← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

قيل: الاعتراف مصدر يقع على المرة والمرات. فيجب حمله على المرات المقدم ذكرها؛ لما فيه من الجمع بين الحديثين. وأما كون الإقرار أربع مرات يُثبت الزنى في مجلس كان أو مجالس؛ فلعموم ما تقدم. وأما كون المُقر يُقر وهو بالغ عاقل؛ فلقوله ﷺ : «رُفعَ القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلُغ، وعن المجنون حتى يُفيق ... » (١)، وفي قصة ماعز أن النبي ﷺ قال له حين أقر: «أبكَ جنون؟ قال: لا» (٢)، وفي حديث ابن عباس قال: «أتي عمر ﵁ بمجنونة قد زنتْ فاستشارَ فيها أناساً. فأمر بها عمر ﵁ أن ترجم. فمرّ بها على ابن أبي طالب قال: ما شأنُ هذه؟ قالوا: مجنونة بني فلان أمرَ بها عمر أن تُرجم. فقال: أرجعوها. ثم أتاهُ فقال: يا أمير المؤمنين! أما علمتَ أن القلمَ قد رُفع عن ثلاثة؟ عن المجنون حتى يُفيق قال: بلى. قال: فما بالُ هذه؟ [قال: لا شيء] (٣) قال: فأرسِلْها. قال: فجعل يكبِّر» (٤). رواه أبو داود. وأما كونه يصرّح في إقراره بذكر حقيقة الوطء؛ فلأن الزنى يعبر به عما ليس بموجب للحد. فلم يكن بد من ذكر حقيقة الزنى؛ لتزول الشبهة النافية لوجوب الحد. وفي حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال لماعز: «لعلك قبّلتَ أو غمزتَ أو نظرتَ. قال: لا. قال: أفنِكتَها؟ لا يكْني. قال: نعم. قال: فعندَ ذلك أمر برجمه» (٥)، وفي روايةٍ عن أبي هريرة ﵁ قال: «أفنِكتَها؟ قال: نعم. قال: حتى غابَ ذلك منكَ في ذلك منها. قال: نعم. قال: كما يغيبُ المِرْودُ في المكحلة والرشاء في البئر. قال: نعم. قال: هل تدري ما الزنا؟ قال: نعم.

стр. 2592

أتيتُ منها حرامًا ما يأتي الرجل من امرأته حلالاً ... وذكر الحديث» (١). رواه أبو داود. وأما كونه لا ينزع عن إقراره حتى يتم الحد؛ فـ «لأن النبي ﷺ قال لأصحابه لما هرب ماعز: هلاّ تركتمُوه» (٢). قال: (الثاني: أن يشهد عليه أربعة رجال أحرار عدول يصفون الزنى ويجيئون في مجلس واحد سواء جاؤوا متفرقين أو مجتمعين). أما كون الثاني من الشيئين اللذين يثبت بهما الزنى أن يُشهد عليه؛ فلأن الشهادة مثبتة لغير الزنى. فوجب أن تكون مثبتة له أيضاً، وفي حديث عمر: «إنّ الرجمَ حقٌ واجبٌ ما قامت البينة» (٣). وأما كون من يشهد عليه أربعة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء﴾ [النور: ١٣]، وقال: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ [النور: ٤]، وقال: ﴿فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ [النساء: ١٥]. وأما كونهم رجالاً؛ فلأن في شهادة النساء شبهة لما في قبول شهادتهن من الاختلاف، والحدود تدرأ بالشبهات. وأما كونهم أحراراً؛ فلأن في شهادة العبيد خلافاً بين العلماء، وذلك شبهة. فلا تقبل فيما يدرأ بالشبهات. وأما كونهم عدولاً؛ فلأن ذلك شرط في سائر الشهادات. فلأن يشترط ذلك فيما فيه يحتاط بطريق الأولى. وأما كونهم يصفون الزنى فيقولون: رأينا ذكره في فرجها كالمِرْوَد في المكحلة والرشاء في البئر؛ فلأن ذلك شرط في الإقرار. فلأن يشترط في الشهادة بطريق الأولى. وفي حديث جابر قال: «جاءت اليهود برجل منهم وامرأة زنيا. فقال النبي ﷺ : ائتوني بأعلم رجلين منكم. فأتوا بابني صُوريا. فَنَشَدَهما كيف تجدان أمرَ

стр. 2593

هذين في التوراة؟ قالا: نجدُ أنه إذا شهد أربعة أنهم رأوْا ذكره في فرجها كالمرود في المكحلة رُجما. قال: فما منعكما أن ترجموهما؟ قالا: ذهبَ سلطاننا فكرهنا (١) القتل. فدعا رسول الله ﷺ بالشهود فجاء أربعة. فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة. فأمر النبي ﷺ برجمهما» (٢). ولأنهم إذا لم يصفوا الزنى احتمل أن يكون المشهود به لا يوجب الحد. فاعتبر ذكر كيفيته؛ ليتميز الموجب من غيره. وأما كون الشهود يجيؤون في مجلس واحد؛ فـ «لأن عمر شهد عنده أبو بكرة (٣) ونافع وشبل بن معبد على المغيرة بالزنى ولم يشهد زياد فحد الثلاثة» (٤). ولو كان المجلس غير مشترط لم يجز أن يحدهم؛ لجواز أن يكملوا برابع في مجلس آخر. ولأنه لو شهد ثلاثة فحدوا ثم جاء الرابع فشهد لم تقبل شهادته فلولا اشتراط المجلس لكملت شهادتهم. وأما كون مجيئهم مجتمعين أو متفرقين سواء؛ فلأن شهود المغيرة جاؤوا واحدًا واحداً وسمعت شهادتهم. وإنما حُدوا؛ لعدم كمالها، وفي الحديث أن أبا بكرة قال لعمر: «أرأيتَ لو جاء آخر فشهد أكنتَ ترجمه؟ قال عمر: إي والذي نفسي بيده». ولأنهم اجتمعوا في مجلس واحد. أشبه ما لو جاؤوا مجتمعين. ولأن المجلس كله بمنزلة ابتدائه، ولهذا أجزأ فيه القبض فيما يشترط فيه القبض.

стр. 2594

قال: (فإن جاء بعضهم بعد أن قام الحاكم، أو شهد ثلاثة وامتنع الرابع من الشهادة، أو لم يكملها: فهم قذفة وعليهم الحد). أما كون الذي جاء بعد قيام الحاكم؛ فلأن شهادته غير مقبولة ولا صحيحة. أشبه ما لو لم يشهد أصلاً. وأما كونه عليه الحد؛ فلأنه قاذف، ويجب عليه الحد؛ لعموم الأدلة المقتضية لوجوب ذلك. وأما كون الشهود الثلاثة قذفة إذا امتنع الرابع من الشهادة أو لم يكملها؛ فلأن الله تعالى أوجب عليهم الحد بقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ [النور: ٤]. ولأن ذلك إجماع الصحابة فإن عمر جلد أبا بكرة وأصحابه حين لم يكمل الرابع بمحضر من الصحابة ولم ينكروه. قال: (وإن كانوا فُسَّاقاً أو عُمياناً أو بعضهم فعليهم الحد. وعنه: لا حد عليهم). أما كون من ذكر عليهم الحد على المذهب؛ فلأن شهادتهم لم تكمل. فوجب بها الحد على الشهود؛ كما لو شهد ثلاثة فقط. وأما كونهم لا حد عليهم على روايةٍ؛ فلأنهم أحرزوا ظهورهم بكمال عددهم. وإنما جاء رد الشهادة لمعنى غير تفريطهم. أشبه ما لو شهد عدول بزنى امرأة وشهد نساء ثقات أنها عذراء. قال: (وإن كان أحدهم زوجاً حد الثلاثة ولاعن الزوج إن شاء). أما كون الثلاثة فيما ذكر تحد؛ فلأنهم قذفة حيث لم تكمل البينة؛ لأن شهادة الزوج غير مسموعة. وأما كون الزوج يلاعن إن شاء؛ فلأن الزوج إذا قذف زوجته له الخيرة بين اللعان وبين تركه؛ لما ذكر في باب اللعان.

