Полный текст (8 511 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
قَبلَ ماركس كل مقدمات باور بشأن اليهود واليهودية، بل إن نبرته كانت أكثر حدة وأكثر عداء لليهود. ولكنه رفض نتائجه بشأن رؤيته للدولة وطريقة الانعتاق وحدود هذا الانعتاق السياسي أو المدني، فباور بحسب تصور ماركس لم يدرك أهمية البُعد الاجتماعي في عملية الإعتاق باعتباره بُعداً لصيقاً ومستوى كامناً تحتياً للبعد السياسي والديني، وهو ما حاول تغطيته في دراسته. وبهذه الطريقة، تمكَّن ماركس من تحويل المسألة اليهودية من قضية أقلية دينية أو إثنية إلى قضية عامة تخص الحضارة الغربية والنظام السياسي والاجتماعي الغربي ككل.
стр. 2592
وكما أسلفنا، يميِّز الفكر الألماني الرومانسي، ثم من بعده الاشتراكي، بين الجماعة العضوية المتكاملة التي تُعبِّر عن الجوهر الإنساني من جهة، ومن جهة أخرى المجتمع التعاقدي الذي يخفي هذا الجوهر ويطمسه ويجعل الإنسان يغترب عن ذاته. وتظهر الفكرة نفسها على المستوى السياسي والاجتماعي والاقتصادي في تمييز ماركس بين المواطن وعضو المجتمع المدني. أما المواطن (ممثل النوع البشري) فهو عضو الجماعة السياسية المتكاملة (متمثلة في الدولة الليبرالية الحقة الكاملة) وهذه الدولة هي مجال الحرية الكامل الذي يتحقق من خلاله الإنسان ولا يغترب عن جوهره. وليس بإمكان هذه الدولة أن تقوم بدورها هذا إلا بعد أن تصبح عقلانية تماماً، بأن تفصل نفسها تماماً عن كل المؤسسات غير العقلانية غير الإنسانية، مثل الكنيسة والملكية والأرستقراطية، بحيث تصبح أداة الجماعة السياسية التي يعيش داخلها المواطن ممثلاً للنوع. ويُلاحَظ أن الافتراض أو الأمل هنا هو ألا يكون القانون الخارجي للدولة إلا تعبيراً عن القانون الداخلي للإنسان ورغباته الذاتية. ولكن كيف يمكن للذات أن تلتقي بالموضوع ويلتقي الخاص بالعام والمحلي بالعالمي؟ يتجاوز ماركس هذه الثنائية بتبنِّي الفكرة المحورية في فلسفة الاستنارة، وهي تصوُّر وجود عقل (وجوهر) إنساني عالمي عام ثابت لا تتغيَّر قوانينه أو سماته، ويحاول الإفصاح عن نفسه في كل مكان وزمان، ويمكن أن تتحقق عملية الإفصاح بشكل كامل إذا أزيلت العوائق من طريقها. والمشروع الثوري يصبح، إذن، عملية إزالة للعوائق وتأسيس للدولة التي تجسد هذا العقل وهذا الجوهر حتى يمكنها أن تُعبِّر عن الإنسان العقلاني وجوهره. وغني عن الذكر أن مثل هذه الدولة ومثل هذا الموقف يرفضان تماماً أية خصوصية باعتبارها قيوداً على هذه العقلانية العامة.
стр. 2593
ويقف عضو المجتمع المدني (أي «المجتمع البورجوازي» ) على الطرف النقيض من المواطن. ففي المجتمع المدني، يتحول الأفراد إلى وحدات ذرية أو ينظر الإنسان إلى الآخرين باعتبارهم أدوات، وينحط هو نفسه إلى مجرد وسيلة ويصبح لعبة في يد القوى الغريبة عنه. وتشكل الليبرالية السياسية، والإعتاق السياسي لأعضاء المجتمع، تقدماً هائلاً. لكن الإعتاق السياسي ليس آخر أشكال الإعتاق الإنساني، بل إن الليبرالية لم تستكمل عملية إعتاق الدولة تماماً. فقد أصبحت الدولة أداة للأثرياء، كما أنها لم تتحرر من الدين تماماً، بل احتفظت بموقف يستند إلى التفاوت الطبقي ولا يرفض الدين كليةً. وما حدث في المجتمع المدني أن الإنسان لم يتحرر من الدين بل تلقَّى الحرية الدينية. ولم يجر تحريره من الملكية، بل نال حرية الملكية. ولم يتحرر من أنانية الصناعة، بل نال حرية الصناعة. والحرية هنا هي حرية الإنسان بوصفه ذرة منعزلة، حرية تُعبِّر عن نفسها لا في شيء داخلي عضوي إنساني جواني وإنما في حق الملكية الذي هو حق الإنسان في التمتع بثروته، والتصرف فيها وفق مشيئته، دون الاهتمام بسائر الناس وبصورة مستقلة عن المجتمع. إنه الحق في الأنانية. وهذه الحرية الفردية، مع تطبيقها، هي التي تؤلف أساس المجتمع البورجوازي. ويصبح الأمن هو أسمى مبادئ المجتمع البورجوازي (المدني) . ولكن هذا الأمن ليس إلا تعبيراً عن التفتت والذرية. فالأمن هو قانون الشرطة لا قانون الإنسان المتكامل ولا قانون الدولة الحقيقية العقلانية. وهو ليس وسيلة يترفَّع بها المجتمع البورجوازي عن أنانيته (ذَريته وتعاقديته) وإنما هو ضمان الأنانية. وهكذا، بدلاً من أن يكون الإنسان كائناً بشرياً اجتماعياً يعيش في مجتمع متكامل ويُعبِّر عن جوهره الإنساني، فإن الحياة البشرية نفسها (أي المجتمع) تظهر في شكل إطار خارجي عن الفرد، أي تحديد لحريته الأولية. والرابطة الوحيدة التي توحِّد بينهما ليست الرابطة
стр. 2594
العضوية الداخلية وإنما رابطة الضرورة الطبيعية والحاجة والمصلحة الخاصة، ورابطة الحفاظ على الملكية وعلى الذات الأنانية المنغلقة على نفسها، أي أنها رابطة خارجية آلية واغتراب عن الجوهر.
ويستخدم ماركس أيضاً فكرة الجماعة العضوية التراحمية المترابطة (جماينشافت) والمجتمع التعاقدي الذري المفتَّت (جيسيلشافت) في وصفه للدين، إذ يذهب إلى أن الدين، أي دين، يلعب دوراً حاسماً في عملية اغتراب الإنسان عن جوهره وتخليه عنه. فالإنسان ما دام سجين الدين وتحت سيطرته، لا يمكنه إلا أن يُموضع جوهره، أي يحوِّله إلى موضوع بأن يجعله كائناً غريباً عنه خرافياً متعالياً عليه. ويضرب ماركس مثلاً بالمسيح الذي يصبح الوسيط الذي يُحمِّله الإنسان كل ألوهيته، فالإنسان يُسقط إلوهيته (جوهره) على المسيح بدلاً من أن ينظر إلى نفسه باعتباره هو نفسه الإله أو الجوهر الأسمى أو المطلق (وهي نفسها فكرة فيورباخ) . ومن ثم يغترب الإنسان عن نفسه، تماماً كما يحدث حينما يكون الإنسان تحت سيطرة الحاجة الأنانية، فإنه حينئذ لا يمكن إلا أن يصبح عملياً (برانياً خارجياً وفي علاقة آلية مع كل ما حوله) ، ولا يمكنه إلا أن يخلق أشياء عملية ويضع منتوجاته ونشاطاته تحت سيطرة جوهر غريب عنه وينسب إليها مدلول جوهر غريب هو المال. فالمال هو جوهر الإنسان المنفصل عن الإنسان والذي تَموضع خارجه وهو جوهر يسيطر عليه ويستعبده، تماماً مثل الرب الذي هو أيضاً جوهر الإنسان المنفصل عنه. ويمكننا أن نكتشف بنية أساسية هنا وهي جوهر إنساني أو عقل إنساني عام يمكنه أن يتحقق أو يغترب عن نفسه. ويأخذ الاغتراب شكل إسقاط الجوهر الإنساني الداخلي على شيء غير إنساني خارجي (الإله أو المال) . ولذا، فإن كلاًّ من الدين والمجتمع البورجوازي يؤديان إلى النتيجة نفسها، أي اغتراب الإنسان عن جوهره الإنساني، وبالتالي إلى تفتُّت المجتمع وتحوُّل الجماعة العضوية إلى مجتمع تعاقدي والإنسان العضوي
стр. 2595
الجواني إلى إنسان آلي براني. وهذا يعني أن الجانب المعرفي يلتقي تماماً مع الجانب الاقتصادي الاجتماعي.
ولكن علاقة البورجوازية بالدين لا تقتصر على التقابل البنيوي وإنما ثمة علاقة سببية تاريخية. فالمجتمع البورجوازي لم يكن بوسعه التوصل إلى الانفصال التام عن مجرى الدولة (الواقعية الحقيقية، أي العقلانية، التي يُعبِّر الإنسان من خلالها عن جوهره) ، وإلى تمزيق جميع الروابط الاجتماعية للإنسان، وإلى إحلال النزعة الأنانية والحاجة الأنانية محلها، وإلى تفكيك عالم الناس إلى عالم أفراد ذريين بعضهم أعداء لبعض، لم يكن بوسع المجتمع البورجوازي التوصل إلى ذلك كله إلا في ظل المسيحية التي حولت جميع علاقات الإنسان (القومية والطبيعية والأخلاقية) من أشياء داخلية جوانية إلى علاقات خارجة عن الإنسان. وبهذه الطريقة، أي من خلال انتشار المثُل المسيحية، تمكَّن المجتمع المدني (البورجوازي) من أن يُمزِّق كل أواصر النوع الإنساني وأن يُحل الأنانية محل هذه الأواصر. ومن هنا يقول ماركس إن المجتمع المدني البورجوازي يبلغ اكتماله وذروته في العالم المسيحي.
