← Тафсир

Тафсир · id 20643

تفسير ابن بدران = جواهر الأفكار ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار

ابن بدران

Полный текст (526 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الصليب، ويقتل الخنزير" وأطال في ذلك، ثم أتبعه الاستدلال بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. قال: والضمير في لغة العرب التي نزل بها القرآن، راجع إلى أقرب مذكور إليه، فصح بالقرآن أن الخنزير بعينه ﴿رِجْسٌ﴾، و ﴿اَلرِّجْسَ﴾ حرام واجب اجتنابه. فالخنزير كله حرام، لا يخرج من ذلك شعره ولا غيره، حاشا ما أخرجه النص عن الجلد إذا دبغ فحل استعماله (١). ثم إنه رد على من يقول: إن تحريم شحمه إنما هو بالقياس على لحمه، وبرهن على أن تحريم الشحم إنما هو بطريق النص، لا بطريق القياس؛ وهذا قريب من قول ابن عطية في تفسيره، خص ذكر اللحم من الخنزير، ليدل على تحريم عينه، ذكّي أو لم يذكّ، وليعم الشحم وما هنالك من الغضاريف وغيرها. وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ الإهلال: رفع الصوت، ومنه الإهلال بالتلبية، ومنه سمي الهلال لارتفاع الصوت عند رؤيته، ومنه إهلال الصبي واستهلاله، وهو صياحه عند ولادته. ومعناه والله أعلم: ما ذبح للآلهة والأوثان، يسمى عليه ﴿لِغَيْرِ﴾ اسم ﴿اللَّهِ﴾، أو قصد به الأصنام، وإنما قيل: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ﴾ , لأنهم كانوا إذا أرادوا ذبح ما قربوه لآلهتهم، سموا اسم آلهتهم التي قربوا ذلك لها وجهروا بذلك أصواتهم، فجرى ذلك من أمرهم على ذلك، حتى قيل لكل ذابح - يسمي أو لم يسمِّ، جهر بالتسمية أو لم يجهر-: مهلّ، فرفعهم أصواتهم بذلك هو الإهلال الذي ذكره الله فقال؛ ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾. وقال قتادة: هو ما ذبح ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ مما لم يسم عليه؛ وقال الضحاك: هو

стр. 457

ما أهل به للطواغيت. وروى ابن جرير عن عقبة بن مسلم التجيبي، وقيس بن رافع الأشجعي، أنهما قالا لحيوة: هل أحل لنا ما ذبح لعيد الكنائس، وما أهدي لها من خبز ولحم، فإنما هو طعام أهل الكتاب؟ قال: لا. قلت: أرأيت قول الله: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؟ قال: إنما ذلك المجوس، وأهل الأوثان، والمشركون. وقال علي والحسن: هو ما قصد به غير وجه الله للتفاخر والتباهي. قال في "البحر": والذي يظهر من الآية، تحريم ما ذبح ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ﴾، فيندرج في لفظ "غير الله"، الصنم والمسيح، والتفاخر واللعب. وفي "غرائب القرآن"، لنظام الدين النيسابوري: قال العلماء: لو أن مسلمًا ذبح ذبيحة، وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله تعالى، صار مرتدًا، وذبيحته ذبيحة مرتد. وفي كتاب "الروض" للشافعية: أن المسلم إذا ذبح للنبي، كفر. قال الشوكاني، بعد أن نقل كلامه: إذا كان الذبح لسيد الرسل ﷺ كفرًا عنده، فكيف بالذبح لسائر الأموات، انتهى. وكرّه الإِمام أحمد الذبح عند القبر وأكل ذلك، لخبر أنس: "لا عقر في الإِسلام" (١) حديث صحيح. رواه أحمد وأبو داود، وقال: قال عبد الرزاق: كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة. وروى المروذي عن الإِمام أحمد: كانوا إذا مات الميت، نحروا جزورًا، فنهى ﵇ عن ذلك. وفسره غير واحد بعد ذلك بمعاقرة الأعراب: يتبارى رجلان في الكرم، فيعقر هذا ويعقر هذا، حتى يغلب أحدهما الآخر، فيكون ﴿أُهِلَّ .. لِغَيْرِ اللَّهِ﴾،

стр. 458

ذكره البيهقي؛ وروى أبو داود بإسناد جيد عن ابن عباس، أن النبي ﷺ : "نهى عن طعام المتباريَين" (١)، ورواه أيضًا الحافظ المقدسي في "المختارة" بإسناد جيد. وسيأتي مزيد على ذلك إن شاء الله تعالى في سورة المائدة. وبقي هنا أن يقال: هذا الحكم في غير ذبائح أهل الكتاب، أما ذبائحهم فتحل لنا، لقول الله تعالى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ولما كان شأن الاضطرار أن يشمل جمعًا من الخلق، أنباهم تعالى: بأن هذا الذي رفع عنهم من التحريم، لا يبرأ من كلية الأحكام، بل يبقى مع هذه الرخصة موقع للأحكام في الغي والعدوان، فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ الآية. أي: فمن حلت له ضرورة مجاعة، إلى ما حرمتُ عليكم من ﴿الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾، وهو بالصفة التي وصفنا، ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في أكله إن أكله، فقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ افتعل من الضرورة، و ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ نصب على الحال من ﴿فَمَنِ﴾، فكأنه قيل: من اضطر لا باغيًا ولا عاديًا فأكله، فهو له حلال. وللمفسرين هنا أقوال كثيرة في معنى "غير باغ ولا عاد"، وكلها ترجع إلى التخصيص، وأولاها التعميم، فتشمل ما إذا كان الآكل مكرهًا على الأكل، والخارج على الأمة بسيفه باغيًا عليهم بغير جور، ولا عاديًا عليهم بحرب وعدوان، فمفسد عليهم السبيل، والذي يقطع الطريق، والخارج في معصية الله، والآكل من الميتة، وما عطف عليها, وله مندوحة عن أكلها، والمتعدي بأكله فوق ما لا بد منه، فكل أولئك لم يجز لهم أكل الميتة، فيفسر الاعتداء بكل معانيه المحرمة. وقوله تعالى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ معناه: من أكل ذلك على الصفة التي وصفنا، فلا تبعة عليه في أكله ذلك كذلك، ولا حرج. وأبدى الحرالي هنا لطيفة،

стр. 459

وهي: أن تحريم أكل الميتة إنما هو للضرر الموجود فيها، فإذا أكلها غير المضطر لحقه الضرر الموجود بها، وإذا أكلها المضطر ارتفع ذلك الضرر, لأن الله تعالى، إذا أباح شيئًا أذهب ضره، واستدل بذلك لما ورد في الخبر "إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها" (١). قال: ففيه تنبيه لتغيير هذه الأعيان للمضطر، عما كانت عليه حتى تكون رخصة في الظاهر، وتطييبًا في الباطن، فكما رفع عنه حكم الكتابي، يتم فضله فيرفع عنه حكمها الطبيعي. ثم علل هذا الحكم مرغبًا ومرهبًا، بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أشعر بقوله: ﴿رَحِيمٌ﴾ بأنه لا يصل إلى حال الاضطرار إلى ما حرم عليه أحد، إلا عن ذنب أصابه، فلولا المغفرة لتمت عليه عقوبته, لأن المؤمن أو الموقن لا تلحقه ضرورة, لأن الله لا يعجزه شيء، وعبد الله لا يعجزه ما لا يعجز ربه، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم: ٤٩]. فاليأس الذي يحوج إلى ضرورة، إنما يقع لمن هو دون رتبة اليقين، ودون رتبة الإيمان, واستدل لذلك بما روي عن جابر في قصة طويلة: أنهم كانوا [في] غزاة، فنفد زادهم وهم على سيف البحر، فألقى البحر إليهم دابة يقال لها العنبر، فأكلوا منها نصف شهر، فلما رجعوا أخبروا النبي ﷺ بذلك، فقال: "هل عندكم منه شيء تطعموني؟ " (٢). ووجه الاستدلال من جهة أن الله تعالى لم يحوجهم إلى ضرورتهم، إلى ما حرم عليهم، بل جاءهم في ضرورتهم بما هو أطيب مأكلهم في حال السعة من صيد البحر، الذي هو: "الطهور ماؤه، الحل ميتته". وفي قوله هنا: ﴿رحيم﴾ إنباء بأن من اضطر، فأصاب مما اضطر إليه شيئًا، لم يبغ فيه، ولم يعده، تناله من الله رحمة، توسعه عن أن يضطر بعدها إلى مثله، فيغفر له الذنب السابق الذي أوجب الضرورة، ويناله بالرحمة الواسعة التي ينالها من لم يقع منه ما وقع ممن اضطر إلى مثله.

стр. 460

ولما كان في بيان هذه المحرمات الإشارة إلى عيب من استحلها من العرب، وترك ما أمر به من الطيبات جهلًا وتقليدًا, أردفها هذه الآية بتكرار عيب الكاتمين لما عندهم من الحق، مما أنزل في كتابهم، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)﴾. روى ابن جرير عن قتادة: أن هذه الآية، مراد بها أهل الكتاب، كتموا ما أنزل عليهم، وبيّن لهم من الحق الهدى، ونعت محمَّد ﷺ وأمره. ورُوي مثل ذلك عن الربيع والسدي وعكرمة. وهذا وإن كان كذلك، إلا أن خطاب النبي ﷺ به، يشعر بوقوع ذلك من طائفة من أمته، حرصًا على الدنيا، كما يقع من المتأولين لكتاب الله وسنة رسوله، ليجعلونها مستندًا لبدعتهم، وجلب حطام الدنيا، ويكتمون معنى ما أنزل إليهم من ربهم. فالأولى أن يقال: نزلت هذه الآية، في كل كاتم حق، لأخذ عرض أو إقامة غرض، من مؤمن ويهودي، ومشرك ومعطل، وإن صح سبب النزول، فهي عامة، والحكم للعموم؛ وإن كان السبب خاصًا، فيتناول من علماء المسلمين من كتم الحق مختارًا لذلك، لسبب دنيا يصيبها. فقوله تعالى: ﴿يَكْتُمُونَ﴾ تأوله المفسرون على وجهين: أولهما: ما روي عن ابن عباس، أنهم كانوا يحرفون التوراة والإنجيل. وثانيهما: ما قاله المتكلمون: من أن هذا ممتنع, لأنهما كانا كتابين بلغا في الشهرة والتواتر إلى حيث يتعذر ذلك فيهما، بل كانوا يكتمون التأويل, لأنه قد كان فيهم من يعرف الآيات الدالة على نبوة محمَّد ﷺ ، وكانوا يذكرون لها تأويلات باطلة، ويصرفونها عن محاملها الصحيحة الدالة على نبوة محمَّد ﵇. فهذا هو المراد من الكتمان، فيصير المعنى: إن الذين يكتمون معاني ما أنزل الله من الكتاب. وعلى هذا يدخل في الوعيد الباطنية والزنادقة، وأشياعهم

