← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

قال: (ويصح ضمان الحالّ مؤجلاً. وإن ضمن المؤجل حالاًّ لم يلزمه قبل أجله في أصح الوجهين). أما كون ضمان الحال مؤجلاً يصح؛ فلما روى ابن عباس «أن رجلاً لزمَ غَريماً له بعشرة دنانير على عهد رسول الله ﷺ . فقال: ما عندي شيء أعطيكه. فقال: والله لا فارقتك حتى تَقضيَني أو تَأتيَني بِحَمِيلٍ. فجرّه إلى النبي ﷺ . فقال له (١) النبي ﷺ : كَم تَستنظِرُه؟ قال: شهراً. قال رسول الله ﷺ : فأنا أحملُ. فجاءهُ في الوقتِ الذي قال النبي (٢) ﷺ . فقال له النبي ﷺ : من أين أصبتَ هذا؟ قال: من مَعدن. قال: لا خيرَ فيها. وقضاها عنه» (٣). ولأنه ضمن مالاً بعقد مؤجل. فكان مؤجلاً؛ كالبيع. فإن قيل: الدين الحالّ لا يتأجل فكيف يتأجل على الضامن؟ أم كيف يثبت في ذمة الضامن على غير الوجه الذي يثبت في ذمة المضمون عنه؟ قيل: الحق (٤) يتأجل في ابتداء ثبوته إذا كان ثبوته بعقد، وهذا ابتداء ثبوته في حق الضامن فإنه لم يكن ثابتاً عليه حالاً. ويجوز أن يخالف ما في ذمة المضمون عنه بدليل: ما لو مات المضمون عنه والدين مؤجل. وأما كونه إذا ضمن المؤجل حالاً لا يلزمه قبل أجله في وجهٍ؛ فلأن الضامن فرع المضمون عنه، فلا يستحق مطالبته دون أصله. ولأن المضمون عنه لو ألزم نفسه تعجيل ذلك لم يلزمه فلأن لا يلزم الضامن أولى.

стр. 1367

ولأن الضمان التزام دين ثابت في الذمة، فلا يجوز أن يلزمه ما ليس بلازم للمضمون عنه. وأما كونه يلزمه قبل أجله في وجهٍ؛ فلأن مقتضى صحة الضمان ذلك.

стр. 1368

فصل في الكفالة الكفالة بالبدن صحيحة بالكتاب والمعنى: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم﴾ [يوسف: ٦٦]. وأما المعنى؛ فلأن الحاجة داعية إلى الاستيثاق بضمان المال أو بالبدن وضمان المال يمتنع منه كثير من الناس فلو لم تجز الكفالة بالبدن لأدى إلى الحرج وعدم المعاملات المحتاج إليها. قال المصنف ﵀: (وهي التزام إحضار المكفول به. وتصح ببدن من عليه دين وبالأعيان المضمونة). أما قول المصنف ﵀: وهي التزام إحضار المكفول به؛ فبيان لمعنى الكفالة. وأما كون الكفالة التزام إحضار المكفول به؛ فلأن الواقع عليه العقد هو الملتزم إحضاره والعقد في الكفالة واقع على بدن المكفول به فكان إحضاره هو الملتزم به كالضمان فإن العقد لما كان واقعاً على المال كان ذلك المال هو الملتزم به. فكذلك هاهنا. وأما كون الكفالة ببدن من عليه دين تصح؛ فلأن الدين حق مال. فصحت الكفالة به؛ كالضمان. وأما كونها بالأعيان المضمونة كالغصوب والعواري يصح؛ فلأن ضمانها صحيح. فكذلك الكفالة بها. ولأن الكفالة بالأعيان أولى من الكفالة بالبدن؛ لأن الكفالة بالبدن ذريعة إلى حصول المقصود، والكفالة بالأعيان متعلقة بالمقصود، فإذا صحت فيما هو ذريعة إلى المقصود فلأن تصح بما هو المقصود بطريق الأولى.

стр. 1369

قال: (ولا تصح ببدن من عليه حد أو قصاص، ولا بغير معين كأحد هذين). أما كون الكفالة ببدن من عليه حد لا تصح فلما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ أنه قال: «لا كفالة في حد» (١). ولأن الكفالة استيثاق يلزم الكفيل ما على المكفول عند تعذر إحضاره والحدود مبناها على الإسقاط والدرء بالشبهات فلا يدخل فيها الاستيثاق ولا يمكن استيفاؤها من غير الجاني. وأما كونها ببدن من عليه قصاص لا تصح؛ فلأنه بمنزلة من عليه حد معنى فليكن بمنزلته حكماً. وأما كونها بغير معين كأحد هذين لا يصح؛ فلأن المكفول به مجهول لا يعلم في الحال ولا في المآل بخلاف ضمان المجهول فإنه إن لم يمكن معرفته في الحال يمكن معرفته في المآل. قال: (وإن كفل بجزء شائع من إنسان أو عضو، أو كفل بإنسان على أنه إن جاء به وإلا فهو كفيل بآخر أو ضامن ما عليه صح في أحد الوجهين). أما كون الكفالة بجزء شائع من إنسان كثلثه أو ربعه يصح؛ فلأنه لا يمكنه إحضار ذلك إلا بإحضار الكل. وأما كونها بعضو كيده أو رجله أو ما أشبههما يصح؛ فلأنه لا يمكنه إحضاره على صفته إلا بإحضار الكل. وأما كونها إذا كفل بإنسان على أنه إن جاء به وإلا فهو كفيل بآخر أو ضامن ما عليه يصح؛ فلأن ذلك كفالة أو ضمان فصح تعليقه على شرط كضمان العهدة. وأما قول المصنف ﵀: في أحد الوجهين فإشارة إلى الخلاف والخلاف في الصور الثلاث: أما الصحة فقد تقدم دليلها، وأما عدم الصحة: أما في الجزء الشائع والعضو؛ فلأن تسليم ذلك وحده متعذر والسراية ممتنعة، وأما في الصور الثلاثة؛ فلأنه تعليق عقد على آخر. فلم يصح؛ كالبيع المعلق على آخر.

стр. 1370

وقال المصنف ﵀ في المغني: قال القاضي: ولا تصح الكفالة ببعض البدن بحال؛ لأن ما لا يسري لا يصح إذا خص به عضو كالبيع والإجارة. وظاهر قول القاضي: أنه لا تصح الكفالة بالجزء الشائع ولا بالعضو؛ لأنه قال: لا تصح ببعض البدن، وما ذكره من التعليل لا يدل على عدم الصحة في الجزء الشائع؛ لأن بيع ذلك وإجارته جائزة. ولم يفرّق المصنف ﵀ في العضو بين كونه مما لا يبقى البدن بدونه؛ كالرأس والكبد، ولا بين كونه يبقى؛ كاليد والرجل. وذكر في الكافي: إذا تكفل بوجهه صح، ولم يحك فيه خلافاً. وهو الظاهر الذي ينبغي حمل كلامه هاهنا عليه؛ لأن الوجه يكنى به عن الكل فصح كما لو تكفل ببدنه. وحكى في الكافي أيضاً وجهاً ثالثاً في الفرق بين ما لا يبقى البدن بدونه؛ كالرأس، وبين ما يبقى؛ كاليد وشبهها. قال: (ولا تصح إلا برضا الكفيل. وفي رضا المكفول به وجهان). أما كون الكفالة لا تصح إلا برضا الكفيل؛ فلأنه لا يلزمه الحق ابتداء إلا برضاه. وأما كونها لا تصح إلا برضا المكفول به في وجهٍ؛ فلأن مقصودها إحضاره فإذا تكفل بغير إذنه لم يلزمه الحضور معه. وأما كونها تصح بدونه في وجهٍ؛ فبالقياس على الضمان. والأولى أولى؛ لما ذكر. وبه يظهر الفرق بين الكفالة وبين الضمان؛ لأن مقتضى الكفالة إحضار المكفول به فإذا كان بغير إذنه لم يلزمه الحضور فلا يحصل مقصود الكفالة. والضمان تمكين الضامن أن يقضي الدين ولا يحتاج إلى المضمون عنه. قال: (ومتى أحضر المكفول به وسلمه برئ إلا أن يحضره قبل الأجل وفي قبضه ضرر). أما كون الكفيل إذا أحضر المكفول به وسلمه إلى المكفول له عند الأجل أو بعده يبرأ؛ فلأن المسلَم فيه لو أحضره المسلَم إليه عند الأجل أو بعده لزم قبوله فكذا هاهنا؛ لأنه في معناه.

