← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

باب المساقاة المساقاة: أن يُسَلِّم الرجل شجره إلى آخر ليقوم بسقيه، وعمل سائر ما يحتاج إليه، بجزء معلوم له من ثمره. وسميت مساقاة لأنها مفاعلة من السقي؛ لأن أهل الحجاز أكثر حاجتهم إلى السقي لأنهم كانوا يسقون من الآبار. والأصل فيها «أن النبي ﷺ عاملَ أهلَ خيبرَ بشطرِ (١) ما يخرجُ منها من ثَمَرٍ أو زَرْعٍ» (٢) حديث صحيح متفق عليه. قال المصنف ﵀: (تجوز المساقاة في النخل، وكل شجر له ثمر مأكول ببعض ثمرته). أما كون المساقاة تجوز في النخل؛ فلما تقدم من معاملة النبي ﷺ أهل خيبر بشطر ما يخرج منها. ولأن الخلفاء الراشدين ﵃ فعلوا ذلك. ولأن الحاجة تدعو إلى المساقاة؛ لأن أرباب الثمار لا يتمكنون من عملها، والأكثر يحتاجون إلى الانتفاع بما يحصل لهم من غلتها فشرعت لذلك. وأما كونها تجوز في كل شجر له ثمر مأكول؛ فلأن ذلك مساو للنخل معنى فوجب أن يساويه حكماً. وأما قول المصنف ﵀: "ببعض ثمرته" ففيه تنبيه على أنه لا بد وأن يكون نصيب العامل من المساقى عليه.

стр. 1507

ولأنه لا بد وأن يكون مشاعاً. وقد تقدم ذكر ذلك في الشركة (١). فإن قيل: الحديث المتقدم ذكره منسوخ بما روى رافع بن خديج «أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة» (٢). وذلك معاملة أهل خيبر. قيل: هذا حديث مضطرب جداً. وقد فسره رافع في بعض الروايات بما لا يختلف في فساده. فروى البخاري بإسناده عن رافع قال: «كنا نُكري الأرض بالناحيةِ. فربما يصابُ ذلكَ وتَسْلَمُ الأرض، وربما تصابُ الأرضُ ويسلَمُ ذلك فَنُهينَا» (٣). وروى البخاري ومسلم بإسنادهما عن طاووس قال: «إنّ أعلمَكمْ -يعني ابن عباس- أخبرني أن النبي ﷺ لمْ ينهَ عنهُ. ولكن قال: لأن يمنحَ أحدكمْ أخاهُ خيرٌ لهُ منْ أنْ يأخذَ عليهِ خراجاً معلوماً» (٤). وقد اشتهر عن النبي ﷺ أنه لم يرجع عن معاملة أهل خيبر حتى مات ثم عمل به أبو بكر حتى مات. ثم عمر حتى أجلى اليهود فكيف يكون منسوخاً؟ . قال: (وتصح بلفظ المساقاة والمعاملة وما في معناهما. وتصح بلفظ الإجارة في أحد الوجهين. وقد نص أحمد ﵀ في روايةٍ جماعة فيمن قال: أجرتك هذه الأرض بثلث ما يخرج منها أنه يصح. وهذه مزارعة بلفظ الإجارة. ذكره أبو الخطاب. وقال أكثر أصحابنا: هي إجارة. والأول أقيس وأصح). أما (٥) كون المساقاة تصح بلفظ المساقاة؛ فلأن ذلك فيها صريح فصحت كصحة سائر العقود بسائر صرائحها. وأما كونها تصح بلفظ المعاملة؛ فلما تقدم من قول الصحابي: «أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر» (٦).

стр. 1508

وأما كونها تصح بما في معنى المساقاة والمعاملة؛ فلأن القصد المعنى فإذا أتى بما يدل عليه صح؛ كالبيع. وأما كونها تصح بلفظ الإجارة مثل أن يقول: استأجرتك لتعمل لي هذا الحائط حتى تكمل ثمرته بنصف ثمرته في وجه؛ فلأنه يحصل معنى قوله: ساقيتك على ذلك بنصف ثمرته. وأما كونها لا تصح في وجه؛ فلأنها عقد خاص فلم تصح بلفظ الإجارة كما لا تصح الإجارة بلفظ البيع. وأما الصحة فيما إذا قال: أجرتك هذه الأرض بثلث ما يخرج منها على منصوص الإمام أحمد فقد اختلف الأصحاب في معناها فقال أبو الخطاب: هي مزارعة بلفظ الإجارة ويشترط فيها شروط المزارعة وحكمها حكمها لأن النبي ﷺ قال: «من كانت له أرض فليزرعها ولا يكريها بثلث ولا بربع ولا بطعام مسمى» (١) رواه أبو داود. ولأن هذا مجهول فلم يجز جعله عوضاً في الإجارة كثلث نماء أرض أخرى. وقال أكثر الأصحاب: هي إجارة يشترط فيها شروط الإجارة لأنه صرح بالإجارة. والأصل في الإطلاق الحقيقة. والأول أقيس عند المصنف وأصح لأن الحديث المتقدم يدل عليه. واللفظ قد يعدل عن حقيقته إلى مجازه إذا دل عليه الدليل، وقد دل. قال: (وهل تصح على ثمرة موجودة؟ على روايتين). أما كون المساقاة لا تصح على ما ذكر على روايةٍ فـ «لأن النبي ﷺ عامل أهل خيبر على شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع» (٢). وذلك مفقود هاهنا.

стр. 1509

ولأن الثمرة إذا ظهرت فقد حصل المقصود فصار بمثابة مضاربته على المال بعد ظهور الربح. وأما كونها تصح على روايةٍ؛ فلأنها إذا صحت على الثمرة المعدومة مع كثرة الغرر؛ فلأن تصح مع وجودها وقلة الغرر فيها بطريق الأولى. والحديث دل بنصه على صحة المساقاة قبل الظهور وبتنبيهه على صحتها بعد الظهور وفارق المضاربة من حيث إنها بعد ظهور الربح لا تحتاج إلى عمل. واشترط المصنف ﵀ لهذه الرواية في المغني والكافي أن يبقى من العمل ما تستزاد به الثمرة كالتأبير وإصلاح الثمرة والسقي. ثم قال في المغني: فإن لم يبق من العمل شيء تزيد به الثمرة كالجذاذ لم يجز. وهذا صحيح يجب حمل إطلاقه هنا عليه. قال: (وإن ساقاه على شجر يغرسه ويعمل عليه حتى يُثمر بجزء من الثمرة صح). أما كون المساقاة على ما ذكر تصح؛ فلأن العمل وعوضه معلومان فصحت كالمساقاة على شجر موجود. وأما قول المصنف: حتى يثمر ففيه تنبيه على أنه لو ساقاه على شجر يغرسه ويعمل عليه مدة لا يثمر في مثلها لم يصح لأن من شرط المساقاة أن يكون للعامل نصيب من الثمرة ولم يوجد. قال: (والمساقاة عقد جائز في ظاهر كلامه لا تفتقر إلى ذكر مدة. ولكل واحد منهما فسخها فمتى انفسخت بعد ظهور الثمرة فهي بينهما، وإن فسخ العامل قبل ظهورها فلا شيء له، وإن فسخ رب المال فعليه للعامل أجرة عمله، وقيل هي عقد لازم تفتقر إلى ضرب مدة تكمل الثمرة فيها). أما كون المساقاة عقداً جائزاً في ظاهر كلام الإمام أحمد فـ «لأن اليهود سألوا رسول الله ﷺ أن يقرهم بخيبر على أن يعملوها ويكون لرسول الله ﷺ شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع فقال رسول الله ﷺ : نقركم على ذلك ما شئنا» (١).

