← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

أن يستويا في الحكم؛ لاستوائهما في المعنى. فالردء هو العون للمباشر، ومنه قوله تعالى: ﴿فأرسله معي ردْءاً يصدقني﴾ [القصص: ٣٤]. قال: (ومن قَتل ولم يأخذ المال قُتل. وهل يُصلب؟ على روايتين). أما كون من ذكر يقتل؛ فلأنه قاتل. فيدخل في الآية والخبر المتقدم ذكرهما. وأما كونه لا يصلب على روايةٍ؛ فلأن جناية المحارب بالقتل وأخذ المال أعظم من جنايته بالقتل فقط. فلو شرع الصلب في حق من قتل ولم يأخذ المال لاستويا. وأما كونه يصلب على روايةٍ؛ فلأنه محارب. أشبه آخذ المال. والأولى أصح؛ لما تقدم. والقياس على آخذ المال لا يصح؛ لما بينهما من الفرق. قال: (ومن أخذ المال ولم يَقتل قُطعت يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد وحسمتا وخلي. ولا يُقطع منهم إلا من أخذ ما يُقطع السارق في مثله). أما كون من أخذ المال ولم يَقتل تُقطع يده اليمنى ورجله اليسرى؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿أو تُقَطّع أيديهم وأرجلُهم من خِلاف﴾ [المائدة: ٣٣]. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿من خلاف﴾ يقتضي قطع يد من جانب ورجل من آخر (١). فلم كانت اليمنى يداً؟ قيل: لأن (٢) السارق تقطع أولاً يده اليمنى [فكذا المحارب يجب أن تقطع يده اليمنى] (٣)؛ لأنه سارق وزيادة ويلزم من قطع اليد اليمنى قطع الرجل اليسرى لتحقق المخالفة. وأما كون قطعهما في مقام واحد. [ومعناه: أنه لا يهمل بقطع الرجل حتى تندمل اليد بل تقطعان في مجلس واحد] (٤)؛ فلأن الله تعالى أمر بقطعهما من غير تعرض لتأخير شيء منهما.

стр. 2662

وأما كونهما يحسمان؛ فلأن النبي ﷺ أمر بذلك في حق السارق فقال: «اقطعوهُ واحسِمُوه» (١). ولأن الحسم يَسُدّ أفواه العروق، ويمنع الدم من النزف. ومعنى الحسم: أن يُغلى زيت ثم يوضع ما قطع فيه. وأما كونه يخلى بعد ذلك؛ فلأن الحق الذي عليه استُوفي. أشبه المدين إذا وفى دَينه. وأما كون المحاربين لا يقطع منهم إلا من أخذ ما يُقطع السارق في مثله؛ فلأن النبي ﷺ قال: «القطعُ في ربع دينار» (٢). ولم يفصل بين المحارب وغيره. ولأن الجناية المذكورة جناية يتعلق بها عقوبة في حق غير المحارب فلا تتغلظ في المحارب بأكثر من وجه واحد؛ كالقتل لا يغلظ بغير الانحتام. فكذلك هاهنا لا يتغلظ القطع بغير قطع الرجل مع اليد. فلو تغلظ بما دون النصاب لتغلظ بأكثر من ذلك. قال: (وإن كانت يمينه مقطوعة أو مستحقة في قصاص أو شلاء قطعت رجله اليسرى. وهل تقطع يسرى يديه؟ ينبني على الروايتين في قطع يسرى السارق في المرة الثالثة). أما كون من كانت يمينه كما ذكر تقطع رجله اليسرى؛ فلأن ذلك واجب أمكن استيفاؤه. وأما كون قطع يسرى يديه ينبني (٣) على قطع أطراف السارق الأربعة على الروايتين المتقدم ذكرهما وتعليلهما في آخر باب السرقة (٤)؛ فلأنه في معناه. فعلى هذا إن قلنا يقطع السارق مرة ثالثة قطعت يُسرى المحارب هنا؛ لأنها مستحقة القطع في الجملة. فإذا تعذر استيفاء اليمنى تعين استيفاء اليسرى؛ كما لو سرق السارق ولا يد يمنى له ولا رجل. وإن قلنا: لا يقطع السارق في الثالثة لم

стр. 2663

تقطع يسرى المحارب هنا؛ لأن قطعها بطريق الإلحاق بالسارق (١). فإذا انتفى الحكم فيه انتفى فيما يجب إلحاقه به. قال: (ومن لم يَقتل ولا أخذ المال نفي وشرد، فلا يُترك يأوي إلى بلد. وعنه: أن نفيه تعزيره بما يردعه). أما كون من لم يقتل ولم يأخذ المال ينفى؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿أو يُنفوا من الأرض﴾ [المائدة: ٣٣]. وأما كونه يُشرّد فلا يترك يأوي إلى بلد؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾ [المائدة: ٣٣]. فإن قيل: التشريد ظاهر الإرادة من الآية. فما وجه أن لا يترك يأوي إلى بلد؟ قيل: لأن الله تعالى قال: ﴿أو ينفوا من الأرض﴾ [المائدة: ٣٣]، وذلك يقتضي النفي من جميعها. وأما كون نفيه تعزيره بما يردعه على روايةٍ؛ فلأن الغرض الردع، وذلك حاصل بالتعزير المذكور. والأول أصح؛ لأن النفي الطرد والإبعاد، والإقامة تبقيه. قال: (ومن تاب منهم قبل القدرة عليه سقط عنه حدود الله تعالى من الصلب والقطع والنفي وانحتام القتل، وأخذ بحقوق الآدميين من الأنفس والجراح والأموال، إلا أن يعفى له عنها). أما كون من تاب قبل القدرة عليه يسقط عنه حدود الله؛ فلأن الله تعالى قال (٢): ﴿إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم﴾ [المائدة: ٣٤]. فعلى هذا يسقط عنهم جميع ما ذكر المصنف ﵀؛ لأنه لله تعالى. وأما كونه يؤخذ بحقوق الآدميين مما ذكر إذا لم يُعْفَ له عنها؛ فلأنها حقوق عليهم لم يعفَ عنها. فلم تسقط؛ كغير المحارب. فإن قيل: الآية عامة في السقوط فما وجه التخصيص؟ قيل: الأدلة الدالة على أن حقوق الآدمي لا تسقط بغير رضاه.

стр. 2664

ولأن حق الآدمي مبني على الضيق والشح. بخلاف حق الله تعالى، وذلك يقتضي عدم التسوية بينهما، وسقوط ذلك (١) بالتوبة يقتضي التسوية بينهما. قال: (ومن وجب عليه حد لله (٢) سوى ذلك فتاب قبل إقامته لم يسقط. وعنه: أنه يسقط بمجرد التوبة قبل إصلاح العمل. ومن مات وعليه حد سقط عنه). أما كون من وجب عليه حد لله (٣) سوى حد المحاربين لا يسقط بتوبته على المذهب؛ فلأن الله قال: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحدٍ منهما﴾ [النور: ٢]، ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨] من غير فرق بين التائب وغيره. ولأن النبي ﷺ رجم ماعزاً وقطع السارق بإقراره من غير سؤال عن توبة. ولأن الحد كفارة. فلم تسقط بالتوبة؛ ككفارة اليمين. وأما كونه يسقط على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما﴾ [النساء: ١٦]، وقال: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه﴾ [المائدة: ٣٩]، وفي الحديث: «التائبُ من الذنبِ كمن لا ذنبَ له» (٤). ومن لا ذنبَ له لا حدَّ عليه. ولأن الحد خالص حق الله. فسقط بالتوبة؛ كحد المحارب. إذا تقرر السقوط فقد صرح المصنف ﵀ هنا أنه يسقط بمجرد التوبة من غير إصلاح العمل. وقال في المغني: ظاهر الآيات تدل على اعتباره في غير المحارب. فيكون إصلاح العمل في حق غير (٥) المحارب بمنزلة توبة المحارب قبل القدرة هذا لفظه. وأما كون من مات وعليه حد يسقط عنه؛ فلأن استيفاءه بعد موته متعذر.