стр. 2595

قال: (وإن شهد اثنان أنه زنى بها في بيت أو بلد، واثنان أنه زنى بها في بيت أو بلد آخر: فهم قذفة وعليهم (١) الحد. وعنه: يحد المشهود عليه وهو بعيد). أما كون الشهود قذفة عليهم الحد على المذهب؛ فلأنه لم تكمل شهادة أربعة على فعل واحد. أشبه ما لو انفرد بالشهادة اثنان. وأما كون المشهود عليه يحد على روايةٍ؛ فلأن الشهادة كملت في الجملة. وأما كون ذلك بعيداً؛ فلأن كمال الشهادة يعتبر كونه على فعل واحد والفعل هاهنا متعدد. ضرورة تعداده بتعداد البيت والبلد. قال: (وإن شهدا أنه زنى بها في زاوية بيت، وشهد الآخران أنه زنى بها في زاويته الأخرى، أو شهدا (٢) أنه زنى بها في قميص أبيض وشهد الآخران أنه زنى بها في قميص أحمر: كملت شهادتهم. ويحتمل أن (٣) لا تكمل كالتي قبلها). أما كون شهادة (٤) من ذكر تكمل على المذهب؛ فلأنه أمكن صدق الشهود بأن يكون ابتداء الفعل في إحدى الزاويتين وأخذ الثوبين وتمامه في الآخر. فإن قيل: فقد يمكن أن تكون الشهادة على فعلين. فلم وجب الحد والحدود تدرأ بالشبهات؟ قيل: يبطل هذا بما إذا اتفقوا على موضع واحد فإنه يمكن أن تكون الشهادة على فعلين بأن يكون قد فعل ذلك في ذلك الموضع مرتين ومع هذا فلا يمنع وجوب الحد. وأما كون شهادتهم يحتمل أن لا تكمل كالتي قبلها؛ فلأن الشهادة هنا مختلفة. أشبهت الشهادة في المسألة المذكورة قبل.

стр. 2596

قال: (وإن شهدا (١) أنه زنى بها مطاوعة وشهد آخران أنه زنى بها مكرهة: لم تكمل شهادتهم. وهل يحد الجميع أو شاهدا المطاوعة؟ على وجهين. وعند أبي الخطاب: يحد الزاني المشهود عليه دون المرأة والشهود). أما كون شهادة من ذكر لا تكمل على المذهب؛ فلأن فعل المطاوعة غير فعل المكرهة. فعلى هذا لا يحد الرجل ولا المرأة المشهود عليهما؛ لأن الشهادة لم تكمل على فعل موجب للحد عليهما. وأما كون جميع الشهود يحدون على وجه؛ فلأنهم قذفوا الرجل. وأما كون شاهدي (٢) المطاوعة يحدان على وجه؛ فلأنهما قذفا المرأة وشهدا عليها (٣) بالزنا ولم تكمل شهادتهم. وأما كون الزاني يحد على قول أبي الخطاب؛ فلأنه شهد عليه أربعة، وذلك يوجب الحد. وأما كون المرأة لا تحد؛ فلأنه لم يشهد عليها أربعة بزنى يوجب الحد؛ لأنه لا حد مع الإكراه. قال: (فإن شهد أربعة فرجع أحدهم فلا شيء على الراجع، ويحد الثلاثة. وإن كان رجوعه بعد الحد فلا حد على الثلاثة، ويغرم الراجع ربع ما أتلفوه). أما كون الراجع قبل الحد فيما ذكر لا شيء عليه؛ لأنه كالتائب قبل تنفيذ الحكم بقوله. وحكى المصنف ﵀ رواية في المغني أنه يحد وصححها، ولم يذكر لذلك دليلاً. وأما كون الثلاثة تحد؛ فلأن رجوع الراجع ينقص عدد الشهود. فوجب أن يحدوا؛ كما لو كانوا كذلك في الابتداء. وأما كون الثلاثة لا حد عليهم إذا كان رجوع الشاهد بعد الحد؛ فلأن الشهادة كملت واتصل بها الحكم. فلم يجب عليهم شيء؛ لعدم كونهم قذفة.

стр. 2597

وأما كون الراجع يغرم ربع ما أتلفوه؛ فلأنه برجوعه أقر على نفسه أن التلف المتقدم حصل بفعله وفعل بقية الشهود. تعذر قبول ذلك بالنسبة إلى بقية الشهود وبقي قوله مقبولاً بالنسبة إليه وهم أربعة. فوجب عليه ربع ذلك. قال: (وإن شهد أربعة بالزنى بامرأة فشهد ثقات من النساء أنها عذراء فلا حد عليها ولا على الشهود. نص عليه). أما كون المرأة المذكورة لا حد عليها؛ فلأن عذرتها دليل براءتها. وأما كون الشهود لا حد عليهم؛ فلأن صدقهم محتمل لجواز أن يكون وطئها ثم عادت عذرتها. قال: (وإن شهد أربعة على رجل أنه زنى بامرأة فشهد أربعة آخرون على الشهود أنهم هم الزناة بها لم يحد المشهود عليه. وهل يحد الشهود الأولون حد الزنى؟ على روايتين). أما كون المشهود عليه لا يحد؛ فلأن شهادة الآخرين تضمنت جرح الأولين وشهادة الآخرين تتطرق إليها (١) التهمة. وأما كون الشهود الأولين يحدون على روايةٍ؛ فلأنهم شهد عليهم أربعة بالزنى. وأما كونهم لا يحدون حد الزنى على روايةٍ؛ فلأن الشهادة المذكورة متهم فيها من الجهة المتقدم ذكرها. قال: (وإن حملت امرأة لا زوج لها ولا سيد لم تحد بذلك بمجرده). أما كون المرأة المذكورة لا تحد بمجرد ما ذكر؛ فلأنه يحتمل أن يكون الحمل من وطء شبهة أو إكراه، والحد يدرأ بالشبهة. فإن قيل: قد روي عن عمر: «إن الرجمَ حقٌ واجبٌ على من زنى وقد أحصن إذا كانت البينةُ، أو الحبلُ، أو الاعتراف» (٢)، وذلك يدل على وجوب الحد.

стр. 2598

قيل: ظاهره ذلك. لكنه معارض بما روي عنه «أنه أُتي بامرأةٍ حامل فادَّعت أنها أُكرهت قال: خلِّ سبيلها، وأنه كتب إلى أمرائه» (١).

стр. 2599

باب القذف قال المصنف ﵀: (وهو: الرمي بالزنى. ومن قذف حراً محصناً فعليه جلد ثمانين جلدة إن كان القاذف حراً وأربعين إن كان عبداً. وقذف غير المحصن يوجب التعزير). أما قول المصنف ﵀: وهو الرمي بالزنى؛ فبيان لمعنى القذف. وأما كون من قذف حراً محصناً عليه جلد ثمانين جلدة إذا كان حراً؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ [النور: ٤]. وأما كونه عليه جلد أربعين إذا كان عبداً؛ فلما روى عبدالله (١) بن عامر بن ربيعة (٢) أنه قال: «أدركتُ أبا بكر وعمر وعثمان ومن بعدهم من الخلفاء فلم أرَهم يضربونَ المملوك إذا قذفَ إلا أربعين» (٣). ولأن الحد إذا كان يتبعض كان العبد فيه على النصف كحد الزنى. فإن قيل: الآية عامة فيدخل العبد فيها. قيل: ما ذكر خاص، والخاص مقدم على العام. وأما كون قذف غير المحصن يوجب التعزير؛ فلأن القذف معصية. فإذا لم يجب فيه حد؛ لفوات شرطه وهو الإحصان -وسيأتي دليلهما-: وجب التعزير. ضرورة وجوبه في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة.

стр. 2600

قال: (والمحصن هو: الحر المسلم العاقل العفيف الذي يجامع مثله. وهل يشترط البلوغ؟ على روايتين). أما كون المحصن الذي يحد بقذفه ثمانون جلدة هو الحر المسلم العاقل العفيف الذي يجامع مثله؛ فلأنه لو كان عبداً أو كافراً لكانت حرمتهما ناقصة. فلم تنتهض لإيجاب الحد. ولو كان مجنوناً لم يجب عليه حد الزنا؛ لقوله ﵇: «رُفعَ القلمُ عن ثلاث: عن المجنون حتى يُفيق ... » (١) فلا يجب الحد بقذفه. ولأن غير العاقل لا يلحقه شَيْن بإضافة الزنى إليه؛ لكونه غير مكلف. وحد القذف إنما وجب من أجل ذلك. ولو كان غير عفيف لم يشنه القذف. فلا يجب الحد بقذفه؛ لما تقدم من أن القذف إنما وجب من أجله. ولو كان مثله لا يجامع لم يشنه القذف أيضاً؛ لتحقق كذب القاذف. وأما كونه يشترط بلوغه على روايةٍ؛ فلأنه أحد شرطي التكليف. أشبه العقل. ولأن زنى الصبي لا يوجب حداً. فلا يجب الحد بالقذف؛ كزنى المجنون. وأما كونه لا يشترط على روايةٍ؛ فلأنه حر عاقل عفيف يعير بهذا القول الممكن صدقه. أشبه الكبير. فعلى هذه الرواية لا بد أن (٢) يكون كبيراً يجامع مثله، وأدناه أن يكون للغلام عشر سنين، وللجارية سبع. قال: (وإن قال: زنيتِ وأنت صغيرة وفسره بصغر عن تسع سنين لم يحد، وإلا خرج على الروايتين). أما كون من قال ما ذكر وفسر الصغر عن تسع سنين لا يحد؛ فلأن حد القذف إنما وجب لما يلحق بالمقذوف من العار، وذلك منتف في الصغيرة عن تسع سنين؛ لأن مثلها لا يمكن ذلك منها. فلا يلحقها عار القذف.

