← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 2073

مذكرة أصول الفقه - الجامعة الإسلامية

-

Полный текст (63 стр.). Показаны 36–63 · переход к 41.

стр. 36

ذهب الجمهور إلى أن الإجماع حجة يجب العمل به، وخالف في ذلك النظام والشيعة والخوارج. وقد استدل الجمهور لحجيته بأدلة كثيرة منها: ا- قوله تعالى: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾ وذلك أن الله تعالى توعد من خالف سبيل المؤمنين بالعذاب فوجب اتباع سبيلهم، وما ذاك إلا لأنه حجة. ٢- قوله ﷺ : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق " الحديث فلو أجمع أهل عصر من العصور على باطل لتخلف مصداق الحديث في ذلك العصر لعدم وجود ظهير للحق فيه وذلك باطل فبطل أن يكون إجماعهم على خلاف الحق، إذاً فهو حجة يجب اتباعه. عصر الإجماع تقدم في تعريف الإِجماع أنه عام فيِ أي عصر كان بعد وفاة الرسول ﷺ لا فرق في ذلك بين عصور الصحابة وعصور من بعدهم وهذا قول الجمهور خلافاً لمن خصه بعصر الصحابة كداود الظاهري ومن وافقه مستدلين بأن قلة عدد الصحابة وحصرهم وضعف دواعي الهوى فيهم يتيسر معه إجماعهم والإطلاع عليه فيمكن الاحتجاج به بخلاف من بعدهم فإن كثرتهم واختلاف أهوائهم وضعفهم عن مقاومة الحكام يبعد عادة حصول الإجماع منهم والإطلاع عليه. وقد رد الجمهور هذا الاستدلال بأن أرباب الشبه على كثرتهم واختلاف أهوائهم قد اتفقت كلمتهم على الباطل وأطلع على ذلك منهم كاليهود في إنكار نبوة محمد ﷺ فإجماع المسلمين على الحق أولى بأن يقع ويطلع عليه. ومن أدلة الجمهور: أن الأدلة التي دلت على حجية الإجماع عامة لم تخصص عصرا دون عصر. فكان الإِجماع في أي عصر حجة. هل انقراض عصر المجمعين شرط في انعقاد إجماعهم أو لا؟ إذا حصل الإجماع من المجتهدين في زمن فهل ينعقد إجماعهم من وقت حصوله أو لابد في انعقاده من انقراض عصرهم فيه قولان هما روايتان عن أحمد، والصحيح الأول وهو قول الجمهور ويدل له أمور:

стр. 37

١- إن أدلة الإجماع من الكتاب والسنة لا توجب اعتبار انقراضه. ٢- إن التابعين قد احتجوا بإجماع الصحابة قبل انقراض عصرهم ولو كان ذلك شرطاً لم يحتجوا به قبل انقراضهم. ٣- إن اشتراط انقراض العصر يوجب أن لا يكون إجماع إلى يوم القيامة، لأنه لا يخلو العصر من توالد أفراد ونشأتهم وبلوغهم درجة الاجتهاد وقبل انقراضهم يتوالد غيرهم وهلم جرا، وما أدى إلى إبطال انعقاد الإجماع فهو باطل. ثمرة الخلاف: ينبني على الخلاف في هذه المسألة شيئان: ١- على القول باشتراط انقراض العصر يسوغ لبعض المجمعين الرجوع عن رأيه ولا يعتبر مخالفاً للِإجماع لأنه لم ينعقد. وعلى القول بعدم الاشتراط لا يسوغ لأحد الرجوع عن رأيه الموافق للِإجماع لأن الإجماع الحاصل إما أن يكون على حق أو باطل، والثاني منتف للأدلة الدالة على ذلك فلزم الأول وهو كونه حقاً ولا يجوز العدول عما هو حق. ٢- على القول بالاشتراط لابد من موافقة من نشأ وبلغ درجة الإجتهاد وإلا لما تم الإجماع لأنه لا ينعقد إلا بانقراض العصر، وعلى القول بعدمه لا يجوز له مخالفة الإجماع لأنه قد انعقد. مستند الإِجماع

стр. 38

لا ينعقد الإِجماع إلا عن مستند من كتاب أو سنة وقال قوم يجوز انعقاده عن اجتهاد فقط ومنع ذلك شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ في كتابه "معارج الوصول إلى أن أصول الدين وفروعه قد بينها الرسول " حيث قال فيه: ولا توجد مسألة يتفق الإِجماع عليها إلا وفيها نص، وقد كان بعض الناس يذكر مسائل فيها إجماع بلا نص كالمضاربة، وليس كذلك بل المضاربة كانت مشهورة بينهم في الجاهلية لاسيما قريش فإن الأغلب عليهم التجارة وكان أصحاب الأموال يدفعونها إلى العمال. ورسول الله ﷺ قد سافر بمال غيره قبل النبوة كما سافر بمال خديجة، والعير التي كان فيها أبو سفيان كان أكثرها مضاربة مع أبي سفيان وغيره فلما جاء الإِسلام أقرها رسول الله ﷺ فكان أصحابه يسافرون بمال غيرهم مضاربة ولم ينه عن ذلك والسنة قوله وفعله وتقريره ﷺ فلما أقرها كانت ثابتة بالسنة انتهى. أقسام الإِجماع ينقسم الإِجماع من حيث هو إلى قسمين: ١- إجماع قولي أو فعلي. ٢- وإجماع سكوتي فالأول: أن يصرح كل فرد بقوله في الحكم المجمع عليه أو يفعله فيدل فعله إياه على جواز عنده. وهذا القسم من الإِجماع لا خلاف في حجيته عند القائلين بثبوت الإِجماع. والثاني: أن يحصل القول أو الفعل من البعض وينتشر ذلك عنهم ويسكت الباقون عن القول به أو فعله أو لا ينكروا على من حصل منه، ومن أمثلته: العول، حكم به عمر في خلافته بمشورة بعض الصحابة وسكت باقيهم. وهذا القسم اختلف فيه فقال قوم إنه إجماع لا يسوغ العدول عنه وقال قوم إنه ليس بإجماع ولا حجة وقال آخرون إنه حجة وليس بإجماع. استدل القائلون بأنه إجماع بأن التابعين كانوا إذا نقل إليهم عن الصحابة مثل هذا لا يجوزون العدول عنه فهو إجماع منهم على أنه حجة.

стр. 39

واستدل من قال بأنه ليس بحجة فضلا عن أن يكون إجماعاً بأن السكوت من المجتهد يحتمل أن يكون للموافقة ويحتمل أن يكون لعدم اجتهاده في المسألة أو اجتهد فيها ولكن لم يظهر له فيه شيء أو سكت مهابة كما روى ابن عباس ﵁ في مسألة العول. وبأن سكوت العلماء عند وقوع فعل منكر مثلا لا يدل على أنه عندهم ليس بمنكر لما علم من أن مراتب الإِنكار ثلاث باليد أو اللسان أو بالقلب وانتفاء الإِنكار باليد واللسان لا يدل على انتفائه بالقلب فلا يدل السكوت على تقرير الساكت لما وقع حتى يقال قد أجمع عليه إجماعاً سكوتياً ولا يثبت ذلك عنه ويضاف إليه إلا إذا علم رضاه بالواقع ولا يعلم ذلك إلا علام الغيوب. الأخبار الأخبار بفتح الهمزة- جمع خبر وهو لغة مأخوذة من الخبار وهي الأرض الرخوة لأن الخبر يثير الفائدة كما أن الأرض الخبار تثير الغبار إذا قرعها الحافر ونحوه. وهو نوع مخصوص من القول وقسم من أقسام الكلام، وقد يستعمل في غير القول كما قيل. تخبرك العينان ما القلب كاتم وتعريف الخبر من حيث هو: ما يحتمل الصدق والكذب لذاته، أي أن احتماله لهما من حيث كونه خبراً وقد يقطع بصدق الخبر أو كذبه لأمر خارجي فالأول كخبر الله تعالى والثاني كالخبر عن المحالات كقول القائل "الضدان يجتمعان " فلا يخرج بذلك عن كونه خبراً. والخبر يطلق عند المحدثين على ما أضيف إلى النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خلقي أو خلقي. تقسيم الخبر باعتبار وصفه بالصدق والكذب ينقسم الخبر من حيث وصفه بالصدق والكذب إلى ثلاثة أقسام: الأول: الخبر المقطوع بصدقه، وهو أنواع منها: ١- الخبر الذي بلغ رواته حد التواتر. ٢- خبر الله وخبر رسوله ﷺ . ٣- الخبر المعلوم صدقه بالاستدلال كقول أهل الحق "العالم حادث ". الثاني: الخبر المقطوع بكذبه وهو أنواع منها: ١- ما علم خلافه بالضرورة مثل قول القائل "النار باردة".