стр. 1371

وأما كونه إذا أحضره قبل الأجل وفي قبضه ضرر لا يبرأ؛ فلأن المسلَم فيه لو أحضره المسلَم إليه قبل وقته وفي قبضه ضرر لم يلزمه قبلوه فكذا هاهنا؛ لأنه في معناه أيضاً. قال: (وإن مات المكفول به، أو تلفت العين بفعل الله تعالى، أو سلّم نفسه برئ الكفيل). أما كون الكفيل يبرأ بموت المكفول به؛ فلأن الحضور سقط عن المكفول به. فبرئ كفيله؛ كما لو برئ من الدين. ولأن (١) ما التزمه من أجله سقط عن الأصل فبرئ الفرع كالضامن إذا قضى المضمون عنه الدين. وأما كونه يبرأ بتلف العين بفعل الله تعالى؛ فلأن تلف العين بمنزلة موت المكفول به. وقيد المصنف ﵀ التلف بكونه بفعل الله تعالى؛ لأنه لو كان بفعل آدمي وجب على المتلف بدلها. قال: (وإن تعذر إحضاره مع بقائه لزم الكفيل الدين أو عوض العين. وإن غاب أمهل الكفيل بقدر ما يمضي فيحضره، فإن تعذر إحضاره ضمن ما عليه). أما كون الكفيل يلزمه الدين أو عوض العين إذا تعذر إحضار المكفول به مع بقائه؛ فلعموم قوله ﵇: «الزعيم غارم» (٢). ولأن الكفالة بالبدن أحد نوعي الكفالة. فوجب الغرم بها؛ كالضمان. وأما كونه يمهل بقدر ما يمضي فيحضر المكفول به إذا غاب؛ فلأنه لا يمكن إحضاره إلا بذلك. وأما كونه يضمن ما عليه إذا تعذر إحضاره؛ فلما تقدم.

стр. 1372

قال: (وإذا طالب الكفيل المكفول به بالحضور معه لزمه ذلك إن كانت الكفالة بإذنه، أو طالبه صاحب الحق بإحضاره، وإلا فلا). أما كون المكفول به يلزمه الحضور مع الكفيل إذا طالبه بذلك وكان قد كفله بإذنه؛ فلأنه شغل ذمته من أجله بإذنه. فكان عليه تخليصها؛ كما لو استعار عبده فرهنه بإذنه كان للسيد مطالبته بتخليصه. وأما كونه يلزمه ذلك إذا طالبه صاحب الحق بإحضاره؛ فلأن طلبه منه توكيل له في إحضاره. فلزمه الحضور معه؛ كما لو صرح له بالوكالة. وأما كونه لا يلزمه ذلك إذا كان قد كفله بغير إذنه ولم يطلبه منه صاحب الحق؛ فلأن المكفول لم يشغل ذمته. وإنما شغلها الكفيل باختياره مع أنه ليس بوكيل. قال: (وإذا كفل اثنان برجل فسلمه أحدهما لم يبرأ الآخر. وإن كفل واحد لاثنين فأبرأه أحدهما لم يبرأ من الآخر). أما كون أحد الكفيلين لا يبرأ بتسليم صاحبه المكفول به؛ فلأن إحدى الوثيقتين انحلت من غير استيفاء. فلم تنحل الأخرى؛ كما لو أبرأ أحدهما أو انفك أحد الرهنين من غير قضاء الحق. وفارق هذا ما إذا سلم المكفول به نفسه من حيث إنه أصل لهما فإذا برئ الأصل برئ فرعاه، وكل واحدٍ من الكفيلين ليس فرعاً للآخر فلم يبرأ ببراءته. وكذلك لو أبرأ المكفول به برئ كفيلاه، ولو أبرأ أحد الكفيلين برئ وحده دون صاحبه. وأما كون الكفيل الواحد لاثنين لا يبرأ إذا أبرأه أحد المكفول لهما؛ فلأن عقد الواحد مع الاثنين بمنزلة العقدين فإذاً يكون قد التزم إحضاره عند كل واحدٍ منهما، فإذا

стр. 1373

أبرأه أحدهما برئ منه وبقي حق الآخر كما لو كان في عقدين، وكما لو ضمن ديناً لرجلين فوفى أحدهما حقه.

стр. 1374

باب الحوالة الحوالة: ثابتة بالسنة والإجماع: أما السنة؛ فما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: «مَطْلُ الغنيِ ظُلم، فإذا أُتبعَ أحدُكمْ على مَلِيءٍ فليتبَع» (١) متفق عليه. وفي لفظ: «من أحيلَ بحقهِ على مَليءٍ فليحتَل» (٢). وأما الإجماع؛ فأجمع المسلمون في الجملة على جواز الحوالة. واشتقاقها من تحويل الحق من ذمة إلى ذمة. وقيل: هي بيع جاز تأخير القبض فيه رخصة. قال المصنف ﵀ في المغني: الصحيح أنها عقد إرفاق منفرد بنفسه ليس بمحمول على غيره. بدليل: أنها لو كانت بيعاً لكانت بيع دين بدين وهو غير جائز، ولَمَا جاز التفرق قبل القبض؛ لأنه بيع ما فيه الربا بجنسه، ولجازت بلفظ البيع، ولجازت بين جنسين كالبيع. فعلى هذا لا يدخلها خيار. وهو أشبه بكلام الإمام أحمد وأصوله. ولا بد فيها من محيل ومحتال ومحال عليه. قال المصنف ﵀: (والحوالة تنقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، فلا يملك المحتال الرجوع عليه بحال). أما كون الحوالة تنقل الحق؛ فلما تقدم من أنها مشتقة من التحويل.

стр. 1375

وأما كون المحتال لا يملك الرجوع على المحيل؛ فلأن الحق انتقل فلا يعود بعد انتقاله. قال: (ولا تصح إلا بشروط ثلاثة: أحدها: أن يحيل على دين مستقر، فإن أحال على مال الكتابة، أو السلم، أو الصداق قبل الدخول لم يصح، وإن أحال المكاتب سيده، أو الزوج امرأته صح). أما كون الحوالة لا تصح إلا بشروط ثلاثة؛ فلما يذكر في مواضعها. وأما كون أحدها: أن يحيل على دين مستقر؛ فلأن ما ليس بمستقر بعرضية السقوط، والحوالة إلزام المحال عليه الدين مطلقاً فلا يصح فيما هو بعرضية السقوط. وفي ذكر المصنف ﵀ استقرار الدين المحال عليه دون استقرار المحال به دليلٌ على أنه لا يشترط استقراره. وصرح به في الكافي وغيره. وعلله بأنه يجوز أداء غير المستقر. وقال أبو الخطاب في الهداية: يشترط استقراره أيضاً قياساً على المحال عليه. وأما كون من أحال على مال الكتابة لا يصح؛ فلأنه غير مستقر بدليل: أن له أن يمتنع من أدائه. وأما كون من أحال على السلم لا يصح؛ فلأنه أيضاً غير مستقر؛ لأنه بعرضية الفسخ بالانقطاع، وقد قال ﵇: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» (١). ولأن الحوالة لا تصح إلا فيما لا يجوز أخذ العوض عنه، والسلم ليس كذلك. وأما كون من أحال على الصداق قبل الدخول لا يصح؛ فلأنه غير مستقر بدليل سقوطه بالردة، وسقوط نصفه بالطلاق. وأما كون المكاتب إذا أحال سيده أو الزوج امرأته يصح؛ فلأن أقصى ما في ذلك أنه دين غير مستقر. وقد تقدم أنه لا يشترط استقرار المحال به على ظاهر قول المصنف

стр. 1376

رحمه الله. ويجيء على قول أبي الخطاب أنه لا تصح الحوالة به؛ لأن مال الكتابة والصداق غير مستقر واستقرار المحال به شرط عنده. قال: (والثاني: اتفاق الدَّيْنين في الجنس والصفة والحلول والتأجيل). أما كون الثاني من الشروط المتقدم ذكرها الاتفاق فيما ذكر؛ فلأن الحوالة تحويل الحق ونقله فيجب أن يكون مثل المحال عليه فيما ذكر. وأما معنى الاتفاق في الجنس فأن يكونا ذهباً أو فضة أو ما أشبههما فلو أحال من عليه ذهب بفضة أو بالعكس لم يصح. وأما معنى الاتفاق في الصفة فأن يكونا مصريين أو أميريين أو ما أشبههما. فلو أحال من عليه مصرية بأميرية أو بالعكس لم يصح. وأما معنى الاتفاق في الحلول أو التأجيل فأن يكونا حالّين أو مؤجلين فلو أحال من عليه حالّ بمؤجل أو بالعكس لم يصح. ويشترط في المؤجل اتفاق الأجل فلو كان أحدهما يحل بعد شهر والآخر بعد شهرين لم يصح؛ لما ذكر. قال: (والثالث: أن يحيل برضاه، ولا يعتبر رضى المحال عليه ولا رضى المحتال إن كان المحال عليه مليئاً. وإن ظنه مليئاً فبان مفلساً ولم يكن رضي بالحوالة رجع عليه، وإلا فلا. ويحتمل أن يرجع). أما كون الثالث من الشروط المتقدم ذكرها: أن يحيل المحيل برضاه؛ فلأن الحق عليه فلا يلزمه أداؤه من جهة الدين الذي على المحال عليه. وأما كون رضى المحال عليه لا يعتبر؛ فلأن للمحيل أن يستوفي الحق الذي على المحال عليه بنفسه وبوكيله، وقد أقام المحال مقام نفسه في التقبيض. فلم يعتبر رضى المحال عليه؛ كالتوكيل. وأما كون رضى المحتال لا يعتبر إذا كان المحال عليه مليئاً؛ فلقول النبي ﷺ : «إذا أُتْبِعَ أحدكمْ على مَلِيءٍ فليتبَع» (١).

