← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 20699

الممتع في شرح المقنع - ت ابن دهيش ط 3

ابن المنجى، أبو البركات

Полный текст (3 087 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

و «لأن النبي ﷺ نحر البُدن وذبحَ كبشين أملحَينِ ذبحهما بيده» (١) متفق عليه. قال: (فإن عجز عن ذلك مثل أن يند البعير أو يتردى في بئر فلا يقدر على ذبحه صار كالصيد إذا جرحه في أي موضع أمكنه فقتله حل أكله؛ إلا أن يموت بغيره مثل أن يكون رأسه في الماء فلا يباح). أما كون ما عجز عن ذبحه ونحره (٢) يصير كالصيد إذا جرحه في أي موضع من بدنه فقتله يحل أكله ما لم يمت بغيره؛ فلما روى رافع بن خديج قال: «كنا مع النبي ﷺ فندّ بعيرٌ وكان في القومِ خيلٌ يسيرةٌ. فطلبوه فأعياهم. فأهوى إليه رجلٌ بسهم. فقال النبي ﷺ : إن لهذه البهائمِ أوابدَ كأوابدِ الوحش. فما غلبَكُم فاصنعُوا به هكذا» (٣). وفي لفظ: «فما ندّ (٤) عليكم فاصنعُوا به هكذا» (٥) متفق عليه. و«خرج (٦) ثورٌ في بعض دور الأنصار فضربه رجلٌ بسيفٍ وذكر اسم الله. فسُئلَ عنه علي فقال (٧): ذكاة (٨) وحِيّةٌ. فأمرهم بأكله» (٩).

стр. 2732

و «تردّى بعير في بئرٍ فذكيَ من قبل شاكلته فبيعَ بعشرين درهماً فأخذ ابن عمر عشره بدرهمين» (١). وروي نحو ذلك عن مسروق والأسود (٢). رواهن سعيد. ولأن الاعتبار في الذكاة بحال الحيوان وقت ذبحه لا بأصله. بدليل الوحشي إذا قدر عليه وجبت ذكاته في الحلق واللبة. فكذلك الأهلي إذا توحش يعتبر بحاله. وأما كون ما عجز عنه لا يباح إذا فعل به ما تقدم ذكره ومات بغيره كما مثل المصنف ﵀؛ فلأن ذلك يعين على قتله فيحصل قتله به. أو بمبيح وحاظر. فوجب أن لا يباح؛ كما لو جرح الصيدَ مسلم ومجوسي. قال: (وإن ذبحها من قفاها وهو مخطئ فأتت السكين على موضع ذبحها وهي في الحياة: أُكلت. وإن فعله عمداً فعلى وجهين). أما كونه إذا ذبحها من قفاها وهو مخطئ فأتت (٣) السكين على موضع ذبحها وهي في الحياة تؤكل؛ فلأن الذبح قطعُ الحلقوم والمريء وقد وجد. وأما كون المذبوحة كذلك عمداً تؤكل على وجه؛ فلما ذكر في الخطأ. وأما كونها لا تؤكل على وجه؛ فلأن الجرح في القفا سبب لزهوق النفس، والجرح في الذبح سبب له فيحصل مبيح ومحرم. فيجب تغليب الحرمة؛ كما لو وقع رأس الذبيحة في الماء. فإن قيل: المعنى المذكور موجود في الخطأ. فيجب أن يُخَرَّج فيه الخلاف المذكور. قيل: ليس الأمر كذلك؛ لأن الخطأ قيل معناه: أن يلتوي عنق الذبيحة وذلك يقتضي صيرورتها معجوزاً عن ذبحها فيسقط اعتبار المحل؛ كالمتردية في بئر. على أن الأصح في العمد أنها تؤكل؛ لما ذكر في المذبوحة خطأ.

стр. 2733

قال: (وكل ما وجد فيه سبب الموت؛ كالمنخنقة والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع إذا أدرك ذكاتها وفيها حياة مستقرة أكثر من حركة المذبوح حلّت. وإن صارت حركتها كحركة المذبوح لم تحل). [أما كون المنخنقة والمتردية والنطيحة وأكيلة السبع إذا أُدركت وفيها حياة مستقرة أكثر من حركة المذبوح] (١) تحل؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿إلا ما ذكيتم﴾ [المائدة: ٣]، وفي حديث جارية كعب: «أنها أصيبت شاةٌ من غنمها. فأدركتْها فذبحتْها بحجرٍ. فسُئل النبي ﷺ فقال: كلُوها» (٢) ولم يستفصل. وأما كونها إذا صارت حركتها كحركة المذبوح لا تحل؛ فلأن المجوسي لو ذبح الحيوان ثم ذبحه مسلم لم يبح؛ لكون المذبوح خرج عن أهلية الذبح. فكذا ما ذكر لما لم تبق فيه حركة (٣) إلا كحركة المذبوح خرج عن أهلية الذبح.

стр. 2734

فصل [الشرط الرابع] قال المصنف ﵀: (الرابع: أن يذكر اسم الله عند الذبح وهو أن يقول: بسم الله. لا يقوم غيرها مقامها؛ إلا الأخرس فإنه يومئ إلى السماء). أما كون الرابع (١) من شروط الذكاة: أن يذكر اسم الله تعالى؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾ [الأنعام: ١٢١]. والفسق حرام؛ لقوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إلي محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتةً أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا ... الآية﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وأما كون ذلك عند الذبح؛ فلأن الله تعالى أمر به وأطلق، و «كان النبي ﷺ إذا ذبح سمى» (٢). فيحمل مطلق الآية على فعل النبي ﷺ . وأما كونه أن يقول: بسم الله لا يقوم غيرها مقامها إذا لم يكن أخرسًا (٣)؛ فلأن إطلاق التسمية ينصرف إلى ذلك. ولأن النبي ﷺ ثبت أنه قال عند الذبح: بسم الله فيحمل مطلق الآية عليه. وأما كون الأخرس يومئ برأسه (٤) إلى السماء؛ فلأن إشارته [تقوم مقام النطق. ولأن إشارته] (٥) تدل على قصد تسميته الذي في السماء. وفي الحديث «أن رسول الله ﷺ سأل الجاريةَ فقال لها: أينَ الله؟ فأشارتْ إلى السماء. فقال:

стр. 2735

أعتقْها فإنها مؤْمنَة» (١) جعل إشارتها علماً على [إيمانها. فلأن تجعل إشارتها علماً على] (٢) تسميتها بطريق الأولى. قال: (فإن ترك التسمية عمداً لم تبح. وإن تركها ساهياً أبيحت. وعنه: تباح في الحالين. وعنه: لا تباح فيهما). أما كون من ترك التسمية على ذبيحته عمداً لم تبح، وإذا تركها ساهياً أبيحت على المذهب؛ فلما روى راشد بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : «ذبيحةُ المسلمِ حلالٌ وإن لم يسم إذا لم يتعمد». وعن ابن عباس: «من نسيَ التسميةَ فلا بأس» (٣). ولأن ذلك قول ابن عباس ولم يعرف له مخالف في عصره فكان إجماعاً. وأما كونها تباح في الحالين أي في العمد والسهو على روايةٍ؛ فلأن النبي ﷺ قال (٤): «اسمُ الله في قلب كل مسلم» (٥). ولأن التسمية لو اشترطت لما حلت الذبيحة مع الشك في وجود التسمية؛ لأن الشك في الشرط شك في المشروط والذبيحة مع الشك في وجود التسمية حلال بدليل حل ذبيحة أهل الكتاب مع أن الأصل عدم التسمية منهم بل الظاهر أنهم لا يسمون وذلك أبلغ في المنع من الشك. فإن قيل: لا يصح حمل أمر أهل الكتاب في ترك التسمية على أن الأصل عدم إتيانهم بها؛ لأن ذلك مشترك بينهم وبين المسلم؟ قيل: ليس الأمر كذلك؛ لأنهما وإن اشتركا في ذلك، لكن المسلم عارض عدم إتيانه: أن الظاهر من حاله أنه يأتي بها، وذلك مفقود في أهل الكتاب. وأما كونها لا تباح إذا تركها فيهما على روايةٍ؛ فلعموم قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١].