стр. 2665

فصل [في دفع الصائل] قال المصنف ﵀: (ومن أُريدت نفسه أو حرمته أو ماله فله الدفع عن ذلك بأسهل ما يعلم دفعه به، فإن لم يحصل إلا بالقتل فله ذلك ولا شيء عليه. وإن قُتل كان شهيداً. وهل يجب عليه الدفع عن نفسه؟ على روايتين. وسواء كان الصائل آدمياً أو بهيمة). أما كون من أريدت نفسه أو حرمته أو ماله (١). أي قُصدت: له الدفع عن ذلك؛ فلأنه لو مُنع من ذلك لأدى إلى تلفه وأذاه في نفسه وحرمته وماله. ولأنه لو لم يجز ذلك لتسلط الناس بعضهم على بعض، وأدى إلى الهرج والمرج. وأما كون الدفع بأسهل ما يعلم دفعه به؛ فلأن الزائد عليه لا حاجة له به؛ لحصول الدفع بدونه. فعلى هذا متى علم الدافع أن الصائل عليه يندفع بالقول لم يجز ضربه بشيء، وإن علم أنه يندفع بعصاً لم يجز ضربه بحديد. وأما كون الدفع إذا لم يحصل إلا بالقتل له ذلك؛ فلأن ضرره إذا لم يندفع إلا به يتعين طريقاً إلى الدفع المحتاج إليه. وأما كونه لا شيء عليه بالقتل المذكور؛ فلأنه قتلٌ لدفع شر الصائل. فلم يجب به شيء؛ كقتل الباغي. وروي عن عبيد بن عمير «أن رجلاً ضافَ ناساً من هذيل. فأراد امرأة على نفسها فرمته بحجر. فقال عمر: والله! لا يودى أبدًا» (٢).

стр. 2666

وأما كونه شهيداً إذا قُتل؛ فلما روى عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه قال: «مَن أريد ماله بغير حق فقاتلَ فقُتل فهو شهيد» (١). رواه الخلال بإسناده. ولأنه قُتل لدفع ظالم. فكان شهيداً؛ كالعادل يقتله الباغي. وأما كون الدفع عن نفسه لا يجب على روايةٍ؛ فلأن النبي ﷺ قال في الفتنة: «اجلس في بيتكَ. فإن خفتَ أن يَبهَركَ شُعَاعُ السيفِ فغطِّ وجهك» (٢). وفي لفظ: «فكن عبداللهِ المقتول ولا تكن عبداللهِ القاتل» (٣). ولأن عثمان ﵁ ترك القتال مع إمكانه. وأما كونه يجب على روايةٍ؛ فلأنه قدر على إحياء نفسه. فوجب عليه فعلُ ما يبقى به؛ كالمضطر إذا وجد الميتة. والأولى أصح؛ لأن المضطر لا غرض له في ترك الأكل. بخلاف الدافع؛ لأن له في ترك الدفع غرضاً وهو إبقاء نفس (٤) أخيه المسلم، وحصول الشهادة له. وأما كون الصائل الآدمي والبهيمة سواء؛ فلاشتراكهما في المجوز للدفع، وهو الصول. قال: (وإذا دخل رجل منزله متلصصاً أو صائلاً فحكمه حكم من ذكرنا). أما كون حكم من دخل منزل غيره متلصصاً أو صائلاً حكم من تقدم ذكره؛ فلأن حاجة صاحب المنزل إلى إخراجه كحاجة من تقدم ذكره. فوجب تساويهما في الحكم؛ لتساويهما في المعنى الموجب له. وأما المعنيّ بذلك فهو أن صاحب المنزل إن علم أن المتلصص أو الصائل يخرج بالقول لم يجز له أن يخرجه بالعصا، وإن علم أنه يخرج بالعصا لم يجز له أن يخرجه

стр. 2667

بالحديد، وإن علم أنه لا يخرج إلا بالحديد فله إخراجه به، وإن أدى إلى قتله فلا شيء عليه. قال: (وإن عضَّ إنسان يد إنسان فانتزع يده من فيه فسقطت ثناياه ذهبت هدراً. وإن نظر في بيته من خَصاص البيت أو نحوه فخذف عينه ففقأها فلا شيء عليه). أما كون من عضَّ إنسان يده فانتزعها من فيه فسقطت ثنايا العاضّ تذهب هدراً؛ فلما روى يعلى بن أمية قال: «كان لي أجيرٌ. فقاتلَ إنساناً فعضَّ أحدهما يدَ الآخر قال: فانتزعَ المعضوضُ يده من في العاضّ فانتزعَ إحدى ثنيتيه. فأتى النبي ﷺ فأهدر ثنيته. فحسبت أنه قال: قال رسول الله ﷺ : أفيدعُ يده في فيكَ تعضها كأنها في في (١) فحل يقضمها» (٢) متفق عليه. [ولأنه عضو تلف ضرورة دفع شر صاحبه. فلم يضمن؛ كما لو صال عليه] (٣). فلم يمكن الدفع إلا بقلع يده. وأما كون من فقأ عين من نظر في بيته من خَصاص الباب أو نحوه لا شيء عليه؛ فلما روى أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لو أن امرءاً اطّلع عليك بغير إذن فخذَفتهُ بحصاةٍ ففقأت (٤) عينهُ لم يكن عليك جناح» (٥) متفق عليه. وعن سهل بن سعد: «أن رجلاً اطَّلعَ في جحر من بابِ النبي ﷺ ورسولُ الله ﷺ يحكُّ رأسه بمدرَى في يده. فقال ﵇: لو علمتُ أنك تنظرني (٦) لطمستُ أو لطعنتُ بها في عينك» (٧).

стр. 2668

فإن قيل: ظاهر كلام المصنف ﵀ أنه لا يعتبر في الرمي الدفع بالأسهل. قيل: نعم. وهو ظاهر كلام الإمام أحمد. [ذكره المصنف ﵀] (١) في المغني. ووجهه: التمسك بظاهر الحديث. وقال ابن حامد (٢): يدفعه بالأسهل. فإن لم يندفع حلّ حذفه كما تقدم في الصائل.

стр. 2669

باب قتال أهل البغي الأصل في هذا الباب قوله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت -إلى قوله-: إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾ [الحجرات: ٩ - ١٠]. إذا علم ذلك ففي الآية فوائد: إحداها: أن الباغي لا يخرج عن الإيمان؛ لأن الله تعالى سمى البغاة مؤمنين. وثانيتها (١): أن الله تعالى أوجب قتاله. وثالثها: أن الله تعالى أسقط قتاله إذا فاء إلى أمر الله. ورابعها: أنه (٢) نفى عن التبعة فيما أتلفه. وخامستها (٣): أن الآية أشعرت بقتال كل من منع حقًا عليه. قال المصنف ﵀: (وهم: القوم الذين يخرجون على الإمام بتأويل سائغ، ولهم منعة وشوكة). أما كون [أهل البغي هم الذين يخرجون على الإمام؛ فلأن من لم يخرج عليه طائع له. فلا يكون من] (٤) أهل البغي عليه. وأما كون خروجهم عليه بتأويل سائغ؛ فلأن من خرج عليه لا بتأويل [أو بتأويل] (٥) غير سائغ من قطاع الطريق، وحكمه حكمهم على ما مر. وأما كونهم لهم (٦) منعة وشوكة؛ فلأن من ليس له ذلك؛ كالواحد والاثنين وما أشبههما حكمه حكم قطاع الطريق عند أكثر أصحابنا؛ لأن حكم البغاة لو

стр. 2670

ثبت في الواحد والاثنين في سقوط ضمان ما أتلفوه لأفضى إلى إتلاف أموال الناس. وقال أبو بكر: لا فرق بين القليل والكثير وحكمهم حكم البغاة إذا خرجوا عن قبضة الإمام. فعلى هذا لا حاجة إلى قوله: ولهم منعة وشوكة. قال: (وعلى الإمام أن يراسلهم ويسألهم ما ينقمون منه، ويزيل ما يذكرونه من مظلمة، ويكشف ما يدعونه من شبهة. فإن فاؤوا وإلا قاتلهم). أما كون الإمام عليه أن يراسل أهل البغي ويسألهم ما ينقمون منه؛ فلأن الله تعالى بدأ بالصلح فقال: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾ [الحجرات: ٩]. والمراسلة والسؤال طريق إلى الصلح؛ لأنهما وسيلة إلى رجوعهم إلى الحق. ويروى: «أن علياً ﵁ راسلَ أهل البصرة قبل وقعةِ الجمل». وروي «أنه لما اعتزلته الحرورية بعث إليهم عبدالله بن عباس فواضعوه كتاب الله ثلاثة أيام فرجع منهم أربعة آلاف» (١). وأما كونه يزيل ما يذكرونه من مظلمة؛ فلأن ذلك وجب (٢) مع إفضاء الأمر إلى القتل والهرج والمرج. فلأن يجب في حالة تؤدي إلى ذلك بطريق الأولى. وأما كونه يكشف ما يدعونه من شبهة؛ فلأن كشفها طريق إلى رجوعهم إلى الحق، وذلك مطلوب. وأما كونهم إن فاؤوا وإلا قاتلهم؛ فلأن الصحابة أجمعت على قتال مانعي الزكاة، وقاتل عليّ أهل البصرة يوم الجمل، وأهل الشام يوم صفين، وأهل النهروان (٣).

