Полный текст (454 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
نعم، هذه مصادر الأحاديث الصحيحة، ذكر ابن كثير -رحمه الله تعالى- الآن نوعين من المصادر، ذكر النوع الأول وهي المستخرجات، فذكر أو مثل بأربعة من هذه المستخرجات، مستخرج أبي عوانة على صحيح مسلم، مستخرج أبي بكر الإسماعيلي على صحيح البخاري، ومستخرج البرقاني عليهما، ومستخرج أبي نعيم الأصفهاني، المستخرجات ماذا يقصد بها؟.
باختصار هي، المستخرج هو: كتاب يؤلف على كتاب موجود، على كتاب سابق من كتب السنة، يخرج المؤلف الجديد أحاديث الكتاب السابق بأسانيد بنفسه له هو، لا يمر بها على صاحب الكتاب، ويلتقي معه إما في شيخه، أو في شيخ شيخه، وربما لم يلتقي معه إلا في من؟ في الصحابي، يعني بحسب ما يقف عليه وبحسب رواياته هو، وربما لم يجد ما يلتقي، لم يجد له طرقا يلتقي فيها مع،، أو يتجاوز فيها صاحب الكتاب، فيسوقه منة طريق صاحب الكتاب أو يدعه، هذه المستخرجات.
وقد ولع بها المؤلفون في عصر الرواية، حتى مثلا في صحيح مسلم أحاديث يسيرة، راوي الصحيح عن الإمام مسلم الذي هو أينعم راوي الحديث الإمام مسلم بعد أن يسوق مسلم الحديث، يسوق هو إسنادا لنفسه يتجاوز فيه مسلم، يعني لا يمر به على مسلم، وإنما يمر به على شيخ مسلم، أو يلتقي معه في الشيخ، أو يعني أحاديث السيرة، وموجودة أكثر منها في سنن ابن ماجة، يقل فيها راوي سنن ابن ماجة عنه.
قال أبو الحسن: حدثنا فلان فيسوق إسناد بنفسه ولهم أغراض فيه، ثم بعد ذلك صار فنا، الاستخراج صار فنا، وألفت كتب مستقلة منها على سنن ابن داود، وعلى سنن الترمذي، ولكن أكثر المستخرجات على صحيحي البخاري ومسلم، أكثر المستخرجات ولهم أغراض وفيها فوائد، تكلم عليها العلماء -رحمهم الله تعالى- لكن المقصود هنا هو كلام ابن كثير ﵀، أراد أن يبين أن في هذه المستخرجات زيادات، من أين تأتي الزيادات؟ وهم يخرجون متون الصحيحين.
من أين تأتي الزيادات؟ تأتي من جهتين:
стр. 37
الجهة الأولى: أن المخرج هذا أو المستخرج له طريق غير طريق صاحب الصحيح، فالحديث ربما ساقه صاحب الصحيح مختصرا؛ لأن شيخه رواه له كذلك، أو هو اختصره، فصاحب المستخرج ساقه بتمامه، وربما صاحب الصحيح لم يسقه أصلا، نحن نعرف أن مسلم ساق جميع ألفاظ الطرق، أو ساق بعضها، والبخاري كذلك ساق بعضها، والباقي يقول، ماذا يقول؟ بنحوه، بمثله، فصاحب المستخرج يسوق المتن كاملا.
وهناك جهة ثانية للزيادات: هما أنه بعض المستخرجين يسوق أحاديث في الباب مستقلة. من باب زيادة، هذه ليس على شرط الاستخراج، وإنما يسوقها من باب الفائدة، إذن يوجد، يقول ابن كثير -رحمه الله تعالى- في هذه المستخرجات، وهذا الكلام صحيح، يوجد في هذه المستخرجات أحاديث صحيحة أو زيادات صحيحة على الصحيحين.
لكن نقيد هذا أو سيقيده ابن كثير فيما بعد، سيقيده ابن كثير -رحمه الله تعالى- وهو أنه لا بد من النظر في أسانيد هذه الزيادات وهذه الأحاديث التي في المستخرجات، لماذا لا بد من النظر؟ لأن المستخرج الآن ساق إسنادا أو بعض إسناد جديد، ليس في أي مكان في الصحيحين.
سأضرب مثلا، نضرب مثالا، أبو نعيم الأصفهاني يقولون: لو أراد أن يروي حديثا عن مثلا عن يمر به أو حديث لمعمر عن الزهري لو أراد أن يسوقه من طريق البخاري سيكون بينه وبين معمر كم؟ أربعة، اثنان بينه وبين البخاري، ثم أو إلى عبد الرازق لنفرض اثنان بينه وبين البخاري، ثم البخاري ثم شيخ البخاري، الذي هو مثلا محمد بن رافع أو غيره.
هؤلاء الأربعة فإذا أراد أن يستخرج ساقه من طريق الطبراني يروه عن الطبراني، عن الدبري "اسحق بن إبراهيم الدبري" عن عبد الرازق، فصار كم بينه وبين عبد الرازق الآن؟ اثنان فقط قصدهم العلو هم، هذا الغرض الأول.
стр. 38
الغرض الأول من المستخرجات العلو، يقول ابن حجر -رحمه الله تعالى-: وهذا الكلام دقيق لا بد منه أحيانا، لما كان غرضهم العلو، ربما نزلوا عن شرط الصحيح في الرواة، ربما نزلوا في المستخرجات؛ لأن الغرض الأول ما هو؟ العلو مثلا اسحق بن إبراهيم الدبري ليس في شرط الصحيح لم يخرج له في الصحيحين، وهو قد سمع من عبد الرازق وهو صغير، يستصغر يقولون في عبد الرازق.
فإذن نقيد الزيادات في المستخرجات، أو الأحاديث المستقلة بهذا القيد، وهو أنه لا بد فيها من النظر بأنهم لم يلتزموا ما التزمه الشيخان، بعد ذلك تكلم ابن كثير ﵀ على صحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان، وقال: أنهما خير من المستدرك بكثير، وأنظف أسانيد ومتونا، وهذا الكلام الذي قاله ابن كثير لا إشكال فيه فصحيح ابن حبان أو صحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان أعلى منزلة من تصحيح الحاكم، سيأتينا في تصحيح الحاكم، ويوجد فيهما أحاديث صحيحة زائدة على ما في الصحيحين أكثر مما في كتاب المستدرك، نعم، اقرأ.
مسند الإمام أحمد وما فيه من الصحيح
وكذلك يوجد في مسند الإمام أحمد من الأسانيد شيء كثير، مما يوازي كثير من أحاديث مسلم، بل والبخاري أيضا، وليست عندهما ولا عند أحدهما، بل ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الأربعة، وهم أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.
هذا الكلام على مسند الإمام أحمد معروف أن ابن كثير -رحمه الله تعالى- من الأئمة الذين اعتنوا بمسند الإمام أحمد، اعتنوا به وكثير المطالعة له، واشتغل به أيضا في كتابه "جامع المسانيد" جامع المسانيد جمع فيه عددا، أو بين عدد من كتب السنة، منها مسند الإمام أحمد، يقول ابن كثير ﵀ أن مسند الإمام أحمد يحتوي على أحاديث فيها الصحيح، ليست في الصحيحين، بل لا توجد ولا في بقية الكتب الستة، وهي السنن الأربعة، وهذا الذي قاله أيضا، هذا الذي قاله صحيح لا إشكال فيه، نعم.
معاجم الطبراني والمسانيد والفوائد والأجزاء
стр. 39
وكذلك يوجد في معجمي الطبراني الكبير والأوسط ومسند أبي يعلى والبراز وغير ذلك من المسانيد والمعاجم والفوائد والأجزاء، ما يتمكن المتبحر في هذا الشأن من الحكم بصحة كثير منه، بعد النظر في حال رجاله، وسلامته من التعليل المفسد، ويجوز له الإقدام على ذلك، وإن لم ينص على صحته حافظ قبله موافقة للشيخ أبي زكي يحيى النووي، وخلافا للشيخ أبي عمر.
هذا المقطع أكمل فيه ابن كثير ﵀ بقية المصادر، أو بقية الأنواع التي يوجد فيها الحديث الصحيح، نزل هو الآن درجة، ذكر أولا المستخرجات، وذكر صحيحي ابن خزامة وابن حبان، ثم ذكر مسند الإمام أحمد، ثم نزل الآن إلى المؤلفين في نهاية القرن الثالث عشر، والقرن الرابع عشر، فذكر معاجم الطبرني، أو معجم الطبراني الكبير والأوسط، وذكر مسندي أبي يعلى والبراز.
ثم قال: وغير ذلك من المسانيد والمعاجم والفوائد والأجزاء يقول: هذه الكتب. كتب السنة يوجد فيها حديث صحيح، ويقول هو يتمكن المتبحر في هذا الشأن، من هو المتبحر؟ نحن نسميه ماذا؟ المتمكن في هذا الشأن من الحكم بصحة كثير منه بعد النظر في حال رجاله وسلامتهم من التعليل المفسد، هذا الحقيقة يعني فيه تجوز هذا الكلام، فيه تجوز.
لأن ابن كثير ﵀ الآن أعطاك النتيجة بعد النظر، أو قبل النظر، أعطاك النتيجة يقول: يوجد في هذا حديث صحيح يتمكن المتبحر من الحكم في صحته، بعد النظر في حال رجاله، وسلامتهم من التعليل المفسد، هذا الكلام يعني ابن كثير -رحمه الله تعالى- يعني مثلا ما نقول أعطانا الحكم قبل النظر، فهو يقول: ستجد أحاديث صحيحة إذن ما الفائدة من النظر؟.
стр. 40
المقصود من هذا الكلام الذي يقصده، الذي يقصده منة هذا الكلام أن العبارة يعني تكون يعني أن هذه الكتب فيها أحاديث كثيرة جدا زائدة على ما في الصحيحين، وقد يجد المتبحر إذا درس أسانيدها قد يجد فيها أحاديث صحيحة، القسم العقلي أو النظر العقلي، أنه قد يجد وقد لا يجد، هذا أما أن يقال له فيها أحاديث صحيحة وانظر في أسانيدها، فهذا كأنه حكم قبل النظر.
المهم المقصود من هذا الكلام، أن ابن كثير ﵀ تكلم على قضية، وهي أثارها ابن الصلاح، ابن الصلاح رأيه أن باب الاجتهاد في تصحيح الأحاديث وتضعيفها قد أغلق، ولا سيما التصحيح نص عليه، يقول: يتعذر التصحيح اعتمادا على الأسانيد في هذه الأعصر المتأخرة، وهذا الذي قاله ابن الصلاح ﵀ ناقشه فيه كثير من العلماء، ذكر ابن كثير من ذكر هنا؟ ذكر منهم من؟ النووي.
النووي ﵀ رأيه بخلاف ما ذهب إليه ابن الصلاح، يقول النووي ﵀ إن باب الاجتهاد لم يغلق، وأنه بإمكان العالم المتمكن أن ينظر في أسانيد الأحاديث، وأن يحكم على ضوء هذا النظر، وابن كثير يوافق من الآن؟ يوافق النووي، وكل من جاء بعد ابن الصلاح يوافق من؟ تقريبا يوافقون النووي، إلا السيوطي ذكر تفصيل.
المهم ما نطيل بهذا، لكن نقيد، أو تقولون ومع أنه لا يصح إغلاق باب الاجتهاد، هذه كلمة بس يعني ضرورية هنا، وربما تأتي معنا في المناسبات، مع القول بأنه لا يصح إغلاق باب الاجتهاد، إلا أن الإقدام على التصحيح والتضعيف في واقع الحال صاحبه خلل كبير؛ بسبب التسامح في تطبيق شروط الحديث الصحيح، إما بعدم اعتبار الشرط أصلا، وإما بالتسامح في بعض الشروط، وهذا الكلام سيأتي معنا تفصيله -إن شاء الله تعالى- في مناسبات، لكن نقيد هذا أنه فتح باب الاجتهاد.