стр. 1510

ولأنها لو كانت لازمة لم تجز بغير تقدير مدة. ولأنه عقد على جزء من نماء المال فكان جائزاً كالمضاربة. وأما كونها عقداً لازماً على قولٍ؛ فلأنها عقد معاوضة فكان لازماً كالإجارة. ولأنه لو كان جائزاً لجاز لرب المال الفسخ إذا أدركت الثمرة فيسقط حق العامل وذلك إضرار به. وأما كونها لا تفتقر إلى ذكر مدة على القول بأنها عقد جائز؛ فلأن النبي ﷺ لم يذكر لأهل خيبر مدة حين عاملهم. ولأنها عقد جائز فلم تفتقر إلى ذكر المدة؛ كسائر العقود الجائزة. وأما كون كل واحد من المتعاقدين له فسخها على ذلك؛ فلأن ذلك شأن كل عقد جائز. وأما كون الثمرة بينهما إذا حصل الفسخ بعد ظهورها؛ فلأنها ظهرت على ملكهما. وأما كون العامل إذا فسخ قبل ظهورها لا شيء له؛ فلأنه رضي بإسقاط حقه. أشبه المضارب إذا فسخ قبل ظهور الربح. وأما كون رب المال عليه للعامل أجرة عمله إذا فسخ؛ فلأنه منعه من إتمام عمله الذي استحق به العوض. أشبه الجاعل إذا فسخ الجعالة. وأما كونه يفتقر إلى ضرب مدة تكمل الثمرة فيها على القول بأنها (١) عقد لازم؛ فلأنها مشبهة بالإجارة فلم يكن بد من ضرب مدة يكمل فيها المقصود؛ كالإجارة. قال: (فإن جعلا مدة لا تكمل فيها لم تصح. وهل للعامل أجرة؟ على وجهين). أما كون المساقاة فيما ذكر لا تصح (٢)؛ فلأن المقصود الاشتراك في الثمرة وذلك لا يوجد في تلك المدة.

стр. 1511

وأما كون العامل لا أجرة له (١) على وجهٍ؛ فلأنه رضي بالعمل بغير عوض فهو كالمتطوع. وأما كونه له الأجرة على وجهٍ؛ فلأن المساقاة تقتضي العوض فلا تسقط بالرضى بتركه كالوطء في النكاح. قال: (وإن جعلا مدة قد تكمل فيها وقد لا تكمل فهل تصح؟ على وجهين. فإن قلنا لا تصح فهل للعامل أجرة؟ على وجهين). أما كون المساقاة فيما ذكر تصح على وجهٍ؛ فلأن الشجر يجوز أن يحمل وأن لا يحمل. أشبه ما يحمل غالباً. وأما كونها لا تصح على وجهٍ؛ فلأنه عقد على معدوم ليس الغالب وجوده فلم يصح كالسَّلَم. وأما كون العامل له أجرة مثله إذا قيل بعدم الصحة ففيه وجهان وجههما (٢) ما تقدم. وقال المصنف ﵀ في المغني بعد ذكر هذه المسألة: إن قلنا هو فاسد استحق أجرة المثل سواء حمل أو لم يحمل؛ لأنه لم يرض بغير عوض ولم يسلم له العوض فكان له العوض وجهاً واحداً. بخلاف ما لو جعل الأجل إلى مدة لا يحمل في مثلها غالباً وهذا متجه؛ لأن تعليل أحد الوجهين فيما إذا كانت الشجرة لا تحمل في مدة المساقاة أنه رضي بغير عوض وهذا لا يتجه هنا. قال: (وإن مات العامل تمم الوارث، فإن أبى استؤجر على العمل من تركته، فإن تعذر فلرب المال الفسخ). أما كون وارث العامل يتمم عمل موروثه؛ فلأنه يقوم مقامه في ما له فكذا فيما عليه.

стр. 1512

وأما كونه يستأجر على العمل من تركته إذا أبى الوارث ذلك؛ فلأن العمل كان عليه فوجب أن يتعلق بتركته؛ كسائر ما عليه. وأما كون رب المال له الفسخ إذا تعذر العمل من التركة؛ فلأن تعذر المعوض في المعاملات يُثبت سَلْطَنَةَ الفسخ. دليله البيع. قال: (فإن فسخ بعد ظهور الثمرة فهي بينهما. وإن فسخ قبله فهل للعامل أجرة؟ على وجهين. وكذلك إن هرب العامل فلم يوجد له ما ينفق عليها). أما كون الثمرة بين العامل ورب المال إذا فسخ بعد ظهور الثمرة؛ فلأن الثمرة حدثت على ملكهما. وأما كون العامل له أجرة إذا فسخ رب المال قبل ظهور الثمرة على وجهٍ؛ فلأن مطلق العقد يقتضي العوض المسمى. فإذا تعذر وجب الرجوع بما يقوم مقامه. وأما كونه لا شيء له على وجهٍ؛ فلأن الفسخ بسبب من جهته. أشبه ما لو فسخ هو. وأما كون حكم العامل إذا هرب فلم يوجد له ما ينفق على الثمرة حكم ما إذا مات؛ فلأنهما اشتركا في تعذر العمل وتضرر رب المال بتعذر الفسخ فوجب اشتراكهما فيما ذكر؛ لأن الاشتراك معنى يوجب الاشتراك حكماً. قال: (وإن عمل فيها رب المال بإذن حاكم أو إشهاد رجع به، وإلا فلا). أما كون رب المال يرجع بما عمله بإذن حاكم؛ فلأن الحاكم نائب عن الغائب. وأما كونه يرجع بما عمله بإشهادٍ فينظر فيه فإن كان ذلك عند تعذر استئذان الحاكم رجع به؛ لأنه معذور لعدم القدرة على الاستئذان، وليس بمتبرع بدليل الإشهاد، وإن كان ذلك عند القدرة على الاستئذان ففيه وجهان مبنيان على من قضى دين الغير بغير إذنه. وأما كونه لا يرجع إذا لم يوجد إذن ولا إشهاد؛ فلأنه متبرع ظاهراً.

стр. 1513

فصل [فيما يلزم العامل ورب المال] قال المصنف ﵀: (ويلزم العامل ما فيه صلاح الثمرة، وزيادتها من السقي، والحرث، والزبار، والتلقيح، والتشميس، وإصلاح طرق الماء، وموضع التشميس، ونحوه. وعلى رب المال ما فيه حفظ الأصل: من سد الحيطان، وإجراء الأنهار، وحفر البئر، والدولاب، وما يديره. وقيل: ما يتكرر كل عام فهو على العامل، وما لا فلا). أما كون العامل يلزمه جميع ما ذكره المصنف مفصلاً على المذهب؛ فلأن العامل إنما يراد لأجل الثمرة فاقتضى أن يكون عليه ما يؤدي إلى صلاحها وزيادتها، وجميع ما ذكر يؤدي إلى ذلك. وأما كون ما يتكرر كل عام عليه في قول؛ فلأنه يتعلق بعمله فكان عليه كالحرث. وظاهر ما ذكر أن الذي يلقح به على العامل لأنه مما يتكرر. وقال المصنف في المغني: وقيل ما يتكرر كل عام على العامل إلا ما يلقح به فإنه على المالك وإن تكرر لأنه ليس بعمل. فيجب حمل كلامه هنا عليه لئلا يتناقض، ولما ذكر من الدليل. وأما كون رب المال عليه ما فيه حفظ الأصل لا غير على المذهب: أما كونه عليه ذلك؛ فلأن الأصل له فكان ما يراد لحفظه عليه. وأما كونه ليس عليه غير ذلك؛ فلعدم العلة المذكورة. وأما كونه عليه ما لا يتكرر كل عام في قولٍ؛ فلأن ذلك لا تعلق للعمل به. أشبه ما فيه حفظ الأصل. وأما قول المصنف: من سد الحيطان ... إلى آخره فتعداد لصور فيها حفظ الأصل، وبيان لها. وكل ذلك على رب المال لما تقدم ذكره.

стр. 1514

فعلى هذا ما يدير الدولاب من بقر ونحوه على رب المال لأنه مما ذكر، وبذلك صرح أصحابنا. وقال المصنف في المغني: ذلك على العامل لأنه يراد للعمل كبقر الحرث. ولأن سقي الماء عليه إذا لم يحتج إلى دابة فكذا هاهنا. وهذا اختياره لا نقل عن غيره. قال: (وحكم العامل حكم المضارب فيما يقبل قوله فيه وما يرد. وإن ثبتت خيانته ضم إليه من يشارفه. فإن لم يمكن حفظه استؤجر من ماله من يعمل العمل). أما كون حكم العامل حكم المضارب فيما يقبل قوله فيه وما يرد؛ فلأن العامل في المساقاة أمين رب المال فوجب أن يكون حكمه حكم المضارب فيما ذكر لاشتراكهما في كونهما أميني رب المال. وأما كونه يضم أمين إلى العامل يشارفه إذا ثبتت خيانته؛ فلأنه أمكن دفع الضرر عن رب المال بذلك مع إمضاء العامل على عمله. وأما كونه يستأجر من يعمل العمل من مال العامل إذا لم يمكن حفظه؛ فلأنه تعذر استيفاء العمل منه فاستوفي بغيره كما لو هرب. قال: (وإذا شرط إن سقى سيحاً فله الربع. وإن سقى بكلفة فله النصف. وإن زرعها شعيراً فله الربع. وإن زرعها حنطة فله النصف لم يصح في أحد الوجهين. وإن قال: ما زرعت من شعير فلي ربعه، وما زرعت من حنطة فلي نصفه. أو ساقيتك هذا البستان بالنصف على أن أساقيك الآخر بالربع لم يصح وجهاً واحداً). أما كون المساقاة لا تصح فيما إذا شرط إن سقى سيحاً فله الربع، وإن سقى بكلفة فله النصف. وإن زرعها شعيراً فله الربع، وإن زرعها حنطة فله النصف في وجهٍ؛ فلأن العمل مجهول. ولأنه في معنى بيعتين في بيعه وهو قوله: بعتك بعشرة نقداً أو بعشرين نسأ.