стр. 1377

والمراد بالمليء: القادر على الوفاء؛ لأنه جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «إن الله تعالى يقول: مَنْ يُقْرِض المليء غير المعدم». وقال الشاعر: تُطيلين ليّابي وأنت مليئة ... وأحسنُ يا ذاتَ الوشاحِ التقاضيا يعني بالمليئة القادرة على الوفاء. وأما كون المحتال يرجع على المحيل إذا ظن ملاءة المحال عليه فظهر مفلساً ولم يكن رضي بالحوالة؛ فلأن الفلس عيب ولم يرض به فاستحق الرجوع كما لو اشترى سلعة فظهرت معيبة ولم يرض بالعيب. وأما كونه إذا رضي بالحوالة لا يرجع على المذهب؛ فلأنه إذا رضي بذلك زال شغل الذمة فلا يعود بعد زواله. وأما كونه يحتمل أن يرجع؛ فلأنه لم يرض. أشبه ما تقدم. وذكر المصنف ﵀ في المغني ما تقدم احتمالين، وذكر في الكافي هذين الاحتمالين روايتين. وفي قول المصنف ﵀: وإن ظنه مليئاً إشعار بأن المحتال إذا رضي بالحوالة مع علمه بفلس المحال عليه لا يرجع قولاً واحداً وهو صحيح؛ لأنه لو رضي بعيب المبيع لم يرجع قولاً واحداً فكذا هاهنا. قال: (وإذا أحال المشترى البائع بالثمن، أو أحال البائع عليه به فبان البيع باطلاً (١) فالحوالة باطلة. وإن فسخ البيع بعيبٍ أو إقالةٍ لم تبطل الحوالة. وللبائع أن يحيل المشتري على من أحاله المشتري عليه في الصورة الأولى. وللمشتري أن يحيل المحتال عليه على البائع في الثانية، ويحتمل أن يبطل إن لم يكن قبضها). أما كون الحوالة باطلة إذا بان البيع مثل أن يكون المبيع عبداً فيظهر حراً أو مستحقاً؛ فلأنه تبين ببطلان البيع أن لا ثمن، والحوالة فرع على الثمن، فإذا بطل الأصل بطل الفرع.

стр. 1378

فعلى هذا يرجع المشتري على من كان له عليه الدين في مسألة حوالته، وعلى المحال عليه في مسألة الحوالة عليه لا على البائع؛ لأن الحوالة لما بطلت وجب بقاء حقه على ما كان، ووجب له الرجوع على المحال عليه ضرورة كونه قَبَضَه بعد تبين بطلانه. وأما إذا فسخ البيع بعيبٍ أو إقالةٍ فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون المحتال قد قبض مال الحوالة، فلا تبطل الحوالة وجهاً واحداً؛ لأن عقد البيع لم يرتفع هنا فالثمن لم يسقط فلم تبطل الحوالة؛ لانتفاء المبطل. ولأن المشتري دفع إلى البائع بدل ماله في ذمته وعارضه عنه بما في ذمة المحال عليه. فعلى هذا للمشتري الرجوع على البائع في مسألتي حوالته والحوالة عليه لا على من كان له عليه الدين في المسألة الأولى ولا على من أحيل عليه في الثانية. وللبائع أن يحيل المشتري على من أحاله المشتري عليه في الصورة الأولى، وللمشتري أن يحيل المحتال عليه على البائع في الثانية. أما كون المشتري له الرجوع على البائع فيهما؛ فلأنه لما رد العوض استحق الرجوع بالعوض لكن الرجوع في عينه متعذر للزوم الحوالة فوجب الرجوع في بدله، وإذا لزم البدل وجب على البائع؛ لأنه هو الذي انتفع بمبدله. وأما كونه ليس له الرجوع على من كان عليه الدين؛ فلأن ما كان عليه قد انتقل إلى غيره بعقدٍ باقي الصحة. وأما كونه ليس له الرجوع على من أحيل عليه؛ فلأنه أخذ حقه بعقد صحيح لازم. وأما كون البائع له أن يحيل المشتري على من أحاله المشتري عليه وكون المشتري له أن يحيل المحتال عليه على البائع؛ فلأن دين البائع ثابت على من أحاله المشتري عليه، ودين المشتري ثابت على البائع (١) ثبوتاً مستقراً فصحت الحوالة عليه كسائر الحقوق المستقرة (٢).

стр. 1379

وثانيهما: أن يكون المحتال لم يقبض مال الحوالة. وفي ذلك وجهان: أحدهما: لا تبطل؛ لما تقدم قبل. فعلى هذا الحكم كما تقدم. والثاني: تبطل؛ لأن الحوالة بالثمن وقد سقط بالفسخ فوجب أن تبطل الحوالة لذهاب حقه من المال المحال به. فعلى هذا الحكم هنا كما لو ظهر المبيع مستحقاً. قال: (وإذا قال: أحلتك قال: بل وكلتني، أو قال: وكلتك قال: بل أحلتني فالقول قول مدعي الوكالة. وإن اتفقا على أنه قال: أحلتك وادعى أحدهما أنه أريد بها الوكالة وأنكر الآخر ففي أيهما يقبل قوله؟ وجهان. وإن قال: أحلتك بدينك فالقول قول مدعي الحوالة وجهاً واحداً). أما كون القول قول مدعي الوكالة إذا اختلفا في المقول من لفظي الوكالة والحوالة؛ فلأنه مدع بقاء الحق على ما كان عليه ومنكر انتقاله، والقول قول المنكر. وأما كون القول قول مدعي الحوالة إذا اتفقا على لفظ الحوالة واختلفا في الإرادة في وجهٍ؛ فلأن الظاهر معه لموافقة دعواه الحقيقة ودعوى خصمه المجاز. وأما كون القول قول مدعي الوكالة في وجهٍ؛ فلما ذكر في المسألة قبل.

стр. 1380

وأما كون القول قول مدعي الحوالة وجهاً واحداً إذا قال: أحلتك بدينك؛ فلأن ذلك لا يحتمل الوكالة لا بلفظه ولا بمعناه بخلاف ما تقدم.

стр. 1381

باب الصلح الصلح: معاقدة يتوصل بها الى الإصلاح بين المختلفين. وتتنوع أنواعاً المقصود منها هنا الصلح بين المتخاصمين في الأموال. والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿والصلح خير﴾ [النساء: ١٢٨]، وقوله تعالى: ﴿فأصلحوا بين أَخَوَيْكم﴾ [الحجرات: ١٠]. وأما السنة فما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «الصلحُ بينَ المسلمينَ جائزٌ إلا صُلحاً حرمَّ حلالاً أو أحلَّ حراماً» (١) أخرجه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح. وأما الإجماع فأجمعت الأمة على جواز الصلح في الجملة.

стр. 1382

قال المصنف ﵀: (الصلح في الأموال قسمان: أحدهما: صلح على الإقرار. وهو نوعان: أحدهما: الصلح (١) على جنس الحق؛ مثل: أن يقر له بدين فيضع عنه بعضه، أو بعين (٢) فيهب له بعضها ويأخذ الباقي فيصح إن لم يكن بشرط؛ مثل أن يقول: على أن تعطيني الباقي، أو يمنعه حقه بدونه). أما كون الصلح في الأموال قسمين؛ فلأنه تارة يكون على الإقرار، وتارة يكون على الإنكار. وأما كون الصلح على الإقرار نوعين؛ فلأنه تارة يكون على جنس الحق كما مثّل المصنف ﵀، وتارة يكون بغير جنس الحق كما سيأتي بعد إن شاء الله تعالى. وأما كون أحدهما الصلح على جنس الحق؛ فظاهر. وأما كونه يصح إن لم يكن بشرط إعطاء الباقي أو المنع من إعطاء الحق بدون الصلح؛ فلأن الإنسان لا يُمنع من إسقاط بعض حقه كما لا يُمنع من استيفائه. وأما كونه لا يصح بشرط إعطاء الباقي أو المنع من إعطاء الحق بدونه؛ فلأنه آكل لمال الغير بالباطل وهو هضم لحقه. قال: (ولا يصح ممن لا يملك التبرع كالمكاتب والمأذون له وولي اليتيم إلا في حال الإنكار وعدم البينة). أما كون صلح من لا يملك التبرع في غير حال الإنكار وعدم البينة لا يصح؛ فلأن ذلك تبرع ومن ذكر لا يملك التبرع. وأما قول المصنف ﵀: كالمكاتب والمأذون له وولي اليتيم فتمثيل لمن لا يملك التبرع. وأما كونه في حال الإنكار وعدم البينة يصح؛ فلأن استيفاء البعض عند العجز عن استيفاء الكل أولى من تركه. وتقييد المصنف ﵀ الإنكار بعدم البينة إشعار بأن