стр. 41
يقولون ابن الصلاح السخاوي ﵀ اعتذر لابن الصلاح بأي شيء، اعتذر له؟ يقول هو خاف أن يهجم على التصحيح من لا يحسنه، وهذا الذي يقوله السخاوي أن ابن الصلاح خاف منه، وقع أو لم يقع؟ بل هو كثير الوقوع مع الأسف الشديد، وهذا له أسباب كثيرة كما ذكرت، ترجع إلى منهج صار فيه أصحابه، إما على إلغاء بعض الشروط السابقة، أو التسامح في تطبيقها.
بس هذا كلام ننبه عليه بمناسبة ما ذهب إليه ابن كثير ﵀ من فتح باب الاجتهاد، فهذا لا اعتراض عليه، وإنما الاعتراض على التساهل والتسرع في تطبيق شروط الحديث الصحيح، ولا سيما ما ينفرد به ما ذكره ابن كثير هنا، مثل ما يوجد في معاجم الطبراني، وفي مسند البزار وفي الكتب المتأخرة والأجزاء التي أشار إليها ابن كثير، مما ظاهره الصحة ولم يخرّجه الأولون.
فهذا كما يقول العلماء: وإن كان ظاهره الصحة إلا أن في بواطنه علل فلا يعني، يتهيب طالب العلم أن يصحح حديثا في هذه الكتب المتأخرة لم يخرّجه أصحاب الكتب المتقدمة، نعم.
الأحاديث المختارة للضياء المقدسي
وقد جمع الشيخ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي في ذلك كتابا سماه "المختارة" ولم يتمه، وكان بعض الحفاظ من مشايخنا يرجحه على مستدرك الحاكم والله أعلم.
стр. 42
نعم، هذا كتاب سماه "الأحاديث المختارة" لضياء المقدسي، اختار فيه أحاديث يرى أنها يعني أو يصححها، ويقول ابن كثير: إن بعض الحفاظ من مشايخنا يرجحونه على مستدرك الحاكم، وهذا بعض مشايخه هو ابن تيميه -رحمه الله تعالى- أو لعله يريد، فقد تكلم على أو بنحو هذا الكلام، والكتاب لم يتمه الضياء، وطبع يعني طبع الكتاب - نعم- طبع طبعه محققه، وأيضا حقق في رسائل في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وتصحيحات الضياء، يعني هو يصحح يجتهد ويعني هو يسير ﵀ في غالب تصحيحاته على يعني التسامح في العلل، وفي النكارة وفي الشذوذ، فيعتني بأي نوع من التصحيح، وهو الذي يسير عليه كثير من المتأخرين، بكم من شروط الحديث الصحيح؟ بالثلاثة شروط.
يعني إذا رأوا عدالة الرواة وضبط الرواة واتصال الإسناد، أطلقوا الصحة، فيعني تنبيه على طريقة تصحيح الضياء، بس فقد نعم، تفضل.
مستدرك الحاكم
فقد تكلم الشيخ أبو عمر بن الصلاح على الحاكم في مستدركه فقال:. هو واسع الخطى في شرح الصحيح، متساهل في القضاء به، فالأولى أن يتوسط في أمره، فما لم نجد فيه تصحيحا لغيره من الأئمة، فإن لم يكن صحيحا فهو حسن يحتج به، إلا أن تظهر فيه عله توجب ضعفه.
قلت في هذا الكتاب أنواع من الحديث كثيرة، فيه الصحيح المستدرك وهو قليل، وفيه صحيح قد أخرجه البخاري ومسلم أو أحدهما لم يعلم به الحاكم، وفيه الحسن والضعيف والموضوع أيضا، وقد اختصره شيخنا أبو عبد الله الذهبي وبين هذا كله، وجمع فيه جزءا كبيرا مما يقع فيه من الموضوعات، وذلك يقارب مائة حديث والله أعلم.
стр. 43
هذا المقطع يتعلق بالكلام على مستدرك الحاكم، فابن الصلاح ﵀ قرر أن الحاكم واسع الخطو، ما معنى واسع الخطو؟ يعني هذا يعني تشبيه أو استعاره عبارة عن تساهل أو حكم، عبارة عن حكم من ابن الصلاح على الحاكم بأنه متساهل، لكن ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- أراد أن يبين الموقف من كيف تستفيد من كتاب "مستدرك الحاكم" فذكر أن الطريق هو ما ذكره.
يقول: ما لم نجد فيه تصحيحا لغيره، إذا وجدنا تصحيحا لغيره، يقول: هذا لا إشكال فيه، الإشكال في ما لم نجد فيه تصحيحا لغيره، ما هو الموقف منه حسب كلام ابن الصلاح؟ ما هو الموقف؟ يقول: إذا لم نجد فيه علة، فإننا نتوسط في أمر هذه الأحاديث ونحكم لها أو نحكم عليها، بأنها في درجة الحسن، ما الذي حدا بابن الصلاح أن يقول هذا؟ يقولون: هو راجع إلى رأيه في أن، باب الاجتهاد مغلق، لكن يقولون: إن ابن الصلاح ﵀ أغلق باب الاجتهاد من جهة.
لكن هو في عمله هذا، هو يقول: كلها ما لم نجد فيه تصحيحا لغيره ولا وجدنا فيه عله فهو حسن، إذن هذا منه اجتهاد محض، فلا مفر من الاجتهاد أصلا، وابن كثير ﵀ لم يرتضي هذا الحكم الإجمالي من ابن الصلاح. وقال:. أخذ يتكلم على مستدرك الحاكم، وقسم الأحاديث التي فيه، قال: فيه حديث صحيح وهو قليل، إذن الصحيح في مستدرك الحاكم حسب كلام ابن كثير قليل، أو كثير، قليل وهذا هو الصحيح لا يغرنا بعض، يوجد كلام بعضهم.
يقول: يصفو للحاكم النصف، وبعضهم يقول: يصفو له ثلاثة أرباع، وبعضهم يقول: يصفو له كذا، وهذا الكلام فيه مجازفة، أو فيه يعني مبالغة، لا يصفو للحاكم من الأحاديث الصحيحة، ولا سيما ما هو على شرط البخاري ومسلم إلا القليل، حتى قال بعض العلماء: ليس فيه حديث واحد على شرطهم.
стр. 44
وقال بعضهم: ليس فيه إلا ثلاثة أحاديث، وهذا الكلام يعني قد يكون فيه مبالغة، لكن كلمة ابن كثير هذه يعني عادلة،. الصحيح في مستدرك الحاكم قليل، واعتذر العلماء عن الحاكم بأعذار لا نطيل بها، ولكن منها أنه ﵀ لم يبيضه، معروف أن العلماء ﵏ أول ما يكتبون الكتاب، يكتبون ماذا؟ وحتى الآن الباحث يكتب كتابه عبارة عن مسودة، وربما بيضه أعاد تبييضه عدة مرات.
فيقول: إن الحاكم ﵀ يعني هذا أحد الأسباب، وهناك أسباب أخرى، لكن يقول ابن كثير ﵀: هذا نوع حديث صحيح، فيه نوع من الأحاديث موجود في البخاري ومسلم، إذن لما ذكرها ذهول، ذهول منه عن أن هذه الأحاديث، يقول أحيانا هذا الحديث صحيح ولم يخرجاه، وهو على شرطهما مع أنه موجود في الكتابين أو في أحدهما، هذا ذهول من الحاكم، يعني نعم أو سهو منه.
يقول: فيه الحسن وفيه الضعيف وفيه الموضوع أيضا، وهذا الكلام صحيح، يوجد فيه مع الأسف الشديد، مع أنه عنوانه المستدرك على أي شئ؟ على الصحيحين، الفكرة جيدة جدا، فكرة الحاكم، خطر في باله أن يجمع، أو أن يستدرك ما لم يذكره البخاري ومسلم مما هو صحيح، أو على شرطهما، ولكن الخلل وقع في أي شيء؟ في التنفيذ.
أحيانا الخلل يقع بسبب أصل الفكرة خاطئة، وأحيانا الفكرة جيدة ولكن الخطأ في أي شيء؟ أو الخلل في أي شيء؟ في تنفيذها، فهذا الخلل في تنفيذ الفكرة من قبل الحاكم -رحمه الله تعالى- وأدخل فيه أحاديث موضوعة كما يقول العلماء؛ ولهذا اشتدت كلمتهم عليه، يذكر أحاديث موضوعه، ويزعم أنها على شرط البخاري ومسلم، أما الضعيف ففيه يعني فيه أحاديث كثيرة جدا جدا ضعيفة، وفيه أحاديث موضوعة جمعها بعض العلماء، أظن.
стр. 45
يقول: وذلك يقارب مائة حديث أفردها ابن عبد الهادي بجزء جمع فيه الموضوعات التي في مستدرك الحاكم، وأظن- والله أعلم- أن هذا العدد ليس هو فقط الذي في مستدرك الحاكم من الموضوعات، بل فيه غير هذا مما يحكم عليه بالوضع بقرائن، ولكن لعل ابن عبد الهادي ﵀ استخرج منهما، ما الحكم بالوضع عليه ظاهر من الإسناد، يبقى كلمه هنا.
قوله: وقد اختصره شيخنا أبو عبد الله الذهبي وبين هذا كله، ماذا يفهم من هذا الكلام؟ يفهم منه أن الذهبي ﵀ عمد إلى مستدرك الحاكم فبين ما هو صحيح وما هو ضعيف، وما هو حسن وما هو موضوع، ويعني فكأن أحكام الذهبي التي يذكرها في تلخيص المستدرك أحكام قصدها، وقصد بها نقد أحاديث المستدرك، هنا كلمة يظهر لي -والله أعلم-.
وكذلك ذكره عدد من الباحثين، أن الذهبي لم يقصد هذا، وإنما قصد فقط الاختصار والتلخيص، ولكنه في أثناء ذلك وجد أشياء لا ينبغي أو لا يصح السكوت عليها، فنبه على بعضها ما تيسر له، ولا في نظري -والله أعلم- لا ينبغي أن نحمل؛ لأنه ما الذي يقع الآن؟ الذي يقع هو أن بعض الباحثين، أو كثير من الباحثين، يقول صححه الحاكم ووافقه من؟ ثم يأخذ ينقض الذهبي، وربما تكلم بعبارات قاسية، بعضهم يتكلم بعبارات قاسية على الذهبي، فهذا تحميل للذهبي.
وهو يظهر لي -والله أعلم- أنه لم يرد هذا، لم يرد أن يوافق الحاكم أو لا يوافقه، وإنما يعني نقده الذي ذكره في كتاب المستدرك، إنما هو زيادة والغرض الأول ما هو؟ الغرض هو التلخيص والاختصار، يظهر -والله أعلم- فحينئذ بالنسبة لي أنا أقول للباحثين، إذا مثلا جاء تصحيح انظر في بحث أو شيء احذف كلمه وافقه الذهبي، كلمه وافقه الذهبي هذه نتركها، بل أحيانا بالمناسبة.
стр. 46
المستدرك هذا شغل الناس، يعني مشكلة هو، إن ذكرت تصحيحه وسكت فهذا مشكل، وإن تكلمت عليه فهذا أيضا مشكل، لأنك ستتكلم عليه وسيطيل، ومعنى هذا أن البحث كثير من أحاديث بحثه ستذهب في مناقشة من؟ في مناقشة الحاكم؛ لأنه هو لا يصحح فقط، وإنما ينسب تصحيحه أو يدعي أو يذكر أن هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين، أو على شرط أحدهما، نعم.