стр. 461

وأشباههم، الذين يؤولون القرآن والسنة إلى درجة يلزم منها الحلول، وتعطيل الأمر والنهي، ويصرفون معاني الألفاظ إلى غير ما وضعت له، ويبدلون ما أنزل الله من الكتاب، فيجعلون الكلمة الواحدة كلمتين أو أكثر، توصلًا إلى تأييد نحلتهم، فيغيرون حدود الكتاب وأحكامه. ولما كان من الكتم ما يكون لقصد خير - وكم من كلمة حق أريد بها باطل- قيده بقوله: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. والثمن ما لا ينتفع بعينه، حتى يصرفه إلى غيره من الأعواض، فالإيعاد على ما يتضمن جهل الكاتم وحرصه، باستكسابه بالعلم، وإجرائه في غير ما أجراه تعالى على ألسنة أنبيائه ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعراء: ١٠٩، ١٢٧، ١٤٥، ١٦٤، ١٨٠] ووصف الثمن بالقلة، إشارة إلى أن كل ما لم يثبت من خير الدنيا في الآخرة -وإن جلَّ- فهو حقير قليل مهان، ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين هذه صفتهم ﴿مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ أي: ملء بطونهم؛ يقال: أكل فلان في بطنه، وأكل في بعض بطنه، وقوله: ﴿إِلَّا النَّارَ﴾ جار مجرى قول العرب: أكل فلان الدم، إذا أكل الدية التي هي بدل منه، وهنا إذا أكل ما يتلبس بالنار، لكونها عقوبة عليه، فكأنه أكل النار، ولما كانت النار تحرق ما تصل إليه، كان عقابهم في الدنيا موت قلوبهم وحواسهم، فلا يحسون بالحق، ولا يدرونه، فهم كالخدر الذي يجعل يده في الماء الحار ولا يحس به، فيشعر ذلك بموت حواس هؤلاء عن حال ما تناولوه كما نشاهد ذلك من أكل مال اليتيم بغير حق، وما أشبهه، وعقابهم في الآخرة النار، يأكلونها في بطونهم، ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ كلامًا يدل على مرضي (١)، لكونهم لم يكلموا الناس بما كتب عليهم، وهذا تعريض بحرمانهم حال أهل الجنة، في تكرمة الله إياهم بكلامه، وتزكيتهم بالثناء عليهم، وإنما يكلم الله هؤلاء بقوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وإنما كان عدم تكليمهم ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ , لأنه هو اليوم الذي يكلم الله فيه كل الخلائق بلا واسطة، فيظهر عند كلامه السرور في

стр. 462

أوليائه, وضده في أعدائه، ويتميز أهل الجنة بذلك من أهل النار، فلا جرم كان ذلك من أعظم الوعيد، ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ لما أوقعوا فيه الناس من التعب، بكتمهم عنهم ما يقيمهم على الواضحة البيضاء، والصراط السوي. وقد علمت مما سبق أن هذه الآية، وإن قال المفسرون: إنها نزلت في اليهود, لكنها عامة في حق كل من كتم شيئًا من باب الدين يجب إظهاره، فتصلح لأن يتمسك بها القاطعون بوعيد أصحاب الكبائر. ولما وصف تعالى علماء اليهود، ومن كان على شاكلتهم بكتمان الحق، وعظم في الوعيد عليه, وصف ذلك الجرم ليعلم أن ذلك العقاب إنما عظم لهذا الجرم العظيم، فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾. اعلم: أن الفعل: إما أن يعتبر حالة في الدنيا، وإما في الآخرة. أما في الدنيا فأحسن الأشياء الاهتداء والعلم، وأقبح الأشياء الضلال والجهل، فلما تركوا الهدى والعلم في الدنيا، ورضوا بالضلال والجهل، فلا شك أنهم في نهاية الخيانة في الدنيا، وأما في الآخرة فأحسن الأشياء المغفرة، وأخسرها العذاب، فلما تركوا المغفرة، ورضوا بالعذاب، فلا شك أنهم في غاية الخسارة في الآخرة، وإذا كانت صفتهم على ما ذكرناه، كانوا لا محالة أعظم الناس خسارًا في الدنيا وفي الآخرة. وإنما حكم تعالى عليهم بأنهم اشتروا العقاب بالمغفرة, لأنهم لما كانوا عالمين بما هو الحق، وكانوا عالمين بأن في إظهاره وإزالة الشبهة عنه أعظم الثواب، وفي إخفائه وإلقاء الشبهة فيه أعظم العقاب، فلما أقدموا على إخفاء ذلك الحق، كانوا بائعين للمغفرة بالعذاب لا محالة.

стр. 463

وقوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ تعجب من حالهم في التباسهم بموجبات النار من غير مبالاة منهم، والمعنى: ما أجرأهم على عذاب النار، وأعملهم بأعمال أهلها، وقد سمع من العرب: ما أصبر فلانًا على الله، بمعنى: ما أجرأه عليه، وإنما يعجب الله خلقه بإظهار الخبر عن القوم ﴿الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، واشترائهم بكتمان ذلك ثمنًا قليلًا من السحت (١) والرّشا (٢) التي أعطوها، على وجه التعجب من إقدامهم على ذلك، مع علمهم بأن ذلك موجب لهم سخط الله، وأليم عقابه، وسبيل هذا سبيل قولهم: ما أشبه سخاءك بحاتم، يريدون ما أشبه سخاءك بسخاء حاتم. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ذلك الذي ذكر من أكلهم النار وما بعده، بسبب أن ﴿اللَّهَ نَزَّلَ﴾ ما نزل من ﴿الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾، فمن كتمه فقد حاول نفي ما أثبت الله، فضادّ الله في ملكه، ومن خالف فيه، وهو الذي لا شبهة تلحقه، فقد عد الواضح ملبسًا، فقد أبعد المرمى، ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ﴾ في كتب الله، فقالوا في بعضها حقًا، وفي بعضها باطلًا. ﴿لَفِي شِقَاقٍ﴾، لفي خلاف ﴿بَعِيدٍ﴾ عن الحق، هذ ابناء على جعل اللام في ﴿الْكِتَابِ﴾ للجنس، وإن جعلت للعهد كانت الإشارة، إما إلى التوراة، واختلافهم حيث آمنوا ببعضها، وكفروا ببعضها بكتمه، وإما إلى القرآن واختلافهم فيه، قول بعضهم هو سحر، وبعضهم شعر، وبعضهم أساطير الأولين. وقوله: ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ يعني: أن أولئك لو لم يختلفوا, ولم يشاقوا، لما جسر هؤلاء أن يكفروا، وهذه حالة من أصله الله على علم، ولما كان الخطاب في هذه الآيات، والتي قبلها ظاهره خطاب لليهود والنصارى، على مقتضى أسباب النزول، كان الأمر على طريق عموم اللفظ، فألحق بهم سائر من تنكّب عن طريق الهدى، فيلحق باليهود منافقو أمتنا، ممن ارتاب بعد إظهار ايمانه، وفعل أفاعيلهم من المكر والخديعة والاستهزاء، ويلحق بالنصارى من اتصف بأحوالهم،

стр. 464

وبالمشركين من جعل سندًا واعتقد فعلًا لغيره، على غير طريقة الكسب، والمجوس لاحقون بأهل الشرك، والشرك أكثر هذه الطرق تشعبًا، ولهذا قال ﵊: "الشرك أخفى من دبيب النمل" (١). ومن فعل أفعال من ذكره، ولم ينته به الأمر إلى مفارقة دينه، والخروج في شيء من اعتقاده، خيف عليه أن يكون ذلك وسيلة إلى اللحوق بمن تشبه به، ولهذا قال ﵇: "أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا أوعد أخلف، وإذا خاصم فجر" (٢). إلى أشباه هذا من الأحاديث. ولما بيّن كفر أهل الكتاب، الطاعنين في نسخ القبلة بتكذيب الرسول، وكتمان الحق، وغير ذلك، أتبعه الإشارة إلى أن أمر الفروع أخف من أمر الأصول؛ لأن الفروع ليست مقصودة لذاتها، وإنما المقصود بالذات الإيمان, فإذا وقع تبعته جميع الطاعات، فقال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾. اختلف المفسرون في تأويل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ فقال ابن عباس: هو الصلاة، يعني ﴿لَيْس الْبِرَّ﴾ الصلاة وحدها، ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ الخصال التي أبينها لكم. وقال مجاهد: ﴿الْبِرَّ﴾ ما ثبت في القلوب من طاعة الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ الآية، وقال ابن عباس: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ﴾ تصلّوا ولا تعملوا غير ذلك.

