← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

ولأنه يجوز التفاضل في ذلك وغاية ما يقدر في البيع المذكور حصول التفاضل وذلك جائز في الجنسين. وقال المصنف في المغني: ذهب كثير من أصحابنا إلى تحريم ذلك. قال ابن أبي موسى: لا خير فيما يكال بما يكال جزافاً، ولا فيما يوزن بما يوزن جزافاً اتفقت الأجناس أم اختلفت. ولا بأس ببيع المكيل بالموزون جزافاً. وقال ذلك القاضي والشريف أبو جعفر واحتج له بما روى أبو بكر «أن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام بالطعام مجازفة»، وهذا طعام. والحديث الذي رواه مسلم فيما تقدم (١). ولأنه بيع طعام بطعام أشبه الجنس الواحد. والأول أصح لما تقدم من قوله: «فإذا اختلفت هذه الأصناف (٢) فبيعوا كيف شئتم يداً بيد» (٣). ولأنه يجوز التفاضل فيه فجاز جزافاً من الطرفين كالمكيل بالموزون. ولأن حقيقة التفاضل لا تمنع فإنه يجوز أن يبيع مد حنطة بأمداد شعير وشبههما فالجهل به أولى أن لا يكون مانعاً. والحديث المذكور المراد به الجنس الواحد ولهذا جاء في بعض ألفاظه: «نَهى أن تُباعَ الصَبرة لا يعلمُ مَكيلُها من التمر» (٤). والظاهر أن الحديثين واحد، وإنما اختلفت ألفاظه. ثم هو مخصوص بالمكيل بالموزون فيقاس عليه محل النزاع.

стр. 1262

قال: (والجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعاً كالذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، وفروع الأجناس أجناس كالأدقة والأخباز والأدهان). أما قول المصنف ﵀: والجنس ما له اسم خاص يشمل أنواعاً؛ فبيان لمعنى الجنس لأنه لما تقدمت التفرقة بين الجنس والجنسين دعت الحاجة إلى تبيين الجنس. والفرق بينه وبين النوع أن الجنس هو الشامل لأشياء كثيرة مختلفة بأنواعها، والنوع هو الشامل لأشياء كثيرة مختلفة بأشخاصها؛ فأنواع الذهب: المصري، والأتابكي، والصوري. وأنواع الفضة: الكاملي، والناصري، والظاهري. وأنواع البر: الحوراني، والسوادي، والغوطي، وما أشبه ذلك. وأنواع الشعير: المسدس، والرومي، ونحو ذلك. وأنواع الملح: التدمري، والجِثولي، وما أشبه ذلك. وأما قول المصنف ﵀: كالذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح فتصريح بأشياء لكل واحد منها اسم خاص يشمل أنواعاً. وأما كون فروع الأجناس أجناساً كدقيق القمح ودقيق الشعير وخبز القمح وخبز الشعير ودهن اللوز ودهن الجوز؛ فلأن الفروع تبع للأصل فلما كانت أصول هذه أجناساً وجب أن تكون هذه أجناساً إلحاقاً للفروع بأصولها. قال: (واللحم أجناس باختلاف أصوله. وعنه: جنس واحد، وكذلك اللبن. وعنه: في اللحم أنه أربعة أجناس: لحم الأنعام، ولحم الوحش، ولحم الطير، ولحم دواب الماء. واللحم والشحم والكبد أجناس). أما كون اللحم أجناساً باختلاف أصوله على المذهب؛ فلأنه إذا اختلف أصله فروعُ أصول هي أجناس فكانت أجناساً كالأدقة والأخباز. وأما كونه جنساً واحداً على روايةٍ؛ فلأنه اسم تحته أنواع فكان جنساً واحداً كالطلع. وأما كونه أربعة أجناس كما ذكر المصنف على روايةٍ؛ فلأن الحيوانات المذكورة تختلف في المنفعة والقصد والأكل فكانت أجناساً. وصحح القاضي هذه الرواية قاله المصنف في المغني. ونصر ابن عقيل الأول.

стр. 1263

وقال المصنف ﵀ في المغني: وهو الأشبه بالأصول فإن كثيراً من المشتركات في (١) الأسماء مختلفة الأجناس لاختلاف أصولها كما تقدم. فعلى هذا لحم الإبل جنس بخاتيها وعِرَابها. والبقر جنس عِرَابها وجواميسها. والغنم جنس ضأنها، ومعزها. والوحش أجناس بقرها جنس وغنمها جنس وظباؤها جنس. وكل ما له اسم يخصه تحته أنواع جنس والطير أجناس. وأما كون اللبن فيه روايتان: إحداهما: أنه يختلف كأصوله. والثانية: أنه جنس واحد فلما ذكر في اللحم. وظاهر كلام المصنف ﵀ أنه لا تجري الرواية الثالثة في اللحم في اللبن لأنه عطفه على الروايتين في اللحم ثم خصص اللحم رواية ثالثة. وقال في الكافي بعد ذكره الروايات الثلاث في اللحم: وفي الألبان من القول مثل ما في اللحم لأنها من الحيوانات يتفق اسمها أشبهت اللحم. وظاهر هذا أن في اللبن الروايات الثلاث وهو أظهر لاتحادهما في المعنى. وأما كون اللحم والشحم والكبد أجناساً؛ فلأنها مختلفة في الاسم والخلقة فكانت أجناساً كالإبل والبقر والغنم. قال: (ولا يجوز بيع لحم بحيوان من جنسه، وفي بيعه بغير جنسه وجهان). أما كون بيع لحمٍ بحيوان من جنسه كلحم إبل بإبل وغنم بغنم وما أشبههما لا يجوز فـ «لأن النبي ﷺ نَهى عن بيعِ اللحمِ بالحيوان» (٢). وروي عنه أنه ﵇: «نهى أن يباع حي بميت» (٣). ولأنه نوع فيه الربا بِيع بأصله الذي فيه منه فلم يجز كبيع السمسم بالشيرج.

стр. 1264

وأما كون بيع لحم بحيوان من غير جنسه كلحم إبل بغنم ولحم غنم ببقر لا يجوز في وجهٍ فلعموم ما تقدم. وروي عن ابن عباس «أن جزوراً نحرت على عهد أبي بكر ﵁ (١) فجاء رجل بعناق فقال: أعطوني جزءاً بهذا العناق. فقال: لا يصلح هذا». وهل يشترط في غير الجنس كونه مأكولاً؟ فيه وجهان: أحدهما: يشترط. ذكره أبو الخطاب في رؤوس المسائل. والثاني: لا يشترط. فلا يجوز بيع لحم غنم وشبهه بحمار ونحو ذلك لدخوله في عموم ما تقدم. وصحح صاحب النهاية فيها الأول وعلله بأن المنع إنما كان لأجل الربا فإذا لم يكن مأكولاً لم توجد العلة فوجب أن يزول الحكم لزوال علته. وجعله المصنف في المغني ظاهر قول أصحابنا. وأما كون بيع لحم بحيوان من غير جنسه يجوز في وجهٍ؛ فلأن النهي عن بيع اللحم بالحيوان إنما كان لاشتمال الحيوان على جنس اللحم؛ لأن ذلك يؤدي إلى الربا فإذا لم يكن من جنسه وجب الجواز لزوال العلة المقتضية للتحريم. وقيل: هذان الوجهان مبنيان على كون جميع اللحم جنساً أو أجناساً. فإن قيل: جميعها جنس واحد لم يجز بيع اللحم بالحيوان مطلقاً، وإن قيل: أجناس جاز لأن التفاضل مع اختلاف الجنس لا يضر. قال: (ولا يجوز بيع حب بدقيقه ولا سويقه في أصح (٢) الروايتين). أما كون بيع حب بدقيقه أو سويقه لا يجوز في روايةٍ؛ فلأن كل واحد مكيل ويشترط في بيع المكيل بجنسه التساوي وهو متعذر هنا لأن أجزاء الحب تنتشر بالطحن. وأما كونه يجوز في روايةٍ؛ فلأن الدقيق نفس الحب وإنما تكسرت أجزاؤه فجاز بيع البعض بالبعض كالحب المكسر بالصَّحاح.