يعمل الذهبي ﵀ ذكر كلمة، وهو أنه ذكرها أظنها في الميزان في ترجمة الحاكم، يقول كنت أظن أن الخلل يسير- يعني في هذا الكتاب- فلما قرأته وإذا الخلل فيه عظيم جدا، وربما قسى على الحاكم- نعم- ربما قسى عليه، أحيانا تأخذه الحدة بسبب الغيرة على السنة النبوية، يعني أمر عظيم أن يستدرك على البخاري ومسلم أحاديث ظاهر أنها موضوعة، إما من جهة لفظها أو من جهة أسانيدها، فربما أخطأ، وهو يقسو أحيانا على بعض العلماء، وهذه القسوة العلمية لا هو الحاكم.
الذهبي يقسو على الحاكم؛ لأن الحاكم التزم هذا، وقال: أردت أن أخرج أحاديث صفتها كذا وكذا، أما الذهبي فلم يقل إنني سأحكم، أو سألتزم بالتدقيق أو بالنظر في بيان درجة كل حديث يذكره، فنحن الذين ألزمناه، هذا كلام الباحثين، وهو له وجاهته، نعم.
موطأ مالك
(تنبيه) قول الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵀ لا أعلم كتابا في العلم أكثر صوابا من كتاب مالك، إنما قاله قبل البخاري ومسلم، وقد كانت كثيرة مصنفة في ذلك الوقت في السنن ابن جريج وابن اسحق غير السيرة، ولأبي قرة موسى بن طارق الزبيدي، ومصنف عبد الرازق بن همام وغير ذلك، وكان كتاب مالك -وهو الموطأ- أجلها وأعظمها نفعا، وإن كان بعضها أكبر حجما منه، وأكثر أحاديث.
стр. 47
وقد طلب المنصور من الإمام مالك، أن يجمع الناس على كتابه فلم يجبه إلى ذلك؛ وذلك من تمام علمه واتصافه بالإنصاف، وقال: إن الناس قد جمعوا على أشياء لم نطلع عليها، وقد اعتنى الناس بكتابه الموطأ، وعلقوا عليه كتبا جمة، ومن أجود ذلك كتاب "التمهيد والاستذكار" للشيخ أبي عمر بن عبد البر النمري القرطبي ﵀، هذا مع ما فيه من الأحاديث المتصلة الصحيحة والموصلة والمنقطعة والبلاغات اللاتي لا تكاد توجد مسندة إلا عند ندور.
هذا الكلام على موطأ الإمام مالك ذكره ابن كثير، وذكره العلماء هنا بمناسبة الكلام على ما تقدم قبل قليل، أن أصح كتب السنة كتاب البخاري وكتاب مسلم، الشافعي ﵀ له كلمة، وهو أنه قال: لا أعلم كتابا في العلم أكثر صوابا من كتاب مالك، الشافعي متى توفى؟ سنة مائتين وأربعة، إذن حين وفاته لم يكن هناك صحيح البخاري ولا صحيح مسلم، فيقول العلماء: إن كلمة الشافعي ﵀ هذا قبل وجود هذين الكتابين، وهي كلمة صادقة تنبئك عن جلالة هذا الكتاب الذي هو موطأ الإمام مالك.
وهو ألفه كما نحن نعرف، مالك عاش في القرن الثاني، يقول ابن كثير ﵀: إن هناك كتبا قبل كتاب مالك، ولكنها لم تبلغ مبلغه في الصحة والانتقاء، معروف أن مالك ﵀ انتقى أحاديث موطئه، وذكر أمثلة من هذه الكتب، ذكر ابن كثير مصنفات ابن اسحق غير السيرة، ومصنفات ابن جريج ومصنفات أيضا ومصنف عبد الرازق، ومصنف أبي قرة موسى بن طارق الزبيدي، ومصنفات مثل: مصنفات وكيع وحماد بن سلمة والجامع لمعمر، وكتب كثيرة فقد أكثرها والموجود عندنا القليل منها الآن.
стр. 48
نحن لا نعرف الآن كتابا لابن جريج، ولا لحماد بن سلمة ولا يعني لوكيع، هذه الكتب ذهبت وكان الغالب على هذه الكتب في القرن الثاني الانتقاء أو الجمع، كان هدفهم ﵏ هدف مرحلي، معذورون في ذلك، هدفهم أولا الجمع خشية ضياع السنة، ونحن نعرف أن أول من جمع السنة، أو متى جمعت؟ أو تعمد الناس لجمع السنة وانتصروا لذلك، في رأس المائة الأولى، واشتغلوا بفترة الجمع المائة الثانية.
وعلى رأس المائة الثالثة، أو في أول المائة الثالثة، بدأ تأليف الكتب المنتقاة، مثل كتاب البخاري ومسلم والسنن، يستثنى من كتب القرن الثاني ما الذي يستثنى؟ كتاب مالك الموطأ، فإنه انتقاه -رحمه الله تعالى- لأنه أصلا كان ينتقي الشيوخ، عند العلماء انتقاء الحديث، وعندهم انتقاء آخر الذي قبل ذلك الذي هو انتقاء الشيوخ، يعني لا يروى إلا عمن يراه، يعني أهلا للرواية، وكان له كلمات في هذا جليلة جدا من كلماته أنه يقول: أدركت في هذا المسجد، يعني يذكر مائة شيخ، يعني ذكر فيهم صلاحا وفضلا.
ويقول: لا يؤخذ عنهم الحديث لأنهم ليسوا من أهله، فكان ينتقي -رحمه الله تعالى- فخرج كتابه، أو كتاب الموطأ كتابا منتقى في عصر لم يكن هناك انتقاء للسنة النبوية، إنما كانت مرحلة الجمع، هذا كتاب الموطأ، عرج ابن كثير -رحمه الله تعالى- على أمر لا تعلق له، إنما يريد أن يبن ميزة الكتاب بأن المنصور الخليفة العباسي طلب من مالك أن يحمل الناس على كتابه، يعني أن تكون الفتوى لا أتذكر هذه القصة أن تكون الفتوى على كتاب من؟ على كتاب مالك، أو نعم؛لأن مالك ضم أو ضمنا كتابه الموطأ اختياراته الفقهية؛ ضمنه لأحاديث النبي ﷺ وأحاديث عن الصحابة؛ وأيضا عن التابعين وضمنه اختياراته الفقهية.
стр. 49
فأراد المنصور أو كما يقولون، أو كما تقول هذه الحكاية أن يحمل الناس على كتاب الموطأ فأبى -رحمه الله تعالى- وقال: الصحابة تفرقوا في البلدان وقد جمع الناس أشياء ربما لم نقف عليها، وهذا من إنصافه --رحمه الله تعالى-، بعد ذلك تكلم ابن كثير على عناية الناس بكتاب الموطأ، فأشار إلى أنه قد ألفت كتب كثيرة عليه، وهذا الذي قاله صحيح.
كتاب الموطأ من الكتب التي لم يترك العلماء منها حرفا إلا وتكلموا عليه سواء من جهة الإسناد أو من جهة المتن، ما تركوا شيئا في الموطأ إلا، رغم كثرة الموطئات كم تبلغ الموطئات؟ إذا قيل الموطئات كلها يراد بها موطأ، موطأ من؟ موطأ مالك، لماذا؟ أنه --رحمه الله تعالى- مكث مدة قرون، أربعين سنة، وهو يحدث به وينقص منه ويزيد، فرب حديث في هذا الموطأ، وليس في هذا الموطأ.
الموطئات هذه عبارة عن روايات مختلفة لموطأ مالك، فهناك موطأ القعنبي، ويقال له رواية القعنبي، وهناك موطأ يحيى بن يحيى الليثي، وهو يعني هذه هي الرواية المشهورة، وهناك موطأ محمد بن الحسن الشيباني، وموطأ أبي مصعب وكذلك رواية عبد الرحمن بن مهدي التي يروي من طريقها الإمام أحمد في المسند، وكذلك رواية الشافعي، تبلغ الموطئات أكثر من ثلاثين موطأ، لكن كلها علم على أو كلها بموطأ؟ لموطأ مالك، وإنما هي روايات مختلفة لهذا الموطأ أو لكتاب مالك ﵀.
стр. 50
يقول ابن كثير: إن من أعظم الكتب المؤلفة، أو من أبرز العلماء الذين اعتنوا بالموطأ هو الإمام ابن عبد البر، وهذا الكلام صحيح له كتابا أو له ثلاثة كتب، كتاب صغير اسمه "التقصي" وكتاب كبير "الاستذكار"، اعتنى فيه بالفقه ويعني مشى فيه على ترتيب الموطأ، يعني الترتيب الفقهي وكتاب التمهيد، وهو كتاب كبير جدا مشى فيه على أحاديث أو على شيوخ مالك، على ترتيب أحاديث شيوخ مالك، يعني خرج عن ترتيب الموطأ الأصلي، الترتيب الأصلي للموطأ، ورتبه ترتيبا جديدا على شيوخ مالك، ولهذا يصعب البحث فيه، يصعب أن نقف على الحديث لا بد أن تعرف شيخ مالك.
وأيضا كما نعرف نحن الترتيب المعجمي، هناك ترتيبان، ترتيب للمشارقة وترتيب لمن؟ للمغاربة، يعني نحن عندنا ألف باء تاء ثاء جيم إلى آخر حروف الهجية، هذا الترتيب لهم هم ترتيب آخر غير ترتيب المشارقة يمشي عليه ابن عبد البر، وغيره من المؤلفين من المغرب الإسلامي، هذا كتاب الموطأ. نعم، شيخنا، اقرأ.
إطلاق اسم الصحيح على الترمذي والنسائي
وكان الحاكم أبي عبد الله والخطيب البغدادي يسميان كتاب الترمذي "الجامع الصحيح" وهذا تساهل منهما، فإن فيه أحاديث كثيرة منكرة، وقول الحافظ أبي علي بن السكن وكذا الخطيب البغدادي في كتاب السنن للنسائي، إنه صحيح فيه نظر وإن له شرطا في الرجال أشد من شرط مسلم غير صحيح، فإن فيه الشيخ غير مسلم، غير مسلم فإن فيه رجالا مشهورين إما عينا أو حالا، وفيهم المجروح وفيه أحاديث ضعيفة ومعللة ومنكرة، كما نبهنا عليه في (الأحكام الكبير) .
هذا المقطع يتعلق بموضوع هو أن بعض العلماء -رحمهم الله تعالى- ربما أطلقوا اسم الصحيح على مؤلفات لم يلتزم أصحابها الصحة، وهذا نحن نقول دائما أحيانا يأتي في المناقب وفي بيان فضل الكتاب، أو فضل العالم أو فضل البلد أو فضل كذا، ربما المتكلم يأخذه الحماس وربما خرج إلى حد المبالغة.
стр. 51
لكن نبه العلماء- رحمهم الله تعالى- عليه بألا يظن ظان مثلا، أن جميع ما في سنن الترمذي صحيح، أو أن جميع ما في سنن النسائي صحيح، فابن كثير ﵀ يقول لا تغتر بهذا الإطلاق، فإن هذه لا يصح أصلا، يعني من الجناية على المؤلف أن نقول: إن كتاب سنن النسائي أن نطلق عليه صحيح النسائي، لماذا من الجناية على مؤلفه؟ لأننا نلزمه بشيء لم يلتزمه، وبنبني على ذلك أن نتعقبه وأن ننسبه إلى تصحيح أحاديث ليست صحيحة، وهذا أمر مهم جدا.
فإذن لا يعني ينبغي أن هذا، وإن كانت قد ذهبت هذه الإطلاقات عدا واحد منها بسبب أن الشيخ أحمد شاكر ﵀ طبع كتاب الترمذي، فماذا سماه؟ سماه الجامع الصحيح، وهذه التسمية غير دقيقة؛ ولماذا؟ من جهتين هي غير دقيقة وكذلك ما يذكره من جهتين، أولا: أن المؤلف لم يسميه هكذا ولا ينبغي لنا أن نغير تسميات المؤلفين.