стр. 2601

وأما كونه إذا فسره بتسع يتخرج على الروايتين؛ فلأنه لو قذفها في تلك الحال لوجب عليه الحد على أحد الروايتين. فكذلك إذا فسر صغرها بذلك. قال: (وإن قال لحرة مسلمة: زنيتِ وأنت نصرانية أو أمة ولم تكن كذلك فعليه الحد. وإن كانت كذلك وقالت: أردتَ قذفي في الحال فأنكرها فعلى وجهين). أما كون من قال ما ذُكر عليه الحد إذا لم تكن المقذوفة [كما قال في حال؛ فلأنه قذف محصنة. وأما كونه عليه الحد إذا كانت المقذوفة] (١) كذلك وقالت: أردتَ قذفي في الحال وأنكرها على وجه؛ فلأن قوله: زنيتِ خطاب في الحال، والظاهر أنه أراد ذلك. وأما كونه لا حد عليه على وجه؛ فلأن ظاهر لفظه يقتضي تعلق: وأنت نصرانية أو أمة بقوله: زنيت، فيصير كأنه قال لها: زنيت في حال النصرانية أو الرق ولا حد مع ذلك. وهذا أصح من الأول؛ لأن ارتباط الكلام بعضه ببعض أولى من عدم ارتباطه، وإذا كان ذلك كذلك وجب ارتباط قوله: وأنت نصرانية بقوله: زنيت، وذلك ينفي كونه قاذفاً في الحال. قال: (ومن قذف محصناً فزال إحصانه قبل إقامة الحد لم يسقط الحد عن القاذف). أما كون من [ذكر لا يسقط الحد عنه؛ فلأن الحد] (٢) قد وجب وتم بشروطه. فلا يسقط بزوال شرط الوجوب؛ كما لو زنى بامرأة ثم اشتراها، أو سرق عيناً قيمتها نصاب فنقصت قيمتها أو ملكها، وكما لو جُن المقذوف بعد المطالبة. وأما المعني بزوال الإحصان فأن يزول شرط من شروطه؛ مثل: أن يكون المقذوف عفيفاً فيزني قبل إقامة الحد، وما أشبه ذلك.

стр. 2602

فصل [والقذف محرم إلا في موضعين] قال المصنف ﵀: (والقذف محرم إلا في موضعين: أحدهما: أن يرى امرأته تزني في طهر لم يصبها فيه فيعتزلها وتأتي بولد يمكن أن يكون من الزاني فيجب عليه قذفها ونفي ولدها. والثاني: أن لا تأتي بولد يجب نفيه أو استفاض زناها في الناس أو أخبره به ثقة أو رأى رجلاً يعرف بالفجور يدخل إليها فيباح قذفها ولا يجب). أما كون القذف محرماً فيما عدا المستثنى؛ فبالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إن الذين يَرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لُعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم﴾ [النور: ٢٣]. وأما السنة؛ فقوله ﵇: «اجتنبوا السبع الموبقات. وذكر منهن: قذف المحصنات المؤمنات الغافلات» (١). وأما الإجماع؛ فأجمع المسلمون على تحريم القذف في الجملة. وأما كونه يجب على من رأى امرأته تزني في طهر لم يصبها فيه ويعتزلها وتأتي بولد يمكن أن يكون من الزاني؛ فلأن نفي الولد واجب؛ لما يأتي، ولا يمكن إلا بالقذف، وما لا يتم الواجب إلا به واجب. وأما كونه يجب عليه نفي ولدها؛ فلئلا يلحق به ولد غيره. ولذلك قال رسول الله ﷺ : «أيما امرأةٍ أَدخلتْ على قومٍ من ليسَ منهمْ فليستْ من اللهِ في شيء، ولن يُدخلَها اللهُ جنته» (٢).

стр. 2603

وأما كونه يباح لمن يراها تزني ولم تأت بولد يجب نفيه؛ فلأن بالزوج حاجة إلى فسخ النكاح ليخلص من زوجة شأنها ذلك، ولذلك قذف عويمر العجلاني زوجته بحضرة الرسول ﷺ (١)، وقذف هلال بن أمية زوجته بحضرة الرسول أيضاً (٢). وأما كونه يباح إذا استفاض زناها أو أخبره به ثقة أو رأى رجلاً يُعرف بالفجور يدخل عليها؛ فلأن الحاجة داعية إلى فسخ النكاح هنا كالحاجة الداعية إذا رآها، وذلك يوجب إباحة القذف؛ لاشتراك الكل في الحاجة الموجبة للإباحة. قال: (وإن أتت بولد يخالف لونه لونهما لم يبح نفيه بذلك. وقال أبو الخطاب: ظاهر كلامه إباحته). أما كون الولد لا يباح نفيه بذلك على الأول؛ فلما روي «أن رجلاً ولدَ له ولد أسود. فأتى النبي ﷺ فأخبره. فقال له النبي ﷺ : هل لكَ من إبل؟ قال: نعم. قال: فما ألوانُها؟ قال: حمرٌ. قال: هل فيها من أوْرَق؟ قال: إن فيها لَورقًا. قال: فأنى أتاها ذلك؟ قال: لعله نزَعهُ عرق. قال: وهذا عسى أن يكون نزعهُ عرق» (٣). وأما كونه يباح على قول أبي الخطاب: ظاهر كلام الإمام أحمد إباحته؛ فلأن ذلك من الأسباب المغلبة على الظن أنها زنت، [ولذلك قال النبي ﷺ : «إن أتتْ] (٤) به على نعتِ كذا فهو لفلان (٥)، وإن أتت على نعت كذا فهو للزوج (٦») (٧).

стр. 2604

فصل [في ألفاظ القذف] قال المصنف ﵀: (وألفاظ القذف تنقسم إلى صريح وكناية. فالصريح قوله: يا زاني، يا عاهر، زنى فرجك، ونحوه مما لا يحتمل غير القذف فلا يقبل قوله بما يحيله). أما كون ألفاظ القذف تنقسم إلى صريح وكناية؛ فلأنها ألفاظ يرتب عليها حكم شرعي فانقسمت إلى ذلك كألفاظ الطلاق. ولأن منها ما لا يحتمل غير القذف، ومنها ما يحتمل غيره، وذلك شأن الصريح والكناية. وأما كون الصريح: يا زاني يا عاهر زنى فرجك ونحوه مما لا يحتمل غير القذف؛ فلأن الصريح ما لا يحتمل غيره، وذلك موجود هاهنا. وأما كون القاذف لا يقبل قوله بما يحيل القذف؛ فلأن المصرح باطلاً لا يقبل قوله إذا ادعى ما يحيله. فكذلك المصرح بالقذف. قال: (وإن قال: يا لوطي، أو يا معفوج فهو صريح. وقال الخرقي: إذا قال: أردت أنك من قوم لوط فلا حد عليه وهو بعيد. وإن قال: أردت أنك تعمل عمل قوم لوط غير إتيان الرجال احتمل وجهين). أما كون قول: يا لوطي صريحاً على قول غير الخرقي؛ فلأن اللوطي الزاني بالصبيان. أشبه ما لو قال: يا زاني. وأما كون قول: يا معفوج صريحاً على ذلك؛ فلأن معناه يا مفعولاً به فعل قوم لوط، وذلك صريح فهذا مثله. فإن قيل: قد تقدم أن الصريح ما لا يحتمل غير القذف وهذا يحتمله. قيل: معناه والله أعلم أنه صريح في الحكم لا في اللفظ. فعلى هذا يجب الحد عليه كما لو قذفه بالزنى.

стр. 2605

وأما كون قائل ذلك إذا قال: أردتُ أنك من قوم لوط لا حد عليه على قول الخرقي؛ فلأن كلامه يصح أن يراد به ذلك فإذا قال: أردته لم يجب الحد لشَكِّنا في المقتضي له لا سيما والحدود تدرأ بالشبهات. وأما كون ذلك بعيداً؛ فلأن إطلاق مثل ذلك وإرادة مثل ذلك فيه بُعد. وأما كونه إذا قال: أردت أنك تعمل عمل قوم لوط غير إتيان الرجال يحتمل أن لا يحد؛ فلأن ما فسر كلامه محتمل الإرادة والحد يدرأ بالشبهة. وأما كونه يحتمل أن يحد؛ فلأنه لا يراد بمثل ذلك اللفظ في الغالب غير الزنى. فلم يقبل تفسيره بغيره؛ كما لو قال: يا زاني وفسره بغيره. فإن قيل: ما المراد بعمل قوم لوط الذي ينتفي معه وجوب الحد؟ قيل: هو محبة الصبيان وتقبيلهم ونحو ذلك مما لا يوجب حداً. قال: (وإن قال: لستَ بولد فلان فقد قذف أمه. وإن قال: لستَ بولدي فعلى وجهين). أما كون من قال: لستَ بولد فلان قد قذف أمه؛ فلأن ذلك يقتضي أن أمه أتت به من غير أبيه، وذلك قذف لها. وأما كون من قال: لست بولدي قد قذف أمه على وجه؛ فلأنه نفاه عن نفسه. أشبه نفي ولد (١) غيره عن أبيه. وأما كونه غير قاذف لأمه على وجه؛ فلأن الإنسان يغلظ لولده في القول والفعل (٢) فيحتمل أنه أراد بذلك التغليظ، وذلك شبهة يدرأ بها الحد. قال: (وإن قال: أنتِ أزنى الناس أو أزنى من فلانة، أو قال لرجل: يا زانية أو لامرأة (٣): يا زاني، أو قال: زنت يداك ورجلاك: فهو صريح في القذف في قول أبي بكر، وليس بصريح عند ابن حامد). أما كون قول: "أنت أزنى الناس أو أزنى من فلانة" صريحاً في القذف في قول أبي بكر؛ فلأن أزنى معناه المبالغة في الزنى ففيه الزنى وزيادة (٤).