стр. 1265

فعلى هذا تعتبر المساواة بالوزن لأن الكيل لا يحصل به التساوي لما ذكر. وأما كون الأصح أنه لا يجوز فلما تقدم. ولأن التساوي بالكيل متعذر بخلاف المكسر بالصحاح فإن الكيل غير متعذر. واعتبار الوزن فيما هو مكيل لا يصح لما تقدم في بيع المكيل وزناً وبعكسه. قال: (ولا يجوز بيع نيئه بمطبوخه، ولا أصله بعصيره، ولا خالصه بمشوبه، ولا رَطْبه بيابسه). أما كون بيع نيء الشيء بمطبوخه كالحنطة بالهريسة أو بالحريرة أو بالنشاء أو ما أشبه ذلك لا يجوز؛ فلأن النار تعقد أجزاء المطبوخ وتنفخها فلا يحصل التساوي. وأما كون بيع أصله بعصيره كالسمسم بالشيرج والزيتون بالزيت وما أشبه ذلك لا يجوز؛ فلأنه مال ربا بيع بأصله الذي فيه منه فلم يجز كبيع اللحم بالحيوان. وأما كون بيع خالصه بمشوبه لا يجوز كلبن لا ماء فيه بلبن مخلوط بماء لا يجوز فلانتفاء التساوي المشترط. وأما كون بيع رَطْبه بيابسه كبيع الرطب بالتمر فـ «لأن النبي ﷺ سئل عن بيع الرطب بالتمر. فقال: أينقص الرطب (١) إذا يبس؟ فقالوا: نعم. فقال: لا إذاً» (٢). علل بالنقصان إذا يبس وهو موجود في كل رطب بِيع بيابسه. قال: (ويجوز بيع دقيقه بدقيقه إذا استويا في النعومة، ومطبوخه بمطبوخه، وخبزه بخبزه إذا استويا في النشاف، وعصيره بعصيره، ورطبه برطبه). أما كون بيع جميع ذلك بما ذكر يجوز؛ فلأنه متساو في الحال على وجهٍ لا ينفرد أحدهما بالنقصان في ثاني الحال فوجب أن يجوز كبيع التمر بالتمر.

стр. 1266

وأما قول المصنف ﵀: في الدقيق إذا استويا في النعومة فتنبيه على اشتراط التساوي في النعومة؛ لأن الكيل يسع من الخشن أكثر من الناعم لتفرق أجزاء الناعم فلا يحصل التساوي المشترط. وأما قوله في المطبوخ والخبز إذا استويا في النشاف فتنبيه على اشتراط التساوي في النشاف لأن أحدهما إذا كان أكثر رطوبة من الآخر (١) لا يحصل التساوي المشترط. قال: (ولا يجوز بيع المحاقلة. وهو: بيع الحب في سنبله بجنسه، وفي بيعه بغير جنسه وجهان، ولا المزابنة. وهو: بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر، إلا في العرايا. وهي: بيع الرطب في رؤوس النخل خرصاً بمثله من التمر كيلاً فيما دون خمسة أوسق لمن به حاجة إلى أكل الرطب ولا ثمن معه ويعطيه من التمر مثل ما يؤول إليه ما في النخل عند الجفاف. وعنه: يعطيه مثل رطبه، ولا يجوز في سائر الثمار في أحد الوجهين). أما كون بيع المحاقلة لا يجوز فـ «لأن النبي ﷺ نهى عن بيعِ المحاقَلَة» (٢). والنهي يقتضي التحريم والفساد. ولأن الحب إذا بيع بجنسه لا يعلم مقداره بالكيل، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل. وأما قول المصنف ﵀: وهو بيع الحب في سنبله بجنسه فتفسير لبيع المحاقلة. قال أبو عبيد: المحاقلة بيع الزرع في سنبله بالبر. وأما كون بيع الحب في سنبله بغير جنسه لا يجوز في وجهٍ؛ فلأن بيع زرع الحنطة بحنطة إنما سمي محاقلة لأنه في الحقل وهذا المعنى موجود في غيره مما ذكرنا فيجب أن يدخل فيه. قال الأزهري: والحقل القراح المزروع.

стр. 1267

وأما كونه يجوز في وجهٍ؛ فلأن تفسير أبي عبيد الحديث يدل على ذلك لأنه قال: المحاقلة بيع الزرع في سنبله بالبر. ولأن النهي لخوف التفاضل المحرم وهو منتف في الجنسين. وأما كون بيع المزابنة إذا لم يكن عرايا [لا يجوز] (١)؛ فـ «لأن النبي ﷺ نهى عن المزابنة» (٢)، والنهي يقتضي التحريم والفساد. ترك العمل به في العرايا لما يأتي فيبقى فيما عداه على مقتضاه. وأما قول المصنف ﵀: وهو بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر؛ فتفسير لبيع المزابنة المحرم. وفي الحديث أن ابن عمر قال: «نهى النبي ﷺ عن المُزابَنَةِ. والمزابنةُ بيعُ ثمرِ النخلِ بالتمرِ كيلاً» (٣) رواه مسلم. وأما كون بيع العرايا يجوز فلما روى أبو هريرة «أن رسول الله ﷺ رخّص في العرية في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق» (٤) متفق عليه. وأما ما يشترط لجواز بيع العرايا فأمور: أحدها: أن يكون الرطب على رؤوس النخل فلو كان على وجه الأرض لم يجز لأن الرخصة وردت في بيعه على رؤوس النخل ليؤخذ شيئاً فشيئاً. وثانيها: أن يكون البيع بخرصها من التمر لا أقل ولا أكثر «لأن النبي ﷺ رخص لهم أن يبتاعوا العرية بخرصها من التمر» (٥) متفق عليه.

стр. 1268

وفي معنى الخرص روايتان: إحداهما: ينظر كم يجيء منها تمر فيبيعها بمثله لأنه يخرص في الزكاة كذلك. والثانية: يبيعها بمثل ما فيها من الرطب لأن الأصل اعتبار المماثلة في الحال بالكيل فإذا خولف الدليل في أحدهما وأمكن أن لا يخالف في الآخر وجب. وثالثها: كون التمر معلوماً بالكيل لأن في بعض الألفاظ: «رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلاً» (١) متفق عليه. ولأن الأصل الكيل من الطرفين سقط في أحدهما للتعذر فيجب في الآخر بقضية الأصل. ولأن مع ترك الكيل من الطرفين يكثر الغرر فإذا وجد أحدهما كان الغرر أقل. ورابعها: كون المبيع دون خمسة أوسق لما يأتي. وعن الإمام أحمد يجوز في الخمسة؛ لأن الرخصة ثبتت في العرية ثم نهي عما زاد على الخمسة، وشك الراوي في الخمسة في قوله: «رخص رسول الله ﷺ في العرية في خمسة أوسق أو دون خمسة أوسق» (٢) فردت إلى أصل الرخصة. والأول المذهب لأن الأصل تحريم الرطب بالتمر خولف فيما دون الخمسة بالخبر والخمسة مشكوك فيها فترد إلى الأصل. وخامسها: أن يكون بالمشتري حاجة إلى أكل الرطب «لأن زيد بن ثابت حين سأله محمود بن لبيد: ما عراياكم هذه؟ سمى رجالاً محتاجين من الأنصار شَكَوا إلى