стр. 2671

قال: (وعلى رعيته معونته على حربهم. فإن استنظروه مدة رجاء رجوعهم فيها أنظرهم. وإن ظن أنها مكيدة لم ينظرهم وقاتلهم). أما كون [رعية الإمام عليهم معونته على حرب أهل البغي؛ فلأن الله تعالى] (١) قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾ [النساء: ٥٩]. وروى عبادة بن الصامت قال: «بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة» (٢). والإمام قائم مقامه. فوجب أن يعطى حكمه. وعن النبي ﷺ أنه قال: «من خرجَ من الطاعةِ وفارقَ الجماعةَ ماتَ ميتةً جاهلية» (٣). رواه ابن عبدالبر. وذلك يقتضي وجوب طاعة الإمام، ومعاونته طاعة له. وأما كونه ينظرهم إذا استنظروه مدة يرجوا رجوعهم فيها؛ فلأن الانتظار المرجوّ به رجوعهم أولى من معاجلتهم بالقتال المؤدي إلى الهرج والمرج. وأما كونه لا ينظرهم ويقاتلهم إن (٤) ظن أن طلبهم (٥) الإنظار مكيدة؛ فلأن الإنظار لا يؤمن منه أن يصير طريقاً إلى قهر أهل العدل. قال: (ولا يقاتلهم بما يعم إتلافه كالمنجنيق والنار إلا لضرورة). أما كون الإمام لا يقاتل أهل البغي بما يعم إتلافه لغير ضرورة؛ فلأنه لا يجوز قتل من لا يقاتل، والقتل بما يعم إتلافه يلزم منه قتله، وذلك غير جائز. وأما كونهم يقاتلهم بذلك لضرورة مثل: أن يختلط أهل البغي بمن لا يقاتل؛ فلأن ذلك حالة ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات.

стр. 2672

قال: (ولا يستعين في حربهم بكافر. وهل يجوز أن يستعين عليهم بسلاحهم وكراعهم؟ على وجهين). أما كون الإمام لا يستعين في حرب أهل البغي بكافر؛ فلأن الكافر لا يستعان به في قتال الكافر. فلأن لا يستعان به في قتال المسلم بطريق الأولى. وأما كونه لا يجوز أن يستعين عليهم بسلاحهم وكراعهم وهي الخيل التي لهم على وجه؛ فلأن أموال أهل البغي لا تستباح. وأما كونه يجوز أن يستعين عليهم بذلك على وجه؛ فلأن الحاجة داعية إليه. أشبه قتلهم. قال: (ولا يتبع لهم مُدْبر، ولا يجاز على جريح، ولا يغنم لهم مال، ولا تسبى لهم ذرية). أما كون أهل البغي لا يتبع لهم مُدْبر ولا يجاز على جريحهم؛ فلما روى عبدالله بن مسعود أن النبي ﷺ قال: «يا ابنَ أم (١) عبد! ما حكمُ من بغَى على أمتي؟ فقلت: الله ورسوله أعلم، فقال: لا يتبع مدبرهم، ولا يجاز على جريحهم، ولا يُقتل أسيرهم» (٢). رواه القاضي في شرحه. وروي: «أن علياً ﵁ قال يوم الجمل: لا يُذَففُ على جريح، ولا يُهتكُ ستر، ولا يفتحُ باب. ومن أغلقَ باباً أو بابهُ فهو آمن، ولا يتبعُ مُدْبِر» (٣). ونحو ذلك روي (٤) عن عمار. وعن علي «أنه ودَى قوماً من بيتِ مالِ المسلمين قتلوا مُدْبرين». وعن أبي أمامة قال: «شهدتُ صفين. فكانوا لا يجيزونَ على جريحٍ، ولا يطلبونَ مولياً، ولا يسلبون قتيلاً» (٥).

стр. 2673

وأما كونهم لا يغنم لهم مال؛ فلأنهم لم يكفروا ببغيهم وقتالهم، وعصمة الأموال تابعة لدينهم. بدليل قوله ﵇: «لا يحلُ مال امرئ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاث ... الحديث» (١) وليس القتال والبغي واحداً منها. وأما كونهم لا يسبى لهم ذرية فلأن الذراري [تبع لهم، وهم لا يجوز سبيهم لبقائهم على الإسلام. فالذين هم تبع لهم بطريق الأولى. ولأن الذراري] (٢) لم يحصل منهم شيء أصلاً. بخلاف أهل البغي فإنهم وجد منهم البغي والقتال. قال: (ومن أُسر من رجالهم حُبس حتى تنقضي الحرب ثم يرسل. وإن أُسر صبي أو امرأة فهل يفعل به ذلك أو يخلى في الحال؟ يحتمل وجهين). أما كون من أُسر من رجالهم يحبس حتى تنقضي الحرب؛ فلأن في إطلاقهم ضرراً على المسلمين. وأما كونه يرسل بعد ذلك؛ فلأن المانع من إرسالهم خوف مساعدة أصحابهم، وقد زال ذلك. وأما كون من أسر من صبي أو امرأة يحتمل أن يفعل به ذلك على وجه؛ فلأن وقوع القتال منه يمكن وإن لم يكن من أهله. أشبه الرجل. وأما كونه يحتمل أن يخلى في الحال؛ فلأنه ليس من أهل القتال فينتفي المحذور المتقدم ذكره في الرجل.

стр. 2674

قال: (وإذا انقضى الحرب فمن وجد منهم ماله في يد إنسان أخذه، ولا يضمن أهل العدل ما أتلفوه عليهم حال الحرب من نفس أو مال. وهل يضمن البغاة ما أتلفوه على أهل العدل في الحرب؟ على روايتين. ومن أتلف في غير حال الحرب شيئاً ضمنه). أما كون من وجد من أهل العدل والبغي ماله في يد إنسان يأخذه: أما أهل العدل؛ فظاهر. وأما أهل البغي؛ فلأن مالهم كان معصوماً وبغيهم لم يحله. فوجب بقاؤه على ما كان. وأما كون أهل العدل لا يضمنون ما أتلفوه على أهل البغي؛ فلأنه إذا جاز قتلهم (١). فلأن يجوز إتلاف مالهم بطريق الأولى. ولأن جواز قتلهم يستلزم عقر دوابهم، وكسر قسيهم وما أشبه (٢) ذلك. وإذا جاز فعل ذلك لم يجب ضمانه؛ لحصوله ضرورة. وأما كون البغاة يضمنون ما أتلفوه على أهل العدل في حال الحرب على روايةٍ؛ فلأنهم بغاة ظلمة بقتالهم، وفي الأثر أن أبا بكر قال لأهل الردة: «تدونَ قتلانا ولا ندي قتلاكم» (٣). وأما كونهم لا يضمنون ذلك على روايةٍ؛ فلما روى الزهري قال: «كانت الفتنة العظماء بين الناس وفيهم البدريون فأجمعوا على أن لا يقامَ حد على رجل ارتكب فرجاً حراماً بتأويلِ القرآن، ولا يغرم مالاً أتلفه بتأويلِ القرآن» (٤). ولأن البغاة طائفة ممتنعة بالحرب. فلم يضمن ما أتلفت على الأخرى بحكم الحرب؛ كأهل العدل.

стр. 2675

ولأن تضمينهم يفضي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الطاعة. فلم يشرع؛ كتضمين أهل الحرب. وهذه الرواية هي الأصح؛ لما ذكر. وأجاب المصنف ﵀ في المغني عن الأثر المذكور عن أبي بكر: أنه رجع عنه. فإنه روي: «أن عمر قال له: إن تدون قتلانا فلا فإن قتلانا قتلوا في سبيل الله». فوافقه أبو بكر. ولذلك لم ينقل أنه غرم أحداً شيئاً. وقد قتل طلحة (١) عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم ثم أسلم وتاب. فلم يغرم شيئاً. وأما كون من أتلف من أهل العدل والبغي ما أتلفوه في غير حال الحرب يضمنه؛ فلأن الأصل وجوب الضمان. تُرك العمل به في حال الحرب؛ للضرورة فيبقى فيما عداه على مقتضاه. وفي الأثر: «أن الخوارج لما قتلوا عبدالله بن خباب في غير الحرب أرسلَ إليهم علي افتدونا من عبدالله» (٢) و «قتل ابن ملجم علياً في غير المعركة فأقيدَ به» (٣). قال: (وما أَخذوا في حال امتناعهم من زكاة أو خراج أو جزية لم يعد عليهم [ولا على صاحبه. ومن ادعى دفع زكاته إليهم قُبل بغير يمين. وإن ادعى ذمي دفع جزيته إليهم لم يقبل إلا ببينة. وإن ادعى إنسان دفع خراجه إليهم فهل يقبل بغير بينة؟ على وجهين] (٤). وتجوز شهادتهم. ولا ينقض مِن حكم حاكمهم إلا ما ينقض من حكم غيره). أما كون البغاة تجوز شهادتهم؛ فلأنهم إذا صلحوا للقضاء. فلأن يصلحوا لقبول الشهادة بطريق الأولى.