стр. 2606

وأما كونه ليس بصريح عند ابن حامد؛ فلأن أفعل قد تجيء لغير ما ذكر. فيحتمل أن يراد، وذلك يمنع كونه صريحاً. وأما كون القول للرجل: يا زانية، وللمرأة: يا زاني (١) صريحاً في قول أبي بكر؛ فلأن ما كان قذفاً لأحد الجنسين كان قذفاً للآخر. قياساً لأحدهما على الآخر. ولأن ترك تاء التأنيث في موضعها وزيادتها في غير موضعها خطأ لا يغير معنى. فلا يمنع وجوب الحد؛ كاللحن. ولأن هذا اللفظ خطاب لهما وإشارة إليهما بلفظ الزنى، وذلك يغني عن التمييز بتاء التأنيث وحذفها. وأما كونه ليس بصريح عند ابن حامد؛ فلأن التكلم بمثل ذلك مجاز أو خطأ، وذلك ليس بشأن الصريح. وأما كون قول: زنت يداك ورجلاك (٢) صريحاً عند أبي بكر؛ [فلأن ذلك يطلق ويراد به زنى الفرج. وأما كونه ليس صريحاً عند] (٣) ابن حامد؛ فلأن النسبة حقيقة إلى ما ذكر فلا يصرف إلى غيره. قال: (وإن قال: زنأت في الجبل مهموزاً فهو صريح عند أبي بكر. وقال ابن حامد: إن كان يعرف العربية لم يكن صريحاً. وإن لم يقل: في الجبل فهل هو صريح أو كالتي قبلها؟ على وجهين). أما كون قوله: زنأت في الجبل مهموزاً صريحاً عند أبي بكر؛ فلأن العامة لا يفهمون من ذلك إلا القذف، ولا يفرقون بين مهموز وغيره. أشبه ما لو قال: زنيت في الجبل.

стр. 2607

وأما كون ذلك ليس صريحاً عند ابن حامد إذا كان يعرف العربية؛ فلأن الظاهر من العالم أنه يريد مدلول اللفظ، وذلك هو الصعود. بخلاف غير العالم؛ فلأنه لا يفهم منه غير الزنى. وأما كون قول ذلك إذا لم يقل معه في الجبل صريحاً وجهاً واحداً على وجه؛ [فلأنه مع عدم القول في الجبل يتمحض القذف. وأما كونه كالتي قبلها على وجه] (١)؛ فلأنه بمعناها؛ لاشتراكهما في الهمز. فعلى هذا يكون في ذلك وجهان: أحدهما: يكون صريحاً في حق العامي والعالم بالعربية. والثاني: يفرق بين العالم والعامي على ما تقدم تفصيله. قال: (والكناية: نحو قوله لامرأته: قد فضحته وغطيت أو نكّست رأسه وجعلت له قروناً، وعلقت عليه أولاداً من غيره وأفسدت فراشه، أو يقول لمن يخاصمه: يا حلال ابن الحلال ما يعرفك الناس بالزنى، يا عفيف، أو يا فاجرة يا قحبة يا خبيثة، أو يقول لعربي: يا نبطي يا فارسي يا رومي، أو يسمع رجلاً يقذف رجلاً فيقول: صدقت أو أخبرني فلان أنك زنيت وكذبه الآخر: فهذا كناية إن فسره بما يحتمله غير القذف قُبل قوله في أحد الوجهين، وفي الآخر جميعه صريح). أما كون ذلك كناية في وجهٍ فلأنه يحتمل إرادة غير الزنى؛ مثل أن يريد بقوله: قد فضحته أي بشكواك، أو برداءة أصلك، وبقوله: غطيت أو نكّست رأسه أي (٢) حياء من الناس من ذلك، وبقوله: جعلتِ له قروناً أي أنه مسخرٌ لك مطيعٌ منقادٌ كالثور، وبقوله: علَّقتِ عليه أولاداً من غيره أي من زوج آخر أو وطء شبهة، وبقوله: أفسدت فراشه أي بالنشوز أو (٣) بالشقاق ومنع الوطء، وبقوله: يا حلال ابن الحلال أنه كذلك حقيقة، وبقوله: ما يعرفك الناس بالزنى حقيقة النفي، وبقوله: يا عفيف كونه كذلك حقيقة، وبقوله: يا فاجرة كونها مخالفة لزوجها فيما يجب طاعتها فيه، وبقوله: يا قحبة وبقوله: يا خبيثة برداءة

стр. 2608

أصلها، وبقوله لعربي: يا نبطي يا فارسي يا رومي يا متخلقاً بأخلاق أحد هؤلاء، وبقوله: صدق عند سماعه رجلاً يقذف رجلاً أنه صادق في غير الأخبار المذكورة، وبقوله: أخبرني فلان أنك زنيت وكذبه آخر (١) أني موافق للكذب. وإذا احتمل ذلك جميعه غير القذف تعين كونه كناية؛ لأن ذلك شأن كل الكنايات. فعلى هذا إذا فسر كلامه بأحد الاحتمالات المذكورة أو ما يقوم مقامها قُبل؛ لأنه فسر كلامه بما يحتمله. وأما كون جميع ذلك صريحاً في وجهٍ؛ فلأن الظاهر من حاله أنه لم يرد شيئاً مما ذكر، والغالب استعمال الألفاظ المذكورة في القذف. فوجب حملها عليه بظاهرَي الحال والاستعمال. فعلى هذا إذا قال: أردت أحد هذه الاحتمالات لم يقبل قوله؛ لأن هذا شأن الصريح. ولهذا لو قال المطلق بصريح الطلاق: أردتُ غيره لم يقبل. قال: (وإن قذف أهل بلد أو جماعة لا يتصور الزنى من جميعهم عُزِّر ولم يحد). أما كون من ذكر يعزر؛ فلأنه واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة، وذلك موجود هاهنا. وأما كونه لا يحد؛ فلأن الحد إنما وجب لما يلحق المقذوف من العار بالزنى، وذلك يستدعي إمكانه من فاعله، وذلك منتفٍ هاهنا. ضرورة عدم تصوره. قال: (وإن قال لرجل: اقذفني فقذفه فهل يحد؟ على وجهين). أما كون القاذف المذكور يُحد على وجه؛ فلأن الموجب له القذف، وهو موجود. وقول (٢) [المقذوف: اقذفني لا أثر له؛ لأن القذف لا يباح بلا حاجة] (٣). وأما كونه لا يحد على وجه؛ فلأن المقذوف رضي بقذفه. أشبه ما لو قذف نفسه.