стр. 1515

وأما كونها تصح في وجه؛ فلأنه في معنى إن خطته رومياً فلك كذا، وإن خطته فارسياً فلك كذا، وقد صح هناك في روايةٍ فليكن هنا مثله (١). وأما كونها لا تصح وجهاً واحداً فيما إذا قال: ما زرعت من شعير فلي ربعه، وما زرعت من حنطة فلي نصفه؛ فلأن ما يزرعه من كل واحد من الصنفين مجهول القدر فجرى مجرى ما لو شرط في المساقاة ثلث هذا النوع ونصف النوع الآخر وهو جاهل بما فيه منهما. وأما كونها لا تصح وجهاً واحداً فيما إذا قال: ساقيتك هذا البستان بالنصف على أن أساقيك الآخر بالربع؛ فلأنه شرط عقداً في عقد فلم يصح؛ كما لو قال: بعتك هذا بكذا على أن أبيعك هذا بكذا.

стр. 1516

فصل في المزارعة قال المصنف ﵀: (وتجوز المزارعة بجزء معلوم يُجعل للعامل من الزرع. فإن كان في الأرض شجر فزارعه الأرض وساقاه على الشجر صح. ولا يشترط كون البذر من رب الأرض، وظاهر المذهب اشتراطه). أما كون المزارعة تجوز؛ فلما تقدم من «أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع» (١) متفق عليه. قال البخاري: قال أبو جعفر: ما بالمدينةِ أهلُ بيتٍ إلا ويزرعونَ على الثلثِ والربع (٢). وعنه قال: «عامل رسول الله ﷺ أهل خيبر بالشطر ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ثم أهلوهم إلى اليوم». وأما كون المزارعة والمساقاة تصح فيما إذا كان في الأرض شجر فزارعه الأرض، وساقاه على الشجر؛ فلأن كل واحد منهما عقد لو انفرد لصح فإذا اجتمعا وجب أن يصحا كحالة الانفراد. وأما ما يشترط لصحة المزارعة فأمور: منها: كون نصيب العامل مشاعاً معلوماً. وقد تقدم ذكر دليله في الشركة ومساواة حكم المزارعة لحكم المساقاة فيما ذكر (٣). وثانيها: كون البذر من رب الأرض في ظاهر المذهب؛ لأن المزارعة عقد يشترك العامل ورب الأرض في نمائه. فوجب أن يكون رأس المال كله من عند أحدهما

стр. 1517

كالمساقاة والمضاربة. وروي عن الإمام أحمد أنه لا يشترط ذلك. وهو اختيار المصنف لأن ابن عمر قال: «دفع رسول الله ﷺ إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعملوها من أموالهم ولرسول الله ﷺ شطر ثمرها» (١). وفي لفظ: «على أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها» (٢) أخرجهما البخاري. فجعل عملها (٣) من أموالهم وزرعها عليهم، ولم يذكر شيئاً آخر. وظاهره كون البذر من أهل خيبر. وروى البخاري «أن عمر ﵁ عاملَ الناسَ على أنه إن جاءَ بالبذرِ من عندهِ فلهُ الشطرُ وإن جاؤا بالبذرِ فلهمْ كذَا» (٤). وهذه الرواية هي أصح دليلاً لأن دليل المذهب قياس في مقابلة النص. ثم هو منتقض بما إذا اشترك مالان وبدن صاحب أحدهما. قال: (وإن شرط أن يأخذ رب الأرض مثل بذره ويقتسما (٥) الباقي، أو شرط لأحدهما قفزاناً معلومة، أو دراهم معلومة (٦)، أو زرع ناحية معينة من الأرض فسدت المزارعة والمساقاة. ومتى فسدت فالزرع لصاحب البذر وعليه أجرة صاحبه. وحكم المزارعة حكم المساقاة فيما ذكرنا). أما كون المزارعة والمساقاة تفسد بكل واحد من الشروط المذكورة؛ فلأن كل واحد منها غير جائز. فوجب أن يفسد عقده؛ كما لو باعه شيئاً وشرط عليه أن لا يبيعه. بيان عدم جواز كل واحد مما ذكر. أما شرط أخذ رب الأرض مثل بذره؛ فلأن ذلك بمنزلة ما لو شرطه له.

стр. 1518

وأما شرط قفزان معلومة لأحدهما؛ فلأنه ربما لا يخرج من الأرض مثل ذلك فيؤدي إلى ضرر المعطي للزائد. وأما شرط دراهم معلومة لأحدهما؛ فلأنه ربما لا يخرج من الأرض ما يساوي ذلك فيؤدي إلى الضرر المذكور قبل. وأما شرط زرع ناحية معينة؛ فلأن ذلك منهي عنه في الحديث. وأما كون الزرع لصاحب البذر مع فساد المزارعة؛ فلأنه نماء بذره. وأما كون أجرة صاحبه عليه؛ فلأنه دخل على أنه يأخذ مما سمي له. فإذا فات رجع إلى بدله. ولأنه لم يرض بالعمل مجاناً. وأما كون حكم المزارعة حكم المساقاة فيما تقدم ذكره من الجواز واللزوم وما يلزم العامل ورب الأرض وغير ذلك؛ فلأنهما سواء معنى فكذا يجب أن يكون حكماً. قال: (والحصاد على العامل. نص عليه. وكذلك الجذاذ. وعنه: أن الجذاذ عليهما). أما كون الحصاد على العامل على منصوص الإمام أحمد؛ فـ «لأن النبي ﷺ دفع خيبر إلى يهود خيبر على أن يعملوها من أموالهم» (١). وهذا من العمل الذي لا يستغني عنه الزرع. وأما كون الجذاذ كذلك على المذهب فلما ذكر في الحصاد. وأما كونه عليه وعلى رب الشجر على روايةٍ؛ فلأنه يوجد بعد تكامل النماء. والأول أولى لما ذكر. ودليل الثانية: ينتقض بالتشميس.

стр. 1519

قال: (وإذا قال: أنا أزرع الأرض ببذري وعواملي، وتسقيها بمائك، والزرع بيننا فهل يصح؟ على روايتين. وإن زارع شريكه في نصيبه صح). أما كون المساقاة فيما إذا قال: أنا أزرع الأرض ببذري وعواملي وتسقيها بمائك لا تصح على روايةٍ وهي اختيار القاضي؛ فلأن العوض الذي في مقابلته الماء مجهول. وأما كونها تصح على روايةٍ وهي اختيار أبي بكر؛ فلأنه لما جاز أن يؤجر الأرض ببعض الخارج منها وهو مجهول جاز أن يجعل عوض الماء كذلك. قال المصنف في المغني: الأولى أصح وأقيس لأنها لا تتحقق مزارعة، ولا يجوز أن يستأجر الماء ولا أن يبتاع بعوض معلوم فكيف إذا كان مجهولاً. وأجاب عن إجارة الأرض ببعض الخارج بالمنع وبتقدير التسليم يطلب الجامع. وأما كون مزارعة الشريك لشريكه في نصيبه تصح؛ فلأن ذلك بمنزلة شراء الشريك نصيب شريكه وذلك جائز فكذا هذا.