стр. 2676

وأما كونهم لا ينقض من حكم حاكمهم إلا ما ينقض من حكم حاكم المسلمين من أهل العدل؛ فلأن بغيهم في أمر يسوغ فيه التأويل. أشبه الاختلاف في الفروع. فعلى هذا إن خالف حكم حاكمهم نصاً أو إجماعاً نقض؛ كحكم حاكم المسلمين من أهل العدل وإلا فلا. قال: (وإن استعانوا بأهل الذمة فأعانوهم انتقض عهدهم إلا أن يدعوا أنهم ظنوا أنه يجب عليهم معونة من استعان بهم من المسلمين ونحو ذلك فلا ينتقض عهدهم، ويغرمون ما أتلفوه من نفس ومال). أما كون عهد أهل الذمة ينتقض إذا أعانوا أهل البغي إذا لم يدعوا أنهم ظنوا أنهم يجب عليهم معونة من استعان بهم من المسلمين ونحو ذلك؛ فلأن أهل الذمة لو قاتلوا منفردين انتقض عهدهم. فكذلك إذا قاتلوا مع أهل البغي. وأما كونه لا ينتقض إذا ظنوا أنهم يجب عليهم معونة من ذكر؛ فلأن ذلك شبهة فيدرأ به قتلهم المستحق بالانتقاض. وأما كون أهل الذمة يغرمون ما أتلفوه لأهل العدل فيما ذكر؛ فلأن مقتضى الدليل وجوب الضمان. ترك العمل به في حق أهل البغي خوفاً من تنفيرهم، وتنفير أهل الذمة لا أثر له؛ لأن أهل البغي لهم قوة. بخلاف أهل الذمة فلا يصح إلحاقهم بهم. قال: (وإن استعانوا بأهل الحرب وأمنوهم لم يصح أمانهم، وأبيح قتلهم). أما كون أمان البغاة لأهل الحرب لا يصح؛ فلأن من صحة الأمان الكف عن قتال المسلمين، والباغي لا يشترطه (١) بل يشترط عليهم عدمه. وأما كونهم يباح قتلهم؛ فلأن أمان البغاة لم يصح. فبقوا على ما كانوا عليه قبل الأمان. فإن قيل: إباحة قتلهم عامة أم لأهل العدل فقط؟

стр. 2677

قيل: ظاهر إطلاق المصنف ﵀ الإباحة، وهي تقتضي العموم (١) إلا أن الكلام مسوق مع أهل العدل فيحتمل أن يختص بهم. ويؤيده تصريح المصنف ﵀ بذلك في المغني فقال (٢): فأما أهل البغي فلا يجوز لهم قتلهم؛ لأنهم قد بذلوا لهم الكف عنهم. فلم يجز لهم الغدر. قال: (وإن أظهر قوم رأي الخوارج ولم يجتمعوا لحرب لم يتعرض لهم، فإن سَبُّوا الإمام عزرهم. وإن جنوا جناية أو أتوا حداً أقامه عليهم). أما كون من أظهر رأي الخوارج ولم يجتمعوا لحرب لا يتعرض لهم؛ فـ «لأن علياً ﵁ كان يوماً يخطب. فقال رجل بباب المسجد: لا حُكمَ إلا لله. فقال علي: كلمةُ حق أُريدَ بها باطل. ثم قال: لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجدَ الله أن تذكروا فيها اسمَ الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامتْ أيديكم معنا، ولا نبدأكمْ بقتال» (٣). ولأن النبي ﷺ ما تعرض للمنافقين الذين كانوا معه في المدينة. فلأن لا يتعرض إلى من ذكر بطريق الأولى. وأما كونهم إذا سَبُّوا الإمام يعزرهم؛ فلأنهم ارتكبوا محرماً لا حد فيه ولا كفارة، وليس التعزير المذكور مختصاً بسب الإمام بل لو سبوا أحداً من أهل العدل كان الأمر كذلك، لما تقدم من العلة. وأما كونهم إذا جنوا جناية أو أتوا حداً أقامه عليهم؛ فلأنهم ليسوا ببغاة فهم كآحاد الناس. ولأن في إسقاط (٤) ذلك وسيلة إلى تجرئهم (٥) على فعله، وذلك مطلوب العدم.

стр. 2678

قال: (وإن اقتتلت (١) طائفتان لعصبية أو طلب رياسة فهما ظالمتان، وتضمن كل واحدة ما أتلفت على الأخرى). أما كون الطائفتين إذا اقتتلتا لما ذكر ظالمتين؛ فلأن كل واحدة باغية على صاحبتها. وأما كون كل واحدة تضمن ما أتلفت على الأخرى؛ فلأن الإتلاف موجب للضمان. ترك العمل به في أهل البغي.

стр. 2679

باب حكم المرتد والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ [البقرة: ٢١٧]. وأما السنة؛ فقوله ﵇: «من بدَّلَ دينهُ فاقتلُوه» (١). وأما الإجماع؛ فأجمع المسلمون في الجملة على وجوب قتل المرتد. قال المصنف ﵀: (وهو الذي يكفر بعد إسلامه. فمن أشرك بالله أو جحد ربوبيته أو وحدانيته، أو صفة من صفاته، أو اتخذ لله صاحبة أو ولداً، أو جحد نبياً أو كتاباً من كتب الله أو شيئاً منه، أو سبّ الله تعالى أو رسوله كفر). أما قول المصنف ﵀: وهو الذي يكفر بعد إسلامه؛ فبيان لما يصير به الإنسان مرتداً. وأما كون من أشرك بالله يكفر؛ فلأن الله تعالى وصفه بالكفر في غير موضع من كتابه العزيز. من ذلك قوله تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾ [المائدة: ٧٣]، ومنه قوله تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين -إلى قوله-: وبشر الذين كفروا بعذاب أليم -إلى قوله تعالى-: فقاتلوا أئمة الكفر﴾ [التوبة: ١ - ١٢]، ومنه قوله تعالى: ﴿ومن يَدْعُ مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون﴾ [المؤمنون: ١١٧]. ولأن الله تعالى أخبر في كتابه العزيز أنه لا شريك له، فمن أشرك به فقد كذبه، ومن كذبه يكفر.

стр. 2680

وأما كون من جحد ربوبية الله يكفر؛ فلأنه مكذب لله، ومن كذبه يكفر. وأما كون من جحد وحدانيته يكفر؛ فلأن جاحد ذلك مشرك بالله، وقد تقدم دليل كفره. وأما كون من جحد صفة من صفاته يكفر؛ فلأن جاحد ذلك كجاحد وحدانيته وقد تقدم دليل كفره. وأما كون من اتخذ لله صاحبة أو ولداً يكفر؛ فلأن الله تعالى نزّه نفسه عن ذلك ونفاه عنه. فمتخذه مخالف له غير منزه له عن ذلك. ولأنه مكذب له فيما أخبر به عن ذلك. فيكون كافراً. [وأما كون من جحد نبياً يكفر؛ فلأنه مكذب لله جاحد لنبوة نبيه] (١). وأما كون من جحد كتاباً من كتب الله يكفر؛ فلأنه مكذب لله جاحد لكتابه (٢). وأما كون من جحد شيئاً من كتب الله (٣) يكفر؛ فلأن جحد الشيء منه كجحد الكل؛ لاشتراكهما في كون الكل من عند الله. وأما كون من سبّ الله تعالى ورسوله ﷺ يكفر؛ فلأنه لا يسب واحداً منهما إلا وهو مكذب له جاحد به، وقد تقدم دليل كفره. قال: (ومن جحد وجوب العبادات الخمس أو شيئاً منها، أو أحل الزنى أو الخمر أو شيئاً من المحرمات الظاهرة المجمع عليها لجهل: عُرِّف ذلك. وإن كان ممن لا يجهل ذلك كفر). أما كون من جحد شيئاً من ذلك أو أحله لجهل يعرفه (٤)؛ فليصير عالماً به. وأما كونه إذا كان ممن لا يجهل ذلك يكفر؛ فلأنه مكذب لله تعالى ورسوله وسائر الأمة.

стр. 2681

قال: (وإن ترك شيئاً من العبادات الخمس تهاوناً لم يكفر. وعنه: يكفر. إلا الحج لا يكفر بتأخيره بحال). أما كون من ترك شيئاً من الصلاة تهاوناً لا يكفر على روايةٍ وهي اختيار المصنف ﵀، وكونه يكفر على روايةٍ وهي ظاهر المذهب؛ فلما تقدم في كتاب الصلاة (١). وأما كون من ترك الزكاة تهاوناً لا يكفر على روايةٍ؛ فلأن النبي ﷺ قال: «ومن منعها فإنا آخذوها» (٢)، ولم يحكم بكفره. وأما كونه يكفر على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة [فإخوانكم في الدين﴾ [التوبة: ١١] شرط في الإخوة في الدين أداء الزكاة. ولأن أبا بكر الصديق ﵁ قال: «لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة» (٣). و «قال لمانع الزكاة] (٤): لا. حتى تشهد أن قتلانا في الجنةِ وقتلاكمْ في النار» (٥). وأما كون من ترك الصوم لا يكفر على روايةٍ؛ فبالقياس على الزكاة. بجامع ما يشتركان فيه من كونهما عبادة تجب على الفور (٦). وأما كون من أخّر متهاوناً لا يكفر بحال على ما ذكره المصنف ﵀ هنا؛ فلأنه مختلف في وجوبه على الفور. فلا وجه لكفره مع جواز تأخيره على بعض المذاهب. وكلام أبي الخطاب في هدايته يقتضي مساواة الحج للصلاة والزكاة؛ لأنه أحد مباني الإسلام. أشبه بَواقيها.