стр. 2596
والآن، ما علاقة كل هذا باليهود واليهودية؟ لابد أن نشير إلى الاعتقاد السائد في الفكر الاشتراكي والاجتماعي الغربي بأن اليهود يُكوِّنون حلقة مغلقة من المموِّلين الدوليين المتحالفين مع النخب الحاكمة. وهو تصوُّر، برغم جزئيته، لم يكن منافياً تماماً للحقيقة التاريخية. فيهود البلاط كانوا ظاهرة أوربية بمعنى الكلمة. كانوا يتركزون في وسط أوربا وألمانيا، فلم تمتد دائرة وجودهم لتشمل فرنسا أو إنجلترا. وكان هناك روتشيلد (آخر يهودي بلاط) وصديق مترنيخ والذي كان يرتبط بعلاقات وثيقة مع أسرة الهابسبورج وبعض الأسر الملكية الحاكمة الأخرى. ولم يكن دور يهود الأرندا في بولندا بعيداً عن الأذهان. كما أن المرابين اليهود في الألزاس ووادي الراين كانوا يستولون على الأراضي المرهونة بعد فَشَل ملاكها في تسديد ديونهم بدرجات متزايدة في نهاية القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر، ومعنى ذلك أن اليهود أو قطاعاً منهم كانوا مرتبطين تماماً بالقوى الرجعية وقوى الاستغلال. وقد تغيَّر الوضع كما أسلفنا، في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، فانخرطت أعداد متزايدة من أعضاء الجماعات اليهودية في صفوف الطبقة العاملة في شرق أوربا. ونضيف، إلى كل هذا، أن الهجوم على النخبة الحاكمة الرجعية كان يأخذ أحياناً طابع الهجوم على اليهود بشكل عام، لا على المموِّلين اليهود وحسب.
стр. 2597
ونضيف إلى هذا عنصراً آخر وهو الكره العميق الذي يكنه ماركس للرأسمالية التجارية والتي نسميها في مصطلحنا «الجماعة الوظيفية الوسيطة» . وبحسب وجهة نظره، تعيش المشاريع التجارية، على عكس المشاريع الصناعية، في الشقوق بين المجتمعات وداخلها. فالاتجار والتبادل لم ينشأ داخل الجماعات الإنسانية وإنما فيما بينها، ومن هنا كان بوسع نمطين اقتصاديين متناقضين (الزراعي والتجاري) أن يتعايشا معاً في المجتمع الإقطاعي. وميَّز ماركس بين هذه الرأسمالية التجارية من جهة والرأسمالية الصناعية «الحقة» (أو «الرشيدة» في مصطلح فيبر فيما بعد) من جهة أخرى؛ والأولى تشجع حركة التبادل، وعملية التبادل عملية أساسية، ولكنها في الواقع لا تضيف أية قيمة حقيقية للمُنتَج، فالرأسمالي التجاري كان يتاجر في سلع تقع خارج النشاط الإنتاجي، وقد سماها ماركس «رأسمالية شكلية» حتى يبرهن على انفصالها عن الإنتاج، فهي رأسمالية تعيش بطريقة طفيلية على المجتمعات المتخلفة، وهي جزء من هذا التخلف رغم استفادتها منه. ومع هذا، تلعب هذه الرأسمالية الطفيلية دوراً ثورياً إذ تصيب المجتمعات التقليدية بالتفكك وتُقلِّل تماسكها، ولكنها مع هذا غير قادرة على بناء مجتمعات جديدة. ومن هنا جاء كُره ماركس للمشروعات التجارية والمالية الخالصة وإسقاط هذا الكره على رؤيته للتاريخ، فهاجم سياسات وطرق تلك الأمم التي ارتبطت بهذه المشاريع ارتباطاً قوياً في العصور القديمة والوسيطة والحديثة، اليونانيين والفينيقيين واللومبارد، واليهود بطبيعة الحال. وكما يقول ماركس في رأس المال كانت الأمم التجارية تعيش كآلهة أبيقور في العوالم الوسيطة للكون، أو كما كان يعيش اليهود في مسام المجتمع البولندي. كما كانت تجارة المدن التجارية المستقلة الأولى والأمم التجارية تعتمد على بربرية أو تَخلُّف الأمم المنتجة التي قاموا فيما بينها بدور الوساطة. ويُلاحَظ أن ماركس يجعل من كلمات «يهودي»
стр. 2598
و «تاجر» و «لومبارد» و «مرابي» مترادفات، ويتجلى هذا الترادف أيضاً في كتابه الصراع الطبقي في فرنسا حيث يتحدث عن «يهود البورصة» و «يهود الأعمال المالية» بل ويَسقُط أحياناً في العنصرية حين يتحدث عن "لاسال الزنجي اليهودي" وهي عرْقية ضد كلٍّ من السود واليهود. ولكن مثل هذه العبارات القبيحة وغير الأخلاقية نادرة في كتابات ماركس كما أسلفنا، ولعلها تسربت إلى مصطلحه من الخطاب السياسي الغربي الشائع. والتطور التاريخي الصحيح من وجهة نظر ماركس وإنجلز هو اختفاء الرأسمالية التجارية وكل المؤسسات التي تعيش في الشقوق، ليتبلور المجتمع في عمال ورأسماليين، أي إلى أشخاص مرتبطين بالعملية الإنتاجية ولا يخشون المخاطرة بالاستثمار فيها.
وقد استمر كُره ماركس للتجارة حتى النهاية. ولهذا، فإن رؤيته للمجتمع المثالي (الشيوعي) تخلو من أية شبكة للتوزيع، فمن كل حسب قدرته ولكل حسب حاجته، أي أن هناك وجوداً عضوياً كاملاً يلتحم فيه الجزء بالكل والذات بالموضوع، وبالتالي يختفي الوسيط التاجر والمموِّل تماماً. ويُقال إن هذا الموقف يضرب بجذوره في العصور الوسطى المسيحية وهو موقف الرفض العميق للأعمال المالية والتجارية بوصفها أعمالاً حقيرة. وعلى كلٍّ، فإن الجماعة العضوية المترابطة التقليدية هي في جوهرها المجتمع الزراعي - في العصور الوسطى ـ الخالي من التنافس والوسطاء.
стр. 2599
ولكن، إذا كانت هناك علاقة بنيوية وسببية قوية بين الدين واغتراب الإنسان عن جوهره وبين الدين المسيحي والبورجوازية، أي تنظيم المجتمع على أسس بورجوازية (وهي علاقة تؤدي إلى التفتت والذرية) ، فإن ثمة ما يشبه الترادف بين اليهودية والبورجوازية بل التوحد الكامل بينهما. فجوهر اليهودية الحقيقي تحقَّق في المجتمع البورجوازي الذي هو في واقع الأمر علمنة لليهودية. بل يمكن القول بأن اليهودية هي البورجوازية، فكما أن المجتمع البورجوازي لا يبلغ اكتماله إلا في العالم المسيحي، فإن اليهودية لا تبلغ ذروتها إلا مع اكتمال المجتمع البورجوازي. فالبورجوازية هي أعلى مراحل المسيحية، واليهودية هي أعلى مراحل البورجوازية (هذا إن أردنا استخدام الخطاب اللينيني في توصيف الأمور) .
ويتناول ماركس النسق الديني اليهودي من خلال بعض الأفكار الخاطئة، في تصوُّرنا، والتي شاعت في الفكر الألماني عن اليهودية، وهي تعود إلى فكر موسى مندلسون ومنه انتقلت إلى كانط فهيجل. يقول ماركس: شريعة اليهود غير العقلانية إن هي إلا صورة دينية ممسوخة للأخلاق والقانون بشكل عام. إن هذه الشريعة هي فكرة الحقوق الشكلية الخالصة التي يحيط بها عالم الأنانية نفسه (أي أن المجتمع الذري يحل محل الجماعة العضوية المتماسكة) . إن أسمى أنواع العلاقات الإنسانية داخل اليهودية هو العلاقة القانونية، علاقة الإنسان بقوانين لا تستمد فعاليتها من كونها قوانين نابعة من إرادته هو نفسه وجوهره وإنما تستمد هذه الفعالية من أن هذه القوانين هي سيده وأن أي انحراف عنها يقابله العقاب. ففكرة الشريعة اليهودية، بشعائرها الكثيرة، تقف (في تصوُّر ماركس) على الطرف النقيض من فكرة الدولة الحقة التي يحقق الإنسان جوهره من خلالها.
стр. 2600
لكل هذا، نجد أن نزعات التفتت الذري الناجمة عن الأنانية والتي تؤدي إلى اغتراب الإنسان عن جوهره، والتي بدأتها المسيحية، تصل إلى درجة عالية من التبلور في المجتمع البورجوازي، ثم إلى ذروتها في اليهودية. ورغم أن المسيحية هي التي بدأت هذا الاتجاه إلا أنها ظلت أكثر سمواً وأكثر روحانية من اليهودية. فالأنانية الروحانية عند المسيحي (البحث عن الخلاص الفردي) تصبح في الحياة العملية الكاملة، وبشكل حتمي، الأنانية المادية عند اليهودي (البحث عن الربح) ، وتتحوَّل الحاجة السماوية إلى حاجة دنيوية، وتتحول الذاتية المسيحية إلى أنانية يهودية. ومن ثم، فإن المسيحية هي الفكر السامي واليهودية هي التطبيق السوقي والعملي لها. ولكن هذا التطبيق لم يصبح عاماً وشاملاً في المجتمع إلا بعد أن توصلت المسيحية نظرياً، باعتبارها ديناً متكاملاً، إلى جَعْل الإنسان غريباً عن نفسه وعن الطبيعة. وعندئذ فقط استطاعت اليهودية التوصل إلى السيطرة العامة، وإلى إبعاد الإنسان والطبيعة إلى خارج ذاتيهما، وجعلت منهما شيئاً تجارياً خاضعاً للحاجة والأنانية وللمتاجرة. وحتى العلاقات بين الرجل والمرأة تصبح موضوعاً للتجارة، فالمرأة تصبح سلعة يُتاجَر بها. وقد ساهمت المسيحية في نشوء المجتمع البورجوازي. ومن أحشاء هذا المجتمع يتولَّد البورجوازي اليهودي دون انقطاع. ونحن لا نجد اليهودي المعاصر في التوراة أو التلمود وحسب، بل نجده في المجتمع البورجوازي الحالي، وهو ليس جوهراً مجرداً منعزلاً عن حركيات المجتمع وإنما هو جوهر عملي مطلق (وكذلك جوهر البورجوازية أيضاً) . ومن ثم، فلا يمكن الحديث عن حدود اجتماعية لليهودي، وإنما يمكن أن نتحدث عن حدود يهودية للمجتمع، أي عن حدود يهودية بورجوازية للمجتمع الإنساني.
