وقال القاضي: له ذلك؛ لأنه من مصالح ملكه؛ لأنه إذا لم يستوف ذلك صار وسيلة إلى إقدام بعضهم على بعض.
وأما كونه ليس له أن يعتق بغير إذن سيده؛ فلأنه محض تبرع. أشبه الهبة.
وأما كونه له ذلك بإذن سيده؛ فلما تقدم غير مرة.
وأما كونه ليس له أن يكاتب بغير إذنه؛ فلأنه ليس له أن يعتق. فلم يكن له أن يكاتب؛ كالمأذون له في التجارة.
وأما كونه له ذلك إذا أذن له فيه؛ فلأن الحق له. فإذا أذن فيه صار كسائر الحقوق.
وأما كون ولاء من يعتقه ويكاتبه لسيده؛ فلأنه إذا ثبت له الولاء على المكاتب. فلأن يثبت على من أنعم على المكاتب بطريق الأولى.
قال: (ولا يكفّر بالمال. وعنه: له ذلك بإذن السيد).
أما كون المكاتب ليس له أن يكفر بالمال إذا لم يأذن له سيده في ذلك؛ فلأنه عبد.
ولأنه في حكم المعسرين. بدليل أنه لا يلزمه زكاة ولا نفقة قريب، وله أخذ الزكاة.
وأما كونه ليس له ذلك إلا إذا أذن له سيده فيه على المذهب؛ فلما تقدم.
وأما كونه له ذلك على رواية؛ فلأن الحق للسيد وقد أذن فيه.
وهذا الخلاف في الجواز لا في الوجوب؛ لأنه لو وجب عليه التكفير بالمال لكان عليه في ذلك ضرر؛ لما فيه من إفضائه إلى تفويت الحرية. فلم يجب التكفير بالمال؛ كالتبرع.
قال: (وهل له أن يرهن أو يضارب بماله؟ يحتمل وجهين).
أما كون المكاتب ليس له أن يرهن أو يضارب على وجه؛ فلأن في ذلك ضرراً على السيد؛ لأن الرهن ربما استحق لتعذر الوفاء، وبيع في الدين، والمضاربة ربما خسر فيها، وربما كان فيها غرر من حيث: إنه سلم ماله لغيره.
وأما كونه له ذلك على وجه؛ فلأن دين الرهن والمضاربة سببان للربح. أشبه الاستدانة من غير رهن، والمضاربة بمال الغير.
стр. 2067
قال: (وليس له شراء ذوي رحمه إلا بإذن سيده. وقال القاضي: له ذلك. وله أن يَقْبَلهم إذا وهبوا له أو أوصي له بهم إذا لم يكن فيه ضرر بماله. ومتى ملكهم لم يكن له بيعهم. وله كسبهم وحكمهم حكمه فإن عتق عتقوا، وإن رق صاروا رقيقاً للسيد. وكذلك الحكم في ولده من أمته).
أما كون المكاتب ليس له شراء ذوي رحمه إلا بإذن سيده على المذهب؛ فلأنه تصرف يؤدي إلى إتلاف ماله. فإنه يخرج من ماله ما يجوز له التصرف فيه في مقابلة ما لا يجوز له التصرف فيه. فصار كالهبة.
وأما كونه له ذلك على قول القاضي؛ فلأنه يصح أن يشتريهم غير المكاتب. فصح أن يشتريهم؛ كغير ذوي رحمه. وما ذكر من أنه يخرج من ماله ما لا يجوز له التصرف فيه فمقابل بحصول الكسب والانتفاع بهم، وبهذا فارق الهبة فإنه لا نفع فيها.
وأما كونه له أن يقبلهم إذا وهبوا له أو وصي له بهم إذا لم يكن فيه ضرر بماله؛ فلأنه ليس في القبول إتلاف مال ولا ضرر. مع أنه سبب لتحصيل الحرية بتقدير الأداء، وذلك مطلوب شرعاً.
وأما كونه ليس له أن يبيعهم متى ملكهم؛ فلأن مقتضى الحال أنهم يعتقون عليه؛ لأنهم ملكه. إلا أنه لما كان في ذلك ضرراً على السيد لم يترتب على المقتضي مقتضاه فاقتضى وقوف الحال إلى أن يتبين هل يعتق أو يرق؟ .
وأما كونه له كسبهم؛ فلأنهم مماليكه.
وأما كون حكمهم حكمه؛ فلأنهم تبع له.
وأما كونهم إذا عتق عتقوا وإذا رق صاروا رقيقاً للسيد؛ فلما ذكر في التبعية.
ولأن ملكه استقر عليهم حينئذٍ وهم ذوو رحمه. فعتقوا عليه؛ كغيره.
ولأن مقتضى الدليل أنهم يعتقون بمجرد الملك لكن عارضه حق للسيد وقد زال. فوجب أن يعمل المقتضي عمله.
وأما كون حكم ولده من أمته كذلك؛ فلأنه من ذوي رحمه. فكان حكمه حكم ما تقدم ذكره.
стр. 2068
قال: (وولد المكاتبة الذي ولدته في الكتابة يتبعها. وإن اشترى المكاتب زوجته انفسخ نكاحها).
أما كون ولد المكاتبة المذكور يتبع المكاتبة؛ فلأن الكتابة سبب للعتق. فسرى إلى الولد؛ كالاستيلاد.
وفي قول المصنف رحمه الله تعالى: الذي ولدته في الكتابة إشعار بأن الولد قبل الكتابة لا يتبعها وهو صحيح؛ لأنه لو باشرها بالعتق لم يتبعها ولدها. فلأن لا يتبعها في الكتابة بطريق الأولى.
وأما كون المكاتب إذا اشترى زوجته ينفسخ نكاحها؛ فلأن المكاتب يملك ما يشتريه. بدليل أنه تثبت له الشفعة على سيده، ولسيده عليه، ويجري الربا بينه وبينه.
قال: (وإن استولد أمته فهل تصير أم ولدٍ له يمتنع عليه بيعها؟ على وجهين).
أما كون من استولد أمته تصير أم ولدٍ له يمتنع عليه بيعها على وجه؛ فلأنه مستولد به. أشبهت مستولدة الحر.
وأما كونها لا تصير أم ولدٍ له يمتنع عليه بيعها على وجهٍ؛ فلأنها حملت بمملوك في ملكٍ غير تام.
قال المصنف في المغني: والمذهب أنها تصير أم ولدٍ؛ لأن ولدها له حرمة الحرية. ولهذا لا يجوز بيعه.
стр. 2069
فصل [فيما يملك السيد من المكاتب]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا يملك السيد شيئاً من كسبه ولا يبيعه درهماً بدرهمين. وإن جنى عليه فعليه أرش جنايته).
أما كون السيد لا يملك شيئاً من كسب المكاتب؛ فلأن المكاتب يملكه. والمال الواحد لا يتوارد عليه مالكان في وقتٍ واحد.
وأما كونه لا يبيعه درهماً بدرهمين؛ فلأن المكاتب مع سيده؛ كالأجنبي.
وأما كونه إذا جنى عليه: عليه أرش جنايته؛ فلما ذكر من أنه معه؛ كالأجنبي.
قال: (وإن حبسه مدةً فعليه أرفق الأمرين به من إنظاره مثل تلك المدة، أو أجرة مثله).
أما كون السيد إذا حبس مكاتبه عليه أرفق الأمرين المذكورين؛ فلأن عقد الكتابة ملحوظٌ فيه حظ المكاتب.
وأما كون أحدهما إنظاره مثل تلك المدة؛ فلأن ذلك نظير ما فاته.
وأما كون الآخر أجرة مثله لمدة الحبس؛ فلأنه منعه من التصرف لوفاء ما عليه وفوّت منفعته في تلك المدة. أشبه ما لو حبس عبداً له صنعة.
قال: (وليس له أن يطأ مكاتبته إلا أن يشترط. فإن وطئها ولم يشترط، أو وطئ أمتها فلها عليه المهر، ويؤدب، ولا يبلغ به الحد. وإن شرط وطئها فلا مهر لها عليه).
أما كون السيد ليس له أن يطأ مكاتبته مع عدم الاشتراط؛ فلأن الكتابة عقد أزال ملك استخدامها، ومنع ملك عوض منفعة البضع فيما إذا وطئت بشبهة. فأزال حل وطئها؛ كالبيع.
стр. 2070
وأما كونه له ذلك مع الاشتراط؛ فلأن النبي ﷺ قال: «المؤمنون على شروطهم» (١).
ولأنه شرط منفعتها فوجب أن يصح؛ كما لو اشترط استخدامها. يحقق هذا أن ملكه باق عليها. وإنما منع من وطئها؛ لحقها. فإذا اشترطه جاز؛ كالخدمة.
وأما كون السيد عليه المهر إذا وطئ المكاتبة ولم يشترط، أو وطئ أمتها؛ فلأنه عوض شيء مستحق المكاتبة. فكان لها؛ كبقية منافعها.