стр. 40

٢- ما علم خلافه بالاستدلال مثل قول الفلاسفة "العالم قديم ". ٣- الخبر الذي لو كان صحيحاً لتوفرت الدواعي على نقله متواتراً، إما لكونه من أصوله الشريعة، أو لكونه أمراً غريباً كسقوط الخطيب عن المنبر وقت الخطبة مثلا. ٤- خبر مدعى الرسالة من غير معجزة. الثالث: الخبر الذي لم يقطع بصدقه ولا بكذبه وهو ثلاثة أنواع: ١- ما ظن صدقه كخبر العدل. ٢- ما ظن كذبه كخبر الفاسق. ٣- ما شك فيه كخبر مجهول الحال فإنه يستوي فيه الاحتمالان لعدم المرجح. تقسيم الخبر إلى متواتر وآحاد ينقسم الخبر باعتبار طريقه الموصلة له إلى المخبر به إلى قسمين: متواتر وآحاد. المتواتر تعريفه: هو في اللغة المتتابع. وفي الاصطلاح: ما رواه جماعة كثيرون تحيل العادة تواطؤهم وتوافقهم على الكذب عن جماعة كذلك إلى أن ينتهي إلى محسوس. شروطه: ويشترط في المتواتر أربعة شروط: ١- أن يكون رواته كثيرين. ٢- أن تحيل العادة تواطؤهم وتوافقهم على الكذب. ٣- أن تستوي جميع طبقات السند بالشرطين السابقين إلى أن يتصل بالمخبر به. ٤- أن يكون علمهم بذلك حصل عن مشاهدة أو سماع. أقسام المتواتر ينقسم المتواتر إلى قسمين: ١- لفظي: وهو ما اشترك رواته في لفظ معين مثل حديث "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " وحديث "المرء مع من أحب ". ٢- معنوي: وهو ما اختلفت الرواة في ألفاظه مع توافقهم في معناه مثل أحاديث حوض الرسول ﷺ وأحاديث المسح على الخفين. نوع العلم الذي يفيده المتواتر والمتواتر يفيد العلم اليقيني الذي يضطر الإنسان إليه بحيث لا يمكنه دفعه، وهذا هو الحق، فإنا نقطع بوجود البلاد الغائبة عنا والأشخاص الماضية قبلنا ونجزم بذلك جزماً خالياً من التردد جاريا مجرى جزمنا بالمشاهدات. الآحاد تعريفه: هو ما فقد شرطاً فأكثر من شروط المتواتر السابقة.

стр. 41

الذي تفيده: اختلف في أخبار الآحاد فذهب بعض العلماء إلى أنها لا تفيد القطع لا بنفسها ولا بالقرائن، وإنما تفيد الظن. وقال آخرون: الأصل في الخبر الواحد أن يفيد الظن وربما أفاد القطع بالقرائن مثل كونه مروياً في الصحيحين وهذا هو الراجح. التعبد بأخبار الآحاد التعبد بأخبار الآحاد جائز عقلا، وقد قام الدليل عليه سمعا فمن ذلك: ١- إجماع الصحابة ﵃ على قبولها، فقد اشتهر عنهم الرجوع إليها في وقائع لا تنحصر كما في إرث الجدة السدس ودية الجنين، وتوريث المرأة من دية زوجها، وتحول أهل قباء إلى القبلة في صلاتهم، وأخذ الجزية من المجوس كأهل الكتاب، وعامة أفعال الرسول ﷺ في بيوته. ٢- قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ وقوله: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة﴾ الآية. ٣- ما تواتر من بعثه ﷺ الآحاد في النواحي لتبليغ الأحكام مع العلم بتكليف المبعوث إليهم بذلك. ٤- انعقاد الإِجماع في قبول قول المفتى فيما يخبر به عن ظنه وقبول قوله فيما يخبر به عن السماع الذي لاشك فيه أولى. تقسيم الآحاد من حيث رواته قلة وكثرة تنقسم أخبار الآحاد من حيث كثرة الرواة وقلتهم إلى ثلاثة أقسام: ١- مشهور ٢- عزيز ٣- غريب. فالمشهور: ما قصر في عدد رواته عن درجة التواتر ولم ينزل في طبقة من طبقاته عن ثلاثة. مثاله: حديث "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ". الحديث. ٢- والعزيز: ما نزل سنده ولو في بعض الطبقات إلى اثنين فقط. مثاله: حديث "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ". ٣- والغريب: ما نزل سنده ولو في بعض الطبقات إلى واحد. مثاله: حديث عمر بن الخطاب ﵁ الذي يجعله كثير من المصنفين في الحديث فاتحة كتبهم وهو قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى". أقسام الآحاد من حيث القبول أو الرد

стр. 42

من المعلوم أن المتواتر مقبول قطعاً. أما خبر الواحد فيكون صحيحاً، ويكون حسناً؛ وكلاهما مقبول؛ ويكون ضعيفاً وهو المردود وذلك بحسب قرائن الصحة والحسن أو أسباب الردة ولكل ضوابط كالآتي: ١- الصحيح لذاته: هو ما اتصل سنده برواية العدل الضابط ضبطاً تاماً من غير شذوذ ولا علة. ولغيره: ما خفت فيه شروط الصحيح لذاته وجبر بكثرة الطرق. ٢- والحسن لذاته: ما خفت فيه شروط الصحيح لذاته ولم يجبر بكثرة الطرق. ولغيره: هو الحديث المتوقف فيه إذ قامت قرينة ترجح جانب قبوله. كحديث مستور الحال إذا تعددت طرقه. ٣- والضعيف: هو الذي لم يتصف بشيء من صفات الصحيح ولا من صفات الحسن. أسباب الرد فأسباب الرد: إما سقوط من السند أو طعن في الراوي وتفصيل ذلك في فن المصطلح. حيث يفرقون بين كون الساقط واحداً أو أكثر، وببن كونه في أول السند أو وسطه أو آخره. أما الأصوليون فإنهم يقسمونه من حيث اتصال السند وانقطاعه إلى قسمين: ١- مسند ٢- مرسل. المسند المسند: اسم مفعول من الإِسناد وهو ضم جسم إلى آخر، ثم استعمل في المعاني يقال: أسند فلان الخبر إلى فلان إذا نسبه إليه. وفي الاصطلاح: ما اتصل سنده إلى منتهاه بأن يرويه عن شيخه بلفظ يظهر منه أنه أخذه عنه وكذلك شيخه عن شيخه متصلا إلى الصحابي إلى رسول الله ﷺ . المرسل المرسل: اسم مفعول من الإِرسال. وفي الاصطلاح: هو رواية الراوي عمن لم يسمع منه، فهو على هذا لم يتصل سنده ظاهراً لسقوط بعض رواته وسواء كان الساقط واحداً أو أكثر من أي موضع في السند وهذا في اصطلاح الأصوليين خلافاً لأهل الحديث إذ يخصون اسم المرسل بما سقط منه الصحابي سواء كان وحده أو مع غيره من الصحابة والتابعين إذا كان المرسل له صحابياً أو تابعياً. أقسام المرسل والمراسيل على ثلاثة أقسام: ١- مراسيل الصحابة. ٢- مراسيل التابعين. ٣- مراسيل غيرهم ممن بعدهم. وإليك بيانها:

стр. 43

مرسل الصحابي: أن يقول الصحابي فيما لم يسمعه من النبي ﷺ : قال رسول الله ﷺ كذا ونحو ذلك. ويعرف عدم سماعه منه ذلك بأن يكون إسلامه متأخراً وحديثه عن أمر متقدم ولم يكن تحمل من رسول الله ﷺ قبل إسلامه أو بكونه من صغار الصحابة ويروى عنه ﷺ ما وقع قبل ولادته، فإذا قدر أن مثل هذا الصحابي لم يسمع الحديث من الرسول ﷺ مشافهة بل سمعه من واسطة فتلك الواسطة يغلب على الظن أنها صحابي آخر أكبر منه أو أسبق منه إسلاما، كأحاديث أبي هريرة عما قبل السنة السابعة من الهجرة لتأخر إسلامه إلى تلك السنة، وكأحاديث ابن عباس وابن عمر ونحوهما عن أوائل الإسلام لتأخر مولدهما. فيكون هذا المرسل مقبولا لأن الصحابة كلهم عدول فحكمه حكم المسند. مرسل التابعي: وإذا أرسل التابعي الحديث فأسنده إلى رسول الله ﷺ مباشرة فقد أسقط واسطة بينه وبين الرسول ﷺ ، وهذه الواسطة يحتمل أن تكون صحابياً أو تابعياً أو أكثر من ذلك. أما الصحابي فقد علمت عدالته وإن جهل بخلاف التابعي فلا سبيل إلى الحكم عليه لأنه مجهول والحكم على إنسان فرع معرفته. يستثنى من ذلك عند الجمهور مراسيل ابن المسيب فإنها تتبعت كلها فوجدت مروية عن الصحابة فهي كالمسند لما علم أن الصحابة كلهم عدول. مرسل غير الصحابي والتابعي: هو أن يروى شخص في أثناء السند عمن لم يلقه فيسقط واسطة بينه وبين الذي روى عنه. حكم المرسل أ- علمنا أن مراسيل الصحابة في حكم المسند فهي حجة ولا عبرة بشذوذ من شذ ويدل لذلك: ١- اتفاق الأمة على قبول رواية ابن عباس وأمثاله من أصاغر الصحابة مع إكثارهم من الرواية فبعض روايتهم عن النبي ﷺ مراسيل. ٢- وأيضاً فإن الصحابة قد علمت عدالتهم، فلا يروون إلا عن صحابي غالباً وإن رووا عن غيره نادراً فلا يروون إلا عمن علموا عدالته.

стр. 44

ب- وأما مراسيل التابعين فمن بعدهم فهي حجة عند مالك وأحمد في رواية وأبي حنيفة. وغير حجة عند الشافعي وأهل الحديث إلا مراسيل سعيد بن المسيب كما تقدم. تصرف الراوي في نقله للخبر للراوي في كيفية نقله للخبر أحوال أربع: ١- أن يرويه باللفظ الذي سمع، وهذه الحالة هي الأصل في الرواية، وهي أفضل أحواله. ٢- أن يرويه بمعناه، وهذه الحالة لا تجوز إلا لعارف بمدلولات الألفاظ وبما يحيل المعاني. ٣- أن يحذف بعض لفظ الخير، وهذا ممنوع إذا كان المحذوف له تعلق بالمذكور لا إذا لم يكن له تعلق، وكثير من السلف سلك هذه الطريقة فاقتصر في الرواية على قدر الحاجة المستدل عليها، لاسيما في الأحاديث الطويلة. ٤- أن يزيد في الخبر على ما سمعه من النبي ﷺ وهذا جائز إذا كان ما زاده يتضمن بيان سبب الحديث أو تفسير معناه، لكن بشرط أن يبين ما زاده حتى يفهم السامع أنه ليس من كلام النبي ﷺ . الشروط المعتبرة في الراوي يشترط في الراوي أربعة شروط: ١- الإِسلام، فالكافر لا تقبل روايته لأنه متهم في الدين إلا إذا تحمل في كفره وأدى بعد إسلامه كما في قصة أبي سفيان مع هرقل. ٢- التكليف وقت الأداء: فلا تقبل رواية الصبي، وما سمعه في الصغر بعد التمييز وأداه بعد البلوغ مقبول. لإِجماع الصحابة ﵃ على قبول رواية أصاغر الصحابة كابن عباس وابن الزبير ومحمود بن الربيع والحسن والحسين ونحوهم. ٣- العدالة: فلا تقبل رواية الفاسق؛ وقيل إلا المتأول إذا لم يكن داعية إلى بدعته. ٤- الضبط وهو ضبط صدر وضبط كتاب؛ فإن من لا يحسن ضبط ما حفظه عند التحمل ليؤديه على وجهه لا يطمئن إلى روايته وإن لم يكن فاسقاً. ولا يشترط في الراوي. أن يكون ذكراً؛ ولا حراً؛ ولا مبصراً؛ ولا فقيهاً. صيغ الأداء للصحابي في نقله الخبر عن الرسول ﷺ ألفاظ، ترتيبها بحسب القوة كالآتي:

стр. 45

١- أن يقول سمعت رسول الله ﷺ أو حدثني أو شافهني أو رأيته يفعل كذا ونحو ذلك فهذا اللفظ لا يتطرق إليه احتمال الواسطة أصلا، وهو حجة بلا خلاف. ٢- أن يقول: قال رسول الله ﷺ كذا، فهذا محتمل للواسطة والظاهر فيه الاتصال. ٣- أن يقول: أمر رسول الله ﷺ بكذا أو نهى عن كذا، وهذا فيه معِ احتمال الواسطة احتمال أن يكون الصحابي قد ظن ما ليس بأمر أو نهى أمراً ونهيا، والصحيح أنه كسابقه، وأن الصحابي لا يقول أمر أو نهى إلا بعد سماعه ما هو أمر أو نهى حقيقة. ٤- أن يقول أمرنا بكذا أو نهينا عن كذا، وهذا فيه مع الاحتمالين السابقين عدم تعيين الآمر أو الناهي أهو النبي ﷺ أم غيره، والصحيح أنه لا يحمل إلا على أمر رسول الله ﷺ أو نهيه، وفي معناه: من السنة كذا. ٥- أن يقول: كنا نفعل كذا وكانوا يفعلون كذا، فهذا عند إضافته إلى زمن النبوة حجة لظهور إقرارهم عليه، وقال أبو الخطاب: إن قول الصحابي " كانوا يفعلون كذا" نقل للإجماع. ولألفاظ الرواية من غير الصحابي مراتب بعضها أقوى من بعض وهي: المرتبة الأولى: قراءة الشيخ على التلميذ في معرض الأخبار ليروى عنه، وهذه المرتبة هي الغاية في التحمل، وهي طريقة الرسول ﷺ . وللتلميذ في هذه المرتبة أن يقوله: حدثني أو أخبرني وقال فلان وسمعته يقول ونحو ذلك. المرتبة الثانية: قراءة التلميذ على الشيخ وهو يسمع فيقول نعم أو يسكت فتجوز الرواية بذلك خلافاً لبعض الظاهرية، ويقول التلميذ في هذه المرتبة: أخبرني أو حدثني قراءة عليه وهل يسوغ له ترك "قراءة عليه " قولان هما روايتان عن أحمد ﵀. المرتبة الثالثة: المناولة: وهي أن يناول الشيخ تلميذه أصله أو فرعاً مقابلا عليه، أو يحضر التلميذ ذلك الأصل أو فرعه المقابل عليه. ويقول الشيخ: هذا روايتي عن فلان فاروه عني.