стр. 2601
في إطار هذا، يمكننا أن نفهم عبارات ماركس عن أن جوهر اليهودية هو المتاجرة وأساسها المنفعة العملية والأنانية، وأن المال هو إله إسرائيل الطماع ولا إله سواه، وأن «التبادل التجاري هو إله اليهود الحقيقي، وأمامه لا ينبغي لأي إله أن يعيش» . ويتضمن الدين اليهودي «ازدراءً للفن والتاريخ والإنسان كغاية في ذاتها» . و «تحتوي اليهودية على عنصر عام ومناهض للمجتمع» . فاليهودية هنا ليست مجرد نسق ديني وإنما هي البورجوازية المتبلورة، وقد وصلت اليهودية إلى ذروة تحقُّقها في المجتمع المدني البورجوازي من خلال التطور التاريخي. فاليهودية، إذن، استمرت بسبب التاريخ لا بالرغم منه. وعناد اليهود وبقاؤهم لا يمكن تفسيرهما عن طريق دينهم وإنما يمكن تفسيرهما بالأساس الإنساني (أي التاريخي) لدينهم، وهو الحاجة العملية والأنانية. اليهودية، إذن، ليست مجرد بناء فوقي ونظام معرفي وإنما هي أيضاً جزء من نظام اقتصادي تحتي هو البورجوازية، ترتبط به ارتباطاً عضوياً يَصعُب معه فَصْل الواحد عن الآخر، فالبورجوازية تلد اليهودي دائماً من أحشائها بشكل حتمي عضوي.
стр. 2602
ويمكننا الآن أن نتحدث عن عملية تهويد المجتمع، أي سيادة النظم المعرفية والاقتصادية البورجوازية والتي يلعب اليهود دوراً أساسياً فيها رغم أنهم ليسوا وحدهم المضطلعين بها. ويتناول ماركس إشكالية أصول الرأسمالية ويرى، مثل سومبارت، أن اليهود لعبوا دوراً أساسياً في تغيير النظام الاجتماعي الزراعي عن طريق تفتيته، ولكنه لا يوافقه على أنهم مسئولون عن ظهور الرأسمالية الحقة أو الرشيدة. فهو يتفق مع فيبر في أن هذه عملية ضخمة لم يلعب فيها اليهود غير دور ثانوي سلبي. ومع هذا، يختلف ماركس مع فيبر ويتفق مع سومبارت في أن روح الرأسمالية مُستمدَّة من اليهودية لا البروتستانتية. وربما كان ما يريد ماركس قوله هو أن النموذج المعرفي الذري المُتفتَّت الأناني يُوجَد في اليهودية بشكل أكثر تبلوراً منه في المسيحية. وهكذا، ورغم أن اليهود لم يلعبوا دوراً أساسياً في بناء الرأسمالية الرشيدة كجماعة بشرية إثنية، فإن اليهودية (كنسق ديني) لعبت دوراً فعالاً فيها. كما أن سيادة النمط المعرفي المتمثل في اليهودية يعني في واقع الأمر انتصار الرأسمالية الكامل.
واليهودي، بالنسبة إلى ماركس، هو سيِّد السوق المالية، وبواسطته أصبح المال (إله إسرائيل الطماع) قوة عالمية، وأصبحت الروح العملية اليهودية هي الروح العملية للشعوب المسيحية. وتاريخ المجتمع البورجوازي هو تاريخ تهويد أوربا، وهو أيضاً تاريخ علمنة إله إسرائيل وتحويله إلى إله العالم، فالبنكنوت (الرب العملي لإسرائيل) أصبح رب العالم الغربي الرأسمالي (انظر: «تهويد المجتمع» ) .
стр. 2603
ولذا، فإن ماركس يرى أن الحديث عن الإعتاق السياسي لليهود أمر غير ذي موضوع في الواقع إذ أن اليهود تحرَّروا بالفعل ولكن على الطريقة اليهودية. «فاليهودي الذي لا يُحسَب له حساب في فيينا (مثلاً) هو الذي يقرِّر بقوته المالية مصير المملكة كلها. واليهودي الذي قد يكون في أصغر الدول الألمانية محروماً من الحقوق، هو الذي يقرر مصير أوربا» . لقد تحرَّر اليهود بالنسبة نفسها التي بها تحوَّل المسيحيون إلى يهود، أي أن إعتاق اليهود تم على الطريقة البورجوازية ومن داخل المجتمع البورجوازي حينما تم تفتيت المجتمع تماماً وهيمنت قيم المنفعة والأنانية عليه. والحديث عن الإعتاق السياسي لليهود هو تعبير عن تناقض أساسي في المجتمع البورجوازي، وهو التناقض القائم بين السياسة وقوة المال «فالسياسة نظرياً، فوق قوة المال. ولكنها، عملياً، أصبحت مجرد سجينة له» .
ثم نصل إلى الحلول التي يطرحها ماركس. ولقد سبق أن بيَّنا أن اغتراب الإنسان عن جوهره يعود أساساً - في تصوُّر ماركس - إلى ظاهرة الدين الذي يجعل الإله موضوعاً يواجه الذات الإنسانية كشيء غريب عنها. ومن ثم، فإن إلغاء الدين شرط ضروري للتحرر. فالدولة التي تفترض الدين مسبقاً ليست بعد دولة حقيقية، أي أنها لا تُعبِّر عن جوهر الإنسان. وأي دولة تفترض الدين مقولة أو إطاراً، لابد أن تُولِّد استلاباً للإنسان. ويقتبس ماركس، باستحسان، رأي باور في استحالة إعتاق اليهود داخل إطار الدولة (الدينية المسيحية) ، إذ يُولِّد ذلك تعارضاً لا تنفصم عراه بين اليهودي والمسيحي. ولكن كيف يمكن حل مثل هذا التعارض؟ يرى ماركس أن حل أية مشكلة إنما يكون بنفيها وإلغائها، ومن هنا كان ترحيبه بحل باور، أي حل المشكلة بجعل التعارض الديني مستحيلاً بإلغاء الدين ذاته بحيث لا يرى اليهودي أو المسيحي، أيٌّ منهما، في دين الآخر، إلا درجات مختلفة من الروح الإنسانية.
стр. 2604
وفي مقاله «حول نقد فلسفة الحق عند هيجل» يقول ماركس: «إن إلغاء الدين، باعتباره السعادة البشرية الوهمية، دعوة إلى السعادة الحقيقية. فدعوة البشر إلى التخلي عن أوهامهم بشأن أحوالهم هي دعوة إلى التخلي عن الحالة التي تتطلب الأوهام» (ويبدو أن الموازنات اللفظية داء مزمن في كتابات ماركس الأولى) . وعندئذ سيكتشف الإنسان «أن الدين ليس إلا مجرد جلود أفاع مختلفة نَزعَها التاريخ عنه وألقى بها، وأنه هو الأفعى التي استخدمت الجلد كمجرد غطاء» . وحينذاك «لن يجد، المسيحي واليهودي، نفسيهما في حالة تعارض ديني وإنما في علاقة نقدية بحتة، علاقة تَعارُض علمية بشرية. وعندئذ يؤلف العلم وحدتهما ولا تُحَل التناقضات في العالم إلا عن طريق العلم» . وهكذا يصبح العلم، أو العقل العام أو العقل المادي، هو المطلق الوحيد بدلاً من الإله، وهذا هو جوهر الفكر الإنساني العلماني الغربي. وهو حل باور، وهو حل قد يؤدي بالفعل إلى تحرُّر سياسي ولكن غير كاف برغم أهميته. فهو تحرُّر على المستوى السياسي وعلى مستوى الأفكار فقط. ولكن، كما بيَّن ماركس، يوجد جانب اقتصادي مادي صلب يَجُبُّ الجانب السياسي ويجعل المساواة في الحقوق السياسية أمراً مزعوماً. وهذا الجانب، يجسِّد الأنانية الكامنة في الإنسان وكل نزعات التفتت. والدولة، مجال حرية الإنسان ووسيلة تحقيق تكامله، تخضع هي نفسها لسطوة المموِّلين. ولأن حل أية قضية، بالنسبة إلى ماركس، لا يمكن أن يتم إلا بنفيها وإلغائها، فإننا نجده يرى أن المجتمع «لن يحرِّر نفسه إلا بتحرره من المتاجرة والمال، وبالتالي من اليهودية الواقعية» . و «حين ينجح المجتمع في إلغاء الجوهر العملي لليهودية، المتاجرة وشروطها، عندئذ يصبح وجود اليهودي مستحيلاً» ، وذلك لأن رؤية اليهودي للعالم، أي النموذج المعرفي الذي يحمله، لم يَعُد لها ما يجسِّدها، ولأن أساس اليهودية نفسها، أي الحاجة العملية، قد اختفت (تمت أنسنتها)
стр. 2605
وتم تجاوُز الصراع بين وجود الإنسان الفردي ووجوده المادي بوجوده كعضو في النوع البشري. وهكذا، فإن «إعتاق اليهود في معناه الأخير يعني إعتاق الإنسانية من اليهودية» .
ولتلخيص الأمور، يمكن القول بأن التحرر الإنساني من منظور ماركس لا يتم في المحيط السياسي، أي داخل الدولة البورجوازية القائمة، وإنما يتم خارجها (الدولة الليبرالية الحقة الكاملة) . فالتحرُّر سيكون تحرُّراً من الظروف الموضوعية التي تؤدي إلى الأنانية أي المتاجرة والمبادلة، ومن الأفكار التي تُنمي الأنانية مثل التراث اليهودي المسيحي ومن الدين بشكل عام. ولا يمكن إنجاز مثل هذا التحرر الكامل إلا من خلال تحرير الدولة ذاتها من تلك الظروف ومن هذه الأفكار بحيث تصبح مجالاً لحرية الإنسان.