ولا فرق بين المطاوعة والإكراه: أما مع الإكراه؛ فظاهر. وأما مع المطاوعة؛ فلأن الحد سقط عن السيد للملك. فوجب لها المهر؛ كما لو وطئ امرأة لشبه عقد. فإنها تستحق المهر مع المطاوعة.
وأما كونه يؤدب؛ فلأن وطئه وطءٌ حرام.
وأما كونه لا يبلغ به الحد؛ فلأن الحد يدرأ بالشبهات، والمكاتب مملوك. بدليل قوله ﵇: «المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم» (٢).
وأما كونه لا مهر عليه إذا شرط وطئها؛ فلأنه وطء مأذون فيه؛ لما تقدم من صحة اشتراطه.
قال: (ومتى ولدت منه صارت أم ولده وولده حر. فإن أدت عتقت. وإن مات قبل أدائها عتقت وسقط ما بقي من كتابتها. وما في يدها لها إلا أن يكون بعد عجزها. وقال أصحابنا: هو لورثة سيدها. وكذلك الحكم فيما إذا أعتق المكاتب سيده).
أما كون المكاتبة متى ولدت من السيد تصير أم ولده؛ فلأنها علقت بحرٍ في ملكه.
وأما كون ولده حراً؛ فلأنه من مملوكته.
стр. 2071
وأما كونها تعتق بأدائها؛ فلأن كتابتها لم تبطل؛ لأن الكتابة عقد لازم من جهة سيدها.
وأما كونها تعتق بموت السيد؛ فلأن ذلك شأن أم الولد.
وأما كون ما بقي من كتابتها تسقط؛ فلأنها عتقت بغير الكتابة.
وأما كون ما بقي في يدها إذا مات السيد ولم تعجز: لها على قول غير الأصحاب؛ فلأن العتق إذا وقع في الكتابة لم يبطل حكمها وكان بمنزلة الإبراء من نجوم الكتابة. وذكر المصنف في المغني: أن ذلك قول القاضي وابن عقيل.
وأما كونه لورثة سيدها على قولهم؛ فلأنها عتقت بحكم الاستيلاد. فكان ما في يدها لورثة سيدها؛ كما لو لم تكن مكاتبة.
وأما كونه للورثة إذا عجزت قبل موت سيدها؛ فلأنها عادت إلى ملك السيد بالعجز.
وأما كون الحكم فيما إذا أعتق المكاتب سيده كالحكم فيما تقدم ذكره؛ فلأن عتقه بالمباشرة كعتقها بالاستيلاد. فوجب استواؤهما في الحكم.
وقال المصنف في المغني: يحتمل أن يفرق بينهما من حيث: إن الإعتاق يكون برضى من المعتق فيكون رضى منه بإعطائها مالها. والعتق بالاستيلاد يحصل بغير رضى الورثة واختيارهم فلا يستسع المكاتب شيئاً من ماله.
قال: (وإن كاتب اثنان جاريتهما ثم وطئاها فلها المهر على كل واحدٍ منهما. وإن ولدت من أحدهما صارت أم ولدٍ له، ويغرم لشريكه نصف قيمتها. وهل يغرم نصف قيمة ولدها؟ على روايتين).
أما كون المكاتبة لها المهر على كل واحدٍ من سيدها إذا وطئاها؛ فلأن الوطء يوجب المهر، وقد وجد ذلك منهما.
وأما كونها تصير أم ولدٍ للذي أولدها منهما؛ فلأنها علقت بحرٍّ في شيء ملك بعضه، وذلك موجب للسراية؛ لأن الاستيلاد أقوى من العتق. بدليل أنه يصح من المجنون وينفذ من الأب في جارية ابنه، وينفذ من رأس المال في مرض الموت.
وأما كون الذي أولدها يغرم نصف قيمتها لشريكه؛ فلأنه أتلفها عليه بصيرورتها أم ولد.
стр. 2072
وأما كونه يغرم نصف قيمة ولدها على روايةٍ؛ فلأنه كان من سبيل هذا النصف: أن يكون مملوكاً لشريكه فقد أتلف رقه على شريكه بفعله. فكان عليه نصف قيمته.
وأما كونه لا يغرم ذلك على رواية؛ فلأنه انتقل إليه نصيب شريكه من حين العلوق، وفي تلك الحال لم تكن له قيمة.
قال: (وإن أتت بولدٍ فألحق بهما صارت أم ولد لهما يعتق نصفها بموت أحدهما وباقيها بموت الآخر. وعند القاضي: لا يسري استيلاد أحدهما إلى نصيب شريكه إلا أن يعجز فينظر حينئذٍ فإن كان موسراً قوّم عليه نصيب شريكه، وإلا فلا).
أما كون الموطوءة المذكورة تصير أم ولدٍ لهما إذا أتت بولدٍ فألحق بهما؛ فلأن الولد منسوبٌ إليهما.
وأما كون نصفها يعتق بموت أحدهما؛ فلأنه هو الذي يملكه.
وأما كون استيلاد أحدهما لا يسري إلى نصيب شريكه على قول القاضي إذا لم تعجز؛ فلأن المكاتبة انعقد فيها سبب الحرية، ولمكاتبها عليها الولاء، وفي السراية إبطال لذلك.
وأما كون المكاتبة إذا عجزت ينظر في مكاتبها؛ فلأن له حالة يسري فيها، وحالة لا يسري فيها.
وأما كون نصيب شريكه الموسر يُقَوَّم عليه؛ فلأن استيلاد الموسر موجب للسراية في الرقيق، وقد تحقق الرق هنا.
وأما كون نصيب شريك غير الموسر لا يُقَوَّم عليه؛ فلأن الاستيلاد غير الموسر لا يسري عند القاضي، وهذا قوله فبناه على أصله.
стр. 2073
فصل [في بيع المكاتب]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (ويجوز بيع المكاتب. ومشتريه يقوم مقام المكاتِب فإن أدى إليه عتق وولاؤه له. وإن عجز عاد قِناًّ له. وإن لم يعلم أنه مكاتب فله الرد أو الأرش. وعنه: لا يجوز بيعه).
أما كون بيع المكاتب يجوز على المذهب؛ فلما روت عائشة أنها قالت: «جاءت بريرة إليّ. فقالت: يا عائشة! إني كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني. قالت عائشة: إن أحبّ أهلك أن أَعُدَّها لهم ويكون ولاؤك لي ففعلت. فعرضت ذلك عليهم فأبوا. فذكرت عائشة ذلك لرسول الله ﷺ . فقال: لا يمنعك ذلك منها ابتاعي وأعتقي ... مختصر» (١) متفق عليه.
قال ابن المنذر: بيعت بريرة بعلم النبي ﷺ وهي مكاتبة ولم ينكر ذلك.
وأما كون مشتريه يقوم مقام المكاتِب؛ فلأنه بدل عنه.
وفيه إشعار بأن الكتابة لا تنفسخ بالبيع؛ كالنكاح والإجارة.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن بيع السيد مكاتبه على أن تبطل كتابته ببيعه إذا كان ماضياً فيها مؤديا ما يجب عليه من نجومه في أوقاتها غير جائز.
وأما كونه إذا أدى إليه يعتق وولاؤه له، وإذا عجز يعود قِناًّ له؛ فلأن حكمه هكذا كان مع البائع وقد ثبت مساواة المشتري له.
وأما كونه له الرد أو الأرش إذا لم يعلم أنه مكاتب؛ فلأن الكتابة نقص؛ لأنه لا يقدر على التصرف فيه وقد انعقد سبب الحرية فيه. أشبه الأمة المزوجة.
стр. 2074
وأما كون بيع المكاتب لا يجوز على رواية؛ فلأنه عقد يمنع استحقاق الكسب. فمنع البيع؛ كالذي لا نفع فيه.
قال: (وإن اشترى كل واحدٍ من المكاتبين الآخر صح شراء الأول وبطل شراء الثاني. سواء كانا لواحدٍ أو لاثنين. وإن جهل الأول منهما فسدَ البيعان).
أما كون شراء الأول يصح؛ فلأن تصرفه نافذ، وبيع السيد مكاتبه جائز.
وأما كون شراء الثاني يبطل؛ فلأن العبد لا يملك سيده؛ لأنه يفضي إلى تناقض الأحكام إذْ كل واحدٍ يقول لصاحبه: أنا مولاك ولي ولاؤك، وإن عجزت صرت لي رقيقاً.
وأما كون ذلك كذلك سواء كانا لواحدٍ أو لاثنين؛ فلأن العلة كون العبد لا يملك سيده، وهي موجودة في الموضعين.
وأما كون البيعين يفسدان إذا جهل الأول؛ فلأنه يجري مجرى نكاح الوليين إذا أشكل الأول منهما.