стр. 2736

ولأن الشيء متى كان شرطاً لا يعذر في تركه سهواً (١). [دليله: الوضوء] (٢) مع الصلاة. قال: (وتحصل ذكاة الجنين بذكاة أمه إذا خرج ميتاً، أو متحركاً؛ كحركة المذبوح. وإن كانت فيه حياة مستقرة لم يبح إلا بذبحه. وسواء أشعر أو لم يشعر). أما كون ذكاة الجنين تحصل بذكاة أمه إذا خرج ميتاً أو متحركاً كحركة المذبوح؛ فلما روى أبو سعيد قال: «قيل: يا رسول الله! إنّ أحدنا ينحرُ الناقةَ ويذبحُ البقرةَ والشاةَ فيجد في بطنها الجنينَ أنأكلُه أم نلقِه؟ قال: كلُوه إن شئتُم فإنَّ ذكاتَهُ ذكاةُ أمه» (٣). وعن جابر عن النبي ﷺ قال: «ذكاةُ الجنينِ ذكاةُ أمه» (٤). رواهما أبو داود. ولأن الجنين متصل بها اتصال خلقة يتغذى بغذائها. فتكون ذكاته بذكاتها؛ كأعضائها. ولأن الذكاة في الحيوان تختلف على حسب الإمكان والقدرة، ولا يمكن ذبح الجنين قبل انفصاله إلا بأن تجعل ذكاة أمه ذكاته. وأما كونه إذا كانت فيه حياة مستقرة لا يباح إلا بذبحه؛ فلأنه حيوان صار مقدوراً على ذبحه بنفسه. فلم يبح بذكاة غيره؛ كغير الجنين. ولأن إباحة الجنين بذكاة أمه ملحوظ فيه العجز عن ذكاته، وذلك منتفٍ فيما فيه حياة مستقرة. وأما كون ما أشعر وما لم يشعر سواء؛ فلأن الحديث مطلق لا تقييد فيه. فلم يجز تقييده بغير دليل.

стр. 2737

فصل [في مكروهات الذبح] قال المصنف ﵀: (ويكره توجيه الذبيحة إلى غير القبلة، والذبح بآلة كالّة. وإن يحد السكين والحيوان يبصره (١). وإن يكسر عنق الحيوان، أو يسلخه حتى يبرد. فإن فعل (٢) أساء وأُكلت). أما كون توجيه الذبيحة إلى غير القبلة يكره؛ فلأنه خلاف فعل النبي ﷺ . فإنه روي «أنه ضحى ووجّه (٣) أضحيته إلى القبلة وقال: ﴿وجهت وجهي ... الآيتين﴾ [الأنعام: ٧٩، ١٦٢]» (٤). ولأن الذبح قد يكون قربة؛ كذبح الأضحية. فكره توجيه الذبيحة إلى غير القبلة؛ كالأذان. وأما كون الذبح بآلة كالّة يكره؛ فلأن في ذلك تعذيباً للحيوان، وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: «إذا ذبحتمْ فأحسنِوا الذِّبحة. وليحدَّ أحدُكمْ شفرتَه، وليُرِحْ ذبيحَتَه» (٥). رواه أبو داود.

стр. 2738

وأما كون حَدِّ السكين والحيوان يبصره يكره؛ فـ «لأن عمر ﵁ رأى رجلاً قد وضعَ رجله على شاةٍ وهو يحد السكينَ. فضربهُ حتى أفلتتِ الشاة» (١). وأما كون كسر عنق الحيوان وسلخه قبل برده يكره؛ فلأن في ذلك تعذيباً للحيوان. وأما كون من فعل ذلك كله أساء؛ فلارتكابه فعل المكروه. وأما كون ذبيحته تؤكل؛ فلأنه لم يوجد سبب يقتضي تحريمها (٢). قال: (وإذا ذبح الحيوان ثم غرق في ماء، أو وطئ عليه شيء يقتله مثله فهل يحل؟ على روايتين). أما كون ما ذكر يحل على روايةٍ؛ فلحصول ذبحه، وطرآن الأسباب المذكورة حصل بعد الموت بالذبح. فلم يؤثر ما أصابه بحصوله بعد الحكم بحله. وأما كونه لا يحل على روايةٍ؛ فلأن الماء والوطء أعان على قتله فيغلب حكمه؛ لاجتماع المبيح والحاظر، وفي الحديث: «إنْ وقعَ في الماءِ فلا تأكُل» (٣).

стр. 2739

قال: (وإذا ذبح الكتابي ما يحرم عليه كذي الظفر لم يحرم علينا. وإن ذبح حيواناً غيره لم تحرم علينا الشحوم المحرمة عليهم وهو شحم الثِّرب والكليتين في ظاهر كلام أحمد رحمه الله تعالى (١). واختاره ابن حامد وحكاه عن الخرقي في كلام مفرد، واختار أبو الحسن التميمي والقاضي تحريمه. وإن ذبح لعيده أو ليتقرب به إلى شيء مما يعظمونه لم يحرم. نص عليه). أما كون الكتابي إذا ذبح ما يحرم عليه كذي الظفر وهو الإبل والنعام والبط وما ليس بمشقوق الأصابع لا يحرم علينا؛ فلأن كونه محرماً (٢) عليه لا يوجب تحريمه. بدليل الشحوم المحرمة عليه الآتي ذكرها. ولأن الله تعالى أباح لنا طعامهم، وذلك يستلزم كونهم أهلاً للذبح، وإذا كانوا كذلك كان ما ذبحوه مما ذكر ذبحاً صدر من أهله. فلم يحرم علينا؛ كغيره من الذبائح. وأما كونه إذا ذبح حيواناً غير ما يحرم عليه لا تحرم علينا الشحوم المحرمة على أهل الكتاب في ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلما روى عبدالله بن مغفل قال: «دُلِّيَ جرابٌ من شحمٍ [من قصرِ خيبر] (٣). فبرزتُ لآخذه فإذا رسول الله ﷺ يتبسم إليّ» (٤) متفق عليه. ولأن ذكاة الكتابي ذكاة أباحت اللحم والجلد. فأباحت الشحم؛ كذكاة المسلم. وأما كونه يحرم في اختيار أبي الحسن والقاضي؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وطعامُ الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: ٥]، وليس الشحوم المذكورة [من طعامهم.

стр. 2740

ولأن الشحوم المذكورة] (١) جزء من الذبيحة لم تُبح لذابحها. فلم تبح لغيره؛ كالدم. والأول أصح؛ لما تقدم. والآية حجة للحل؛ لأن معنى طعامهم: ذبائحهم. كذلك فسره العلماء. وأما كون الشحوم المحرمة على الكتابي شحم الثِّرب والكليتين؛ فلأن السدي قال في تفسير قوله تعالى: ﴿ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما﴾ [الأنعام: ١٤٦] هي: شحم الثرب والكلى. فإن قيل: ما الفرق بين ذي الظفر وبين الشحوم المذكورة حيث لا خلاف في الأول وفي الثاني خلاف؟ قيل: الخلاف فيهما صرح به المصنف في المغني فإذاً لا فرق فيه. وأما كونه إذا ذبح لعيده أو ليتقرب به إلى شيء مما يعظمونه لا يحرم على منصوص الإمام أحمد؛ فلأن الذابح قصد الذكاة وهو ممن تحل ذبيحته. وقال ابن عقيل في فصوله: وعندي أنه يكون ميتة؛ لقوله تعالى: ﴿وما أهل به لغير الله﴾ [البقرة: ١٧٣]. قال: (ومن ذبح حيواناً فوجد في بطنه جراداً، أو طائراً فوجد في حوصلته حباً، أو وجد الحب في بعر الجمل لم يحرم. وعنه: يحرم). أما كون ما وُجد من الجراد في بطن الحيوان إذا ذبح لا يحرم على المذهب؛ فلعموم قوله ﷺ : «الحل (٢) ميتته» (٣). ولأنه حيوان لا يعتبر له ذبح. فيباح أكله؛ كغير المأكول. وأما كونه يحرم على روايةٍ؛ فلأنه مأكول. فلم يؤكل مرة أخرى؛ كالطعام المأكول إذا أخرجه الآكل من جوفه بعد أكله.

стр. 2741

وأما كون ما وجد في حوصلة الطائر وفي بعر الجمل من الحب لا يحرم على المذهب؛ فبالقياس على الجراد المذكور قبل. وأما كونه يحرم على روايةٍ؛ فلأنه مأكول مرة فلا يؤكل أخرى.

