أن مصائب الدنيا عقوبات لذنوبنا، وهو أرحم أن يُثَنّي العقوبة على عبده بذنب قد عاقبه به في الدنيا، كما قال ﷺ : «من بُليَ بشيء من هذه القاذورات فستره الله، فأمره إلى الله: إن شاء عذّبه، وإن شاء غفر له، ومن عُوقب به في الدنيا فالله أكرم من أن يُثَنّي العقوبة على عبده» (٢). وفي الحديث: «الحدود كفارات لأهلها» (٣).

стр. 831

وفي «الصحيحين» (١) من حديث عبادة: «ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفَّارة له». وفي «الصحيح» (٢) عنه ﷺ : «ما يصيب المؤمن من وَصَب ولا نَصَب، ولا هَمٍّ ولا حَزَن، ولا أذى حتى الشوكة يُشاكها= إلا كَفّر الله بها من خطاياه». وقال: «لا يزال البلاء بالمؤمن في أهله وماله وولده حتى يلقى الله وما عليه من خطيئة» (٣). وفي حديث آخر: «إن المؤمن إذا مرض خرج مثل البَرَدة في صفائها ولونها» (٤). وفي الحديث الآخر: «إن الحمّى تنفي الذنوب كما ينفي الكِيْرُ خَبَث

стр. 832

الحديد» (١). وفي حديث آخر: «لا تسبّي الحمّى؛ فإنها تُذْهِب خطايا بني آدم» (٢). ومن أسماء الحمّى: مكفرة الذنوب. وفي الحديث الصحيح: «يقول الله يوم القيامة: عبدي، مرضتُ فلم تعدني، قال: كيف أعودك وأنت ربُّ العالمين؟ قال: مرض عبدي فلان فلم تعده، أما لو عدتَه لوجدتني عنده» (٣). وهذا أبلغ من قوله في الإطعام والإسقاء: «لوجدتَ ذلك عندي»، فهو سبحانه عند المبتلَى بالمرض رحمةً منه له وجبرًا وقربًا منه لكسر قلبه بالمرض، فإنه عند المنكسرة قلوبهم. وهذا أكثر من أن يُذْكَر. وربّ الدنيا والآخرة واحد، وحكمته ورحمته موجودة في الدنيا والآخرة، بل ظهور رحمته في الآخرة أعظم، فعذاب المؤمنين بالنار في الآخرة هو من هذا الباب كعذابهم في الدنيا بالمصائب والحدود، وكذلك حبسهم بين الجنة والنار حتى يُهذَّبوا ويُنقَّوا. وقد عُلِم بالنصوص الصحيحة الصريحة أن عذابهم في النار متفاوت قدْرًا ووقتًا بحسب ذنوبهم، وأنهم لا يخرجون منها جملةً واحدة، بل شيئًا

стр. 833

بعد شيء، حتى يبقى رجل هو آخرهم خروجًا منها. وكذلك عذاب الكفار فيها متفاوت تفاوتًا عظيمًا، فالمنافقون في دركها الأسفل، وأبو طالب أخفّ أهلها عذابًا في ضَحْضاح من نار (١)، يغلي منه دماغه، وآل فرعون في أشد العذاب. قالوا: فإذا كان العذاب في الدار التي فيها رحمة واحدة من مائة رحمة، هو رحمة بأهله ومصلحة لهم ولطف بهم؛ فكيف في الدار التي تظهر فيها مائة رحمة، كل رحمة منها طِبَاق ما بين السماء والأرض؟! وقد قال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: ٢١]، فأخبر أنه يعذبهم رحمةً بهم ليردّهم العذاب إليه، كما يعذِّب الأبُ الشفيقُ الرحيمُ ولدَه إذا فرّ منه إلى عدوه؛ ليرجع إلى بِرّه وكرامته. وقال الله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٤٧]، وأنت تجد تحت هذه الكلمات أنّ تعذيبه لكم لا يزيد في ملكه ولا ينتفع به، ولا هو سُدى خالٍ من حكمة ومصلحة، وأنكم إذا بدّلتم الشكر والإيمان بالكفر كان عذابكم منكم، وكان كفركم هو الذي عُذِّبتم به، وإلا فأي شيء يلحقه سبحانه من عذابكم، وأي نفع يصل إليه منكم (٢)؟ قالوا: وحينئذ فالحكمة تقتضي أن النفوس الشريرة لا بدّ لها من عذاب