стр. 465

وقال آخرون: عني الله بقوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ اليهود والنصارى، وذلك أن اليهود تصلي فتوجه قِبل المغرب، والنصارى تصلي فتتوجه قِبل المشرق، فأنزل الله فيهم هذه الآية؛ يخبرهم فيها أن البر غير العمل الذي يعملونه، ولكنه ما بيناه في هذه الآية؛ وبمثل هذا قال قتادة، والربيع بن أنس. وهذا القول يدل عليه سياق الآيات, لأن الآيات التي مضت كانت موبخة لليهود والنصارى، ولائمة لهم، ومخبرة عنهم، وعما أعد لهم من أليم العذاب. وهذه الآية في سياق ما قبلها، فينبغي أن يكون المعنى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ أيها اليهود والنصارى، أن يولي بعضكم وجهه ﴿قِبَلَ الْمَشْرِقِ و﴾ بعضكم قبل ﴿الْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية. وعلى القول الأول المشعر بأن الآية نزلت في المؤمنين، يكون المعنى: أنه نهاهم أن يتعلقوا من شريعتهم بأيسر شيء، كما تعلق أهل الكتابين، ولكن عليهم العمل بجميع ما في طاقتهم من تكاليف الشريعة، على ما بينه الله. أخرج ابن جرير، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة، قال: كان الرجل قبل الفرائض، إذا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ثم مات على ذلك، يرجى له، ويطمع له في خير، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ الآية. وكانت اليهود توجهت قبل المغرب، والنصارى قبل المشرق، فأنزل الله هذه الآية. انتهى. وهذا القول كأنه جمع بين القولين، وعليه فالآية عامة للفريقين، وهو أولى ما تفسر به. وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ معلوم أن ﴿الْبِرَّ﴾ معنى من المعاني، فلا يكون خبره الذوات، التي هي هنا، ﴿مَنْ آمَنَ﴾ إلا مجازًا، فإما أن يجعل ﴿الْبِرَّ﴾ هو نفس ﴿مَنْ آمَنَ﴾ على طريق المبالغة، قال أبو عبيدة: والمعنى: ﴿وَلَكِنَّ﴾ البار، وإما أن يكون على حذف من الأول، أي: ﴿وَلَكِنَّ﴾ ذا البر، قاله الزجاج؛ أو من الثاني، أي: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ بر ﴿مَنْ آمَنَ﴾؛ قاله قطرب. وعلى هذا خرجه

стр. 466

سيبويه، قال في كتابه: وقال جل وعز: ولكن البر من آمن، وإنما هو، ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ بر ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾. انتهى. ومضمون الآية: أن البر لا يحصل باستقبال المشرق والمغرب، بل بمجموع أمور: أحدها: الإيمان بالله، وأهل الكتاب أخلوا بذلك، أما اليهود فللتجسيم، ولقولهم: عزير ابن الله، وأما النصارى فلقولهم: المسيح ابن الله. الثاني: الإيمان باليوم الآخر، واليهود أخلوا به، حيث قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] والنصارى أنكروا المعاد الجسماني. والثالث: الإيمان بالملائكة، واليهود عادوا جبريل، والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله. والرابع: الإيمان بكتب الله، واليهود والنصارى قد أخلوا بذلك, لأن مع قيام الدلالة على أن القرآن كلام الله وكتابه، ردوه ولم يقبلوه. والخامس: الإيمان بالنبيين، واليهود أخلوا بذلك، حيث قتلوا الأنبياء، على ما قال تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١] وحيث طعنوا في نبوة محمَّد ﷺ . والسادس: بذل الأموال على وفق أمر الله سبحانه، واليهود أخلوا بذلك، لأنهم يلقون الشبهات لطلب المال القليل، كما قال تعالى: ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ١٨٧]. السابع: إقامة الصلوات والزكوات، واليهود كانوا يمنعون الناس منها. والثامن: الوفاء بالعهد، حيث قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠].

стр. 467

فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ الآية، ليس فيه إخراج التوجه إلى القبلة عن ﴿الْبِرَّ﴾، كما هو الظاهر من جهة أن فيه، ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾، ومن شروطها التوجه إلى جهة القبلة، ولكن المراد نفي الكمال، لا نفي أصل البر. كأنه قال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ كله هو هذا، فإن البر اسم لمجموع الخصال الحميدة، واستقبال القبلة واحد منها، فلا يكون ذلك تمام البر؛ أو يقال: إن ﴿لَيْسَ﴾ نفت الأصل, لأن استقبالهم ﴿الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ بعد النسخ، كان إثمًا وفجورًا، فلا يعد في البر؛ أو يقال: إن استقبال القبلة لا يكون برًا، إذا لم تقارنه معرفة الله تعالى، وإنما يكون برًّا مع الإيمان, وما عطف عليه في هذه الآية. وترتيب المذكورات جارٍ على ألطف الحكمة, لأنه تعالى قدم الإيمان به تعالى، المتضمن للإقرار بوجوده، وباتصافه بما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله؛ ثم ثنى بـ ﴿الْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ , لأنه أبعد الأشياء عن الحقائق، عند المنكر له، ومن لا يعرفه ولا معنى به، ثم ثلث بـ ﴿الْمَلَائِكَةِ﴾، اعتبارًا للترتيب الوجودي، لأن الملك يوجد أولًا، ثم يحصل بوساطة تبليغه نزول الكتب، ثم يصل ذلك الكتاب إلى الرسول، وأيضًا فإن الوحي إلى الأنبياء، إنما كان بوساطة الملك، وإنكار وجود الملائكة، يتضمن إنكار الوحي، فلذلك كان الإيمان بوجود الملائكة لا يتم الإيمان إلا به، ونفي وجودهم يتضمن نفي الرسالة، فلذلك قدم الإيمان بوجودهم على الإيمان بالرسل، ثم ذكر ﴿الْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ , لأن المكلف له وسط ومبدأ ومنتهى، ومعرفة المبدأ والمنتهى هو المقصود بالذات، وهو المراد بالإيمان بالله وباليوم الآخر، وأما معرفة مصالح الوسط فلا تتم إلا بالرسالة، وهي لا تتم إلا بأمور ثلاثة: الملائكة الآتين بالوحي؛ والموحى به؛ وهو الكتاب؛ والموحى إليه، وهو الرسول. وقال الحرالّي: الإيمان بالنبيين وبما قبلهم، فيه قهر النفس وللإذعان لمن هو من جنسها، والإيمان بغيب من ليس من جنسها, ليكون في ذلك ما ينزع النفس عن هواها. انتهى. وفي تعقيب الصدقة بالإيمان, إشعار بأنها المصدقة له، فمن بخل بها، كان مدعيًا الإيمان بلا بيّنة، وإرشادًا إلى أن في بذلها السلامة من فتنة المال. كما قال

стр. 468

تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، لأن من آمن وتصدق، كان قد أسلم لله روحه وماله الذي هو عديل روحه، فصار عبدًا لله حقًا، وفي ذلك إشارة إلى الحث على مفارقة كل محبوب سوى الله في الله. قال الحرالّي: من ظن أن حاجته يسدها المال، فليس برًّا، إنما البر الذي أيقن أن حاجته إنما يسدها ربه ببره الخفي. انتهى. والضمير في قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ راجع إلى المال، والتقدير: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى﴾ حب المال. ويؤيده ما رواه ابن جرير عن عبد الله بن مسعود، أنه في هذه الآية: يؤتي المال وهو صحيح شحيح، يأمل العيش، ويخشى الفقر؛ ورواه عنه عبد الرزاق. وقيل الضمير راجع إلى الإيتاء المفهوم من قوله ﴿وَآتَى﴾، كأنه قيل: يعطي ويحب الإعطاء، رغبة في ثواب الله تعالى. وهذا نفي لما كانوا يفعلونه في الجاهلية من إعطاء المال حبًا بالتفاخر. وقدم ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ لأنهم أولى الناس بالمعروف, لأن إيتاءهم صدقة وصلة. ﴿وَالْيَتَامَى﴾ علم لذوي القربى وغيرهم، وإعطاؤهم لأنهم أعجز الناس. وعطف عليهم المساكين, لأنهم بعدهم في العجز، ويدخل فيهم الفقراء، و ﴿الْمَسَاكِينَ﴾: الدائم السكون إلى الناس, لأنه لا شيء له، ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾: المسافر المنقطع، وجعل ابنًا للسبيل، لملازمته له، وإعطاؤه لعجزه بالغربة، وإذا جعلنا ذلك أعم من الحال والمآل، دخل فيه المغازي والضيف، والسائلين المستطعمين. وقد روى الإِمام أحمد مرفوعًا: "للسائل حق وإن جاء على فرس" (١) وذلك لأن الغالب أن سؤالهم يكون عن حاجة؛ ويدخل فيهم الغارم.

стр. 469

ومعنى ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم المسترقة التي يرام فكها بالكتابة؛ ومنه فك الأسرى؛ وقيل: في ابتياع الرقاب واعتاقها؛ والأولى أن يجعل عامًا في الكل. ولما ذكر تعالى مواساة الخلق، وقدمها حثًا على مزيد الاهتمام بها, لتسمح النفس بما زين لها حبه من المال، أتبعها حقه تعالى فقال: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ أي: أدام العمل بها بحدودها، والمحافظة عليها، ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ أعطاها على مقتضى ما فرضه الله عليه. فقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ حث على الصدقة المندوبة، وهنا حث على المفروضة، وفي الاقتصار فيها على الإيتاء، إشعار بأن إخراج المال على هذا الوجه، لا يكون إلا مع الإخلاص. ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ هم الذين لا ينقضون عهد الله بعد المعاهدة، ولكن يوفون به ويتمونه على ما عاهدوا عليه، من عاهدوه عليه، وهو عام للعهد مع الله أو مع الناس، و ﴿الْمُوفُونَ﴾ عطف على ﴿مَنْ آمَنَ﴾ وقيل: رفعه على إضمار: ﴿و﴾ هم ﴿الْمُوفُونَ﴾. وقوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ منصوب على الاختصاص والمدح، إظهارًا لفضل الصبر في الشدائد، ومواطن القتال على سائر الأعمال. وقرئ: و"الصابرون"، وقرئ "الموفون والصابرون" (١)، و ﴿فِي الْبَأْسَاءِ﴾ أي: عند حلول الشدة بهم في أنفسهم من الله بلا واسطة، أو منه بواسطة العباد، وقال في "الكشاف": الفقر والشدة، ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ المرض والزمانة. انتهى. والأولى أن يفسر بكل ما يضر، سواء كان الضرر في الأبدان، أو في الأموال، وفسرها في "القاموس" بالشدة، والنقص في الأموال والأنفس، فهو حينئذ أعم، ليكون الأخص مذكورًا مرتين، مرة في ضمن الأعم، وهو "البأساء"،

стр. 470

ومرة بنفسه، ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾، أي: وقت شدة القتال في الحرب. ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: خاصة، الذين علت هممهم، وعظمت أخلاقهم وشيمهم، ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ فيما ادعوه من الإيمان, ففيه إشعار بأن من لم يفعل أفعالهم، لم يصدق في دعواه. ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ الذين اتقوا عقاب الله، فتجنبوا عصيانه، وحذروا وعده، فلم يتعدوا حدوده، وخافوه فقاموا بأداء فرائضه. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾. أصل الكتابة الخط الذي يقرأ، وعبر به هنا عن معنى الإلزام والإثبات، أي: فرض وأثبت, لأن ما كتب جدير بثبوته وبقائه، وهذا المعنى موجود في كلام العرب، ومستفيض في أشعارهم، ومنه قول الشاعر (١): كُتِبَ القَتْلُ والقِتَال عَلَيْنا ... وعلى المُحْصَنات جَرُّ الذيولِ وقول النابغة الجعدي: يا بنتَ عَمّي كتابُ اللهِ أخرَني ... عنكم فهل أمنعنَّ الله ما فعَلا (٢)؟ ! ويأتي ﴿كُتِبَ﴾ بمعنى أمر، كقوله تعالى حكاية: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١] ويشهد لأن ﴿كُتِبَ﴾ هنا بمعنى: فرض، أن لفظة "على" تشعر بالوجوب، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] ,