стр. 2606
وإذا كان ماركس قد كتب كتيباً، فإن إنجلز لم يكتب سوى ملاحظات عابرة، ويُقال إنه تُوجَد مخطوطة ضمن أوراقه الموجودة في موسكو بعنوان «يهود ألمانيا» ولكنها لم تُنشَر لسبب غير معروف. ويمكن تقسيم ملاحظات إنجلز بشأن المسألة اليهودية إلى قسمين: ما قبل عام ١٨٧٨، وما بعده. وهذا التاريخ هو تاريخ نشر كتابه ضد دوهرنج. ويُلاحَظ أن فكر إنجلز بشأن اليهود واليهودية في فترة ما قبل عام ١٨٧٨ لا يختلف كثيراً عن الخطاب الاشتراكي السائد الذي يرى اليهود كجزء عضوي من الرأسمالية التجارية والتي سميناها «جماعة وظيفية وسيطة» . وقد لاحظ إنجلز أن اليهودي إما تاجر وإما مراب، وأن التجار اليهود احتكروا تَبادُل السلع المصنوعة في أوربا بالمحاصيل الزراعية في بولندا، وربما تكون هذه إشارة إلى يهود البلاط في علاقتهم بيهود الأرندا. ويرى إنجلز (في مقال له في نيويورك تربيون ٥ مارس ١٨٥٢) أن هذا هو الوضع السائد في كل شرق أوربا بل وفي الدولة العثمانية. فالحرفي والتاجر الصغير والصانع الصغير، في روسيا وألمانيا والقسطنطينية، ألماني، في حين نجد أن المرابي وصاحب الحانة وجابي الضرائب والبائع الجوال هو عادةً يهودي يتحدث الألمانية الفاسدة (هذه هي طريقة إنجلز في الإشارة إلى اليديشية) ! والواقع أن الصورة كانت أكثر تركيباً مما تصوره إنجلز عن الدولة العثمانية.
стр. 2607
اليهود، إذن، جماعة وظيفية وسيطة (الرأسمالية الشكلية) . ومع أن إنجلز يُلاحظ وجود أثرياء اليهود في الغرب، فإنه لا يربط بين ذلك وبين الرأسمالية الصناعية «الرشيدة» بحسب مصطلح فيبر، أو «الحقيقية» بحسب مصطلح ماركس، وإنما يربط بينهم وبين البورصة وحسب. ويرى أن ثمة علاقة قوية تربط أعضاء الجماعات اليهودية بعضهم بالبعض ولكنها علاقة وظيفية وليست قومية (وفق مفهوم قومية اليهود الوهمية عند ماركس ومفهوم الطبقة/الأمة عند ليون) . فالمموِّل الألماني اليهودي يرفع قبعته بالتحية للمصرفي اليهودي الفرنسي، وسوق الأوراق المالية مؤسسة طفيلية لا علاقة لها بالإنتاج، فما هي إلا مؤسسة يقوم فيها المموِّلون اليهود بتوزيع فائض القيمة الذي سرقوه من العمال. وبرغم طفيلية هذا الدور الذي يلعبه المموِّلون اليهود، فإن له أبعاده الثورية إذ ساعد على سرعة تركيز رأس المال وبالتالي ساعد على بلورة المجتمع واستقطابه.
стр. 2608
وانطلاقاً من مثل هذه الأطروحات، كتب إنجلز مقالاً في مجلة النجم الشمالي (إنجليزية) يدافع فيه عن كتيِّب معاد لليهود صدر في باريس عام ١٨٤٦. فذهب إلى أن الكتيب لا يهاجم لويس فيليب وإنما يهاجم في واقع الأمر روتشيلد الأول، ملك اليهود، وأنه بذلك أخذ الاتجاه الصحيح. ومما عمق من هجوم إنجلز على اليهود أنه كان يؤيد نضال بولندا من أجل الاستقلال والحفاظ على هويتها القومية، وبالتالي كان معارضاً لليهود والألمان (في بوزنان) الذين كانوا يؤيدون ضمها إلى ألمانيا وصبغها بالصبغة الألمانية. وكان اليهود، بوصفهم عنصراً ألمانياً، يقفون إلى جانب الألمان في هذه المعركة. وقد هاجم إنجلز يهود بولندا، الذين كانوا يشكلون أغلبية يهود العالم، بطريقة تنم عن كراهيته لهم، فنعتهم بأنهم صورة مضحكة لكل اليهود، ووصف اليديشية مرة أخرى بأنها ألمانية فاسدة. بل إنه كان يرى أن اضطهاد الروس لليهود في عام ١٨٤٨ إن هو إلا جزء من عملية تحوُّل اجتماعي تحاول البورجوازية (الطبقة المحلية الصاعدة) من خلالها أن تحمي نفسها من الباعة الجائلين (اليهود) الذين يفسدون كل الأمور، ويمنعون عملية التبلور الثورية.
ويُلاحَظ في كتابات إنجلز في هذه المرحلة أن ثمة ترادفاً بين كلمات «يهودي» و «مُضارب» و «مالي» . وقد ترجم إنجلز بعض أعمال فورييه، دون أن يستبعد هجومه الشرس على اليهود. بل إنه هاجم هس ولاسال بهذه الطريقة العنصرية الشرسة، فأطلق على لاسال صفة «اليهودي السخيف» و «إفراييم النبيه» وأشار إليه باعتباره نموذجاً ليهود شرق أوربا الذين هم على أتم استعداد لاستغلال أي شخص لأهدافهم. وتحدَّث باشمئزاز شديد عن هذا اليهودي «المدهنن» (من الدهن) الذي يرغب في زخرفة نفسه ويرغب في الانتماء إلى الطبقات الأرستقراطية.
стр. 2609
وظلت هذه هي الملامح الأساسية لفكر إنجلز حتى عام ١٨٧٨ حين نُشر كتاب ضد دوهرنج الذي نلاحظ فيه نغمة مختلفة تماماً. فهو يشن هجوماً على معاداة اليهود، ويحاول أن يفسر الظاهرة بغضب بعض الطبقات الهابطة على ما يحدث لها نتيجة تغيرات اجتماعية لا يتحكم فيها اليهود. وهو يرى أن هذه الظاهرة تتحقق في بلاد متخلفة مثل روسيا والنمسا وبروسيا وليس في إنجلترا أو الولايات المتحدة.
وهنا يظهر تحيُّز إنجلز للعملية التاريخية الكبرى التي كان يرى أنها الاتجاه الحتمي للتاريخ الذي سيحسم كل الخلافات والتناقضات الاجتماعية بحيث تصبح تناقضاً واحداً بسيطاً: التناقض بين الرأسماليين والعمال. فالطبقات، مثل: اليونكرز (صغار الملاك الزراعيين الألمان) والبورجوازية الصغيرة والحرفيين وصغار التجار، كلها طبقات رجعية تَسقُط بسبب منافسة الرأسمالية الجديدة الصاعدة. ويلعب المموِّلون والتجار اليهود دوراً أساسياً في هذه العملية، فلا يهم إن كانت هذه الرأسمالية الجديدة وهذه القوى الصاعدة سامية أو آرية، مُعمَّدة أو مُختَّنة، فهي تنجز وظيفتها التاريخية وتساعد الأمم المتخلفة مثل البروسيين والنمساويين على أن يصلوا إلى مرحلة أعلى من التقدم وتبسيط التناقضات.
ولكن، في غياب رأسمالية قوية صاعدة لا تستأثر بالناتج القومي، فإن مسرح النشاط المالي الأساسي يصبح هو البورصة التي يتركز فيها اليهود، ويظل الإنتاج في أيدي بعض الفلاحين وملاك الأراضي والحرفيين. لكن أعضاء هذه الطبقات هم من بقايا العصور الوسطى الذين يهاجمون اليهود بعنف ويعتقدون أنهم هم الرأسمالية الصاعدة. وتشن هذه الطبقات الهجوم تحت عباءة الاشتراكية (ومن ثم سماها إنجلز «الاشتراكية الإقطاعية» ) . وأشار إنجلز إلى أن اليهود ليسوا حقاً من كبار المموِّلين، وبيَّن أنه لا يوجد يهودي واحد بين مليونيرات أمريكا الشمالية الذين يملكون من الثروات ما يجعل روتشيلد يبدو كما لو كان شحاذاً.
стр. 2610
وفي إطار هذا التحليل، يتخلى إنجلز عن كثير من مقولاته العنصرية، فهو يتحدث عن روتشيلد باعتباره رأسمالياً وحسب ويقرن بينه وبين رأسمالي مسيحي آخر. فالإطار المرجعي هنا هو الوظيفة التي يضطلع بها كل منهما وليس انتماؤهما الديني أو الإثني. وهو يشير إلى يهود شرق أوربا باعتبارهم ممثلي أدنى مراحل التجارة في أوربا، ولكنه يتحدث عن حيلهم التجارية الوضيعة لا باعتبارها خاصية يهودية وإنما باعتبارها سمة من سمات الإنتاج الرأسمالي في مراحله المتدنية. وقد أشار إنجلز إلى أعضاء الطبقة العاملة من اليهود في إنجلترا بل وفي شرق أوربا (وهم من يهود اليديشية) ، وهذا يعني أن يهود أوربا ما عادوا يوجدون في شقوق المجتمع ومسامه وإنما أصبحوا جزءاً منه، أي جزءاً من العملية التاريخية الكبرى، عملية استقطاب المجتمع إلى عمال ورأسماليين. وربما يُفسِّر هذا تصريحه الإيجابي عام ١٨٩٠ عن اليهود: "إننا مدينون لهم، فمنهم هايني وماركس وغيرهما".