والأمر الآخر: أن واقعة بخلاف ذلك، فالترمذي ﵀ لم يشترط الصحة وفيه أحاديث، ولا سيما يعني لا تجاوزنا بعض الشيء عن سنن النسائي، فإن في سنن الترمذي أحاديث كثيرة ضعيفة، بل وفيه أحاديث ربما حكم عليه بأي شيء؟ ربما حكم عليها بالضعف، فهذا تنبيه وسيشترط ابن كثير ﵀ في التنبيه على أشياء من هذا القبيل، منها أشياء تتعلق بمسند الإمام أحمد، وكذلك أيضا بقية السنن، ولعلنا نكتفي بهذا اليوم.
س: أحسن الله إليكم، يقول السائل: ما رأيكم بكتاب اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، وهل هناك أفضل منه في بابه؟
ج: كتاب اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان، هو من عمل محمد فؤاد عبد الباقي، وهذا الرجل له فضل كبير على السنة النبوية في العصر الحاضر، لكن هو ليس بعالم، ليس بمحدث، وإنما هو مفهرس، عمله فهرسة وتحقيق للكتب، وهو يعني ليس هو بمحدث، جمع أحاديث الأحاديث التي اتفق عليها البخاري ومسلم في كتاب سماه، اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان.
стр. 52
وهذا الكتاب نافع انتفع به الناس كثيرا، واستفادوا منه، ولكن مع ذلك فيه بعض الخلل، ربما جمع حديث متفقا عليه وليس كذلك، ولكن أكثر شيء أن يترك أحاديث متفق عليها لا يذكرها في كتابه، وهذه المسألة يعني متعلقة بالأمر الذي مر قبل قليل، وهو أن مثل هذه المسائل ليست مسائل آلية.
وإنما -هي- يدخلها الاجتهاد، فرب حديث اجتهد إمام فرأى أنه متفق عليه، ورب حديث وإمام آخر يرى أن هذا من إفراد مسلم، هذا اللفظ من إفراد مسلم، وهذا اللفظ من إفراد البخاري، ونرى هذا الاختلاف موجود بين المزي وابن حجر، يعني الذين اعتنوا بهذه الكتب، فإذن حكمك على أن هذا الحديث متفق عليه أو ليس بمتفق عليه، ليس بالأمر السهل.
لا تظن أنك بسرعة سترى بأنك أحيانا تنظر في الحديث، فترى أن ألفاظ هذا الحديث قريبة من هذا، فيخيل لك أو تصل باجتهادك إلى أن هذا الحديث متفق عليه، وربما بتدقيق ترى أن هناك فرقا رغم اجتماعهما ببعض الألفاظ، إلا أن هناك فرقا يدعوك إلى أن تقول أن هذا الحديث من إفراد مسلم، وهذا من إفراد البخاري، فهذا الأمر ليس بالسهل.
فتصدى له فهو ﵀ ليس من يعني المشتغلين بالسنة على طريقة الباحثين، وإنما هو اشتغل بها فهرسة ونشر لكتبها، وهو مأجور على ذلك، قام بعمل جبار جدا في وقت قل فيه معينه، يعني لا نقيسه بعصرنا، وإنما بعصره ﵀ يعتبر من المعتنين بالسنة، الباذلين وقتهم لها، فتصدى لجمع الأحاديث المتفق عليها.
وهناك الآن كتاب آخر مطبوع باسم الجامع بين الصحيحين براوية مسلم، لباحث اسمه ياسر سلامة، اجتهد أيضا وهو خاص بالمتفق عليه، يعني ليس موافق لعنوانه بين الصحيحين، هو خاص بالمتفق عليه، نعم.
س: أحسن الله إليكم لفظات أبي علي النيساجوري، هو ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج، فما توجيهكم؟
стр. 53
ج: نعم، هذا يعني جزاه الله خيرا، الطالب أو الأخ الذي بعث بكلمة أبي علي النيساجوري، يقول هو يعني:"ما تحت أديم السماء أصح من كتب مسلم"، العلماء -رحمهم الله تعالى- يقولون هذه الكلمة محتملة، يحتمل أنه لا يرى، أنه أصح من كتاب البخاري، وإنما يرى أنهما، فيصح أن يقال: إنه تحت أديم السماء أصح منه وإن كان هناك مثله.
وبعض العلماء يقولون: أنه لم يرى كتاب البخاري، ولو رآه لربما تغير حكمه، ومنهم من يستبعد هذا، أن يكون هذا العالم الفاضل الجليل يعني لم يرى كتاب البخاري، فهذا وعلى كل لو ثبت هذا عنه فالجمهور كما تقدم على تفضيل صحيح البخاري على صحيح مسلم من جهة الصحة.
س: أحسن الله إليكم، يقول السائل عبر الشبكة فضيلة الشيخ: هل هناك كتب محل ثقة ألفت لتنقية المستخرجات والمستدركات؟ هل هناك كتب محل ثقة ألفت لتنقية المستخرجات والمستدركات.
ج: بالنسبة للمستخرجات، يعني الموجود الآن أو المطبوع، مستخرج أبي عوانة هذا صحيح مسلم، وأيضا طبع مستخرج أبي نعيم الأصفهاني، فلا يوجد مستخرجات الآن، يعني إلا القليل منها، والمستدركات إذا أطلق المستدركات، فإنما يراد به مستدرك الحاكم، يراد بها مستدرك الحاكم، السائل يقول هل هناك كتب قامت بتنقية هذه؟
يعني مثل ما نقول بدراسة أحاديث هذه الكتب بالنسبة لمستدرك الحاكم، الدراسة التي قامت عليه هي دراسة من؟ إذا اعتبرناها دراسة، هو تلخيص الذهبي، هناك من قام بتحقيق هذا الكتاب، ولكنه لم يخرج إلى الآن، ولا أعرف دراسات يعني قصد بها نقدا المستخرجات أو دراسة زوائد المستخرجات على الصحيحين، نعم.
س: أحسن الله إليكم، السؤال الآخر عن طريق الشبكة، يقول: هل صحيح فضيلة الشيخ أن رجال الإمام النسائي أقوى من رجال الإمام البخاري في صحيحه؟
стр. 54
ج: لا ليس صحيحا ليس دقيقا هذا الكلام، ليس دقيقا أن رجال النسائي أقوى من رجال البخاري، هذا ليس دقيقا، وإنما المعروف يعني وهذا هو الرواة الذي ينبغي، يعني أن النسائي انتقد على البخاري تخريج بعض الرجال، مثل فليح بن سليمان وبعض الرجال، لكن لا يعني هذا أن رجاله- في سننه- أعلى من رجال البخاري؛ لأنه هو لم يشترط الصحيح، فكأنه يقول للبخاري أنت اشترطت الصحيح، وأخرجت لفلان، ولفلان، ولفلان مثلا وهم ليسو على شرطه، يعني اجتهاد له خالف به البخاري في بعض الرجال، ولكنه ليس صحيحا، لا يعني أرى هذا صحيحا أن رجال النسائي يعني أقوى يعني أشد انتقاء من البخاري.
س: أحسن الله إليكم، السؤال الثالث عن طريق الشبكة، يقول: فضيلة الشيخ ما هو ضابط قول العلماء صدوق لا يهم؟
ج: صدوق لا يهم ما أعرف هذه اللفظة؛ صدوق لا يهم، ليس هناك صدوق لا يهم، لأنه أصلا هو لما كان صدوقا لما لم يقل ثقة أولا، الثقة ربما يهم، أو يقولون لا يعني كما مر بنا ليس هناك أحد إلا -وقد يعني- وقع في الغلط أو الوهم، وهو أصلا إنما كان صدوقا، لأنه وقع في الوهم، ولكن إذا كثر وهمه زادوا معه، زادوا يعني، إذا قالوا صدوق فقط قد يوصف الثقة بأنه صدوق، ولكن كلمة صدوق عندهم، يعني أنه نزل عن درجة الثقة بسبب أوهامه لا إشكال في ذلك.
ولكن إذا كثرت الأوهام يزيدون على كلمة صدوق بأن يقولون: صدوق يهم، أو له أوهام، فإذا زادت قالوا صدوق يهم، وإلا فالصدوق إنما نزل عن درجة الثقة لأنه يهم، فالظاهر أن السائل أراد هذا ولا ضابط لذلك، ما ضابط ليس هناك ضابط بأن يقال الثقة إذا غلط في حديثين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة، أنزلناه وإنما هذا اجتهاد، ويخضع لأمور كثيرة، منها اجتهاد العالم، ومنها يعني نوع الغلط.
стр. 55
بعض الأحاديث بعض الغلط كما يقول ابن زرعة روى، يعني ينتقد أحد الرواة، روى ثلاث أحاديث لو كانت في خمسمائة حديث لأفسدتها، لو كانت في خمسمائة حديث لأفسدتها، يعني أن بعض الغلط وإن كان يعني من جهة العدد يسير، ولكنه من جهة الحكم عظيم، وبعض الغلط يعني يقسمون الغلط إلى منه غلط بإصرار، ومنه غلط بتراجع ومنه، فهذا نور يعني ترجع إلى اجتهاد النقاد، وليس الأمر بالسهل، لا تظن أن تقييم الرواة هو وضعهم في منازلهم بالأمر اليسير على الناقد، فهو يعني شاق، نعم.
س: أحسن الله إليكم، السؤال الأخير عبر الشبكة كذلك، يقول ما مدى دقة من قال: أنه لا ينبغي أن يقال حديث ضعيف، بل الأولى أن يقال حديث سنده ضعيف.
ج: هذا القائل يقول: إننا إذا أردت أن تحكم على حديث، وأظن هذا سيأتي معنا- إن شاء الله تعالى- ربما يأتي معنا إذا كان سيأتي، فأنا أؤخره.
نعم، تكلم عليه ابن الصلاح --رحمه الله تعالى- وربما لم يذكره ابن كثير وهو قضية، إذا قلنا الحكم على الإسناد الفرق بين الحكم على الإسناد، والحكم على الحديث كله، يقولون الأحسن، ولا سيما غير الحفاظ أن يكون حكمه منصبا على الإسناد أو على الحديث، على الإسناد يعني إذا وقفت على حديث بإسناد أو صححته أو ضعفته، فتقول هو ضعيف بهذا الإسناد، أو صحيح بهذا الإسناد، صحيح بهذا الإسناد، يقولون يحتمل أن يكون له علة بطرق أخرى لم تقف عليها، وهذا كثير كما ذكرت من قبل، كثير جدا جدا.
لأن الأحاديث المعللة هي أسانيد ظاهرها الصحة، أما الضعيف فيقولون يحتمل أن يكون هذا الحديث له إسناد آخر غير هذا، وهذا أيضا كثير، فرب حديث موضوع بهذا الإسناد وهو متواتر بأسانيد كثيرة، مثلا لو أخذنا حديث ? من كذب علي متعمدا ? هو معروف متواتر الحديث جماعة من الصحابة، لكن هو من حديث أبي بكر، يعد موضوعا.
стр. 56
فهذا القائل يقول الاحتياط أنك إذا حكمت على حديث بإسناد أن تنص على أن الحكم منصب على هذا الإسناد فقط، خشية أن يكون للحديث إسناد آخر صحي، أو حسن أو عاضض له، نعم.
نحن مر بنا أو ربما يمر بالباحثين كثير، أن العلماء -رحمهم الله تعالى- في عصر النقد، اهتموا بالتطبيق ولم يهتموا بالتنظيم، والبخاري ﵀ كما ترون افتتح كتابه بأي شيء، له خطبة أو ليس له خطبة؟ ليس له خطبة، وإنما يقولون أنه جعل خطبته حديث عمر بن الخطاب ﵁ ? إنما الأعمال بالنيات ?.
فما تكلم على شرطه ولا على يعني، لكن العلماء استقرءوا عمله، وأيضا أخذوا من التسمية، تسمية الكتاب "الجامع الصحيح" المسند المختصر لحديث رسول الله ﷺ فمن المجموع التسمية، ومن مجموع عمله في نقده في التاريخ، وفي العلل الكبير للترمذي، وفي تنبيهاته في الكتاب.