стр. 2742

كتاب الصيد الأصل في إباحته الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿أُحِلّ لكم صيد البحر وطعامه متاعاً لكم وللسيارة﴾ [المائدة: ٩٦]، وقوله تعالى: ﴿يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مُكَلِّبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه﴾ [المائدة: ٤]. وأما السنة فما روى أبو ثعلبة الخشني قال: «أتيتُ رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! إنا بأرضِ صيدٍ. أصيدُ بقوسي، وأصيدُ بكلبي المعلم، وأصيدُ بالكلب الذي ليسَ بمعلّم، فأخبرني ماذا يصلحُ لي؟ قال: ما صدتَ بقوسِكَ وذكرتَ اسمَ اللهِ عليهِ فكُل، وما صدتَ بكلبكَ المعلّم وذكرتَ اسمَ اللهِ عليهِ فكُل، وما صدتَ بكلبكَ الذي ليس بمعلّم فأدركتَ ذكاتَهُ فكُل» (١). وعن عدي بن حاتم قال: «قلت: يا رسول الله! إنا نرسلُ الكلبَ المعلّم فيمسك علينا. قال: كُلْ. قلت: فإن قتل (٢). قال: كلْ ما لم يشركْه كلبٌ غيره. قال: وسُئلَ رسول الله ﷺ عن صيد المعْراض فقال: ما خَزَقَ فكُل، وما قَتَلَ بعرْضِهِ فلا تأكُل» (٣) متفق عليه. وأما الإجماع؛ فأجمع المسلمون في الجملة على إباحة الاصطياد والأكل من الاصطياد.

стр. 2743

قال المصنف ﵀: (ومن صاد صيداً فأدركه حيًّا حياة مستقرة لم يحل إلا بالذكاة، فإن خشي موته ولم يجد ما يذكيه أرسل الصائد له (١) عليه حتى يقتله في إحدى الروايتين واختاره الخرقي، فإن لم يفعل وتركه حتى مات لم يحل، وقال القاضي: يحل، والرواية الأخرى لا يحل، إلا أن يذكيه). أما كون الصيد إذا أُدرك حياًّ حياة مستقرة لا يحل إلا بالذكاة؛ فلأنه يصير مقدوراً عليه. أشبه سائر ما قدر على ذكاته. وأما كونه يحل بإرسال الصائد عليه حتى يقتله إذا خشي موته ولم يجد ما يذكيه في روايةٍ؛ فلأنه صيد قتله الجارح له من غير إمكان ذكاته فأبيح؛ كما لو أدركه ميتاً. ولأنها حال يتعذر فيها الذكاة في الحلق واللبة غالباً. فجاز أن تكون ذكاته على حسب الإمكان؛ كالمتردية في بئر. وأما كونه لا يحل بذلك في روايةٍ؛ فلأنه ما ذكاه. أشبه ما لو تركه حتى مات. وكلام المصنف ﵀ مشعر بأنه إذا لم يخش موته ووجد (٢) ما يذكي به لم يحل إلا بالذكاة رواية واحدة. وهو صحيح؛ لأنه يصير مقدوراً (٣) على ذكاته. وأما كونه لا يحل إذا لم يرسل عليه الصائد وتركه حتى مات على المذهب؛ فلأن الإرسال ذكاة لما تقدم، ولو قدر على ذكاة الصيد فلم يذكه [حتى مات] (٤) لم يحل فكذا هاهنا. وأما كونه يحل على قول القاضي؛ فلأن إدراك الصيد بلا آلة يذكيه بها كلا إدراك، ولو لم يدركه حياً يحل فكذا إذا أدركه حياً وليس معه ما يذكيه به.

стр. 2744

قال: (وإن رمى صيداً فأثبته ثم رماه آخر فقتله لم يحل، ولمن أثبته قيمته مجروحاً على قاتله؛ إلا أن يصيب الأول مقتله دون الثاني أو يصيب الثاني مذبحه فيحل وعلى الثاني ما خرق من جلده). أما كون من رمى صيداً فأثبته من غير أن يصيب مقتله ثم رماه آخر فقتله من غير أن يصيب مذبحه لا يحل؛ فلأن بإثبات الأول صار مقدوراً على تذكيته والثاني لم يذكه. فوجب أن لا يحل؛ لعدم الذكاة المشترطة. وأما كون من أثبته له قيمته مجروحاً على قاتله؛ فلأن مثبته ملكه بإثباته والقاتل قتله مجروحاً. فوجبت قيمته مجروحاً لمثبته؛ لأنه مالكه. وأما كونه يحل إذا أصاب الأول مقتله؛ فلأن قتل الصيد بمنزلة ذكاته. وظاهر كلام المصنف ﵀ هنا: أنه يشترط في حل الصيد بإصابة الأول مقتله أن لا يصيب ذلك الثاني مقتلاً (١). وهو صحيح. قال في المغني: لو أصاب الثاني أيضاً مقتلاً لم يحل وكلام الخرقي يحتمله وذلك قوله: إذا ذبح فأتى على المقتل (٢) فلم تخرج الروح حتى وقعت (٣) في الماء، أو وطئ عليها شيء لم تؤكل. ثم قال: وقال القاضي وغيره من أصحابنا: يحل؛ لأن رمي الثاني لا أثر له. وأما كونه يحل إذا أصاب الثاني مذبحه؛ فلأن الواجب الذكاة وقد صادف فعل الثاني محلها وحصلت. وأما كون الثاني عليه ما خرق من جلده؛ فلأنه لم يُتلف سوى ذلك.

стр. 2745

قال: (وإن أدرك الصيد (١) متحركاً كحركة المذبوح فهو كالميت. ومتى أدركه ميتاً حل بشروط أربعة: أحدها: أن يكون الصائد من أهل الذكاة، فإن رمى مسلم ومجوسي صيداً، أو أرسلا عليه جارحاً، أو شارك كلب المجوسي كلب المسلم في قتله: لم يحل). أما كون الصيد إذا أُدرك متحركاً كحركة المذبوح كالميت؛ فلأنه كذلك في كثير من الأحكام. فكذلك هاهنا. وأما كونه إذا أُدرك ميتاً أحل في الجملة؛ فلأن الاصطياد أُقيم مقام الذكاة، والجارح آلة كالسكين، وعقره للحيوان بمنزلة إفراء الأوداج. وأما كون الحل يشترط فيه شروط أربعة؛ فلما يأتي ذكره فيها. وأما كون أحدها: أن يكون الصائد من أهل الذكاة؛ [فلأن صيده بمنزلة الذكاة فاشترط في المذكى. فعلى هذا إذا رمى مسلم ومجوسي صيداً، أو أرسلا عليه جارحاً، أو شارك كلب مجوسي كلب مسلم في قتله لا يحل؛ لأن المجوسي ليس من أهل الذكاة] (٢). قال: (وإن أصاب سهم أحدهما المقتل دون الآخر فالحكم له. ويحتمل أن لا يحل. وإن رد كلب المجوسي الصيد على كلب المسلم فقتله حل). أما كون الحكم لمن أصاب سهمه المقتل؛ فلأنه هو القاتل فوجب أن يترتب عليه الحكم. وأما كونه يحتمل أن لا يحل؛ فلاجتماع المبيح والمحرم في الجملة. وأما كونه يحل إذا رد كلبُ المجوسي الصيدَ على كلب المسلم فقتله؛ فلأن العبرة بالقتل، والقاتل (٣) كلب المسلم.

стр. 2746

قال: (وإن صاد المسلم بكلب المجوسي حل. وعنه: لا يحل. وإن صاد المجوسي بكلب مسلم لم يحل). أما كون المسلم إذا صاد الصيد بكلب المجوسي يحل على المذهب؛ فلأن الجارح آلة. فإذا اصطاد به مسلم وجب أن يحل؛ كالقوس والسهم. وعن ابن المسيب: هو بمنزلة شفرته. وأما كونه لا يحل على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وما عَلَّمْتم من الجوارح﴾ [المائدة: ٤]. وكلب المجوسي غير معلم من مسلم. وأما كون المجوسي إذا صاد بكلب المسلم (١) لا يحل؛ فلأن الصائد ليس من أهل الذكاة. فلم يحل صيده؛ كما لو رمى صيداً بكلب مسلم وقوسه. قال: (وإن أرسل المسلم كلباً فزجره المجوسي حل صيده. وإن أرسله مجوسي فزجره مسلم لم يحل). أما كون الصيد يحل (٢) إذا كان المرسل مسلماً والزاجر مجوسياً؛ فلأن العبرة بالإرسال. بدليل التسمية عنده والمرسل من أهل الذكاة؛ لأنه مسلم. وأما كونه لا يحل إذا كان المرسل مجوسياً والزاجر مسلماً؛ فلما ذكر من أن العبرة بالإرسال، والمرسل ليس من أهل الذكاة؛ لأنه مجوسي.