قال: (وإن أسر العدو المكاتب فاشتراه رجلٌ فأحبَّ سيده أخذه أخذه (١) بما اشتراه له. وإلا فهو عند مشتريه مبقى على ما بقي من كتابته يعتق بالأداء وولاؤه له).
أما كون السيد إذا أحبّ أخذ مكاتبه يأخذه بما اشتراه الغير من العدو فمبني على ما إذا استولى الكفار على مال المسلم، ثم استولى عليه المسلمون، ثم وجده صاحبه بعد القسمة، وفيه روايتان تقدم ذكرهما في الجهاد (٢).
وأما كونه إذا لم يحبّ أخذه فهو عند مشتريه مبقى على ما بقي من كتابته؛ فلأن الكتابة عقدٌ لازمٌ لا يبطل بالبيع؛ فلأن لا يبطل بالأسر بطريق الأولى.
وأما كونه يعتق بالأداء؛ فلأنه مكاتبٌ قد أدى كتابته.
وأما كون ولائه للمشتري؛ فلأنه معتقه.
стр. 2075
فصل [إذا جنى المكاتب]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن جنى على سيده أو أجنبي فعليه فداء نفسه مقدماً على الكتابة. وقال أبو بكر: يتحاصّان).
أما كون المكاتب إذا جنى: عليه فداء نفسه؛ فلأنه هو الجاني، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: «لا يجني جانٍ إلا على نفسِه» (١).
ولأنه كالحر في باب المعاملات. فكذلك في الجنايات.
وأما كون ذلك مقدماً على الكتابة على المذهب؛ فلأن أرش الجناية مستقر، والكتابة غير مستقرة.
وأما كون الجناية والكتابة يتحاصان على قول أبي بكر؛ فلأنهما اشتركا في الاستحقاق.
والأول المعمول به في المذهب؛ لما ذكر من الترجيح.
قال: (وإن عتق فعليه فداء نفسه، وإن عجز فلسيده تعجيزه إن كانت الجناية عليه. وإن كانت على أجنبي ففداه سيده وإلا فسخت الكتابة وبيع في الجناية).
أما كون المكاتب عليه فداء نفسه إذا عتق؛ فلأنها كانت عليه قبل العتق. فكذلك بعده.
وأما كون السيد له تعجيزه إذا عجز وكانت الجناية على نفسه؛ فلأن الأرش حق له. فكان له تعجيزه إذا عجز عنه؛ كمال الكتابة.
وأما كونه له فداؤه إذا كانت الجناية على أجنبي؛ فلأنه لو كان عند المالك فداه. فكذلك هنا.
стр. 2076
وفيه إشعار بأن السيد إذا اختار الفداء لم يكن للأجنبي فسخ الكتابة وبيعه في الجناية. وهو صحيح؛ لأن الفسخ كان لحق المجني عليه وقد زال ذلك (١) بالفداء.
وأما كون الكتابة تفسخ ويباع الجاني في الجناية إذا لم يفده السيد؛ فلأن حق المجني عليه مقدّم على حق السيد؛ لأن أرش الجناية يتعلق بعين المكاتب. بخلاف السيد فإن حقه معلّق بالذمة.
ولأنه إذا قدّم حق المجني عليه على السيد في العبد القن. فلأن يقدّم في المكاتب بطريق الأولى.
ولقائل أن يقول: لا حاجة إلى فسخ الكتابة؛ لأن حق المجني عليه يندفع ببيعه مكاتباً.
فإن قيل: ربما كان أرش الجناية أكثر من قيمته مكاتباً.
قيل: يجب أن لا يستحق أكثر من ذلك؛ لأنه إنما يستحق قيمة الجاني عليه هنا مكاتب لا قن.
قال: (وإن أعتقه السيد فعليه الفداء. والواجب في الفداء أقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته. وقيل: يلزمه فداؤه بأرش الجناية كاملة).
أما كون السيد عليه فداء الجاني إذا أعتقه؛ فلأنه فوّت تسليم الرقبة إلى المجني عليه. فكان عليه فداؤه؛ كما لو قتله.
وأما كون الواجب في الفداء أقل الأمرين من قيمته أو أرش جنايته على المذهب؛ فلأن الأقل إن كان القيمة فهو لا يستحق إلا الرقبة والقيمة بدل عنها؛ لأن حقه في المالية لا في العين. وإن كان الأقل أرش الجناية فهو لا يستحق أكثر منه؛ لأن الإنسان لا يستحق أكثر مما جني عليه.
وأما كونه يلزمه فداؤه بأرش الجناية كاملة على قول؛ فلأنه تعذر تسليمه إلى المجني عليه من جهته. أشبه ما لو جنى عبده غير الجاني وامتنع من تسليمه.
стр. 2077
قال: (وإن لزمته ديون تعلّقت بذمته يُتبع بها بعد العتق).
أما كون ديون المكاتب تتعلق بذمته لا برقبته؛ فلأن حال الاستدانة كان حكمه حكم الأحرار، وديون الأحرار متعلقة بذمتهم لا برقبتهم.
وأما كونه يُتبع بها بعد العتق إذا عجز عنها؛ فلأن ذلك حال يساره.
стр. 2078
فصل [الكتابة عقد لازم]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (والكتابة عقدٌ لازمٌ من الطرفين لا يدخلها خيار ولا يملك أحدهما فسخها، ولا يجوز تعليقها على شرطٍ مستقبل. ولا تنفسخ بموت السيد ولا جنونه ولا الحجر عليه. ويعتق بالأداء إلى سيده أو مَن يقوم مقامه من الورثة أو غيرهم).
أما كون الكتابة عقداً لازماً من الطرفين؛ فلأنها بيعٌ والبيع من العقود اللازمة.
وأما كون الخيار لا يدخلها؛ فلأن السيد دخل على أن الحظ للمكاتب والخيار إنما يثبت لاستدراك الغبن. فإذا كان أصلها لمصلحة المكاتب لم يشرع الخيار؛ لمناقضة الأصل.
وأما كون أحدهما لا يملك فسخها؛ فلأن ذلك شأن العقود اللازمة.
وأما كونها لا يجوز تعليقها على شرطٍ مستقبل؛ فلأنها عقد معاوضة. فلم يجز تعليقه على شرط؛ كالبيع.
وأما كونها لا تنفسخ بموت السيد ولا جنونه ولا الحجر عليه؛ فلأنها عقد لازم. فلم تنفسخ بشيء من ذلك؛ كالبيع والإجارة.
وأما كون المكاتب يعتق بالأداء إلى سيده أو مَن يقوم مقامه من الورثة أو غيرهم؛ فلأن الكتابة موضوعها العتق بتقدير الأداء. فإذا وجد وجب أن يترتب عليه ما يقتضيه.
قال: (فإن حلَّ نجم فلم يؤده فللسيد الفسخ. وعنه: لا يعجز حتى يحلّ نجمان. وعنه: لا يعجز حتى يقول: قد عجزت).
أما كون السيد له فسخ الكتابة إذا حلّ نجم على المكاتب فلم يؤده على المذهب؛ فلأنه حق له. فكان له الفسخ بالعجز؛ كما لو أعسر المشتري ببعض ثمن المبيع قبل قبضه.
стр. 2079
وأما كونه لا يُعَجّز حتى يحلّ نجمان على روايةٍ؛ فلما روي عن علي ﵁ أنه قال: «لا يردّ المكاتب في الرق حتى يتوالى عليه نجمان» (١).
ولأنه عقد اعتبر فيه التنجيم؛ لإرفاق العبد. فيعتبر فيه ما هو أرفق له.
وأما كونه لا يُعَجّز حتى يقول: قد عجزت؛ فلأن فوات العوض لا يتحقق إلا بذلك.
قال: (وليس للعبد فسخها بحال. وعنه: له ذلك).
أما كون العبد المكاتب ليس له فسخ الكتابة بحال على المذهب؛ فلأن الكتابة سبب الحرية، وفيها حق لله تعالى، وفي فسخها إبطال لذلك الحق.
وأما كونه له ذلك على روايةٍ؛ فلأن معظم مقصودها له. فإذا رضي بإسقاط حقه سقط.
قال: (ولو زوّج ابنته من مكاتبه ثم مات انفسخ النكاح. ويحتمل أن لا ينفسخ حتى يعجز).
أما كون النكاح المذكور ينفسخ على المذهب؛ فلأن زوجته تملكه أو تملك سهماً منه. فانفسخ نكاحها؛ كما لو اشترته أو اشترت سهماً منه.
ولا بد أن يلحظ في هذه المسألة أشياء:
أحدها: أن الحرية ليست من شروط صحة النكاح.
وثانيها: أن يزوجها بإذنها.
وثالثها: أن تكون وارثه. فلو كان بينهما اختلافُ دين، أو كانت قاتلة فالنكاح بحاله؛ لأنها ما ملكته ولا شيئاً منه.