стр. 1520

باب الإجارة الإجارة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: ٦]، وقوله تعالى: ﴿قالت إحداهما يا أبتِ استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾ [القصص: ٢٦]، وقوله: ﴿إني أريد أن أُنْكِحَكَ إحدى ابنتي هاتين على أن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَج﴾ [القصص: ٢٧]. وأما السنة فثبت «أن النبي ﷺ وأبا بكر استأجرَا رجلاً من بني الدِّيلِ هَادِياً خِرِّيتاً» (١). وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «يقولُ اللهُ تعالى: ثلاثةٌ أنا خصمهمْ يومَ القيامةِ: رجلٌ أعطى بي ثمَّ غَدرْ، ورجلٌ باعَ حُراً وأكلَ ثمنهُ، ورجلٌ استأجرَ أجيراً فاستوفَى منهُ ولم يوفّهِ أجرَهُ» (٢). والأخبار في هذا كثير. وأما الإجماع فأجمع أهل العلم على جواز الإجارة في الجملة. قال المصنف ﵀: (وهي: عقد على المنافع. تنعقد بلفظ الإجارة والكراء وما في معناهما. وفي لفظ البيع وجهان). أما قوله ﵀: وهي عقد على المنافع فبيان لمعنى الإجارة ليحصل به معرفة حقيقتها وتمييزها عن الأعيان. وأما كونها تنعقد بلفظ الإجارة والكراء؛ فلأنهما موضوعان لذلك. وأما كونها تنعقد بلفظ البيع في وجه؛ فلأنها حقيقة فانعقدت بلفظه كسائر أنواعه.

стр. 1521

وأما كونها لا تنعقد به في وجه؛ فلأن فيها معنى خاصاً فافتقرت إلى لفظ يدل على ذلك المعنى. ولأن الإجارة تضاف إلى العين التي يضاف البيع إليها إضافة واحدة فاحتيج لفظ يفرق بينهما كالعقود المتباينة. ولأنها تخالف البيع في الاسم والحكم. أشبهت النكاح.

стр. 1522

[فصل في شروط الإجارة] قال: (ولا تصح إلا بشروط ثلاثة: أحدها: معرفة المنفعة: إما بالعرف كسكنى الدار شهراً أو خدمة العبد سنة، وإما بالوصف كحمل زبرة حديد وزنها كذا إلى موضع معين وبناء حائط يذكر طوله وعرضه وسمكه وآلته وإجارة أرض معينة لزرع كذا أو غرس أو بناء معلوم). أما كون الإجارة لا تصح إلا بشروط ثلاثة؛ فلما يأتي في مواضعها. وأما كون أحد شروط صحة الإجارة: معرفة المنفعة؛ فلأن الإجارة بيع، والبيع لا يصح إلا بمعرفة المبيع. وأما طريق المعرفة فأمران: أحدهما: العرف. وثانيهما: الوصف؛ لأن كل واحد منهما تتميز به المنفعة. وذلك هو المطلوب. وأما قول المصنف ﵀: "كسكنى الدار شهراً وخدمة العبد سنة"؛ فتمثيل لحصول معرفة المنفعة. وقوله: "كحمل زبرة حديد وزنها كذا إلى موضع معين وبناء حائط ... إلى قوله: وآلته"؛ فتمثيل لحصول المنفعة بالوصف. وإنما اشترط الوزن والمسافة في الزبرة، وذكر الطول والعرض والسمك والآلة في بناء الحائط لأن المعرفة لا تحصل إلا بذلك. ولأن الغرض يختلف باختلاف ذلك فلم يكن بُدٌّ من ذكره. وأما قوله: "وإجارة أرض معينة لزرع كذا أو غرس أو بناء معلوم" فبيان لأن إجارة الأرض تارة تكون لزرع وتارة لغرس وتارة لبناء. وفيه تنبيه على اشتراط ما ذكر لأن الغرض يختلف باختلافه فاشترط ذكره؛ كالصفات التي يختلف الثمن بسببها في السلم.

стр. 1523

قال: (وإذا استأجر للركوب: ذكر المركوب فرساً أو بعيراً ونحوه (١). فإن كان للحمل لم يحتج إلى ذكره). أما كون المستأجر يذكر المركوب إذا كانت الإجارة للركوب؛ فلأن غرض الراكب يختلف فلم يكن بد من ذكره نفياً للنزاع. وأما كونه لا يحتاج إلى ذلك إذا كانت الإجارة للحمل؛ فلأن الغرض في ذلك لا يختلف.

стр. 1524

فصل [الشرط الثاني] قال المصنف ﵀: (والثاني: معرفة الأجرة بما يحصل به معرفة الثمن. إلا أنه يصح أن يستأجر الأجير بطعامه وكسوته، وكذلك الظِّئْر. ويستحب أن تعطى عند الفطام عبداً أو وليدة إذا كان المسترضع موسراً). أما كون الثاني من شروط صحة الإجارة (١): معرفة الأجرة بما يحصل به معرفة الثمن غير المستثناة؛ فلأن الأجرة أحد العوضين فاشترط معرفتها بما ذكر؛ كالعوض في البيع. وأما كون إجارة الأجير بطعامه وكسوته تصح؛ فلأن النبي ﷺ قال: «رحمَ اللهُ أخي موسى آجرَ نفسهُ ثمانيَ سنينَ على طعامَ بَطنْه (٢) وعِفّةِ فَرْجِه» (٣) رواه ابن ماجة. ولأن العادة جارية به من غير نكير. أشبه الإجماع. وأما كون إجارة الظِّئْر وهي المرضعة كذلك؛ فلأنها في معنى الأجير بل أولى لأن الحاجة تدعو إلى الرضاع أكثر من غيره. وأما كونها يستحب أن تعطى عند الفطام عبداً أو وليدة إذا كان المسترضع موسراً؛ فلما روي «أن رجلاً قال لرسول الله ﷺ : ما يذهبُ عَني مَذمّةَ (٤) الرضَاعِ؟ قال: الغرةُ: العبدُ أوِ الأمَة» (٥) رواه أبو داود.

стр. 1525

ولأن في ذلك إبقاء لحياته فاستحب جعل الجزاء رقبة للتناسب. قال: (وإن دفع ثوبه إلى قصار أو خياط ليعملاه ولهما عادة بأجرة صح ولهما ذلك وإن لم يعقدا عقد إجارة. وكذلك دخول الحمام والركوب في سفينة الملاح). أما كونه يصح أن يدفع الثوب إلى من ذكر كما ذكر إذا كان للمدفوع إليه عادة بأخذ الأجرة وكونه له الأجرة المعروفة؛ فلأن العرف يجري مجرى الشرط. دليله ما لو باع شيئاً وأطلق الثمن وللبلد نقد واحد معروف. ولأن (١) شاهد الحال يقتضي أخذ الأجرة. أشبه ما لو عرّض له فقال: خذه وأنا أعلم أنك إنما تعمل بالأجرة. وأما كون دخول الحمام والركوب في سفينة الملاح كذلك؛ فلاشتراك الجميع في العرف الجاري مجرى الشرط. ومفهوم كلام المصنف ﵀ أن أحد هؤلاء متى لم تكن له عادة بأخذ الأجرة لا يستحق شيئاً (٢) إلا أن يَشْرِط له. وصرح المصنف بذلك في الخياط والقصار فقال في المغني بعد ذكر المسألة: فإن لم يكونا منتصبين لذلك لم يستحقا الأجرة إلا بالعقد أو شرط العوض أو تعريض به لأنه لم يجر بذلك عرف يقوم مقام العقد. قال: (وتجوز إجارة دار بسكنى دار وخدمة عبد وتزويج امرأة) (٣). أما كون إجارة دار تجوز بسكنى دار وخدمة عبد؛ فلأن كل واحد منهما يجوز في مقابلته بالعوض فجاز أن يكون (٤) عوضاً في الإجارة كالدراهم والدنانير. ولأن ذلك يكون عوضاً في البيع، والإجارة مثله لأنها بيع المنافع. وأما كونها تجوز بتزويج امرأة؛ فلأن ما ذكر قبل يجري فيه فوجب أن يلحق به.

стр. 1526

قال: (وتجوز إجارة الحلي بأجرة من جنسه. وقيل: لا تصح). أما كون إجارة الحلي تجوز بأجرة من جنسه على المذهب والمراد به صحتها؛ فلأن الحلي عين ينتفع بها منفعة مباحة مع بقائها. أشبهت الدور والأراضي. وأما كونها لا تصح على وجهٍ؛ فلأنها تحتك بالاستعمال فيذهب منها أجزاء وإن كانت يسيرة، وتحصل الأجرة التي من جنسها في مقابلة ذلك الانتفاع (١) فيفضي إلى بيع ذهب بذهب وشيء آخر، أو فضة بفضة وشيء آخر. والأول أولى؛ لما ذكر. والأجرة في مقابلة الانتفاع لا غير فيزول الإشكال. قال: (وإن قال: إن خطت هذا الثوب اليوم فلك درهم وإن خطته (٢) غداً فلك نصف درهم فهل يصح؟ على روايتين). أما كون ذلك يصح على روايةٍ؛ فلأن في ذلك غرضاً صحيحاً تدعو الحاجة إليه فوجب أن يصح تحصيلاً لتلك الحاجة. وأما كونه لا يصح على روايةٍ؛ فلأنه عقد واحد اختلف عوضه بالتقديم والتأخير فلم يصح؛ كما لو قال: بعتك بعشرة نقداً أو بعشرين نسأ. قال: (وإن قال: إن خطته رومياً فلك درهم، وإن خطته فارسياً فلك نصف درهم فعلى وجهين). أما الخلاف المذكور من الوجهين فمخرج على الخلاف المتقدم من الروايتين. وأما معنى الرومي ... ، وأما معنى الفارسي ... (٣). قال: (وإن أكراه دابة وقال: إن رددتها اليوم فكراؤها خمسة، وإن رددتها غداً فكراؤها عشرة. فقال أحمد: لا بأس به. وقال القاضي: يصح في اليوم الأول دون الثاني). أما كون ما ذكر لا بأس به على ما قال الإمام أحمد؛ فلأنه لا يؤدي إلى التنازع.