стр. 1269

رسول الله ﷺ أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطباً يأكلونه وعندهم فضول من التمر فرخص لهم أن يتبايعوا العرايا بخرصها من التمر يأكلونه رطباً» (١) متفق عليه. ومتى خولف الأصل بشرط لم تجز مخالفته بدون ذلك الشرط. ولأن ما أبيح للحاجة لم يبح مع عدمها كالزكاة للمساكين والرخص في السفر. وسادسها: أن لا يكون معه ثمن غير التمر لقوله في الحديث: «ولا نقد بأيديهم». وسابعها: أن يقبض البائع الثمن والمشتري الرطب قبل تفرقهما لأنه بيع تمر بتمر فاعتبرت فيه أحكامه. وقبض التمر بالكيل، والرطب بالتخلية؛ لأن الكيل ممكن في التمر دون الرطب. وأما كون مثل ما ذكر لا يجوز في سائر الثمار لا يجوز في وجهٍ فـ «لأن النبي ﷺ نهى عن المُزَابنةِ، الثمرِ بالتمرِ، إلا أصحاب العرايا فإنه قد أذن لهم. وعن بيع العنب بالزبيب و [عن] كل ثمر بخرصه» (٢) رواه الترمذي. وقال: هذا حديث حسن. وأما كونه يجوز في وجهٍ وهو للقاضي؛ فلأن حاجة الناس إلى رطب هذه الثمار كحاجتهم إلى الرطب فجاز قياساً على النخل. والأول أصح؛ لما ذكر. وعن زيد بن ثابت عن رسول الله ﷺ «أنه أرخص في بيع العرايا بالرطب أو بالتمر ولم يرخص في غير ذلك» (٣). ولأن الرخصة وردت في تمر النخيل وغيره لا يساويه في كثرة الاقتيات به وسهولة خرصه فيختص الحكم به.

стр. 1270

قال: (ولا يجوز بيع جنس فيه الربا بعضه ببعض، ومع أحدهما أو معهما من غير جنسهما كمد عجوة ودرهم بمدين أو بدرهمين أو بمد ودرهم. وعنه: يجوز بشرط: أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره، أو يكون مع كل واحد منهما من غير جنسه). أما كون ما ذكر لا يجوز على المذهب ويسمى مسألة مُدّ عجوة؛ فلأنه مفض إلى (١) الربا وسيبين إن شاء الله تعالى. وأما كونه يجوز بشرط كون المفرد أكثر من الذي معه غيره كمدين بمد ودرهم، أو يكون مع كل واحد منهما من غير جنسه كمد ودرهم بمد ودرهم على روايةٍ؛ فلأن الزائد في مقابلة غير الجنس. قال المصنف في الكافي: الأول المذهب لما روى فضالة بن عبيد قال: «أُتي رسول الله ﷺ بقلادةٍ فيها ذهب وخَرَزُ ابتاعها [رجل] بتسعةِ دنانير. فقال النبي ﷺ : لا، حتى تميز بينهما» (٢) رواه أبو داود. ولأن الصفقة إذا جمعت (٣) شيئين مختلفي القيمة انقسم الثمن بينهما على قدر قيمتهما. بدليل ما لو اشترى شقصاً وسيفاً فإن الشفيع يأخذ الشقص بقسطه من الثمن. فإذا قسم الثمن على القيمة أدى إلى الربا لأنه إذا باع درهماً ومداً قيمته درهمان بمدين قيمتهما ثلاثة حصل في مقابلة الجيد مد وثلث. قال: (وإن باع نوعي جنس بنوع واحد منه كدينار قراضة وصحيح بصحيحين جاز. أومأ إليه أحمد وذكره أبو بكر، وعند القاضي هي كالتي قبلها). أما كون البيع في هذه المسألة يجوز على ما أومأ إليه الإمام أحمد؛ فلأن النبي ﷺ قال: «الذهب بالذهب مثلاً بمثل» (٤)، والمماثلة المعتبرة المساواة في الوزن. والجودة

стр. 1271

ساقطة لقول النبي ﷺ : «جيدها ورديئها سواء». واختلاف القيمة ينبني على الجودة والرداءة. ولأنه باع ذهباً بذهب متساوياً في الوزن فصح كما لو اتفق النوع. وأما كونها كالتي قبلها فهي كمسألة مد عجوة عند القاضي؛ فلأن الثمن ينقسم على عوضه على حسب اختلافه في قيمته فكان الحكم هنا كما سبق. والأول أصح لما سبق. والثمن إنما ينقسم على المعوض فيما يشتمل على جنسين أو في غير الربويات بدليل ما لو باع نوعاً بنوع يشتمل على جيد ورديء. قال: (ولا يجوز بيع تمر منزوع النوى بما نواه فيه. وفي بيع النوى بتمر فيه النوى، واللبن بشاة ذات لبن، والصوف بنعجة عليها صوف روايتان). أما كون بيع تمر منزوع النوى أي لا نوى فيه بتمر فيه نوى لا يجوز؛ فلأنه يقع النوى فضلة فلا يحصل التساوي. وأما بيع النوى بتمر فيه نوى يجوز في روايةٍ؛ فلأن النوى في التمر غير مقصود ولهذا جاز بيع التمر بالتمر. وأما كونه لا يجوز في روايةٍ؛ فلأن النوى مكيل فإذا باع كيلين نوى بكيل تمر فيه نوى لم يجز لأن التفاضل موجود. ولأنه إذا باع نوى وتمراً بنوى فقد باع جنساً فيه الربا ومعه غيره وقد تقدم فساده. وأما كون بيع اللبن بشاة ذات لبن، وبيع الصوف بنعجة لها صوف فيه الروايتان فلما ذكر في بيع النوى بتمر فيه نوى.

стр. 1272

قال: (والمَرجع في الكيل والوزن إلى عرف أهل الحجاز في زمن النبي ﷺ . وما لا عرف له به ففيه وجهان أحدهما: يعتبر عرفه في موضعه. والآخر: يرد إلى أقرب الأشياء شبهاً به بالحجاز). أما كون المَرجع في الكيل والوزن إلى عرف أهل الحجاز في زمن النبي ﷺ إن كان له عرف؛ فلقوله ﵇: «المكيال مكيال المدينة والميزان ميزان مكة» (١)، والنبي ﷺ إنما يُحمل قوله على تبيين الأحكام. ولأن ما كان مكيلاً في زمن النبي ﷺ انصرف التحريم بتفاضل الكيل إليه فلا يجوز أن يتغير، وهكذا الوزن. وأما كون ما لا عرف له بالحجاز يعتبر عرفه في بلده في وجهٍ؛ فلأن المرجع في القبض والحِرْز والتفرق إلى العرف فكذا هنا. وأما كونه يرد إلى أقرب الأشياء شبهاً به بالحجاز في وجهٍ؛ فلأن الحوادث تُرَدّ إلى الأشبه بالمنصوص عليه فكذا هاهنا. قال المصنف في المغني: هو القياس.

стр. 1273

فصل [في ربا النسيئة] قال المصنف ﵀: (وأما ربا النسيئة: فكل شيئين ليس أحدهما ثمناً، علة ربا الفضل فيهما واحدة؛ كالمكيل بالمكيل والموزون بالموزون لا يجوز النسأ فيهما. وإن تفرقا قبل التقابض بطل العقد). أما كون ربا النسيئة لا يجوز؛ فلأنه ربا فيدخل في الأدلة المذكورة أول الباب، وفي حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ قال: «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق (١) إلا مثلاً بمثل ولا تبيعوا منها غائباً بناجز» (٢). وأما كون كل شيئين ليس أحدهما ثمناً، علة ربا الفضل فيهما واحدة لا يجوز النسأ فيهما؛ فلأن النبي ﷺ قال: «فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم يداً بيد» (٣). وعن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء، والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء» (٤) متفق عليه. وإنما اشترط كون أحدهما ليس ثمناً في كون النسأ لا يجوز لأن أحد العوضين إذا كان من الأثمان والآخر من غيرها جاز النسأ بغير خلاف لأن الشرع رخص في السلم والأصل في رأس ماله الدراهم والدنانير فلو لم يجز النسأ لانسد باب السلم في الموزون.