وأما كونه يحتمل أن لا ينفسخ حتى يعجز؛ فلأنها لا ترثه. وإنما يملك نصيبها من الدين الذي في ذمته. بدليل أن الوارث إذا أبرأ المكاتب عتق وكان الولاء للميت، ولو ملكه كان الولاء له.
стр. 2080
والصحيح الأول؛ لأن المكاتب ملك للسيد لا يعتق بموته. فوجب أن ينتقل إلى ورثته؛ كسائر أملاكه.
ولأنه لا يجوز لها أن تبتدئ نكاحه، ولو لم تملكه جاز لها ذلك. وإنما كان الولاء للميت؛ لأنه وجد منه سبب العتق فنسب إليه.
قال: (ويجب على سيده أن يؤتيه ربع مال الكتابة: إن شاء وضعه عنه، وإن شاء قبضه ودفعه إليه. فإن أدى ثلاثة أرباع المال وعجز عن الربع عتق. ولم تنفسخ الكتابة في قول القاضي وأصحابه. وظاهر قول الخرقي: أنه لا يعتق حتى يؤدي جميع الكتابة).
أما كون سيد المكاتب يجب عليه أن يؤتيه ربع مال الكتابة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وآتوهم من مال الله الذي آتاكم﴾ [النور: ٣٣]. أمر والأمر للوجوب. قال علي ﵁ في تفسيرها: «ضعوا عنهم ربع مال الكتابة» (١).
وأما كونه إن شاء وضعه عنه وإن شاء قبضه منه ثم دفعه إليه؛ فلأن الغرض التخفيف عن المكاتب، وذلك حاصل بكل واحدٍ منهما.
وأما كون المكاتب إذا أدى ثلاثة أرباع المال وعجز عن الربع يعتق ولا تنفسخ الكتابة في قول القاضي وأصحابه؛ فلأنه عجز عما يجب دفعه إليه. فوجب أن يعتق وأن لا تنفسخ الكتابة؛ كما لو لم يبق عليه شيء أصلاً.
ولأنه عجز عن حقٍّ له. فلم تتوقف حريته على أدائه؛ كأرش جناية سيده عليه.
стр. 2081
وأما كونه لا يعتق حتى يؤدي جميع مال الكتابة في ظاهر قول الخرقي؛ فلقوله ﵇: «المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم» (١).
стр. 2082
فصل [إذا كاتب عبيدا كتابة واحدة]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإذا كاتب عبيداً له كتابةً واحدةً بعوضٍ واحدٍ: صح، ويقسط العوض بينهم على قدر قيمتهم. ويكون كل واحد منهم مكاتباً بقدر حصته يعتق بأدائها ويعجز بالعجز عنها وحده. وقال أبو بكر: العوض بينهم على عددهم. ولا يعتق واحد منهم حتى يؤدي جميع الكتابة. وإن اختلفوا بعد الأداء في قدر ما أدى كل واحدٍ منهم فالقول قول من يدعي أداء قدر الواجب عليه).
أما كون من كاتب عبيداً له بعوض واحد يصح؛ فلأن الكتابة بيع. فصح عقدها على جماعة جملة واحدة بعوضٍ واحد؛ كالبيع.
وأما كون العوض يُقَسَّط بينهم على قدر قيمتهم على المذهب؛ فلأن البيع إذا تناول جماعة وجب تقسيط العوض بينهم كذلك. فكذلك الكتابة.
وأما كون كل واحدٍ منهم يكون مكاتباً بقدر حصته يعتق بأدائها ويعجز بالعجز عنها وحده على ذلك؛ فلأن الحصة بمنزلة القِنّ المنفرد.
وأما كون العوض على عددهم على قول أبي بكر؛ فلأنه أضافه إليهم إضافةً واحدة. فكان بينهم بالسواء؛ كما لو أقر لهم بشيء.
وأما كونه لا يعتق واحد منهم حتى يؤدي جميع الكتابة؛ فلأن الكتابة مقدر فيها قول السيد: متى أديتم فأنتم أحرار. ولو صرح بذلك لم يعتق واحد حتى يوجد الأداء من الكل.
قال المصنف في المغني: الأول أصح؛ لما تقدم. وما ذكر منتقض بتقسيط العوض بالقيمة فيما لو اشترى شقصاً وسيفاً بثمن واحد. وبهذا فارق الإقرار؛ لأنه ليس عوضاً.
стр. 2083
وأما كون القول قول من يدعي أداء قدر الواجب عليه إذا اختلفوا بعد الأداء في قدر ما أدى كل واحدٍ منهم؛ فلأن الظاهر من حاله أداء ما وجب عليه. فوجب قبول قوله فيه؛ لاعتضاده بالظاهر.
قال: (ويجوز أن يكاتب بعض عبده. فإذا أدّى عتق كله).
أما كون السيد يجوز أن يكاتب بعض عبده؛ فلأنه يجوز له أن يبيع بعضه. فكذلك كتابته.
وأما كون من كوتب بعضه فيما ذكر إذا أدى يعتق كله؛ فلأنه عتق بعضه بالكتابة. فوجب أن يعتق كله؛ كما لو بوشر بعضه بالعتق.
قال: (ويجوز كتابة حصته من العبد المشترك بغير إذن شريكه. فإن أدى ما كوتب عليه ومثله لسيده الآخر عتق كله إن كان الذي كاتبه موسراً وعليه قيمة حصة شريكه. وإن أعتق الشريك قبل أدائه عتق عليه كله إن كان موسراً وعليه قيمة نصيب المكاتب. وقال القاضي: لا يسري إلى النصف المكاتب إلا أن يعجز فيقوم عليه حينئذ).
أما كون كتابة الإنسان حصته من عبده المشترك بغير إذن شريكه يجوز؛ فلأن الكتابة عقد معاوضة. فجازت بغير إذن الشريك؛ كالبيع.
وأما كون المكاتب المذكور إذا (١) أدى ما كوتب عليه ومثله لمالك بعضه الآخر يعتق كله إن كان الذي كاتبه موسراً؛ فلأن بعضه يعتق بأداء الكتابة. فيسري إلى نصيب الشريك؛ كما لو باشر نصيبه بالعتق.
وأما كون المكاتب عليه قيمة حصة شريكه؛ فلأنه فوّت الحصة على مالكها لإتلافها بالعتق. أشبه ما لو قتله.
وأما كون الشريك إذا أعتق نصيبه قبل أداء المكاتب يعتق عليه كله على المذهب إن كان موسراً؛ فلأن نصيبه عتق بالمباشرة. فسرى إلى نصيب شريكه؛ لكون المكاتب عبداً ما بقي عليه درهم.
стр. 2084
ولأن الشريك لو أعتق شقصاً من عبد غيره (١) لعتق عليه. فكذلك المكاتب.
واشترط المصنف رحمه الله تعالى في عتق كله: كون المعتق موسراً؛ لأن عتق المعسر لا يسري؛ لما فيه من الضرر اللاحق لشريكه من فوات ملكه، وعدم عوضه.
وأما كونه عليه قيمة نصيب المكاتب إذا سرى العتق إليه؛ فلأنه فوّت عليه ملكه بالعتق. فوجب عليه ضمانه؛ كما لو قتله.
وفي كلام المصنف إشعارٌ بأنه يجب عليه قيمة حصة شريكه مكاتباً وهو صحيح؛ لأنه إنما تجب عليه قيمة ما أتلف، وإنما أتلف مكاتباً.
وأما كون العتق المذكور لا يسري إلى النصف المكاتب على قول القاضي إذا لم يعجز المكاتب؛ فلأن سراية العتق يفضي إلى إبطال الولاء، ونقله عن سيده الذي كاتبه بعد انعقاد سببه في حقه.
وأما كونه يقوم على المعتق إذا عجز؛ فلأنه عاد قناً فلا يفضي إلى المحذور المذكور.
قال: (وإن كاتبا عبدهما جاز. سواء كان على التساوي أو التفاضل. ولا يجوز أن يؤديَ إليهما إلا على التساوي).
أما كون السيدين إذا كاتبا عبدهما يجوز. تساوى العوض أو تفاضل؛ فلأن الكتابة عقد معاوضة. فجاز من الشريكين متساوياً ومتفاضلاً؛ كالبيع.
وأما كون المكاتب لا يجوز أن يؤدي إليهما إلا على التساوي؛ فلأنهما سواء في الملك. فيجب استواؤهما في الأداء.
ولأنه ربما عجز فيصير رقيقاً، ويتساويان في كسبه. فيرجع أحدهما على صاحبه بما في يده من الفضل بعد انتفاعه به مدة.
стр. 2085
قال: (فإذا كمل أداؤه إلى أحدهما قبل الآخر عتق كله عليه. وإن أدى إلى أحدهما دون صاحبه لم يعتق. إلا أن يكون بإذن الآخر فيعتق. ويحتمل أن لا يعتق).
أما كون من كمل الأداء إليه قبل الآخر يعتق كله عليه؛ فلأن نصيبه يعتق بالأداء. فيسري إلى نصيب شريكه.