стр. 834

يهذّبها بحسب ذنوبها، كما دلّ على ذلك السمع والعقل، وذلك يوجب الانتهاء لا الدوام. قالوا: والله تعالى لم يخلق الإنسان عبثًا، وإنما خلقه ليرحمه لا ليعذبه، وإنما اكتسب موجِب العذاب بعد خلقه له، فرحمته له سبقت غضبه، وموجِب الرحمة فيه سابق على موجِب الغضب وغالب له، وتعذيبه ليس هو الغاية بخلقه، وإنما تعذيبه بحكمة ورحمة، والحكمة والرحمة تأبى أن يتصل عذابه سرمدًا إلى غير نهاية. أما الرحمة فظاهر، وأما الحكمة فلأنه إنما عُذِّب على أمر طرأ على الفطرة وغَيَّرها، ولم يُخلَق عليه من أصل الخِلْقة، ولا خُلِق له، فهو لم يُخْلَق للإشراك ولا للعذاب، وإنما خُلِق للعبادة والرحمة، ولكن طرأ عليه موجِب العذاب فاستحق عليه العذاب، وذلك الموجِب لا دوام له، فإنه باطل، بخلاف الحق الذي هو موجِب الرحمة، فإنه دائم بدوام الحق سبحانه وهو الغاية، وليس موجِب العذاب غاية، كما أن العذاب ليس بغاية، بخلاف الرحمة فإنها غاية، وموجِبها غاية، فتأمله حق التأمل، فإنه سرّ المسألة. قالوا: والرب تعالى تسمّى بالغفور الرحيم، ولم يتسمّ بالمعذِّب ولا بالمعاقِب، بل جعل العذاب والعقاب في أفعاله، كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِيَ أَنِّيَ أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ سَرِيعُ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ﴾ [الأنعام: ١٦٥]، وقال: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهْوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٢ - ١٤]، وقال: ﴿(١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي﴾ [غافر: ١ - ٣]، وهذا كثير في القرآن.

стр. 835

فإنه سبحانه يتمدّح بالعفو والمغفرة والرحمة والكرم والحلم، ويتسمّى بها، ولم يتمدّح بأنه المعاقِب ولا الغضبان ولا المعذِّب ولا المنتقِم إلا في الحديث الذي فيه تعديد الأسماء الحسنى، ولم يثبت (١). وقد كتب على نفسه كتابًا أنّ رحمته سبقت غضبَه، وكذلك هو في أهل النار، فإن رحمته فيهم سبقت غضبَه، فإنه رحمهم أنواعًا من الرحمة قبل أن أغضبوه بشركهم، ورحمهم في حال شركهم، ورحمهم بإقامة الحجة عليهم، ورحمهم بدعوتهم إليه بعد أن أغضبوه وآذوا رسله وكذبوهم، وأمهلهم ولم يعاجلهم، بل وسعتهم رحمتُه، فرحمته غلبت غضبه، ولولا ذلك لخرب العالم، وسقطت السماوات على الأرض، وخرّت الجبال. وإذا كانت الرحمة غالبة للغضب سابقة عليه؛ امتنع أن يكون موجِب الغضب دائمًا بدوامه، غالبًا لرحمته. قالوا: والتعذيب إما أن يكون عبثًا أو لمصلحة وحكمة، وكونه عبثًا مما يُنزَّه أحكم الحاكمين عنه، ونسبته إليه نسبةٌ لما هو من أعظم النقائص إليه. وإن كان لمصلحة فالمصلحة هي المنفعة ولوازمها وملزوماتها، وهي إما أن تعود على الرب تعالى ــ وهو يتعالى عن ذلك ويتقدّس عنه ــ، وإما أن تعود إلى المخلوق، وذلك المخلوق إما نفس المعذَّب وإما غيره، أو هما، والأول ممتنع؛ إذ لا مصلحة له في دوام العقوبة بلا نهاية، وأما مصلحة غيره: فإن كانت هي الاتعاظ والانزجار فقد حصلت، وإن كانت تكميل لذته