стр. 2682

إذا تقرر هذا فاعلم أن العبادات الخمس تطلق تارة ويراد بها الصلوات الخمس، وتطلق تارة ويراد بها مباني الإسلام الخمس. وفي حمل كلام المصنف ﵀ على كل واحد منهما إشكال. أما إذا حمل على الصلوات فالإشكال عليه من وجهين: أحدهما: أنه تبقى الزكاة والصوم غير مذكورين. وثانيهما: أن الاستثناء في قوله: وعنه يكفر إلا الحج لا يقع صحيحاً؛ لعدم شمول الكلام الأول له. وأما إذا حمل على مباني الإسلام؛ فلأن من مباني الإسلام الشهادتين وتاركهما متهاوناً كافر بغير خلاف في المذهب. قال: (فمن ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء وهو بالغ عاقل دُعي إليه ثلاثة أيام وضيّق عليه فإن لم يتب قتل. وعنه: لا تجب استتابته بل تستحب، ويجوز قتله في الحال). أما كون من ارتد عن الإسلام من الرجال والنساء وهو بالغ عاقل يُدعى إليه؛ فليرجع عن ارتداده. وأما قول المصنف ﵀: والنساء؛ ففيه تصريح بأن المرأة في الردة كالرجل. وهو صحيح؛ لدخولهما في قوله ﷺ : «من بدَّلَ دينهُ فاقتلُوه» (١)، وفي الحديث «أن امرأة يُقال لها: أم رومان ارتدت عن الإسلام. فبلغَ أمرُها النبي ﷺ . فأمر أن تُستتاب فإن تابت وإلا قتلت» (٢). رواه الدارقطني. ولأن المرأة شخص بدّل دينه الحق بالباطل. فوجب أن تكون كالرجل. فإن قيل: فقد نهى النبي ﷺ عن قتل المرأة. قيل: المراد به (٣) غير المرتدة؛ لأن المرتد يخالف الأصلي. بدليل أن الرجل يقر عليه، ولا يقتل أهل الصوامع والشيوخ والمكافيف (٤). بخلاف الكفر الطارئ.

стр. 2683

وأما قوله: "وهو بالغ عاقل" ففيه إشعار بأن الردة لا تصح من صبي ولا مجنون. وهو صحيح؛ لأن النبي ﷺ قال: «رُفعَ القلمُ عن ثلاث: عن الصبي [حتى يبلُغ، وعن المجنون حتى يُفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» (١)] (٢). ولا بد أن يلحظ [في الصبي] (٣) أنه غير مميز؛ لأن المميز يأتي ذكره بعد. وأما كون الدعوة إلى الإسلام ثلاثة أيام على المذهب؛ فلما روى مالك في الموطأ بإسناده «أنه وَفَدَ على عمر رجل من قبل أبي موسى. فقال له عمر: هل من مُغَرِّبَةِ خبَر؟ قال: رجلٌ كفرَ بعد إسلامه. قال: ما فعلتم به؟ قال: قَرَّبْناهُ، فضربنا (٤) عنُقَه. قال عمر: فهلا حبستموهُ ثلاثًا. فأطعمتموهُ كل يوم رغيفًا. فاستتبتموهُ لعله يتوب ويراجع أمر الله؟ اللهم (٥)! إني لم أحضر. ولم آمر. ولم أرض إذْ بلغني» (٦). وأما كونه يضيّق عليه؛ فليرجع إلى الحق. وفي حديث عمر المذكور: «فهلاّ حبستُموه». وأما كونه يقتل إن لم يتب؛ فلما تقدم من قوله ﷺ : «من بدَّلَ دينهُ فاقتلوهُ» (٧)، ومن قوله في حديث أم رومان: «فإن تابتْ وإلا قُتلت» (٨). وأما كونه لا تجب استتابته على روايةٍ؛ فلأن النبي ﷺ قال: «من بدّل دينه فاقتلوه» (٩) ولم يذكر الاستتابة.

стр. 2684

وفي الأثر «أن معاذاً قال لأبي موسى فوجد عنده رجلاً موثقاً. فقال: ما هذا؟ قال: رجلٌ كان يهودياً فأسلم (١) ثم راجع دينهُ دينَ السوء فتهوّد. قال: لا أجلسُ حتى يُقتلَ. قضاءُ الله ورسوله. قال: اجلس [قال: لا أجلس] (٢) حتى يقتل قضاء الله ورسوله ثلاث مرات فأمرَ به فقُتل» (٣) متفق عليه. ولأن المرتد يقتل لكفره. فلم تجب استتابته؛ كالأصلي (٤). وأما كونها تستحب؛ فلأنه مختلف في وجوبها. فأدنى الأحوال أن يكون مستحباً. والأول أصح؛ لما تقدم. وأما قوله: «من بدَّلَ دينهُ فاقتلُوه» (٥) فمحمول على القتل بعد الاستتابة. وأما الحديث الآخر فيروى فيه: «أن المرتد استُتيب قبل قدوم معاذ» (٦). رواه أبو داود. فعلى هذا يضيق عليه ويحبس لينزجر عن ذلك ويرجع عن دينه الذي صار إليه، وفي حديث عمر: «فهلا حبستمُوه» (٤)، وعلى الثانية يجوز قتله في الحال؛ لما ذكر في حديث معاذ. وأما كونه يقتل إذا لم يتب؛ فلما تقدم من قوله ﵇: «من بدَّلَ دينهُ فاقتلُوه» (٨).

стр. 2685

قال: (ويقتل بالسيف. ولا يقتله إلا الإمام أو نائبه، فإن قتله غيره بغير إذنه أساء وعزر. ولا ضمان عليه سواء قتله قبل الاستتابة أو بعدها). أما كون المرتد يقتل بالسيف؛ فلأن في حديث القادم من قِبَل أبي موسى: «قدمناهُ فضربنا عنُقه» (١). وأما كونه لا يقتله إلا الإمام أو نائبه؛ فلأنه قتل لحق الله . فلم (٢) يله إلا الإمام أو نائبه؛ كالحد. وأما كونه إذا قتله غير من ذكر بغير إذن الإمام أساء؛ فلأن في ذلك حطاً لمنزلة الإمام، وإساءة أدبٍ عليه. وأما كونه يعزر؛ فلأنه فعل ما منع من فعله ولا حد فيه ولا كفارة، وذلك يوجب التعزير. دليله: فعل سائر ما منع من فعله مما لا حد فيه ولا كفارة. وأما كون قتله قبل الاستتابة وبعدها سواء؛ فلأنه في الجملة مهدر الدم وردته مبيحة لدمه، وهي موجودة قبل الاستتابة كما هي موجودة بعدها. قال: (وإن عقل الصبي الإسلام صح إسلامه وردته. وعنه: يصح إسلامه دون ردته. وعنه: لا يصح شيء منهما حتى يبلغ. والمذهب الأول. وإن أسلم ثم قال: لم أدر ما قلت لم يلتفت إلى قوله، وأجبر على الإسلام، ولا يقتل حتى يبلغ ويجاوز ثلاثة أيام من وقت بلوغه، فإن ثبت على كفره قتل). أما كون الصبي إذا عقل الإسلام يصح إسلامه وردته على المذهب: أما الإسلام؛ فلأن علياً أسلم صبياً فصح إسلامه وعد من مناقبه وسبقه وينشد له: سبقتكمُ إلى الإسلام طُرًّا ... صبيًا ما بلغت أوان حلمي ويقال: أول من أسلم من الصبيان علي، ومن الرجال أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن العبيد بلال. وفي الحديث: «من قال: لا إلهَ إلا الله دخلَ الجنة» (٣).