стр. 46

ومذهب الجمهور جواز الرواية بها ويقول التلميذ في هذه المرتبة ناولني؛ أو أخبرني أو حدثني مناولة وأجاز بعضهم ترك كلمة "مناولة". المرتبة الرابعة، الإِجازة، وهي أن يقول الشيخ لتلميذه. أجزت لك رواية الكتاب الفلاني أو ما صح عندك من مسموعاتي ومذهب الجمهور جواز الرواية بها، ونقل عن أحمد انه قال: لو بطلت لضاع العلم. قال بعضهم: ومن فوائدها إنه ليس في قدرة كل طالب الرحلة في طلب العلم. ويقول التلميذ في هذه المرتبة. أجازني؛ أو يقول أخبرني أو حدثتي إجازة، وأجاز بعضهم ترك كلمة إجازة. أفعال الرسول ﷺ وتقريراته ١- أفعاله ﵊ تنقسم أفعال رسول الله ﷺ إلى أقسام: ١- ما كان يفعله بمقتضى الجبلة كالقيام والقعود والأكل والشرب؛ فحكمه الإباحة. ٢- ما كان متردداً بين الجبلة والتشريع كوقوفه ﷺ راكباً بعرفة ونزوله بالمحصب فهل يلحق بالجبلي فيكون مباحاً كما تقدم؛ أو بالتشريع فيتأسى به فيه؟ قولان. ٣- ما ثبتت خصوصيته به مثل جواز جمعه بين أكثر من أربع نسوة بالنكاح لقوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك﴾ وكن أكثر من أربع؟ ونكاح الواهبة نفسها لقوله تعالى: ﴿خالصة لك من دون المؤمنين﴾ فهذا لا شركة لأحد معه فيه. ٤- ما كان بيانا لنص قرآني كقطعه ﷺ يد السارق من الكوع بياناً لقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ . وكأعمال الحج والصلاة فهما بيان لقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ وقوله: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ ولذا قال ﷺ : " صلوا كما رأيتموني أصلي" وقال: "خذوا عني مناسككم". فهذا القسم حكمه للأمة حكم المبين- بالفتح- ففي الوجوب واجب، وفي غيره بحسبه. ٥- ما فعله ﷺ لا لجبلة ولا لبيان ولم تثبت خصوصيته له، فهذا على قسمين:

стр. 47

١- أن يعلم حكمه بالنسبة إلى الرسول ﷺ من وجوب أو ندب أو إباحة، فيكون حكمه للأمة كذلك كصلاته ﷺ في الكعبة، وقد علمنا أنها في حقه ﷺ جائزة، فهي للأمة على الجواز. ٢- أن لا يعلم حكمه بالنسبة إليه ﷺ وفي هذا القسم أربعة أقوال: ١- الوجوب، عملا بالأحوط. وهو قول أبي حنيفة وبعض الشافعية ورواية عن أحمد. ٢- الندب، لرجحان الفعل على الترك وهو قول بعض الشافعية ورواية عن أحمد أيضاً. ٣- الإِباحة، لأنها المتيقن. ولكن هذا فيما لا قربة فيه إذ القرب لا توصف بالإِباحة. ٤- التوقف؛ لعدم معرفة المراد، وهو قول المعتزلة؛ وهذا أضعف الأقوال لأن التوقف ليس فيه تأس؛ فتحصل لنا من هذه الأقوال الأربعة أن الصحيح الفعل تأسياً برسول الله ﷺ وجوباً أو ندباً. ومثلوا لهذا الفعل بخلعه ﷺ نعله في الصلاة فخلع الصحابة كلهم نعالهم. فلما انتهى ﷺ سألهم عن خلعهم نعالهم، قالوا: رأيناك فعلت ففعلنا. فقال لهم: أتاني جبريل وأخبرني أن في نعلي أذى فخلعتهما؛ فإنه أقرهم على خلعهم تأسياً به ولم يعب عليهم مع انهم لم يعلموا الحكم قبل إخباره إياهم. ٢- تقريراته ﷺ ... وتلحق تقريراته ﷺ بأفعاله، فكل أمر أقر عليه ولم ينكر على فاعله فحكمه حكم فعله ﷺ قولا كان ذلك الأمر أو فعلا. هذا إذا كان الإنسان المقرر منقادًا للشرع؛ فإن كان كافراً أو منافقاً فلا يدل تقريره له على الجواز كتقريره ﷺ الذمي على الفطر في نهار رمضان. فمثال تقريره على القول تقريره ﷺ أبا بكر ﵁ على قوله بإعطاء سلب القتيل لقاتله ومثال تقريره على الفعل: تقريره ﷺ خالد بن الوليد على أكل الضب؛ وحسان على إنشاد الشعر في المسجد.

стр. 48

هذا فيما رآه ﷺ أو سمعه أو بلغه فأقره. وكذلك استبشاره ﷺ كاستبشاره ﷺ عند سماعه قول مجزز المدلجي- وقد بدت أقدام زيد بن حارثة وابنه أسامة ﵄ من تحت الغطاء: إن هذه الأقدام بعضها من بعض. لأنه ﷺ لا يقر على باطل ولا يستبشر لباطل. ولذا قال الشافعي وأحمد رحمهما الله بإثبات النسب عن طريق القافة. القياس تعريفه: القياس في اللغة التقدير والتسوية، تقول: قست الثوب بالذراع إذا قدرته به، وفلان يقاس بفلان، أي يسوى به. وفي الاصطلاح هو: إلحاق فرع بأصل في حكم لجامع بينهما كإلحاق الأرز بالبر في تحريم الربا لجامع هو الكيل عند الحنابلة والاقتيات والادخار عند المالكية والطعم عند الشافعية. إثبات القياس على منكريه التعبد بالقياس جائز عقلا وواقع شرعاً عند الجمهور ومنهم الأئمة الأربعة ﵏ واستدلوا لإثباته بأدلة كثيرة منها: ١- قوله تعالى: ﴿فاعتبروا يا أولى الأبصار﴾ والاعتبار من العبور وهو الانتقال من شيء إلى آخر والقياس فيه انتقال بالحكم من الأصل إلى الفرع فيكون مأموراً به. ٢- تصويب النبي ﷺ لمعاذ ﵁ حين قال: إنه يجتهد حيث لا كتاب ولا سنة فإن الاجتهاد حيث لا نص يكون بالإلحاق بالمنصوص. ٣- قوله ﷺ للخثعميه حين سألته عن الحج عن الوالدين "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان ينفعه " قالت: نعم. قال: "فدين الله أحق أن يقضى" فهو تنبيه منه ﷺ على قياس دين الخلق. ٤- قوله ﷺ لعمر حين سأله عن القبلة " للصائم " أرأيت لو تمضمضت فهو قياس للقبلة على المضمضة.

стр. 49

٥- قصة الرجل الذي ولدت امرأته غلاماً أسود. فمثل له النبي ﷺ بالإبل الحمر التي يكون الأورق من أولادها، ووجه الاستدلال من القصة: أن النبي ﷺ قاس ولد هذا الرجل المخالف للونه بولد الِإبل المخالف للونه لألوانها، وذكر العلة الجامعة وهي نزع العرق. أركان القياس وتعريف كل ركن ظهر لنا من تعريف القياس أنه لابد فيه من أربعة أركان هي: ١- أصل مقيس عليه، وهو المحل الذي ثبت حكمه وألحق به غيره كالخمر ثبت لها التحريم وألحق بها النبيذ. ٢- فرع ملحق بالأصل، وهو في اللغة ما تولد من غيره وانبنى عليه وفي اصطلاح الأصوليين: المحل المطلوب إلحاقه بغيره في الحكم؛ كالنبيذ طلب إلحاقه بالخمر في حكمها وهو التحريم. ٣- علة تجمع بين الأصل والفرع، وهي المعنى المشترك بين الأصل والفرع المقتضي إثبات الحكم كالإسكار المستدعى إلحاق النبيذ بالخمر في حكم التحريم. ٤- الحكم الثابت للأصل المقيس عليه؛ وهو الأمر المقصود إلحاق الفرع بالأصل فيه كالقصاص أثبت في القتل بالمثقل إلحاقاً له بالقتل بالمحدد. شروط القياس وللقياس شروط يجب توفرها فيه لصحته منها: أولاً: شروط الأصل: ١- يشترط في الأصل الذي هو المقيس عليه أن يكون الحكم فيه ثابتاً بنص أو إجماع أو اتفاق الخصمين. ٢- أن لا يكون معدولاً به عن قاعدة عامة مثل بيع العرايا وشهادة خزيمة فلا يصحان أصلا يقاس عليه لأن الحكم في القياس مطرد والخارج عن القاعدة العامة ليسِ مطرداً خلافاً لمن يجيز القياس في الرخص فيجوز العرية في العنب والتين قياساَ على الرطب. وما ذكر في هذين الشرطين بناء على القول بأن الأصل هو نفس الحكم، لا محل الحكم. ثانياً: شروط الفرع، ويشترط في الفرع شرطان: ١- وجود علة الأصل فيه لأنها مناط تعدية الحكم إليه. ٢- أن لا يكون منصوصاً على حكمه، فإن كان لم يحتج إلى قياسه على غيره. ثالثاً: شروط حكم الأصلِ؛ ويشترط في حكم الأصل شرطان.