стр. 471

﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] ومنه الصلوات المكتوبات، أي: المفروضات. وأما القصاص، فهو أن يُفعَل بالإنسان مثل ما فَعَل، من قولك: اقتص فلان أثر كذا، إذا فعل مثل فعله، وهنا كأنه يُتبع بالجاني أثر ما جنى، فيتبع أثر عقوبته أثر جنايته؛ وإنما بني الفعل للمجهول, لأنه لما حصل التهذيب بما وقع سابقًا من التأديب، علم المخاطبون أن الفعل كله لله، فبنى ﴿كُتِبَ﴾ لما لم يسم فاعله. و﴿الْقَتْلَى﴾ جمع قتيل كالصرعى، وإنما يجمع الفعيل على الفعلى إذا كان صفة للموصوف به، بمعنى الزمانة، والضرر الذي لا يقدر معه صاحبه على البراح من موضعه ومصرعه، نحو القتلى في معاركهم، والصرعى في مواضعهم، وما أشبه ذلك. فتأويل الكلام حينئذ: فرض ﴿عَلَيْكُمُ﴾ أيها المؤمنون ﴿الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، أن يقتص ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. ثم ترك ذكر "أن يقتص" اكتفاء بدلالة قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾. واختلف في سبب نزول هذه الآية: فروى البخاري عن ابن عباس، قال: كان في بني إسرائيل القِصاص، ولم يكن فيهم الدية، فقال الله تعالى هذه الآية. وهذا يشير إلى أنه لما بدل أهل الكتاب حكم التوراة في القصاص، الذي أشير إليه بآية المائدة، إلى أنه كتب عليهم العدل فيه، فكان من كان منهم أقوى، جعل لقومه في ذلك فضلًا، فكان بنو النضير، كما نقله ابن هشام في السيرة: يأخذون في قتلاهم الدية كاملة، وبنو قريظة نصف الدية، وكان بعضهم -كما نقله البغوي في تفسير سورة المائدة عن ابن عباس- يقتل النفسين بالنفس، أشار تعالى إلى مخالفتهم في هذه الآية. وأيًا ما كان سبب النزول، فإن العبرة بعموم اللفظ، وإننا مخاطبون بهذه الآية، وبيان ذلك، أن قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ يدل على أنه فرض علينا، وإقامة ذلك الفرض واجبة على الإِمام، أو من يجري مجراه, لأنه متى

стр. 472

حصلت شرائط وجوب القود (١)، فإنه لا يحل للإمام أن يترك القود, لأنه من جملة المؤمنين، إلا إذا أراد ولي الدم العفو. وتدل الآية أيضًا على أن القاتل كتب عليه تسليم نفسه عند مطالبة الولي بالقصاص، وليس له أن يمتنع، ولا أن ينكر, لأن القصاص حق الآدمي، بخلاف الزاني والسارق، فإن لهما الهرب من الحد، ولهما أيضًا أن يستترا بستر الله ولا يقرّا, لأن حدهما حق لله تعالى لا لغيره. وفي الآية دليل على إيجاب القتل, لأنها تدل على إيجاب التسوية فيه بين الأحرار والعبيد وغيرهم، والتسوية في القتل صفة القتل، وإيجاب الصفة يقتضي إيجاب الذات، وأيضًا فإنه لو لم تدل الآية على وجوب القصاص، لما كان لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ معنى مفهوم, لأنه لا عفو بعد القصاص، فيقال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾. وأفادت الآية أيضًا المكافأة، بأن لا يفضل القاتل المقتول حال الجناية بالإِسلام، أو الحرية، أو الملك، فلا يقتل المسلم ولو عبدًا، بالكافر ولو حرًا، ولا ذميًا بالعبد ولو مسلمًا، ولا المكاتب بعبده ولو كان ذا رحم محرم له. ويقتل الحر المسلم ولو ذكرًا، بالحر المسلم ولو أنثى، والرقيق كذلك، وبمن هو أعلى منه، والذمي كذلك. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ الآية، معناه: فهذا عما ولي الدم، عن شيء يتعلق بالقاتل، فليتبع القاتل ذلك العفو بمعروف؛ وقوله ﴿شَيْءٌ﴾ مبهم، فلا بد من حمله على الذكور السابق، وهو وجوب القصاص إزالة للإبهام. فتقدير الآية إذن: إذا حصل العفو للقاتل عن وجوب القصاص، فليتبع القاتل العافي بالمعروف، وليؤد إليه مالًا بإحسان، وبالإجماع لا يجب أداء غير

стр. 473

الدية، فوجب أن يكون ذلك الواجب هو الدية، وهذا يدل على أن موجب العمد هو القود أو المال ولو لم يكن كذلك، لما كان المال واجبًا عند العفو عن القود. ومما يؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾، أي: إثبات الخيار لكم في أخذ الدية، وفي القصاص، ﴿رَحْمَةٌ﴾ من الله عليكم، لأن الحكم في اليهود حتّم القصاص، والحكم في النصارى حتم العفو، فخفف عن هذه الأمة، وجعل لهم التخيير بين القصاص والدية. و ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ﴾ الله ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ في حق هذه الأمة؛ لأن ولي الدم قد تكون الدية آثر عنده من القود، إذا كان محتاجًا للمال، وقد يكون القود آثر، إذا كان راغبًا في التشفي، ودفع شر القاتل عن نفسه، فجعل الخيرة له فيما أحبه، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ من الله في حقه. ودلت الآية على أن مرتكب الكبيرة، لا يخرج بارتكابها عن الإيمان, لأنه تعالى قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ فسماه أخًا، ولا شك أن هذه الأخوة تكون بسبب الدين، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] فلولا أن الإيمان باقٍ مع الفسق، لما بقيت الأخوة الحاصلة بسبب الإيمان. وقوله تعالى: ﴿تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ اسم الإشارة فيه يعود إلى الحكم المذكور من العفو والدية، وأضاف هذا التخفيف إلى الرب, لأنه المصلح لأحوال عباده، الناظر لهم في تحصيل ما فيه سعادتهم الدينية والدنيوية. وقد حصل التخفيف على هذه الأمة، من أن أهل التوراة كتب عليهم القصاص البتة، وحرم العفو وأخذ الدية، وكتب على أهل الإنجيل العفو، وحرم القصاص والدية. وأما هذه الأمة فقد خيرت بين الثلاث: القصاص والعفو والدية، توسعة عليهم وتيسيرًا. وعطف ﴿رَحْمَةٌ﴾ على ﴿تَخْفِيفٌ﴾ لأن من استبقى مهجتك بعد

стр. 474

استحقاق إتلافها فقد رحمها، وأي رحمة أعظم من ذلك، ولعل القاتل المعفو عنه يستقبل من الأعمال الصالحة في المدة التي عاشها بعد استحقاق قتله، ما يمحو به هذه الفعلة الشنعاء، فمن الرحمة إمهاله لعله يصلح أعماله. ولما كانت هذه منَّة عظيمة، تسبب عنها تهديد من أباها، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ التخفيف، فتجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل، أو القتل بعد أخذ الدية، فقد كان الولي في الجاهلية يؤمن القاتل بقبوله الدية، ثم يظفر به فيقتله ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة، هذا ما قاله أكثر المفسرين. وقال عكرمة، وابن جبير، والضحاك: العذاب الأليم هو في الدنيا، وهو قتله قصاصًا. ومذهب جملة من العلماء، أنه إذا قتل بعد سقوط، كان كمن قتل ابتداء، إن شاء الولي قتله، وإن شاء عفا عنه. وذهب ابن جرير على عادته، فجعل العذاب الأليم عذاب الدنيا بالقتل، قال: لأن الله تعالى جعل لكل ولي قتيل قتل ظلمًا، سلطانًا على قاتل وليّه، فقال: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]. فإذ كان ذلك كذلك، وكان الجميع من أهل العلم مجمعين على من قتل قاتل وليّه بعد عفوه عنه، وأخذه منه دية قتيله، أنه بقتله إياه له ظالم في قتله، كان بينًا أن لا يولَّى من قتله ظلمًا كذلك، السلطانَ عليه في القصاص والعفو، وأخذ الدية، أيّ ذلك شاء (١)، وإذ كان ذلك كذلك، كان معلومًا أن ذلك عذابه, لأن من أقيم عليه حده في الدنيا، كان ذلك عقوبته من ذنبه، ولم يكن به متبَعًا في الآخرة، على ما قد ثبت به الخبر عن رسول الله ﷺ . ولما أخبر تعالى بفائدة العفو، أخبر بفائدة مقابله، تتميمًا لتأنيب أهل الكتاب على عدولهم عن النص، وعماهم عن الحكمة، فقال:

стр. 475

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾. في هذه الآية حكمة بالغة، وبلاغة في التعبير يقصر دونها الوصف، فسبحان من هذا كلامه، قال في "الكشاف": كلام فصيح لما فيه من الغرابة، وهو: أن القصاص قتل وتفويت للحياة، وقد جعل مكانًا وظرفًا للحياة، ومن إصابة محز البلاغة بتعريف القصاص، وتنكير الحياة. لأن المعنى: ولكم في هذا الجنس من الحكم، الذي هو القصاص حياة عظيمة، وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب، حتى كاد يفني بكر بن وائل، وكان يقتل بالمقتول غير قاتله، فتثور الفتنة، ويقع بينهما التناحر. فلما جاء الإِسلام بشرع القصاص، كانت فيه حياة، أيّ حياة، أو نوع من الحياة، وهي الحياة الحاصلة بالارتداع من القتل، لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل, لأنه إذا همَّ بالقتل، فعلم أنه يقتص منه فارتدع، سلم صاحبه من القتل، وسلم هو من القود، فكان القصاص سببًا لحياة نفسين، هذا كلامه. فقوله: كلام فصيح، لما فيه من الغرابة، جعل فيه أحد الضدين محلًا للآخر، وهذا الجعل، إما أنه وهم منه أو تسامح, لأن شرط تضاد الحياة والموت، اجتماعهما في محل واحد تقديرًا، ولا تضاد بين حياة غير المقتص منه وموت المقتص. والبلاغة التي أوضحها في الآية بينة بدون هذا الإطلاق، وكلامه يوهم أن نفس القصاص حياة، فيرد عليه أن القصاص إزالة للحياة، وإزالة الشيء يمتنع أن تكون من ذلك الشيء وليس كذلك، بل المراد أن شرع القصاص، يفضي إلى الحياة في حق من يريد أن يكون قاتلًا، وفي حق من يراد جعله مقتولًا، وفي حق غيرهما أيضًا. كما تقدم إيضاحه في كلام العلامة رحمه الله تعالى. ولك أن تجعل نفس القصاص سببًا للحياة، على معنى أن سافك الدم، إذا أقيد منه ارتدع من كان يهم بالقتل فلم يقتل، فكان القصاص نفسه سببًا للحياة من هذا الوجه، ولك أيضًا أن تجعل المراد بالقصاص إيجاب التسوية، فيكون المراد أن في إيجاب التسوية حياة لغير القاتل, لأنه لا يقتل غير القاتل، بخلاف ما كان يفعله أهل الجاهلية، وإلى هذا جنح السدي، فروى عنه ابن جرير بأنه قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، بقاء، لا يقتل إلا القاتل بجنايته.