стр. 2747

فصل [في آلة الصيد] قال المصنف ﵀: (الثاني: الآلة. وهي نوعان: محدد. فيشترط (١) له ما يشترط لآلة الذكاة، ولا بد من جرحه به، فإن قتله بثقله لم يبح. وإن صاد بالمعراض أكل ما قتل بحده دون عرضه). أما كون الثاني من شروط حل الصيد إذا أُدرك (٢) ميتاً الآلة؛ فلأنها مما لا بد منها. ولأنها شرط في الذبح فكذا (٣) في الصيد. وأما كونها نوعين؛ فلأنها تارة تكون محدداً، وتارة تكون جارحاً. وأما كون المحدد يشترط له ما يشترط لآلة الذكاة؛ فلما تقدم من أن الصيد ذكاة. فيجب أن يشترط للمحدد من (٤) آلته ما يشترط لآلة الذكاة. وأما كونه لا بد من جرح الصيد به؛ فـ «لأن النبي ﷺ لما سُئل عن الصيد بالمعراض قال: ما خَزَقَ فكُل» (٥). وأما كونه إذا قتل الصيد بثقله لا يباح؛ فلأن ذلك في معنى قتل المعراض بعرضه. وسيأتي ذكره. وأما كون ما صيد بالمعراض فقتل بحده يؤكل دون عرضه؛ فلأن النبي ﷺ قال في الحديث المتقدم: «ما خَزَقَ فكُل، وما قَتَلَ بعرضِهِ فلا تأكُل» (٦) متفق عليه.

стр. 2748

قال: (وإن نصب مناجل أو سكاكين وسمى عند نصبها فقتلت صيداً أبيح. وإن قتل بسهم مسموم لم يبح إذا غلب على الظن أن السم أعان على قتله). أما كون الصيد يباح إذا قتلته المناجل أو السكاكين المسمى عند نصبها؛ فلأن النصب جرى مجرى المباشرة في الضمان فكذلك في الإباحة. ولأنه إذاً (١) قتل الصيد بحديدة على الوجه المعتاد. أشبه ما لو رماه بها. ولأنه قصد قتل الصيد بما له حد جرت العادة بالصيد به. فوجب أن يحل؛ كما لو باشره بذلك. وأما كونه لا يباح إذا قتل بسهم مسموم غلب على الظن إعانة السم على قتله؛ فلأنه اجتمع مبيح ومحرم وذلك موجب فغلب المحرم. قال: (ولو رماه فوقع في ماء، أو تردّى من جبل، أو وطئ عليه شيء فقتله: لم يحل؛ إلا أن يكون الجرح موحياً؛ كالذكاة فهل يحل؟ على روايتين. وإن رماه في الهواء فوقع على الأرض فمات حل). أما كون ما رمي فوقع في ماء، أو تردَّى من جبل، أو وطئ عليه شيء فقتله لا يحل إذا لم يكن الجرح موحياً؛ فلأنه يغلب على الظن موته بالماء، أو بالتردي، أو بالوطء عليه. وأما كونه لا يحل إذا كان الجرح موحياً على روايةٍ؛ فلاجتماع المبيح والمحرم المقتضي للحرمة. دليله: المتولد من المأكول وغير المأكول. وأما كونه يحل على روايةٍ؛ فلأن الظاهر نسبة الزهوق إلى الجرح الموحي، وذلك يقتضي الحل. وأما كون ما رُمي في الهواء فوقع في (٢) الأرض فمات [يحل؛ فلأن] (٣) الظاهر زهوق روحه بالرمي لا بالوقوع. ولأن الوقوع على الأرض لو منع من الحل لأدى إلى أنه لا يحل طائر؛ لتعذر عدم إصابته الأرض.

стр. 2749

قال: (وإن رمى صيداً فغاب عنه ثم وجده ميتاً لا أثر به غير سهمه حل. وعنه: إن كانت الجراح موحية حل، وإلا فلا. وعنه: إن وجده في يومه حل، وإلا فلا. وإن وجد به غير أثر سهمه مما يحتمل أن يكون أعان على قتله لم يبح). أما كون من رمى صيداً فغاب عن راميه ثم وجده ميتاً ولا أثر به غير سهمه يحل على المذهب سواء كانت الجراحة موحية أو لم تكن، وسواء وجده في يومه أو في غير يومه؛ فلعموم ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! أفْتِنِي في سهمي. قال: ما ردّ عليكَ سهمكَ فكُل. قال: وإن تغيّبَ عني؟ قال: وإن تغيّب عنك ما لم تجدْ فيه أثراً غير سهمكَ، أو تجده قد ضلَّ» (١). رواه أبو داود. وروى أبو داود بإسناده عن أبي ثعلبة الخشني عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا رميتَ الصيدَ فأدركتَهُ بعد ثلاثٍ وسهمُكَ فيه فكُل ما لم يُنْتِن» (٢). ولأن جرحه بسهمه سبب إباحته وقد وجد يقيناً، والمعارض له مشكوك فيه فلا يزول عن اليقين بالشك. وأما كونه يحل إذا كانت الجراح موحية ولا يحل إذا لم تكن موحية على روايةٍ؛ فلأن الجرح إذا كان موحياً ظهر إسناد الزهوق إليه، وإذا لم يكن موحياً لم يظهر إسناد الزهوق إليه. وأما كونه إذا وجده في يومه حل وإلا فلا في روايةٍ؛ فلما روي عن ابن عباس أنه قال: «إذا رميتَ فأقعصت فكُل، وإن رميتَ فوجدتَ فيه سهمكَ من يومِكَ أو ليلتِكَ فكُل، وإن غابَ عنكَ فلا تأكُل فإنّكَ لا تدري ما حدثَ فيه بعدَك». وقال: «ما أصميتَ فكُل وما أنميتَ فلا تأكُل». قال الحكم: الإصماء: الأقعاص، والإنماء أن يغيب. قال الشاعر:

стр. 2750

فهو لا تنمي رميته ... ماله لا عد من نفره والأول أولى؛ لما تقدم. ولأن الظاهر موته بجرحه سواء كان موحياً أو لم يكن، وسواء غاب عنه يوماً أو أكثر؛ لأن التقدير أنه ليس به أثر غير أثر سهمه. وأما حديث ابن عباس فيمكن حمله على الأولى جمعاً بينه وبين قول النبي ﷺ . على أنه لو كان بينهما تعارض لكان قول النبي ﷺ هو الذي يجب اتباعه دون غيره. فإن قيل: كلام النبي ﷺ مطلق وكلام ابن عباس مقيد فيجب حمل المطلق على المقيد؛ لأن كلام ابن عباس يقع مبيناً لكلام الرسول ﷺ . قيل: كلام النبي ﷺ وإن كان هنا مطلقاً إلا أنه قد جاء مصرحاً بعدم اعتبار اليوم. وهو ما روى عدي عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا رميتَ الصيدَ فوجدته بعد يومين ليسَ فيه إلا أثرُ سهمِكَ فكُل» (١). وفي الجملة إذا لم يضبط ذلك باليوم فلا بد من ضبطه بأن تكون المدة يسيرة؛ لأن المدة إذا طالت ضعُف إسناد الزهوق إلى الجرح، وقد نبه الشرع على ذلك في الجملة؛ لأن في حديث عدي: «بعدَ يومٍ أو يومين» (٢)، وفي حديث أبي ثعلبة: «فوجدَهُ بعدَ ثلاث» (٣)، وفي حديث ابن عباس: «بعدَ يوم». وأما كونه لا يحل إذا وجده وبه غير أثر سهمه مما يحتمل أن يكون أعان على قتله؛ فلأن النبي ﷺ اشترط في حل الصيد ذلك فقال في حديث عدي: «ليسَ به إلا أثرُ سهمك» (٤)، وفي حديث عمرو بن شعيب: «ما لم تجدْ فيه أثراً غيرَ

стр. 2751

سهمك» (١)، وفي حديث عدي من رواية الدارقطني: «وإن وجدت به أثر غيركَ فلا تأكله فإنكَ لا تدري أقتلتهُ أنتَ أمْ غيرُك» (٢). قال: (وإن ضربه فأبان منه عضواً وبقيت فيه حياة مستقرة لم يبح ما أبان منه. وإن بقي معلقاً بجلدة حل. وإن أبانه ومات في الحال حل الجميع. وعنه: لا يباح ما بان (٣) منه. وإن أخذ قطعة من حوت وأفلت حياً أبيح ما أخذ منه). أما كون ما أبين من صيد وبقيت فيه حياة مستقرة لا يباح؛ فلأنه أبين من حيٍّ فيكون ميتاً؛ لقول رسول الله ﷺ : «ما أُبينَ من حي فهو ميت» (٤). وأما كونه إذا بقي معلقاً بجلدة يحل؛ فلأن الموجب لتحريمه بينونته وهي مفقودة هاهنا. وأما كونه إذا مات الصيد في الحال يحل الجميع على المذهب؛ فكما لو قطع الصيد قطعتين. وأما كون (٥) ما بان منه لا يباح على روايةٍ؛ فلقوله ﷺ : «ما أُبينَ من حيٍّ فهو ميت» (٦). ولأن ما أبين منه لا يمنع بقاء الحياة في العادة. فلم يبح؛ كما لو أدركه الصياد وفيه حياة مستقرة. والأول هو المشهور قاله المصنف في المغني، ووجهه ما تقدم.