стр. 1274

وإنما اشترط علة ربا الفضل واحدة؛ لأنها إذا اختلفت كالمكيل بالموزون أو اتفقت كالثياب بالثياب يكون في جواز النسأ خلاف يأتي ذكره بعد إن شاء الله تعالى. وأما قول المصنف ﵀: كالمكيل بالمكيل والموزون بالموزون فإشارة إلى ما فيه علة ربا الفضل على الصحيح من المذهب. ومن جَعَل العلة الثُّمنية والطعم ينبغي أن يمثل بالمطعوم ولا حاجة له إلى قوله: ولم يكن أحدهما ثمناً؛ لأن الثمينة لا تتعدى إلى غير الذهب والفضة، ومن جعلها الوزن والطعم أو الكيل والطعم ينبغي أن يمثل بالتمر وما أشبهه. وأما كون العقد يبطل إذا تفرقا قبل التقابض؛ فلأن ما اشترط قبضه في المجلس يبطل العقد بالتفرق قبله كالصرف. قال: (وإن باع مكيلاً بموزون جاز التفرق قبل القبض، وفي النسأ روايتان). أما كون التفرق قبل القبض فيما ذكر يجوز؛ فلأنه لو لم يجز لكان القبض شرطاً في جميع ما يحرم في النسأ وليس كذلك لأنه لو كان كذلك لما بقي ربا نسيئة لأن العقد يفسد بعدم التقابض، والإجماع منعقد على أن من أنواع الربا ربا النسيئة. وأما كون النسأ فيه لا يجوز في روايةٍ؛ فلأنهما مالان من أموال الربا ليس أحدهما ثمناً فلم يجز النسأ فيهما كالمكيل بالمكيل. وأما كونه يجوز فيه في روايةٍ؛ فلأنه لم يوجد فيه أحد وصفي علة الربا. فجاز النسأ فيه؛ كالثياب بالحيوان. قال: (وما لا يدخله ربا الفضل كالثياب والحيوان يجوز النسأ فيهما. وعنه: لا يجوز. وعنه: لا يجوز في الجنس الواحد كالحيوان بالحيوان، ويجوز في الجنسين كالثياب بالحيوان). أما كون ما لا يدخله ربا الفضل كالثياب والحيوان وما أشبه ذلك مما ليس فيه ربا الفضل المتقدم ذكرها يجوز النسأ فيه على المذهب؛ فلما روى عبدالله بن عمرو قال:

стр. 1275

«أمرني النبي ﷺ أن أستسلف إبلاً فكنت آخذ البعير بالبعيرين إلى مجيء المصدق» (١). [رواه أبو داود] (٢). وإذا جاز في الجنس الواحد ففي الجنسين أولى. وأما كونه لا يجوز فيهما على روايةٍ؛ فلأنه بيع عرض بعرض فلم يجز النسأ فيهما كالعرض الذي يجري فيه ربا الفضل. وأما كونه لا يجوز في الجنس ويجوز في الجنسين على روايةٍ؛ فلأن سمرة روى «أن النبي ﷺ نهى عن بيعِ الحيوانِ بالحيوانِ نَسِيئة» (٣) قال الترمذي: هذا حديث صحيح. وذلك يدل على عدم جواز النسأ في الجنس الواحد بمنطوقه وعلى جوازه في الجنسين بمفهومه. وحكى المصنف ﵀ في الكافي رواية رابعة هي: أن ذلك جائز مع التساوي، غير جائز مع التفاضل في الجنس الواحد؛ لما روى جابر أن النبي ﷺ قال: «الحيوانُ اثنين بواحدٍ لا يصلحُ نسيئاً ولا بأسَ به يداً بيد» (٤) قال الترمذي: هذا حديث حسن. وعن ابن عمر «أن رجلاً قال: يا رسول الله! أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس والنجيبة بالإبل؟ فقال: لا بأس إذا كان يداً بيد» (٥) رواه الإمام أحمد في المسند.

стр. 1276

قال: (ولا يجوز بيع الكالئ بالكالئ وهو بيع الدين بالدين). أما كون بيع الكالئ بالكالئ لا يجوز فـ «لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ» (١). ولأن في ذلك غرراً لأنه ربما وقع ممن الدين في ذمته جحود، أو منع، أو ظهر مفلساً فلا يقدر على تسليمه. وأما قول المصنف ﵀: وهو بيع الدين بالدين فتفسير لبيع الكالئ بالكالئ. قال أبو عبيد بعد ذكر بيع الكالئ بالكالئ: هو النسيئة بالنسيئة.

стр. 1277

فصل [في الصرف] قال المصنف ﵀: (ومتى افترق المتصارفان قبل التقابض أو افترقا عن مجلس السَّلم قبل قبض رأس ماله بطل العقد، وإن قبض البعض ثم افترقا بطل في الجميع في أحد الوجهين، وفي الآخر يبطل فيما لم يقبض). أما كون العقد يطبل إذا افترق المتصارفان قبل التقابض؛ فلأن القبض في المجلس شرط في صحته بغير خلاف. والأصل فيه قوله ﵇: «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء» (١) وقوله: «بيعوا الذهب بالورق» (٢) و «نهى أن يباع غائب منها بناجز» (٣). ولأن الصرف إنما سمي صرفاً لانصراف كل واحد منهما عن صاحبه فإذا لم يحصل التقابض فقد ذهب معنى الصرف. وأما كونه يبطل إذا افترقا عن مجلس السَّلَم قبل قبض رأس ماله؛ فلأن قبض رأس ماله في المجلس لما يأتي في بابه إن شاء الله تعالى (٤). وأما كونه يبطل فيما لم يقبض إذا افترقا قبل قبض البعض فلفوات القبض المشترط. وأما كونه يبطل الباقي ففيه وجهان مبنيان على تفريق الصفقة.

стр. 1278

قال: (وإن تقابضا ثم افترقا فوجد أحدهما ما قبضه رديئاً فرده بطل العقد في إحدى الروايتين، والأخرى إن قبض عوضه في مجلس الرد لم يبطل، وإن رد بعضه وقلنا يبطل في المردود فهل يبطل في غيره؟ على وجهين). أما كون العقد يبطل إذا تصارفا في الذمة وتقابضا ثم افترقا فوجد أحدهما ما قبضه رديئاً فرده في إحدى الروايتين؛ فلأن قبض مال الصرف شرط لما تقدم وقد تبين أنه غير مقبوض. وأما (١) كونه لا يبطل إذا قبض البدل في مجلس الرد في الرواية الأخرى؛ فلأن قبض البدل في مجلس الرد يقوم مقام قبضه في مجلس البيع فوجب كونه مثله. وقول المصنف ﵀: فوجد ما قبضه رديئاً يشمل ما إذا كان من جنس المعقود عليه كالسواد في الفضة والوضوح في الذهب، وما إذا كان العيب من غير جنسه مثل أن يظهر نحاساً أو رصاصاً. واشترط في المغني كون العيب من الجنس فيجب حمل لفظه هنا على ذلك إذا قلنا: قبض البدل يقوم مقام قبضه في مجلس الرد، وإذا قلنا: لا يقوم لا حاجة إلى التفصيل؛ لأن البطلان مشترك بين العينين. وأما كونه يبطل في غير المردود إذا رد البعض لكونه رديئاً، وقيل (٢) يبطل في المردود ففيه وجهان مبنيان على تفريق الصفقة. قال: (والدراهم والدنانير تتعين بالتعيين في العقد في أظهر الروايتين فلا يجوز إبدالها. وإن وجدها معيبة خُيّر بين الإمساك والفسخ، ويتخرج أن يمسك ويطالب بالأرش. وإن خرجت مغصوبة بطل العقد، والأخرى لا تتعين فلا يثبت فيها ذلك). أما كون الدراهم والدنانير تتعين بالتعيين في العقد مثل أن يقول: بعتك هذا الدينار بهذه الدراهم في أظهر الروايتين؛ فلأن ذلك عوض مشار إليه في العقد فوجب أن يتعين كسائر الأعواض. ولأنه أحد العوضين فتعين بالتعيين كالآخر.