стр. 476

هذا وقد ظهر لي توجيه هذا من جهة ثانية، وهي أن القاتل لما تعمد القتل، ورأى أنه لم يؤاخذ به، صارت نفسه شريرة يهون عليها سفك الدماء، وإعدام كل من أغضبه وعاداه، فيقدم على القتل بلا مبالاة، ويكون بقاؤه خطرًا على المجتمع الإنساني والمدنية الفاضلة، فربما أهلك أنفسًا، وفرق بين أرواح وأجسام، فشرع الله القصاص، إشارة إلى أن مثل هذا يجب إخراجه من المجتمع المدني، لما فيه من الضرر عليه، لتتأتى حياة الباقي بعده. ألا تراك إذا زرعت حنطة جيدة، في أرض ذات إنبات، فخرج الزرع جيدًا، ثم نبت بينه نبات مضرٌّ له، وقاتل لنموه، تسرع في إزالة ذلك المضر، وتسوقه إلى النار، ليسلم لك زرعك الذي فيه قوام حياتك، وكذلك المجتمع الإنساني، إنما هو لحفظ حياة بعضه بعضًا، فهذا تسلط عليه شرير ففتك ببعض أفراده، كانت إزالته واجبة لحياة ذلك المجتمع، ولذلك أباح الشارع مدافعة الصائل على النفس أو المال أو الحرم، وإذا لم يمكن دفعه إلا بالقتل، جاز للمدافع قتله، ولقد حام عقلاء العرب وفصحاؤهم حول هذا المعنى، وقصدوا أن ينظموا ما يفيده في سلك جوامع الكلم، فلم يوفوه حقه من الشرح والبيان، كما وفته الآية الكريمة؛ فقالوا تارة: قتل البعض إحياء للبعض؛ وقالوا: أكثروا القتل ليقل القتل؛ وأجود ما قالوه في هذا الباب: القتل أنفى للقتل (١)، وأكفّ للقتل، فكانت كل جملة مما قالوه تجلب النظر نحو الاعتراض، من جهة أن ظاهر قولهم يقتضي كون وجود الشيء سببًا لانتفاء نفسه، وهو محال، ومن جهة تكرير القتل في جملة واحدة، وذلك خلاف البلاغة، والآية الكريمة سالمة من ذلك التكرار والمحال؛ وأيضًا فإن كلامهم يشمل القتل ظلمًا، مع أنه لا يكون نافيًا للقتل، والآية بخلاف ذلك, لأن حقيقة القصاص لا يندرج فيها القتل ظلمًا، بخلاف كلامهم. وبيانه: أن القتل ظلمًا قتل، مع أنه لا يكون نافيًا للقتل، بل هو سبب لزيادته، إنما النافي لوقوع القتل هو القتل المخصوص، وهو القصاص، فظاهر

стр. 477

قولهم باطل، أما الآية فهي صحيحة ظاهرًا وتقديرًا، وأيضًا فالقصاص في الآية أعم من القتل، فيدخل فيه القصاص في الجراح والشجوج، وذلك لأنه إذا علم أنه إذا جرح عدوه اقتص منه، زجره ذلك عن الإقدام، فيصير سببًا لبقائهما, لأن المجروح لا يؤمن فيه الموت، وكذلك الجارح إذا اقتص منه، وأيضًا فالشجة والجراحة التي لا قود فيها، داخلة تحت الآية، لا يأمن أن تؤدي جراحته إلى زهوق النفس، فيلزم القود، فخوف القصاص حاصل في النفس، والقتل لا يكون إلا في النفس، فالآية أعم وأنفع في تحصيل الحياة. ونبه بالنداء في قوله: ﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، ذوي العقول والبصائر على المصلحة العامة، وهي مشروعية القصاص، إذ لا يعرف عنه محصولها إلا أولو الألباب، القابلون لامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وهم الذين خصهم الله بالخطاب: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩، الزمر: ٩] , ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤، الرعد: ٤، النحل: ١٢، الروم: ٢٤] ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ [طه: ٥٤ و ١٢٨] ﴿لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]. وأولو الألباب هم: الذي يعرفون العواقب، ويعلمون جهات الخوف، إذ من لا عقل له، لا يحصل له الخوف، فلهذا خص به ذوي الألباب، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ القصاص فتكفون عن القتل، وتتقونه حذرًا من القصاص، أو الانهماك في القتل، أو تتقون الله باجتناب معاصيه، أو تعملون عمل أهل التقوى، في المحافظة على القصاص، والحكم به، وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة. وهذه أقوال خمسة. أولاها: ما سيقت له الآية من مشروعية القصاص، وقد أبدى الحرالي هنا نكتة لطيفة، نبهته إليها لفظة "لعل"، وهي: أنها أشارت إلى تصنيف المخاطبين صنفين: الأول منهما: من يثمر له ذلك الخطاب تقوى، والكفاف عن الأذى، والثاني: من لا يزيده إلا اعتداء، ولا يحمله إلا معاندة الأمر.

стр. 478

ولما حث في الآيات السابقة على بذل المال، ندبًا وإيجابًا، في حالة الصحة والشح، وتأميل الغنى، وخشية الفقر، تصديقًا للإيمان، وأتبعه بذل الروح التي هو عديلها، بالقتل الذي هو أحد أسباب الموت، أتبع ذلك دلالته على حالة الإشراف على النقلة من دار الفناء إلى دار البقاء، ليستدرك المشرف على الموت ما فاته من بذل المال على حبه، فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾. اعلم أن ﴿كُتِبَ﴾ في مثل هذا المقام، يقتضي الوجوب كما استفاض في الشرع، وأكد هنا بالتعبير بـ "على"، أي: فرضًا ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيها المؤمنون الوصية، ﴿إذا حضر أحدكم الموت أن ترك خيرًا﴾، وهو المال؛ ﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وهو: ما أذن الله فيه، وأجازه في الوصية، مما لم يتعمد الموصي به ظلمًا لورثته، ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾. يعني بذلك: فرض عليكم هذا وأوجبه، وجعله حقًا واجبًا على من اتقى الله فأطاعه أن يعمل به. وأما قوله: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ فمعناه: إذا دنا منه، وظهرت أماراته. وقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ مصدر مؤكد، أي: حق [ذلك] (١) حقًا، أي: واجبًا. قال ابن جرير: فإن قال قائل: أَوَفرض على الرجل ذي المال أن يوصى لوالديه وأقربيه الذين لا يرثونه؟

стр. 479

قيل: نعم، فإن قال: فإن هو فَرّط في ذلك، فلم يوص لهم، أيكون مضيعًا فرضًا يحرج بتضييعه؟ قيل: نعم، فإن قال: فما الدلالة على ذلك؟ قيل: قول الله تعالى ذكره: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية. فأعلمه أنه قد كتبه علينا وفرضه، كما قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] ولا خلاف بين الجميع: أن تارك الصيام وهو عليه قادر، مضيع بتركه فرضًا عليه، فكذلك هو بترك الوصية لوالديه وأقربيه، وله ما يوصي لهم فيه، مضيع فرض الله . انتهى. وسبب نزول هذه الآية، كما قال الأصم: أنهم كانوا يوصون للأبعدين طلبًا للفخر والشرف، ويتركون الأقارب في الفقر والمسكنة. فأوجب الله تعالى في أول الإِسلام الوصية لهؤلاء، منعًا للقوم عما كانوا اعتادوه، وهذا بيّن. واعلم أن للفقهاء مسلكين في هذه الآية: المسلك الأول: أنها منسوخة في حق من يرث ، واستدل القائلون بذلك بما أخرجه البخاري في صحيحه, عن ابن عباس، قال: "كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع". وبحديث عمرو بن خارجة قال: إن النبي ﷺ ، خطب على ناقته وأنا تحت جِرَانها، وهي تقصع بجرمها، وإن لعابها يسيل بين كتفي، فسمعته يقول: "إن الله أعطى كل ذي حق حقه، ولا وصية لوارث" (١). الحديث رواه الترمذي من طريق شهر بن حوشب، ثم قال: وسمعت أحمد بن الحسن يقول: قال أحمد بن حنبل: لا أبالي بحديث شهر بن حوشب.

стр. 480

قال (١): وسألت محمَّد بن إسماعيل عن شهر بن حوشب فوثقه؛ وقال: إنما يتكلم فيه ابن عون، ثم روى ابن عون عن هلال بن أبي زينب، عن شهر بن حوشب. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، انتهى. قلت: شهر هذا وثقه ابن معين، والإمام أحمد. وقال يعقوب بن سفيان: شهر واهٍ. وقال ابن عون: تركوه وهو ثقة. وقال ابن معين: ثبت. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أبو زرعة: لا بأس به. ورواه النسائي من طريق شهر، ورجاله البقية ثقات. ورواه ابن ماجه، وفي إسناده سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. قال أحمد فيه: هو قدري لم يكن له كتاب، وإنما كان يحفظ. وقال ابن معين: ثقة من أثبتهم في قتادة. وقال أبو حاتم: ثقة قبل أن يختلط. وقال دحيم: اختلط سنة خمس وأربعين ومئة. واستدلوا أيضًا بحديث أبي أمامة، عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث" (٢). الحديث رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. انتهى. لكن في رواته إسماعيل بن عياش، وقد قال فيه الترمذي في روايته عن أهل العراق وأهل الحجاز: ليس بذاك فيما تفرد به, لأنه روى عنهم مناكير، وروايته عن أهل الشام أصح. هكذا قال محمَّد بن إسماعيل، يعني: البخاري. قال: سمعت أحمد بن الحسن يقول: قال أحمد بن حنبل: إسماعيل بن عياش أصلح من بقية، ولبقية أحاديث مناكير عن الثقات. وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن، سمعت زكريا بن عدي يقول: قال أبو إسحاق الفزاري: خذوا عن بقية ما حدث عن الثقات، ولا تأخذوا عن إسماعيل بن عياش ما حدث عن الثقات، ولا عن غير الثقات، هذا كلام الترمذي.