стр. 2752

وأما الحديث فالمراد به: ما قطع وكان الباقي حياً حتى يكون المنفصل منه ميتاً. ألا ترى إلى المذبوح فإنه ربما بقي ساعة، وربما مشى حتى يموت ومع هذا فهو حلال وفاقاً مع أنه يصح أن يقال: أبين من حي. وأما كون من أخذ قطعة من حوتٍ وأفلتَ حياً يُباح ما أخذ منه؛ [فلأن غاية ما يُقدر أن ذلك ميتة، وميتة الحوت حلال؛ لقول رسول الله ﷺ ] (١) في البحر: «هو الطهورُ ماؤُه الحلُّ ميتَتُه» (٢). قال: (وأما ما ليس بمحدد كالبندق والحجر والعصا والشبكة والفخ فلا يباح ما قتل به؛ لأنه وقيذ). أما كون ما ليس بمحدد لا يباح ما قتل به؛ فلما ذكر المصنف ﵀ من أنه وقيذ. والوقيذ حرام؛ لأن الله تعالى قال: ﴿حُرّمت عليكم الميتة -إلى قوله-: والموقوذة والمتردية﴾ [المائدة: ٣]. ولأن القتل بغير ذلك قتل بغير محدد. فوجب أن لا يباح؛ كما لو ضرب الشاة بعصا فماتت. وأما قول المصنف ﵀: كالبندق ... إلى والفخ (٣)؛ فتمثيل لصور من صور ما ليس بمحدد. قال: (النوع الثاني: الجارحة. فيباح ما قتلته إذا كانت معلمة، إلا الكلب الأسود البهيم فلا يباح صيده). أما كون النوع الثاني من نوعي الآلة: الجارحة؛ فلأنها آلة. أشبهت المحدد. وأما كون ما قتلته يباح في الجملة غير الكلب الأسود البهيم؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وما عَلَّمتم من الجوارح مُكَلّبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ [المائدة: ٤]. وأما كون ذلك يشترط أن تكون معلمة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وما علّمتم من الجوارح﴾ [المائدة: ٤]، وفي حديث أبي ثعلبة الخشني: «وما صدت بكلبكَ

стр. 2753

المعلّم وذكرتَ اسمَ اللهِ تعالى فكُل، وما صدتَ بكلبكَ الذي ليس بمعلّم فأدركتَ ذكاتَهُ فكُل» (١). وأما كون ما صاده الكلب الأسود البهيم لا يباح؛ فلأن الكلب الأسود البهيم كلب يحرم اقتناؤه ويجب قتله. فلم يبح صيده؛ كغير المعلم. ودليل تحريم اقتناؤه قوله ﷺ : «اقتلوا منها كلَّ أسودٍ بَهيم» (٢). رواه سعيد بن منصور بإسناده عن عبدالله بن مغفل عن النبي ﷺ . وفي لفظ لمسلم (٣) قال: «أمرَ رسولُ الله ﷺ بقتل الكلابِ ثم نَهَى عن قتلها. فقال: عليكم بالأسودِ البهيمِ ذي النقْطَتَين فإنه شيطان» (٤). ولأن النبي ﷺ قال: «الكلبُ الأسودُ شيطان» (٥)، واقتناء الشيطان لا يجوز. قال: (والجوارح نوعان: ما يصيد بنابه؛ كالكلب والفهد فتعليمه بثلاثة أشياء: أن يسترسل إذا أُرسل، وينزجر إذا زُجر، وإذا أمسك لم يأكل. ولا يعتبر تكرر ذلك منه، فإن أكل بعد تعلمه لم يحرم ما تقدم من صيده، ولم يبح ما أَكل منه في إحدى الروايتين، والأخرى يحل). أما كون الجوارح نوعين؛ فلأن منها ما يصيد بنابه، [ومنها ما يصيد بمخلبه. وأما كون ما يصيد بنابه] (٦) من الجوارح؛ كالكلب والفهد تعليمه: أن يسترسل إذا أُرسل، وينزجر إذا زُجر، وإذا أمسك لم يأكل: أما الأول والثاني؛ فلأن العادة في الجوارح المعلمة ذلك فإذا لم يكن كذلك لم يدخل في عموم قوله

стр. 2754

تعالى: ﴿وما علّمتم من الجوارح﴾ [المائدة: ٤] فلم يكن صيدها حلالاً طيباً؛ لأن الحل مرتب على الصيد بالمعلم للآية المذكورة والخبر المتقدم ذكره. ومقتضى كلام المصنف ﵀ اشتراط ذلك في الكلب والفهد وعليه يقاس كل جارح. وقال في المغني: لا أحسب هذا المعنى في غير الكلب؛ لأنه هو الذي يجيب صاحبه إذا دعاه وينزجر إذا زجره، والفهد لا يكاد يجيب داعياً وإن عد معلماً [فيكون التعليم في حقه تركُ الأكلِ خاصة، أو بما يعده به أهل العرف معلماً] (١). هذا نصه. فإن قيل: الانزجار المعتبر في الجارح هو بعد الإرسال على الصيد. قيل: لا؛ لأن ذلك لا يتصف به جارحة. وإنما المعتبر كونه ينزجر بالزجر فيما قبل ذلك. وأما الثالث وهو: أنه إذا أمسك لم يأكل؛ فلأن النبي ﷺ قال في حديث عدي: «إذا أرسلتَ كلبكَ المعلّم وذكرتَ اسم الله عليه فكُل مما أمسكَ عليك. قلت: وإن قتل؟ قال: وإن قتل، إلا أن يأكل الكلبُ فإن أكلَ فلا تأكلْ فإني أخافُ أن يكونَ إنما أمسكَ على نفسه» (٢) متفق عليه. وأما كون عدم (٣) تكرير الأكل من الجارحة لا يعتبر؛ فلأنه تعلم صنعة فلا يعتبر فيه التكرر؛ كسائر الصنائع. وقد أضاف المصنف ﵀ ما ذكر في المغني إلى الشريف أبي جعفر وأبي الخطاب. ونقل عن القاضي أنه قال: لعل ذلك ثلاث (٤) مرار. وعلله بأن ترك الأكل يحتمل أن يكون لشبع، ويحتمل أنه لتعلم فلم يتميز أحدهما عن الآخر إلا بالتكرر وما اعتبر تكراره اعتبر ثلاثاً؛ كالمسح في الاستجمار وعدد الأقراء.