стр. 1279

فعلى هذا لا يجوز إبدالها لأن العقد واقع على عينها فإذا أخذ غير ذلك أخذ ما لم يشتره. وإن وجدها معيبة خُيّر بين الإمساك والفسخ كما إذا وجد المبيع معيباً، ولا أرش له مع الإمساك إن كان العقد وقع على مثله كالدراهم بالدراهم والدنانير بالدنانير لأن أخذ الأرش مفض إلى التفاضل المحرم. وخرّج القاضي وجهاً في جواز أخذه في المجلس وعلله بأن الزيادة طرأت بعد العقد. قال المصنف في المغني: ليس لهذا الوجه وجه. وإن وقع العقد على غير مثله كالدراهم والدنانير فله أخذ الأرش في المجلس (١). ذكره المصنف في المغني ولم يحك فيه خلافاً وعلله بأن أكثر ما فيه حصول زيادة من أحد الطرفين ولا يُمنع ذلك في الجنسين. ثم قال: ولذلك أجزنا أخذ الأرش في المبيع. ثم قال: وإن كان بعد التفرق لم يجز لأنه يفضي إلى حصول التفرق قبل قبض أحد العوضين. فعلى هذا يجب حمل كلام المصنف هنا على ما إذا كان العقد مشتملاً على الدراهم والدنانير من الطرفين ليطابق ما ذكره في المغني. وإن خرجت مغصوبة بطل العقد كما لو خرج المبيع مغصوباً. وأما كونها لا تتعين في روايةٍ؛ فلأنه يجوز إطلاق ذلك في العقد فلا تتعين كالمكاييل والصنج. فعلى هذا يجوز إبدالها لأن المقصود يحصل بذلك، وإن وجدها معيبة لم يخير بين الإمساك والفسخ بل له المطالبة بما لا عيب فيه لأن حقه لم يتعين فيها أشبه ما لو كان الصرف في الذمة، وإن خرجت مغصوبة لم يبطل العقد وله المطالبة بالبدل لما ذكر قبل.

стр. 1280

قال: (ويحرم الربا بين المسلم والحربي وبين المسلمين في دار الحرب كما يحرم بين المسلمين في دار الإسلام). أما كون الربا (١) يحرم بين المسلم والحربي؛ فلأن الربا إنما حرم لعلة التفاضل المنهي عنه شرعاً وذلك موجود بين المسلم والحربي كما هو بين المسلم والمسلم. وأما كونه يحرم بين المسلمين في دار الحرب فلعموم قوله سبحانه: ﴿وحرم الربا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقوله ﵇: «من زاد أو ازداد فقد أربا» (٢).

стр. 1281

باب بيع الأصول والثمار قال المصنف ﵀: (ومن باع داراً تناول البيعُ أرضها وبناءها وما يتصل بها لمصلحتها كالسلاليم والرفوف المسمرة والأبواب المنصوبة والخوابي المدفونة والرحا المنصوبة، ولا يدخل ما هو مودع فيها من الكنز والأحجار المدفونة، ولا المنفصل منها كالحبل والدلو والبكرة والقفل والفرش، إلا ما كان من مصالحها كالمفتاح وحجر الرحا الفوقاني فعلى وجهين). أما كون بيع الدار يتناول أرضها وبناءها؛ فلأنهما داخلان في مسمى الدار. وأما كونه يتناول ما يتصل بالدار لمصلحتها؛ فلأنه متصل بها لمصلحتها أشبه حيطانها. وأما قول المصنف ﵀: كالسلاليم ... إلى قوله: والرحا المنصوبة فتعداد لأشياء متصلة بالدار لمصلحتها. وأما كون ما هو مودع فيها من الكنز والأحجار المدفونة لا يدخل في بيع الدار؛ فلأن ذلك مودع فيها للنقل عنها أشبه الفرش والستور. وأما كون المنفصل الذي لا مصلحة للدار فيه كالحبل والدلو والبكرة والقفل والفرش لا يدخل؛ فلأن اللفظ لا يشمله ولا هو من مصلحة المبيع. فلم يدخل؛ كالمودَع فيها. وأما كون ما فيه مصلحة للدار كالمفتاح وحجر الرحا الفوقاني يدخل على وجهٍ؛ فلأنه من مصلحة المبيع. أشبه المتصل بها. وأما كونه لا يدخل على وجهٍ؛ فلأن لفظ الدار لا يتناوله ولا هو متصل لمصلحتها أشبه الفرش والستور.

стр. 1282

قال: (وإن باع أرضاً بحقوقها دخل غراسها وبناؤها في البيع، وإن لم يقل: بحقوقها فعلى وجهين). أما كون الغِراس والبناء يدخلان فيما إذا باع أرضاً بحقوقها؛ فلأن كل واحد منهما تابع للأرض من كل وجه ويُتَّخَذ للبقاء فيه لأنه ليس لانتهائه مدة معلومة. وأما كونهما يدخلان أيضاً إذا لم يقل بحقوقها على وجهٍ؛ فلأنهما من حقوق الأرض بدليل ما لو قال: بحقوقها، وما كان من حقوقها يدخل في الإطلاق كطُرُقها ومنافعها. وأما كونهما لا يدخلان على وجهٍ؛ فلأنهما ليسا من الأرض فلا يدخلان في البيع كالثمرة المؤبرة في بيع الشجرة. ومن نصر الأول قال الثمرة لا تراد للبقاء فليست من حقوقها بخلاف البناء والشجر. قال: (وإن كان فيها زرع يجز مرة بعد أخرى كالرطبة والبقول، أو تتكرر ثمرته كالقثاء والباذنجان فالأصول للمشتري والجزة الظاهرة واللقطة الظاهرة من القثاء والباذنجان للبائع إلا أن يشترطه المبتاع). أما كون الأصول فيما ذكر للمشتري؛ فلأن ذلك ركب للبقاء أشبه الشجر. وأما كون الجزة الظاهرة واللقطة الظاهرة مما ذكر للبائع ما لم يشترطه المشتري؛ فلأنه يؤخذ ثمرته مع بقاء أصله أشبه ثمرة الشجرة المؤبرة. وأما كون ذلك للمبتاع إذا اشترطه؛ فلأنه لو اشترى شجراً عليه ثمر قد أُبِّر واشترطه كان له؛ لقول النبي ﷺ : «من ابتاعَ نخلاً بعد أن تُؤَبَّرَ فثمرتُها للبائعِ إلا أن يشترطهُ المبتاع» (١) فكذا هاهنا لمشاركته لما ذكر معنى الموجب لمشاركته حكماً.

стр. 1283

قال: (وإن كان فيها زرع لا يحصد إلا مرة كالبر والشعير فهو للبائع مبقى إلى الحصاد إلا أن يشترطه المبتاع). أما كون ذلك للبائع ما لم يشترطه المبتاع؛ فلأنه نماء ظاهر، لفصله غاية فلم يدخل في بيع الأرض كالطلع المؤبر. وأما كونه مبقى إلى الحصاد؛ فلأن ذلك هو العرف في نقله فحمل عليه كالثمرة تباع بعد بُدُوّ صلاحها. وأما كونه للمبتاع (١) إذا اشترطه؛ فلأنه بمنزلة الثمر الذي أُبِّر أصله وقد تقدم دليله.

стр. 1284

فصل قال المصنف ﵀: (ومن باع نخلاً مؤبراً. وهو: ما تشقق طلعه فالثمر للبائع [متروكاً في رؤوس النخل إلى الجذاذ] (١) إلا أن يشترطه المبتاع، وكذلك الشجر إذا كان فيه ثمر باد كالعنب والتين والتوت والرمان والجوز. وما ظهر من نوره كالمشمش والتفاح والسفرجل واللوز، وما خرج من أكمامه كالورد والقطن وما قبل ذلك فهو للمشتري. والورق للمشتري بكل حال. ويحتمل في ورق التوت المقصود أخذه أنه إن تفتح فهو للبائع وإن كان حباً فهو للمشتري. وإن ظهر بعض الثمرة فهو للبائع وما لم يظهر فهو للمشتري. وقال ابن حامد: الكل للبائع). أما كون ثمر النخل المؤبر للبائع إذا لم يشترطه المبتاع فلما تقدم من أن رسول الله ﷺ قال: «من ابتاع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترطه المبتاع» (٢) رواه الأئمة منهم البخاري وأبو داود.