стр. 2686

وأما الردة؛ فلأن من صح إسلامه صحت ردته. دليله البالغ. وأما كونه يصح إسلامه دون ردته [على روايةٍ؛ فلأن مقتضى حال الصبي أن لا يصح منه إسلام ولا ردة] (١)؛ لكونه (٢) غير بالغ. وقد رَفَعَ الشرع عنه القلم وجعله ملحقاً بالبهائم. ثم تُرك العمل به في الإسلام؛ لما تقدم. فيبقى في الردة على مقتضى الدليل. وأما كونه لا يصح شيء منهما على روايةٍ؛ فلقول رسول الله ﷺ : «رُفعَ القلمُ [عن ثلاث] (٣): عن الصبي حتى يبلُغ ... » (٤). ولأن الإسلام والردة قول تثبت به الأحكام. فلم يصح من الصبي؛ كالهبة. وأما كون المذهب الأول؛ فلما تقدم من الأدلة. ويعضد ذلك قوله ﵇: «أُمرتُ أن أقاتلَ الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. فإذا قالوها عصَمُوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابُهم على الله» (٥). وقوله ﵇: «كل مولودٍ يولدُ على الفطرة. فأبواه يُهوِّدانِه، وينصِّرانِه، ويمجِّسانِه» (٦). ولأن الصبي يدخل في عموم ذلك كله. والتفرقة بين الإسلام والردة لا يصح؛ لأن المصحح للإسلام موجود في الردة فوروده في الإسلام يكون وروداً له

стр. 2687

في الردة. وقوله ﵇: «رُفعَ القلمُ» (١) يقتضي أن لا يكتب عليه شيء، وإذا صح إسلامه يكتب له لا عليه ويحصل له سعادة الدنيا والآخرة. فإن قيل: الإسلام سبب لوجوب الزكاة وحرمان ميراث قريبه الكافر وفسخ نكاحه ووجوب نفقة أقاربه المسلمين. قيل: الزكاة نفع محض؛ لأنها سبب النماء والزيادة محصنة للمال، والميراث والنفقة أمر متوهم، وذلك مجبور بحصول الميراث من أقاربه المسلمين وسقوط نفقة أقاربه الكفار ثم هو ضرر مغمور بالنسبة إلى ما يحصل له من سعادة الآخرة والخلاص من الشقاء والخلود في الجحيم. وأما كون الصبي إذا أسلم وقيل يصح إسلامه ثم قال: لم أدر ما قلت لم يلتفت إلى قوله؛ لأنه عاقل صح إسلامه. فلم يلتفت إلى قوله؛ كالبالغ إذا أسلم ثم قال: لم أدر ما قلت. وأما كونه يجبر على الإسلام؛ فلأنه كفر بعد إسلامه. وأما كونه لا يقتل حتى يبلغ؛ فلأن من لم يبلغ [لا يتعلق به عقوبة من حد زنى ولا سرقة ولا قصاص. فكذلك يجب أن] (٢) لا يتعلق به حق ردة. وأما كونه لا يقتل حتى يجاوز ثلاثة أيام من وقت بلوغه؛ فلأجل وجوب استتابة المرتد ثلاثاً. وأما كونه يقتل إذا ثبت على كفره؛ فلأنه مرتد مصرٌ على ردته. فوجب قتله؛ لعموم الأدلة المقتضية لقتل المرتد المتقدم ذكرها. قال: (ومن ارتد وهو سكران لم يقتل حتى يصحو وتتم له ثلاثة أيام من وقت ردته. فإن مات في سكره مات كافراً. وعنه: لا تصح ردته). أما كون من ارتد وهو سكران لا يقتل حتى يصحو؛ فلأن القتل عقوبة. فلا تفعل بزائل العقل. وأما كونه لا يقتل حتى تتم له ثلاثة أيام؛ فلما تقدم من أن المرتد لا يقتل حتى يستتاب ثلاثة أيام.

стр. 2688

وأما كون أول الأيام من وقت ردته؛ فلأنه كذلك في غيره. وأما كونه إذا مات في سكره مات كافراً؛ فلأنه مات بعد ارتداده. وفيما ذكر إشعار بصحة ردة السكران. وهو صحيح صرح به المصنف ﵀ في غير مقنعه وغيره من الأصحاب؛ لأن علياً قال بمحضر من الصحابة رضوان الله عليهم في السكران: «إذا سَكر هذَى، وإذا هذَى افترى فحدوه حد المفتري» (١) فأوجبوا عليه حد المفتري التي يأتي بها في سكره واعتبروا مظنتها. ولأنه يصح طلاقه. فصحت ردته؛ كالصاحي. وأما كونه لا تصح ردته على روايةٍ؛ فلأن الردة أمر يتعلق بالاعتقاد، والسكران لا يصح قصده. أشبه المجنون. ولأن الردة إنما تصح من مكلف، والعقل شرط في التكليف، ولهذا لا تصح استتابته. والأول هو الصحيح في المذهب؛ لما تقدم من قول علي بمحضر من (٢) الصحابة وحدهم له. والقول بأنه لا يصح قصده [لا يصح؛ لأنه يجري مجرى الصاحي في الحكم. بدليل صحة طلاقه. وبه فارق المجنون؛ لأن] (٣) المجنون لا يصح طلاقه. وعدم صحة استتابته لعدم صحة (٤) عقله وتمييزه. ولأن الحد وضع للزجر، ولا يحصل الزجر في حال سكره. فإن قيل: لم كان ابتداء الثلاثة في الصبي من حين البلوغ، وفي السكران من حين الردة؟ قيل: لأن زوال العقل في السكران بتعديه. بخلاف الصبي.

стр. 2689

قال: (وهل تقبل توبة الزنديق، ومن تكررت ردته، أو من سبّ الله تعالى أو رسوله، والساحر؟ على روايتين: إحداهما (١): لا تقبل توبته، ويقتل بكل حال. والأخرى: تقبل توبته كغيره). أما كون توبة الزنديق لا تقبل على روايةٍ؛ فلأنه لا يؤمن أن يظهر التوبة ويبطن غيرها كما كان يظهر الإسلام ويبطن الكفر. ولأن في قبول توبته خطراً؛ لأنه لا سبيل إلى الثقة بقوله. ولأن إبقاءه يؤدي إلى تسلطه في الباطن على إفساد عقائد المسلمين، وفي ذلك ضرر عظيم. وأما كون [توبة من] (٢) تكررت ردته لا تقبل على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿إن الذين ءامنوا ثم كفروا ثم ءامنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديم سبيلا﴾ [النساء: ١٣٧]. وروى الأثرم بإسناده عن ظيبان بن عمارة «أن رجلاً من بني سعيد (٣) مرّ على مسجدٍ لبني حنيفة. فإذا هم يقرؤون برجز مسيلمة، فرجعَ إلى ابن مسعود فذكر له ذلك. فبعث إليهم فأُتي بهم فاستتابهم فتابوا فخلى سبيلهم؛ إلا رجلاً منهم يقال له: ابن النوَّاحةِ (٤) قال: قد أتيتُ بكَ مرة فزعمتَ أنك قد تبتَ وأراكَ قد عدتَ فقتلَه» (٥). وأما كون توبة من سبّ الله أو رسوله (٦) لا تقبل على روايةٍ؛ فلأن ذنبه عظيم جداً. أشبه الزنديق. وأما كون توبة الساحر لا تقبل؛ فلأن الصحابة رضوان الله عليهم ما نقل عن أحد منهم أنه استتاب ساحراً.

стр. 2690

ولأن السحر معنى في القلب لا يزول بالتوبة. أشبه الزنديق المستتر بكفره. وفي الحديث عن عائشة: «أن امرأةً جاءتها. فجعلت تبكي بكاءً شديداً وقالت: يا أم المؤمنين! إن عجوزاً ذهبتْ إلى هاروت وماروت فقلت: علِّماني السحر. فقالا: اتق الله ولا تكفري (١) فإنك على رأس أمركِ. فقلت: علِّماني السحر. فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه ففعلت. فرأيت كأن فارساً مقنعاً في الحديد خرجَ مني حتى طارَ فغابَ في السماء. فرجعت إليهما فقالا: ذلك الإيمان ... وذكرت باقي القصة. قالت: والله ما صنعتُ شيئاً غيرَ هذا فهل لي من توبة؟ قالت عائشة ورأتها تبكي بكاء شديداً فطافت في أصحاب رسول الله ﷺ تسألهم: هل لها من توبة؟ فما أفتاها أحدٌ إلا ابن عباس قال لها: إن كان أحدٌ من أبويكِ حياً فبرّيه وأكثري من عمل البِّر ما استطعت» (٢). وأما كون توبة كل من ذكر تقبل على روايةٍ؛ فإن ذنوبهم إما شرك أو ما دونه، والشرك تقبل التوبة فيه بدليل قوله تعالى: ﴿قُل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ [الأنفال: ٣٨]. وإذا قبل في الشرك فلأن يقبل فيما دونه بطريق الأولى. والصحيح في المذهب الرواية الأولى؛ لأن أدلتها خاصة، وأدلة الثانية عامة، والخاص مقدم على العام. ولأن ذنوبهم زيادة على الشرك المطلق. فلا يلزم من الغفران فيه (٣) الغفران فيها لزيادتها عليه. فعلى هذا يقتل من اتصف بأحد ما ذكر في الحال؛ لأن التأخير لأجل الاستتابة، ومن لا تقبل توبته لا حاجة إلى استتابته. قال: (وتوبة المرتد إسلامه. وهو: أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله؛ إلا أن تكون ردته بإنكار فرض، أو إحلال محرم، أو جحد نبي أو كتاب، أو إلى دين من يعتقد أن محمداً بعث إلى العرب خاصة فلا يصح إسلامه