стр. 50

١- أن يكون الفرع مساوياَ له في الأصل كقياس الأرز على البر في تحريم الربا فإن كان الحكم في الفرع أزيد منه في الأصل أو أنقص لم يصح القياس؛ كأن يكون حكم الأصل الوجوب وحكم الفرع الندب أو العكس. ٢- أن يكون شرعياً؛ لا عقلياً فلا يثبت ذلك بالقياس لأنه يطلب فيه اليقين والقياس يفيد الظن. رابعاً: شروط العلة؛ ويشترط في العلة شرطان: ١- أن تكون العلة متعدية فإن كانت قاصرة على محلها امتنع القياس بها لعدم تعديها إلى الفرع مثال ذلك: جعل شهادة خزيمة كشهادة رجلين لعلة سبقه إلى تصديق النبي ﷺ بنوع من التصديق لم يسبقه إليه غيره. ٢- أن تكون كالإِسكار فكلما وجد الإِسكار في شيء وجد التحريم فيه، وكالطعم والكيل فكلما وجد الكيل أو الطعم في شيء حرم الربا فيه، فإذا تخلفت فإن كان تخلفها لمانع فلا تبطل كما لوِ قيل القتل العمد العدوان علة للقصاص وقد تخلفت في قتل الوالد لولده عمداَ عدواناً إذ أنه لا يقتل به فيقال إنها تخلفت لمانع هو الأبوة فلا تبطل في غير الأب؛ فكلما وجد القتل العمد العدوان من غير الأب ونحوه وجب القصاص. وإن كان تخلفها من غير مانع فلا يصح التعليل بها كما لو قيل: تجب الزكاة في المواشي قياساً على الأموال بجامع دفع حاجة الفقير فيقال إن التعليل بدفع حاجة الفقير قد تخلف عنها الحكم في الجواهر مثلا. تقسيم القياس إلى قطعي وظني.. أو جلي وخفي ١- القياس القطعي تعريفه: هو ما لا يحتاج معه إلى التعرض للعلة الجامعة بل يكتفي فيه بنفي الفارق المؤثر في الحكم كإلغاء الفارق بين البول في الماء الراكد والبول في إناء وصبه فيه، وهو أنواع منها.

стр. 51

١- ما كان المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق مع القطع بنفي الفارق كإلحاق مثقال الجبل بمثقال الذرة في المؤاخذة، وإلحاق ضرب الوالدين بالتأفيف في التحريم، وإلحاق مادون القنطار وفوق الدينار بهما في التأدية من بعض أهل الكتاب إذا أؤتمن عليه في الأول والمطل من بعضهم في الثاني. ٢- ما كان المسكوت عنه مساوياً للمنطوق في الحكم مع القطع بنفي الفارق. كإلحاق إغراق مال اليتيم وإحراقه بأكله في التحريم. ٢- القياس الظني القياس الظني هو: ما احتيج فيه إلى البحث عن العلة الجامعة كإلحاق الأرز بالبر في تحريم الربا بجامع الكيل. فتحصل من هذا الإِلحاق طريقتان: إلحاق بنفي الفارق وإلحاق بالجامع. تقسيم القياس باعتبار التصريح بالعلة وعدمه ينقسم القياس بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام: ١- قياس العلة: وهو ما جمع فيه بالوصف المناسب المشتمل على المصلحة الصالحة لترتيب الحكم عليها كقياس النبيذ على الخمر بجامع الِإسكار. ٢- قياس الدلالة: وهو ما جمع فيه بين الأصل والفرع بما يدل على العلة ويرشد إليها كقياس النبيذ على الخمر بجامع الرائحة الكريهة والشدة الدالة على العلة وهي الإِسكار. ٣- قياس في معنى الأصل: وهو ما اكتفى فيه بنفي الفارق المؤثر في الحكم، وهو مفهوم الموافقة، والقياس الجلي كقياس الأمة على العبد في تقويم حصة الشريك على شريكه المعتق نصيبه. قياس الشبه إذا شابه الفرع أصلين مختلفين وحصل تردد بأيهما يلحق فهو قياس الشبه. مثاله: إذا قتل العبد مثلا فهل يلحق بالحر فتكون فيه الدية، أو بالمتاع فتكون فيه القيمة، فمن جهة أنه إنسان مكلف شابه الحر، وفي الحر الدية، ومن جهة أنه يباع ويوهب ويورث شابه المتاع وفي المتاع القيمة فقد جمع بين شبهين مختلفين، شبه الحر فيوجب الدية وشبه المتاع فيوجب القيمة، ولهذا سمى قياس

стр. 52

الشبه. ثم وجدناه الصق بأحدهما في الحكم الشرعي حيث إنه يباع ويوهب ويورث بل وتضمن أجزاؤه بالقيمة فهذه كلها رجحت شبهه بالمال فلحق به في الضمان. تقسيم العلة باعتبار مجارى الاجتهاد فيها تنقسم العلة بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام: تحقيق العلة وتنقيحها وتخريجها. إلا أن عادة الأصوليين جرت بإضافة هذه المصادر الثلاثة إلى أحد القاب العلة وهو المناط. والمناط مشتق من النوط وهو تعليق الشيء بشيء آخر فلذا أطلق الفقهاء المناط على متعلق الحكم وهو العلة الجامعة بين الأصل والفرع. الأول: تحقيق المناط: وهو البحث عن وجود العلة في الفرع والاجتهاد في تحقيقها فيه بعد النص عليها أو الاتفاق عليها في ذاتها وهو قسمان: ١- أن تكون القاعدة الكلية منصوصة أو متفقاً عليها وإنما يبحث المجتهد عن تحقيقها في آحاد الصور وتطبيقها على الجزئيات، فالقاعدة الكلية مثل قوله تعالى: ﴿فجزاء مثل ما قتل من النعم﴾ . والجزئي الذي حققت فيه إيجاب بقرة على من صاد وهو محرم حماراً وحشياً للمماثلة بينهما في نظر المجتهد، وهذا النوع متفق عليه وليس من القياس في شيء. ٢- البحث عن وجود العلة في الفرع بعد الاتفاق عليها في ذاتها كالعلم بأن السرقة هي مناط القطع فيحقق المجتهد وجودها في النباش لأخذه الكفن من حرز مثله خفية. الثاني: تنقيح المناط: التنقيح في اللغة. التهذيب والتصفية فتنقيح المناط تهذيب العلة وتصفيتها بإلغاء ما لا يصلح للتعليل واعتبار الصالح له. مثال ذلك قصة الأعرابي الذي جاء إلى النبي ﷺ يضرب صدره وينتف شعره وهو يقول هلكت وأهلكت واقعت أهلي في نهار رمضان، فقال له النبي ﷺ : " اعتق رقبة "، الحديث. فكونه أعرابياً، وكون الموطوءة زوجة، وكونه جاء يضرب صدره وينتف شعره مثلا كلها أوصاف لا تصلح للتعليل فتلغى. فلو وطيء حضري سريته في نهار رمضان وجاء بتؤدة وطمأنينة يسأل عما يجب عليه لأجيب بوجوب الكفارة.