стр. 1527

وأما كونه يصح في اليوم الأول دون الثاني على قول القاضي؛ فلأن المؤجر في اليوم الأول معلوم دون الثاني. قال: (وإن أكراه دابة عشرة أيام بعشرة دراهم فما زاد فله بكل يوم درهم فقال أحمد: هو جائز. وقال القاضي: يصح في العشرة وحدها). أما كون ذلك جائزاً على قول الإمام أحمد فلما يأتي من حديث علي ﵁. وأما كونه يصح في العشرة وحدها على قول القاضي؛ فلأن المؤجر الذي يقابله العشرة معلوم دون ما بعده. قال: (ونص أحمد على أنه لا يجوز أن يكتري لمدة غزاته. وإن سمى لكل يوم شيئاً معلوماً فجائز). أما كونه لا يجوز أن يكتري لمدة غزاته على المنصوص؛ فلأن ذلك مجهول. وأما كونه يجوز أن يسمي لكل يوم شيئاً معلوماً؛ فـ «لأن علياً آجر نفسه كل دلو بتمرة» (١). ولم ينكره النبي ﷺ . وهذا في معناه. ولأن ما يقابل كل يوم من المدة معلوم الأجرة. أشبه ما لو قال: أجرتكها سنة كل يوم بدرهم، أو قال: استأجرتك لنقل هذه الصبرة كل قفيزٍ منها بدرهم. قال: (وإن أَكراهُ كل شهرٍ بدرهم، أو كل دلوٍ بتمرة، فالمنصوص أنه يصح، وكلما دخل شهر (٢) لزمهما حكم الإجارة. ولكل واحدٍ الفسخ عند تَقَضِّي كل شهر. وقال أبو بكر وابن حامد: لا يصح). أما كون ما ذكر يصح على المنصوص؛ فلما تقدم من حديث علي (٣)، وعدم إنكار النبي ﷺ .

стр. 1528

وأما كونه لا يصح ويلزمهما حكم الإجارة كلما دخل شهر (١)؛ فلأن دخوله بمنزلة إيقاع العقد على عينه ابتداء. وأما كون كل واحدٍ منهما له الفسخ عند تَقَضِّي كل شهر؛ فلأن اللزوم إنما كان لأجل الدخول المنزّل منزلة إيقاع العقد ابتداء ولم يوجد بعد. وأما كون ما تقدم ذكره لا يصح على قول أبي بكر وابن حامد؛ فلأن مدة الإجارة مجهولة.

стр. 1529

فصل [الشرط الثالث] قال المصنف ﵀: (الثالث: أن تكون المنفعة مباحة مقصودة فلا تجوز الإجارة على الزنا والزمر والغناء، ولا إجارة الدار لتجعل كنيسة أو بيت نار أو لبيع الخمر). أما كون الثالث من شروط الإجارة: أن تكون المنفعة مباحة مقصودة؛ فلأن المنفعة المحرمة مطلوبة العدم، وصحة الإجارة تنافيها لأنها تقضي كثرة إيقاعها. ولأن المنفعة المحرمة لا يجوز مُقابَلَتُها بالعوض في البيع فكذا في الإجارة. ولأن ما لا يقصد لا يقابل بالعوض. وأما كون الإجارة لا تجوز على الزنا ولا على الزمر ولا على الغناء؛ فلأن جميع ذلك محرم. وأما كون إجارة الدار لتجعل كنيسة أو بيت نار أو لبيع الخمر لا يجوز؛ فلأن في ذلك إعانة على المعصية. أشبه الإجارة للزنا. قال: (ولا يصح الاستئجار على حمل الميتة والخمر. وعنه: يصح ويكره أكل أجرته). أما كون الاستئجار على حمل ما ذكر لا يصح على المذهب؛ فلأنه استئجار لفعل محرم فلم يصح؛ كغيره من المحرمات. وأما كونه يصح على روايةٍ؛ فلأن الفعل لا يتعين عليه. ولأنه يجوز حمله (١) لإراقته فكذا حمله لغيره. وأما كونه يكره أكل أجرته؛ فللاختلاف في حرمته.

стр. 1530

فصل [في أنواع الإجارة] قال المصنف ﵀: (والإجارة على ضربين: أحدهما: إجارة عين، فيجوز إجارة كل عين يمكن استيفاء المنفعة المباحة منها مع بقائها، فيجوز له استئجار حائط ليضع عليه أطراف خشبه، وحيوان ليصيد به إلا الكلب، واستئجار كتاب ليقرأ فيه إلا المصحف في أحد الوجهين، واستئجار النقد للتحلي والوزن لا غير. فإن أطلق الإجارة لم تصح في أحد الوجهين وتصح في الآخر، وينتفع بها في ذلك). أما كون [الإجارة على ضربين؛ فلأنها تارة تكون على العين، وتارة تكون على عمل في الذمة. وأما كون] (١) إجارة كل عين يمكن استيفاء المنفعة المباحة منها مع بقائها يجوز؛ فلأن الشروط المعتبرة مجتمعة فيها. فعلى هذا يجوز استئجار حائط ليضع عليه أطراف خشبه؛ لأن الحائط عين يمكن استيفاء المنفعة منها مع بقائها، واستئجار حيوان غير كلب له ليصيد به لما ذكر. وإنما لم يجز في الكلب لأن إجارته كبيعه وبيعه غير جائز فكذا إجارته، واستئجار كتاب غير مصحف ليقرأ فيه لما تقدم. وأما إجارة المصحف ففيها وجهان مخرجان على بيعه. واستئجار النقد للتحلي والوزن لما تقدم ولا يجوز لغير ذلك من إنفاق وغيره لأن فيه إذهاباً لعينه، وبقاؤها شرط. فعلى هذا إذا أطلق الإجارة فهل تصح؟ فيه وجهان:

стр. 1531

أحدهما: لا يصح ويكون قرضاً. ذكره القاضي لأن الإجارة تقتضي الانتفاع، والانتفاع بالدراهم والدنانير المعتاد إنما هو بأعيانهما فإذا أطلق الانتفاع حمل على العرف. وثانيهما: يصح. ذكره أبو الخطاب لأن المنفعة المستوفاة منهما بالإجارة المنفعة في التحلي والوزن وهما متقاربان فوجب أن يحمل الإطلاق عليهما؛ كاستئجار الدار مطلقاً فإنه يتناول السكنى ووضع المتاع فيها. فعلى هذا ينتفع بهما في الوزن والتحلي لأنهما اللذان حمل العقد عليهما. قال: (ويجوز استئجار ولده لخدمته وامرأته لرضاع ولده وحضانته). أما كون استئجار الولد لخدمة والده يجوز؛ فلأنه يجوز أن يؤجره من الأجنبي فجاز من نفسه بالقياس عليه. وأما كون استئجار امرأته لرضاع ولده يجوز؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: ٦]، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا ترضع لكم الحمقاء» (١) فدل بمفهومه على جواز استرضاع غيرها. ولأن كل عقد صح مع غير الزوج صح معه؛ كالبيع. ولأن منافعها في الرضاع والحضانة غير مستحقة للزوج بدليل أنه لا يملك إجبارها على ذلك. قال صاحب النهاية فيها: النهي في الحديث نهي شفقة لأن الحمق مرض والمرض يضر بالولد. وقال: الحضانة تربية الولد ودهنه ومعاهدته بالكحل والغسل لأقذاره وأوساخه وإصلاح طعامه.