стр. 1285

وأما كونه يُتْرك في رؤوس النخل إلى الجذاذ؛ فلأن العرف أن ذلك لا يقطع عند بيعه بل عند استحكام نضجه وصلاحيته للأكل. وأما قول المصنف ﵀: وهو ما تشقق طلعه فتفسير للنخل المؤبر. والتأبير في اللغة: التلقيح، وقيل: هو ظهور الثمرة من جف الطلع. والأول أكثر وأشهر. قال المصنف في المغني: إلا أن الحكم متعلق بالظهور دون التلقيح بغير خلاف، ولذلك فسّره هنا بما تشقق طلعه. وأما كون الشجر الذي فيه ثمر باد كالعنب والتين والتوت والرمان والجوز كالنخل؛ فلأن بُدُوّ ذلك من شجره بمنزلة ظهور الرطب من طلعه. وأما كون ما ظهر من نوره كالمشمش والتفاح والسفرجل واللوز والأجاص والخوخ للبائع وما لم يظهر للمشتري؛ فلأن ظهوره من ذلك كظهوره من الطلع وعدم ظهوره كعدم ظهوره فيجب أن يعطى حكمه. وقال القاضي: يحتمل أن يكون للبائع بظهور نوره لأن الطلع إذا تشقق كان كنور الشجر. والأول أولى لأن الذي في الطلع عين التمر بخلاف النور فإنه يتساقط والثمر غيره. وأما كون ما يخرج من أكمامه كالورد والياسمين والقطن والبنفسج للبائع؛ فلأن خروجه من أكمامه كظهور الثمرة من الطلع وما ظهر من الطلع فهو للبائع. فكذلك ما هو في معناه. وأما كون ما قبل ذلك كله للمشتري؛ فلأن تقييد ما تقدم ذكره بما ذكر يدل على نفي الحكم عند عدمه. ولأن ذلك تبع الأصل فوجب أن يكون للمشتري بكل حال كالأصل (١). وأما كون الورق الذي لا يقصد أخذه كورق المشمش والجوز وما أشبههما للمشتري بكل حال بلا خلاف في المذهب؛ فلأنه ليس بثمر ولا يقصد أخذه فكان تابعاً للأصل.

стр. 1286

وأما كون ما يقصد أخذه كورق التوت للمشتري على المذهب فبالقياس على سائر الورق. وأما كونه يحتمل أنه إن تفتح فهو للبائع وإن كان حباً فهو للمشتري؛ فلأنه بمنزلة الثمر. وأما كون ما ظهر من الثمرة للبائع وما لم يظهر للمشتري على المذهب؛ فلأن الحديث المتقدم دل بمنطوقه على أن المؤبر للبائع وما لم يؤبر للمشتري. وأما كون الكل للبائع على قول ابن حامد؛ فلأنه إذا لم يحصل الكل للبائع أدى إلى الإضرار باشتراك الأيدي في البستان. ولأن الباطن يتبع الظاهر كأساسات الحيطان. قال: (وإن احتاج الزرعُ أو الثمرة إلى سقي لم يلزم المشتري ولم يملك منع البائع منه). أما كون المشتري لا يلزمه سقي زرع البائع ولا ثمرته؛ فلأنه لا يلزمه تسليم ذلك إليه. فإن قيل: لو كانت الثمرة للمشتري على أصل البائع لزمه السقي فما الفرق؟ قيل: الفرق بينهما أن ثمرة المشتري التي على أصل البائع عليه تسليمها إليه بخلاف ما ذكر. وإلى ذلك وقعت الإشارة في الدليل. وأما كون المشتري لا يملك منع البائع من السقي؛ فلأن ذلك مما يبقى به فلزمه تمكينه منه كتركه على الأصول.

стр. 1287

وقيد المصنف السقي بالحاجة لأن السقي لغير حاجة يملك المشتري منعه منه لأنه سفه يتضمن التصرف في ملك غيره. وأطلق الحاجة وظاهره أنه لا يملك المنع سواء كان يضر ذلك بالشجر أو لا. وصرح به المصنف في المغني وعلله بأنه دخل في العقد على ذلك لأن العقد اقتضى التبقية.

стр. 1288

فصل [في بيع الثمرة قبل بدو صلاحها] قال المصنف ﵀: (ولا يجوز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، ولا الزرع قبل اشتداد حبه إلا بشرط القطع (١) في الحال، ولا بيع الرطبة والبقول إلا بشرط جزه، ولا القثاء ونحوه إلا لقطة لقطة إلا أن يبيع أصله، والحصاد واللقاط على المشتري فإن باعه مطلقاً أو بشرط التبقية لم يصح). أما كون بيع الثمرة قبل بدو صلاحها لا يجوز إذا لم يشترط القطع في الحال فـ «لأن النبي ﷺ نهى عن بيعِ الثمارِ حتى يَبدُو صَلاحَها، نَهى البائعَ والمشتري» (٢) متفق عليه. والنهي يقتضي الفساد. وأما كونه يجوز بشرط القطع في الحال؛ فلأن النهي إنما كان خوفاً من تلف الثمرة وحدوث العاهة عليها قبل أخذها بدليل ما روي «أن النبي ﷺ نَهى عن بيعِ الثمارِ حتى تُزْهِي. قال: أرأيتَ إذا منعَ الله الثمرةَ، بمَ يأخذُ أحدُكُمْ مالَ أخيه» (٣) رواه البخاري. وهذا مأمون فيما يشترط قطعه فجاز بيعه كما لو بدا صلاحه. وأما كون بيع الزرع قبل اشتداد حبه لا يجوز إذا لم يشترط القطع فلما روى عمر «أن النبي ﷺ نَهى عن بيعِ السنبلِ حتى يَبْيضَّ ويأمنَ العَاهَة» (٤) رواه مسلم.

стр. 1289

وروي عنه «أنه ﵇ (١) نَهى عن بيعِ الحبِ حتى يَشتد» (٢) رواه الترمذي. وأما كونه يجوز إذا شرط القطع فلزوال معنى النهي بدليل قوله: «ويأمن العاهة» (٣). وأما كون بيع الرطبة والبقول لا يجوز إلا بشرط جز الظاهر منه؛ فلأن ما في الأرض مستور مغيب وما يحدث منه معدوم فلم يجز بيعه كبيع ما يحدث من الثمرة. وأما كون بيع ما ظهر منه يجوز بشرط جزه؛ فلأنه مبيع معلوم لا جهالة فيه ولا غرر أشبه ما جاز بيعه من غيره. وأما كون بيع القثاء والباذنجان لا يجوز إلا لقطة لقطة؛ فلأن الزائد على ذلك ثمر لم يخلق فلم يجز بيعه أشبه ما لو باع ذلك قبل ظهور شيء منه. وأما كون بيع ذلك لقطة لقطة يجوز؛ فلأنه مبيع معلوم لا جهالة فيه ولا غرر أشبه ما تقدم. وأما قول المصنف ﵀: إلا أن يبيع أصله فيحتمل أن يعود إلى قوله: ولا بيع الرطبة وما بعده لقربه منه، ويحتمل أن يعود إلى بيع الثمرة قبل بدو صلاحها وما بعده وهو الظاهر (٤) إذ الاستثناء المتعقب جملاً يعود إلى كلها لا سيما إذا طابق الحكم.