стр. 53

الثالث: تخريج المناط: وهو أن ينص الشارع على حكم دون علته فيستخرج المجتهد علته باجتهاده ونظره في محل الحكم. مثال ذلك: البر نص على حكمه وهو تحريم الربا دون العلة، فرأى المجتهد بعد البحث أنها الكيل مثلا فقاس عليه الأرز ونحوه. مسالك العلة مسالك العلة هي طرقها الدالة عليها وهي كثيرة نذكر منها ثلاثة: المسلك الأول: النص الصريح على العلة وهو ما يدل على التعليل بلفظ موضوع له في لغة العرب مثل "من أجل " كما في قوله تعالى: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل﴾ الآية ومثل "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر" ومثل "الباء "كما في قوله تعالى: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم﴾ الآية ومثل "اللام" كما في قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس﴾ الآية وقوله: ﴿وما خلقت الجن والِإنس إلا ليعبدون﴾ ومثل "كي" كما في قوله تعالى: ﴿كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾ . المسلك الثاني: النص المومىء إلى العلة، ويسمى الإيماء والتنبيه، وضابطه أن يقترن الحكم بوصف على وجه لو لم يكن علة له لكان الكلام معيباً عند العقلاء وهو أقسام منها: ١- تعليق الحكم على العلة بالفاء: بأن تدخل الفاء على العلة ويكون الحكم متقدماً كما في قوله ﷺ في المحرم الذي وقصته ناقته. وكفنوه في ثوبيه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً. أو تدخل الفاء على الحكم وتكون العلة متقدمة كما في قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ وقوله: ﴿ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض﴾ الآية، ويلتحق بهذا القسم ما رتبه الراوي بالفاء كقوله: "سها النبي ﷺ فسجد. وزنا ما عز فرجم ". ٢- ترتيب الحكم على الوصف بصيغة الشرط والجزاء، مثل قوله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجاً﴾ ، ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ .

стр. 54

٣- أن يحكم الشارع بحكم عقب حادثة سئل عنها كقوله ﷺ للأعرابي: "اعتق رقبة" جواباً لسؤاله عن مواقعة أهله في نهار رمضان وهو صائم، فإنه دليل على كون الوقاع علة لوجوب الكفارة. ٤- أن يذكر مع الحكم شيئاً لو لم يقدر التعليل به لما كان لذكره فائدة وهو قسمان: ١- أن يستنطق السائل عن الواقعة بأمر ظاهر الوجود ثم يذكر الحكم عقبه كقوله ﷺ لما سئل عن بيع الرطب بالتمر "أينقص الرطب إذا يبس" قالوا: نعم قال: "فلا إذا" فلو لم يكن نقصان الرطب باليبس علة للمنع لكان الاستكشاف عنه لغوا. ٢- أن يعدل في الجواب إلى نظير محل السؤال كما روى أنه ﷺ لما سألته الخثعمية عن الحج عن الوالدين "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيتيه أكان ينفعه " قالت: نعم قال: "فدين الله أحق أن يقضى "فيفهم منه التعليل بكونه ديناً. المسلك الثالث: الإِجماع على العلة: فإنه متى وجد الاتفاق من مجتهدي الأمة على العلة صح التعليل بها مثال ذلك: الصغر فقد أجمع على أنه علة لثبوت الولاية على المال فيقاس عليه الولاية على النكاح. ترتيب الأدلة وترجيح بعضها علما بعض ترتيب الأدلة الأدلة جمع دليل والمراد به هنا: ما تثبت به الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وقول الصحابي والاستصحاب. والترتيب في اللغة جعل واحد من شيئين أو أكثر في رتبته التي يستحقها، ومعلوم أن الأدلة الشرعية متفاوتة في القوة فيحتاج إلى معرفة الأقوى ليقدم على غيره عند التعارض. ودرجات الأدلة الشرعية على الترتيب الآتي: ١- الإجماع: لأنه قطعي معصوم من الخطأ ولا يتطرق إليه نسخ، والمراد به الإجماع القطعي وهو النطقي المنقول بالتواتر أو المشاهد بخلاف غيره. ٢- النص القطعي وهو نوعان: ١- الكتاب. ٢- السنة المتواترة وهي في قوة الكتاب لأنها تفيد العلم القطعي. ٣- خبر الآحاد، ويقدم منه الصحيح لذاته فالصحيح لغيره فالحسن لذاته فالحسن لغيره.

стр. 55

٤- القياس، وعند أحمد يقدم قول الصحابي على القياس في إحدى الروايتين عنه. فإن لم يكن دليل من هذه الأدلة استصحب الأصل وهو براءة الذمة من التكاليف فإذا تعارض أحد هذه الأدلة مع الآخر قدم الأقوى منها. تنبيه: لا يقع تعارض بين قطعيين إلا إذا كان أحدهما ناسخاً للآخر أو مخصصاً له لأن كل قطعي يفيد العلم والعمل فإذا تعارضا تناقضا والشريعة لا تتناقض. ولا بين قطعي وظني، لأن الظني لا يقاوم القطعي بل يقدم القطعي عليه ما لم يكن مخصصاً له فيكون من باب تخصيص العام كما تقدم فلا يترك الظني لوجود القطعي حينئذ. مثال ذلك قوله تعالى ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾ وهو فهذا نص قطعي الثبوت عام الدلالة في كل ميتة وكل دم مع حديث "أحلت لنا ميتتان ودمان أما الميتتان فالجراد والحوت وأما الدمان فالكبد والطحال ". وحديث ميتة البحر وهو قوله ﷺ في البحر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته". فخصص عموم الكتاب وهو قطعي بخبر الآحاد وهو ظني ولم يقدم القطعي على الظني. فإذا عرف أنه لا يقع تعارض بين قطعيين ولا بين قطعي وظني لم يبق إلا الظنيان فإذا تعارض ظنيان فلا يخلو أمرهما من إحدى حالتين: الأول: إمكان الجمع بينهما، والثانية عدم إمكانه. ففي حالة إمكان الجمع يجمع بينهما سواء علم تاريخهما أولم يعلم مثال ذلك حديث اغتسال الرسول ﷺ بفضل ميمونة وقوله لها بعد أن أخبرته أنها كانت جنبا "أن الماء لا يجنب " مع حديث نهيه ﷺ أن تغتسل المرأة بفضل الرجل والرجل بفضل المرأة فجمع بينهما بحمل النهي على الكراهة والفعل على الإِباحة ويؤيد هذا الجمع حديث بئر بضاعة أن الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه. فإذا لم يمكن الجمع فله حالتان:

стр. 56

١- معرفة التاريخ ويكون المتأخر ناسخاً للمتقدم مثاله حديث طلق بن على ﵁ أنه قدم المدينة وكان مسجد رسول الله ﷺ من عريش فسمع أعرابياً يسأل رسول الله ﷺ عن الرجل يمس ذكره بعد أن يتوضأ، أعليه وضوء، فقال له رسول الله ﷺ : "وهل هو إلا بضعة منك ". مع حديث بسرة بنت صفوان وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "من مس ذكره فليتوضأ" فقد تعارض هذان الحديثان ولم يمكن الجمع وقد علم تقدم حديث طلق وتأخر حديث بسرة وأبي هريرة لأن حديث طلق حين كان مسجد رسوله الله ﷺ من عريش أي في أول قدوم رسول الله ﷺ المدينة، مع أن إسلام أبي هريرة حصل في السنة السابعة من الهجرة فحكم بعض العلماء على الأول بالنسخ. ٢- فإن لم يعلم التاريخ، فالترجيح بطلب أمر خارج عنهما يرجح به أحدهما على الآخر، ومثاله الأحاديث الدالة على التغليس بصلاة الصبح مع الأحاديث الدالة على الِإسفار بها فإنه لم يمكن الجمع بينهما ولم يعلم التاريخ فرجح جانب التغليس لموافقته لعموم قوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ . وكذلك حديث ابن عباس ﵄ في زواج رسول الله ﷺ بميمونة وهو محرم مع حديث أبي رافع أنه تزوجها وهو حلال قال وكنت السفير بينهما، فالقصة واحدة ولا تفاوت في الزمن بالنسبة إلى الحديثين فلا يمكن إدعاء النسخ في أحدهما ولا يمكن الجمع بين حلال ومحرم في وقت واحد فانتقل إلى الترجيح فرجح حديث أبي رافعِ على حديث ابن عباس لأمور منها: ١- كونه سفيراَ بين رسول الله ﷺ وميمونة فيكون أعلم بحقيقة الواقع من ابن عباس إذ هو المباشر للقصة. ٢- جاء عن ميمونة نفسها وهي صاحبة القصة أن الزواج كان ورسول الله ﷺ حلال غير محرم. ٢- الترجيح

стр. 57

تعريفه: هو تقوية أحد الطرفين المتعارضين فيقوم بسببه على غيره. طريق الترجيح: والترجيح إما أن يكون عن طريق السند أو عن طريق المتن أو لأمر خارج عنهما. أولًا: الترجيح عن طريق السند: ١- يقدم الأكثر رواة على الأقل والأعلى سنداً على الأنزل منه. ٢- تقدم رواية الأضبط الأحفظ على رواية الضابط الحافظ. ٣- يقدم المسند على المرسل. ٤- تقدم رواية صاحب القصة والمباشر لها على الأجنبي عنها. ومن أمثلة ذلك: تقديم حديث ميمونة وأبي رافع على حديث ابن عباس كما تقدم قريباً لأن ميمونة هي صاحبة القصه وأبا رافع هو السفير بين رسول الله ﷺ وميمونة. وكذلك تقديم حديث عائشة وأم سلمة ﵄ في صحة صوم من أدركه الفجر وهو جنب على حديث أبي هريرة بخلاف حديثهما، لأن عائشة وأم سلمة أدرى من أبي هريرة في ذلك لأن غسل الجنابة وما يشاكله من أمور البيت التي يشهدانها وغيرهما يغيب عنه. ثانياً: الترجيح عن طريق المتن: كأن يقدم النص على الظاهر، والظاهر على المؤولة، والمؤول بقرينة صحيحة على ما ليست له قرينة أوله ولكنها باطلة. ثالثا: الترجيح للأمر خارج عنهما. ١- يقدم ما تشهد له نصوص أخرى على ما لم تشهد له، كأحاديث التغليس في الصبح كما تقدم. ٢- ويقدم الخبر الناقل عن حكم الأصل والموجب للعبادة مثلا على النافي لها لأن النافي جاء على مقتضى العقل والآخر متأخر فكان كالناسخ، مثل حديث بسرة وأبي هريرة في نقض الوضوء بمس الذكر فيقدم على حديث طلق بن علي لكونه جاء على مقتضى الأصل. ٣- تقدم رواية الإِثبات على رواية النفي لأن المثبت معه زيادة علم خفيت على النافي. ٤- يقدم المقتضي للحظر على المبيح لكونه أحوط.

стр. 58

الاجتهاد والتقليد ١- الاجتهاد الاجتهاد في اللغة: بذل المجهود واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال ولا يستعمل إلا فيما فيه مشقة يقال اجتهد في حمل الصخرة ولا يقال اجتهد في حمل العصا أو النواة مثلا، والجهد بالفتح المشقة والطاقة وبالضم الطاقة فقط ومنه قوله تعالى: ﴿والذين لا يجدون إلا جهدهم﴾ . وفي الاصطلاح: بذل الوسع في النظر في الأدلة للحصول على القطع أو الظن بحكم شرعي. حكمه والأصل فيه حكم الاجتهاد فرض كفاية، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكماً وعلماً﴾ . وقوله ﷺ : "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران" الحديث. وقوله النبي ﷺ لمعاذ: "الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضى رسول الله" حين قال للنبي ﷺ إنه يجتهد حيث لا كتاب ولا سنة. باب الاجتهاد مفتوح دائماً لا يجوز خلو الزمان من مجتهد قائم لله بحجته يبين للناس ما نزل إليهم خلافاً لمن قال بإغلاق باب الاجتهاد، ويدل للقول الحق قوله فيها: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة " فإنه فيها أخبر في هذا الحديث باستمرار وجود القائمين بالحق إلى انتهاء الدنيا. شروط المجتهد ١- أن يكون عالماً بوجود الرب وما يجب له سبحانه من صفات الكمال وما يمتنع عليه من صفات النقص والعيب وأن يكون مصدقاً بالرسول ﷺ وما جاء به المشرع ليكون فيما يسنده من الأقوال والأحكام محققاً. ٢- أن يكون عالماً بنصوص الكتاب والسنة التي لها تعلق بما يجتهد فيه من الأحكام وإن لم يكن حافظاً لها. ٣- أن يكون عالماً بمسائل الإِجماع والخلاف لئلا يعمل ويفتى بخلاف ما وقع الإِجماع عليه. ٤- أن يكون عالماً بالناسخ لئلا يعمل ويفتى بالمنسوخ. ٥- أن يكون عارفاً بما يصلح للاحتجاج به من الأحاديث وما لا يصلح.

стр. 59

٦- أن يكون عالماً بالقدر اللازم لفهم الكلام من اللغة والنحو. ٧- أن يكون على علم بأصول الفقه لأن هذا الفن هو الدعامة التي يعتمد عليها الاجتهاد. أقسام المجتهدين ومنزلة كل قسم والمجتهدون على أقسام: ١-المجتهد المطلق: وهو الذي توفرت فيه شروط الاجتهاد المتقدمة فيتمسك بالدليل حيث كان، فهذا القسم من المجتهدين هم الذين يسوغ لهم الإفتاء ويسوغ استفتاؤهم ويتأدى بهم فرض الاجتهاد وهم الذين قال فيهم علي ﵁: لن تخلو الأرض من قائم لله بحجته. ٢- مجتهد المذهب: وهو العالم المتبحر بمذهب من ائتم به المتمكن من تخريج ما لم ينص عليه إمامه على منصوصه، فإذا نزلت به مثلا نازلة ولم يعرف لإِمامه فيها نصا أمكنه الاجتهاد فيها على مقتضى المذهب وتخريجها على أصوله. ٣- مجتهد الفتوى والترجيح: وهو أقل درجة من سابقه لأنه قصر اجتهاده على ما صح عن إمامه ولم يتمكن من تخريج غير المنصوص، وإذا كان لإِمامه في مسألة قولان فأكثر اجتهد في ترجيح أحدها، ففتاوى القسم الأول- كما قال ابن القيم ﵀ من جنس توقيعات الملوك وفتاوى القسم الثاني من جنس توقيعات نوابهم وفتاوى القسم الثالث من جنس توقيعات نواب نوابهم. المصيب واحد من المجتهدين الحق في قول واحد من المجتهدين المختلفين ومن عداه مخطئ لكن المخطئ في الفروع التي ليس فيها دليل قطعي معذور غير آثم بل له أجر على اجتهاده، وهذا هو القول الحق خلافاً لمن قال إن كل مجتهد مصيب.