стр. 2755

وأما كونه إذا أكل من صيد بعد تعلمه لا يحرم ما تقدم من صيده؛ فلأنه كان معلماً حين الاصطياد. فلم يضر نسيانه بعد ذلك. ودليل كونه معلماً: جواز الإقدام على صيده المذكور قبل ذلك. وأما كون ما أكل منه لا يباح في روايةٍ؛ فلما تقدم من قوله ﵇: «فإن أكلَ فلا تأكُل» (١). وأما كونه يحل في روايةٍ؛ فلأنه ثبت [كونه معلماً، والأكل يحتمل أن يكون لنسيان أو لفرط جوع فلا يترك] (٢) ما ثبت يقيناً للاحتمال. والحديث محمول على كلبٍ لم يثبت تعليمه. قال: (والثاني: ذو المخلب؛ كالبازي والصقر والعقاب والشاهين فتعليمه بأن يَسترسلَ إذا أُرسل، ويجيبَ إذا دُعي. ولا يعتبر تركُ الأكل). أما كون النوع الثاني من نوعي الجوارح ذا المخلب؛ فلأنه جارح. أشبه ذا الناب. وأما كون ذي المخلب تعليمه أن يَسترسلَ إذا أُرسل، ويجيبَ إذا دُعي؛ فلما تقدم في الكلب. وأما كون ترك (٣) الأكل لا يعتبر؛ فلما روى الخلال بإسناده عن ابن عباس قال: «فإن أكلَ الكلبُ فلا تأكُل وإن أكلَ الصقرُ فكُل؛ لأنك تستطيعُ أن تضربَ الكلبَ ولا تستطيعُ أن تضربَ الصقر» (٤). ولأن جوارح الطير تعلم بالأكل ويتعذر تعليمها مع ترك الأكل. فلم يقدح الأكل في تعليمها. بخلاف الكلب. فإن قيل: فقد روى الشعبي عن عدي عن النبي ﷺ قال: «فإن أكلَ الكلبُ والبازُ فلا تأكُل» (٥).

стр. 2756

قيل: الحديث يرويه مجالد وهو ضعيف والروايات الصحيحة تخالفه. قال: (ولا بد أن يجرح الصيد. فإن قتله بصدمته أو خنقه لم يبح. وقال ابن حامد: يباح). أما كون الجارح لا بد أن يجرح الصيد؛ فلأن قتله بغيره لا يبيحه؛ لما يأتي ذكره فيه بعد. وأما كونه إذا قتله بصدمته أو خنقه لا يباح على المذهب؛ فلأنه إذا قتله بذلك يكون موقوذاً، والله حرمه. ولأن قول النبي ﷺ : «ما أنهرَ الدم وذكر اسم الله عليه فكُل» (١): يدل على أنه لا يباح ما لم ينهر الدم. وأما كونه يباح على قول ابن حامد؛ فلعموم قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ [المائدة: ٤]، وعموم قوله: «إذا أرسلتَ كلبَكَ المعلّم فكُل» (٢). والأول أولى؛ لأن العموم في الآية والخبر مخصوص بما ذكر من الدليل الدال على عدم إباحته المتقدم ذكره. قال: (وما أصابه فم الكلب فهل يجب غسله؟ على وجهين). أما كون ما أصابه فم الكلب لا يجب غسله على وجه؛ فلأن الله تعالى ورسوله أمر بأكل صيده ولم يأمر (٣) بغسله. وأما كونه يجب غسله على وجه؛ فلأنه قد (٤) تنجس بنجاسته. فوجب أن يغسل؛ كما لو أصابه بول.

стр. 2757

فصل [في نية الصيد] قال المصنف ﵀: (الثالث: إرسال الآلة قاصداً للصيد. فإن استرسل الكلب أو غيره بنفسه لم يبح صيده وإن زجره، إلا أن يزيد عدوه بزجره فيحل). أما كون الثالث من شروط حل الصيد إذا أُدرك ميتاً: إرسال الآلة؛ فلأن النبي ﷺ رتب الحل على الإرسال فقال في حديث عدي: «إذا أرسلتَ كلبَكَ وذكرتَ اسم الله فكُل» (١). وأما كون الصائد يقصد الصيد عند الإرسال؛ فلأن المرسل إذا لم يقصد ذلك كأن إرساله وجوده كعدمه. وفي قوله ﷺ : «إذا أرسَلْتَ»: إشعار بالقصد من حيث إنه أضاف الإرسال إليه. وأما كون الكلب وغيره إذا استرسل بنفسه فلا يباح صيده؛ فلأن الإرسال للصائد شرطٌ له ولم يوجد. وأما كون الصيد لا يباح وإن زجر المرسل الجارح إذا لم يزد عدوه بزجره؛ فلأن الزجر لم يزد شيئاً عن استرسال الصائد بنفسه. وأما كونه يحل إذا زاد عدو الجارح بزجره؛ فلأن الازدياد المذكور بمنزلة إرساله. قال: (وإن أرسل كلبه أو سهمه إلى هدف فقتل صيداً، أو أرسله (٢) يريد الصيد ولا يرى صيداً لم يحل صيده إذا قتله). أما كون من أرسل كلبه أو سهمه إلى هدف فقتل صيداً لا يحل؛ فلأنه لم يقصد الصيد. أشبه ما لو نصب سكيناً فانذبحت بها شاة.

стр. 2758

وأما كونه إذا أرسلهما يريد الصيد ولا يرى صيداً لا يحل؛ فلأن قصد الصيد شرط، ولا يصح مع عدم العلم به. فإرادته إذاً ليست بإرادة معتبرة؛ لفوات شرطها. قال: (وإن رمى حجراً يظنه صيداً فأصاب صيداً لم يحل. ويحتمل أن يحل). أما كون ما ذكر لا يحل على الأول؛ فلأن شرط القصد العلم ولم يوجد هنا. وأما كونه يحتمل أن يحل؛ فلأن الظن يقوم مقام العلم في كثير من الصور. فكذلك يجب أن يقوم مقامه هنا. قال: (وإن رمى صيداً فأصاب غيره، أو رمى صيداً فقتل جماعة: حل. وإن أرسل سهمه على صيد فأعانته الريح فقتله ولولاها ما وصل حل). أما كون من رمى صيداً فأصاب غيره أو رمى صيداً فقتل جماعة يحل؛ فلأن شرط الحل قصد الصيد في الجملة لا قصد الصيد بعينه، وهو موجود فيهما. ولأن الصيد أمسكه الكلب على صاحبه فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ [المائدة: ٤]، وقول النبي ﷺ : «إذا أرسلتَ كلبكَ وذكرتَ اسم الله عليه (١) فكُل مما أمسك عليك» (٢). وأما كون من أرسل سهمه على صيد فأعانته الريح فقتله ولولاها ما وصل يحل؛ فلأن الإرسال له حكم الحل، والريح لا يمكن التحرز منها فسقط اعتبارها. قال: (وإن رمى صيداً فأثبته ملكه. فإن تحامل فأخذه غيره لزمه رده. وإن لم يثبته فدخل خيمة إنسان فأخذه فهو لآخذه. ولو وقع في شبكة صيد فخرقها وذهب بها فصاده آخر فهو للثاني). أما كون من رمى صيداً فأثبته يملكه؛ فلأنه أزال امتناعه. أشبه ما لو قتله. وأما كون غير المثبت إذا أخذه يرده؛ فلأن من أثبته ملكه. فلزم آخذه رده إليه.

стр. 2759

وأما كون الصيد لآخذه إذا لم يثبته الأول؛ فلأنه لم يملكه؛ لكونه ممتنعاً فملكه الثاني بأخذه كغيره. وأما كونه للثاني إذا وقع في شبكته ... إلى آخره؛ فلأن الشبكة لم تثبته. فوجب أن يكون لمن صاده؛ لبقائه على الإباحة. قال: (وإن كان في سفينة فوثبت سمكة فوقعت في حِجْرِه فهي له دون صاحب السفينة. وإن صنع بركة ليصيد بها السمك فما حصل فيها ملكه. وإن لم يقصد بها ذلك لم يملكه). أما كون السمكة لمن وقعت في حِجْره دون صاحب السفينة؛ فلأن السمكة من الصيد المباح فيملك بالسبق إليه. فإذا وقعت السمكة في حِجْر من في السفينة صارت يده عليها دون صاحب السفينة. ألا ترى أنه لو تنازع صاحب الحجر وصاحب السفينة كيساً في حجر من في السفينة كان صاحب الحجر أحق به من صاحب السفينة. وأما كون من صنع بركة ليصيد بها يملك ما حصل فيها؛ فلأنه جعل البركة معدة للاصطياد. أشبه ما لو نصب شبكة. وأما كونه لا يملك إذا لم يقصد ذلك؛ فلأن سبب الملك إعداد البركة للاصطياد ولم يوجد ذلك. قال: (وكذلك إن حصل في أرضه سمك أو عشش فيها طائر لم يملكه ولغيره أخذه). أما كون من حصل في أرضه ما ذكر لا يملكه بذلك كالذي حصل في بركة لم يُعدها للصيد؛ فلأن الأرض ليست معدة لصيد السمك والطائر. أشبه البركة التي لم يقصد بها الاصطياد. وأما كون غيره له أخذه؛ فلأنه باق على الإباحة الأصلية.