стр. 2609

وقال صاحب النهاية فيها: وعندي أن هذا -يعني الخلاف- ينبني على أن حد القذف هل هو حق لله أو لآدمي؟ فإن قيل: لله وجب، وإلا لم يجب. وهو معنى صحيح يجب أن يُلحظ. قال: (وإن قال لامرأته: يا زانية قالت: بك زنيت لم تكن قاذفة، ويسقط عنه الحد بتصديقها). أما كون المرأة القائلة ما ذكر لا تكون قاذفة للقائل لها: يا زانية؛ فلأن ذلك لا يستعمل في القذف للقذف؛ لأنه لا يراد به حقيقة ذلك، ألا ترى أنه لو قيل لشخص: يا سارق فقال: معك سرقت لم يكن معناه الإخبار بالسرقة (١) بل معناه كما لم تسرق أنت فكذا أنا. وأما كون الحد يسقط عن القاذف؛ فلأنه رماها بالزنا، وفي قولها: بك زنيت تصديق له، وذلك يوجب إسقاط الحد كما لو قال: زنيت فقالت: صدقت. وقال أبو الخطاب في هدايته: يكون الرجل قاذفاً لها؛ لأنه نسبها إلى الزنى وتصديقها لم ترد به حقيقة الفعل بدليل أنه لو أريد ذلك لوجب كونها قاذفة له. قال: (وإذا (٢) قُذفت المرأة لم يكن لولدها المطالبة إذا كانت الأم في الحياة. وإن قذفت وهي ميتة. مسلمة كانت أو كافرة. حرة أو أمة: حد القاذف إذا طالب الابن وكان حراً مسلماً. ذكره الخرقي. وقال أبو بكر: لا يجب الحد بقذف ميتة). أما كون المرأة إذا قُذفت لا يكون لولدها المطالبة إذا كانت أمه في الحياة؛ فلأنه حق ثبت للتشفي. فلا يقوم فيه غير المستحق مقام المستحق، والمستحق هنا الأم. فلم يقم الولد مقامها. وأما كونها إذا قُذفت ميتة يحد القاذف على ما ذكره الخرقي؛ فلأن القاذف قَدَح في نسب الحي، وذلك أنه إذا قذف أمه فقد نسبه إلى أنه ولد من زنى. وفي قول المصنف ﵀: مسلمة كانت أو كافرة حرة أو أمة إشعار بأن الحد هنا لم يجب للولد بطريق الإرث؛ لأنه لو وجب على سبيل الإرث لاعتبر

стр. 2610

شرائط الإحصان في المقذوف. وقد صرح بذلك المصنف ﵀ في المغني فقال: إنما ملك الابن مطالبة القاذف؛ لأنه قدح في نسب الحي. وأما قوله: إذا طالب الابن وكان حراً مسلماً فشروط في حد القذف: أما الطلب؛ فلأنه حق من الحقوق فلا يستوفى بغير طلب مستحقه؛ كسائر الحقوق. وأما حرية الابن وإسلامه؛ فلأن الحد وجب للقدح في نسبه. فإذا لم يكن كذلك لم يجب الحد. ولأن القدح في نسب الحي ليس أسوأ حالاً من نسبة الحي نفسه إلى الزنى، ولو قذف الحي بالزنى اعتبر حريته وإسلامه. فكذا هاهنا. وأما كون الحد لا يجب بقذف ميتة على قول أبي بكر؛ فلأن الميتة لا تعيَّر والحي لم يقدح فيه، وذلك شبهة يدرأ بها الحد. ولأنه يحتمل أن الأم لو كانت حية لصدقته، وذلك شبهة توجب سقوط الحد. قال: (وإن مات المقذوف سقط الحد، ومن قذف أمّ النبي ﷺ قتل مسلماً كان أو كافراً). أما كون الحد يسقط إذا مات المقذوف؛ فلأن شرطه (١) مطالبة مستحقه به، وهي لا تتصور مع موته. وأما كون من قذفَ أمّ النبي ﷺ يقتل؛ فلأنه يكفر بقذفه لها؛ لما في ذلك من التعرض للقدح في النبوة الموجب للكفر. وأما كون من فعل ذلك يقتل مسلماً كان أو كافراً؛ فلاستوائهما في الموجب للقتل. ولأن المسلم إذا قتل بذلك. فلأن يقتل الكافر بطريق الأولى.

стр. 2611

قال: (وإن قذف الجماعة بكلمة واحدة (١) فحد واحد إذا طالبوا أو واحد منهم. وعنه: إن طالبوا متفرقين حد لكل واحد حداً. وإن قذفهم بكلمات حد لكل واحد حداً. وإن حُدَّ القاذف فأعاده لم يعد عليه الحد). أما كون من قذف الجماعة بكلمة واحدة يحد حداً واحداً على المذهب؛ فلأنه قذف واحد. فلم يجب فيه إلا حد واحد. ولأن الحد إنما وجب لإدخال المَعْيرة على المقذوف بقذفه، وبحد واحد يظهر كذب هذا القاذف وترك المعيرة. فوجب أن يكتفى به. وأما قول المصنف ﵀: إذا طالبوا أو واحد منهم؛ فبيان لاشتراط الطلب لوجوب الحد؛ لأن الحد حق. فلم يُستوف بغير طلب؛ كالمال. وأما كونه يحد لكل واحد حداً إذا طالبوا متفرقين على روايةٍ؛ فلأنه إذا طلب واحد أولاً لزم إقامة الحد من أجله، وإذا طلب الآخر لزم أيضاً. وأما كون من قذفهم بكلمات يحد لكل واحد حداً؛ فلأن حدود القذف حقوق آدميين. فلم تتداخل؛ كالديون والقصاص. وأما كون من حُدّ للقذف فأعاده لم يعد عليه الحد؛ فلأنه حُد به مرة. فلم يحد به ثانياً.

стр. 2612

باب حد المسكر الأصل في تحريم ذلك الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجسٌ من عمل الشيطان فاجتنبوه -إلى قوله-: فهل أنتم منتهون﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]. وأما السنة؛ فقول النبي ﵇: «كل مسكرٍ خمر، وكل خمرٍ حرام» (١). رواه أبو داود. وأما الإجماع فأجمع المسلمون في الجملة على تحريم ذلك. فإن قيل: فقد روي عن قدامة بن مظعون وعمرو بن معدي كرب وأبي جندل بن سهيل أنهم قالوا: هي حلال. قيل: قد رجعوا عن ذلك. نقله المصنف ﵀ في المغني. قال المصنف ﵀: (كل شراب أسكر كثيره فقليله حرام من أيّ شيء كان، ويسمى خمراً، ولا يحل شربه للذة ولا للتداوي ولا لعطش ولا غيره؛ إلا أن يضطر إليه لدفع لقمة غصّ بها فيجوز). أما كون قليل ما أسكر كثيره حراماً؛ فلما روى جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أسكرَ كثيرهُ فقليلهُ حرام» (٢). رواه أبو داود. وأما كونه يسمى خمراً؛ فلأن النبي ﷺ قال: «كل مسكرٍ خمر». وهذا مسكر. ولأن الخمر ما خامر العقل أي غطاه وستره، وهذا موجود في [كل مسكر.

стр. 2613

وأما كونه لا يحل شربه للذة؛ فلعموم قوله: ] (١) «كل مسكرٍ خمرٌ، وكل مسكرٍ حرام» (٢)، وقوله: «ما أسكرَ كثيرهُ فقليلهُ حرام» (٣). رواهما أبو داود. وأما كونه لا يحل شربه للتداوي؛ فلما روى طارق بن شهاب: «أنه سأل النبي ﷺ عن الخمر وقال (٤): إنما أصنعُها (٥) للدواءِ. فقال: إنه ليسَ بدواء ولكنه دَاء» (٦). وعن مخارق «أن النبي ﷺ دخلَ على أم سلمة ونبذت نبيذاً في جر فخرجَ النبيذ يهدر. فقال: ما هذا؟ فقالت: فلانة اشتكتْ بطنها فنعت لها. فدفعه برجله فكسرهُ وقال: إن الله لم يجعلْ فيما حرم عليكمْ شفاء» (٧). رواهما الإمام أحمد. ولأن الخمر محرم لعينه. فلم يجز شربه للتداوي؛ كلحم الخنزير. وأما كونه لا يحل شربه لعطش؛ فلأنه لا يذهبه ولا يزيله ولا يدفع (٨) محذوره. فوجب بقاؤه على تحريمه. عملاً بالأدلة المقتضية لذلك مع سلامتها (٩) عن المعارض. وأما كونه لا يحل شربه لغير ذلك إذا لم يضطر إليه لدفع لقمة غصّ بها؛ فلما تقدم من عموم الأدلة المقتضية للتحريم. فلأن لا تحل مع عدم الحاجة إليه بطريق الأولى.

стр. 2614

وأما كونه يجوز شربه إذا اضطر إليه (١) لدفع لقمة غصّ بها؛ مثل: أن لا يجد ما يدفعها به إلا الخمر؛ فلأن الله تعالى قال في آية التحريم: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾ [البقرة: ١٧٣]. ولأن حفظ النفس مطلوب ولذلك يباح أكل الميتة إذا اضطر إليها وهو موجود هنا. فوجب جوازه تحصيلاً لحفظ النفس المطوب حفظها. قال: (ومن شربه مختاراً عالماً أن كثيره يسكر. قليلاً كان أو كثيراً: فعليه الحد ثمانون جلدة إن كان حراً. وعنه: أربعون، والرقيق على النصف من ذلك، إلا الذمي فإنه لا يحد بشربه في الصحيح من المذهب). أما كون من شرب الخمر عليه الحد في الجملة؛ فلما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من شربَ الخمرَ فاجلدُوه» (٢). رواه أبو داود. وقد ثبت أن أبا بكر وعمر وعلياً جلدوا شاربها. وأما كونه عليه الحد قليلاً كان ذلك أو كثيراً؛ فلأن القليل خمر فدخل في عموم قوله ﵇: «من شربَ الخمرَ فاجلدُوه» (٣). رواه أبو داود. ولأنه شراب فيه شدة مُطربة. فوجب الحد بشرب قليله؛ كالكثير. وأما كونه يشترط لكون الحد (٤) عليه أن يشربه مختاراً؛ فلأن من شربه مكرهاً لا حدَّ عليه؛ لأن النبي ﷺ قال: «عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهُوا عليه» (٥).