стр. 1383

الصلح في حال الإنكار مع البينة لا يصح وهو صحيح لأنه يمكنه استيفاء الكل فالصلح والحالة هذه تبرع ومن (١) ذكر لا يملك التبرع. قال: (ولو صالح عن المؤجل ببعضه حالاًّ لم يصح، وإن وضع بعض الحالّ وأجّل باقيه صح الإسقاط دون التأجيل). أما كون الصلح عن المؤجل ببعضه حالاًّ لا يصح؛ فلأن الذي يسقط يقع عوضاً عن التأجيل وذلك لا يجوز كما لا يجوز أن يعطيه عشرة دراهم حالّة بعشرين مؤجلة. وأما كون الإسقاط إذا وضع بعض الحالّ وأجل باقيه يصح؛ فلأنه أسقطه عن طيب نفسه ولا مانع من صحته؛ لأنه ليس في مقابلة تأجيل فوجب أن يصح كما لو أسقطه. وأما كون التأجيل لا يصح؛ فلأن الحالّ لا يتأجل. قال: (وإن صالح عن الحق بأكثر منه من جنسه؛ مثل: أن يصالح عن دية الخطأ أو عن قيمة مُتْلَف بأكثر منها من جنسها لم يصح. وإن صالحه بعرض قيمته أكثر منها صح فيهما، وإن صالحه عن بيت على أن (٢) يسكنه سنة أو يبني له فوقه غرفة لم يصح). أما كون الصلح عن الحق بأكثر منه من جنسه كما مثّل المصنف ﵀ لا يصح؛ فلأن الزائد لا مقابل له فيكون ربا وذلك حرام والصلح لا يُحل الحرام؛ لقوله ﵇: «إلا صلحاً أحل حراماً» (٣). وأما كونه يصح في كل واحد منهما بعرض قيمته أكثر منها؛ فلأنه معاوضة لا ربا بين العوض والمعوض فصح كما لو باعه ما يساوي عشرة بدرهم والضمير في قوله: فيهما عائد إلى دية الخطأ وقيمة المتلَف.

стр. 1384

وأما كون الصلح عن البيت على أن يسكنه سنة أو يبني له فوقه غرفة لا يصح؛ فلأنه صالحه عن ملكه بملكه. قال: (وإن قال: أقر لي بديني وأعطيك منه مائة ففعل صح الإقرار، ولم يصح الصلح). أما كون الإقرار فيما ذكر يصح؛ فلأنه إقرار بحق يحرم عليه إنكاره. وأما كون الصلح لا يصح؛ فلأنه يجب عليه الإقرار بالحق فلم يحل له أخذ العوض عما يجب عليه. قال: (وإن صالح إنساناً ليقر له بالعبودية أو امرأة لتقر له بالزوجية (١) لم يصح. وإن دفع المدعى عليه العبودية إلى المدعي مالاً صلحاً عن دعواه صح). أما كون من صالح إنساناً ليقر له بالعبودية أو امرأة لتقر له بالزوجية لا يصح؛ فلأن ذلك صلح يحل حراماً؛ لأن إرقاق الحر وبذل المرأة نفسها بعوض لا يجوز. وأما كون المدعى عليه العبودية إذا دفع إلى المدعي مالاً صلحاً عن دعواه يصح: أما في حق الآخذ؛ فلأنه يجوز أن يعتق عبده بعوض. وأما في حق الدافع؛ فلأنه يقطع الخصومة المتوجهة عليه. وزاد المصنف ﵀ في المغني على ذلك بأن قال: ويدفع اليمين الواجبة عليه. وفي تخصيص المصنف ﵀ جواز الدفع في العبودية دليل على أن المرأة المدعى عليها الزوجية لا يجوز أن تدفع شيئاً إلى المدعي على وجهِ الصلح. وقد صرح به في المغني وعلله بأن الدفع في الإنكار لا يفيد اليمين وقطع الخصومة، ولا يمين عليها. ولأن خروج البعض من ملك الزوج لا قيمة له وإنما أجيز الخلع لأجل الحاجة إلى افتداء نفسها. ثم قال: وخرّج ابن عقيل جوازه بناء على مشروعية اليمين في حقها على روايةٍ، وعلى أن العوض يصح أخذه عن البضع في جانب الزوج خلعاً وفي جانب المرأة نكاحاً. وصرح في الكافي بجواز ذلك وقدمه على المنع وعلله بأنها تدفع شره عن نفسها. وهذا

стр. 1385

ظاهر كلام أبي الخطاب في الهداية؛ لأنه ذكر المسألتين ثم قال: فإن دفع إليه المدعى عليه مائة صلحاً عن دعواه صح الصلح. وما ذكره المصنف ﵀ في المغني مانعاً من الصحة في الزوجية موجود بعينه في العبودية؛ لأن المدعى عليه العبودية لا يستحلف كما لا يستحلف المدعى عليها الزوجية. وتحرير الصحة في الموضعين مع أنه لا يستحلف فيهما على الصحيح أن في (١) الصلح قطعاً للخصومة والمقاولة ودفعاً للشر وذلك مطلوب والصلح طريق إليه. فجاز تحصيلاً لما هو مطلوب. قال: (النوع الثاني: أن يصالح عن الحق بغير جنسه فهو معاوضة، فإن كان بأثمان عن أثمان فهو صرف، وإن كان بغير الأثمان فهو بيع، وإن كان بمنفعة كسكنى دار فهو إجارة تبطل بتلف الدار كسائر الإجارات). أما كون النوع الثاني: أن يصالح عن الحق بغير جنسه؛ فلأنه يلي الأول. وأما كونه معاوضة؛ فلأنه بدل مال في مقابلة مال وذلك شأن المعاوضة. وأما كونه صرفاً إذا كان بأثمان (٢) عن أثمان؛ فلأن الصرف بيع أحد الثمنين بالآخر، وهو موجود هنا. فعلى هذا يشترط له ما يشترط في الصرف من القبض في المجلس ونحوه. وأما كونه بيعاً إذا كان بغير الأثمان؛ فلأن البيع مبادلة المال بالمال وأنه موجود هنا. فعلى هذا يشترط فيه ما يشترط في البيع من العلم به ونحوه. وأما كونه إجارة إذا كان بمنفعة كسكنى دار؛ فلأن الإجارة بيع المنفعة وهو موجود هنا. فعلى هذا يثبت فيها أحكام الإجارة من البطلان بتلف الدار ونحوه.

стр. 1386

قال: (وإن صالحت المرأة بتزويج نفسها صح، فإن كان الصلح عن عيب في مبيعها فزال رجعت بأرشه لا بمهرها). أما كون المرأة إذا صالحت عن الحق الذي عليها بتزويج نفسها يصح؛ فلأن عقد التزويج يقتضي عوضاً فإذا جعلت ذلك عوضاً عن الحق الذي عليها صح كغيره. وأما كونها ترجع بأرش العيب لا بمهرها إذا كان الصلح عن عيب في مبيعها فزال؛ فلأنها جعلت صداقها أرش العيب فإذا زال العيب وجب الرجوع بما كان صداقاً. وقول المصنف ﵀: زال العيب معناه: تبين أنه ليس بعيب، ولذلك أصلح بعض من أذن له المصنف ﵀ زال بتبين. فإن قيل: ما مثال ذلك؟ قيل: مثل إن كانت أمة ظنها حاملاً لانتفاخ جوفها فتفشى ونحوه صرح به أبو الخطاب في الهداية. فعلى هذا إن كان موجوداً عند العقد ثم زال كمبيع ظهر مريضاً فتعافى لا شيء لها؛ لأن زوال العيب بعد ثبوته حال العقد لا يوجب بطلان الأرش. فإن قيل: قد تقدم أن بهيمة الأنعام إذا ظهرت مصراة يملك المشتري الرد وكذا إذا اشترى أمة فظهرت مزوجة فإذا صار لبن المصراة عادة وطلقت المزوجة (١) امتنع الرد. فعلى هذا إذا ظهر المبيع معيباً ثم زال العيب يجب أن يتبين أن لا أرش. قيل: الرد فسخ للملك بسبب العيب فلم يكن بد من وجوده حين الرد؛ لأنه زمن الفسخ. بخلاف أرش العيب فإنه عوض عما فات من العيب وقت العقد فلم يسقط (٢) بزواله بعده.

стр. 1387

قال: (وإن صالح عما في الذمة بشيء في الذمة لم يجز التفرق قبل القبض؛ لأنه بيع دين بدين. ويصح الصلح عن المجهول بمعلوم إذا كان مما لا يمكن معرفته للحاجة). أما كون من صالح عما في الذمة بشيء في الذمة لا يجوز التفرق قبل القبض؛ فلما علل المصنف ﵀ من أنه بيع دين بدين؛ وذلك أنه متى حصل التفرق قبل القبض يكون كل واحد من العوضين ديناً؛ لأن محله الذمة وذلك شأن الدين، وإذا كان التفرق قبل القبض مفضياً إلى ذلك لم يجز؛ لأن بيع الدين بالدين غير جائز «لأن النبي ﷺ نهى عن بيع الكالئ بالكالئ» (١) رواه الدارقطني. تفسيره: بيع الدين بالدين قاله أبو عبيد. وأما كون الصلح عن المجهول بمعلوم يصح في الجملة؛ فلما روي عن النبي ﷺ : «أنه قال في رجلين اختصما في مواريث درست بينهما: استهما وتوخيا الحق، وليحلل أحدكما صاحبه» (٢). رواه الإمام أحمد وأبو داود. ولأنه إسقاط حق فصح في المجهول كالعتاق والطلاق. وأما ما يشترط في صحة الصلح المذكور فأمران: أحدهما: أن يكون المصالح به معلوماً لأنه يفتقر إلى تسليم وذلك لا يمكن في غير معلوم. وثانيهما: أن يكون مما لا يمكن معرفته كمواريث دارسة وحقوق سالفة؛ لأن المصحح للصلح المذكور الحديث المذكور والأمر فيه كذلك. ولأن المبيح للصلح المذكور الحاجة وما يمكن معرفته لا حاجة إلى الصلح عليه.