والاستقراء طريق، الاستقراء هل هو دليل صحيح أو غير صحيح الاستقراء؟ الاستقراء دليل عقلي صحيح لا مفر منه، أصلا لا بد منه، كثير من الأمور التي نتعامل معها مبنية على أي شيء؟ على الاستقراء، الاستقراء هو الدليل، يعني دليل عقلي صحيح لا إشكال فيه.
س: السؤال بعده يا شيخ عن طريق الشبكة يقول: ما هي وجوه انتقاد الدارقطني على البخاري -رحمهما الله-.
ج: هذا الكلام انتقاد الدارقطني على البخاري نؤجله؛ لأن ابن كثير ﵀ تبعا لابن الصلاح، أورد هذا الكلام، يعني غدا -إن شاء الله تعالى-.
س: السؤال الأخير يا شيخ أيضا، لكثرة الأسئلة على الشبكة يقول: لماذا ذكرتم أن ابن حبان وابن خزيمة أعلى تصحيحا من الحاكم.
стр. 57
ج: أيضا بالاستقراء، بماذا تصحيحه، يعني بالنظر إلى تصحيحات ابن خزيمة، وتصحيح ابن حبان أعلى درجة من الحاكم بلا إشكال، فيهما أحاديث، نعم، يعني استنكرها العلماء، أحاديث ضعيفة، وتسامحا، هما تسامحا في الشذوذ والعلة، وتسامحا أيضا في الرواة، ولكن لم يصل هذا التساهل إلى ما وصل إليه الحاكم، فهما كما قال ابن كثير: أنظف مما سواهما، ومن نظر في صحيح ابن حبان وتتبعه وجد هذا الكلام، يعني هو بالاستقراء وبالنظر في الكتابين، بالإضافة إلى كلام العلماء، يعني أيضا كلام العلماء على هذين الكتابين،
سبحانك اللهم وبحمدك، نستغفرك اللهم ونتوب إليك، اللهم صلي على عبدك ورسولك محمد.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أخذنا بالأمس، أو وقفنا بالأمس على كلام ابن كثير -رحمه الله تعالى- على مسألة إطلاق اسم الصحيح على سنن الترمذي وسنن النسائي، ومازال الكلام مستمرا في إطلاق بعض العلماء على بعض كتب السنة مِن مَن لم يلتزموا مؤلفوها، أو لم يدعي أو لم يشترطوا الصحة، فالكلام الآن في مسند الإمام أحمد، يتفضل القارئ بقراءة كلام ابن كثير على مسند الإمام أحمد، نعم يا شيخ.
مسند الإمام أحمد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال -رحمه الله تعالى-: وأما قول الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر المديني عن مسند الإمام أحمد إنه صحيح، فقول ضعيف، فإن فيه أحاديث ضعيفة بل وموضوعة، كأحاديث فضائل مرو وعسقلان والبر الأحمر عن حمص وغير ذلك، كما قد نبه عليه طائفة من الحفاظ، ثم إن الإمام أحمد قد فاته في كتابه هذا - مع أنه لا يوازيه مسند في كثرته وحسن سياقته- أحاديث كثيرة جدا، بل قد قيل أنه لم يقع له جماعة من الصحابة الذين في الصحيحين قريبا من مائتين.
стр. 58
نعم، تكلم ابن كثير --رحمه الله تعالى- على مسند أحمد في مسألتين:
المسألة الأولى: درجة أحاديث هذا المسند، ونقل عن أبي بكر عن أبي موسى محمد بن أبي بكر المديني أنه قال: إن أحاديث المسند كلها صحيحة، إن أحاديث المسند كلها صحيحة، وهذا الكلام قد سبق إليه أبو موسى المديني، فأصل الموضوع مناظرة، أو مثل ما نقول نعم مناظرة بين ابن الجوزي --رحمه الله تعالى- وبين أبي العلاء الحمداني، وهو ذكر أو قال أيضا كذلك إن ما يخرجه أحمد في المسند صحيح.
فرد عليه ابن الجوزي وبين أن فيه أحاديث ضعيفة، وفيه أحاديث موضوعة، مثل ما قال ابن كثير --رحمه الله تعالى- ومثل ابن كثير وهذا هو الصحيح، المسند لم يدعي أحمد --رحمه الله تعالى- ولم يشترط الصحة، وقد ذكرت بالأمس خطورة إ لزام أحد شيئا لم يلتزمه، أن تلزم شخصا بشرط ما، أو بشيء ما وهو لم يلتزمه، فهذا يعني لا يصح، فالإمام أحمد لم يلتزم الصحة ولم يشترطها، ففيه أحاديث جملة كبيرة جدا من أحاديثه بلا إشكال من قسم الصحيح، ولكن يوجد فيه الحسن، ويوجد فيه الضعيف، ويوجد فيه أيضا أحاديث يسيرة موضوعة.
ومثل ابن كثير -رحمه الله تعالى- بأحاديث فضائل البلدان عسقلان ومرو وحمص ومدن غيرها، كذلك أيضا وفي بعض فضائل الأعمال، عدها بعضهم أو أوصلها بعضهم إلى ثلاثين حديثا، وقد ألف ابن حجر ﵀ يمكن تعرفونها رسالة صغيرة سماها "القول المسدد في الزود عن المسند "، ولكن في كثير منها أو في بعضها، حتى ابن حجر --رحمه الله تعالى- يسلم بنكارة هذه الأحاديث، فلا مفر من القول، وأيضا الإمام أحمد --رحمه الله تعالى- في أجوبته على أسئلة تلاميذه وفي كلام له يبين، أو بين أن، أو تكلم على أحاديث في مسنده، وأنها لا تصح أنها مناكير.
стр. 59
فإذن ومسألة لماذا يخرج الإمام أحمد مثل هذه الأحاديث، فهذه مسألة يعني طويلة، واعتذر الأئمة -رحمهم الله تعالى- عن إخراج مثل هذه الأحاديث، وعن عناية العلماء بأحاديث الضعفاء، ولهم في ذلك أغراض، وهي أغراض صحيحة، إذا ضم إليها بيان أن هذه الأحاديث لا تصح، أو أن الصواب فيها أنها من قول فلان، أو يعني مثلا المهم إذا عرفت على حقيقتها، هذه نقطة لا إشكال فيها.
المسألة الثانية: هي أن مسند الإمام أحمد ﵀ يقول ابن كثير رغم أنه لا يوازيه مسند، رغم أنه لا يوازيه مسند في حسن سياقته وفي كبره، إلا أنه قد فاته أحاديث أيضا، وهذا يعني أيضا، لا شيء يسلم به، وذكر ابن كثير بصيغة التمريض، أنه لم يقع له جماعة من الصحابة الذين في الصحيحين قريبا من مائتين.
يعني أن في الصحيحين مائتي صحابي لم يخرج لهم الإمام أحمد، وخرج لهم في الصحيحين، وقبل هذا ذكره ابن كثير بصيغة التمريض، ويحتاج الأمر إلى تحقق، والشيخ أحمد شاكر ﵀ يقول: أنا أستبعد هذا ويحتاج الأمر إلى تحقق، نعم، هذا الذي أو هذا كلام ابن كثير على مسند الإمام أحمد، نعم، اقرأ.
الكتب الخمسة وغيرها
وهكذا قول الحافظ أبى طاهر السلفي في الأصول الخمسة، يعني لبخاري ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي، أنه اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب، تساهل منهم وقد أنكره ابن الصلاح وغيره، قال ابن الصلاح: وهي مع ذلك أعلى رتبة من كتب المسانيد، كمسند عبد بن حميد والدارمي وأحمد بن حنبل، وأبي يعلى والبزار وأبي داود الطيالسي، والحسن بن سفيان وإسحاق بن راهويه وعبيد الله بن موسى وغيرهم؛ لأنهم يذكرون عن كل صحابي ما يقع لهم من حديثه.
نعم، هذا المقطع فيه جملتان أو فيه أمران:
стр. 60
الأمر الأول: إطلاق أبي طاهر السلفي الحافظ -رحمه الله تعالى- على الكتب الخمسة، وهي الصحيحان وسنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي، أطلق عليها بأنها صحيحة، أو قال اتفق على صحتها علماء المشرق والمغرب، بهذا يقول العلماء -رحمهم الله تعالى- إن قصد به اتفاقهم، إن قصد به اتفاقهم على صحة أحاديثها.
فهذا القول تساهل منهم، تساهل كبير، إذا كان يعني، إذا كان بعض أحاديث الصحيحين قد انتقض فما بالك بأحاديث سنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي، لكن بعضهم يعتذر عن السلفي بأن عبارته أنهم اتفقوا على صحة أصولها، ما معنى صحة أصولها؟ يعني اتفقوا على صحتها عن مؤلفيها، أو اتُفق على يعني شيء كثير منها.
لكن المعنى الأول كأنه هو المراد، وهو أنه اتفق على صحة أصولها، يعني أنها ثابتة إلى مؤلفيها لا إشكال فيها، فهذا إن كان مراده هذا، فهذا يقولون، العراقي ﵀ اعتذر عن السلفي بهذا الاعتذار.
وقال -رحمه الله تعالى-: لا يلزم من كون الشيء له أصل صحيح أن يكون هو صحيحا، فالمهم المقصود من كلام ابن كثير ﵀ أن مثل هذه الاطلاقات انتهى الآن من الاطلاقات، أن مثل هذه الاطلاقات لا ينبغي وهي واردة في خضم كما ذكرت لكم بالأمس، أنه حين في المناقض وسياق المدح والثناء ربما يقع شيء من المبالغة، وهذا يعني جار بيننا أيضا، لو تريد أن تثني على شخص، أو تثني على يعني مكان أو تثني.
ولهذا يعني هناك أمثال توضح أن دائما أيهما أقرب، يعني أيهما أعلى السماع أو المشاهدة، في الغالب أن يكون المشاهدة أقل من، أقل مما سمعوا، وفي الحديث أيضا أخبر يعني، المهم أن هذا جار في ألسنة الناس، ربما يدفعهم إرادة مدح الشيء إلى الغلو فيه أو المبالغة فيه، وحتى مثلا وأنت تقرأ في الثناء على كتاب ما، يطنب الذي يتكلم عليه في الثناء عليه، حتى تظن أن هذا هو أعلى كتاب، ثم تخرج إلى الكتاب الثاني، أو حتى في التراجم.
стр. 61
حتى عند علماء الجرح والتعديل -رحمهم الله تعالى- يثنون على الشخص مثلا حتى تظن مثلا، أنه مثلا أنه هو الأقوى في شيخه، ثم يثنون على الآخر، وهكذا لكن إذا جاءوا إلى الجرح والتعديل محصوا هذا الكلام ودققوا فيه، وأما الكلام العام الذي هو الثناء على الفضل ونحو ذلك، فربما يتسامحون فيه وهذا أمر معروف، فابن كثير ينبه إلى مثل هذا، ويعني هو يلخص كلام ابن الصلاح.
المسألة الثانية: أن ابن الصلاح --رحمه الله تعالى- قال: إن من يؤلف على الموضوعات وعلى الأبواب يكون أعلى رتبة، ممن يؤلف على مسانيد الصحابة ممن يؤلف على مسانيد الصحابة، وعلل ذلك بأن من يؤلف على المسانيد إنما غرضه ما هو؟، غرضه أن يجمع كل ما روي عن هذا الصحابي، بغض النظر عن أي شيء؟ عن صحته وضعفه، أما من يؤلف على الأبواب فهو ينتقي ويختار أحسن ما روي في هذا الباب.