стр. 1532

قال: (ولا تصح إلا بشرط خمسة: أحدها: أن يعقد على نفع العين دون أجزائها، فلا تصح إجارة الطعام للأكل، ولا الشمع ليشعله، ولا حيوان ليأخذ لبنه. إلا في الظئر، ونقع البئر يدخل تبعاً). أما كون إجارة العين لا تصح إلا بالشروط الخمسة المذكورة فلما يأتي ذكره في كل واحد منها. وأما كون أحد الشروط المذكورة: أن يعقد على نفع العين دون أجزائها فيما عدا المستثنى؛ فلأن الإجارة عقد على المنافع فإذا وقع على الأجزاء لم تكن إجارة. فعلى هذا لا تصح إجارة شيء مما ذكر المصنف كما ذكره لأنها إجارة على جزء لا على عين (١). وأما كون إجارة الظئر وهي المرضعة تصح؛ فلما تقدم من قوله: ﴿فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن﴾ [الطلاق: ٦]. و«لأن النبي ﷺ استرضع ولده إبراهيم». ولأن الحاجة تدعو إليه. أشبه سائر المنافع. وأما كون إجارة نقع البئر يصح؛ فلأن الحاجة تدعو إليه. أشبه لبن الظئر. وأما قول المصنف ﵀: يدخل تبعاً فيحتمل أنه عائد إلى نقع البئر لأنه أفرد الضمير، ويحتمل أنه عائد إلى الظئر ونقع البئر. وبه صرح غيره فقال: إلا في الظئر ونقع البئر فإنهما يدخلان تبعا. فعلى هذا يكون في الكلام إشعار بأن المعقود عليه في الظئر غير اللبن. واختلف الأصحاب في ذلك: فمنهم من قال: هو الخدمة، واللبن تبعاً؛ كالصبغ في إجارة الصباغ لأن اللبن لو كان معقوداً عليه لاستحق بالإجارة عين من الأعيان. ومنهم من قال: هو اللبن. قال القاضي: هو أشبه لأنه لو كان الخدمة لما وجب على الظئر سقي الولد (٢) اللبن فيكون استحقاق العين بالإجارة. وخصه لموضع الحاجة لأن غيره لا يقوم مقامه ولهذا

стр. 1533

جاز في الآدمي دون غيره من الحيوان لأن الحاجة تدعو إلى حفظه وإبقائه بخلاف غيره. ولقائل أن يقول: استثناء لبن الظئر مما لا تجوز إجارته لكونه لا ينتفع به إلا بذهاب عينه مع القول بأنه يدخل تبعاً لا يصح؛ لأن المعقود عليه إن كان الخدمة فلا يصح استثناؤها مما ذكر لكونها ليست من جنس المستثنى منه لأن خدمة المرضعة نفع مع بقاء العين، وإن كان اللبن فلا يصح قوله: يدخل تبعاً لأنه معقود عليه فهو أصل لا تبع. والأولى أن يحمل كلام المصنف على نقع البئر خاصة ليخلص من هذا الإشكال. وأما نقع البئر فإنه يدخل تبعاً لأن هواء البئر وعمقه فيه نوع انتفاع بمرور الدلو فيه. قال: (الثاني: معرفة العين برؤية أو صفة في أحد الوجهين، وتصح في الآخر بدونه. وللمستأجر خيار الرؤية). أما كون الثاني من شروط صحة إجارة العين: معرفة العين المستأجرة برؤية أو صفة في أحد الوجهين؛ فلأن الإجارة بيع المنافع فوجب أن لا تصح إلا بذلك كالبيع. فعلى هذا لو استأجر ما لم يره ولم يوصف له لم تصح الإجارة لفقدان الشرط. وأما كونها تصح بدون ذلك في وجه؛ فلأن البيع يصح بدون ذلك في رواية. وأما كون المستأجر له خيار الرؤية على الوجه المذكور؛ فلأن من اشترى ما لم يره ولم يوصف له: له الخيار المذكور فكذا المستأجر لذلك. قال: (الثالث: القدرة على التسليم، فلا تصح إجارة الآبق والشارد ولا المغصوب (١) ممن لا يقدر على أخذه). أما كون الثالث من شروط صحة (٢) إجارة العين: القدرة على التسليم؛ فلأنها بيع. أشبهت بيع الأعيان. وأما كونه لا تصح إجارة الآبق والشارد ولا المغصوب ممن لا يقدر على أخذه فلعدم القدرة المشترطة.

стр. 1534

قال: (ولا تجوز إجارة المشاع مفرداً لغير شريكه. وعنه: ما يدل على جوازه). أما كون إجارة المشاع لا تجوز مفرداً لغير شريك المؤجر على المذهب؛ فلأنه لا يقدر على تسليمه فلم تجز إجارته. وإنما قلنا لا يقدر على تسليمه لأنه لا يقدر على ذلك إلا بتسليم نصيب شريكه. وأما كونها تجوز على روايةٍ؛ فلأنه يجوز بيعه فجاز إجارته كالمفرد. وأما قول المصنف: مفرداً لغير شريكه فمشعر بأمرين: أحدهما: جواز إجارته مع نصيب شريكه؛ مثل: أن يوكلا شخصاً في إجارة ذلك أو يوكل أحدهما صاحبه. وثانيهما: جواز إجارته لشريكه. وصرح به المصنف في المغني لأن المانع من الصحة تعذر التسليم وهو منتف في الموضعين المذكورين. قال: (الرابع: اشتمال العين على المنفعة. فلا تجوز إجارة بهيمة زَمِنَةٍ للحمل، ولا أرض لا تنبت للزرع). أما كون الرابع من شروط صحة إجارة العين: اشتمال العين المستأجرة على المنفعة؛ فلأن الإجارة عقد معاوضة فاشترط اشتماله على المنفعة؛ كالبيع. وأما كونه لا تجوز إجارة بهيمة زمنة للحمل، ولا أرض لا تنبت للزرع فلعدم اشتمالها على المنفعة المشترطة. قال: (الخامس: كون المنفعة مملوكة للمؤجر أو مأذوناً له فيها. فيجوز للمستأجر إجارة العين لمن يقوم مقامه، ويجوز للمؤجر وغيره بمثل الأجرة وزيادة. وعنه: لا يجوز بزيادة. وعنه: إن جدد فيها عمارة جازت الزيادة وإلا فلا. وللمستعير إجارتها إذا أذن له المعير مدة بعينها). أما كون الخامس من شروط صحة إجارة العين: كون المنفعة مملوكة للمؤجر أو مأذون له فيها؛ فلأنها بيع المنافع فاشترط فيها ذلك؛ كالبيع. وأما كون المستأجر يجوز له إجارة العين المستأجرة لمن يقوم مقامه؛ فلأن المنفعة مملوكة له فجاز له بيعها كبيع المشتري للمبيع. وإنما اشترط كون المستأجر ثانياً ممن يقوم

стр. 1535

مقام المستأجر أوّلاً ليكون انتفاعه كانتفاعه؛ لأنه إذا زاد عليه كان فيه إضرار وذلك منتفٍ شرعاً. وأما كون إجارة العين المستأجرة تجوز للمؤجر؛ فلأن كل عقد جاز مع غير العاقد جاز مع العاقد دليله البيع. وأما كونها تجوز لغيره بمثل الأجرة فلا شبهة فيه. وأما كونها تجوز بزيادة على المذهب؛ فلأنه عقد يجوز برأس المال فيجوز بالزيادة؛ كبيع المبيع. وأما كونها لا تجوز على روايةٍ فـ «لأن النبي ﷺ نهى عن ربح ما لم يضمن» (١). والمنفعة في الإجارة غير مضمونة. وأما كونه إن جدد فيها عمارة جاز على روايةٍ؛ فلأن الربح يقع في مقابلة ذلك، وإن لم يجدد لم يجز للحديث المذكور. وذكر المصنف في المغني رواية أخرى أنه إن أذن له المالك في الزيادة جاز وإلا لم يجز. وأما كون المستعير له إجارة المستعار إذا أذن له المعير مدة بعينها؛ فلأن شرط المنفعة كونها مملوكة للمؤجر أو مأذون له فيها وذلك موجود هاهنا. قال: (وتجوز إجارة الوقف. فإن مات المؤجر فانتقل إلى من بعده لم تنفسخ الإجارة في أحد الوجهين، وللثاني حصته من الأجرة). أما كون إجارة الوقف تجوز؛ فلأن المنافع مملوكة للمؤجر. وأما كونها لا تنفسخ بموت المؤجر الآجر في وجه؛ فلأنه آجر ملكه في زمن ولايته فلم تنفسخ كما لو أجّر ملكه الطلق. وأما كونها تنفسخ فيما بقي في وجه؛ فلأنه تبين أنه آجر ملكه وملك غيره فصح كما في ملكه، وتبين البطلان في ملك غيره لأن المنافع بعد موته حق لغيره فلا ينفذ عقده عليه من غير ولاية. وفارق الطلق من حيث إن الوارث يملك من جهة موروثه بخلاف البطن الثاني في الوقف فإنه يملك من جهة الواقف. فعلى القول بأنها لا تنفسخ:

стр. 1536

للثاني حصته من الأجرة من حين موت الأول. فإن كان الأول قبضها رجع من انتقل إليه الوقف بحصته في تركة المؤجر؛ لأنه تبين عدم استحقاقه له، وعلى القول بأنها تنفسخ يرجع من انتقل إليه الوقف في عين المنفعة ويرجع المستأجر على تركة المؤجر بحصة الباقي من الأجرة. قال: (وإن أجر الولي اليتيم أو العبد ثم بلغ الصبي وعتق العبد لم تنفسخ الإجارة، ويحتمل أن تنفسخ). أما كون إجارة اليتيم لا تنفسخ ببلوغه، والعبد بعتقه على المذهب؛ فلأن الإجارة عقد لازم، عُقِد بحق الولاية في اليتيم والملك في العبد. فلم تنفسخ ببلوغ اليتيم؛ كما لو (١) باع داره أو زوّجه، ولا يعتق العبد؛ كما لو زوج أمته ثم باعها. وأما كونه يحتمل أن تنفسخ؛ فلما ذكر في إجارة الوقف.

стр. 1537

فصل [في الأجير الخاص] قال المصنف ﵀: (وإجارة العين تنقسم قسمين: أحدهما: أن تكون على مدة؛ كإجارة الدار شهراً، والأرض عاماً، والعبد للخدمة، أو للرعي مدة معلومة. ويسمى الأجير فيها: الأجير الخاص). أما كون إجارة العين تنقسم قسمين؛ فلأنها تارة تنضبط بالمدة كما مثّل المصنف ﵀، وتارة بالعمل كما يأتي في القسم الثاني. وكلاهما صحيح. أما الأول؛ فلأن ابن المنذر قال: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن (١) استئجار المنازل والدواب جائز، وقد «ثبت أن موسى ﵇ أجر نفسه للرعي مدة معلومة» (٢). وأما الثاني فيأتي ذكره في موضعه. وأما كون الأجير فيما ذكر يسمى الأجير الخاص؛ فلأن المستأجِر يختص بالمنفعة في تلك المدة دون سائر الناس. قال: (ويشترط كون المدة معلومة يغلب على الظن بقاء العين فيها وإن طالت. ولا يشترط أن تلي العقد فلو أجره سنة خمس في سنة أربع صح سواء كانت العين (٣) مشغولة وقت العقد أو لم تكن). أما كونه يشترط كون المدة معلومة كشهر وسنة؛ فلأن المدة هي الضابطة للمعقود عليه المعرفة له فوجب أن تكون معلومة؛ كعدد المكيلات فيما بيع بالكيل.

стр. 1538

وأما كونه يشترط كون المدة يغلب على الظن بقاء العين فيها؛ فلأن العين إذا كانت كذلك يتمكن المستأجر من استيفاء المقصود من الإجارة غالباً. بخلاف ما إذا لم تكن كذلك. وأما قول المصنف ﵀: وإن طالت ففيه تنبيه على أن الإجارة في المدة الطويلة صحيحة إذا كانت العين يغلب على الظن بقاؤها فيها كالمدة القصيرة لأن المصحح في القصيرة الغلبة المذكورة وهي موجودة في الطويلة فوجبت الصحة عملاً بالعلة. وأما كونه لا يشترط أن تلي المدة العقد؛ فلأنها مدة يجوز العقد عليها مع غيرها فجاز العقد عليها منفردة كالتي تلي العقد. فعلى هذا يصح أن يستأجر سنة خمس في أربع لأن (١) غاية ما يقدر في ذلك أنها مدة تلي لا تلي العقد وذلك غير شرط. وأما كونه يصح فيما ذكر سواء كانت العين مشغولة وقت العقد أو لم تكن؛ فلأن التسليم في الحال لا يجب فلا يضر الشغل. قال: (وإذا آجره (٢) في أثناء شهر سنة استوفى شهراً بالعدد وسائرها بالأهلة. وعنه: يستوفي الجميع بالعدد. وكذلك الحكم في كل ما يعتبر فيه الأشهر؛ كعدة الوفاة، وشهرَيْ صيام الكفارة). أما كون المستأجر يستوفي الشهر الأول بالعدد، وسائر السنة بالأهلة على المذهب؛ فلأن الشهر الأول تعذر إتمامه بالهلال فوجب إتمامه بالعدد، وما عداه لا يتعذر فوجب اعتباره بالأهلة لأنها الأصل. وأما كونه يستوفي الجميع بالعدد على روايةٍ؛ فلأنها مدة يستوفى بعضها بالعدد فوجب استيفاء جميعها بالعدد؛ كما لو كانت المدة شهراً واحداً. ولأن الشهر الأول ينبغي أن يكمل من الشهر الذي يليه فيحصل ابتداء الشهر الثاني في أثنائه وكذلك كل شهر يأتي بعده.

стр. 1539

وأما كون الحكم في كل ما يعتبر فيه الأشهر كما مّثل المصنف كالحكم فيما ذكر؛ فلأن الكل سواء معنى فكذا يجب أن يكون حكماً. قال: (القسم الثاني: إجارتها لعمل معلوم؛ كإجارة الدابة للركوب إلى موضع معين، أو بقر لحرث مكان، أو دياس زرع، أو استئجار عبد ليدله على طريق، أو رحى لطحن قفزان معلومة. فيشترط معرفة العمل وضبطه بما لا يختلف). أما كون الإجارة كما ذكر تصح؛ فلأن المنفعة معلومة. أشبهت إجارة الدار. وقد جاء «أن النبي ﷺ وأبا بكر استأجرا عبدالله بن أُريقِط هَادِياً خِرِّيتاً» (١). أي ماهراً بالهداية فدلهما على طريق المدينة. وأما كونه يشترط معرفة العمل وضبطه بما لا يختلف؛ فلأن العمل إذا لم يكن معروفاً مضبوطاً بما ذكر يكون مجهولاً فلا تصح الإجارة معه. ولأن العمل هو المعقود عليه فاشترط معرفته وضبطه بما ذكر؛ كالمبيع (٢).

стр. 1540

فصل [في الأجير المشترك] قال المصنف ﵀: (الضرب الثاني: عقد على منفعة في الذمة، مضبوطة بصفاتٍ كالسلم؛ كخياطة ثوب، وبناء حائط، أو حمل إلى موضع معين. ولا يكون الأجير فيها إلا آدمياًّ جائز التصرف. ويسمى الأجير المشترك). أما كون الإجارة على منفعة في الذمة تصح؛ فلأن الإجارة بيع فصح عقدها في الذمة كالسلم. وأما كونها يشترط ضبطها بصفاتٍ كالسلم؛ فلأن الإجارة في الذمة منوطة بالسلم جوازاً فيجب أن تكون منوطة به اشتراطاً. وأما كونها لا يكون الأجير فيها إلا آدمياً؛ فلأنها متعلقة بالذمة ولا ذمة لغير آدمي. وأما كونه لا يكون إلا جائز التصرف؛ فلأن الإجارة بيع فلم تصح من غير جائز التصرف؛ كبيع الأعيان. وأما كونه يسمى الأجير المشترك؛ فلأنه يتقبل أعمالاً كثيرة من ناس كثير في وقت واحد فيشتركون في استحقاق منفعته. قال: (ولا يجوز الجمع بين تقدير المدة والعمل؛ كقوله: استأجرتك لتخيط لي هذا الثوب في يوم. ويحتمل أن يصح). أما كونه لا (١) يجوز الجمع بين تقدير المدة والعمل كما مثل المصنف ﵀ على المذهب؛ فلأنه قد يفرغ من خياطته في بعض اليوم. فإن طولب بالعمل في بقيته كان زيادة على ما وقع عليه العقد، وإن لم يعمل كان تركاً للعمل في بعض المدة التي وقع العقد عليها وقد لا يفرغ من خياطته في اليوم فيفضي أيضاً إلى مثل ما ذكرناه. وأما كونه يحتمل أن يصح؛ فلأن الإجارة معقودة على العمل، والمدة مذكورة للتعجيل فلا يُفسد ذلك العقد. وحكى المصنف في المغني أن في كلام أحمد ما يدل على صحة ذلك.