стр. 1388

فصل [الصلح على إنكار] قال المصنف ﵀: (القسم الثاني: أن يدعي عليه عيناً أو ديناً فينكره ثم يصالحه على مال فيصح ويكون بيعاً في حق المدعي حتى إن وجد فيما أخذه عيباً فله رده وفسخ الصلح. وإن كان شقصاً مشفوعاً ثبتت فيه الشفعة ويكون إبراء في حق الآخر فلا يرد ما صالح عنه (١) بعيب ولا يؤخذ بشفعة. ومتى كان أحدهما عالماً بكذب نفسه فالصلح باطل في حقه وما أخذه حرام عليه). أما كون القسم الثاني ما ذكر ويسمى الصلح على الإنكار؛ فلأنه يلي الأول. وأما كونه يصح؛ فلعموم قوله ﵇: «الصلح بين المسلمين جائز» (٢). ولأنه صلح يصح مع الأجنبي فصح مع الخصم كالصلح على الإقرار. وتحقيقه: أنه إذا صح مع الأجنبي مع عدم حاجته إليه، فلأن يصح مع الخصم مع حاجته إليه بطريق الأولى. ويشترط لصحة الصلح المذكور: أن يكون المدعي معتقداً أن ما ادعاه حق والمدعى عليه معتقداً أن لا حق عليه؛ لأن الصلح حينئذٍ يكون لافتداء اليمين وقطع الخصومة وذلك مطلوب؛ لما فيه من صيانة النفوس الشريفة، وذوي المروءات العزيزة عن التبذل، وحضور مجالس الحكام. بخلاف غيرهم. فإن قيل: ذلك مجوز للمدعى عليه فما شأن المدعي؟ قيل: المدعي يأخذ ذلك عوضاً عن الحق الذي يعتقده. وأما كونه بيعاً في حق المدعي؛ فلأنه يعتقده عوضاً عن حقه فيلزمه حكم اعتقاده.

стр. 1389

فعلى هذا له رده إن وجده معيباً وإن كان شقصاً مشفوعاً ثبتت فيه الشفعة لأنه بيع. وأما كونه إبراء في حق الآخر؛ فلأنه دفع المال لافتداء يمينه ودفع الضرر عن نفسه لا عوضاً عن حق يعتقده. فعلى هذا لا يرد ما صالح عنه بعيب ولا يؤخذ بشفعة لاعتقاده أنه ليس بعوض. وأما كون الصلح باطلاً في حق العالم بكذب نفسه؛ فلأنه عالم بالحق قادر على إيصاله إلى مستحقه غير معتقد أنه محق واعتقاد ذلك شرط لما تقدم. وأما كون ما يأخذه حراماً؛ فلأنه آكل لمال الغير بالباطل. قال: (وإن صالح عن المنكر أجنبي بغير إذنه صح ولم يرجع عليه في أصح الوجهين). أما كون صلح الأجنبي عن المنكر يصح؛ فلأنه قصد براءة ذمته فصح كما لو قضى دينه. وأما كونه لا يرجع عليه في وجهٍ؛ فلأن الدين لم يثبت عليه. وأما كونه يرجع عليه في وجهٍ؛ فبالقياس على الضمان. والأول أصح؛ لما تقدم. والفرق بينه وبين الضمان: أنه هاهنا أدى ما لا يلزمه أداؤه. بخلاف الضمان فإنه قضى ما يلزمه قضاؤه. قال: (وإن صالح الأجنبي لنفسه لتكون المطالبة له غير معترف بصحة الدعوى أو معترفاً بها عالماً بعجزه عن استنقاذه لم يصح. وإن ظن القدرة عليه صح ثم إن عجز عن ذلك فهو مخير بين فسخ الصلح وإمضائه). أما كون صلح الأجنبي لنفسه لتكون المطالبة له غير معترف بصحة الدعوى لا يصح؛ فلأنه [اشترى منه ما لم يثبت له ولم تتوجه إليه خصومة فيفتدي نفسه منها. أشبه ما لو] (١) اشترى منه ملك غيره.

стр. 1390

وأما كون صلحه إذا اعترف له بذلك عالماً بعجزه عن استنقاذه لا يصح؛ فلأنه اشترى ما لا يقدر على تسليمه. وأما كونه يصح إذا اعترف له بصحة دعواه وظن القدرة على الاستنقاذ؛ فلأنه اشترى منه ملكه الذي يقدر على تسليمه. ولم يفرق بين المصنف ﵀ بين أن يكون المصالح عنه عيناً أو ديناً. وفرق بينهما في المغني فصححه في العين، وقال في الدين: لا يصح؛ لأنه اشترى ما لا يقدر على قبضه. ثم قال: ومن أصحابنا من قال: يصح. وليس بشيء؛ لأن بيع الدين في ذمة المقر لا يصح فبيع دين في ذمة من ينكره، ولا يقدر مشتريه على قبضه أولى. وأما كونه إذا عجز عن ذلك يخير بين الفسخ والإمضاء؛ فلأنه إذا فات بعض المعقود عليه يكون له الخيرة دليله الرد بالعيب؛ فلأن تكون له الخيرة إذا فات كل المعقود عليه بطريق الأولى.

стр. 1391

فصل قال المصنف ﵀: (يصح الصلح عن القصاص بديات وبكل ما يثبت مهراً. ولو صالح سارقاً ليطلقه، أو شاهداً ليكتم شهادته، أو شفيعاً عن شفعته، أو مقذوفاً عن حده لم يصح الصلح، وتسقط الشفعة. وفي الحد وجهان). أما كون الصلح عن القصاص بديات وبكل ما يثبت مهراً يصح؛ فلأن المال لم يتعين فيه فصح بالدية وبأكثر منها وبأقل. ولأنه (١) يصح إسقاطه فلأن يصح الصلح عنه بما ذكر بطريق الأولى. وقول المصنف ﵀: وبكل ما يثبت مهراً فيه إشارة إلى أنه يصح بالشيء وإن قل؛ لأنه قابل ذلك بقوله: بديات وذلك عبارة عن كثرة الشيء المصالح به. وأما كون صلح السارق ليطلق لا يصح؛ فلأن الرفع إلى السلطان ليس حقاً يجوز الاعتياض عنه. وأما كون صلح الشاهد ليكتم شهادته لا يصح؛ فلأن كتمان الشهادة حرام فلا يصح الاعتياض عنه. وأما كون صلح الشفيع عن شفعته لا يصح؛ فلأنها إنما ثبتت لإزالة الضرر فإذا رضي بالعوض تبين أن لا ضرر فلا استحقاق فيبطل العوض لبطلان معوضه ولهذه العلة تسقط شفعته. وأما كون صلح المقذوف عن حده لا يصح؛ فلأنه ليس بمال ولا يؤول إليه بخلاف دم العمد. وأما كون الحد يسقط ففيه وجهان مأخذهما: أن حد القذف هل هو للآدمي أو لله؟ فإن قلنا: للآدمي سقط؛ لأن الصلح منه دليل على الإسقاط.

стр. 1392

ولأن الحد يسقط بالشبهة وما ذكر شبهة. وإن قلنا: لله لم يسقط لعدم ما ذكر قبل. قال: (وإن صالحه على أن يُجري على أرضه أو سطحه ماء معلوماً صح. ويجوز أن يشتري ممراً في دار وموضعاً في حائط (١) يفتحه باباً، وبقعة يحفرها بئراً، وعلو بيت يبني عليه بنياناً موصوفاً. فإن كان البيت غير مبني لم يجز في أحد الوجهين، وفي الآخر يجوز إذا وصف العلو والسفل). أما كون الصلح على إجراء ماء معلوم على أرض أو سطح يصح؛ فلأن الحاجة داعية إليه. واشترط المصنف ﵀ كون الماء معلوماً؛ لأن الماء يختلف بكثرته وقلته. وطريق العلم في الماء على الأرض تقديره بالإصبع (٢) أو العيدان (٣) أو نحو ذلك، وفي ماء السطح بمعرفة السطح. ويشترط في إجرائه على الأرض إذا شرط إجراءه في قناة تبيين موضعها وطولها وعرضها؛ لأنه بيع لموضع من أرضه. ولا حاجة إلى بيان عمقها؛ لأن قراره للمشتري. وإن شرط أن الأرض لربها كان إجارة تفتقر إلى معرفة عمقها ومدتها كإجارتها للزرع. ولا يشترط في إجراء الماء على السطح ذكر المدة؛ لأن هذا لا يستوفى به منافع السطح بخلاف القناة. وأما كون شراء الممر من دار يجوز؛ فلأنه حق أعطي حكم العين بدليل جواز تملكه ابتداء بدون ملك العين بخلاف تملك المنفعة المباحة فإنه لا يتصور بذل ملك العين. ودليل تملك الممر ابتداء دون ملك العين أن شخصاً لو أحيا أرضاً ميتة ثم أحيا غيره الأرض التي تليها كان له حق المرور في تلك الأرض وإن لم يملك رقبتها. وأما كون شراء موضع في حائط يفتحه باباً وبقعة يحفرها بئراً يجوز؛ فلأنه شراء لبعض ما يملكه البائع فصح كما لو باعه نصف حائطه أو نصف أرضه.