стр. 1290

فعلى هذا يجوز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها إذا بيعت مع الشجرة لأن النبي ﷺ قال: «من باع نخلاً قبل أن تؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترطه المبتاع» (١)، وبيع الزرع قبل اشتداده إذا بيع مع الأرض لأنه بمنزلة الثمر على الشجر. ومثل ذلك بيع الرطبة والبقول لأنه في معناه، وبيع القثاء والباذنجان مع أصولهما لأن ذلك أصل يتكرر ثمره أشبه الشجر. وأما كون الحصاد واللقاط على المشتري؛ فلأن ذلك من مؤونة نقلها أشبه ما لو اشترى طعاماً في دار فإن الأجرة على المشتري. وفارق هذا الكيال في المكيل والوزان في الموزون من حيث إن أجرة ذلك على البائع لأن ذلك من مؤونة تسليم المبيع إلى المشتري وهاهنا حصل التسليم بدون القطع واللقاط بدليل جواز بيعها والتصرف فيها بدون ذلك. وأما كون بيع ذلك كله مطلقاً وبشرط التبقية لا يصح فلما تقدم من الأدلة الدالة على اشتراط ما تقدم ذكره من بُدُوّ صلاحٍ واشتداد حبٍّ وشرط جز والبيع لقطة لقطة. قال: (وإن اشترط القطع ثم تركه حتى بدا صلاح الثمرة وطالت الجزة وحدث ثمرة أخرى فلم تتميز، أو اشترى عرية ليأكلها رطباً فأثمرت بطل البيع. وعنه: لا يبطل ويشتركان في الزيادة. وعنه: يتصدقان بها). أما كون البيع فيما ذكر يبطل على المذهب فـ «لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمرة قبل بُدوّ صلاحها» (٢). استثني منه ما اشتراه بشرط القطع فقطع بالإجماع فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل. ولأن التبقية معنى حرم اشتراطها لحق الله تعالى فأبطل العقد تحققها كالنسيئة فيما يحرم فيه النسأ.

стр. 1291

وأما كونه لا يبطل على روايةٍ؛ فلأن أكثر ما فيه اختلاط المبيع بغيره أشبه ما لو اشترى حنطة فانهالت عليها أخرى أو ثوباً فاختلط بثوب آخر. والأول أصح قاله القاضي ووجهه ما مر. ولأن القضاء بالصحة يفضي إلى اتخاذ ذلك وسيلة إلى الشراء للقطع ثم يترك وذلك حرام كبيع العينة. وأما كون المشتري والبائع يشتركان في الزيادة على القول بأن البيع لا يبطل على روايةٍ فلحصولها في ملكهما لأن ملك المشتري الثمرة وملك البائع الأصل وهما سبب الزيادة. وقال القاضي: الزيادة للمشتري كالعبد إذا سمن. وحمل قول أحمد على الاستحباب. وأما كونهما يتصدقان بها على روايةٍ فلاشتباه الأمر فيها. وطريق العلم بالزيادة ليشتركان فيها أو يتصدقان بها أن ينظر كم المبيع حين الشراء؟ وكم قيمته بعد حدوث ما ذكر؟ وما بينهما يشتركان فيه أو يتصدقان به على ما مضى تقريره. فإن جهلت القيمة وُقِف الأمر حتى يُعلم أو يصطلحا على شيء. فإن قيل: على القول بأن البيع يبطل. قيل: الزيادة للبائع مع الأصل لأن النماء تبع لأصله. وعنه: يتصدقان بالزيادة لما ذكر في المشتري. قال: (وإذا بدى الصلاح في الثمرة واشتد الحب جاز بيعه مطلقاً وبشرط التبقية. وللمشتري تبقيته إلى الحصاد والجذاذ، ويلزم البائع سقيه إن احتاج إلى ذلك وإن تضرر الأصل). أما كون بيع ما ذكر مطلقاً وبشرط التبقية يجوز؛ فلأن «نهي النبي ﷺ عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها» (١) و «عن بيع الحب حتى يشتد» (٢) يدل بمفهومه على

стр. 1292

جواز البيع بعد بدو الصلاح وعن بيع الحب قبل اشتداده لأجل خوف التلف وهذا المعنى مفقود هنا. وأما كون المشتري لذلك له تبقيته إلى الحصاد والجذاذ؛ فلأن النقل والتحويل يجب اعتباره بالعرف، والعرف يقضي بالترك إلى الحصاد والجذاذ لأنه حينئذ أوان الانتفاع به. وأما كون البائع يلزمه سقيه إن احتاج إليه؛ فلأنه يجب عليه تسليم ذلك كاملاً ولا يكون ذلك إلا بالسقي. فإن قيل: فلم قلتم إذا باع الأصل وعليه ثمرة للبائع لا يلزم المشتري سقيها؟ قيل: لأن المشتري وإن كان صاحب الأصل إلا أنه لا يلزمه تسليم الثمرة لأن البائع لم يملكها من جهته وإنما بقي ملكه عليها بخلاف مسألتنا. وصرح المصنف ﵀: بأن السقي لازم وإن تضرر الأصل لئلا يتوهم سقوطه عند ذلك. وإنما لم يعتبر ضرر البائع لأنه دخل على ذلك. قال: (وإن تلفت بجائحة من السماء رجع على البائع. وعنه: إن أتلفت الثلث فصاعداً ضمنه البائع، وإلا فلا. وإن أتلفه آدمي خُيّر المشتري بين الفسخ والإمضاء ومطالبة المتلِف). أما كون المشتري يرجع على البائع بما تلف بجائحة فـ «لأن النبي ﷺ أمرَ بوضعِ الجَوائِح» (١)، وعنه ﵇ أنه قال: «إن بعت من (٢) أخيك ثمراً ثم أصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً. بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ » (٣) رواه مسلم. وعنه ﵇: «من باع ثمراً فأصابته جائحة فلا تأخذ من مال أخيك شيئاً. علام يأخذ أحدكم مال أخيه المسلم» (٤) رواه أبو داود وابن ماجة.

стр. 1293

ولأن التخلية في الشجر ليس بقبض تام فوجب كونه من ضمان البائع كالذي لم يقبض. ولأن الثمرة في الشجر كالمنافع في الإجارة تؤخذ حالاً فحالاً. ثم لو تلفت المنافع قبل استيفائها كانت من ضمان الآجر فكذا هاهنا. وأما كونه يرجع من غير فرق بين القليل والكثير على المذهب؛ فلأن الأحاديث المتقدمة تشملها. وأما كون الجائحة إن أتلفت الثلث فصاعداً يضمنه البائع فلما تقدم، وإن أتلفت دون الثلث لم يضمنه على روايةٍ؛ فلأنه لا بد أن يأكل الطير منها وتنثر الريح وتسقط ولا بد من ضابط فوجب أن يكون الثلث لأن ذلك قد اعتبره الشرع في مواضع منها: الوصية والعطية وتساوي جراح المرأة الرجل. قال الإمام أحمد: يستعمل الثلث في سبع عشرة مسألة. ولأن الثلث داخل في حد الكثرة دليله قوله ﵇: «الثلث والثلث كثير» (١). وما دونه داخل في حد القلة لأن ما دونه لو دخل في حد الكثرة لقدّره النبي ﷺ به. وأما كون الجائحة كل آفة لا صنع للآدمي فيها؛ فلما روى جابر «أن النبي ﷺ قضى في الجائحة تكون في البرد والجراد والحتف والسيل وفي الريح» (٢). وجه الحجة منه: أن الراوي فسر كلام النبي ﷺ فوجب الرجوع إليه لأنه أعلم بمراده وأفهم لكلامه. وأما كون المشتري يخير بين الفسخ والإمضاء ومطالبة المتلف فيما إذا أتلف ذلك آدمي؛ فلأن ذلك شيء أتلفه آدمي قبل تكامل قبضه فثبت للمشتري الخيرة المذكورة أشبه الآدمي إذا أتلف المبيع قبل قبضه.