стр. 2615

وأما كونه يشترط لذلك أن يشربه عالماً أن كثير ذلك يسكر؛ فلأن من شربه غير عالم بذلك لا حد عليه؛ لأنه غير قاصد إلى ارتكاب المعصية. أشبه من وطئ امرأة وظنها (١) زوجته. وعن عمر ﵁: «لا حدَّ إلا على من علِمَه» (٢). وليس المراد من علمَ التحريم؛ «لأن عمر ﵁ حدّ قدامة بن مظعون» (٣) وهو يعتقد حلها. فتعين أن يراد بالعلم علم أن كثير ذلك يُسكر. وأما كون حد الخمر ثمانين جلدة على روايةٍ إن كان الشارب حراً؛ فـ «لأن عمر ﵁ استشارَ الناس في حد الخمر. فقال عبدالرحمن: اجعله كأخفِّ الحدود. فضرب عمرُ ثمانين» (٤). وروي: «أن عليًا قال في المشورة: إذا سكِرَ هذى، وإذا هذى افترى، فحدوه حد المفتري» (٥). وروى ذلك الجوزجاني والدارقطني وغيرهما. وأما كونه أربعين على روايةٍ إن كان كذلك؛ فـ «لأن علياً ﵁ جلدَ الوليد بن عقبة أربعين، ثم قال: جلدَ النبي ﷺ أربعين، وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكلٌ سنةٌ، وهذا أحبُ إليّ» (٦). رواه مسلم. وعن أنس قال: «أُتي رسولُ الله ﷺ برجلٍ قد شربَ الخمر فضربه بالنعال نحوًا من أربعين، ثم أُتي به أبو بكر فصنع مثل ذلك، ثم أُتي به عمر فاستشار الناس في الحد فقال ابن عوف: أقلُّ الحدودِ ثمانونَ. فضربه عمر» (٧) متفق عليه.

стр. 2616

فإن قيل: فعل عمر (١) كان بمحضر من الصحابة فيكون إجماعاً. قيل: فعل النبي ﷺ أولى من فعل غيره. ويحمل فعل عمر على أنه رأى الزيادة على وجه التعزير. ودعوى الإجماع لا تصح؛ لأنه كيف ينعقد الإجماع على شيء قد خالف فيه أبو بكر وعلي ﵄. وأما كون حد الرقيق على النصف من الحر؛ فلأنه على النصف في الزنى. فلأن يكون على النصف من شرب الخمر بطريق الأولى. وأما كون الذمي لا يحد بشربه في الصحيح من المذهب؛ فلأنه لا يعتقد تحريمه. بخلاف الزنى وشبهه. قال: (وهل يجب الحد بوجود الرائحة؟ على روايتين). أما كون الحد يجب بوجود الرائحة على روايةٍ؛ فلأن ذلك نقل عن عمر وابن مسعود (٢). ولأن الرائحة تدل على الشرب [فجرى مجرى الإقرار. وأما كونه لا يجب بذلك على روايةٍ] (٣)؛ فلأنه يحتمل أن يكون (٤) تمضمض بالخمر أو شربه ظناًّ أنه لا يسكر، أو كان مكرهاً، أو أكل نبقاً بالغاً، أو شراب التفاح فإنه يكون منه كرائحة الخمر. فإذا احتمل ذلك لم يجب الحد؛ لأنه يدرأ بالشبهات.

стр. 2617

وهذه أصح؛ لما ذكر وفعل عمر قد روي أن من وجدت منه الرائحة أو أقر (١) بالشرب؛ لأنه روي أنه قال: «وجدتُ من عبدالله ريحاً من الشراب. فأقرّ عنده أنه شرب فقال عمر: إنه سائلٌ عنه فإن كان يُسكرُ جلدتُه» (٢). قال: (والعصير إذا أتت عليه ثلاثة أيام حَرُم؛ إلا أن يَغلي قبل ذلك فيحرم. نص عليه، وعند أبي الخطاب: أن هذا محمول على عصير يتخمّر في ثلاث غالباً). أما كون العصير الذي يقذف بزبده ويغلي غليان القدر يحرم بلا خلاف فيه؛ لصحة إطلاق الخمر عليه. وأما كونه إذا أتى عليه ثلاثة أيام ولم يوجد فيه ذلك يحرم على المنصوص عن الإمام رحمة الله عليه (٣)؛ فلقول رسول الله ﷺ : «اشربوا العصيرَ ثلاثاً ما لم يغل» (٤). وجه الحجة: أنه قيد الشرب بالثلاث، وذلك يدل على نفي الشرب فيما زاد عليها. وفي حديث ابن عباس «أن النبي ﷺ كان يُنبذُ له الزبيب ويشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة. ثم يؤمرُ به فيُسقَى الخدم أو يُهراق» (٥). رواه أبو داود. فإن قيل: قوله: «فيسقى الخدم» دليل على إباحته (٦). ولأن الشدة تحصل في الثلاث غالباً وهي خفية تحتاج إلى ضابط والثلاث تصلح (٧) ضابطاً لها. فوجب اعتباره بها. وقال ابن عمر: «اشربه ما لم يأخذه شيطانه. قيل: وفي كمْ يأخذه شيطانه؟ قيل: في ثلاث».

стр. 2618

وأما كونه لا يحرم عند أبي الخطاب حتى يغلي؛ فلقول رسول الله ﷺ : «اشربوا في كل وعاءٍ، ولا تشربوا مسكراً» (١). ولأن علة التحريم الشدة المُطربة، وذلك في المسكر لا في غيره. وأجاب عن إطلاق الإمام القول بأن المراد عصير يتخمر في ثلاث غالباً (٢). قال: (ولا يكره أن يترك في الماء تمراً أو زبيباً ونحوه ليأخذ ملوحته ما لم يشتد أو يأتي عليه ثلاث). أما كون ترك ما ذكر في الماء لا يكره؛ فلما تقدم في (٣) حديث ابن عباس «أنه كان ينبذُ له الزبيبَ فيشربه» (٤). وأما كونه يحرم إذا اشتد؛ فلما روى أبو هريرة قال: «علمتُ أن رسول الله ﷺ كان يصومُ. فتحينت فطره بنبيذٍ صنعته في دباء. ثم أتيتهُ به فإذا هو يَنشّ. فقال: اضرب بهذا الحائط. فإن هذا شرابُ من لا يؤمن بالله واليوم الآخر» (٥). رواه أبو داود. ولأنه إذا بلغ ذلك صار مسكراً، وكل مسكر حرام. وأما كونه يحرم إذا أتى عليه ثلاثة أيام؛ فلأن ذلك في مظنة الاشتداد. أشبه العصير. فإن قيل: قول المصنف ﵀: ولا يكره أن يترك ... إلى قوله: ما لم يشتد أو يأتي عليه ثلاث لا يدل على التحريم. يجوز أنه (٦) يكره عند ذلك؛ لأن الكراهة قبل الحرمة. قيل: أما إذا اشتد فلا خلاف فيه في المذهب، والحديث المذكور وما تقدم يدل عليه. وأما إذا أتى عليه ثلاث ففيه الخلاف المتقدم ذكره في العصير؛ لأنه في معناه.

стр. 2619

قال: (ولا يكره الانتباذ في الدُّبّاء والحَنْتَمِ والنّقيرِ والمزَفّتِ. وعنه: يكره). أما كون ما ذُكر لا يكره على المذهب؛ فلما روى بريدة أن رسول الله ﷺ قال: «نهيتكم عن ثلاث، وأنا آمركم بهن: نهيتكم عن الأشربة أن تشربوا إلا في ظُروف الأُدم فاشربوا في كل وعاء، ولا تشربوا مسكرًا» (١). رواه مسلم. وأما كونه يكره على روايةٍ؛ فـ «لأن النبي ﷺ نهى عن الانتباذ فيها» (٢). والأول أصح؛ لأن دليله يصلح ناسخاً لدليل الرواية الثانية. قال: (ويكره الخليطان وهو: أن ينبذ شيئين كالتمر والزبيب، ولا بأس بالفقاع). أما كون الخليطين يكره أن ينبذا؛ فـ «لأن النبي ﷺ نهى عن الخليطين» (٣). وأدنى أحوال النهي الكراهة. وأما قول المصنف ﵀: وهو أن ينبذ شيئين؛ فبيان لمعنى الخليطين المكروه [أن ينبذا] (٤). وأما كون الفقاع لا بأس بشربه؛ فلأنه لا يسكر، وإذا (٥) ترك فسد. بخلاف الخمر. ولأن (٦) أصل الأشياء على الإباحة حتى يرد محرم، ولم يرد ذلك في الفقاع. فوجب بقاؤه على مقتضى الأصل.