стр. 1393

وأما كون بيع علو بيت يبني عليه بنياناً موصوفاً يجوز؛ فلأنه ملك البائع فجاز بيعه كالأرض. واشترط المصنف ﵀ في صحة ذلك كون البنيان موصوفاً ليكون معلوماً. وأما كون بيع ذلك لا يجوز إذا كان البيت غير مبني في وجهٍ؛ فلأن المبيع العلو ولا وجود له قبل وجود السفل فوجب أن لا يجوز بيعه كالمعدوم. وأما كونه يجوز في وجهٍ؛ فلأنه موصوف أشبه ما إذا كان السفل مبنياً. واشترط المصنف ﵀ في الجواز وصف السفل والعلو؛ لأن المبيع لا يكون معلوماً إلا بذلك. قال: (وإن حصل في هوائه أغصان شجرة غيره فطالبه بإزالتها لزمه ذلك، فإن أبى فله قطعها، فإن صالحه عن ذلك بعوض لم يجز. وإن اتفقا على أن الثمرة له أو بينهما جاز ولم يلزم). أما كون إزالة أغصان الشجرة الحاصلة في هواء الجار يلزم مالكها مع طلب الجار؛ فلأن الهواء ملك لصاحب القرار، فإذا طلب إخلاء ملكه لزمه إخلاؤه؛ كما لو دخلت دابة إلى داره فطالب مالكها بإخراجها. وأما كون مالك الهواء له قطعها إذا أبى مالكها من إزالتها؛ فلأن في ذلك إخلاء ملكه الواجب إخلاؤه. وأما كون الصلح عن ذلك بعوض لا يجوز؛ فلأن ذلك يزيد وينقص. وحكى المصنف ﵀ ذلك في المغني عن أبي الخطاب. وحكى عن القاضي: إن كانت الأغصان رطبة لم يجز الصلح عنها؛ لأنها تزيد في كل وقت. وحكى عن ابن حامد: أنه يجوز في الرطب واليابس؛ لأن الجهالة في المصالح عنه لا يمنع الجواز لكونها لا تمنع التسليم بخلاف العوض فإنه يفتقر إلى العلم به لوجوب التسليم.

стр. 1394

واشترط القاضي أن يكون الغصن معتمداً على نفس الحائط ومنع منه إذا كان على نفس الهواء؛ [لأنه بيعٌ للهواء] (١) المجرد. وأيّد المصنف ﵀ الجواز في المغني مطلقاً بأن قال: ومن مذهبنا جواز بيع الهواء. والزيادة التي تتجدد في الغصن يحتمل أن يعفى عنها؛ كالسِّمَنِ الحادث في المستأجر للركوب. وأما كون الاتفاق على أن الثمرة لمالك الهواء أو بينهما يجوز؛ فلأن هذا يكثر في الأملاك المتجاورة، وفي القطع إتلاف وإضرار فدعت الحاجة إلى الصلح بالثمرة أو بعضها؛ لأنه أسهل. قال المصنف ﵀ في المغني: سئل الإمام أحمد عن ذلك فقال: لا أدري. ثم قال: يحتمل أن يصح؛ لما ذكر، ويحتمل أن لا يصح؛ لأن العوض مجهول ومن شرط الصلح العلم بالعوض. وأما كون ذلك لا يلزم؛ فلأنه لو لزم لأدى إلى ضرر مالك الشجر لتأبد استحقاق الثمرة عليه، أو إلى ضرر مالك الهواء لتأبد بقاء الأغصان في ملكه. قال: (ولا يجوز أن يشرع إلى طريق نافذ جناحاً ولا ساباطاً ولا دكاناً، ولا أن يفعل ذلك في ملك إنسان، ولا دربٍ غير نافذ إلا بإذن أهله. وإن صالح عن ذلك بعوض جاز في أحد الوجهين). أما كون إشراع الجناح. وهو الرَّوْشَن يكون على أطراف الخشب مدفون في الحائط وأطرافه خارجة إلى الطريق، وكون إشراع الساباط وهو المستو في هواء الطريق، وكون إشراع الدكان وهي الدكة إلى طريق نافذ: لا يجوز؛ فلأنه تصرف في ملك الغير من غير إذن مالكه. ولا فرق فيما ذكر بين أن يضر ذلك بالمارة أو لا يضر؛ لأنه إن لم يضر حالاً فقد يضر مآلاً، ولا بين أن يأذن الإمام فيه أو لم يأذن؛ لأنه ليس له أن يأذن فيما لا مصلحة فيه للمسلمين لا سيما إذا احتمل أن يكون ضرراً عليهم في المال.

стр. 1395

وقال ابن عقيل: إذا أذن الإمام فيما هو مشترك بين المسلمين ولا ضرر فيه جاز؛ لأنه نائب عن المسلمين فجرى إذنه مجرى إذنهم. وأما كون فعل ذلك في ملك إنسان أو درب غير نافذ بغير إذن أهله لا يجوز؛ فلما تقدم ذكره. وأما كونه يجوز إذا أذن فيه أهله؛ فلأن المنع لحقهم فإذا رضوا بإسقاطه جاز. فإن قيل: قول المصنف ﵀: إلا بإذن أهله يرجع إلى جميع ما تقدم أم لا؟ قيل: لا؛ لأن أهل الطريق النافذ هو جميع المسلمين والإذن من جميعهم غير متصور فلا فائدة في الحكم عليه بالجواز. وأما كون الصلح عن ذلك بعوض يجوز في وجهٍ وهو قول أبي الخطاب؛ فلأنه يجوز الصلح بغير عوض. فجاز بعوض؛ كما لو كان القرار مبنياً. وأما كونه لا يجوز في وجهٍ وهو قول القاضي؛ فلأنه بيع للهواء. وظاهر إطلاق المصنف ﵀ (١) هذا الوجه الجواز سواء كان جناحاً أو ساباطاً أو دكاناً، وصرح في الكافي بأن قول القاضي في الجناح والساباط، ولم يذكر الدكان وهو صحيح يجب حمل إطلاق المصنف هنا عليه؛ لأن تعليل القاضي لا يساعده في الدكان؛ لكونها تبنى على القرار لا على هوائه. قال: (وإذا كان ظهر داره في درب غير نافذ ففتح فيه باباً لغير الاستطراق جاز ويحتمل أن لا يجوز. وإن فتحه للاستطراق لم يجز إلا بإذنهم في أحد الوجهين، وإن صالحهم جاز، ولو كان بابه في آخر الدرب ملك نقله إلى أوله، ولم يملك نقله إلى داخل منه في أحد الوجهين). أما كون من فتح باباً لغير الاستطراق في ظهر داره التي في دربٍ غير نافذ يجوز على المذهب؛ فلأن له رفع حائطه بالكلية فرفع بعضه أولى. وأما كونه يحتمل أن لا يجوز؛ فلأن الباب دليل الاستطراق. وليس له أن يستطرق؛ لما يذكر بعد.

стр. 1396

وأما كون من فتحه للاستطراق بغير إذن أهل الدرب لا يجوز في وجهٍ؛ فلأنه لا يجوز أن يجعل لنفسه حق الاستطراق في مكان مملوك لأهله لا حق له فيه. وأما كونه يجوز في وجهٍ فلما ذكر قبل. وأما كون ذلك يجوز مع الإذن؛ فلأن الحق لهم فإذا رضوا بإسقاطه سقط. وأما كون الصلح عن ذلك يجوز؛ فلأن ذلك حقهم فجاز أخذ العوض عنه كسائر الحقوق. وأما كون من بابه في آخر الدرب الذي ليس بنافذ يملك (١) نقله إلى أوله؛ فلأنه يترك بعض حقه؛ لأن له الاستطراق إلى آخره. وأما كونه يملكه في وجهٍ؛ فلأنه له رفع حائطه كله فرفع بعضه أولى. ولأن ما يلي حائطه فناء له فملك فتح الباب فيه كحالة ابتداء البناء فإن له في الابتداء جعل بابه حيث شاء. فتركه له لا يسقط حقه منه. قال: (وليس له أن يفتح في حائط جاره ولا الحائط المشترك روزنة، ولا طاقاً إلا بإذن صاحبه. وليس له وضع خشبة عليه إلا عند الضرورة بأن لا يمكنه التسقيف إلا به. وعنه: ليس له وضع خشبة على جدار المسجد، وهذا تنبيه على أنه لا يضع على جدار جاره). أما كون من ذكر ليس له فتح روزنة ولا طاق في حائط جاره ولا حائط مشترك بغير إذن صاحبه؛ فلأن ذلك انتفاع بملك الغير فلم يجز بغير إذنه لا سيما إذا كان يضر ببنائه ويضعفه. وأما كونه له ذلك مع الإذن؛ فلأن الحق له فإذا أذن في إسقاطه سقط. وأما كونه ليس له وضع خشبة عليه إذا لم يكن ضرورة؛ فلما تقدم. وأما كونه له ذلك في حائط جاره عند الضرورة على المذهب؛ فلما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا يمنعنَ أحدكمْ جارهُ أن يضعَ خشبَهُ على جدارهِ