وهذا صحيح في الجملة، صحيح في الجملة لا إشكال فيه، ولا سيما إذا عرفنا أن كثير من هذه المسانيد ألف في عصر الجمع، ولكن ننتبه إلى شيء، أن بعض هذه المسانيد قد يكون أعلى أو أقوى شرطا من بعض الكتب المؤلفة على الأبواب، فقد ذكر ابن تيمية -رحمه الله تعالى- ووافقه أيضا ابن حجر، كفى بهما أن شرط الإمام أحمد في مسنده، إن لم يكن يفوق فهو يوازي شرط أبي داود في سننه.
ومعنى هذا أنه بلا إشكال أعلى رتبة من سنن من؟ من سنن ابن ماجه، فالكلام الذي ذكره الآن ابن الصلاح، ولخصه ابن كثير هو عبارة عن كلام إجمالي صحيح في الجملة، أن من يؤلف على الموضوعات سيكون أكثر انتقاء، ممن يؤلف على مجرد جمع ما روى كل صحابي، وهنا تنبيه بسيط.
стр. 62
قول ابن الصلاح -رحمه الله تعالى- كمسند عبد بن حميد والدارمي، يعلقون عليه فقط هنا بس فقط الدارمي ليس له مسند الدارمي، إذا أطلق الذي هو عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وهو شيخ مسلم وشيخ الترمذي، وهذا ليس له مسند، وإنما هذا سنن فهو ملحق بالكتب الخمسة حتى عده بعض العلماء، ماذا عدّوه؟ سادس الكتب الستة مكان سنن من؟ سنن ابن ماجه.
فهذا الدارمي ﵀ قالوا: إن ابن الصلاح مثل به أو أدرجه في ضمن المسانيد، وهو ليس بمسند على المعنى المصطلح عليه، وإنما هو سنن، ولكن سماه مؤلفه مسند من باب أن أحاديثه مروية بالإسناد، مسنده كما يقال مسند أبي عوانة، ماذا يقصدون به؟ مستخرج أبي عوانة يقصدون به مستخرج أبي عوانة، أو صحيح أبي عوانة.
لأنه وكذلك مثلا مسلم سمى كتابه "الصحيح المسند"، والبخاري سمى كتابه "الصحيح المسند"، فيقصدون بالمسند هنا ماذا؟ أي مروي أن أحاديثه مروية بالإسناد، فمسند الدارمي هذا سنن، وليس بمسند على المصطلح المعروف، وهذا موضوع جديد سيدخل فيه ابن كثير -رحمه الله تعالى- نعم.
التعليقات التي في الصحيحين
وتكلم الشيخ أبو عمر على التعليقات الواقعة في صحيح البخاري وفي مسلم أيضا، لكنها قليلة، قيل إنها أربعة عشر موضعا، وحاصل الأمر أن ما علقه البخاري بصيغة الجزم فصحيح إلى من علقه عمد ثم النظر فيما بعد ذلك، وما كان منها بصيغة التمريض، فلا يستفاد منها صحة ولا تنافيها أيضا؛ لأنه قد وقع من ذلك كذلك وهو صحيح، وربما رواه مسلم وما كان من التعليقات صحيحا فليس من نمط الصحيح مسند فيه.
لأنه قد وسم كتابه بالجامع المسند الصحيح المختصر في أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه.
فأما إذا قال البخاري: قال لنا أو قال لي فلان كذا، أو زادني ونحو ذلك فهو متصل عند الأكثر، فحكى ابن الصلاح عن بعض المغاربة أنه تعليق -أيضا- يذكره للاستشهاد لا للاعتماد، ويكون قد سمعه في المذاكرة, وقد رده ابن الصلاح.
стр. 63
فإن الحافظ أبا جعفر ابن حمدان قال: " إذا قال البخاري: وقال لي فلان "؛ فهو مما سمعه عرضا ومناولة.
نعم, هذا المقطع يتعلق ببعض الأمور تتصل بأمر التعليق في صحيح البخاري، والتعليق أو الحديث المعلق هكذا سماه, يعني هذه التسمية وجدت فيما بعد، يعني ليس البخاري الذي سماه تعليقا، أو قال: أعلق بعض أحاديثي, أو كذا.
وإنما يقولون: إن هذا اللفظ -يقول ابن الصلاح ﵀ وجد في كلام الحميدي, وكلام الدارقطني -أي في القرن الرابع-، ولا بأس بذلك.
سموا نوعا من الأحاديث: وهي التي حذف المعلق أول الإسناد، أو حذف بعض رجال الاسناد من أوله، وقد يحذف الإسناد كله فلا يبقي إلا قائل النص.
كأن يقول البخاري -مثلا-: " قال رسول الله ﷺ كذا "، أو: " قالت عائشة: قال رسول الله ﷺ كذا ", أو يذكر بعد التابعي رجلا، وقد لا يحذف إلا شيخه فقط.
فإذا حذف شيئا من مبدأ الإسناد؛ فهذا يسمونه " التعليق ", يقولون: مأخوذ من التعليق في الجدار, أو في السقف، كأنه ليس هناك واسطة بين هذا الشيء المعلق وبين الأرض، شبهوه به، شبهوه بالتعليق، فهذا معنى التعليق.
وهي موجودة في البخاري، وموجودة -أيضا- في مسلم, لكن نبه ابن كثير ﵀ في بداية كلامه إلى أنها في مسلم قليلة, تبلغ أربعة عشر موضعا فقط.
وأيضا هذه الأربعة عشر موضعا وصلها مسلم، ما معنى وصلها؟ يعني ذكرها موصولة ثم علقها، أو علقها ثم وصلها، إلا موضعا واحدا فقط في صحيحه بقي معلقا.
وهو الحديث المعروف في تيمم النبي ﷺ بالجدار, فإنه قال: " وقال الليث بن سعد: حديث أبي جهيمة -هذا- بقي معلقا، وقد وصله البخاري ﵀ في صحيحه ".
стр. 64
إذن الكلام الآتي كله في معلقات البخاري أو في معلقات مسلم؟ في معلقات البخاري؛ لأن مسلم ﵀ لم يبق في كتابه شيئا معلقا إلا حديثا واحدا, وهو حديث تيمم النبي ﷺ بالجدار.
لذلك قال ابن الصلاح: "وحاصل الأمر: أن ما علقه البخاري"؛ فإذن الكلام القادم كله في معلقات البخاري.
أول نقطة في معلقات البخاري: هي قضية درجة هذه المعلقات، وهناك أمر -قبل هذا- ما ذكره ابن الصلاح -نبه عليه, أو ما ذكره ابن كثير-: وهو أن معلقات البخاري تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: علقه البخاري في مكان, ووصله في مكان آخر، أولا: مجموع المعلقات في صحيح البخاري كثير, تبلغ المعلقات ألفا وثلاثمائة حديث معلق، هذا كثير أو قليل بالنسبة لمعلقات مسلم؟ هذا العدد كثير.
وصل منها البخاري -رحمه الله تعالى- في مكان آخر، أو وصل غالب هذه الأحاديث المعلقة في مكان آخر، ولم يبق إلا نحو مائة وستين حديثا, هي التي أبقاها البخاري لم يصلها في مكان آخر.
فالكلام -الآن- اللاحق في أي القسمين؟ هو في القسم الثاني: الذي لم يصله في مكان آخر، أما الذي وصله فقد انتهى أمره, وهو موصول في صحيح البخاري، فحكمه حكم الموصول.
القسم الثاني: الذي علقه, أو بقي دون وصل, ألف فيه ابن حجر ﵀ كتابه المعروف "تغليق التعليق", والمراد به: أن يخرج هذه الأحاديث المعلقة، وكذلك -أيضا- باقي معلقات البخاري.
المقصود بالمائة والخمسين: هي ما كان عن رسول الله ﷺ وأما عن غير الرسول ﷺ ففيه معلقات كثيرة جدا غير المائة والخمسين.
فهذه كلها وصلها ابن حجر, أو ألف من أجلها كتابه "تغليق التعليق" -وهو كتاب جيد جدا مطبوع-, يعني يخرج المعلقات, ويقول -مثلا-: رويناه من طريق ... , ويسلك إسناده إلى -مثلا -: عبد الرزاق, أو ابن أبي شيبة، أو إلى سعيد بن منصور، أو إلى الإمام أحمد, أو إلى الترمذي, أو إلى مسلم.
стр. 65
يعني إلى من خرج هذه المعلقات، ولخصه -أيضا- في " هدي الساري, مقدمة صحيح البخاري".
تكلم ابن الصلاح ﵀ على درجة هذه المعلقات المائة والخمسين، فقال: إنها على قسمين:
أولا: ما يعلقه بصيغة الجزم، ما معنى صيغة الجزم؟ أن يقول: " قال فلان: كذا, أو ما معناه "، إذا قال البخاري: "قال فلان: كذا، أو قال فلان عن فلان عن فلان: كذا".
يقول ابن الصلاح: فهذا محكوم بصحته إلى من علقه عنه، إلى من أبرزه من رجال الإسناد، ثم بعد ذلك يبقى النظر فيمن أبرز من رجال الإسناد.
فإذا قال البخاري -مثلا-: "قال بهز بن حكيم عن أبيه عن جده"؛ محكوم على هذا الإسناد بالصحة مِن مَن إلى مَن؟ مِن البخاري إلى بهز، وبعد ذلك يبقى النظر في من؟ في بهز, ومَن بعده؛ فهذا النوع الأول: ما هو مجزوم بصحته, يعني ما علقه بصيغة الجزم.
إذن, إذا قال البخاري ﵀: "وقالت عائشة: قال النبي ﷺ "، هذا الحديث ما حكمه الآن؟ هذا الحديث علقه بصيغة الجزم، فإذن على كلام ابن الصلاح هذا حديث صحيح؛ لأننا لا نحتاج إلى النظر بعدما أبرز من رجاله.
وهكذا لو قال: "قال رسول الله ﷺ كذا"؛ فهذا معلق بصيغة الجزم, وليس هناك من رجال الإسناد ما ينظر فيه.
القسم الثاني: الذي يعلقه بصيغة التمريض, مثل أن يقول: "ويذكر, ويروى" , فهذا يقول ابن الصلاح ﵀: إنه منه ما هو صحيح، إنه لا يستفاد من هذه الصيغة الصحة, ولكن -أيضا- لا يستفاد منها الضعف.
وهذا معنى قوله: "ولا تنافيها -أيضا-", "فلا يستفاد منها صحة, ولا تنافيها -أيضا-" معناه: أن هذا النوع, أو هذا القسم المعلق -بصيغة التمريض- منه ما هو صحيح، ومنه ما هو ضعيف.
بل منه ما يضعفه البخاري, كما في قوله: ويروى عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (لا يتطوع الإمام في مكانه) فهذا -مباشرة- قال بعده البخاري: ولا يصح، ولكنه علق بصيغة التمريض -أيضا-.
стр. 66
قال: ويذكر عن عائشة أن النبي ﷺ قال: ? كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه ? وهذا في صحيح مسلم.
فهذان قسمان: ما علقه بصيغة الجزم, وما علقه بصيغة التمريض، هذه مسألة تكلم عليها.
ثم عاد ابن الصلاح ﵀ وتكلم على المقصود بالصحة -إذا أطلقت الصحة على معلقات البخاري- يقول ﵀: "إننا, وإن أطلقنا عليها أنها صحيحة؛ إلا أنها ليست من نمط الصحيح, ما معنى من نمط الصحيح؟ يعني ليس من درجة أحاديث الجامع -جامع البخاري-، الأحاديث الصحيحة التي أسندها البخاري إسنادا".
هذه هي عبارته وما كان من التعليقات صحيحا، فليس من نمط الصحيح المسند فيه بأنه قد وصفه بـ: "الجامع المسند الصحيح المختصر في أمور رسول الله ﷺ وسننه وأيامه".