стр. 2691

حتى يقر بما جحده (١) ويشهد أن محمداً بعث إلى العالمين، أو يقول: أنا بريء من كل دين يخالف الإسلام). أما كون توبة المرتد إسلامه؛ فلأنه ينافي ما صدر منه وهو متأخر عنه والحكم للمتأخر. وأما كون إسلامه هو أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إذا لم تكن ردته بإنكار ما ذكر؛ [فلأن من قال ذلك حكم بإسلامه ما لم يوجد منه ما يناقضه. فكذلك المرتد. وأما كون من تكون ردته بإنكار ما ذكر] (٢) لا يصح إسلامه حتى يقر بما جحده؛ فلأن ردته لجحده. فإذا لم يقر بما جحده بقي الأمر على ما كان عليه من الردة الموجبة لتكفيره. وأما كون من تكون ردته إلى دين من يعتقد أن محمداً بعث إلى العرب خاصة لا يصح إسلامه حتى يشهد أن محمداً بعث إلى العالمين، أو يقول: أنا بريء من كل دين يخالف الإسلام؛ فلأن الرجوع عما ذهب إليه لا يحصل إلا بأحدهما. فإن قيل: قول المصنف ﵀: وتوبة المرتد إسلامه وهو أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله يدل على أن الإسلام لا يحصل إلا بهما، وقوله: إلا أن تكون ردته بإنكار فرض ... إلى قوله: ولا يصح إسلامه حتى يقر بما يجحده ويشهد أن محمداً بعث إلى العالمين يدل على أن من ردته بإنكار ما ذكر يصح إسلامه بمجرد إقراره بما جحد وشهادته بأن محمداً بعث إلى العالمين من غير أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، ويدل على أنه لا بد للمنكر لما ذكر من مجموع الأمرين من الإقرار والشهادة المذكورة آخراً. قيل: أما الأول: فلا يكفي فيه مجرد إقراره بما جحده بل لا بد فيه من الشهادتين المذكورتين أولاً. وقول المصنف ﵀: فلا يصح إسلامه؛ مشعر

стр. 2692

بذلك (١)؛ لأن المراد بإسلامه ما تقدم من الشهادة لتفسيره الإسلام بهما، والمعنى فلا تصح الشهادتان المتقدم ذكرهما حتى يقر بما جحده. وأما الثاني: فهو من باب التوزيع كقولك: ركب الرجال الدواب على معنى ركب كل واحد دابة. فكذا قول المصنف ﵀: فلا يصح إسلامه حتى يقر ويشهد معناه حتى يشهد من أنكر فرضاً أو جحد نبياً أو كتاباً بما تقدم ذكره ويقر بما جحده، وحتى (٢) يشهد [من ارتد إلى دين من يعتقد أن محمداً بعث إلى العرب خاصة بما تقدم ذكره] (٣) وأن محمداً بعث إلى العالمين أو يقول: أنا بريء من كل دين يخالف الإسلام. قال: (وإذا مات المرتد فأقام وارثه بينة أنه صلى بعد الردة حكم بإسلامه. ولا يبطل إحصان المسلم بردته ولا عباداته التي فعلها في إسلامه إذا عاد إلى الإسلام). أما كون المرتد يحكم بإسلامه إذا قامت البينة بأنه صلى بعد الردة؛ فلأن النبي ﷺ قال: «منْ صلَى صلاتنَا واستقبلَ قبلتنَا فلهُ ما لنا وعليهِ ما علينا» (٤). ولأن الصلاة أحد مباني الإسلام. فحكم بالإسلام بها؛ كالشهادتين. وأما كون المسلم لا يبطل إحصانه بردته إذا عاد إلى الإسلام؛ فلأن العدالة تعود بالإسلام بعد الردة. فلأن يعود الإحصان [بعد الإسلام] (٥) بطريق أولى (٦). [ولأن إحصان القذف لا يبطل بالردة فكذا الإحصان] (٧) المذكور. وأما كونه لا تبطل عباداته التي فعلها في إسلامه إذا عاد إليه؛ فلأن الله تعالى شرط في بطلان العبادة موت المرتد على كفره بدليل قوله: ﴿ومن يرتدد منكم عن

стр. 2693

دينه فيمت وهو كافر﴾ [البقرة: ٢١٧]، ومن عاد إلى الإسلام لم يوجد فيه الشرط فيجب أن لا يبطل عمله الحاصل في حال إسلامه؛ لانتفاء شرط الإبطال. فإن قيل: قوله: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر: ٦٥] يدل على حبوط (١) العمل مطلقاً. قيل: يجب حمله على الآية المذكورة؛ لأن ما ذكر مطلق والآية المذكورة مقيدة، والمطلق يجب حمله على المقيد.

стр. 2694

فصل [في أحكام المرتد] قال المصنف ﵀: (ومن ارتد لم يزل ملكه بل يكون موقوفاً وتصرفاته موقوفة، فإن أسلم ثبت ملكه وتصرفاته، وإلا بطلت. وتقضى ديونه وأروش جناياته، وينفق على من تلزمه مؤونته، وما أتلف من شيء ضمنه. ويتخرج في الجماعة الممتنعة أن لا تضمن ما أتلفته. وقال أبو بكر: يزول ملكه بردته، ولا يصح تصرفه. وإن أسلم رد إليه تمليكاً مستأنفاً). أما كون من ارتد لا يزول ملكه على المذهب؛ فلأن الذي وجد منه سبب يبيح الدم، وذلك لا يوجب زوال الملك. دليله الزاني المحصن والقاتل. وأما كونه يزول ملكه على قول أبي بكر؛ فلأن عصمة نفسه وماله بالإسلام فإذا ارتد زال العاصم لهما. فوجب أن تزول عصمتهما. ولهذا لو لحق بدار الحرب أبيح دمه وماله. ولأن المسلمين ملكوا إراقة دمه. فوجب أن يملكوا أخذ ماله. والأول أصح؛ لما تقدم. وزوال العصمة لا ينفي بقاء الملك. بدليل الحربي فإنه لا عصمة له وملكه ثابت. وزوال ملك المرتد بلحوقه بدار الحرب ممنوع بل تزول عصمته، ويباح لكلٍّ أخذه؛ كمال الحربي سواء. فعلى هذا يكون ملكه موقوفاً فإن أسلم تبين استمرار ثبوته وإن مات أو قتل زال ملكه من حيث موته أو قتله، وعلى قول أبي بكر إذا أسلم يرد إليه ما كان له على وجه الاستئناف. وأما كون تصرفاته من (١) البيع والهبة والعتق والتدبير والوصية ونحو ذلك موقوفة على المذهب؛ فلأنه مال تعلق به حق الغير. فكان التصرف فيه موقوفاً؛ كتبرع المريض.

стр. 2695

وأما كونها غير صحيحة على قول أبي بكر؛ [فلأنه تصرف في غير ملك. فعلى المذهب إن أسلم نفذ تصرفه؛ كما لو صح المريض من مرضه، وإن قتل أو مات بطل؛ لأنه تصرف في مال تعلق به حق جماعة المسلمين. وعلى قول أبي بكر] (١) فلا (٢) إشكال فيه. وأما كونه تُقضى ديونه وأروش جناياته؛ فلأن ذلك حق واجب عليه. وأما كونه ينفق على من تلزمه مؤونته؛ فلأن ذلك واجب بإيجاب الشرع. أشبه الدَّين. وأما كون ما أتلفه من شيء في ردته يضمنه على المذهب؛ فلأن الإتلاف يوجب الضمان على المسلم. فلأن يوجبه على المرتد بطريق الأولى. وأما كونه يتخرج في الجماعة إذا ارتدوا ولهم منعة أنها لا تضمن ما أتلفته؛ فلأنها في معنى البغاية. وتحقيقه أن الباغي إنما لم يضمن ما أتلفه؛ لأن في تضمينه ذلك تنفيراً له عن الرجوع إلى قبضة الإمام، وهذا المعنى موجود في الجماعة المرتدة الممتنعة. قال: (وإذا أسلم فهل يلزمه قضاء ما ترك من العبادات [في حال ردته] (٣)؟ على روايتين). أما كون المرتد إذا أسلم لا يلزمه قضاء ما ترك من العبادات في حال كفره على روايةٍ؛ فلأنه كافر. فلم يلزمه قضاء ما ترك في حال كفره؛ كالكافر الأصلي (٤) إذا أسلم. وأما كونه يلزمه ذلك على روايةٍ؛ فلأن رجوعه إلى الإسلام واجب على وجه لا يقر على كفره بحال. بخلاف الأصلي (٥). ولأن المرتد معترف بوجوب الصلاة عليه قبل ردته. بخلاف الكافر الأصلي.