وأما كون من أدّى إلى أحدهما دون صاحبه بغير إذنه لا يعتق؛ فلأن العتق لا يحصل بأداء مال الغير.
وأما كون من أدّى بإذن الآخر يعتق على المذهب؛ فلأن المكاتب محجور عليه لحق سيده. فإذا أذن له صح الأداء، وإذا صح الأداء وقع العتق؛ لحصول الأداء الصحيح.
وأما كونه يحتمل أن لا يعتق؛ فلأن حق السيد في ذمة المكاتب، وما في يد المكاتب ملك له. فإذا أذن السيد فيه لا ينفذ؛ كما لو لم يأذن.
والأول أولى؛ لأن ما ذكر ثانياً يبطل بما إذا أذن له في التبرع.
стр. 2086
فصل [إذا اختلفا في الكتابة]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن اختلفا في الكتابة فالقول قول من ينكرها. وإن اختلفا في قدر عوضها فالقول قول السيد في أحد الروايتين. وإن اختلفا في وفاء مالها فالقول قول السيد. فإن أقام العبد شاهداً وحلف معه، أو شاهداً وامرأتين: ثبت الأداء وعتق).
أما كون القول قول من ينكر الكتابة إذا اختلفا فيها؛ فلأن القول قول المنكر في البيع والإجارة وسائر العقود. فكذلك هاهنا.
وأما كون القول قول السيد إذا اختلفا في قدر عوضها في رواية؛ فلأنه اختلاف في الكتابة. فكان القول قول السيد؛ كما لو اختلفا في أصل الكتابة.
وأما كون السيد والمكاتب يتحالفان ويترادّان عقد الكتابة في رواية؛ فلأنهما اختلفا في عوض المبيع.
وذكر المصنف رحمه الله تعالى في المغني رواية ثالثة: أن القول قول المكاتب؛ لأنه منكرٌ للزيادة، والقول قول المنكر.
ولأنه مدعى عليه فيدخل في عموم قوله ﵇: «البينةُ على المُدّعِي، واليمينُ على المدّعَى عليه» (١).
والأول المذهب. قاله القاضي.
والفرق بين الكتابة وبين البيع: أن الأصل عدم ملك كل واحدٍ من المتعاقدين للعوض الذي بذله صاحبه. وفي الكتابة الأصل: أن السيد مالك لعبده وكسبه، والعوض من كسبه. فإذا كان الأصل أنه ملكه كان القول قوله فيه.
стр. 2087
ولأن الحاصل بأيمانهما في الكتابة كالحاصل بيمين السيد بمفردها (١)؛ لأنهما إذا تحالفا فسخا الكتابة وعاد العبد رقيقاً للسيد وأخذ كسبه. وإذا حلف السيد وحده وقلنا أن قوله مقدم فغاية ما فيه أن يعجز العبد نفسه ويفسخ السيد، وإنكار المكاتب الزائد معارض بإنكار السيد المعاوضة إلا بذلك.
وأما كون القول قول السيد إذا اختلفا في وفاء مال الكتابة؛ فلأنه منكر للوفاء، والقول قول المنكر.
وأما كون الأداء يثبت إذا أقام العبد شاهداً وحلف معه، أو شاهداً وامرأتين؛ فلأن ذلك من قبيل الأموال، والشاهد واليمين والرجل والمرأتان مقبول في ذلك.
وأما كون العبد يعتق؛ فلأن الأداء إذا ثبت عتق المكاتب لتلازمهما.
стр. 2088
فصل [في الكتابة الفاسدة]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (والكتابة الفاسدة مثل أن يكاتبه على خمرٍ، أو خنزيرٍ يغلب فيها حكم الصفة في أنه إذا أدى عتق فلا يعتق بالإبراء).
أما كون الكتابة بما ذكر فاسدة؛ فلأنها عقد معاوضة. ففسدت بما ذكر؛ كالبيع.
وأما كون الكتابة الفاسدة يغلب فيها حكم الصفة؛ فلأن الكتابة تتضمن أمرين:
أحدهما: المعاوضة.
والثاني: الصفة. وهي أن تقول: إذا أديت فأنت حر. فإذا لم تصح المعاوضة بقيت الصفة. فيجب أن يعتق إذا أدى فيها؛ لوجود الصفة.
وقال المصنف في المغني: قال أحمد: إذا كاتب كتابة فاسدة. فأدى: عتق ما لم تكن الكتابة محرمة.
وظاهره (١) أنه لا يعتق بالأداء فيها. وجُمع بينهما: بأن العتق محمول على كتابة فيها صفة، والقول بعدم العتق محمول على كتابة ليس فيها صفة.
وأما كونه لا يعتق فيها بالإبراء؛ فلأن المال غير ثابت في العقد. بخلاف الكتابة الصحيحة.
قال: (وتنفسخ بموت السيد وجنونه والحجر للسفه. ولكل واحدٍ منهما فسخها).
أما كون الكتابة المذكورة تنفسخ بما ذكر على المذهب؛ فلأن الكتابة الفاسدة عقدٌ جائز من الطرفين لا تؤول إلى اللزوم. فانفسخت بما ذكر؛ كالوكالة.
стр. 2089
فعلى هذا إذا مات وأدّى إلى الورثة لم يعتق؛ لأن المعاوضة انفسخت، والصفة بطلت بالموت.
وأما كون كل واحدٍ منهما له فسخها؛ فلأنها ليست بعقد صحيح حتى تكون كإرثه.
فإن قيل: أن يملك السيد فسخها إذا كان فيها صفة؛ كقوله: إن أديت كذا فأنت حر.
قيل: لأن المقصود المعاوضة، والصفة مبنية عليها. بخلاف الصفة المجردة.
قال: (ويملك السيد أخذَ ما في يده. وإن فضل عن الأداء فضلٌ [فهو لسيده).
أما كون السيد يأخذ ما في يده؛ فلأن كسب العبد لسيده بحكم الأصل، والعقد هاهنا فاسد.
وأما كون ما فضل] (١) عن الأداء لسيده؛ فلأنه عتق بالصفة لا بالمعاوضة، وما فضل في يده بعد الأداء يكون للسيد؛ لبقائه على ملكه.
وقال المصنف في المغني: ما فضل في يده له؛ لأنه عقد كتابة يحصل فيه المعقود عليه وهو العتق. فكان الفضل له؛ كالصحيح.
قال: (وهل يتبع المكاتبة ولدها فيها؟ على وجهين).
أما كون ولد المكاتبة يتبعها في الكتابة الفاسدة على وجه؛ فبالقياس على الصحيحة.
ولأن المعلق عتقها على صفة يتبعها ولدها. فكذلك هاهنا.
وأما كونه لا يتبعها على وجه؛ فلأن تبع الولد في الصحيحة إنما كان بحكم العقد. وهذا المعنى مفقود هاهنا، وولد المعلق عتقها بصفة فيه منع؛ لأنه لا يتبعها على وجه.
стр. 2090
قال: (وقال أبو بكر: لا تنفسخ بالموت ولا الجنون ولا الحجر. ويعتق بالأداء إلى الوارث).
أما كون الكتابة المذكورة لا تنفسخ بما ذكر على قول أبي بكر؛ فلأن الفاسدة كالصحيحة في وقوع العتق وفي تبعية الولد وذوي الرحم. فكذلك في الفسخ.
ولأن للشرع تشوف إلى العتق. وما ذكر وسيلة إلى العتق. فوجب الحكم به؛ تحصيلاً للمطلوب الشرعي.
وأما كون المكاتب فيها يعتق بالأداء إلى الوارث على قوله؛ فلما تقدم من تشوف الشرع إلى العتق.
ولأن الفاسدة كالصحيحة فيما تقدم. فكذا في العتق.
стр. 2091
باب أحكام أمهات الأولاد
أمهات الأولاد: جمع أم ولد. وهي الأَمَة التي ولدت من سيدها في ملكه.
والأصل في إباحة وطئهن قوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون? إلا على أزواجهم أو ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦].
ولأن النبي ﷺ كان له أم ولدٍ وهي مارية القبطية أمّ إبراهيم ابن النبي ﷺ .
وكان علي بن الحسين والقاسم بن محمد بن أبي بكر وسالم بن عبدالله بن عمر أمهاتهم أمهات أولاد.
ويروى أن الناس رغبوا في اتخاذ أمهات الأولاد حين رَأَوا هؤلاء الأئمة من أمهات الأولاد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإذا علقت الأمة من سيدها فوضعت منه ما يتبين فيه خلق الإنسان صارت له بذلك أم ولد. فإذا مات عتقت وإن لم يملك غيرها. وإن وضعت جسماً لا تخطيط فيه فعلى روايتين).
أما كون الأمة تصير أم ولدٍ لسيدها إذا علقت منه فوضعت ما يتبين فيه خلق الإنسان؛ فلأنه إذا تبين فيه ذلك علم أنه ولد. فيلزم صيرورتها أم ولد.