стр. 2620

باب التعزير سمي التعزير بذلك؛ لأنه يَمنع من تعاطي القبيح، والأصل في التعزير: المنع. ومنه: التعزير بمعنى النصرة؛ لأنه منع لعدوه من أذاه. قال المصنف ﵀: (وهو التأديب. وهو واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ كالاستمتاع الذي لا يوجب الحد، وإتيان المرأة المرأة، وسرقة ما لا يوجب القطع، والجناية على الناس بما لا قصاص فيه، والقذف بغير الزنى ونحوه). أما قول المصنف ﵀: وهو التأديب؛ فبيان لمعنى التعزير. وفسره المصنف ﵀ في المغني بالعقوبة المشروعة على جناية لا حد فيها، وهو قريب مما ذكره هنا. وأما كونه واجباً في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة؛ فلأن المعصية تفتقر إلى ما يمنع من فعلها. فإذا لم يجب فيها حد ولا كفارة وجب أن يشرع فيها التعزير؛ لتحقق المانع من فعلها. وقال المصنف ﵀ في المغني: ينبغي أن يتقيد قول أصحابنا في (١) وجوبه -يعني في وجوب التعزير- بما نص على التعزير فيه؛ كوطء بهيمة، أو جارية امرأته، أو جارية مشتركة، أو نحو ذلك مما لا بد من التعزير فيه؛ لأنه منصوص على تأديبه. فوجب؛ كالحدود. وما عداه يكون على (٢) ما رآه الإمام إن رأى (٣) أن المصلحة فيه وجب عليه وإلا لم يجب عليه؛ لأنه يروى «أن رجلاً أتى النبي

стр. 2621

صلى الله عليه وسلم فقال: إني لقيتُ امرأةً فأصبت منها ما دون أن أطأها. فقال: أصليتَ معنا؟ قال: نعم. فتلا عليه: ﴿إن الحسناتِ يُذْهِبْن السيئات﴾ [هود: ١١٤]» (١). وروي: «أنه قال في الأنصار: اقبلُوا من محسنهم، وتجاوزُوا عن مُسيئهم» (٢)، و «قال رجل للنبي ﷺ في حكم حكمه (٣) للزبير: أَن كان ابن عمتِكَ. فغضبَ النبي ﷺ » (٤) ولم يعزّره على مقالته. وأما قول المصنف ﵀: كالاستمتاع إلى آخره؛ فبيان لمواضع وجوب التعزير ونظر (٥) إلى عموم قوله: في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة. فإن قيل: ما الدليل على كون هذه الأشياء معصية؟ قيل: أما الاستمتاع الذي لا يوجب الحد؛ فلأن النبي ﷺ جعله سيئة، ولذلك قال للرجل الذي قال: «لقيتُ امرأةً فأصبتُ منها ما دون أن أطأها: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾ [هود: ١١٤]» (٦). وأما إتيان المرأة المرأة؛ فلأن في الحديث: «إذا أتتِ المرأةُ المرأةَ فهما زانيتان». وأما سرقة ما لا يوجب القطع؛ فلأن ذلك داخل في قوله ﵇: «لا يحل مالُ امرء مسلمٍ إلا عن طيبِ نفسه» (٧). وأما الجناية بما لا قصاص فيه؛ فلأنه تعدى على الغير. أشبه الجناية التي فيها القصاص.

стр. 2622

فإن قيل: القياس المذكور يقتضي مشروعية القصاص في ذلك أيضاً والتعزير خلافه. قيل: تعذر القصاص [لمعنى يختص به: من عدم انتهائه إلى موضع يقتص منه. وقد نبه على ذلك في مواضعه. فانتفاء القصاص] (١) لمعنى يختص به لا يمنع من ثبوت الحرمة لوجهين: أحدهما: أن القصاص يقتضي الإلحاق (٢) مطلقاً. ترك العمل به في القصاص؛ لما ذكر. فبقي فيما عداه على مقتضاه. والثاني: أن المواضع التي فيها القصاص إنما حرمت الجناية عليها؛ لما فيه من التعدي على الغير، وذلك بعينه موجود فيما لا قصاص فيه. قال: (ومن وطئ أمة امرأته فعليه الحد، إلا أن تكون أحلتها له (٣) فيجلد مائة. وهل يلحقه نسب ولدها؟ على روايتين. ولا يسقط بالإباحة في غير هذا الموضع). أما كون من وطئ أمة امرأته ولم تكن أحلتها له عليه الحد؛ فلما يأتي من حديث النعمان بن بشير بعد. ولأن وطء في فرج من غير عقد ولا ملك ولا شبهة ملك فوجب الحد؛ كوطء أمة غير زوجته. وأما كونه يجلد مائة إذا أحلتها له؛ فلما روي «أن رجلاً يقال له عبدالرحمن بن حنين (٤) وقع على جارية امرأته. فرُفعَ إلى النعمان بن بشير وهو أمير على الكوفة. فقال: لأقضينّ فيك بقضية رسول الله ﷺ : إن كانت أحلَّتْها لك جَلدتُك مائة، وإن لم تكن أحلتها لك رجمتُكَ بالحجارة. فوُجدت أحلتها له. فجُلدَ مائة» (٥). رواه أبو داود.

стр. 2623

[وأما كونه يلحقه نسب ولدها على روايةٍ؛ فلأنه لا يجب به الحد. أشبه وطء الأمة المشتركة] (١). وأما كونه لا يلحقه على روايةٍ؛ فلأنه وطء في غير ملك. أشبه وطء أمة غير زوجته. وأما كون الحد لا يسقط بالإباحة في غير إباحة الزوجة أمتها لزوجها؛ فلأن الوطء حرام لا يباح بالإباحة، ومقتضى ذلك وجوب الحد مطلقاً. تُرك العمل به في إباحة الزوجة أمتها لزوجها؛ لما تقدم من الحديث. فيبقى فيما عدا ذلك على مقتضاه. قال: (ولا يُزاد في التعزير على عشر جلدات في غير هذا الموضع لقول النبي ﷺ : «لا يجلدُ أحدٌ فوقَ عشرِ جلداتٍ إلا في حد من حدودِ الله» (٢). وعنه: ما كان سببه الوطء كوطء جاريته المشتركة والمزوجة ونحوه ضرب مائة ويسقط عنه النفي، وكذلك يتخرج فيمن أتى بهيمة. وغير الوطء لا يبلغ به أدنى الحدود). أما (٣) كون التعزير لا يزاد فيه على عشر جلدات في غير هذا الموضع على المذهب؛ فلما ذكر المصنف ﵀ من الحديث المتقدم ذكره عن أبي بردة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يجلد أحدٌ فوقَ عشرةِ أسواطٍ إلا في حدٍّ من حدودِ الله» (٤) متفق عليه. وأما كون ما كان سببه الوطء يضرب فيه مائة على روايةٍ؛ فلأن حديث النعمان بن بشير دل على ضرب المائة فيمن وطئ جارية امرأته بإذنها. فيتعدى إلى وطء أمته المشتركة والمزوجة ونحوه؛ لأنهم في معناها.

стр. 2624

وأما كون من أتى بهيمة على القول بوجوب التعزير فيه يتخرج فيه مثل ذلك؛ فلأنه وطء. أشبه وطء أمة امرأته. وأما كون غير الوطء لا يبلغ به أدنى الحدود؛ فلأنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: «من بلغَ حداً في غير حدٍ فهو من المعتدين» (١). وعن عمر: «أنه كتب إلى أبي موسى: لا تبلغ بالتعزيرِ أدنى الحدود». وقال المصنف ﵀ في المغني: ما كان سببه الوطء يجلد فيه مائة إلا سوطاً لينقص عن حد الزنى، وفي الحديث عن عمر: «في أمة بين رجلين وطئها أحدهما: يجلد الحدُ إلا سوطاً واحداً» (٢). رواه الأثرم. قال: (ومن استمنى بيده لغير حاجة عزر. وإن فعله خوفاً من الزنى فلا شيء عليه). أما كون من استمنى بيده (٣) لغير حاجة يعزر؛ فلأنه فعل محرماً. بدليل أنه وطءٌ منهي عنه من حيث إنه في غير محل الحرث، وفي الأثر: «لعنَ اللهُ ناكِحَ يده». وأما كون من فعل ذلك خوفاً من الزنى لا شيء عليه؛ فلأن ذلك حال ضرورة وحاجة. أشبه نكاح الأمة في حق الحر إذا خاف الزنى وعدم الطَّوْل. وروى عبدالله بن أحمد بإسناده عن ابن زياد عن أبيه قال: «كانوا يفعلونه على عهدِ رسول الله ﷺ في مغازيهم». والظاهر أنه كان يبلغه ولا ينكره. ولأنه لا يجوز أن يقدم الصحابة على ذلك إلا بإذن. وعن ابن عباس: «أنه سُئل عن ذلك قال: كان المهاجرونَ يفعلونه (٤) في مغازيهم يستعفونَ به»، وروي عن عكرمة.