стр. 481

وقال في "خلاصة التذهيب": وثقه أحمد وابن معين ودحيم والبخاري، وابن عدي في أهل الشام، وضعفوه في الحجازيين. وروى حديث أبي أمامة أبو داود، من طريق ابن عياش، عن شرحبيل بن مسلم، وشرحبيل وثقه العجلي وأحمد، وقال ابن معين: ضعيف. ورواه ابن ماجه من طريقهما أيضًا، ورواه أيضًا من طريق محمَّد بن شعيب بن شابور، عن أنس بن مالك، قال في "الزوائد": إسناده صحيح. ومحمد بن شعيب وثقه دحيم، وباقي رجال الإسناد على شرط البخاري. انتهى. ومن هذا تعلم أن هذا الحديث مُتكلم فيه، وأنه لم يقول إلا بضم أسانيده بعضها إلى بعض، حتى تحصل له مرتبة العمل به، وأيًا ما كان فلا يصلح أن يكون ناسخًا للآية، ولا مخصصًا لها، على ما هو المختار عند الأصوليين، من أن نسخ الكتاب، ومتواتر السنة بآحادها، جائز عقلًا لا شرعًا. وقد نقل الشيخ عبد الله المقدسي في كتابه "روضة الناظر" - وتبعه الطوفي في "مختصره" وشرحه - إجماع الصحابة على أن القرآن ومتواتر السنة لا يرفع بخبر الواحد، على أن الخلاف قد جرى في أن متواتر السنة هل ينسخ القرآن أم لا؟ فنقل في "الروضة الأصولية" أن الإِمام أحمد ﵁، قال: لا ينسخ القرآن إلا قرآن مثله يجيء بعده. وحكى الآمدي هذا القول عن الشافعي وأكثر أصحابه، وأكثر الظاهرية، وحكي الجواز عن مالك والحنفية وابن سريج، وأكثر الأشاعرة والمعتزلة. قال القرافي: هو جائز عند أكثر أصحابنا. انتهى. والأول هو الذي نختاره، وندين الله به، فإذا كان القرآن لا ينسخ بالمتواتر، فلأن لا ينسخ بالآحاد من باب أولى. المسلك الثاني من مسلك الفقهاء: أنها منسوخة بآية المواريث، وإلى ذلك ذهب ابن عباس؛ كما دل على ذلك رواية البخاري المتقدمة عنه؛ وإلى ذلك ذهب الإِمام مالك، فقال في "الموطأ": قول الله ﵎: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ

стр. 482

لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ نسخها ما نزل من قسمة الفرائض، في كتاب الله . انتهى. ولما كان قول ابن عباس اجتهادًا منه، ولم يكن من جنس المرفوع، وصار مالك إليه تقليدًا، جاز أن يناقش فيه، بأن يقال: إن نسخ هذه الآية بآية المواريث بعيد, لأنه لا يمتنع مع قدر من الحق بالميراث، وجوب قدر آخر بالوصية، وأكثر ما يوجبه ذلك التخصيص لا النسخ، بأن يقول قائل: إنه لا بد وأن تكون منسوخة فيمن لم يخلف إلا الوالدين، بحيث يصير كل المال حقًا بسبب الإرث، فلا يبقى للوصية شيء، إلا أن هذا تخصيص لا نسخ. وممن ذهب إلى أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، أبو مسلم الأصفهاني، وقرر فخر الدين الرازي مذهبه من وجوه: أولها: أن هذه الآية ما هي مخالفة لآية المواريث، ومعناها: كتب الله عليكم ما أوصى به الله تعالى من توريث الوالدين والأقربين، من قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] أو كتب على المحتضر أن يوصي للوالدين والأقربين، بتوفير ما أوصى به الله لهم عليهم، وأن لا ينقص من أنصبائهم. وثانيها: أنه لا منافاة بين ثبوت الميراث للأقرباء، مع ثبوت الوصية بالميراث عطية من الله تعالى، والوصية عطية ممن حضره الموت، فالوارث جمع له بين الوصية والميراث، بحكم هاتين الآيتين. وثالثها: لو قدرنا حصول المنافاة، لكان يمكن جعل آية الميراث مخصصة لهذه الآية، وذلك لأن هذه الآية توجب الوصية للأقربين، ثم آية الميراث تخرج القريب الوارث، ويبقى القريب الذي لا يكون وارثًا داخلًا تحت هذه الآية، وذلك لأن من الوالدين من يرث، ومنهم من لا يرث، وذلك بسبب اختلاف الدين والرق والقتل، ومن الأقارب الذين لا يسقطون في فريضة من لا يرث بهذه الأسباب الحاجبة، ومنهم من يسقط بحال، ويثبت في حال، إذا كان في الواقعة من هو

стр. 483

أولى بالميراث منهم، ومنهم من يسقط في كل حال إذا كانوا ذوي رحم، فكل من كان من هؤلاء وارثًا لم تجز الوصية له، ومن لم يكن وارثًا جازت الوصية له، لأجل صلة الرحم؛ فقد أكد الله تعالى ذلك بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]. وبقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠] هذا كلامه. والذي نختاره أن آية الميراث مخصصة لهذه الآية لا ناسخة لها، وأن العمل بهما على مقتضى الوجه الثالث، وبذلك يمكن العمل بالآيتين وبالحديث أيضًا، ومن غير إطراح واحد من الكل, لأن الآية المخصصة يبقى العمل بما بقي بعد التخصيص، بخلاف النسخ، فإنه مبطل للعمل بها كلها، وهذا خلاف ما يقتضيه العقل في كلام الله تعالى. هذا وادعى قوم: أن هذه الآية منسوخة بالإجماع، وهذا مردود لأن الإجماع لا يجوز أن يكون ناسخًا للقرآن, لأنه يدل على أنه كان الدليل الناسخ موجودًا، إلا أنهم اكتفوا بالإجماع عن ذكر ذلك الدليل؛ ولقائل أن يقول: لما ثبت أن في الأمة من أنكر وقوع هذا النسخ، فكيف يدعي انعقاد الإجماع على حصول النسخ هذا. وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾. فقال الزهري: المال مطلقًا يسمى ﴿خَيْرًا﴾، بلا فرق بين القليل والكثير, لأن الله سمى القليل خيرًا، فقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة: ٧]. وقال تعالى، حكايته عن موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]. وأيضًا الخير ما ينتفع به، والمال القليل كذلك، فيكون خيرًا، وقد اعتبر الله أحكام المواريث فيما يبقى من المال، قل أم أكثر، بدليل قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء: ٧] , فوجب أن يكون الأمر كذلك في

стр. 484

الوصية، وهذا هو الحق لما ذكر من الأدلة، ولقول مجاهد: "الخير" في القرآن كله: المال، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ [العاديات: ٨] , ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ [ص: ٣٢] , ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] , ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ [هود: ٨٤]. وإلى هذا ذهب ابن عباس وقتادة والسدي والربيع، والضحاك وعطاء. وقال جماعة: لفظ الخير في هذه الآية: المال الكثير، واحتجوا لذلك بحجج عقلية، منها أن المال؛ وإن كان يطلق على القليل والكثير، لكنه أطلق على الكثير مجازًا، لاطباقهم على أن من ترك درهمًا، لا يقال: إنه ترك خيرًا، ومثل هذا الدليل يتضاءل عند مقابلة النصوص له. ولما ذكر الله أمر الوصية ووجوبها، وعظم أمرها، أتبعه بما يجري مجرى الوعيد في تغييرها، فقال: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾. يصح أن تكون "من" واقعة على الوصي أو على الشاهد، أو على سائر الناس. أما الوصي: فبأن يغير الوصية، إما في الكتابة، أو في قسمة الحقوق. وأما الشاهد: فبأن يغير شهادته أو يكتمها. وأما غيرهما: فبأن يمنع من وصول ذلك المال إلى مستحقه، فهؤلاء كلهم داخلون تحت قوله تعالى: "فمن بدله". وقيل: إن "من" واقعة على الموصي، فهي عن تغيير الوصية عن المواضع التي بين الله تعالى بالوصية إليها. والحق أن "من" هنا عامة للوصي والموصي والشاهد، ومن له دخل في تغيير الوصية وتبديلها، حتى أنها تشمل الحاكم إذا علم صحتها ولم يحكم بها.

стр. 485

والظاهر: أن ضمير ﴿بَدَّلَهُ﴾ يعود على ﴿الْوَصِيَّةُ﴾، بمعنى الإيصاء؛ أي: ﴿فَمَنْ﴾ بدل الإيصاء عن وجهه، إن كان موافقًا للشرع، ﴿بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ سماع تحقق وتثبت. وعوده على الإيصاء أولى من عوده على ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ , لأن تأنيث ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ غير حقيقي, لأن ذلك لا يراعى في الضمائر المتأخرة عن المؤنث المجازي، بل يستوي المؤنث الحقيقي والمجازي في ذلك. تقول: خرجت والشمس طلعت، ولا يجوز طلع، إلا في الشعر. والضمير في ﴿سَمِعَهُ﴾ عائد على الإيصاء كما شرحناه، وقيل: يعود إلى أمر الله. وقوله: ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ ﴿فَإِنَّمَا﴾ للحصر، أي: فما إثم الإيصاء المغير، أو ما إثم التبديل، إلا على مبدليه دون غيرهم من الموصي أو الموصى له، وغيرهما لأنهما بريئان من الحيف. ولما كان للموصي والمبدل، أقوال وأفعال ونيات، حذر تعالى بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، أي: ﴿سَمِيعٌ﴾ لما يقوله كل منهما، ﴿عَلِيمٌ﴾ بسره وعلنه بذلك، فليحذر من عمل السوء، ومن دعاء المظلوم، فإنه مستجاب. ولما كان التحذير من التبديل، إنما هو في عمل العدل، وكان الموصي ربما جارٍ في وصيته، لجهل أو غرض، تسبب عنه قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾. الظاهر أن الخوف هو الخشية هنا، جريًا على أصل اللغة في الخوف، فيكون المعنى: ومن توقع الجنف أو الإثم من الموصي. قال مجاهد: المعنى من خاف أن يجنف الموصي، ويقطع ميراث طائفة، ويتعمد الأذية أو يأتيها دون تعمد، وذلك هو الجنف، دون إثم، وإذا تعمد فهو الجنف في إثم، فوعظه في