стр. 1541

قال: (ولا تصح الإجارة على عمل يختص فاعله أن يكون من أهل القربة (١)؛ كالحج والأذان ونحوهما. وعنه: تصح). أما كون الإجارة على ما ذكر لا تصح على المذهب؛ فلأن من شرط صحة هذه الأفعال كونها قربة إلى الله تعالى فلم يصح أخذ الأجرة عليها؛ كما لو استأجر قوماً يصلون خلفه الجمعة والتراويح. وأما كونها تصح على روايةٍ فـ «لأن النبي ﷺ زوج رجلاً بما معه من القرآن» (٢) متفق عليه. وإذا صح كون تعليم القرآن عوضاً في باب النكاح وقام مقام المهر صح أخذ الأجرة عليه في الإجارة. وثبت «أن أبا سعيد رقَى رجلاً بفاتحة الكتابِ على جُعل فبرَأ، وأخذَ الصحابةُ الجعلَ، وأتوا به النبي ﷺ فأخبروه وسألوه. فقال: لَعمرِي! لَمنْ أكلَ برقيةٍ باطلٍ. لقدْ أكلتَ برقيةٍ حقٍ. كلوا واضربوا لي معكمْ بِسهم» (٣). ولأنه يصح أخذ الرزق عليه من بيت المال فصح أخذ الأجرة عليه كبناء المساجد والقناطر. والأول أصح؛ لما روى عثمان بن أبي العاص قال: «آخرُ ما عهدَ إليّ رسول الله ﷺ أن اتخذْ مُؤذناً لا (٤) يأخذُ على أذانِهِ أَجْراً» (٥) قال الترمذي: هذا حديث حسن.

стр. 1542

وروى عبادة بن الصامت قال: «علّمتُ ناساً من أهل الصُّفَّةِ القرآنَ والكتابةَ. فأهدَى إليّ رجلٌ منهم قَوساً. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال (١): إن سَرَّكَ أن يُقلدَكَ اللهُ قَوساً من نارٍ فاقبلها» (٢). وعن أبي بن كعب «أنه علم رجلاً سورة من القرآن فأهدى له خميصة أو ثوباً. فذكر ذلك لرسول الله ﷺ . فقال: لو أنك لبستها أو أخذتها ألبسك الله مكانها ثوباً من نار» (٣). وعن عبدالرحمن بن شبل الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اقرأوا القرآنَ ولا تَغْلُوا فيهِ ولا تَجْفُوا عنه ولا تَأكلُوا بهِ ولا تَسْتَكْثِرُوا بِه» (٤). روى هذه الأحاديث كلها الأثرم في سننه. وأما الأخذ على الرقية فإن الإمام أحمد اختار جوازه. وأما جعل التعليم صداقاً فعن أحمد فيه خلاف، وذكر الخبر ليس فيه تصريح بأن التعليم صداق إنما قال: «زوجتكها على ما معك من القرآن» (٥) فيحتمل أنه زوجه إياها بغير صداق إكراماً له لما معه من القرآن. ونُقِل عنه جوازه. والفرق بينه وبين الأجرة أن الصداق ليس عوضاً محضاً وإنما وجب وصلة ونحلة. ولهذا جاز خلو العقد عن تسميته وصح مع فساده. بخلاف الأجرة في غيره. قال: (وإن استأجره ليحجمه صح. ويكره للحر أكل أجرته ويُطعمه الرقيق والبهائم. وقال القاضي: لا يصح). أما كون الاستئجار على الحجامة تصح على قول غير القاضي فـ «لأن النبي ﷺ حجمه أبو طيبة وأعطاه أجرة» (٦) متفق عليه.

стр. 1543

قال ابن عباس: ولو كان حراماً ما أعطاه أجرة (١). وأما كونه يكره للحر أكل أجرة الحجامة فللحديث الآتي ذكره. ولأن أسوأ أحوال الأجرة في الحديث أن تكون مكروهة. وأما كونه يطعم الأجرة رقيقه وبهائمه؛ فلأن النبي ﷺ قال: «أطعمهُ ناضِحكَ ورقِيقَك» (٢) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن. وأما كونه لا يصح على قول القاضي؛ فلأن النبي ﷺ قال: «كسب الحجام خبيث» (٣) متفق عليه. والأول اختيار المصنف ﵀ وأبي الخطاب. وذكر القاضي أن الإمام أحمد نص على عدم الإجارة عليها في مواضع. قال المصنف في المغني: تسميته خبيثاً لا يلزم منه الحرام؛ «لأن النبي ﷺ سمى الثوم والبصل خبيثين» (٤). وهما مباحان.

стр. 1544

فصل [في استيفاء المنفعة] قال المصنف ﵀: (وللمستأجر استيفاء المنفعة بنفسه وبمثله. ولا يجوز بمن هو أكثر ضرراً منه، ولا بمن يخالف ضرَرُه ضرَرَه). أما كون المستأجر له استيفاء المنفعة بنفسه؛ فلأن أصل العقد يراد للعاقد. وأما كونه له استيفاؤها بمثله؛ فلما تقدم في قوله: وتجوز إجارة العين لمن يقوم مقامه (١). وأما كونه لا يجوز بمن هو أكثر ضرراً منه؛ فلأنه يضر بالمؤجر. ولأن المستأجر الثاني ينبغي أن يكون له ما للأول فإذا كان الأول ضرره قليل وجب أن يكون الثاني مثله. قال: (وله أن يستوفي المنفعة وما دونها في الضرر من جنسها. فإذا اكترى لزرع الحنطة فله زرع الشعير ونحوه، وليس له زرع الدخن ونحوه. ولا يملك الغرس ولا البناء، وإن اكتراها لأحدهما لم يملك الآخر، وإن اكتراها للغرس (٢) ملك الزارع). أما كون المستأجر له استيفاء المنفعة المعقود عليها من زرع وبناء وغير ذلك؛ فلأن ذلك هو المقصود من الإجارة والمعقود من أجله. وأما كونه له استيفاء [ما دون] (٣) المنفعة المعقود عليها في الضرر مع اتحاد الجنس؛ فلأنه إذا كان له استيفاء نفس المنفعة المعقود عليها فما دونها أولى. فعلى هذا إذا اكترى أرضاً لزرع حنطة فله زرعها بها لأنها المعقود عليها، وله زرع الشعير لأنه دونها في الضرر، وليس له زرع الدَّخَن ونحوه. ولا يملك الغرس ولا البناء

стр. 1545

لأن كل واحد من ذلك فوق الحنطة في الضرر. وإن اكتراها للغرس لم يملك الآخر لأن ضرر كل واحد يخالف ضرر الآخر. وإن اكتراها للغرس ملك الزرع لأنه أقل ضرراً. قال: (وإن اكترى دابة للركوب أو للحمل لم يملك (١) الآخر. وإن اكتراها لحمل الحديد أو القطن لم يملك حمل الآخر. فإن فعل فعليه أجرة المثل). أما كون المستأجر لا يملك الحمل إذا اكترى للركوب؛ فلأن الراكب يعين الظهر بحركته. وأما كونه لا يملك الركوب إذا اكترى للحمل؛ فلأن الراكب أشد على الظهر لأنه يقعد في موضع واحد والمتاع يتفرق على جنبيه. وأما كونه لا يملك حمل القطن إذا اكترى الدابة لحمل الحديد؛ فلأنه أضر منه لكونه يتجافى، وتهب فيه الريح فيتعب الظهر. وأما كونه لا يملك حمل الحديد إذا اكترى لحمل القطن؛ فلأنه أضر منه لاجتماعه وثقله. وأما كونه عليه أجرة المثل إذا فعل غير ما استأجره؛ فلأنه عدل عن المعقود عليه إلى غيره. أشبه ما لو استأجر أرضاً فزرع أخرى. قال: (وإن اكتراها لحمولة شيء فزاد عليه، أو إلى موضع فجاوزه فعليه الأجرة المذكورة وأجرة المثل للزائد. ذكره الخرقي. وقال أبو بكر: عليه أجرة المثل للجميع. وإن تلفت ضَمِن قيمتها إلا أن تكون في يد صاحبها فيضمن نصف قيمتها في أحد الوجهين). أما كون المستأجر عليه الأجرة المذكورة وأجرة المثل للزائد إذا زاد على ما استأجر أو جاوز مكانه على قول الخرقي: أما الأجرة المذكورة؛ فلأنه استوفى المعقود عليه، وأما أجرة المثل للزائد؛ فلأنه حمله على ملك غيره بغير إذنه ولا تقدير عوضه فلزمه أجرة مثله.
следующие страницы →