стр. 2760

قال: (ويكره صيد السمك بالنجاسة، وصيد الطير بالشباش. وإذا أرسل صيداً وقال: أعتقتك لم يزل ملكه عنه. ويحتمل أن يزول، ويملكه من أخذه). أما كون الصيد بالنجاسة؛ كالعذرة والميتة والدم وما أشبه ذلك يكره؛ فلأنه يؤدي إلى أكل السمك للنجاسة فيصير بمنزلة الجلاَّلة. [وأما كونه بالشباش وهو طير تخيط عينه أو تربط يكره؛ فلأن في ذلك تعذيباً للحيوان] (١). وأما كون من أرسل صيداً وقال: أعتقتك لم يزل ملكه عنه على المذهب؛ فلأن الإرسال والإعتاق لا يوجب زوال ذلك. دليله: ما لو أرسل بعيراً أو بقرة وقال: أعتقتك. وأما كونه يحتمل أن يزول عنه؛ فلأنه خلى سبيله. وأما كون من أخذه يملكه؛ فلأنه لا مالك له.

стр. 2761

فصل [في التسمية] قال المصنف ﵀: (الرابع: التسمية عند إرسال السهم أو الجارحة. فإن تركها لم يبح سواء تركها عمداً أو سهواً في ظاهر المذهب. وعنه: إن نسيها على السهم أبيح. وإن نسيها على الجارحة لم يبح). أما كون الرابع من شروط حل الصيد إذا أُدرك ميتاً: التسمية في الجملة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقال النبي ﷺ : «إذا أرسلتَ كلبكَ وسميت فكل. قلت: أرسل فأجد معه كلبًا آخر. قال: فلا تأكل. فإنما سَميتَ على كلبكَ ولم تُسمِّ على الآخر» (١). متفق عليه. وفي حديث أبي ثعلبة: «ما ضربتَ بقوسكَ وذكرتَ اسم اللهِ عليه (٢) فكُل» (٣). وأما كون التسمية عند إرسال السهم أو الجارحة؛ فلأن ذلك هو الفعل الموجود من المرسل. فاعتبرت التسمية عنده؛ كما تعتبر التسمية عند الذبح. وأما كون من تركها لا يباح صيده؛ فلما تقدم من الآيتين والخبرين. وأما كون تركها عمداً أو سهواً سواء في ظاهر المذهب؛ فلأن النصوص المتقدمة تقتضي اعتبار التسمية من غير فرق. وأما كون من تركها سهواً يباح صيده في روايةٍ؛ فلقوله ﵇: «عُفيَ عن أمتي (٤) الخطأ والنسيان» (٥).

стр. 2762

وأما كون من نسيها على السهم يباح صيده، ومن نسيها على الجارحة لا يباح صيده في روايةٍ؛ فلأن إرسال الجارحة جرى مجرى التذكية. بخلاف إرسال السهم. ولو نسي التسمية عند التذكية لم يحل في ظاهر المذهب؛ [لما تقدم] (١).

стр. 2763

كتاب الأيمان الأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقّدتم الأيمان﴾ [المائدة: ٨٩]، وقوله سبحانه: ﴿ولا تَنقضوا الأيمان بعد توكيدها﴾ [النحل: ٩١]. وأما السنة؛ فقول النبي ﷺ : «إني والله! إن شاء الله لا أحلفُ على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيتُ الذي هو خير وتحللتُها» (١) متفق عليه. وأما الإجماع؛ فأجمع المسلمون في الجملة على جواز الأيمان. قال المصنف ﵀: (واليمين التي تجب بها الكفارة هي اليمين بالله تعالى أو صفة من صفاته). أما كون اليمين التي تجب بها الكفارة هي اليمين بالله تعالى أو صفة من صفاته؛ فلأن الكفارة لا تجب باليمين بغيره؛ لأن غيره لا يساويه. فلم يجز إلحاقه به. وأما كونها تجب باليمين فلا خلاف فيه؛ فلأن اليمين عند الإطلاق تنصرف إلى اليمين بالله تعالى، وقد قال رسول الله ﷺ : «لا أحلفُ على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيتُ الذي هو خيرٌ وتحللتُها» (٢). وأما كونها تجب باليمين بصفة من صفاته؛ فلأن في الحديث: «أن النار تقول: قَطٍ قَطٍ. وعِزَّتِك! » (٣). رواه البخاري.

стр. 2764

ولأن صفات الله تعالى كلها قديمة. فكان الحلف بها موجباً للكفارة؛ كالحلف بالله تعالى. قال: (وأسماء الله تعالى قسمان: أحدهما: ما لا يُسمى به غيره نحو: والله، والقديم الأزلي، والأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، وخالق الخلق، ورازق العالمين. فهذا القسمُ به يمينٌ بكل حال). أما كون أسماء الله تعالى قسمين؛ فلأن منها ما لا يُسمى به غيره، ومنها ما يُسمى به غيره. وأما كون أحدهما ما لا يسمى به غيره نحو: والله ... إلى العالمين فظاهر؛ لأن غير الله لا يتصف بشيء مما ذكر. فلا يسمى به؛ لانتفاء معناه فيه. وأما كون القَسَم بهذا القِسْم يميناً بكل حال أي نوى به اليمين أو لم ينو؛ فلأن اليمين بذلك صريح في مقصوده. فلم يفتقر إلى النية؛ كصريح الطلاق والعتاق وغير ذلك من الصريح. قال: (والثاني: ما يُسمى به غيره. وإطلاقه ينصرف إلى الله سبحانه: كالرحمن والرحيم والعظيم والقادر والرب والمولى والرازق ونحوه. فهذا إن نوى بالقَسم به اسم الله تعالى أو أطلق فهو يمين. وإن نوى غيره فليس بيمين). أما كون الثاني من قسمي أسماء الله تعالى ما يُسمى به غيره كالرحمن ... إلى والرازق ونحوه؛ فلأن معنى ذلك كله موجود في غيره، وقد وُجد استعمال اللفظ فيه. وأما كون إطلاقه ينصرف إلى الله سبحانه؛ فلأن استعماله فيه أكثر، والإطلاق ينصرف إلى الأكثر. وأما كونه يميناً مع النية؛ فظاهر. وأما كونه يميناً مع الإطلاق؛ فلما تقدم من أن استعمال ذلك في " الله " أكثر من غيره، وأن الإطلاق يحمل على الأكثر. وأما كونه ليس بيمين إذا نوى غير الله؛ فلأن النية تصرف اللفظ عن ظاهره. فإذا أريد به غيره لم يبق قسماً؛ لعدم تناوله لما يُوجب القسَم.

стр. 2765

قال: (وأما ما لا يُعدّ من أسمائه؛ كالشيء والموجود. فإن لم ينو به الله تعالى لم يكن يميناً. وإن نواه كان يميناً. وقال القاضي: لا يكون يميناً أيضاً). أما كون الحلف بذلك لا يكون يميناً مع عدم النية؛ فلأن الذي يجب بالحلف به الكفارة لم يُقصد ولا اللفظ ظاهر في إرادته. فوجب أن لا يترتب عليه ما يترتب على الحلف بالله. وأما كونه يميناً إذا نوى بذلك اليمين على المذهب؛ فلأنه يصح أن يُقسم بشيء يصح أن يُراد به الله قاصداً به الحلف. فكان يميناً مكفرة؛ كما لو قال: والملك والقادر. وأما كونه لا يكون يميناً على قول القاضي؛ فلأن اليمين إنما تنعقد بحرمة الاسم، فمع الاشتراك لا يكون له حرمة، والنية بمجردها لا تنعقد بها اليمين. والأول أصح؛ لما ذكر. وقوله: مع الاشتراك لا حرمة للاسم باطلٌ بالاسم المشترك الظاهر في " الله ". وقوله: النية بمجردها لا تنعقد بها اليمين مسلم. واليمين هاهنا ما انعقدت بمجرد النية بل بها مع اللفظ المحتمل؛ لأن النية تصرف اللفظ المحتمل إلى أحد محتمليه. قال: (وإن قال: وحقِّ الله، وعهد الله، وايم والله، وأمانة الله، وميثاقه وقدرته، وعظمته وكبريائه، وجلاله وعزته ونحو ذلك فهو يمين). أما كون قول: وحق الله يميناً؛ فلأن عرف الاستعمال يشهد أن يستعمل في القسم. فوجب أن يكون قسماً. وأما كون قول: وعهد الله يميناً؛ فلما ذكر. وفي الحديث عن عائشة ﵂ «حلفت به لا تكلم ابن الزبير. فلما كلمته أعتقت أربعينَ رقبةً. فكانت إذا ذكرته تَبكي وتقول: واعهداه» (١).