стр. 486

ذلك ورده، فصلح بذلك ما بينه وبين ورثته، ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ عن الموصي إذا عملت فيه الموعظة، ورجع عما أراد من الأذية، ﴿رَحِيمٌ﴾، به. وقيل: يراد بالخوف هنا العلم، والعلاقة بين الخوف والعلم، حتى أطلق على العلم الخوف، [و] أن الإنسان لا يخاف شيئًا حتى يعلم أنه مما يخاف منه، فهو من باب التعبير عن السبب بالمسبب. ويرد على التفسير الأول أن يقال: إنما يصح في أمر مرتبط، والوصية قد وقعت، فكيف يمكن تعليقها بالجواب؟ ويجاب عنه: بأن المصلح إذا شاهد الموصي يوصي، فظهرت منه أمارات الجنف، أو التعدي بزيادة غير مستحق، أو نقص مستحق، أو عدل عن مستحق، فأصلح عند ظهور الأمارات, لأنه لم يقطع بالجنف والإثم، فناسب أن يعلق بالخوف, لأن الوصية لم تمض بعد، ولم تقع. أو علق بالخوف وإن كانت قد وقعت, لأنه له أن ينسخها أو يغيرها بزيادة أو نقصان، فلم يصر الجنف والإثم معلومين, لأن تجويز الرجوع يمنع من القطع. أو علق بالخوف، وإن كانت الوصية استقرت ومات الموصي، يجوز أن تقع بين الورثة والموصى لهم مصالحة، على وجه يزول به الميل والخطأ، فلم يكن الجنف ولا الإثم مستقرًا، فعلق بالخوف، والجواب الأول أقوى. والجنف: الميل في الأمور، وأصله العدول عن الاستواء، والفرق بينه وبين الإثم، أن الجنف هو الخطأ حيث لا يعلم به، والإثم هو العمد، والظاهر أن هذا المصلح هو الوصي، الذي لا بد منه في الوصية، وقد يدخل تحته الشاهد؛ وقد يكون المراد منه من يتولى ذلك بعد موته، من والٍ، أو ولي، أو وصي، أو من يأمر بالمعروف، فكل هؤلاء يدخلون تحت قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ﴾، إذا ظهرت لهم أمارات الجنف والإثم في الوصية، أو علموا ذلك، فلا وجه للتخصيص هنا، بل الوصي والشاهد أولى بالدخول تحت هذا التكليف, لأن بهم تثبت الوصية، فكان تعلقهم بها أشد. وإلى هذا يشير ما أخرجه عبد الرزاق عن الثوري، قال: "بلغنا أن الرجل كان

стр. 487

إذا أوصى تغير وصيته، حتى نزلت: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾، فردّه إلى الحق". ويؤخذ من هذا أنه إذا ظهرت وصية من رجل، قد جعلها على مقتضى ما يتصور، وجعل فيها شيئًا مخالفًا للشرع، لا يجوز إسقاط الوصية من أصلها، وإنما يجوز إثباتها وإصلاحها، فما وافق فيه الشرع أثبته الحاكم أو الوصي، ونحوهما، وما لم يوافق الموصي فيه الشرع، رُدَّ إلى الشرع، وإن من فعل ذلك لا يكون داخلًا تحت قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ الآية. ولما أخبر تعالى أولًا بكتب القصاص، وهو إتلاف النفوس، وهو من أشق التكاليف، فيجب على القاتل إسلام نفسه للقتل؛ ثم أخبر ثانيًا بكتب الوصية، وهو إخراج المال الذي هو عديل الروح، انتقل ثالثًا إلى كتب الصيام المنهك للبدن، المضعف له، المانع والقاطع لما ألفه الإنسان من الغذاء بالنهار، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾. يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله، وصدقوا بهما وأقروا؛ ويعني بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، فرض عليكم مثل الذي فرض ﴿عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. وأصل الصيام في اللغة: الإمساك عن الشيء والترك له، ومنه قيل للصمت: صوم, لأنه إمساك عن الكلام؛ ثم نقل في الشرع إلى الإمساك من حين طلوع الفجر إلى غروب الشمس. ثم اختلف أهل التأويل في الذين عني الله بقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وفي المعنى الذي وقع فيه التشبيه، من فرض صومنا، وصوم الذين من قبلنا؟ فقال بعضهم: إن التشبيه يعود إلى وقت الصوم، وإلى قدره الذي هو لازم

стр. 488

لنا اليوم فرضه، وهو قول الشعبي، وهو ضعيف, لأن تشبيه الشيء بالشيء، يقتضي استواءهما في أمر من الأمور، فأما أن يقال: إنه يقتضي الاستواء في كل الأمور فلا، ثم القائلون بهذا القول، اختلفوا في "الذين من قبلنا" من هم؟ فقال السدي: هم النصارى؛ وبه قال الربيع، وقال مجاهد: هم أهل الكتاب. وقال قتادة: هم الناس كلهم، وأولى هذه الأحوال بالصواب قول من قال: هم أهل الكتاب، وقال بعضهم: التشبيه عائد إلى أصل إيجاب الصوم، يعني: هذه العبادة كانت مكتوبة واجبة على الأنبياء والأمم، من لدن آدم إلى عهدكم، ما أخلى الله أمة من إيجابها عليهم، لا يفرضها عليكم وحدكم. وفائدة هذا الكلام: أن الصوم عبادة شاقة، والشيء الشاق إذا عم سهل تحمله. وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، أي: بالمحافظة على تلك الوظيفة، وتعظيمها لأصالتها وقدمها، أو لعلكم تتقون المعاصي, لأن الصائم أظلف لنفسه، وأردع لها من مواقعة السوء، أو لعلكم تنتظمون في زمرة المتقين, لأن الصوم شعارهم. وقوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. منصوب بمضمر من الفعل. كأنه قيل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، أن تصوموا ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾، أي: موقتات بعدد معلوم، وفائدة وصفها بذلك، التسهيل على المكلف بأن هذه الأيام يحصرها العد، ليست بالكثيرة التي تفوت العد، وعنى الله تعالى بهذه الأيام المعدودات شهر رمضان ليس إلا, لأنه لم يأت خبر تقوم به حجة، بأن صومًا فرض على أهل الإِسلام غير صوم شهر رمضان، ثم نسخ بصوم شهر رمضان، وبأن الله تعالى قد بين في سياق الآية، أن الصيام الذي أوجبه جل ثناؤه علينا، هو صيام شهر رمضان دون غيره من الأوقات، بإبانته عن الأيام التي أخبر أنه كتب علينا صومها، بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾.

стр. 489

فمن قال: إن الأيام المعدودات، صوم ثلاثة أيام من كل شهر فريضة، أو تطوعًا لا فريضة، ثم نسخ ذلك، طولب بالدليل على ما قاله، من خبر تقوم به حجة، وعوقب على إسراعه إلى ادعاء النسخ، وليس هو بالأمر السهل، والمعنى على ذلك: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ هي ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾. ويجوز أن يكون معناه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، كتب عليكم ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾، أي: صومه. قال الحرالّي: وفي تأسيسه على العد، ملجأ يرجع إليه عند إغماء الشهر الذي هو الهلال، فصار لهم العدد في الصوم، بمنزلة التيمم في الطهور، يرجعون إليه عند ضرورة فقد إهلال الرؤية، كما يرجعون إلى الصعيد عند فقد الماء. ولما كان للمريض حاجة إلى الدواء والغذاء، بحسب تداعي جسمه، رفع عنه الكتب، فتسبب عما مضى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ يقول جل ثناؤه: من ﴿كَانَ مِنْكُمْ﴾ ممن كلف الصوم ﴿مَرِيضًا أَوْ﴾ كان صحيحًا غير مريض، ولكنه راكبًا ﴿سَفَرٍ فَعِدَّةٌ﴾، أي: فعليه صوم عدة الأيام التي أفطرها في مرضه، أو في سفره، ﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، غير أيام سفره أو مرضه. فـ ﴿عِدَّةٌ﴾ بالرفع، على معنى: فعليه عدة؛ وقرئ بالنصب على معنى فليصم عدة، ونظم الكلام يشعر بأن تقدير الرفع، فالمكتوب عدة, لأن الآية مصدرة بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، و "عدة" هنا مصدر بمعنى اسم المفعول، أي: معدودة، وبين الشرط وجوابه محذوف، والتقدير: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ فأفطر، فالمكتوب عليه عدة، أي: أيام معدودة من أيام أخر، غير التي أفطرها، فـ ﴿مِنْ أَيَّامٍ﴾ في موضع الصفة، لقوله ﴿فَعِدَّةٌ﴾؛ و ﴿أُخَرَ﴾ صفة لـ ﴿أَيَّامٍ﴾. وظاهر الآية اعتبار مطلق المرض، بحيث يصدق عليه الاسم، وإلى هذا ذهب جمع من السلف. قال البخاري في "صحيحه"، قال عطاء: يفطر من المرض كله، كما قال الله

стр. 490

تعالى؛ وقال الحسن وإبراهيم: في المرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما، أو ولدهما تفطران، ثم تقضيان. ونقل أبو حيان في "البحر" القول بمطلق المرض عن ابن سيرين والبخاري؛ وقال الرازي: إن (١) أي مريض كان، وأي مسافر كان، فله أن يترخص تنزيلًا للفظه المطلق على أقل أحواله، وهذا قول الحسن وابن سيرين. يروى أنهم دخلوا على ابن سيرين في رمضان وهو يأكل، فاعتل بوجع أصبعه. انتهى. وحيث جرى الخلاف في معنى كلمة بني الكتاب العزيز، كان المرجع في تفسيرها، إما إلى لغة العرب، وإما إلى الحقيقة الشرعية، ولا يلتفت إلى ما اصطلح عليه بعد نزول الكتاب العزيز، ولما كان الفقهاء قد اختلفوا في حدّ المرض المبيح للفطر، رجعنا إلى اللغة، فنقلنا قول علمائها, وإليك قولهم: قال في "العباب": المرض إظلام الطبيعة واضطرابها بعد صفائها واعتدالها. انتهى. وهو قول ابن الأعرابي، وبذلك فسره صاحب القاموس. وقال ابن دريد: المرض السقم، وهو نقيض الصحة، يكون للإنسان والبعير، وهو اسم للجنس. انتهى. وقوله: ﴿مرضى﴾ جمع مريض، ويجمع على مراضى أيضًا. وقال ابن عرفة: المرض في الأبدان فتور الأعضاء، فعلى هذا فالمرض المبيح للفطر، هو الذي يكون منه انحراف الصحة عن اعتدالها الطبيعي، فكل مرض كان كذلك، جاز لمن ابتلي به الفطر. وقوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ يشمل كل سفر، طالت مسافته أو قصرت. قال الأزهري: وسمي المسافر مسافرًا، لكشف قناع الكن عن وجهه، وبروزه للأرض الفضاء. وقال المحقق شمس الدين محمَّد بن القيم، في كتابه "زاد