إذن هذا عودة إلى ما سبق, وأن الصحيح ليس على درجة واحدة, وإنما هو على مراتب، فإذن البخاري ﵀ قد يعلق في صحيحه أحاديث صحيحة؛ إذن ِلمَ لَمْ يخرجها -رحمه الله تعالى- مسندة إذا كانت صحيحة؟
هي صحيحة, ولكنها ليست على الصحة التي اشترطها البخاري، ففي الغالب هذه الأحاديث رغم صحتها يكون في إسنادها كلام، وربما لم يكن فيه كلام, ولكن -يعني- بسبب ولو بسيط, مثل: الاختلاف في اسم صحابي, أو نحو ذلك.
مثل حديث: ? الدين النصيحة ? لم يخرجه البخاري، علقه البخاري, وهو حديث صحيح, أخرجه مسلم, وذكروا سببا: أنه لعله الاختلاف في احتمال ذكره ابن حجر هذا؛ أن يكون الاختلاف في اسم الصحابي -هكذا أذكر-.
فالمقصود: أن البخاري ﵀ ترك إسناد هذه الأحاديث المعلقة الصحيحة؛ لأنها نزلت عن شرطه.
في قضية تكلم عليها ابن الصلاح: وهي أن البخاري ﵀ ربما يقول في صحيحه: "قال لنا فلان, أو قال لي فلان, أو زاد لي فلان"، الآن ينسب هذا الكلام إلى من؟ البخاري, من الذي قال؟
стр. 67
يعني البخاري يقول: "قال لي فلان"، هل هناك تعليق أو ليس بتعليق هذا، ما هو المعلق؟ هو الذي يسكت منه المؤلف، هذا ما فيه إسقاط؛ فلهذا ابن الصلاح نبه, أو رد على من وصف هذا بالانقطاع، يقول: فهو متصل عند الأكثر.
وحكى عن بعض المغاربة أنه تعليق -أيضا- يذكره للاستشهاد لا للاعتماد، ويكون قد سمعه في المذاكرة، ما معنى المذاكرة؟ هي المراجعة تقريبا، أو المباحثة, وهي ما نطيل بها.
لكنها عند العلماء ﵏: ما يسمعه الشخص بالمذاكرة, ليس مثل ما يسمعه في الرواية، أو نقول: إن الراوي حال تحديثه في المذاكرة, ليس على درجة ما يحدث به إذا قصد الرواية.
وهذه المذاكرة: معروف عند العلماء أنهم يتسامحون فيها , وربما دلسوا, وربما أسقطوا، يعني يتسامحون في المذاكرة.
فهذا أحد -أو بعض- حفاظ المغاربة يقول: إن البخاري إذا قال: "قال لي فلان"؛ فقد عدل عن قوله: "حدثنا, أو حدثني, أو أخبرني" بأنه سمع هذا الكلام في أي صفة؟ بالمذاكرة؛ فأراد أن يبين أنه ليس كالذي سمعه في حال الرواية.
ورد ابن الصلاح هذا وقال: ونقل عن الحافظ أبي جعفر ابن حمدان أن البخاري إذا قال: "قال لي فلان"؛ فهو مما سمعه عرضا ومناولة.
العرض والمناولة: هذا من طرق التحمل -وستأتي معنا-، وخلاصتهما, أو معناهما: "العرض" هو أن يقرأ التلميذ على الشيخ, وهو عند جمهور العلماء في منزلة, دون منزلة: أن الشيخ هو الذي يقرأ؛ فهذا من طرق التحمل عندهم, يعني معروفة.
بعضهم الشيخ الذي يقرأ، يقول: "حدثني فلان"، وبعضهم يقرأ التلميذ, والشيخ يستمع ويقر؛ فهذا هو العرض، القراءة على الشيخ هي العرض.
أما المناولة: فيعطيه الكتاب, أو يعطيه الجزء يناوله إياه, وفي الغالب -يعني العلماء- يقولون: تجوز الرواية بها؛ إذا قال له: "خذ هذا الجزء -مثلا-"، ستأتي معنا -إن شاء الله تعالى-, و: "اروه عني".
стр. 68
فحينئذ تكون هذه, يسمونها "مناولة", مصحوبة بأي شيء؟ بالإجازة, وهذه -يعني- أقوى من المناولة العارية عن الإجازة، وستأتي معنا طرق التحمل -إن شاء الله تعالى-.
فالمقصود أن الكلام هذا كله على قضية: "إذا قال البخاري: قال لي فلان"، تضيفون على هذا: أن ابن حجر -رحمه الله تعالى, وهو ممن خبر كتاب البخاري- يقول: "يظهر لي -والله أعلم, يعني هو راجع إلى هذا الكلام- أن البخاري إنما يقول مثل هذا الكلام -يعني يعدل عن التصريح بالتحديث, إلى أن يقول: قال فلان, أو قال لي فلان, أو قال لنا فلان- لسبب ما في الإسناد, أو في المتن, أو نحو ذلك.
وهذا يبين لنا, أو ابن حجر ﵀ يريد أن يبين لنا دقة الإمام البخاري، البخاري مدرسة كبيرة في اختيار الأساليب واختيار الألفاظ, وهو من أقل الناس كلاما -رحمه الله تعالى-, ولكن كلامه -كما يقال- من المختصر المفيد.
حتى بالنسبة لكلامه في الرجال، بالنسبة لكتبه في الرجال هي تعتبر مختصرة, ولكن فيها من الفوائد, مثلا في "التاريخ الكبير" شيء عظيم جدا من الفوائد.
حتى إن ابن أبي حاتم -رحمه الله تعالى, كما هو معروف- جاء إلى "التاريخ الكبير" فاستخلص منه كم من كتاب؟ ثلاثة الكتب: "الجرح والتعديل" هذا في الرجال خاصة، "المراسيل" وهذا على نمطه, وليس استخلصها بمعنى أخذ فقط ما عند البخاري، "المراسيل" وهذا يتعلق بالاتصال والانقطاع، "العلل" وهذه من نمط الأحاديث التي يولدها البخاري في "التاريخ الكبير", ويبين عللها.
فالمقصود: أن البخاري -رحمه الله تعالى- دقيق جدا في اختيار أساليبه, وفي أغراضه: من ذكر إسناد, أو من تعليقه, أو من -يعني- إبدال لفظ بلفظ.
ولهذا؛ أنا أنصح -دائما- من يريد أن يتمكن في "مصطلح الحديث": فكتاب البخاري استعانة بشروحه, ولا سيما "فتح الباري" لابن حجر, من أهم مصادر السنة التي تعين الباحث على التفقه في مصطلحات أهل الحديث.
стр. 69
يورد كثيرا من المصطلحات, ويستخدم مصطلحات كثيرة، يعني: يستفيد طالب العلم أمورا تطبيقية عملية على هذه المصطلحات.
إنكار ابن الصلاح على ابن حزم رده حديث الملاهي
وأنكر ابن الصلاح على ابن حزم رده "حديث الملاهي"، حيث قال فيه البخاري: "وقال هشام بن عمار"، وقال: أخطأ ابن حزم من وجوه؛ فإنه ثابت من حديث هشام بن عمار.
قلت: وقد رواه أحمد في "مسنده", وأبو داود في "سننه"، وأخرجه البرقاني في "صحيحه"، وغير واحد, مسندا متصلا إلى إشهاد ابن عمار وشيخه -أيضا- كما بيناه في كتاب "الإحكام", ولله الحمد.
هذه مسألة -يعني- تطبيقية على ما يقول فيه البخاري, لكن هذه دون التي قبلها، التي قبلها ماذا يقول البخاري عن شيخه؟ قال: "لنا"، أما هذه: ما فيها لنا، إنما قال: "فلان".
فابن حزم -رحمه الله تعالى- لما احتج عليه, معروف أن ابن حزم ﵀ يبيح شيئا من الغناء؛ فاحتج عليه بهذا الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه، وقال فيه: "وقال هشام بن عمار"، لم يقل: "حدثنا هشام بن عمار" وهو من شيوخه، هو من شيوخ البخاري ﵀.
فابن حزم ﵀ يقول: إن هذا منقطع لماذا؟ لأن البخاري لم يقل: "حدثنا"، فردوا عليه من عدة جهات:
أولا: أن هشام بن عمار شيخ البخاري, فإذا قال البخاري: "قال هشام بن عمار", والبخاري ليس بمدلس؛ فمعناه: أنه قد سمعه من هشام بن عمار, والإسناد متصل.
وهذا من الأشياء التي يقول ابن حجر ﵀: إن البخاري لا يعدل عن التصريح بالتحديث إلا لسبب، يقول: لعله بسبب الاختلاف في تسمية الصحابي؛ لأن الحديث من طريق عبد الرحمن بن غنم الأشعري, عن أبي عامر, أو أبي مالك الأشعري, يعني: تردد في اسم الصحابي، يقول: لعله لهذا؛ عدل البخاري عن: "حدثنا" إلى: "قال".
стр. 70
والأمر الآخر: أن هذا الحديث رد على ابن حزم, هذا -يعني- في الأمر الآخر, وهو: أن هذا الحديث متصل في كتب أخرى غير كتاب البخاري, وهو معروف عن هشام بن عمار.
فإذن -يعني- المفترض في ابن حزم ﵀ أن يبحث عن علة أخرى غير الانقطاع؛ إذا كان يريد أن يطعن في هذا الحديث -إن كان عنده علة أخرى-, وإلا فهذه العلة ضعيفة؛ لا تصلح هذه العلة علة قادحة في هذا الحديث.
ولا سيما مع كلام لابن حزم يقرر فيه: أن الراوي إذا قال عن شيخه: "قال", أو: "عن", أو: كذا؛ فهو محمول على أي شيء؟ إذا قال عن شيخه, فهو محمول على الاتصال وعلى السماع، هكذا قرره في كتابه "الإحكام في أصول الفقه".
هنا مسألة سيتكلم عليها ابن كثير نقلا عن ابن الصلاح, وهي مسألة -يعني-: تلقي الأمة للصحيحين بالقبول, وماذا يفيد.
ماذا تفيد أحاديث الصحيحين
ثم حكى أن الأمة تلقت هذين الكتابين بالقبول، سوى أحرف يسيرة انتقدها بعض الحفاظ: الدارقطني وغيره، ثم استنبط من ذلك: القطع بصحة ما فيهما من الأحاديث؛ لأن الأمة معصومة من عين الخطأ، كما ظنت صحته ووجب عليها العمل به؛ لابد وأن يكون صحيحا في نفس الأمر، وهذا جيد.
وقد خالف في هذه المسألة الشيخ محي الدين النووي, وقال: "لا يستفاد القطع بالصحة من ذلك"، قلت: وأنا مع ابن الصلاح في ما أول إليه, وأرشد إليه, والله أعلم.
هذه المسألة، مسألة ماذا تفيد أحاديث الصحيحين؟ القطع أو الظن؟ هي مسألة ليست من علوم الحديث, وإنما هي لها تعلق بأصول الفقه؛ ولهذا -بعد قليل, لن نقرأه, ولن نطيل فيه- سينقل ابن كثير -رحمه الله تعالى- كلاما لابن تيمية عن الحديث إذا تلقته الأمة بالقبول، وابن تيمية ينقل عن جماعة -عن أهل الحديث, وعن غيرهم من أهل الكلام والأشاعرة, وغيرهم-: أن الأمة إذا تلقت الحديث بالقبول؛ فهو مقطوع بصحته.
стр. 71
فابن الصلاح ﵀ يقول: إن الأمة قد تلقت كتاب البخاري ومسلم بالقبول, سوى أحاديث يسيرة انتقدها بعض الحفاظ مثل: الدارقطني، وهناك غير الدارقطني مثل: الإسماعيلي, ومثل ابن عمار الشهيد.
يقال له: "الشهيد"؛ قتله القرامطة عند الكعبة ﵁ ورحمه-، له كتاب في: "علل صحيح مسلم"، أحاديث يسيرة انتقدها، بل هناك أحاديث في الصحيحين انتقدها البخاري ومسلم.