стр. 1294

ولأن المشتري أمكنه الرجوع ببدل المتلف فلا حاجة إلى الرجوع على البائع. قال: (وصلاح بعض ثمرة الشجرة صلاح لجميعها، وهل يكون صلاحاً لسائر النوع الذي في البستان؟ على روايتين). أما كون صلاح بعض الثمرة صلاحاً لجميع ما في الشجرة؛ فلأنه لو لم يكن كذلك لأدى بيع ما بدى صلاحه إلى الضرر والمشقة وسوء المشاركة. وأما كون صلاح نوع صلاحاً لسائر النوع الذي في البستان على روايةٍ فلما ذكر. وأما كونه لا يكون صلاحاً على روايةٍ؛ فلأن النبي ﷺ جعل بُدُوّ الصلاح في ثمر النخل أن يحمر أو يصفر، وفي العنب أن يسودّ (١) ولم يوجد ذلك. قال: (وبدوّ الصلاح في ثمر النخل أن يحمر أو يصفر، وفي العنب أن يتموه، وفي سائر الثمر أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله). أما كون بدو الصلاح في ثمر النخل أن يحمر أو يصفر فـ «لأن النبي ﷺ نهى أن تباع الثمرة حتى تزهو. قيل: وما تزهو؟ قال: تحمارّ أو تصفارّ» (٢) رواه البخاري. وأما كون بدو صلاح العنب أن يتموه فـ «لأن النبي ﷺ نَهى عن بيعِ العنبِ حتى يَسْوَد» (٣) رواه الترمذي.

стр. 1295

وأما كون بدو الصلاح في سائر الثمار أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله؛ فـ «لأن النبي ﷺ نَهى عن بيع الثمرِ حتى يَطيب» (١) متفق عليه.

стр. 1296

فصل [فيمن باع عبدا وله مال] قال المصنف ﵀: (ومن باع عبداً له مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، فإن كان قصده المال اشترط علمه وسائر شروط المبيع، وإن لم يكن قصده المال لم يشترط، وإن كانت عليه ثياب فقال أحمد: ما كان للجمال فهو للبائع وما كان للبس المعتاد فهو للمشتري). أما كون مال العبد المبيع لبائعه إلا أن يشترطه المبتاع؛ فلأن النبي ﷺ قال: «من باع عبداً له مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع» (١) رواه مسلم وأبو داود وابن ماجة. وأما كون العلم بالمال وسائر شروط المبيع يشترط إذا كان قصد المشتري المال؛ فلأنه مبيع مقصود أشبه ما لو ضم إلى العبد عبداً آخر. وأما كون ذلك لا يشترط إذا لم يكن قصد المشتري المال؛ فلأن المال داخل تبعاً فلم يشترط ذلك كأساسات الحيطان.

стр. 1297

وأما كون ثياب العادة للمشتري دون ثياب الجمال؛ فلأن ثياب العادة يتعلق بها مصلحة العبد وحاجته إذ لا غنى له عنها فجرى مجرى مفاتيح الدار بخلاف ثياب الجمال فإنها زائدة على العادة ولم تجر العادة بالمسامحة فيها فجرى مجرى الستور في الدار.

стр. 1298

باب السلم السلم جائز بالكتاب والسنة والإجماع والمعنى: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة: ٢٨٢]. روي عن ابن عباس أنه قال: «أشهد أن السلف المضمون إلى أجلٍ مسمى قد أحلهُ اللهُ في كتابهِ وأذنَ فيه ثم قرأ هذه الآية» (١). وأما السنة فما روى ابن عباس عن رسول الله ﷺ «أنه قدمَ المدينةَ وهم يُسْلِفُونَ في الثمارِ السنتينِ والثلاث. فقال: من أسلفَ فليسلف في كيلٍ معلومٍ ووزنٍ معلومٍ إلى أجلٍ معلوم» (٢). وعن عبدالله بن أبي أوفى وعبدالرحمن بن أبزى أنهما قالا: «كنا نصيب المغانم مع رسول الله ﷺ فكان يأتينا أنباط من أنباط الشام فنسلفهم في الحنطة والشعير والزبيب. فقيل: أكان لهم زرع أم لم يكن؟ قالا: ما كنا نسألهم عن ذلك» (٣) رواه البخاري. وأما الإجماع فقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلف جائز. وأما المعنى؛ فلأن المثمن في البيع أحد عوضي العقد فجاز أن يثبت في الذمة كالثمن. ولأن بالناس حاجة إليه لأن أرباب الزرع والثمار يحتاجون إلى النفقة عليها لتكمل فجوز لهم السلم ليرتفقوا أو يرتفق المسلم بالمسلم بالاسترخاص.

стр. 1299

قال المصنف ﵀: (وهو: نوع من البيع يصح بألفاظه وبلفظ السَّلَم والسَّلَف). أما كون السلم نوعاً من البيع؛ فلأنه بيع إلى أجل فيدخل في البيع لأنه يشمله وغيره. وأما كونه يصح بألفاظ البيع؛ فلأنه بيع حقيقة. وأما كونه يصح بلفظ السلم والسلف؛ فلأنهما موضوعان للبيع الذي عجل ثمنه وأجل مثمنه. قال: (ولا يصح إلا بشروط سبعة: أحدها: أن يكون فيما يمكن ضبط صفاته كالمكيل والموزون والمذروع، فأما المعدود والمختلف كالحيوان والفواكه والبقول والجلود والرؤوس ونحوها ففيه روايتان). أما كون السلم لا يصح إلا بشروط سبعة فلما يأتي ذكره في مواضعها. وأما كون أحدها: أن يكون السلم فيما يمكن ضبط صفاته؛ فلأن ما لا يمكن ضبط صفاته يختلف اختلافاً كثيراً وذلك وسيلة إلى المنازعة والمشاقة المطلوب عدمها. وأما قول المصنف ﵀: كالمكيل والموزون والمذروع فإشارة إلى أن ذلك كله مما يمكن ضبط صفاته والمكيل كالحنطة والشعير والزبيب وما أشبه ذلك والموزون كالحديد والرصاص والنحاس وما أشبه ذلك، والمذروع كالثياب وما أشبه ذلك. وأما كون السلم في المكيل والموزون مما ذكر وشبهه يصح؛ فلأن بعضه منصوص عليه والباقي في معناه فيقاس عليه. ولأن ما ذكر ضبطه ممكن فلم يؤد إلى المنازعة المانعة من الصحة. وأما كون المعدود المختلف كالحيوان وبقية ما ذكره المصنف ﵀ يصح السلم فيه في روايةٍ: أما في الحيوان؛ فلأن أبا رافع قال: «استسلف النبي ﷺ من رجل بَكْراً» (١) رواه مسلم.

стр. 1300

وعن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: «أمرني رسول الله ﷺ أن أبتاع البعير بالبعيرين وبالأبعرة إلى مجيء المصدق» (١). ولأن ذلك يثبت في الذمة صداقاً فيثبت في السلم كالثياب. وأما في بقية ما ذكر؛ فلأنه يساوي الحيوان معنى فوجب أن يساويه حكماً. وأما كونه لا يصح في روايةٍ: أما في الحيوان فلما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: «إن من الربا أبواباً لا تخفى، وإن منها السَّلَم في السن» (٢). وأما في بقية ما ذكر فلما ذكر قبل. وظاهر المذهب أن السلم في ذلك يصح قاله المصنف في المغني. قال: (وفي الأواني المختلفة الرؤوس والأوساط؛ كالقماقم والأسطال الضيقة الرؤوس، وما يجمع أخلاطاً متميزة؛ كالثياب المنسوجة من نوعين وجهان). أما كون السلم في المختلفة الرؤوس كما ذكر لا يصح في وجهٍ؛ فلأن الصفة (٣) لا تأتي على ذلك. وأما كونه يصح في وجهٍ؛ فلأن التفاوت في ذلك يسير. وأما كون ما يجمع أخلاطاً متميزة كالثوب المنسوج من قطن وكتان أو إبريسم يصح السلم فيه في وجهٍ؛ فلأن ضبطه ممكن. وأما كونه لا يصح في وجهٍ؛ فلأنه يجمع أخلاطاً أشبه الغالية. والأول أصح. قاله المصنف في الكافي. ودليله ما تقدم. والفرق بين ما ذكر وبين الغالية أن ما ذكر يجمع أخلاطاً متميزة بخلاف الغالية.
следующие страницы →