стр. 60

وفصل النزاع في هذه المسألة ما ثبت في الحديث المتفق على صحته من أن الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر، فإن الحديث صريح في أن الحق واحد وأن بعض المجتهدين يوافقه فيقال له مصيب مأجور أجرين على اجتهاده وإصابته، وبعض المجتهدين يخالفه فيقال له مخطئ مأجور مرة واحدة على اجتهاده، واستحقاقه الأجر لا يستلزم كونه مصيباً فإن النبي ﷺ جعل المجتهدين قسمين قسما مصيباً وقسماً مخطئاً، ولو كان كل منهم مصيباَ- كما ذهب إليه من ذهب- لم يكن لهذا التقسيم معنى. تجزؤ الاجتهاد الاجتهاد يقبلِ التجزؤ والانقسام على الصحيح فيكون الرجل مجتهداً في نوع من العلم مقلداَ في غيره كمن استفرغ وسعه في علم الفرائض وأدلتها واستنباطها من الكتاب والسنة دون غيره من العلوم فيجوز له أن يفتى في النوع الذي اجتهد فيه لأنه قد عرف الحق بدليله وقد بذل جهده في معرفة الصواب، فحكمه في ذلك حكم المجتهد المطلق في سائر الأنواع، ولا يجوز له الإِفتاء فيما لم يجتهد فيه فإن القاصر في فن كالعامي فيه. اجتهاد النبي ﷺ الاجتهاد من النبي ﷺ جائز وواقع ومن أمثلة وقوعه: إذنه ﷺ للمتخلفين عن غزوة تبوك قبل أن يتبين صادقهم من كاذبهم، وأسره لأسارى بدر وأخذ الفداء منهم، وأمره بترك تأبير النخل، وقوله ﷺ : "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدى"، وإرادته ﷺ النزول دون ماء بدر حتى قال له الحباب بن المنذر ﵁: إن كان هذا بوحي فنعم. وإن كان الرأي والمكيدة فأنزل بالناس على الماء لتحول بينه وبين العدو. فقال ﷺ : "ليس بوحي إنما هو رأى رأيته "، فرجع إلى قول الحباب ﵁. الاجتهاد في زمن النبوة

стр. 61

منع قوم الاجتهاد في عصر النبوة مطلقاً وأجازه قوم مطلقاً والراجح التفريق بين من كان غائباً عنه فيه فيجوز له ومن كان حاضرا فلا يجوز له إلا بإذنه ومن أدلة ذلك: قصة معاذ ﵁ وتصويب النبي ﷺ له، وتفويضه فيها الحكم في بني قريظة إلى سعد بن معاذ ﵁ لما نزلوا على حكمه فحكم بقتل المقاتلة وسبى الذراري، فصوبه النبيء ﷺ ، وتقريره ﷺ لعمرو بن العاص ﵁ لما صلى بأصحابه متيمما ولم يغتسل من الجنابة لشدة البرد استناداً إلى عموم قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ ومن ذلك أكل الصحابة ﵃ وهم محرمون من حمار الوحش الذي صاده أبو قتادة ﵃ فإن أكلهم منه باجتهاد منهم، ومنه تحول أهل قباء في صلاتهم إلى الكعبة إلى غير ذلك من الأدلة. ٢- التقليد تعريفه: التقليد في اللغة: وضع الشيء في العنق مع الإحاطة به، وذلك الشيء يسمى قلادة والجمع قلائد وقد يستعمل في تفويض الأمر إلى الشخص كأن الأمر محمولة في عنقه كالقلادة. وفي الاصطلاح: هو قبول قول من ليس قوله حجة من غير معرفة دليله. فخرج بالقيد الأول: قبول قول النبي ﷺ والأخذ بالإجماع فإن ذلك حجة بنفسه. وخرج بالقيد الثاني: قبول قول من ليس حجة إذا بين الدليِل وأظهره فإن الأخذ بالدليل الذي أخبر به لا بقوله ويسمى ذلك اتباعاً لا تقليداَ. من يسوغ له التقليد ومن لا يسوغ له لا يجوز التقليد لمجتهد أداه اجتهاده إلى الظن بحكم، أو لم يجتهد بالفعل لكنه متمكن من الاجتهاد ويجوز للعامي ولمن لم يبلغ درجة الاجتهاد في علم أو في باب من العلم لأن القاصر في فن كالعامي فيه. المفتى والمستفتى

стр. 62

المفتى: اسم فاعل من الإفتاء قال في القاموس: أفتاه في الأمر أبانه له والفتيا والفتوى وتفتح ما أفتى به الفقيه انتهى والمفتى يطلق على المخبر بالحق على غير جهة الإلزام به، ويطلق عند الأصوليين على المجتهد وهو: الباذل وسعه في النظر في الأدلة ليحصل على العلم أو الظن بحكم شرعي. والمستفتى: اسم فاعل من الاستفتاء وهو لغة: طالب الفتوى وفي الاصطلاح هو: من طلب الحكم الشرعي من المجتهد، فيدخل فيه العامي والمتعلم الذي لم يبلغ درجة الاجتهاد. من ورد الإِفتاء مسندا إليه في الكتاب والسنة ورد الإِفتاء في الكتاب العزيز مسنداً إلى الرب كما في قوله تعالى: ﴿قل الله يفتيكم﴾ وإلى القرآن كما في قوله ﴿وما يتلى عليكم في الكتاب﴾ أي يفتيكم. وورد في السنة المطهرة مسنداً إلى الناس كما في قوله ﷺ : "والإِثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك ". من يستفتى المقلد المستفتى يستفتى من غلب على ظنه أنه أهل للفتوى، بما يراه من انتصابه للفتيا واحترام الناس له وأخذهم عنه، أو بخبر عدل عنه. إذا تعدد المفتون فأيهم يستفتى المقلد إذا كان في البلد مجتهدون فللمقلد استفتاء من شاء منهم، ولا يلزمه مراجعة الأعلم، وقيل بل يلزمه سؤال الأفضل، واستدل للأول بأن المفضول من الصحابة والتابعين كان يفتى مع وجود الفاضل مع اشتهار ذلك وتكرره ولم ينكره أحد فكان إجماعاً على جواز استفتائه مع القدرة على استفتاء الفاضل، واستدل للثاني بأن الأفضل أهدى إلى أسرار الشريعة من غيره. آداب المفتي والمستفتي لكل من المفتي والمستفتي آداب فمن آداب المفتي: ١- أن يكون ذا نية حسنة فإنما الأعمال بالنيات، ومن فقد النية الحسنة لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور. ٢- أن يكون ذا حلم ووقار وسكينة فإن ذلك هو كسوة العلم وجماله، فإذا افتقدها المفتى كان علمه كالبدن العاري من اللباس.

стр. 63

٣- أن يستعف عما في أيدي الناس، فإنه إن أكل منهم شيئاً أكلوا من لحمه ودمه أضعافه. ٤- أن يكون على جانب كبير من معرفة الناس فإنه إذا عدم ذلك تصور له الظالم بصورة المظلوم وعكسه وراج عليه المكر والخداع والاحتيال فكان ما يفسده أكثر مما يصلحه. ٥- أن يتوجه إلى الله تعالى ويتضرع إليه ويكثر من الدعاء والاستغفار ليلهمه الصواب ويفتح له طريق السداد. ٦- أن يتحرز ما أمكنه التحرز من نسبة الحكم إلى الله تعالى وإلى رسول الله ﷺ إلا بنص يستند عليه في ذلك. ٧- أن يستشير في فتواه من يثق بعلمه ودينه فإن عمر ﵁ كان إذا نزلت به النازلة استشار من حضره من الصحابة، وربما جمعهم فشاورهم. ٨- أن يعمل بعلمه فإن العمل هو ثمرة العلم وبدون العمل يكون علم الإنسان حجة عليه. ومن آداب المستفتي: ١- أن يتخلق بالأخلاق الفاضلة مطلقا وبالأخص مع المفتي فلا يفعل معه ما جرت عادة العوام به كإيماء بيده في وجهه ولا يقول له مالا ينبغي كأن يقول أفتاني غيرك بكذا ولا يسأله في حالة ضجر أو هم أو غضب ونحو ذلك. ٢- أن لا يسأله عما لا يعنى ولا يكثر من الأسئلة إلى حد يسأم فيه المفتى ويمل. هذا آخر ما يسر الله ذكره في هذه المذكرة ... والحمد لله أولاً وآخراً وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.