ومع هذا، لم يعلق إنجلز بتاتاً على المشروع الصهيوني، ولا على كتاب هس روما والقدس. ومن المعروف أن إنجلز لم يكن يُبدي اهتماماً كبيراً بالأمم الصغيرة. ولذا، فمن الممكن تصوُّر أنه لم يكن لديه أيُّ تعاطف مع هذا المشروع. كما أن الصهيونية لا تنتمي إلى العملية التاريخية الكبرى وإنما هي محاولة لتحاشيها وتعطيلها. ولكن بالإمكان النظر إلى المشروع الصهيوني باعتباره أداة لخلق حالة من عدم الاتزان في المنطقة العربية وتفتيت المجتمعات الرجعية القائمة فيها، أي أن الدولة الصهيونية يمكن أن تلعب في المنطقة العربية الدور نفسه الذي لعبه المموِّلون اليهود مقابل اليونكرز والبورجوازيات الصغيرة، وبالتالي فإن دورها سيكون تقدمياً. وقد أيَّد إنجلز الاستعمار الفرنسي للجزائر من هذا المنظور.
стр. 2611
ويمكننا الآن أن نحاول إصدار بعض التعميمات على تناول ماركس وإنجلز للمسألة اليهودية. ويمكننا أن نقول إنهما نتاج (أو سجينا) تجربتهما الغربية على وجه العموم والألمانية على وجه الخصوص، وهذا أمر طبيعي ومُتوقَّع. ويظهر هذا الجانب من فكرهما، أكثر ما يظهر، في فشلهما الكامل في التمييز بين اليهودية واليهود وفي تصوُّرهما أن النسق الديني اليهودي المتنوع هو نسق واحد له جوهر واحد، يُعبِّر عن نفسه من خلال اليهود، يظهر في عبارات مثل: «إله إسرائيل الطماع» ، و «جوهر اليهود هو كذا» ... إلخ. ولكن التناول العلمي لهذه القضية لابد أن يؤكد تنوُّع اليهودية بوصفها تركيباً جيولوجياً ويؤكد في الوقت نفسه عدم تجانُس الجماعات اليهودية المختلفة. ولابد أن هناك علاقة ما بين الأنساق العقائدية اليهودية المختلفة والجماعات اليهودية المختلفة، ولكنها على أية حال ليست علاقة عضوية سببية كاملة صلبة كما يتخيل ماركس وإنما علاقة تتسم بالسببية الفضفاضة وتختلف من بلد إلى آخر ومن مرحلة تاريخية إلى أخرى.
стр. 2612
ومن الواضح أن ماركس وإنجلز لم تكن لديهما أدنى معرفة بيهود العالم الشرقي والإسلامي. كما أن معرفتهم بالجماعات اليهودية في أوربا ذاتها لم تكن قوية بما فيه الكفاية. ولذا، لا تُوجَد عندهما إشارات إلى الفروق الحضارية والطبقية بين السفارد والإشكناز داخل أوربا. كما لا يوجد لديهما إدراك للفروق الحضارية بين مختلف الجماعات اليهودية إذ يبدو أن تجربتهم كانت مركَّزة أساساً على يهود ألمانيا مع معرفة سطحية بيهود شرق أوربا. كما أنهما لم يتعرضا للدور الخاص الذي لعبه يهود المارانو في نشأة الرأسمالية الغربية. وبسبب قصور معرفتهما، فإنهما يشيران إلى اليهود بشكل عام وإلى المسألة اليهودية بشكل مجرد بدلاً من الحديث عن مسائل يهودية مختلفة. وقد تمادى الماركسيون بعد ذلك وزادوا درجة التعميم والتجريد وأصبحت كتابات ماركس وإنجلز العابرة مصدراً للتعميم العالمي والشامل (والذي يُقال له علمي!) على اليهود.
ولعل جَهْل ماركس وإنجلز بما كان يدور في شرق أوربا الذي كان يضم أغلبية يهود العالم، وبثقافة الجماعة اليهودية فيها (فاليديشية بالنسبة إلى إنجلز هي مجرد ألمانية فاسدة) ، مع الرغبة في الوصول إلى مستوى تعميمي مرتفع لا يستند إلى معطيات مادية وحضارية كافية، هو الذي جعلهما يتبنىان رؤية استقطابية للموضوع. فاليهود إما أنهم قومية عالمية وإما أنهم ليسوا بقومية على الإطلاق، ولم يطرأ لهما على بال وجود قومية شرق أوربية (نسميها «القومية اليديشية» ) مثل العديد من القوميات الأخرى هناك. وتصوَّر ماركس وإنجلز أن هناك حلين لا ثالث لهما: إما الصهيونية أو الاندماج الكامل. وهذا الموقف الاستقطابي هو الذي سقط فيه البلاشفة بعد ذلك فلم يتمكنوا من فهم طرح البوند للقضية وظلوا يتخبطون إلى أن تبنُّوا حل بيروبيجان وهو حل يَصدُر عن قَدْر من التقبل لفكرة القومية اليديشية.
стр. 2613
أما النقطة الأخيرة، فهي الخاصة بتناول ماركس وإنجلز لأصول الرأسمالية. فبرغم الإسهام التاريخي لكل من ماركس وإنجلز في عملية دراسة أصول وتطوُّر ومصير الرأسمالية، فإنهما لم يدركا دور الدين في هذه العملية إلا بشكل بدائي وبسيط للغاية. وهذا ميراث فكر عصر الاستنارة وثمرة النموذج الفلسفي المادي الذي تبنياه والذي يحوِّل كل الأفكار، وضمنها العقائد الدينية، إلى مادة اقتصادية في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير!
كما أنهما لم يستفيدا بالدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية العامة، التي لم تظهر بشكل مكثف إلا في نهاية القرن التاسع عشر، عن الأديان المختلفة ودورها في النظم الحضارية الاجتماعية. ولذا، وبرغم الإشارات المهمة في كتاباتهما عن المسيحية واليهودية فإن هذه الإشارات لا تصل بأية حال لعُمْق كتابات فيبر أو سومبارت.
وقد ورث البلاشفة كل نقاط القصور لدى ماركس وإنجلز. ورغم توافر المعطيات المادية والمعلومات اللازمة بشأن الجماعة اليهودية في منطقة الاستيطان، فإن الرؤية الماركسية شكلت الإطار المعرفي للبلاشفة، فتحركوا من خلالها ومن خلالها وحدها.
رؤية ماكس فيبر (١٨٦٤-١٩٢٠) للعلاقة بين الرأسمالية والجماعات اليهودية
Max Weber on the Relationship between Capitalism and Jewish Communities
стр. 2614
ساهم عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (١٨٦٤ ـ ١٩٢٠) في دراسة اليهود واليهودية من عدة جوانب. وأهم مفهوم في كتاباته هو مفهوم «الترشيد» ، أي توظيف الوسائل بأعلى درجة من الكفاءة في خدمة الأهداف، وذلك عن طريق إخضاع الظواهر بشكل متزايد للمنطق الرياضي والهيمنة المنهجية المنظمة على كل جوانب الحياة على أساس قوانين عامة ومبادئ تستبعد الالتفات إلى المعايير التقليدية أو الحماسة الكاريزمية، أو الالتفات إلى أية قيم أخلاقية أو عاطفية أو إنسانية. وهو يرى أن الترشيد هو السمة الأساسية لتاريخ البشرية المعاصرة، بل وتاريخ البشرية العام، فتاريخ الحضارة هو التقدم المستمر نحو مزيد من الترشيد.
والترشيد ـ حسب رأيه ـ ليس سمة معزولة من سمات الحضارة الغربية، بل هو السمة الأساسية، وهو مصدر خصوصيتها. ويربط فيبر هذه السمة بظواهر أخرى، مثل معمار الكاتدرائيات القوطية وظهور العلم الطبيعي المبني على التحليل الرياضي، ويرى أنها عملية كامنة في الحضارة الغربية، فهي كامنة في القانون الروماني، وفي مفهوم الملكية باعتباره حقاً مطلقاً، وفي انفصال الكنيسة في الغرب عن العالم الدنيوي بحيث تركت ما لقيصر لقيصر وما لله لله، ثم في بنية المدينة الغربية واستقلالها عن التشكيل الإقطاعي.
стр. 2615
ولعبت اليهودية بوصفها ديانة توحيدية دوراً أساسياً في عملية الترشيد هذه. إذ تضع الديانات التوحيدية مسافة بين الخالق والمخلوق. ولذا، لم يَعُد هدف المؤمن هو الاتزان مع الدنيا (عالم الطبيعة) كما هو الحال في الديانات الحلولية وإنما التحكم فيها. هذه المحاولة للتحكم في كل العالم بكل تفاصيله، باسم مثل أعلى مُوحَّد، هي خطوة أولى نحو الترشيد، إذ لا يتعامل المرء مع الواقع على أساس ارتجالي وإنما يتعامل معه بشكل متكامل. وهذا ترشيد تقليدي مُتوجِّه نحو القيمة التي تحددها المعايير الأخلاقية المطلقة، ولكن هذا النوع من الترشيد حل محله الترشيد الحديث، وهو الترشيد المتحرِّر من القيم، والمتوجه نحو أي هدف يحدده الإنسان بالطريقة التي تروقه أو حسبما تمليه عليه رغباته أو مصلحته. فالترشيد التقليدي كان يتم في إطار المطلق الديني، أما الترشيد الحديث فلا علاقة له بأيِّ مطلق ويتم في إطار نسبي كامل، ولذا نسميه «الترشيد الإجرائي» (ويُسمَّى أيضاً «الترشيد الأداتي» ) .
ولكن فيبر يرى أن اليهودية لم تصل بعملية الترشيد إلى نهايتها المنطقية، ومن ثم لم يلعب أعضاء الجماعات اليهودية دوراً مهماً ومركزياً في تطوُّر الرأسمالية. أي أن فيبر ـ على عكس سومبارت ـ يقول إن الجماعات اليهودية لم تساهم بشكل مباشر وأساسي في نشوء الرأسمالية الرشيدة حتى وإن كان لها إسهامها غير المباشر من خلال عناصر الترشيد الموجودة في النسق الديني (وبخاصة كتب الأنبياء) ومن خلال تقويضها دعائم المجتمع التقليدي بإدخال عناصر اقتصاد التبادل. ويعود ذلك إلى الأسباب التالية:
١ ـ لم يكن تَوجُّه اليهود إلى هذه الحياة الدنيا بحدة تَوجُّه الجماعات البيوريتانية البروتستانتية التي جعلت هزيمة العالم وتَراكُم الثروة شاهداً على الرضا الإلهي، وهو تَوجُّه أدَّى في نهاية الأمر إلى ظهور المجتمع العلماني الرأسمالي.