стр. 2625

فإن قيل: الحديث الأول يدل على التحريم مطلقاً، [وفعل الصحابة يدل على الجواز مطلقاً] (١). فما وجه التفرقة بين (٢) خوف الزنى وغيره؟ قيل: يجب حمل الحديث على من فعل ذلك لغير حاجة، وفعل الصحابة على الخوف المذكور؛ لأن فيه جمعاً بين الحديث وفعل الصحابة، وفي المنقول عن الصحابة ما يدل على لحظ ذلك من أن الفعل المنقول كان في المغازي التي هي مظنة الخوف من الزنى؛ لعدم استصحاب الرجل لزوجته في الغزو عادة، ويعضده قول الراوي: «يستعفونَ به»؛ لأن في هذا إشارة إلى ما ذكر. فعلى هذا ظاهر كلام المصنف ﵀ لا يشترط في الإباحة خوف العنت. وقال أبو الخطاب في رؤوس مسائله: والاستمناء محرم إلا أن يخاف العنت ولا يجد طَوْل حرة ولا أمة. وهو شرط حسن يجب أن يلحظ إلا أن يكون المحتاج إليه له زوجة وهو في موضع لا يتمكن من وطئها؛ كمغازي الصحابة المذكورة.

стр. 2626

باب القطع في السرقة الأصل في قطع السارق الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿والسارقُ والسارقةُ فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالاً من الله﴾ [المائدة: ٣٨]. وأما السنة؛ فما روت عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «تقطعُ الأيدي في ربع دينار فصاعدًا» (١). وقال (٢) النبي ﷺ : «إنما أهلكَ (٣) من كان قبلكم بأنهم كانوا إذا سرقَ فيهم الشريفَ تركوه، وإذا سرقَ فيهم الضعيفَ قطعوه» (٤) متفق عليه. قال المصنف ﵀: (ولا يجب إلا بسبعة أشياء: أحدها (٥): السرقة. وهي: أخذ المال على وجه الاختفاء. ولا قطع على منتهب، ولا مختلس، ولا غاصب، ولا خائن، ولا جاحد وديعة ولا عارية. وعنه: يقطع جاحد العارية). أما كون القطع لا يجب إلا بسبعة أشياء؛ فلما يأتي ذكره في مواضعها. وأما كون أحدها السرقة؛ فلأن الله تعالى أوجب القطع على السارق. فإذا لم توجد السرقة لم يكن الفاعل سارقاً. وأما قول المصنف ﵀: وهي أخذ المال على وجه الاختفاء؛ فبيان لمعنى السرقة. ومنه: استرق السمع؛ لأنه يستمعه مختفياً.

стр. 2627

وأما كون المنتهب لا قطع عليه؛ فلما روى جابر قال: قال رسول الله ﷺ : «ليسَ على المنتَهِبِ قطع» (١). رواه أبو داود. ولأن الواجب قطع السارق، والمنتهب ليس بسارق. وأما كون المختلس لا قطع عليه؛ فلأنه روي عن النبي ﷺ أنه قال: «ليسَ على الخائنِ قطعٌ، ولا على المختلِس قطع» (٢). رواه أبو داود. وأما كون الغاصب لا قطع عليه؛ فلأنه إذا لم يجب على المختلس والخائن. فلأن لا يجب على الغاصب بطريق الأولى (٣). وأما كون جاحد الوديعة لا قطع عليه؛ فلأنه إذا لم يجب على الغاصب. فلأن لا يجب على جاحد الوديعة بطريق الأولى. وأما كون جاحد العارية لا قطع عليه على روايةٍ؛ فلأنه خائن. فلم يجب قطعه؛ لما تقدم من الحديث. وأما كونه يقطع على روايةٍ؛ فلما روي عن عائشة «أن امرأة كانت تستعيرُ المتاعَ وتجحده. فأمرَ النبي ﷺ بقطع يدها. فأتى أهلها أسامة فكلموهُ [فكلمَ النبي ﷺ ] (٤). فقال النبي ﷺ : إنما هلكَ من كان قبلكم بأنهم إذا سرقَ فيهم الشريفَ تركوهُ، والضعيفَ قطعوهُ. والذي نفسي بيده لو كانتْ فاطمةُ بنت محمد سرقت (٥) لقطعتُ يدها. قالت: فقُطعت يدها» (٦) متفق عليه. والأولى أصح؛ لما تقدم.

стр. 2628

والمرأة المذكورة في حديث عائشة: المخزومية وهي سارقة؛ لما روي عن عائشة «أن قريشاً أهمهم شأن المخزومية التي سرقت ... وذكرت القصة» (١). رواه البخاري. فإن قيل: يحتمل أن تكون القصة مختلفة. قيل: يجب أن تكون هي هي؛ لأن في ذلك جمعاً بين الأحاديث، وموافقة لظاهر الكتاب. قال: (ويقطع الطرَّار. وهو: الذي يبط الجيب وغيره ويأخذ منه. وعنه: لا يقطع). أما كون الطرّار يقطع على المذهب؛ فلأنه أخذ مال غيره على وجه الاختفاء. أشبه السارق. وأما كونه لا يقطع على روايةٍ؛ فلأنه لا يسمى سارقاً ولا هو في معنى السارق من حيث إنه يأخذه من غير حرز، وإذا كان كذلك وجب إلحاقه بالخائن.

стр. 2629

فصل [الشرط الثاني] قال المصنف ﵀: (الثاني: أن يكون المسروق مالاً محترماً. سواء كان مما يسرع إليه الفساد كالفاكهة والبطيخ أو لا. وسواء كان ثميناً كالمتاع والذهب، أو غير ثمين كالخشب والقصب). أما كون الثاني من شروط القطع في السرقة: أن يكون المسروق مالاً محترماً: أما اشتراط كونه مالاً؛ فلأن ما ليس بمال لا حرمة له. فلم يجب به قطع. ولأن الأحاديث الدالة على وجوبه من قوله ﷺ : «تقطعُ اليدُ في ربع دينار فصاعداً» (١) وغير ذلك مشتملة على أخذ المال. فإذا لم يكن المسروق مالاً لم يكن ذلك دالاً على القطع بطريق اللفظ ولا بطريق المعنى. أما عدم دلالته بطريق اللفظ؛ فلأن اللفظ لا يشمل ذلك. وأما عدم دلالته بطريق المعنى؛ فلأن غير المال لا يساوي المال. فلا يصح إلحاقه به. فإن قيل: الأحاديث إذا كانت مشتملة على المال فالآية المذكورة ليست مشتملة على ذلك؛ لأنه قال سبحانه: ﴿والسارق والسارقة﴾ [المائدة: ٣٨] من غير تعرض لكون المسروق مالاً أو غير مال. قيل: الآية مطلقة والأحاديث مقيدة، والمطلق يجب حمله على المقيد. فعلى هذا لا يقطع بسرقة الكلب وإن كان معلماً؛ لأنه ليس بمال، ولا بسرقة الحر؛ لأنه ليس بمال. وعلى هذا فقس. وأما اشتراط كون المسروق محترماً؛ فلأن المال إذا لم يكن محترماً كمال الحربي تجوز سرقته وأخذه بكل وجه، وجواز الأخذ ينفي وجوب القطع.

стр. 2630

وأما كون ما يسرع إليه الفساد وما لا يسرع إليه سواء في وجوب القطع؛ فلأن قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨]: يشملهما. وفي الحديث «أن عثمان (١) ﵁ أُتي برجل قد سرقَ أُترُجّة فأمرَ بها عثمان (٢) فقوّمت فبلغت قيمتُها ربعَ دينار فأمرَ به فقُطع» (٣). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله ﷺ «سُئلَ عن الثمر المعلَّق. فقال: لا قطعَ في ثمرٍ ولا كَثَرٍ. ثم قال: ومن سرقَ منه شيئاً بعد أن يُؤويهُ الجرينُ فبلغَ ثمنَ المِجَنّ فعليهِ القطع» (٤). رواه أبو داود. ولأن ما يسرع إليه الفساد نوع مال. فجاز أن يتعلق به القطع؛ كالذي يمكن تجفيفه. وأما كون ما كان ثميناً أو غير ثمين (٥) سواء في وجوب القطع؛ فلأن الآية المتقدم ذكرها تشملهما. ولأن المعتبر قيمة ثلاثة دراهم أو ربع دينار، وذلك موجود في الثمين وغيره. قال: (ويقطع بسرقة العبد الصغير. ولا يقطع بسرقة حر وإن كان صغيراً. وعنه: يقطع بسرقة الصغير، فإن قلنا لا يقطع فسرقه وعليه حلي فهل يقطع؟ على وجهين). أما كون سرقة العبد الصغير يقطع فيها؛ فلأنه مملوك. فوجب القطع بسرقته؛ كسائر الحيوانات المملوكة.
следующие страницы →