стр. 491

المعاد" (١): ولم يكن من هديه ﷺ تقدير المسافة التي يفطر فيها الصائم بعد، ولا صح عنه في ذلك شيء، وقد أفطر دحية بن خليفة الكلبي في سفر ثلاثة أميال، وقال لمن صام: قد رغبوا عن هدي محمَّد ﷺ ، وكان الصحابة حين ينشئون السفر، يفطرون من غير اعتبار مجاوزة البيوت، ويخبرون أن ذلك سنته وهديه ﷺ . كما قال عبيد بن بشير: "ركبت مع أبي بصرة الغفاري، صاحب رسول الله ﷺ ، في سفينة من الفسطاط في رمضان، فلم نجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة، قال: اقترب، قلت: ألست ترى البيوت، قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ ". رواه أبو داود وأحمد (٢). ولفظ أحمد: "ركبت مع أبي بصرة من الفسطاط إلى الإسكندرية، في سفينة، فلما دنونا من مرساها، أمر بسفرته فقربت، ثم دعاني إلى الغداء، وذلك في رمضان، فقلت: يا أبا بصرة، والله ما تغيب عنا منازلنا بعد، فقال: أترغب عن سنة رسول الله ﷺ ؟ فقلت: لا، فقال: كُل. قال: فلم نزل مفطرين حتى بلغنا". وقال محمَّد بن كعب: "أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد السفر، وقد رحلت راحلته، وقد لبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ قال: سنة، ثم ركب" (٣). قال الترمذي: حديث حسن؛ وقال الدارقطني: فأكل وقد تقارب غروب الشمس. وهذه الآثار صريحة في أن من أنشا السفر في أثناء يوم من رمضان، فله الفطر فيه، انتهى.

стр. 492

ويقرب من معنى المسافر، ما لو دنا الصائمون في الحرب من عدوهم، فإن كانوا مسافرين فلهم الفطر، وإن كانوا في الحضر، وكان في الفطر قوة لهم على لقاء عدوهم، فهل. لهم الفطر فيه؟ للعلماء قولان، أصحهما دليلًا أن لهم ذلك. قال ابن القيم: وهو اختيار شيخ الإِسلام أحمد ابن تيمية، وبه أفتى العساكر الإِسلامية، لما لقوا العدو بظاهر دمشق (١). ولا ريب أن الفطر لذلك أولى من الفطر لمجرد السفر، بل إباحة الفطر للمسافر، تنبيه على إباحته في هذه الحالة، فإنها أحق بجوازه, لأن القوة هناك تختص بالمسافر، والقوة هنا له وللمسلمين، ولأن مشقة الجهاد أعظم من مشقة السفر، ولأن المصلحة الحاصلة بالفطر للمجاهد، أعظم من المصلحة بفطر المسافر، ولأن الله قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] , والفطر عند اللقاء من أعظم أسباب القوة، والنبي ﷺ قد فسر القوة بالرمي، وهو لا يتم ولا يحصل به مقصوده، إلا بما يقوي ويعين عليه من الفطر والغذاء، ولأن النبي ﷺ قال للصحابة، لما دنوا من عدوهم: "إنكم قد دنوتم من عدوكم، فأفطروا أقوى لكم" (٢)، وكان رخصة، ثم نزلوا منزلا آخر فقال: "إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا" (٣) وكانت عزيمة، فعلل بدنوهم من عدوهم، واحتياجهم إلى القوة التي يلقون بها العدو وهذا سبب آخر غير السفر، والسفر مستقل بنفسه، ولم يذكره في تعليله، ولا أشار إليه بالتعليل به، اعتبارًا لما ألغاه الشارع في هذا الفطر الخاص، وإلغاء وصف القوة التي يقاوم بها العدو، واعتبار السفر المجرد إلغاء لما اعتبره الشارع وعلل به.

стр. 493

وبالجملة فتنبيه الشارع وحكمته، يقتضي أن الفطر لأجل الجهاد أولى منه لمجرد السفر، فكيف وقد أشار إلى العلة، ونبه عليها وصرح بحكمها، وعزم عليهم أن يفطروا لأجلها؟ ويدل عليه ما رواه عيسى بن يونس عن شعبة عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ ، لأصحابه يوم فتح مكة: "وإنه يوم قتال، فأفطروا" (١). تابعه سعيد بن الربيع عن شعبة. فعلل بالقتال، ورتب عليه الأمر بالفطر بحرف الفاء، وكل أحد يفهم من هذا اللفظ أن الفطر لأجل القتال، وأما إذا تجرد السفر عن الجهاد، فكان رسول الله يقول في الفطر: "إنه رخصة من الله، فمن أخذها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه". هذا وقد أخرج الترمذي عن عائشة: أن حمزة بن عمرو الأسلمي، سأل رسول الله ﷺ عن الصوم في السفر، وكان يسرد الصوم، فقال رسول الله ﷺ : "إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر" (٢). قال الترمذي: حديث عائشة هذا حديث حسن. وفي المقام مباحث محلها كتب الحديث وشروحها. ولما بيّن تعالى أحكام المسافرين والمرضى، وأنهم إذا أفطروا في شهر رمضان وجب عليهم القضاء فقط، بيّن تعالى حكم من أفطر عامدًا وهو مطيق للصوم، وليس مريضًا ولا على سفر فقال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾. معناه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ﴾ يطيقون الصوم، ويقدرون عليه، إذا هم أفطروا من غير عذر يبيح لهم ذلك: القضاء كغيرهم، من أولي الأعذار، ويزيدون عليهم بدفع ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، فالمحذوف من الآية الأولى جملة واحدة، وهي:

стр. 494

فأفطروا؛ والمحذوف من هذه الآية تلك الجملة بعينها، وجملة ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، أي: فعليهم عدة من أيام أُخر. فالمحذوف الأول دل عليه المقام، والثاني من باب الحذف من الثاني، لدلالة الأول عليه، وبما قلناه هنا قال العيني، فإنه قال في كتاب الصوم من شرحه على صحيح البخاري، عند الكلام على هذه الآية، قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، أي: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ﴾ يطيقون الصوم، الذين لا عذر لهم، إن أفطروا، ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، نصف صاع من بر أو صاع من غيره عند أهل العراق، وعند أهل الحجاز مد، انتهى. لكن فاته أن يقدر ما هو مصرح به في الآية التي قبلها، وهو: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. وقال الترمذي في "سننه" (١): اختلف أهل العلم فيمن أفطر في رمضان متعمدًا من أكل أو شرب، فقال بعضهم: عليه القضاء والكفارة، شبهوا الأكل والشرب بالجماع، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وإسحاق. وقال بعضهم: عليه القضاء ولا كفارة عليه, لأنه إنما ذكر عن النبي ﷺ ، الكفارة في الجماع، ولم تذكر عنه في الأكل والشرب، وقالوا: لا يشبه الأكلُ والشربُ الجماعَ، وهو قول الشافعي وأحمد. وقال الشافعي: وقول النبي ﷺ ، للرجل الذي أفطر فتصدق عليه: "خذه فأطعمه أهلك"، يحتمل هذه المعاني يحتمل أن تكون الكفارة على من قدر عليها. وهذا رجل لم يقدر على الكفارة، فلما أعطاه النبي ﷺ شيئًا وملكه، فقال الرجل: ما أجد أفقر إليه منا، فقال النبي ﷺ : "خذه فأطعمه أهلك". لأن الكفارة إنما تكون بعد الفضل عن قوته، واختار الشافعي لمن كان على مثل هذا الحال أن يأكله، وتكون الكفارة عليه دينًا، فمتى ما ملك يومًا ما كفر. انتهى. ومحصله: أن الفطر في شهر رمضان فيه الكفارة عند أهل العلم، لكن تسقط عند العجز عنها في المشهور من مذهب أحمد، وتكون دينًا في ذمته عند الشافعي.

стр. 495

وأما من أفطر بغير الجماع من غير عذر، ففي إلزامه الكفارة خلاف، والآية الكريمة دليل لمن قال بلزوم الكفارة، خلافًا لمن قال: إنها منسوخة, لأن ادعاء النسخ ليس بالأمر السهل. وذهب بعضهم في الآية مذهبًا آخر، فقال: إن حكمها خاص بالشيخ الكبير والمريض، اللذين يطيقان الصوم، كان مرخصًا لهما أن يفديا صومهما بإطعام مسكين ويفطرا، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فلزمهما من الصوم مثل الذي لزم الشاب، إلا أن يعجزا عن الصوم، فيكون ذلك الحكم الذي كان لهما قبل النسخ ثابتًا لهما حينئذٍ بحاله؛ ونسب الطبري هذا القول إلى ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة، والربيع. وذهب آخرون إلى أن الآية محكمة، وحكمها مثبت منذ نزلت إلى قيام الساعة، وقالوا: أما الذين يطيقونه، فالرجل كان يطيقه وقد صام قبل ذلك، ثم يعرض له الوجع، أو العطش أو المرض الطويل، أو المرأة المرضع لا تستطيع أن تصوم، فإن أولئك عليهم مكان كل يوم إطعام مسكين، فإن أطعم مسكينًا فهو خير له، ومن تكلف الصيام فصامه فهو خير له، ونسب هذا القول إلى ابن عباس، وبه قال ابن عمر في الحامل والمرضع، وإلى سعيد بن المسيب، وكان ابن عباس يقرأ: "وعلى الذين يطوقونه"، ويقول: هو الشيخ الكبير يفطر ويطعم عنه؛ وقال عكرمة: الذين يطوقونه يعجزون عنه؛ وقال ابن عباس: يتكلفونه. والذاهبون إلى أن الآية منسوخة، استدلوا بما رواه مسلم عن سلمة بن الأكوع، قال (١): "لما نزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها". ورواه عن سلمة البخاري في التفسير، والنسائي أيضًا في تفسيره، ورواه أبو داود والترمذي، لكن لهذا الأثر علة خفية أشار إليها البخاري، وذلك أنه رواه عن قتيبة،
следующие страницы →