стр. 2616
٢ ـ يرى فيبر أن المثل الأعلى اليهودي هو العالم التلمودي الذي يدرس النصوص المقدَّسة وليس التاجر الذي يراكم الثروات. والعالم التلمودي كان في معظم الأحيان تاجراً أو مرابياً، ولكنه كان يعمل بالتجارة والربا بعض الوقت وحسب، ولذا لم يكن بوسعه الوصول بعملية الترشيد إلى منتهاها.
٣ ـ ولكن أهم الأسباب هو وجود عناصر غير رشيدة في الرؤية اليهودية للخلاص (مثل خصوصية يهوه وفكرة الشعب المختار والأخلاقيات المزدوجة) أدَّت إلى عزلة اليهود النفسية، التي عمقتها العزلة الشعائرية. وحينما حضر اليهود إلى أوربا احتفظوا بالوضع نفسه.
стр. 2617
وقد حلَّ اليهود غرباءً أو ضيوفاً على المجتمع المضيف لا حقوق لهم بل يتحدَّد وضعهم من خلال المواثيق المحددة بزمن، والتي تمنحهم المزايا وتزوِّدهم بالحماية. ولم يتمكَّن اليهود من الانضمام إلى نقابات الحرفيين ولم يعملوا في عدد كبير من المهن، ولذا أصبحوا شعباً منبوذاً. ولأنهم شعب منبوذ، كانت الأشكال الرأسمالية التي ظهرت بينهم هي رأسمالية المنبوذين؛ رأسمالية تستند إلى المعايير المزدوجة ومرتبطة بالجماعة اليهودية وشعائرها الدينية وتستفيد من أواصر القرابة وتنمو في أحضان الحاكم والنظام الإقطاعي وتتركز في المضاربات والمشاريع الرأسمالية المضمونة التي تضمنها الحكومة، وهي كلها عمليات غير رشيدة ولا تؤثر في كل مجالات الحياة (كما هو الحال مع الرأسمالية الرشيدة) . ووصف فيبر لرأسمالية المنبوذين والرأسمالية التقليدية هو وصف دقيق لنشاط أعضاء الجماعات الوظيفية المالية الوسيطة. ولم يظهر بين اليهود حب للعمل في ذاته أو حب للثروة كهدف في ذاته، وإنما كان الهدف من العمل ومراكمة الثروة هو تحقيق الراحة لليهود حتى يمكنهم دراسة التوراة. وهم لم يقيموا استثمارات بعيدة الأمد، بل ظلت استثماراتهم تهدف لتحقيق الربح السريع. ولذا، فإنهم لم يساهموا في إنشاء الصناعة الغربية الحديثة. كما لم يكن أمامهم مجال للتجريب، فالمؤسسات القائمة كانت تحقِّق لهم ما يريدون من ثروة. ولم يكن بوسعهم، كغرباء، أن يجربوا إلا بإذن السلطة الحاكمة أو القوي التي يتبعونها (وقد كان البيوريتان يحتقرون هذا النوع من الرأسمالية الذي يركز على العقود الحكومية واحتكارات الدولة ومشاريع الأمراء والمضاربات) .
стр. 2618
ويُبيِّن فيبر كذلك أن اليهودي لا يشعر بانعدام الأمن الداخلي الذي يشعر به المؤمن بتعاليم كالفن. فانعدام الأمن الذي يشعر به اليهودي كان خارجياً، أي الخوف من عالم الأغيار. أما في داخل الجيتو، بين جماعته الوظيفية الوسيطة، فقد كان اليهودي يشعر بالأمن تماماً لأنه داخل الجيتو يعرف أنه فرد من الشعب المختار ولا يخطر بباله أنه قد لا يُكتَب له الخلاص حتى بعد تنفيذ الوصايا التي وردت في التوراة. فالعلاقة التعاقدية تؤكد له إمكانية الخلاص. وهو لم يكن في حاجة لعلامة من الخالق ليفهم الإرادة الربانية الغامضة، فقد كانت لديه الشريعة التي يمكنه أن يدرسها ويعرف كل شيء فيها. ورغم أن النشاط الاقتصادي لليهودي كان يتم في عالم الأغيار، فقد كان هناك عالمه المقدَّس الذي يعود إليه. ومن هنا ظهرت هوة بين النشاط التجاري والقيم الدينية، فالعمل التجاري لا يصب في الموقف الديني، والعمل لكسب الرزق لا يُعَدُّ في اليهودية نهاية في ذاته ولا هو وسيلة لتمجيد الخالق. ويمكن القول بأن تراكم الثروة هو دليل على عدالة الخالق، ولكن الهدف الأساسي والنقطة المرجعية يظلان بالنسبة إلى اليهودي الحياة التقية بحسب الوصايا والأوامر والنواهي، بل إن فكرة غزو العالم ذاتها تم الاستغناء عنها عن طريق فكرة انتظار الماشيَّح، وعدم الانغماس في التعجيل بالنهاية. وكان ضرورياً لليهودي أن ينتظر في صبر وأناة حتى يعود الماشيَّح، وهو ما يعني موقفاً انسحابياً من الدنيا.
стр. 2619
ويضيف فيبر عنصراً آخر في دراساته عن المدينة، فهو يفسر عدم نشوء الرأسمالية الرشيدة بين أعضاء الجماعات اليهودية بأنها نشأت في المدينة المسيحية، حيث كانت هذه المدينة في العصر الوسيط مؤسسة دنيوية مستقلة عن الكنيسة وعن الدولة، وكانت تضم أفراداً يقسمون يمين الولاء كأفراد لا كأعضاء في قبيلة أو عائلة، وهذا يعني ضمور وتهميش علاقات القرابة التي ترتبط بشعائر محددة (مثل عبادة الأسلاف) . ورغم أن نقابات الحرفيين والتجار كانت أساساً مسيحية ورموزها مسيحية، فإنها ظلت مؤسسات دنيوية يمكن لأي غريب أن ينتمي إليها بعد أن يقسم يمين الولاء لها. وقد ساهمت المدينة بهذه الطريقة في فصل شئون العمل والتجارة عن شئون الأسرة والعشيرة. وكان من شأن هذا كله أن يساهم في عملية الترشيد الآنفة الذكر. ومن المعروف أن اليهود لم يصبحوا قط جزءاً من المدينة. ورغم أنهم كانوا يحصلون على حق الإقامة فيها، فإنهم ظلوا غرباء عنها لا ينتمون إليها، بل كانوا أعدى أعدائها في بعض المناطق نظراً لتبعيتهم للنخب الإقطاعية الحاكمة.
стр. 2620
وانطلاقاً من هذا، يرى فيبر أن الرأسمالية الرشيدة (أي التي تستند إلى أسس عامة موضوعية رشيدة بالمعنى الإجرائي والتي يهدف الإنتاج فيها إلى تعظيم الأرباح وليس إشباع الرغبات) لم تُولَد بين اليهود وإنما وُلدت في صفوف البروتستانت، خصوصاً البيوريتان (المستوطنين البروتستانت في الساحل الشرقي من الولايات المتحدة) وغيرهم من أتباع المفكر الديني البروتستانتي كالفن، فهم الذين لعبوا الدور الأساسي في ظهور الرأسمالية الرشيدة. فالأخلاقيات البروتستانتية التي هيمنت عليهم جعلتهم يؤمنون بالعمل كغاية في ذاته وخلقت فيهم إحساساً عميقاً بعدم الطمأنينة (لأن الإله بعيد تماماً لا يمكن فهمه أو الوصول إليه أو التواصل معه) . وبسبب هذا الإحساس بالبُعد والعزلة، يجعل المؤمن الهدف من حياته هو غزو العالم وغزو ذاته وتوظيفهما لخدمة الإله (بما ينتج عن ذلك من عملية ترشيد كاملة) والهيمنة على العالم لإدخال الإحساس بالطمأنينة على ذاته. ومراكمة الثروة في هذه الدنيا هي أهم النشاطات باعتبارها علامة على الاختيار والنجاح الذي سيؤدي إلى النعيم في الآخرة. ولأن الثروة علامة من الإله، فإن على المؤمن ألا يبددها بل عليه أن يراكمها، أي أن الإنسان البروتستانتي ينكر على نفسه المتعة ويقوم بمراكمة الثروة كغاية في ذاتها.
وأطروحة فيبر بشأن علاقة أعضاء الجماعات اليهودية بعملية الترشيد أو بنشأة الرأسمالية خصبة للغاية ولها مقدرة تفسيرية عالية، فهي لا تحاول فقط تفسير جانب مهم في التاريخ الاقتصادي لأوربا، بل تحاول أيضاً تفسير تطوُّر اليهودية كنسق ديني وتطوُّر وضع اليهود داخل الحضارة الغربية، وهي بذلك أكثر تركيبية من كتيب ماركس المسألة اليهودية الذي كتبه في شبابه قبل نضوجه.
ونشير هنا إلى كثير من نقط النقص في تناول فيبر للموضوع، وهو أمر متوقع نظراً لاتساع حدود الموضوع:
стр. 2621
١ ـ ربما كان أهم نقط النقص في تصوُّرنا هو إغفال فيبر أهمية فكرة التوحيد باعتبارها فكرة تشكل قفزة نوعية للفكر الديني، وبدلاً من ذلك كان تركيزه على عناصر ثانوية (مثل العهد بين يهوه واليهود) ، وهي عناصر مهمة ولكنها لا ترقى في أهميتها إلى فكرة التوحيد. كما لم يدرك فيبر أن التوحيد في العقيدة اليهودية ظل مشوباً بعناصر حلولية وثنية، وأن اليهودية سقطت في الواحدية الكونية التي تنبذها العقائد التوحيدية الحقة.
٢ ـ يُفرِّق فيبر بين عبادة يهوه وعبادة بعل مع أن من المعروف أن اليهودية دخلها كثير من العناصر من عبادة بعل حتى أصبحت عبادة يسرائيل خليطاً غير متجانس من العبادتين.