يعني: يبينون علل بعض الأحاديث حتى في كتابيهما، فهذه الأحاديث -وهناك أحاديث أيضا لا بد أن تنضم إلى هذا- أحاديث انتقدها بعض الحفاظ قبل البخاري ومسلم، مثل: أحمد, أو مع البخاري ومسلم مثل: أبي حاتم, أو النسائي.
فالمقصود: أن الأحاديث التي انتقدت ليس مراد ابن الصلاح أن الصواب مع المنتقد، لا يريد هذا هو، إنما يريد "انتقادا": يعني أنزلها عن أن تدخل في الأحاديث التي تلقتها الأمة بالقبول.
إذن ما عدا هذه الأحاديث, وكما يقول ابن تيمية: جمهور أحاديث الصحيحين -يقول جمهور أحاديث الصحيحين- تفيد التواتر.
وهذا الذي قاله ﵀ له حظ, يعني: هو صحيح إلى درجة كبيرة, أن جمهور أحاديث الصحيحين, إذا استثنينا ما انتقد, أو ما فيه اختلاف على بعض -يعني إذا استثنينا بعض الأشياء-؛ فبقية أحاديث الصحيحين من المقطوع بصحته، ويفيد العلم اليقين.
وأي طالب علم -إن شاء الله تعالى- الذي يقرأ منكم في "صحيح البخاري", في "صحيح مسلم", يسوق الإمامان طرقا لبعض الأحاديث يعني إذا نظرت في الطرق، ونظرت في تراجم أصحابها, لا يكاد حديث يتوقف في صحة هذه الأحاديث.
إذا كان بعض العلماء يقول: عن مالك عن نافع عن ابن عمر، ماذا أخذنا من ذلك؟ يقول: إنما -هو- ترفع الستر فتنظر إلى رسول الله ﷺ يعني: كأنك بهذا الإسناد ليس بينك وبين رسول الله إلا ستر.
стр. 72
فإذا كان مثل هذا الحديث مثلا- يرويه مالك عن نافع عن ابن عمر، ويرويه أيوب عن نافع عن ابن عمر، ويرويه عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، ويرويه مع نافع سالم، ويرويه مع سالم -أيضا- عبد الله بن دينار، ويرويه مع عبد الله بن عمر -مثلا- جابر وعائشة.
ومثل هذا الحديث -بغض النظر عن قضية التواتر عند الأصوليين وتواتر الطبقات..الخ- فمثل هذا الحديث عند المحدثين لا يرتابون أبدا في صحته، فهذا هو معنى كلام ابن الصلاح: أنه مقطوع بصحته.
لأن المحدثين تلقوا هذين الكتابين بالقبول، وهذا كلام صحيح، النووي ﵀ اعترض ومشى على مذهب الأصوليين: أن السنة, أو أن الأخبار -بغض النظر عن السنة- تنقسم عندهم إلى قسمين: متواتر، وآحاد.
فهو يقول: كل أحاديث الآحاد -ما في الصحيحين, أو غيرهما- منزلتها واحدة, وهي أنها تفيد الظن، ولكن هذا الكلام نحى فيه منحى المتكلمين, أو أهل الأصول.
مع أن ابن تيمية ﵀ على أن الأمة إذا تلقته بالقبول -يعني إذن ليس هو لهم جميعا-؛ فالمقصود من هذا الكلام كله: أن جمهور أحاديث الصحيحين - بحمد الله تعالى- مما تلقته الأمة بالقبول, ومما هو مقطوع بصحته.
ويبقى ما انتقد، فيه مجال للاختلاف, ولكن ليس مراد ابن الصلاح: أن الصواب مع منتقد الكتابين, وإنما مراده: أنها نزلت هذه الأحاديث عن القطع بصحتها.
النوع الثاني: الحديث الحسن
تعريف الحديث الحسن
النوع الثاني: الحسن، وهو في الاحتجاج به كالصحيح عند الجمهور، وهذا النوع لما كان وسطا بين الصحيح والضعيف في نظر الناظر -لا في نفس الأمر-؛ عسر التعبير عنه وضبطه في كثير من أهل هذه الصناعة؛ وذلك لأنه أمر نسبي, شيء ينقدح عند الحافظ ربما تقصر عبارته عنه.
وقد تجشم كثير منهم حده، فقال الخطابي: "هو ما عرف مخرجه واشتهر رجاله، قال: وعليه مدار أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء, ويستعمله عامة الفقهاء".
стр. 73
قلت: فإن كان المعرف هو قوله: "ما عرف مخرجه واشتهر رجاله"، والحديث الصحيح كذلك، بل والضعيف، وإن كانت بقية الكلام من تمام الحد؛ فليس هذا الذي ذكره مسلما له: أن أكثر الحديث من قبيل الحسن, ولا هو الذي يقبله أكثر العلماء, ويستعمله عامة الفقهاء.
دخل ابن كثير ﵀ في موضوع طويل، وهو "موضوع الحسن"، وتكلم على عدد من النقاط نأخذها بسرعة:
أولها: قضية الاحتجاج بالحسن عند العلماء -رحمهم الله تعالى-, يعني إذا قيل: الحسن الذي هو الحسن لذاته -كما عرف في الاصطلاح فيما بعد هذا عند العلماء رحمهم الله تعالى- جزء منه, أو ملحق بالحديث الصحيح.
وقد مر بنا أن الحديث عند الأئمة المتقدمين -في غالب كلامهم - ينقسم إلى قسمين فقط: وهما الصحيح والضعيف.
فالحسن عندهم مندرج -يعني في أعلى مراحله العليا- مندرج تحت الصحيح؛ ولهذا فهناك أحاديث حتى في " صحيح البخاري ", وفي " صحيح مسلم " إذا طبقنا عليها التعريف الآتي للحديث الحسن؛ يمكن أن توصف بأنها حسنة.
فإذن هو في الاحتجاج به يعني كالصحيح، بل يقول الذهبي ﵀ , وغيره كذلك, يقولون: "إن الحسن هو في رتبة أنك إذا أخذت الحديث الصحيح, وجعلته على مراتب, لا تزال تنزل حتى تصل إلى أن بعض مراتبه هو الحديث الحسن".
هذه مسألة الاحتجاج، نعم: بعض ما يوصف بأنه حسن قد يكون في الاحتجاج باختلاف، يعني: وهو الذي في أدنى درجات الحسن، لكن هذه مسألة لها ذيول نتركها الآن.
المقصود: وهو " قضية الاحتجاج بالحديث الحسن" ذكر عن الجمهور: ولا ينسبون عن أحد معين أنه لا يحتج بالحديث الحسن، وإنما يذكرون كلمات لأبي حاتم وغيره، يقولون: إنه تشدد فيها؛ فربما وصف راويا بأن حديثه حسن، ثم يقال له: يحتج به؟ فلا يجيب بنعم؛ ففهموا بهذا أن أبا حاتم -مثلا- لا يحتج بأي شيء؟ بالحديث الحسن، وهذا عليه اعتراض.
стр. 74
المهم: أنه الكلام, أو الاحتجاج بالحديث -الحين يعني- هو قول جمهور العلماء، ولا يذكر عدم الاحتجاج عن -يعني- شخص معين, أو عن إمام معين, ويكون كلامه صريحا في رد الاحتجاج بالحديث الحسن، هذه نقطة.
النقطة الثانية: ابن كثير ﵀ كأنه اعتذر, أو يعتذر مسبقا عن الإطالة في تعريف الحديث الحسن، وكثرة الاختلاف في تعريفه، بماذا اعتذر هو ﵀؟
اعتذر بأن الحديث الحسن: لما كان في رتبة بين الصحيح وبين الضعيف -يعني يتجاذبه من جهة- ما الذي جعله ينزل عن الصحيح؟ أن فيه شيئا من الضعف، ما الذي جعله لا يوصف بأنه ضعيف؟ أنه ارتقى عن درجة الضعيف.
فهو يقول ﵀: هذا الاعتذار قدمه -وهو قوله: وهذا النوع لما كان وسطا بين الصحيح والضعيف في نظر الناظم لا في نفس الأمر- ابن كثير مُصِرٌّ على هذه النقطة: وهي أن هذه التقاسيم هي في نفس الأمر, يعني: تقسيم الحديث إلى ثلاثة أقسام في نفس الأمر, أو في اجتهاد المجتهد.
وقد سبق لنا في أول كلامه: أن الحديث في نفس الأمر ينقسم إلى: كم قسما؟ إما ثابت أو غير ثابت.
فهو يقول: "لما كان وسطا بين الصحيح والضعيف في نظر الناظم -وليس في نفس الأمر-؛ عسر التعبير عنه وضبطه على كثير من أهل هذه الصناعة؛ وذلك لأنه أمر نسبي, شيء ينقدح عند الحافظ, وربما تقصر عبارته عنه"، هذا سبب وجيه.
وقد كرره أو ذكره أيضا شيخه الذهبي، ويحتمل أن يكون ابن كثير ﵀ أخذه من كلام شيخه الذهبي، ذكر هذا في "الموقظة".
وأن هذا, حتى هو قال ﵀ الذهبي, يعني: لا تسطيع أن تجد تعريفا للحديث الحسن يدخل تحته جميع الأحاديث التي يوصف بها أنها حسنة، يقول لنا عن الذهبي.
فالمقصود: أن الحديث الحسن؛ يقدمون بهذا الكلام اعتذارا عن كثرة التعاريف للحديث الحسن, أو الاختلاف في تعريفه.
стр. 75
ويضم إلى هذا سبب -أيضا-: أن تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف -كما عرفنا في درس الأمس, والذي قبله- أن هذا من الذي شهره, وأكثر منه؟ هو الإمام الترمذي.
أما قبل, فالتعبير بكلمة "حسن" هذا -يعني- ليس بالكثير؛ فهو إذن اصطلاح جديد -نوعا ما-.
هنا الآن: أول ما ذكر ابن كثير ﵀ تبعا لابن الصلاح من التعاريف تعريف من؟ الخطابي, معروف عندنا الخطابي؛ صاحب أي كتاب؟ "معالم السنن"، و "أعلام السنن" وهو شرح فيه "صحيح البخاري"، وكتابه "معالم السنن" شرح فيه "سنن أبي داود".
أما الأول: شرح فيه بعض الأبواب، انتقى أبوابا من " صحيح البخاري ﵀", ويعتبر هو من العلماء المبكرين في شرح كتب السنة، وكلامه محرر, ويتداول -ينقل غالبا-؛ لاختصاره, وغزارة فوائده.
عرف الحديث الحسن ﵀ بهذا التعريف, واعترض عليه في اعتراضات: منها ما ذكره ابن كثير ﵀ وأن هذا لا يفصل الحسن من الصحيح، لا يفصله من الصحيح؛ لأن الصحيح أيضا عرف مخرجه واشتهر رجاله.
ومن الاعتراضات ما ذكره ابن كثير: "أن قوله: يقبله أكثر العلماء, ويستعمله عامة الفقهاء"، ليس مسلما له، ليس أكثر الأحاديث من قبيل الحسان.
يقول -هذا كلام ابن كثير ﵀: واعترض عليه -أيضا- كما نعرف, هنا نقطة مهمة في مسألة تعريف الحديث الحسن, الذي ألفه في المصطلح ابن الصلاح ومن بعده، تطلبوا تعريفات لجميع مصطلحات الحديث على طريقة أهل الحدود والتعريفات، من هم أهل الحدود والتعريفات؟
هم أهل المنطق, ويريدون بالتعريف: أن يكون جامعا مانعا، فإذا أرادوا أن يعرفوا مصطلحا ما؛ يريدوا أن يفصلوه عن غيره من المصطلحات؛ لئلا تتداخل المصطلحات؛ فهذا عسر عليهم العثور على تعاريف لبعض مصطلحات الحديث بسبب سأذكره فيما بعد -إن شاء الله تعالى-.
следующие страницы →