وأما كونها تعتق بموته؛ فلأن ابن عباس قال: «قال رسول الله ﷺ لرجل ولدت منه أمته: فهي معتَقةٌ عن دبرٍ منه» (١).
وعنه قال: «ذُكرتْ أمُّ إبراهيمَ عندَ رسولِ الله ﷺ فقال: أعتَقَهَا وَلَدُهَا» (٢). أخرجهما ابن ماجة.
стр. 2092
وأما كونها تعتق وإن لم يملك غيرها؛ فلأنها تعتق من رأس المال؛ لأن ذلك إتلاف حصل بسبب حاجة أصلية. فكان من رأس المال. أشبه ما لو أتلفه في أكل ونحوه.
وأما كونها تصير أم ولدٍ إذا وضعت جسماً لا تخطيط فيه على رواية؛ فلأنها ولدت مبتدأ آدمي. أشبه ما لو تخطط.
وأما كونها لا تصير أم ولدٍ على روايةٍ فإن ذلك لا يسمى ولداً، وعتقها منه على صيرورتها أم ولد.
ويشترط في الخلاف المذكور: أن يشهد ثقات من القوابل أنه مبتدأ خلق آدمي؛ لأنها إذا وضعت نطفة أو علقة لم تصر أم ولدٍ وفاقاً.
قال: (وإن أصابها في ملك غيره بنكاحٍ أو غيره ثم ملكها حاملاً عتق الجنين ولم تصر أم ولد. وعنه: تصير).
أما كون الجنين المذكور يعتق؛ فلأنه ابنه وقد دخل في ملكه.
وأما كون أمه لا تصير أم ولد على المذهب؛ فلأنها لم تعلق في ملكه. أشبه ما لو اشتراها بعد الوضع.
وأما كونها تصير على رواية؛ فلأن لحرية البعض أثر في تحرير الجميع. بدليل ما لو أعتق بعضها. والحمل له حكم البعضية. بدليل ما لو أعتقها. فإن الحمل يدخل فيه.
قال: (وأحكام أم الولد أحكام الأمة: في الإجارة، والاستخدام، والوطء، وسائر أمورها. لا فيما ينقل الملك في رقبتها؛ كالبيع والهبة والوقف، أو ما يراد له؛ كالرهن. وعنه: ما يدل على جواز بيعها مع الكراهة، ولا عمل عليه).
أما كون أحكام أم الولد أحكام الأمة في غير ما ينقل الملك في رقبتها وما يراد له؛ فلأنها مملوكة. أشبهت الأمة.
فعلى هذا يجوز إجارتها؛ كالأمة، أو يقال: مملوكة ينتفع بها. فجازت إجارتها؛ كالمدبرة، أو يقال: عتقها معلق بالموت. أشبهت المدبرة.
ويجوز استخدامها؛ كالأب.
ولأنها إذا جاز إجارتها فلأن يجوز استخدامها بطريق الأولى.
стр. 2093
ويجوز وطؤها؛ كالأمة.
ولأن الوطء نوع نفع. أشبه الاستخدام.
ولأنها داخلة في قوله تعالى: ﴿إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم﴾ [المؤمنون: ٦].
ويجوز ما عدا ذلك مما لا ينقل الملك ولا يراد له؛ لأن ذلك لا ينافي انعقاد سبب الحرية فيها.
وأما كون أحكامها فيما ينقل الملك؛ كالبيع والهبة والوقف، وما يراد له؛ كالرهن يخالف أحكام الأمة؛ فلأن ذلك ينافي انعقاد سبب الحرية ويبطله.
فعلى هذا لا يجوز بيعها؛ لما روي «أن رجلاً باع أم ولده. فذكر ذلك لعمر بن الخطاب فقال: أبعْدَما اختلط دماؤكم ودماؤهن ولحومكم ولحومهن: بعتموهن. ارددها ارددها» (١).
وعن عبيدة قال: «خطب عليّ الناس. فقال: شاورني عمر في أمهات الأولاد أن أعتقهن فقضى بها عمر حياته وعثمان حياته فلما ولّيت رأيت أن أرقهن. فقال عبيدة: رأي عمر وعلي في الجماعة أحب إلينا من رأي علي وحده» (٢).
وعن الإمام أحمد: أنه يجوز مع الكراهة: أما الجواز؛ فلقول علي وفعله.
وعن جابر: «بِعْنَا أمهاتِ الأولادِ على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ. فلما كان عمرُ نَهانَا فانتهَيْنَا» (٣). رواه أبو داود.
وأما الكراهة؛ فللاختلاف في ذلك.
والأولى الصحيحة؛ لما ذكر، ولما تقدم من قوله ﵇: «أيما أمةٍ ولدت من سيدها فهي حرةٌ عن دبر» (٤)، وقول ابن عباس: «ذُكرت أم إبراهيمَ عند رسول الله ﷺ فقال: أَعتقَها ولَدُها» (٥).
стр. 2094
فلا يجوز هبتها ولا وقفها؛ لأنهما يزيلان الملك. أشبه بالبيع. ولا يجوز الرهن؛ لأن المقصود به البيع عند تعذر الاستيفاء. فلم يجز؛ لمناقضته الأصل.
قال: (ثم إن ولدت من غير سيدها فلولدها حكمها من العتق بموت سيدها سواء عتقت أو ماتت قبله).
أما كون حكم ولد أم الولد من غير سيدها حكمها في العتق؛ فلأن الولد تبع لأمه في الرق والحرية. فليتبعها في سبب الحرية.
وأما كون حكم الولد كذلك سواء عتقت الأم أو ماتت قبل موت السيد؛ فلأن سبب الحرية قد انعقد وهو شبيه بنفس العتق. فكما لا يرتفع العتق بعد وقوعه فكذلك لا يرتفع السبب بعد وقوعه.
فإن قيل: ولد المكاتبة يتبعها في الكتابة فإذا بطلت الكتابة في الأم بطلت في الولد.
قيل (١): لأن سبب العتق فيهما: إما الأداء في العقد، أو وجود الصفة. وببطلان الكتابة تعذر كل واحدٍ منهما. بخلاف أم الولد فإن السبب موت السيد، ولا يتعذر ذلك بموت الأم.
قال: (وإن مات سيدها وهي حامل منه فهل تستحق النفقة لمدة حملها؟ على روايتين).
أما كون من ذكرت تستحق النفقة على روايةٍ؛ فلأنه لو أعتقها وهي حاملٌ استحقت النفقة. فكذا إذا عتقت بموته.
وأما كونها لا تستحقها على رواية؛ فلأن زوجته لو مات عنها حاملاً لم يكن لها عليه نفقة. فكذلك أم الولد.
قال: (وإذا جنت أم الولد فداها سيدها بقيمتها أو دونها. وعنه: عليه فداؤها بأرش الجناية كله. وإن عادت فجنت فداها أيضاً. وعنه: يتعلق ذلك بذمتها).
أما كون السيد يفدي أم الولد إذا جنت؛ فلأنها امتنع بيعها بسببه فيلزمه فداؤها؛ كما لو منع بيع الجانية غير أم الولد.
стр. 2095
وأما كونه يفديها بقيمتها إذا ساوت أرش الجناية أو نقصت عنه أو دونها إن لم يكن كذلك على المذهب؛ فلما تقدم ذكره في سيد الجاني.
وأما كونه عليه فداؤها بأرش الجناية كله على رواية؛ فلما تقدم فيه أيضاً.
قال المصنف ﵀ في المغني: لا يفدى بأرش الجناية بالغاً ما بلغ؛ لأنه لا يملك (١) تسليمها للبيع. بخلاف القن.
وأما كونه يفديها أيضاً إذا عادت فجنت على المذهب؛ فلأنها جناية. أشبهت الأول.
وأما كون ذلك يتعلق بذمتها على روايةٍ؛ فلأن تكرر الفداء على السيد مع منعه من بيعها يضرّ به. فوجب تعليقه بذمتها.
قال: (وإن قتلت سيدها عمداً فعليها القصاص. وإن عفوا على مال، أو كانت الجناية خطأ: فعليها قيمة نفسها، وتَعتق في الموضعين).
أما كون أم الولد إذا قتلت سيدها عمداً عليها القصاص؛ فلأنها دونه أو مثله، وفي القصاص مصلحة للزجر عن تعاطي قبيح القتل.
وأما كونها عليها قيمة نفسها إذا عفا مستحق القصاص على مال، أو كانت الجناية خطأ؛ فلأن اعتبار الجناية في حق الجاني بحال الحياة. بدليل ما لو جنى عبد فأعتقه سيده. وهي في حال الجناية أمة فإنها إنما عتقت بالموت الحاصل بالجناية فيكون عليها فداء نفسها بقيمتها كما يُفدى العبد الجاني بقيمته.