٣ ـ يفترض فيبر وجود قدر كبير من الوحدة في أسفار الأنبياء، وهو الأمر الذي لا تسانده قراءة متعمقة لهذه الأسفار.
٤ ـ يتسم تحليل فيبر للفريسيين بالابتسار الشديد كما أنه لم يشر إلى الاتجاهات الأخرى، خصوصاً الأسينيين والغيورين الذين عبَّروا عن مصالح ومطامح الجماهير الشعبية.
٥ ـ معرفة فيبر بالتلمود سطحية للغاية، ولذا فهو لم يدرك أنه كتاب متناقض وأن كثيراً من أفكار الأنبياء اختفت وحلت محلها صيغ سحرية أبعد ما تكون عن الترشيد. ويبدو أن معرفة فيبر بالتيارات الفلسفية المختلفة التي ظهرت بين الجماعات اليهودية في التشكيل الحضاري الإسلامي، بل والمسيحي أيضاً، كانت ضعيفة.
٦ ـ لم يذكر فيبر القبَّالاه من قريب أو بعيد رغم أنها سيطرت على التفكير الديني اليهودي منذ القرن السابع عشر.
٧ ـ يفصل فيبر، وبحدة، بين الأشكال الرأسمالية في المجتمع التقليدي والرأسمالية الرشيدة. ومع الإقرار بالأهمية المنهجية والتفسيرية لهذا الفصل، يظل من الضروري أن ندرك أن الظاهرتين تتداخلان على مستوى التاريخ المتعين وأن اليهود لعبوا بالفعل دوراً في تحطيم المجتمع التقليدي القديم كما بيَّن ماركس.
стр. 2622
٨ ـ ينظر فيبر إلى تواريخ الجماعات اليهودية من الداخل كما لو كان هناك تاريخ يهودي مستقل عما حولهم من تشكيلات حضارية، ومن هنا محاولته تفسير فكرة «الشعب المنبوذ» بأنها نتاج الجيتو الداخلي الذي فرضه اليهود على أنفسهم.
٩ ـ لم يتعرض فيبر لقضية يهود المارانو وإسهامهم في نشأة الرأسمالية. وحاول سومبارت أن يطرح وجهة نظر مختلفة، حيث بيَّن أن اليهود هم أهم القطاعات البشرية التي أدَّت إلى ظهور الرأسمالية الرشيدة في الغرب.
وغنيٌّ عن القول أن فيبر وماركس وسومبارت، وغيرهم من المفكرين الغربيين، يتناولون وضع الجماعات اليهودية في الغرب وكأنه وضع عالمي. وربما يعود هذا إلى جهلهم بأحوال يهود الدولة العثمانية ويهود الهند والفلاشاه والصين بل ويهود جورجيا في روسيا. ومن هنا كان جنوحهم نحو التعميم المخل وحديثهم عن اليهود بشكل عام ومجرَّد.
رؤية فرنر سومبارت (١٨٦٣-١٩٤١) للعلاقة بين الرأسمالية والجماعات اليهودية
Werner Sombart on the Relationship between Capitalism and Jewish Communities
стр. 2623
يرى العالم الألماني فرنر سومبارت (١٨٦٣ ـ ١٩٤١) أن ثمة علاقة قوية بين أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب (وبخاصة يهود المارانو) من جهة وظهور الرأسمالية وتطوُّرها من جهة أخرى. ويبدو أن هذا السؤال مطروح على سومبارت منذ بداية رحلته الفكرية، وأنه حاول أن يعثر على إجابة إلى أن وجد ضالته. ويميِّز سومبارت بين نشاطين رأسماليين أحدهما «النشاط التجاري» (بالإنجليزية: كوميرشيال commercial) والآخر هو «النشاط الاستثماري» (بالإنجليزية: أنتربرينريال entrepreneurial) . والترجمة الحرفية لهذه العبارة هي «رأسمالية المقاولات أو الوسطاء» ولكنها لا تؤدي المعنى المطلوب تماماً، على عكس الترجمة التي نقترحها. وهكذا، فإن النشاط الرأسمالي الاستثماري حسب تصوُّر سومبارت نشاط نيتشوي يتسم بالحيوية والتوقد الذهني والإدراك السريع وروح المغامرة والتجديد والإحساس بالقوة والرغبة في تجاوز الأخلاق والحسابات العادية (أو أخلاق العبيد في فلسفة نيتشه) . ويرى سومبارت أن المستثمر الرأسمالي يشبه أبطال ملحمة بيولف الأنجلو ساكسوني، فيما يُسمَّى «العصر البطولي» ، وهي فترة قبل العصور الوسطى في الغرب وقبل دخول المسيحية. فهؤلاء الأبطال يجدون لذة غير عادية في الكفاح والصراع باعتبارهما هدفين في ذاتيهما، ويدخلون الحروب التي ليس وراءها عائد مادي، وهم يدخلون في علاقة مباشرة متعينة مع الأشياء، وهي هنا العملية الإنتاجية. كل هذا يقف على الطرف النقيض من الرأسمالية التجارية التي تنظر إلى العالم بمنظار موضوعي.
وهذا التقسيم هو، في واقع الأمر، تعبير عن التقسيم الثنائي الأساسي في علم الاجتماع الألماني بين المجتمع التقليدي العضوي المترابط (الجماينشافت) ، والجماعة التعاقدية الذرية المفتتة (الجيسيلشافت) . والرأسمالية الاستثمارية تعبير عن الجماعة الأولى، والرأسمالية التجارية تعبير عن الثانية.
стр. 2624
ومن الواضح أن التمييز بين هذين النوعين من الرأسمالية هو تعبير عن الصراع بين رؤية الاستنارة الآلية والرؤية العضوية المعادية للاستنارة. وتبنِّي سومبارت للفكر العضوي هو في جوهره احتجاج على تزايد معدلات الترشيد والعلمنة في المجتمع الغربي.
كما أننا سنلاحظ أن الرأسمالية التجارية هي رأسمالية المجتمعات الإقطاعية التي تضطلع بها الجماعات الوظيفية الوسيطة على عكس النشاط الرأسمالي الاستثماري، وهو ما يعادل الرأسمالية الرشيدة عند فيبر.
ويرى سومبارت أن أعضاء الجماعات اليهودية ساهموا في تطوُّر الرأسمالية بشكل عام، وإن كانت هناك عدة عناصر جعلت ارتباطهم بالرأسمالية التجارية أكثر قوة من ارتباطهم بالرأسمالية الاستثمارية. ويورد سومبارت عدة أسباب لهذه الظاهرة بعضها يعود إلى النسق الديني اليهودي والبعض الآخر يعود إلى وضعهم في المجتمعات الغربية:
١ ـ لم تُحرِّم اليهودية التجارة، ولم تنظر إليها نظرة سلبية، وإنما قامت بتنظيمها بل تشجيعها. وأبدت اهتماماً خاصاً بالأعمال المالية من أجل تحقيق الربح.
٢ ـ حرَّمت اليهودية الإقراض بالربا بين اليهود ولكنها أحلته بين اليهودي وغير اليهودي، وهو ما فتح الباب على مصراعيه أمام اليهودي للاشتغال بالأعمال المالية ومراكمة رأس المال.
٣ ـ تشجِّع اليهودية الاعتدال والتحكم في الذات وعدم التعبير عن العواطف والدوافع بشكل تلقائي إلا من خلال قنوات شرعية مُعتَرف بها دينياً. ويعني هذا، في واقع الأمر، تحويل طاقات حيوية هائلة للنشاطات الاقتصادية. ويرى سومبارت أن هذا هو الترشيد الاقتصادي بعينه.
٤ ـ يشير سومبارت إلى النسق الديني اليهودي، فيُلاحظ أن اليهودية مجردة من الأسرار والطقوس ذات الطابع الرمزي، وهو ما يعني أنها تنمي عقلية رشيدة عقلانية تميل نحو الحساب وتبتعد عن المغامرة.
стр. 2625
٥ ـ العلاقة بين اليهودي والخالق علاقة تعاقدية، فالخالق ليس عنصراً محاطاً بالأسرار وإنما عنصر مجرد غير شخصي لا يمكن للمؤمن الدخول معه في علاقة شخصية، وبالتالي تظل العلاقة معه مجردة غير شخصية.
٦ ـ ربطت اليهودية بين القداسة والثواب والعقاب في العالم الآخر من جهة وفكرة التعاقد من جهة أخرى. فمن يؤدي وصايا الخالق لابد أن يُكافأ على أفعاله بحسب العلاقة التعاقدية. وشجع هذا ظهور اتجاه إنمائي بحيث يمكن للمؤمن أن يرجئ تحقيق رغباته في سبيل المكافأة النهائية، وهذا ضرب من التقشف ذي التوجه الدنيوي على نقيض التقشف الديني ذي التوجه الأخروي.
٧ ـ يُلاحظ سومبارت أن اليهودية ديانة معادية للطبيعة تهدف إلى غزوها والهيمنة عليها، وهذا هو أحد أهداف الرأسمالية.
كل هذه العناصر في النسق الديني اليهودي تتفق تماماً مع روح الرأسمالية، الأمر الذي جعل اليهود مرشحين لأن يضطلعوا بالوظائف التجارية أكثر من أي قطاع بشري آخر. ومما ساعد على تحقيق هذا الاتجاه عناصر خاصة بالتجربة التاريخية لليهود قوَّت هذا الاتجاه وساعدته على التحقق، منها:
١ ـ تشتُّت اليهود، أي انتشارهم خارج فلسطين في ربوع الأرض، وهذا ما جعلهم يكوِّنون شبكة مالية تجارية ضخمة ويعطون العلاقات التجارية طابعها الدولي اللازم لنشوء الرأسمالية.