стр. 836

وبهجته وسروره بأن يرى عدوه في تلك الحال وهو في غاية النعيم؛ فهذا لو كان أقسى الخلق لرقّ لعدوه من طول عذابه ودوام ما يقاسيه= فلم يبق إلا كسر تلك النفوس الجبّارة العنيدة ومُداواتها بما يصل إلى مادة أدوائها وأمراضها فيَحْسمها، وتلك المادة شر طارئ على خير خُلِقت عليه في ابتداء فطرتها. قالوا: والأقسام الممكنة في الخلق خمسة لا مزيد عليها: خير محض ومقابله، وخير راجح ومقابله، وخير وشر متساويان، والحكمة تقتضي إيجاد قسمين منها، وهما الخير الخالص والراجح. وأما الشر الخالص أو الراجح فإن الحكمة لا تقتضي وجوده، بل تأبى ذلك؛ فإن كل ما خلقه الله تعالى فإنما خلقه بحكمةٍ وجودها أولى من عدمها، وخَلَق الدواب الشرّيرة والأفعال التي هي شر لما يترتّب على خَلْقها من الخير المحبوب، فلم تُخْلَق لمجرد الشر الذي لا يستلزم خيرًا بوجه ما، هذا غاية المحال، فالخير هو المقصود بالذات وبالقصد الأول، والشر إنما قُصِد قَصْد الوسائل والمبادئ لا قَصْد الغايات والنهايات. وحينئذ فإذا حصلت الغاية المقصودة بخلقه بطل وزال، كما تبطل الوسائل عند الانتهاء إلى غاياتها، كما هو معلوم بالحسّ والعقل. وعلى هذا فالعذاب شرّ وله غاية تُطلب به، وهو وسيلة إليها، فإذا حصلت غايته كان بمنزلة الطريق الموصلة إلى القصد، فإذا وصل بها السائر (١) إلى مقصده لم يبق لسلوكها فائدة.

стр. 837

وسر المسألة: أن الرحمة غاية الخلق والأمر لا العذاب، فالعذاب من مخلوقاته، وذلك يقتضي أنه خلقه لغاية محمودة، ولا بدّ من ظهور أسمائه وأثر صفاته عمومًا وإطلاقًا، فإن هذا هو الكمال، والربّ ﷻ موصوف بالكمال، مُنزّه عن النقص. قالوا: وقد قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٦ - ١٠٧]، وقال: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٨]. قال أبو سعيد الخدري: «هذه تقضي على كل آية في القرآن»، ذكره البيهقي وحرب وغيرهما (١). وقال عبد الله بن مسعود: «ليأتينّ على جهنم زمان ليس فيها أحد، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابًا» (٢). وعن عمر بن الخطاب وأبي هريرة مثله (٣)، ذكره جماعة من المصنفين في السنة.

стр. 838

وهذا يقتضي أن الدار التي لا يبقى فيها أحد هي التي يلبث فيها أهلها أحقابًا. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: «أخبرنا الله بالذي يشاء لأهل الجنة، فقال تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]، ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار» (١). قالوا: ويكفينا ما في سورة الأنعام من قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ إلى قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٢٨ - ١٣٠]، وهذا خطاب للكفار من الجن والإنس من وجوه: أحدها: استكثارهم منهم، أي: من إغوائهم وإضلالهم، وإنما استكثروا من الكفار. الثاني: قوله: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ وأولياؤهم هم الكفار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧]، فحزب الشيطان هم أولياؤه.