وقال المصنف في المغني: ويجب أن يقال: إذا كانت الدية أقل من القيمة أن تجب الدية؛ لأنه لا يلزم الجاني أكثر من أرش جنايته.
стр. 2096
وأما كونها تعتق في الموضعين -أي: في الجناية العمد والخطأ-؛ فلأنها لا ينتقل الملك فيها، وقد زال ملك سيدها عنها بموته.
قال: (ولا حد على قاذفها. وعنه: عليه الحد).
أما كون أم الولد لا حد على قاذفها على روايةٍ؛ فلأنها أمة حكمها حكم الإماء في أكثر الأحكام. فوجب أن يلحق القذف بها القذف بالأمة بل أولى؛ لأن الحد على روايةٍ يحتاط لإسقاطه، ويدرأ بالشبهات.
وأما كونه عليه الحد؛ فلأنه يروى عن عمر.
ولأن لها معنى مَنَع بيعها وإرثها. أشبهت الحرة.
قال المصنف في المغني: والأول أصح.
стр. 2097
فصل [إذا أسلمت أم ولد الكافر]
قال المصنف رحمه الله تعالى: (إذا أسلمت أم ولد الكافر أو مدبرته منع من غشيانها، وحيل بينه وبينها، وأجبر على نفقتها إن لم يكن لها كسب. فإن أسلم حلت له، وإن مات قبل ذلك عتقت. وعنه: أنها تستسعي في حياته وتعتق).
أما كون الكافر يمنع من غشيان أم ولده ومدبرته إذا أسلمت. والمراد بها: وطئها؛ فلأن وطء المشرك للمسلمة لا يجوز.
وأما كونه يحال بينه وبينها؛ فلئلا يتلذذ بها ويخلو؛ لأن ذلك مفضٍ إلى الوطء المحرم.
وأما كونه مجبر على نفقتها؛ فلأنه مالك لها.
وفيه إشعار بجواز إبقاء ملكه عليها وهو صحيح على المذهب؛ لأنه لم يوجد سببٌ يوجب زوال ذلك فوجب إبقاؤها على ما كانت عليه.
وعن الإمام أحمد: أنها تستسعي في حياته؛ لأنه لا سبيل إلى بيعها، ولا إلى إقرار الملك عليها؛ لما فيه من إثبات ملك الكافر على المسلمة، ولا إلى عتقها مكاناً؛ لما فيه من الضرر فوجب الاستسعاء؛ لأن فيه جمعاً بين الحقين.
فعلى هذا إذا أدّت عتقت.
والأول أصح؛ لما ذكرت؛ لأن في الاستسعاء إلزاماً لها الكسب بغير رضاها، وإلزاماً له في خروجها عن ملكه.
واشترط المصنف رحمه الله تعالى في وجوب النفقة: أن لا يكون لها كسب؛ لأنها إذا كان لها كسب وجبت فيه. فلا حاجة إلى إيجابها عليه.
فإن قيل: الكلام في أم الولد والمدبرة، وأم الولد لا يجوز بيعها بخلاف المدبرة.
قيل: في بيع المدبرة خلاف. فإن قيل بجوازه كان حكمها حكم القن، وإن قيل بعدم جوازه ساوت أم الولد. وعليه يحمل كلام المصنف رحمه الله تعالى.
стр. 2098
وأما كونها تحل له إذا أسلم؛ فلأن المانع كفره وقد زال. فوجب حل الوطء؛ لدخولها في قوله تعالى: ﴿أو ما ملكت أيمانهم﴾ [المؤمنون: ٦] السالم عن معارضة الكفر.
وأما كونها تعتق بموته؛ فلأنها أم ولده واستيلاده لها صحيح؛ كما لو أعتقها. فوجب عتقها؛ كالمسلم.
قال: (وإذا وطئ أحد الشريكين الجارية فأولدها صارت أم ولدٍ له، وولده حر، وعليه قيمة نصيب شريكه. وإن كان معسراً كان في ذمته).
أما كون الجارية المشتركة تصير أم ولدٍ بوطء أحد الشريكين؛ فلأنه وطء في ملك له. أشبه ما لو كانت كلها له.
ولأن العتق يخرج ملك الغير فلأن يخرج بالاستيلاد بطريق الأولى.
وأما كون ولده حراً؛ فلأنه وطء في محل له فيه ملك. أشبه ما لو وطئ زوجته في الحيض أو الإحرام.
وأما كون الواطئ عليه قيمة نصيب شريكه؛ فلأنه أتلفه عليه. فإن كان موسراً وجب دفعه إلى شريكه، وإن كان معسراً بقي في ذمته؛ لأن الله تعالى أوجب إنظاره بقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرةٍ فنظرةٌ إلى ميسرة﴾ [البقرة: ٢٨٠].
قال: (وإن وطئها بعد (١) ذلك فأولدها فعليه مهرها. وإن كان عالماً فولده رقيق).
أما كون الشريك الثاني عليه مهرها إذا وطئها بعد ما تقدم؛ فلأنه وطئ أمة غيره؛ لأن نصيبه انتقل إلى الواطئ الأول بالاستيلاد.
وأما كون ولده رقيقاً إذا كان عالماً؛ فلأن الوطء حرام، والولد تبع لأمه، وهي رقيقة. فوجب كونه رقيقاً.
قال: (وإن جَهل إيلاد شريكه أو أنها صارت أم ولدٍ له فولده حر، وعليه فداؤه يوم الولادة. ذكره الخرقي. وعند القاضي وأبي الخطاب: إن كان الأول معسراً لم يسر استيلاده. وتصير أم ولدٍ لهما يعتق نصفها بموت أحدهما. وإن
стр. 2099
أعتق أحدهما نصيبه بعد ذلك وهو موسرٌ فهل يقوم عليه نصيب شريكه؟ على وجهين).
أما كون ولد من جَهل إيلاد شريكه حراً؛ فلأنه وطء شبهة.
وأما كونه عليه فداؤه؛ فلأنه فوّت رقه على مالك الأمة.
وأما كون الفداء يوم الولادة؛ فلأن قبل ذلك لا يمكن تقويمه.
وأما كون الأول لا يسري استيلاده فعلى قولهما يصير أم ولدٍ لهما؛ لأن كل واحدٍ قد أحبلها ويعتق نصفها بموت أحدهما؛ لأن ذلك نصيبه. وقد ثبت له حكم الاستيلاد، ويتكمل عتقها بموت الآخر كذلك. ولم يذكره المصنف رحمه الله تعالى؛ لظهوره.
وأما كون من أعتق نصيبه بعد ذلك وهو موسر يُقَوّم عليه نصيب شريكه على وجه. فكما لو أعتق أحد الشريكين نصيبه من الأمة القن.
وأما كونه لا يقوم عليه على وجهٍ؛ فلأن التقويم في معنى البيع، وبيع النصيب المذكور لا يجوز. فكذلك تقويمه.
والأول أصح؛ لأن حكم الاستيلاد أقوى من العتق. بدليل أنه يصح من المجنون بخلاف العتق. والله تعالى أعلم.
стр. 2100
كتاب النكاح
النكاح في اللغة: الجمع. ومنه قولهم: أنكحنا الفرى فسنرى. أي جمعنا حمار الوحش وأمه (١) فسيرى ما يتولد منهما. يضرب مثلاً للأمر يجتمعون له ثم يفترقون عنه. ومنه قول الشاعر:
أنكحت ضم خفاها خف يَعْمَلَةٍ
أي جمعت بين خفيها (٢) وبين خف الناقة.
ومنه قول الشاعر:
أيها المنكح الثُّرَيّا سُهيلاً ... عمرك الله كيف يلتقيان
أي فكيف يجتمعان.
وفي الشرع: هو العقد. وقيل: هو الوطء.
وقال القاضي: الأشبه بأصلنا أنه حقيقة فيهما؛ لقولنا بتحريم موطوءة الأب بملك اليمين أو شبهه؛ لدخوله في قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾ [النساء: ٢٢].
والصحيح أنه العقد؛ لأنه أشهر استعمالاً.
ولأنه يصح نفيه عن الوطء؛ لأنه يقال في الزنا: سفاح. وليس بنكاح. ويروى عن النبي ﷺ : «وُلدتُ من نكاحٍ لا منْ سِفَاح» (٣).
ولأنه يقال في السُّرية: ليست بزوجة ولا منكوحة.
وهو مشروع بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء: ٣].
وأما السنة فقوله ﵊: «يا معشرَ الشباب! من استطاعَ منكمُ الباءَةَ فليتزوّج .. مختصر» (٤) متفق عليه.
стр. 2101
وأما الإجماع فأجمع المسلمون في الجملة على مشروعيته.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (النكاح سنة. والاشتغال به أفضل من التخلي لنوافل العبادة؛ إلا أن يخاف على نفسه مُواقعة المحظور بتركه فيجب عليه. وعنه: أنه واجب على الإطلاق).