стр. 2626
٢ ـ وحين تشتَّت اليهود، خرجوا من بيئة صحراوية يحملون معهم الروح السامية التجارية إلى الشمال الذي تسود فيه الروح الآرية وروح المغامرة. ويبدو أن الصحراء في ذهن سومبارت هي رمز الحسابات الرشيدة الباردة وهي البيئة التي يتحول فيها الإنسان إلى مخلوق أناني ذري يرغب في البقاء، ونقيضها الطبيعة الثرية في الشمال التي تشجع على اتساع الأفق وارتياد المجهول. وهنا نرى صورة أخرى من الجماينشافت (الجماعة المترابطة) والجيسيلشافت (المجتمع التعاقدي) . ويرى سومبارت أن المدينة الحديثة ليست إلا صحراء كبيرة تضم أشخاصاً أنانيين لا يكترثون إلا بمصالحهم.
٣ ـ يبدو أن الحياة في الصحراء أو العقلية الصحراوية التي تشجع على الحساب تجعل الإنسان شخصية مرتبة ترفض التلقائية، على عكس حياة الريف في أحضان الطبيعة، أي أن الحياة في الصحراء تشجع على ما يمكن أن نسميه «الشخصية التعاقدية» .
٤ ـ ظل اليهود، بعد انتشارهم خارج فلسطين، غرباء عن المجتمعات التي حلوا بها، ومن المعروف أن الغريب يقوم بتثوير المجتمعات التي يحل بها، كما أنه يضطلع بوظائف يأنف أعضاء المجتمع من ممارستها.
٥ ـ يرى سومبارت أن أعضاء الجماعة اليهودية ساعدوا الدولة الحديثة على أن تصبح ما هي عليه ربما لكونهم يهود بلاط. وهذه الدولة هي الإطار الذي تطوَّرت من خلاله الرأسمالية الحديثة.
٦ ـ طوَّر اليهود أيضاً كثيراً من الآليات اللازمة لظهور النظام التجاري والحسابات المعقدة.
٧ ـ كان لدى اليهود رؤوس الأموال الكافية للاستثمار، ولتمويل المشاريع المختلفة، ومن الواضح أن سومبارت يفكر هنا في يهود المارانو الذين لم يُشر إليهم أيٌّ من فيبر وماركس.
стр. 2627
ولعل المشكلة الأساسية في أطروحة سومبارت هي أنه يجعل من اليهود سبباً في نشوء الرأسمالية ويستبعد العناصر الأخرى مثل حركة الإصلاح الديني. ولو أن اليهود هم السبب الأساسي لكانت الرأسمالية قد ظهرت في شرق أوربا حيث كانوا مُركَّزين (أو حتى في وسطها) ، ولكنها ظهرت أساساً في غرب أوربا، في إنجلترا التي لم يكن يوجد فيها يهود على الإطلاق، وفي فرنسا وهولندا اللتين ضمتا أقليات يهودية صغيرة.
ويبدو أن سومبارت لم يكن ملماً بقدر كاف بعدم تجانس التراث الديني اليهودي وبخاصيته الجيولوجية، فبينما كان يتحدث عن اليهودية كديانة تعاقدية، كانت الحسيدية (الصوفية) قد اكتسحت معظم يهود العالم منذ قرنين أو ثلاثة قرون. ومع هذا، تَجدُر الإشارة إلى عدم وجود تَعارُض بين الحلولية والتجارة، بل إن الفكر الحلولي يشجع على الاهتمام بالعالم المادي ويخلع عليه القداسة. ولكن هذا يختلف عن طرح سومبارت للقضية، فهو يتحرك في إطار التلمود واليهودية الحاخامية أو ربما العهد القديم وحسب.
ولم يأخذ سومبارت في الاعتبار أن خصوصية وضع اليهود داخل التشكيل الحضاري الغربي، كجماعة وظيفية وسيطة، والتي جعلتهم يساهمون بشكل واضح في نشوء الرأسمالية، هي ذاتها التي وضعت حدوداً على حركتهم بحيث ظل إسهامهم هو إسهام الجزء في حركة الكل.
ولتوثيق هذا التعميم قد يكون من المفيد دراسة مدى إسهام يهود أمستردام (وكان معظم أثريائهم من المارانو) في نمو الرأسمالية الهولندية بشيء من التفصيل.
стр. 2628
بلغ دخل عضو الجماعة اليهودية في القرن السابع عشر ١٤٤٨ جلدراً مقابل ٨٢٨ لغير اليهودي، وكان اليهود السفارد من أكبر مالكي الأسهم، فكانوا من كبار المساهمين في شركتي الهند الشرقية والهند الغربية الهولنديتين، وشاركوا في مختلف نشاطاتها الاقتصادية الاستيطانية، وكان ٢٥% من أسهم شركة الهند الشرقية في أيد يهودية. ولكن الوضع كان مختلفاً في شركة الهند الغربية إذ كانت نسبة المساهمين اليهود ضئيلة للغاية (دفع ١٨ يهودياً نحو ٣٦ ألف جلدر من رأسمال يبلغ ثلاثة ملايين) . ولعب اليهود السفارد دوراً في تأسيس الجماعات اليهودية في نيويورك ولندن وفي أنحاء العالم الجديد، كما استوطنوا في البرازيل وكوراساو وكايان وسورينام التي كان يُوجَد فيها أربعمائة مزرعة عام ١٧٣٣ منها ١١٥ في يد اليهود.
وحسب سجلات أمستردام لعام ١٦٠٩، وهي أقدم السجلات، لم يكن يوجد سوى ٢٤ يهودياً سفاردياً برتغالياً بين ٧٣١ مودعاً، ومن ٧٠٨ مودعين عام ١٦١١ لم يكن يوجد سوى ٢٨ يهودياً. وبين أكبر ٣٢٠ مودعاً، لم يكن يوجد سوى عشرة يهود. وفي عام ١٦٢٠، كان عدد المودعين ١٢٠٢، بينهم ١٠٦ فقط من اليهود. وظلت النسبة ثابتة، ففي عام ١٦٧٤ بلغ عدد المودعين ١٣٠٢ من بينهم ٢٦٥ يهودياً، ومن بين ٦٨٥ يدفعون أعلى ضرائب كان يوجد يهودي واحد فقط. وفي عام ١٦٣١، لم يكن يوجد سوى ستة يهود. ومن المجموعة الثانية من دافعي الضرائب لم يكن يوجد سوى ١٥ يهودياً، أي أنه لم يكن يوجد سوى ٢١ يهودياً ثرياً في أمستردام عام ١٦٣١.
стр. 2629
وتغيَّرت الصورة قليلاً في منتصف القرن السابع عشر الميلادي، فكان يوجد ١٣ يهودياً يحتفظون بحسابات ضخمة في بنك أمستردام (عام ١٦٤٦) . وكان هناك ٢٤٥ يهودياً ثرياً، من بينهم ستة كان كل منهم يمتلك ١٠٠,٠٠٠ جلدر. ومع هذا، كانت ثروة اليهود صغيرة بالنسبة إلى الثروة الكلية، فكان أثرياء اليهود هؤلاء (٢٤٥) يمتلكون ٣,٦٢١,٨٠٠ جلدر من مجموع ١٨٥,٥٨٢,٠٠٠ جلدر يملكها الأثرياء في أمستردام، أي أن اليهود كانوا يمتلكون نحو ٢% من الثروة. وهذا هو النمط العام الذي ساد غرب أوربا والبلاد التي ظهرت فيها رأسماليات قوية في مرحلة مبكرة، وبالتالي كانت لها تجارب استعمارية. وهو نمط وجود ثروة في يد بعض المموِّلين اليهود بنسبة تفوق كثيراً نسبة اليهود إلى عدد السكان. ولكن تظل هذه الثروة جزءاً من كل، ولا يمكن أن يُطلَق عليها «رأسمال يهودي» حيث إن ما يُحدِّد حركة رأس المال هو الحركة الاقتصادية للمجتمع ككل، وليس كون رأس المال مملوكاً من قبَل بعض الممولين من أعضاء الجماعات اليهودية.
يهود المارانو كعنصر تحديث وعلمنة في المجتمعات الغربية وبين الجماعات اليهودية
The Marranos as Agents of Modernization and Secularization in Europe and among Jewish Communities
стр. 2630
كانت بعض الدول الغربية تشجع يهود المارانو على الاستيطان فيها، إذ كان كثير من الدول الغربية، خصوصاً البروتستانتية، ترى أن اليهود بوسعهم أن يضطلعوا بدور الجماعة الوظيفية التجارية النافعة. وكانت هذه الرؤية تطابق، إلى حدٍّ ما، رؤية المارانو لأنفسهم. فكثير منهم، ممن كانوا يبطنون اليهودية، كان يستمر في التخفي حتى يستفيد من الفرص الاقتصادية المتاحة أمامه، إذ كان تهوُّده يعني فقدانه إياها. ولذا، نجد أن كثيراً من المارانو بقوا في شبه جزيرة أيبريا بحثاً عن الفرصة الاقتصادية وحفاظاً على أملاكهم من المصادرة، مؤثرين ذلك على الهجرة إلى بلد بروتستانتي أو إسلامي يمنحهم حرية العبادة ولا يمنحهم الفرصة الاقتصادية نفسها. كما أن كثيراً من يهود المارانو الذين هاجروا إلى دول جديدة، بقوا على علاقاتهم مع المؤسسات التجارية في إسبانيا والبرتغال ومع أعضاء أسرهم الذين تنصَّروا بالفعل. وكان الحكم الإسباني أو البرتغالي يستفيد من خبراتهم واتصالاتهم الدولية، وبنفوذهم ورأسمالهم، برغم اضطهاد محاكم التفتيش. وثمة حالات عديدة قام فيها يهود المارانو بالتجسس لصالح الدولتين الإسبانية والبرتغالية. وثمة حالات كان يهود المارانو يهاجرون فيها من إسبانيا أو البرتغال ثم يعودون إليها للقيام بالأعمال التجارية، وهو ما يعني أنهم كانوا يضطرون إلى اعتناق المسيحية مرة أخرى، لفترة وجيزة، أو على الأقل التظاهر بذلك.
ولعب المارانو دوراً مهماً وفعالاً في تأسيس الشركات التجارية والاستيطانية الكبرى، مثل شركة الهند الشرقية وشركة الهند الغربية (الهولنديتين) ، وساهموا أيضاً في شركات منافسة أسسها البرتغاليون ليخرجوا الهولنديين من البرازيل.
следующие страницы →