стр. 839

الثالث: قوله تعالى: ﴿وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ ومع هذا فقال: ﴿النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾، ثم ختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (١)، فتعذيبهم متعلق بعلمه وحكمته، وكذلك الاستثناء صادر عن علم وحكمة، فهو عليم بما يفعل بهم، حكيم في ذلك. قالوا: وقد أكثر في القرآن أنه سبحانه إذا ذكر جزاء أهل رحمته وأهل غضبه معًا أبَّدَ جزاء أهل الرحمة، وأطلق جزاء أهل الغضب، كقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧) وَأَمَّا الَّذِينَ سَعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٦ - ١٠٨]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (٧) عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٦ - ٨]. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧)﴾ [آل عمران: ١٠٦ - ١٠٧]. وقد يقرن بينهما في الذكر ويقضي لهما بالخلود، وقد يفرد أهل الغضب

стр. 840

بالذكر ويقضي لهم بالخلود (١)،كقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٤]. ولكن مجرد ذكر الخلود والتأبيد لا يقتضي عدم النهاية، بل الخلود هو المكث الطويل، كقولهم: «قَيْد مُخَلّد» و «تأبيد كل شيء بحسبه»، فقد يكون التأبيد لمدة الحياة، وقد يكون لمدة الدنيا، قال تعالى عن اليهود: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥]، ومعلوم أنهم يتمنّونه في النار حيث يقولون: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]. وإنما استفيد عدم انتهاء نعيم الجنة بقوله تعالى: ﴿(٥٣) إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ﴾ [ص: ٥٤]، وقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]، وقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الإنشقاق: ٢٥]، أي غير مقطوع (٢)، ومَن قال: لا يُمَنُّ به عليهم، فقد أخطأ أقبح الخطأ. ولم يجئ مثل ذلك في عذاب أهل النار. وقوله : ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧]، ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨]، وقوله تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦]، وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ﴾ [السجدة: ٣٠] في موضعين من القرآن، وقوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦] غير مصروف عن ظاهره وحقيقته على الصحيح.

стр. 841

وقد زعمت طائفة أن إطلاق هذه الآيات مُقيّد بآيات التقييد بالاستثناء بالمشيئة، فيكون من باب تخصيص العموم، وهذا كأنه قول مَنْ قال مِنَ السلف في آية الاستثناء: إنها تقضي على كل وعيد في القرآن. والصحيح أن هذه الآيات على عمومها وإطلاقها، ولكن ليس فيها ما يدل على أن نفس النار دائمة بدوام الله لا انتهاء لها، هذا ليس في القرآن ولا في السنة ما يدل عليه بوجه ما، وفرق بين أن يكون عذاب أهلها دائمًا بدوامها، وبين أن تكون هي أبدية لا انقطاع لها، فلا تستحيل ولا تضمحل، فهذا شيء، وهذا شيء. ولا يقال: فلا فرق على هذا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة؛ إذ كان كل منهما يضمحل وينقطع. قيل: ما أظهر الفرق بينهما، والأمر أبين من أن يحتاج إلى فرق. وأيضًا: فعذاب الدنيا ينقطع بموت المعذَّب وإقلاع العذاب عنه، وأما عذاب الآخرة فلا يموت من استحق الخلود فيه، ولا يُقلع العذاب عنه، ولا يدفعه عنه أحد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ﴾ [الطور: ٧ - ٨]، وهو لازم لا يفارق، قال تعالى: ﴿عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥)﴾ [الفرقان: ٦٥] أي لازمًا، ومنه سُمّي الغريم غريمًا لملازمته غريمه. فصل (١) وأما الآثار في هذه المسألة، فقال الطبراني: حدثنا عبد الرحمن بن سَلْم،