أما كون النكاح سنة إذا لم يخف على نفسه مواقعة المحظور على المذهب؛ فلأن فعله راجح على تركه مع جواز تركه:
أما رجحان فعله؛ فلأن الله ورسوله أمرا به. وأدنى أحوال الأمر رجحان الفعل.
ولأن في فعله خروجاً عن العهدة الآتي ذكرها بعد.
وأما جواز تركه؛ فلأن الله تعالى علّقه بالاستطابة فقال: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: ٣]. والواجب لا يعلق على الاستطابة.
ولأن تكملة الآية: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء: ٣]. ولا خلاف في أنه لا يجب زيادة على واحدة.
وأما كون الاشتغال به أفضل من التخلي لنوافل العبادة؛ فلأن الله تعالى أمر به رسوله.
وقال ﵇: «ولكني أصومُ وأفطرُ، وأصلِّي وأرْقُدُ، وأتزوجُ النساء. فمن رغبَ عن سُنتي فليسَ مني» (١).
ولأن النبي ﷺ تزوج وبالغ في العدد. وفعل ذلك أصحابه. ولا يَشْتغل هو ولا أصحابه إلا بالأفضل.
стр. 2102
وعن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: «هل تزوَّجتَ؟ قلتُ: لا. قال: فتزوّجْ. فإنّ خيرَ هذه الأمةِ أكثرُها نساءً» (١). أخرجه البخاري.
ولأن مصالحه أكثر: فإنه يشتمل على إحراز الدين، وتحصين المرأة، وحفظها، والقيام بواجبها، وإيجاد النسل، وتكثير الأمة، وتحقيق مباهاة النبي ﷺ ، وغير ذلك من المصالح الراجح إحداها على العبادة. فمجموعها أولى.
فإن قيل: هل يدخل من لا شهوة له في الأصل؛ كالعِنّين، أو من خلقت له ثم ذهبت بكبر أو مرض؟
قيل: فيه وجهان:
أحدهما: يستحب له النكاح. وهو ظاهر كلام المصنف.
وقال القاضي: هو ظاهر أحمد.
ووجه ذلك ما تقدم من العموم. وقد جاء: «من دعاك إلى غير التزويج فقد دعاك إلى غير أمر الإسلام».
والثاني: المستحب لهذا التخلي لنوافل العبادة والاشتغال بشأنه؛ لأنه لا يحصل مصالح النكاح ويعرض نفسه لواجبات وحقوق لعلّه لا يتمكن من أدائها مع عدم حاجته إلى سبب ذلك. ويمنع زوجته من التحصين بغيره ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة فيه. والعمومات المتقدمة محمولة على من له شهوة لما فيها من القرائن الصارفة إليه.
وظاهر كلام أحمد أنه لا فرق بين القادر والعاجز «لأن النبي ﷺ كان يصبحُ وما عندهُم شيء، ويمسي وما عندهُم شيء» (٢).
و«لأنه ﵇ زوّج رجلاً لم يقدر على خاتم حديد، ولا وجدَ إلا إزارَه ولم يكن له ردَاء» (٣). أخرجه البخاري.
стр. 2103
ولأن الله هو الرزاق. وربما كان التزويج سبباً لغناه.
وأما كون من يخاف على نفسه مواقعة المحظور وهو الزنا بترك النكاح يجب عليه؛ فلأن صون النفس عن الحرام واجب، والنكاح طريق إليه. فيجب دفعا لذلك الحرام.
وأما كونه واجباً على الإطلاق على روايةٍ؛ فلظاهر قوله تعالى: ﴿فانكحوا﴾ [النساء: ٣]، ولقوله ﷺ : «تناكَحُوا تناسَلُوا» (١).
والأول أصح؛ لما تقدم. وما ذكر محمول على الندب؛ لما تقدم.
قال: (ويستحب تَخَيُّر: ذات الدين، الولود، البكر، الحسيبة، الأجنبية).
أما كون تخيّر ذات الدين يستحب؛ فلأن النبي ﷺ قال: «تُنكحُ المرأةُ: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها (٢). فاظفَرْ بذاتِ الدين. تَربَتْ يداك» (٣) متفق عليه.
وأما كون تخير الولود يستحب؛ فـ «لأن النبي ﷺ قال لجابر: أتزوجتَ يا جابر! قال: نعم. قال: بكرًا أم ثيبًا؟ قال: قلتُ: بل ثيبًا. قال: فهلا أخذتَ بكرًا تُلاعِبُها وتُلاعِبُك» (٤). متفق عليه.
وعنه ﷺ أنه قال: «عليكَمْ بالأبكَار. فإنهنّ أعذبُ أفْوَاهاً وأفتحُ أرْحَاماً» (٥). رواه أحمد.
وفي روايةٍ: «وأَنْتَقُ أرْحَاماً وأرضَى باليسِير» (٦).
стр. 2104
وأما كون تخير الحسيبة يستحب؛ فلما روت عائشة أن النبي ﷺ قال: «تخيّروا لنطَفِكُمْ. فانكِحُوا الأكْفَاءَ، وأنكِحُوا إليهم» (١). رواه ابن ماجة.
ولأن ولد الحسيبة ربما أشبه أهلها ونزع إليهم. ويقال: إذا أردت أن تتزوج امرأة فانظر إلى أبيها أو أخيها. أي: إذا أردت نكاح امرأة فانظر إلى نسبها. والنسب الحسب.
وأما كون تخير الأجنبية يستحب؛ فلأن ولدها أنجب. ولهذا يقال: اغترب. أي: انكحوا الغرائب.
ولأنه لا يؤمن في النكاح إفضاؤه إلى الطلاق. فيكون سبباً للعداوة. فإذا كانت الزوجة قريبة كانت قطيعة للرحم المأمور بصلتها.
قال: (ويجوز لمن أراد خطبة امرأة النظر إلى وجهها من غير خلوة بها. وعنه: له النظر إلى ما يظهر غالباً؛ كالرقبة واليدين والقدمين).
أما كون من أراد خطبة امرأة يجوز له النظر إليها في الجملة؛ فلأن جابراً روى أن النبي ﷺ قال: «إذا خطبَ أحدكمُ المرأةَ. فإن استطاعَ أن ينظرَ إلى ما يدعوهُ إلى نكاحِها فليفعل. قال: فخطبتُ امرأةً فكنتُ أتخبأُ لها حتى رأيتُ منها ما دعَاني إلى نِكاحِها. فتزوجتها» (٢). رواه أبو داود.
ولأن النكاح عقد يقتضي التمليك فكان للعاقد النظر إلى المعقود عليه؛ كالنظر إلى الأمة المستامة.
وأما كونه يجوز له النظر إلى وجهها فقط على الأول؛ فلأنه ليس بعورة. والغرض يحصل به؛ لأنه مجمع المحاسن.
стр. 2105
وأما كونه يجوز له النظر إلى ما يظهر غالباً كما تقدم بيانه على روايةٍ؛ فلأن النبي ﷺ لما أذن في النظر إليها مطلقاً علم أنه أذن في النظر إلى جميع ما يظهر منها غالباً. إذ لا يمكن إفراد الوجه بذلك.
ولأنه يظهر غالباً. فأبيح النظر إليه؛ كالوجه.
وأما كون النظر المذكور من غير خلوة بها؛ فلأنها كانت محرمة، ولم يَردْ الشرع بغير النظر. فبقيت الخلوة على التحريم.
ولأنه لا يؤمن مع الخلوة مواقعة المحظور. فإن النبي ﷺ قال: «لا يخلونّ الرجلُ بامرأةٍ فإن الشيطانَ ثالثهما» (١). رواه أحمد.
قال: (وله النظر إلى ذلك، وإلى الرأس، والساقين من الأمة المستامة، ومن ذوات محارمه. وعنه: لا ينظر من ذوات محارمه إلا إلى الوجه والكفين).
أما كون الرجل له النظر إلى الأمة المستامة؛ فلأن الحاجة تدعو إلى ذلك ليعرف ما يشتري.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله تعالى هنا أن النظر الجائز يختص بالوجه والرقبة واليدين والقدمين والرأس والساقين؛ لأن المقصود يحصل بذلك.
وقال في الكافي: يجوز النظر إلى ما عدا العورة؛ لأن ذلك محتاج إلى معرفته. فجاز النظر إليه؛ كالوجه.
وفي تقييد الأمة بالمستامة دليل على عدم جواز النظر إلى الأمة إذا لم تكن مستامة. وفيه وجهان:
إحداهما: لا يجوز؛ لعموم قوله: ﴿ولا يبدين زينتهن ... الآية﴾ [النور: ٣١] مع أنه لا حاجة تدعو إليه.
ولأن خوف الفتنة مشترك بين الحرة والأمة. فوجب اشتراكهما في الحرمة.
والثاني: يجوز؛ «لأن عمر رأى أمةً متكممة فضربها بالدرّة، وقال: يا لَكَاع! تتشبّهين بالحرائر» (٢).