стр. 1397

فنكسّ القوم رؤوسهم. فقال أبو هريرة: ما لي أراكمْ عنها مُعرضين؟ والله لأرمينها بينَ أكتافِكُم» (١) متفق عليه. ولأنه انتفاع لا يضر بالمالك فلم يمنع منه كالاستظلال بحائطه والجلوس في ضوء مصباحه. فإن قيل: ما معنى قول أبي هريرة: «لأرمينها بين أكتافكم». قيل معناه: لأضعن هذه السنة بين أكتافكم ولأحملنكم على العمل بها. وقيل معناه: لأكلفنكم ذلك ولأضعن جذوع الجيران على أكتافكم ضرباً للمثل وقصداً للمبالغة. وأما قول المصنف ﵀: بأن لا يمكنه التسقيف إلا به فتفسير للضرورة المشترطة عنده. وظاهره أنه لا فرق بين من كان له حائط واحد أو حائطان. وصرح به في المغني، وحكى فيه عن القاضي وأبي الخطاب: ليس هذا في كلام أحمد، وعلل ما ذهب إليه بأنه قد يمتنع عليه التسقيف على حائطين لكون البيت واسعاً لا يصل إليه الخشب. وإنما اشترطت الضرورة؛ لأن مقتضى الدليل عدم جواز الانتفاع بملك الغير بغير إذنه. ترك العمل به عند الضرورة للضرورة فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه. ولا بد أن يلحظ أنه لا ضرر في ذلك فإن كان يضر بأن يهدم الحائط أو يضعفه لم يكن له ذلك؛ لأن النبي ﷺ قال: «لا ضرر ولا إضرار» (٢) رواه مالك وابن ماجة والدارقطني. فإن قيل: حديث أبي هريرة مطلق فلم اشترط ما ذكر من الضرورة وعدم الضرر؟

стр. 1398

قيل: أما الأول فيجب حمل الحديث عليه لما تقدم من أن مقتضى الدليل عدم جواز الانتفاع بملك الغير. ترك العمل به عند الضرورة للضرورة فيجب أن يبقى فيما عداها على مقتضاه. وقال بعض أصحابنا: لا يشترط ذلك عملاً بعموم الخبر. قال المصنف في المغني: أشار ابن عقيل إلى جواز ذلك وقال: ليس لنا مباح تعتبر في إباحته الحاجة. بدليل انتزاع الشقص المشفوع والفسخ بالخيار. فكذلك هاهنا. وأما الثاني؛ فلأن قوله: «لا ضرر ولا ضرار» (١) يدل عليه فيجب أن يحمل حديث أبي هريرة عليه جميعاً بينهما. وأما كونه له وضع خشبة على الحائط المشترك عند الضرورة المتقدم ذكرها على المذهب؛ فلأنه إذا كان له ذلك في حائط جاره مع أنه لا حق له فيه، فلأن يكون له ذلك في الحائط المشترك وله فيه حق بطريق الأولى. وأما كونه له وضع خشبة على جدار المسجد عند وجود الضرورة وعدم الضرر على المذهب؛ فلأنه إذا جاز في ملك الجار مع أن حقه مبني على الشح والضيق ففي حق الله المبني على المسامحة والمساهلة أولى. وأما كونه ليس له ذلك على روايةٍ؛ فلأن القياس يقتضي المنع. ترك في ملك الجار للخبر فيبقى في غيره على مقتضاه. وأما كونه لا يضع خشبه على جدار جاره على روايةٍ مأخوذة مما ذكر من الرواية الثانية في جدار المسجد؛ فلأنه إذا لم يكن له ذلك مع أن له فيه حقاً؛ لأنه من المسلمين والمسجد مشترك بينهم؛ فلأن لا يكون له ذلك في ملك الغير المختص به بطريق الأولى.

стр. 1399

قال: (وإن كان بينهما حائط فانهدم فطالب أحدهما صاحبه ببنائه معه أجبر عليه. وعنه: لا يجبر لكن ليس له منعه من بنائه، فإن بناه بآلته فهو بينهما. وإن بناه بآلة من عنده فهو له وليس للآخر الانتفاع به، فإن طلب ذلك خُيّر الباني بين أخذ نصف قيمته منه وبين أخذ آلته). أما كون الممتنع من البناء مع شريكه يجبر عليه على المذهب؛ فلما فيه من إزالة الضرر عن شريكه. وأما كونه لا يجبر عليه على روايةٍ؛ فلأنه ملك لا حرمة له في نفسه. فلم يجبر مالكه على الإنفاق عليه؛ كما لو انفرد به. قال القاضي: أصحهما أنه يجبر لأن في ترك البناء إضراراً بالشريك فأجبر عليه كما يجبر على القَسْم إذا طلبه شريكه وعلى النقض إذا خيف سقوطه. ويؤيده قوله ﵇: «لا ضرر ولا ضرار» (١). وعدم حرمة الملك إن لم يوجب فحرمة شريكه الذي يتضرر بترك البناء يوجب. وفارق الملك المنفرد من حيث إنه لا يفوت به حق أحد ولا يتضرر به. وأما كونه على روايةِ أنه لا يجبر: ليس للشريك منع شريكه من بنائه؛ فلأن له حقاً في الحمل (٢) ورسماً في الحائط فلا (٣) يجوز منعه من ذلك. وأما كون الحائط مشتركاً بينهما إذا بناه بآلته؛ فلأن آلته مشتركة وقد عادت فيجب أن تعود كما كانت. ولأن الباني إنما أنفق على التأليف وذلك أثر لا عين يملكها. وظاهر كلام المصنف هنا وفي المغني والكافي أنه لا يملك منع شريكه من وضع ما كان له عليه؛ لأنه ذكر المنع في المسألة التي تأتي دون هذه.

стр. 1400

ولأنه قال في الكافي: عاد بينهما كما كان برسومه وحقوقه؛ لأنه عاد بعينه. وصرح صاحب النهاية بذلك فيها، فقال: فإن بناه بآلته فهو بينهما على الشركة ولا يلزم شريكه أجرة البنائين، وليس لشريكه أن يمنعه أن ينتفع بأعيان ملكه. وفيما ذكره الأصحاب نظر. وينبغي أن البانيَ يملك منع شريكه من التصرف فيه حتى يؤدي ما يخصه من الغرامة الواقعة بأجرة المثل؛ لأنه لو لم يكن كذلك لأدى إلى ضياع حق الشريك. ولأنا إذا أجبرناه على العمارة نجبره على وزن أجرة البناء كما نجبره على وزن ثمن الآلات فيجب أنه إذا وزنها الشريك يرجع بها كما لو وزن ثمن الآلات فإنه يرجع بها. ولأن الأصحاب اتفقوا على أن للشريك أن يمنع شريكه من التصرف فيما إذا بناه بآلة من عنده حتى يؤدي ما يخصه من قيمة البناء وذلك اسم الآلة مع التأليف فإذا وجب الرجوع بقيمة التأليف مع قيمة الآلة فما المانع من وجوب رد قيمة التأليف المنفرد. وأما كون البناء للباني إذا بناه بآلة من عنده؛ فلأنه ملكه. وأما كون الآخر ليس له الانتفاع به -والمراد قبل أداء ما يجب عليه-؛ فلأنه يتصرف في ملك الغير بغير إذنه. وأما كون الباني يجبر بين أخذ نصف قيمته من شريكه إذا طلب الانتفاع به وبين أخذ آلته؛ فلأنه ليس له إبطال حق شريكه، وفي أخذ القيمة جمع بين الحقين، وفي أخذ الآلة تمكين للغير من استيفاء حقه. قال: (وإن كان بينهما نهر أو بئر أو دولاب أو ناعورة أو قناة واحتاج إلى عمارة ففي إجبار الممتنع روايتان. وليس لأحدهما منع صاحبه من عمارته وإذا عمّره فالماء بينهما على الشركة). أما كون الممتنع في الصورة المذكورة يجري فيه الخلاف المذكور؛ فلما تقدم قبل. وأما كون أحدهما ليس له منع صاحبه من عمارته؛ فلما تقدم أيضاً. وأما كون الماء بينهما على الشركة؛ فلأن عامر ذلك ليس له فيه عين بل أثر فيجب أن يعود بينهما على ما كان كما لو بنى الحائط المشترك بآلته، ويجيء في هذا ما تقدم من النظر؛ لأنه مثله.