стр. 2766

وأما كون قول: وايم، والله ... إلى آخره يميناً؛ فلأن كل واحد منها مستعمل في القَسم، واستعمال الشيء يدل على كونه حقيقة، وقد تقدم أن النار تقول: «قَطٍ قَطٍ وعِزَّتِك! » (١). رواه البخاري. قال: (وإن قال: والعهد والميثاق وسائر ذلك ولم يُضفه إلى الله تعالى لم يكن يميناً؛ إلا أن ينوي صفة الله تعالى. وعنه: يكون يميناً). أما كون ذلك لا يكون يميناً إذا لم ينو قائله صفة الله تعالى على المذهب؛ فلأنه يحتمل غير الله. فلم يكن يميناً؛ كالشيء والموجود. وأما كونه يميناً إذا نواها؛ فلأن النية تحتمل العهد والميثاق، وسائر ما ذكر على عهد الله وأمانة الله، وذلك يمين. فيجب أن يكون هذا مثله. وأما كونه يميناً إذا لم ينوها على روايةٍ؛ فلأن ذكر ذلك بالألف واللام يعود إلى المعهود وهو عهد الله وميثاقه. قال: (وإن قال: لعمر الله كان يميناً. وقال أبو بكر: لا يكون يميناً، إلا أن ينوي). أما كون قول ما ذكر يميناً على المذهب؛ فلأن ذلك قسم بصفة من صفات الله تعالى. بدليل قوله تعالى: ﴿لعمركَ إنهم لفي سكْرتهم يعمهون﴾ [الحجر: ٧٢]. وقال النابغة: فلا لعمر الذي قد زرته حججاً ... وما أريق على الأنصاب من جسد وقال الآخر: إذا رضيت كرام بني قُشير ... لعَمر الله أعجبني رضاها وأما كونه لا يكون يميناً إذا لم ينو على قول أبي بكر؛ فلأن قول القائل: لعمر الله إنما يكون يميناً بتقدير خبر محذوف وذلك مجاز، والمجاز لا ينصرف إليه الإطلاق.

стр. 2767

والأول أصح؛ لما تقدم من عُرف الاستعمال. واحتياج الكلام إلى تقدير لا يضر؛ لأن اللفظ إذا اشتهر في العرف صار من الأسماء العُرفية. فيجب حمله في الإطلاق على العرف دون موضوعه الأصلي. قال: (وإن حلف بكلام الله أو بالمصحف أو بالقرآن فهي يمين فيها كفارة واحدة. وعنه: عليه بكل آية كفارة). أما كون الحلف بكلام الله يميناً؛ فلأن الكلام صفة من صفات ذاته لم يزل موصوفاً به. فوجب كون الحلف به يميناً؛ كالحلف بعظمة الله وقدرته. وأما كون الحلف بالمصحف يميناً؛ فلأن الحالف به إنما قصد الحلف بما فيه وهو كلام الله؛ لانعقاد الإجماع على أن ما بين دفّتي المصحف كلام الله. فوجب كون الحلف به يميناً؛ كالحلف بكلام الله. وأما كون الحلف بالقرآن يميناً؛ فلأن القرآن كلام الله وصفة من صفاته. فالحالف به حالف بكلام الله وبصفة من صفاته. فوجب كون الحلف به يميناً؛ لما تقدم في الحلف بالصفات. وأما كون اليمين بذلك فيها كفارة واحدة على المذهب؛ فلأن الله قال: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقَّدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين﴾ [المائدة: ٨٩]. وهذه يمين فتدخل في عموم الآية. ولأن الحلف بذلك يمين. فلم توجب كفارات؛ كسائر الأيمان. ولأن إيجاب كفارات تفضي إلى منع الحالف من البر والتقوى والإصلاح بين الناس، وقد نهى الله تعالى عن ذلك بقوله: ﴿ولا تجعلوا الله عُرضةً لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس﴾ [البقرة: ٢٢٤]. وأما كون الحالف بذلك عليه بكل آية كفارة على روايةٍ؛ فلأن ابن مسعود قال ذلك (١). وقال أحمد: ما أعلم شيئاً يدفعه.

стр. 2768

وعن مجاهد قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلفَ بالقرآن فعليهِ بكل آيةٍ كفارة يمين صَبْر. فمن شاءَ برَّ ومن شاءَ فجَر» (١). رواه الأثرم. قال: (وإن قال: أحلف بالله، أو أشهد بالله، أو أقسم بالله، أو أعزم بالله كان يميناً. وإن لم يذكر اسم الله لم يكن يميناً، إلا أن ينوي. وعنه: يكون يميناً). [أما كون قول ما ذكر يميناً] (٢)؛ فلأن ذلك قد ثبت له حكم الشرع والاستعمال. قال الله تعالى: ﴿فيقسمان بالله﴾ [المائدة: ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿وأقسموا بالله﴾ [الأنعام: ١٠٩]، وقال تعالى: ﴿فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين﴾ [النور: ٦]. وقال عبدالله بن رواحة: أقمست بالله لتنزلنه ... طائعة أو لتكرهنه وأنشد أعرابيٌّ عمر: أقسم بالله لتفعلنه ولأنه لو قال: بالله ولم يقل: أقسمت كان يميناً. فإذا ضم إليه ما يؤكده كان أولى. وأما كونه لا يكون يميناً إذا لم يذكر اسم الله على المذهب؛ فلأنه يحتمل القسم بالله ويحتمل القسم بغيره. فلم يكن يميناً؛ كغيره مما يحتملهما. وأما كونه يميناً على روايةٍ؛ فلأنه ثبت له عرف الاستعمال. بدليل أن أبا بكر قال: «أقسمتُ عليكَ يا رسول الله! لتخبرني بما أصبتُ مما أخطأتُ. فقال رسول الله ﷺ : لا تُقسِم يا أبا بكر» (٣). رواه أبو داود.

стр. 2769

وقال العباس للنبي ﷺ : «أقسمتُ عليكَ يا رسول الله! لتُبايعنَّهُ. فبايعهُ النبي ﷺ وقال: أبررتُ قسمَ عمي ولا هِجرَة» (١)، وفي كتاب الله تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله ... -إلى قوله-: اتخذوا أيمانهم جنة﴾ [المنافقون: ١ - ٢]. فسماها يميناً، وسماها النبي ﷺ قسماً. وأما كون ذلك يميناً مع النية؛ فلأن النية تصرف اللفظ إلى القسم بالله. فيجب جعله يميناً؛ كما لو صرح به. إذا تقرر هذا فظاهر كلام المصنف ﵀ يقتضي أنه إذا قال: أعزم عليك ولم يذكر القسم ونوى يكون يميناً. وقال في المغني: إذا قال: أعزم لم يكن يميناً نوى أو لم ينو؛ لأنه لم يثبت لهذا اللفظ عُرف في الشرع ولا استعمال.

стр. 2770

فصل [في حروف القسم] قال المصنف ﵀: (وحروف القسم: الباء والواو والتاء في اسم الله تعالى خاصة). أما كون حروف القسم ما ذكر؛ فلأنها جاءت مستعملة فيه في الكتاب والسنة وكلام العرب. وأما كون الباء أولها؛ فلأنها هي الأصل، وتدخل على المظهر والمضمر جميعاً. وأما كون الواو بعدها؛ فلأنها بدل الباء، وتدخل على المظهر دون المضمر. وبه جاءت أكثر الأقسام في الكتاب والسنة. وأما كون التاء بعد الواو؛ فلأنها بدل منها. وتختص باسم الله تعالى. قال: (ويجوز القسم بغير حرف القسم فيقول: الله لأفعلن بالجر والنصب. فإن قال: الله لأفعلن مرفوعاً كان يميناً؛ إلا أن يكون من أهل العربية ولا ينوي اليمين). أما كون القسم بغير حرف القسم يجوز جراً ونصباً. والمراد به انعقاد اليمين بذلك؛ فلأن عرف الاستعمال في الشرع واللغة قد ورد بذلك: أما الشرع؛ فما روي: «أن ابن مسعود لما أَخبر النبي ﷺ أنه قتل أبا جهل قال له النبي ﷺ : آلله! إنكَ قتلته. قال: آلله إني قتلته» (١). وما روي أنه: «قال النبي ﷺ لأسامة لما طلق امرأته: آلله! ما أردتَ إلا واحدة» (٢).
следующие страницы →