стр. 2696

قال: (وإذا ارتد الزوجان ولحقا بدار الحرب ثم قُدرَ عليهما لم يجز استرقاقهما ولا استرقاق أولادهما الذين ولدوا في الإسلام، ومن لم يُسلم منهم قُتل، ويجوز استرقاق من ولد بعد الردة. وهل يقرون على كفرهم؟ على روايتين). أما كون الزوجين المذكورين لا يجوز استرقاقهما؛ فلأن لحاقهما بدار الحرب لا يخرجهما عن كونهما مرتدَين، والمرتد لا يجوز استرقاقه بل يجب قتلُه؛ لقوله ﵇: «من بدَّلَ دينهُ فاقتلُوه» (١). ولأن المرتد لا يجوز إقراره على كفره فلا يجوز استرقاقه. وأما كون أولادهما الذين وُلدوا في الإسلام لا يجوز استرقاقهم؛ فلأنهم إن كانوا قد كبروا وهم مسلمون فالمسلم لا يسترَقُ، وإن وصفوا الكفر فقد كفروا بعد الحكم بإسلامهم، وإن كانوا صغاراً فلا يجوز استرقاقهم؛ لأنهم يحكم (٢) بإسلامهم تبعاً لآبائهم. وأما كون من لم يسلم منهم يُقتل؛ فلما تقدم من قوله ﵇: «من بدَّلَ دينهُ فاقتلُوه» (٣). ولا بد أن يلحظ في القتل المذكور بلوغ الأولاد؛ لأن من لم يبلغ لم يقتل بردته؛ لما تقدم في موضعه. وأما كون من ولد بعد الردة يجوز استرقاقهم؛ فلأنهم محكوم بكفرهم من غير سبق إسلام. فوجب جواز استرقاقهم؛ كولد الحربي. وأما كونهم يقرون على كفرهم على روايةٍ؛ فبالقياس على الكافر الأصلي (٤). والجامع بينهما اشتراكهما في جواز الاسترقاق. وأما كونهم لا يقرون على روايةٍ؛ فلأن آبائهم لا يقرون. فوجب أن لا يقروا بالقياس عليهم وعلى أولادهم (٥) الذين وجدوا في حال الإسلام.

стр. 2697

فصل [في حكم الساحر] قال المصنف ﵀: (والساحر الذي يَرْكب المكنسة فتسير به في الهواء ونحوه يكفر ويقتل). أما كون من ذكر يكفر؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحدٍ حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ [البقرة: ١٠٢]. وأما كونه يقتل؛ فـ «لأن عمر ﵁ كتب إلى الأحنف بن قيس: اقتلوا السواحر» (١). رواه أبو داود. ورُوي «أن حفصة قتلت جاريةً لها سحرتها» (٢). رواه الأثرم. وعن جندب (٣) بن عبدالله أن النبي ﷺ قال: «حَدُّ الساحرِ ضربةٌ بالسيف» (٤). ولأن الساحر كافرٌ، والكافرُ بعدَ إسلامه يُقتل. قال: (فأما الذي يسحر بالأدوية والتدخين وسقي شيء يضر فلا يَكفر، ولا يُقتل، ولكن يُعَزّر. ويقتص منه إن فعل ما يوجب القصاص). أما كون الذي يسحر بشيء مما ذكر لا يكفر؛ فلأنه دون ما تقدم ذكره. وعلله بعضهم بأنه ليس بسحر. وقول المصنف ﵀: فأما الذي يسحر لا يمكن معه التعليل بذلك.

стр. 2698

وأما كونه لا يقتل؛ فلأن الموجب للقتل الكفر وهو منتف فيه. وأما كونه يعزر؛ فلأن فعله المذكور معصية، والتعزير يجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة. وأما كونه يقتص منه [إذا فعل ما يوجب القصاص؛ فلأنه فعلٌ يقتل مثله غالباً. فوجب أن يقتص منه] (١)؛ كما (٢) لو قتله بمحدد. قال: (وأما الذي يعزم على الجن ويزعم أنه يجمعها فتطيعه: فلا يكفر، ولا يقتل. وذكره أبو الخطاب في السحرة الذي يُقتلون). أما كون من ذكر لا يكفر ولا يقتل على قول غير أبي الخطاب؛ فلأنه إذا لم يكفر ولم يقتل بما تقدم ذكره. فلأن لا يكفر ولا يقتل بما ذكر بطريق الأولى. وأما كونه يقتل على ما ذكره أبو الخطاب؛ فبالقياس على السحرة الذين يُقتلون. ونسَب المصنف ﵀ في الكافي: الأول: إلى توقف الإمام. وقوله لمّا ذُكر ذلك له: قد رخص فيه بعض الناس. والثاني: إلى قول أصحابنا.

стр. 2699

كتاب الأطعمة قال المصنف ﵀: (والأصل فيها الحِلّ. فيحل كل طعام طاهر لا مضرة فيه من الحبوب والثمار وغيرها). أما كون الأصل في الأطعمة الحِلّ؛ فلأنها خلقت للانتفاع بها. قال الله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، وقد نبَّهَ على ذلك قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرماً على طاعم يطعمه ... الآية﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وأما كون كل طعام طاهر لا مضرة فيه يحل؛ فلأن الحل الأصلي يدل عليه. وهو سالم عن معارضة النجس والمضر. فوجب أن يعمل عمله؛ لسلامته عن المعارض. وفي تقييد المصنف ﵀ الذي يحل بالقيود المذكورة احتراز من الشيء الذي لا يكون كذلك؛ لتمييز الحلال من الحرام. فالطاهر يحترز به عما ليس بطاهر وهو النجس. وسيأتي بعد دليل حرمته. ولا مضرة فيه يحترز به عما فيه مضرة؛ كالسموم وما أشبه ذلك؛ لأن جميع ما فيه مضرة حرام؛ لما يذكر بعد إن شاء الله تعالى. وقوله: من الحبوب والثمار؛ بيان لما يحل أكله مما جمع الصفات المتقدم ذكرها. وقوله: وغيرها؛ تنبيه على أن ما عدا الحبوب والثمار مما يجمع الطعم والطهارة وعدم المضرة حلال؛ كالحبوب والثمار المصرح بهما. قال: (فأما النجاسات؛ كالميتة والدم وغيرهما وما فيه مضرة من السموم ونحوها فمحرَّمة). أما كون الميتة والدم محرمين؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿حُرّمت عليكم الميتةُ والدم﴾ [المائدة: ٣]. ولأن أكل الميتة أقبح من الادِّهان بدهنها والاستصباح به وهو حرام؛ لما روي «أن النبي ﷺ سُئل عن شحوم الميتة: أيطلى بها السفن ويُدهن بها الجلود

стр. 2700

ويَستصبحُ بها الناس؟ فقال: لا. هو حرام» (١). فلأن يحرم ما هو أقبح من ذلك بطريق الأولى. وأما كون غير ذلك من النجاسات محرماً؛ فلأن النجس خبيث وقد حرم الله أكل الخبيث. وفي الحديث: «لما سئل عن فأرة وقعت في سمن: لا تقربوه» (٢). وفي الأكل قربانه، وذلك منهي عنه، والنهي يقتضي التحريم. وأما كون ما فيه مضرة من السموم محرماً؛ فلأن ذلك يقتل غالباً. فحرم أكله؛ لإفضائه إلى الهلكة. ولذلك عُدَّ من أطعمَ السُّمَّ لغيره قاتلاً. وأما كون ما فيه مضرة نحو (٣) السموم محرماً؛ فلمشاركتهِ السمومَ المضِرَّةَ الموجبةَ للهلكَة. قال: (والحيوانات مباحة إلا الحمر الأهلية، وما له ناب يفرس به؛ كالأسد والنمر والذئب والفهد والكلب والخنزير وابن آوى والسنور وابن عرس والنمس (٤) والقرد؛ إلا الضبع. وما له مخلب من الطير يصيد به؛ كالعقاب والبازي والصقر والشاهين والحدأة والبومة. وما يأكل الجيف؛ كالنسر والرخم [واللقلق وغراب البَيْن والأبْقَع. وما يستخبث؛ كالقنفذ والفأر والحيات والعقارب] (٥). والحشرات كلها. وما تولد من مأكول وغيره كالبغل، والسِمْع ولد الضبع من الذئب، والعِسْبَار ولد الذئبة من الذِّيخ). أما كون الحيوانات ما خلا المستثنى مباحة؛ فلما تقدم من أن الأصل في الأطعمة الحل. ولأن الله تعالى قال: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾ [المائدة: ١].
следующие страницы →