стр. 1401

كتاب الحجر (١) الحجر في اللغة: المنع. ومنه سمي الحرام حجراً؛ لأنه ممنوع منه. قال الله تعالى: ﴿ويقولون حِجْراً محجوراً﴾ [الفرقان: ٢٢] أي حراماً محرماً. ويسمى العقل حِجراً لأنه يمنع صاحبه من ارتكاب ما يقبح قال الله تعالى: ﴿هل في ذلك قسم لذي حِجْر﴾ [الفجر: ٥] أي لذي عقل. وفي الشرع: منع المحجور عليه من التصرف فيما حجر عليه فيه. قال المصنف ﵀: (وهو على ضربين: حجر لحق الغير. نذكر منه هاهنا الحجر على المفلس). أما كون الحجر على ضربين؛ فلأنه تارة يكون لحق غير المحجور عليه، وتارة يكون لحق المحجور عليه وسيأتي بيانهما في مواضعهما. وأما قول المصنف ﵀: نذكر منه هاهنا الحجر على المفلس فمشعر بأمرين: أحدهما: أن الحجر لحق الغير يكون لغير المفلس وهو صحيح لأن المريض مرض الموت يحجر عليه في التصرف بالزائد على الثلث لحق الورثة، والمكاتب والمأذون له (٢) يحجر عليهما لحق سيدهما. وثانيهما: أن المقصود هاهنا ذكر الحجر على المفلس الذي الحجر عليه لأجل غرمائه لأن ما عدا ذلك يذكر في مواضعه إن شاء الله تعالى. فإن قيل: ما المفلس؟ قيل: الذي دَينه أكثر من ماله، وفي قوله ﷺ : «ولكن المُفلسَ من يأتي يومَ القيامةِ بحسناتٍ أمثالَ الجبالِ وقد ظلمَ هذا، ولطمَ هذا، وأخذَ من عرضِ هذا. فيأخذُ هذا من حسناتهِ وهذا من حسناتهِ. فإن بقيَ عليه شيء أُخذَ من سيئاتهمْ فردّ عليه ثم صكّ له (٣)

стр. 1402

صكاً إلى النار» (١): تنبيه على ذلك لأنه أخبر أن المفلس له حسنات أمثال الجبال لكنها كانت دون ما عليه. قال: (ومن لزمه دين مؤجل لم يُطالب به قبل أجله، ولم يحجر عليه من أجله، فإن أراد سفراً يحل الدين قبل مدته فلغريمه منعه إلا أن يوثقه برهن أو كفيل، وإن كان لا يحل قبله ففي منعه روايتان). أما كون من لزمه دين مؤجل لا يطالب به قبل أجله؛ فلأن الدين المؤجل لا يلزم أداؤه قبل الأجل ومن شرط المطالبة لزوم الأداء. وأما كونه لا يحجر عليه من أجله؛ فلأن المطالبة به لا تستحق فكذا الحجر. وأما كون الغريم له منع غريمه من سفر يحل الدين قبل مدته عند عدم التوثقة؛ فلأن في ذلك تأخيراً لحقه عن محِلِّه. فملك منعه؛ كنفس التأخير. وأما كونه ليس له منعه مع التوثقة؛ فلأن ضرر التأخير يزول بذلك لتمكنه من الاستيفاء عند مَحِلِّه من الرهن أو الكفيل. وأما كونه له منعه من سفر لا يحل الدين قبل مدته في روايةٍ؛ فلأن قدومه قبل المحِلّ غيرُ متيقن ولا ظاهر. أشبه ما لو كان السفر طويلاً. وأما كونه ليس له ذلك في روايةٍ؛ فلأنه لا يستلزم تأخير حقه بخلاف المسألة قبل. قال المصنف في المغني بعد رواية المنع: هو ظاهر كلام أحمد. قال: (وإن كان حالاًّ وله مال يفي به لم يحجر عليه ويأمره الحاكم بوفائه. فإن أبى حبسه. فإن أصر باع ماله وقضى دينه). أما كون من ذكر لا يحجر عليه؛ فلأن الغرماء يمكنهم المطالبة بحقوقهم في الحال فلا حاجة إلى الحجر.

стр. 1403

وأما كون الحاكم يأمره بالوفاء؛ فلأن الغرماء إذا طلبوا ذلك منه تعين عليه لما فيه من فصل القضاء المرصد له. وأما كونه يحبسه إذا أبى ذلك؛ فلأن كل ممتنع من وفاء حقٍّ عليه يجب حبسه إذا كان قادراً عليه حتى يوفي، وما لا يتم الواجب إلا به واجب. قال: (فإن ادعى الإعسار وكان دينه عن عوض كالبيع والقرض، أو عرف له مال سابق حبس إلا أن يقيم البينة على نفاد ماله وإعساره. وهل يحلف معها؟ على وجهين. وإن لم يكن كذلك حلف وخلي سبيله). أما كون من ادعى الإعسار وكان دينه عن عوض، أو عرف له مال سابق يحبس إذا لم (١) يقم البينة على نفاده وإعساره؛ فلأن الأصل بقاء ماله وإذا كان باقياً تعين حبسه ليقضي دينه؛ كالمقر بيساره. ولا بد أن يُلحظ أن صاحب الدين مكذب للمدعي في دعواه لأنه لو صدقه لكان كما لو قامت البينة بإعساره. وسيأتي ذكره. وأما كونه لا يحبس إذا أقام البينة على ذلك؛ فلأن البينة تظهر الإعسار فيجب إنظاره لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وقول النبي ﷺ لغرماء الذي أصيب في ثمار ابتاعها وكثر دينه: «خُذوا ما وَجدتمْ وليسَ لكمْ إلا ذلك» (٢). ولأن الحبس إما أن يكون لإثبات عسرته أو ليقضي دينه، وعسرته ثابتة والقضاء متعذر. وإذا كان كذلك لم يكن في الحبس فائدة. وأما صفة ما تشهد به البينة فظاهر كلام المصنف هنا أنها لا بد وأن تشهد على النفاد. وذكر في المغني أن البينة إن شهدت بالتلف سُمِعت وإن لم تكن من أهل الخبرة الباطنة، وإن شهدت بالإعسار لم تسمع إلا أن تكون من أهل الخبرة الباطنة والمعرفة المتقادمة لأن الإعسار من الأمور الباطنة التي لا يعلمها إلا أهل الخبرة الباطنة والمخالطة. وفي هذا إشعار بأن البينة إن كانت من أهل الخبرة الباطنة كفى أن تشهد بالإعسار دون

стр. 1404

النفاد، وإن لم يكن كذلك لم يكف بل لا بد من الشهادة على النفاد. وهو تفصيل حسن لأن البينة إذا كانت من أهل الخبرة الباطنة لزم من صحة شهادتهما نفاد المال بخلاف ما إذا لم يكن كذلك. وأما كونه لا يحلف مع البينة على وجهٍ؛ فلأن في ذلك تكذيباً للبينة. وأما كونه يحلف على وجهٍ فلاحتمال أن يكون له مال لا يُعلم. وأما كونه يخلى سبيله؛ فلأن الأصل أنه لا مال له. قال: (وإن كان له مال لا يفي بدينه فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه لزمته إجابتهم. ويستحب إظهاره، والإشهاد عليه). أما كون الحاكم يلزمه إجابة غرماء المفلس إذا سألوه الحجر عليه؛ فلأن النبي ﷺ حجر على معاذ لما سأل غرماؤه ذلك، وفي الحديث عن عبدالرحمن بن كعب قال: «كان معاذ (١) من أفضلِ شبابِ قومهِ، ولم يكن يُمسكُ شيئاً. فلم يزلْ يَدّان حتى أُغرقَ مالهُ في الدينِ. فكلمَّ النبيَّ ﷺ غرماؤُه. ولو تُركَ أحدٌ من أجلِ أحد لتُركَ معاذٌ من أجلِ رسولِ اللهِ ﷺ . فباعَ لهمْ رسولُ الله ﷺ مالهُ حتى قام معاذٌ بغيرِ شيء» (٢). وأما كون إظهار الحجر والإشهاد عليه يستحب؛ فلأن في ذلك إعلاماً للناس بحاله، فلا يعامله أحد إلا على بصيرة وظنِّ فَوات ما عامله به (٣).

стр. 1405

فصل [في أحكام الحجر] قال المصنف ﵀: (ويتعلق عليه بالحجر أربعة أحكام: أحدها: تعلق حق الغرماء بماله. فلا يقبل إقراره عليه. ولا يصح تصرفه فيه إلا العتق على إحدى الروايتين). أما كون المال المذكور يتعلق به أربعة أحكام إذا حجر على مالكه فلما يأتي ذكره في مواضعه. وأما كون حق الغرماء يتعلق به؛ فلأنه لو لم يكن كذلك لما كان في الحجر فائدة. ولأنه يباع في ديونهم فكانت حقوقهم متعلقة به كالرهن. وأما كونه لا يقبل إقراره عليه؛ فلأنه مال متعلّق به حق الغير فلم يقبل الإقرار عليه كالعين المرهونة. وأما كونه إذا تصرف فيه بغير العتق لا يصح فلما ذكر. ولأنه محجور عليه بحكم الحاكم فلم يصح تصرفه فيه كالسفيه. وأما كونه إذا تصرف بالعتق لا يصح على روايةٍ فلما ذكر. ولأن حق الغرماء تعلق بماله فمنع صحة عتقه كما لو كان مريضاً. وأما كونه يصح على روايةٍ؛ فلأنه عتق من مالك رشيد صحيح. أشبه عتق الراهن. ولأن للشارع تشوفاً إلى العتق. ولذلك صحح معلقه وكمثل مبعضه. قال صاحب النهاية فيها: لعل الأول أولى لأن الحاكم لم ينشئ الحجر إلا (١) للمنع من التصرف، وفي صحة العتق إبطال لذلك.
следующие страницы →