стр. 842

حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا عبد الله بن مِسْعَر بن كِدَام، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ : «ليأتينّ على جهنم يوم كأنها وَرَق (١) هاجَ واحمَرَّ، تخفق أبوابها» (٢). وقال حرب في «مسائله» (٣): سألت إسحاق، قلت: قول الله : ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] قال: أتت هذه الآية على كل وعيد في القرآن. حدثنا عبد الله بن معاذ، حدثنا معتمر بن سليمان، قال: قال أبي: حدثنا أبو نَضْرة، عن جابر أو أبي سعيد، أو بعض أصحاب النبي ﷺ قال: هذه الآية تأتي على القرآن كله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، قال المعتمر: قال أبي: كل وعيد في القرآن. ثم تأوّل حرب ذلك، فقال: معناه عندي ــ والله أعلم ــ أنها تأتي على كل وعيد في القرآن لأهل التوحيد. وكذلك قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ استثناء من أهل القبلة الذين يخرجون من النار (٤).

стр. 843

وهذا التأويل لا يصح؛ لأن الاستثناء إنما هو في وعيد الكفار، فإنه سبحانه قال: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (١٠٥) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ الآية [هود: ١٠٥ - ١٠٦]، ثم قال: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سَعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [هود: ١٠٨]، فأهل التوحيد من الذين سُعِدوا لا من الذين شَقُوا، وآية الأنعام صريحة في حق الكفار، كما تقدم بيانه. قال حرب: وحدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، ثنا شعبة، عن أبي بَلْج (١)، سمع عمرو بن ميمون يحدِّث عن عبد الله بن عمرو، قال: «ليأتينّ على جهنم يوم تصطفق فيه أبوابها، ليس فيها أحد، وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابًا» (٢). حدثنا عبيد الله، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن يحيى بن أيوب، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: «أما الذي أقول: إنه سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد، وقرأ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ﴾ الآية». قال عبيد الله: كان أصحابنا يقولون: يعني بها الموحّدين (٣). وقد تقدم أن هذا التأويل لا يصح.

стр. 844

وقال عَبْد بن حميد في «تفسيره»: أخبرنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن الحسن، قال: قال عمر ﵁: «لو لبث أهل النار في النار بقدر رَمْل عالِج (١) لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه». وقال: أخبرنا حجّاج بن مِنْهال، عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: «لو لبث أهل النار في النار عدد رَمْل عالِج لكان لهم يوم يخرجون فيه» (٢). ورواة هذا الأثر أئمة ثقات كلهم، والحسن سمعه من بعض التابعين، ورواه غير مُنكِر له، فدلّ على أن هذا الحديث كان متداولًا بين هؤلاء الأئمة لا ينكرونه، وقد كانوا ينكرون على من خرج عن السنة أدنى شيء، ويرْوُون الأحاديث المُبطِلة لقوله (٣). وكان الإمام أحمد يقول: «أحاديث حماد بن سلمة هي الشَّجا في حلوق المبتدعة» (٤).

стр. 845

فلو كان هذا القول عندهم من البدع المخالفة للسنة والإجماع لسارعوا إلى رده وإنكاره. وفي تفسير علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨]، قال: «لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا نارًا» (١). قال الطبري: «وروي عن ابن عباس أنه كان يتأوّل في هذا الاستثناء أن الله جعل أمر هؤلاء في مَبْلغ عذابه إياهم إلى مشيئته» (٢). وهذا التفسير من ابن عباس يُبطِل قول من تأوّل الآية على أن معناها: سوى ما شاء الله من أنواع العذاب. أو قال: المعنى: إلا مدة مقامهم قبل الدخول من حين بُعِثوا إلى أن دخلوا. أو أنها في أهل القبلة، «وما» بمعنى «مِن» أو أنها بمعنى الواو، أي: وما شاء الله. وهذه كلها تأويلات باردة ركيكة، لا تليق بالآية، ومَن تأمّلها جزم ببطلانها. وقال السُّدِّي في قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: ٢٣]، قال: «سبعمائة حُقْب، كل حُقْب سبعون سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يومًا، كل يوم كألف سنة مما تعدون» (٣).
следующие страницы →