← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.

стр. 3571

وكان آرون من كبار دعاة الحرب الباردة. ففي الخمسينيات، تناول موضوع الحرب في العصر الحديث وأشار إلى أن عملية توازن الرعب قد قوَّضت رغبة الكثيرين في أن يفكروا في الحرب. فالحرب جزء من الحياة اليومية، وهي تصوغ المجتمع تماماً مثل الصناعة، ويجب أخذها جدياً في الاعتبار عند صياغة السياسة حتى ولو أدَّت هذه السياسة إلى هولوكوست نووية تنتج عنها إبادة الجنس البشري. وإن أحجم الإنسان عن مثل هذا التفكير وعن تقبُّل نتائجه فقد تخلى عن العقل الإنساني وعن مقدرته على التحكم في مصائرنا. وتناول آرون في كتاباته العديدة أيضاً العلاقات الدولية، وتناقضات الديموقراطية، والعلاقة الجدلية بين الديموقراطية والشمولية. وأكد آرون انتماءه للثقافة والفكر والمجتمع الفرنسي كبُعد أساسي من أبعاد شخصيته وهويته. أما اليهودية، فلم تكن سوى رمز احتفظ به تعبيراً عن أصوله وجذوره العائلية دون نفيها. ورفض آرون مفهوم الشعب اليهودي واعتبر أن اليهود شكلوا على مر التاريخ جماعات متفرقة لا تجمعهم أرض أو لغة أو نظام سياسي واحد وأن ما يربطهم هو العقيدة والشعائر والممارسات الدينية. واعتبر أن ميلاد الصهيونية، ومن ثم إسرائيل، ارتبط بظهور القومية في المجتمع الأوربي الحديث في القرن التاسع عشر، وما صاحب ذلك من اتجاهات للاندماج ومعاداة اليهود. كما اعتبر أن ميلاد الصهيونية انعكاس لمدى قوة الأسطورة في التاريخ.

стр. 3572

ونبعت مواقفه من قضايا الشرق الأوسط من رؤيته الغربية للأمور، ومن منطلق المصالح الفرنسية والغربية، أي أنها تخلو من أية أبعاد يهودية خاصة. وقد بدأ اهتمامه بالصراع العربي الإسرائيلي عام ١٩٥٦ بعد أن ارتبط بالصراع بين الشرق والغرب، فأدان العدوان الثلاثي على مصر، كما أيَّد استقلال الجزائر إلا أنه أيَّد التحالف الإسرائيلي الفرنسي، وتضامن مع إسرائيل خلال حرب ١٩٦٧ وكتب سلسلة من المقالات بعنوان ديجول وإسرائيل واليهود انتقد فيها إدانة ديجول لإسرائيل عقب حرب ١٩٦٧ واعتبرها مثيرة ومشجعة للعناصر المعادية لليهود في المجتمع الفرنسي. إلا أنه حذر من استمرار احتلال إسرائيل للأراضي العربية باعتبار أن ذلك سيؤدي حتماً إلى حرب جديدة، مثلما حدث بالفعل عام ١٩٧٣. دانيال بل (١٩١٩-) Daniel Bell عالم اجتماع أمريكي يهودي، وُلد في نيويورك، وتلقَّى فيها تعليمه. درَّس في العديد من الجامعات والمعاهد الأمريكية، وترأس تحرير عدد من المجلات العلمية الليبرالية مثل دايدالوس، وناشيونال إنترست أي الصالح العام. ويُعَدُّ بل من أهم علماء الاجتماع الأمريكيين. وقد كتب العديد من الدراسات، وأظهر في كتاباته الأولى اهتماماً خاصاً بمسائل العمال والرأسمالية الأمريكية إذ حذر من احتمال أن تقوم الاحتكارات بالهيمنة على المجتمع الأمريكي بل وحذر من الحكومة نفسها، خصوصاً إذا ما أصبح قطاع اقتصاد الحرب قطاعاً ثابتاً. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، أصدر بل عدة كتب تتَّسم بأنها مشبعة بروح التفاؤل بشأن المستقبل الديموقراطي للمجتمع إذ كان يرى أن المجتمع الأمريكي مجتمع مركب للغاية، ويختلف عن المجتمعات الغربية في العالم القديم، وتسود فيه روح شعبوية (شعبية) وعداء متأصل للتجريد الفكري. وذهب بل إلى أن هذه كلها ضمانات أكيدة ضد الشمولية، وأن منطق المجتمع الحديث الشمولي ومؤسساته الاقتصادية البيروقراطية لن تسود في الولايات المتحدة.

стр. 3573

وفي عام ١٩٦٠، ظهرت أهم أعمال بل وهو نهاية الأيديولوجيا وهو عبارة عن مجموعة من المقالات كتبها عبر عدة سنوات، دعا فيها إلى ظهور علم اجتماع جديد ونظرية اجتماعية جديدة أكثر برجماتية إذ ينبغي على المثقفين ألا يقبلوا أيديولوجيات الستينيات بل عليهم أن يدركوا أهمية دور جماعات المصالح وطبيعة المساومة والإجماع في المجتمع الليبرالي. وبل من دعاة نظرية التلاقي، أي أن المجتمعين الرأسمالي والاشتراكي هما في نهاية الأمر مجتمع صناعي واحد، ولذا فإن هناك سمات حضارية مشتركة بين المجتمعات، ومن ثم فإن طبيعة تطورهما ستؤدي بهما إلى التلاقي أو التماثل. وهو بالتالي من دعاة دولة الرفاه الرأسمالية التي ستقوم بالاستعانة بخبرة المتخصصين (التكنوقراط) لاكتشاف أحسن السبل لإدارة المجتمع ولحسم الصراعات بين جماعات المصالح المختلفة دون أية أعباء أيديولوجية تثقل كاهلها أو وعيها. وهذه مسألة ـ في تصوره ـ ليست عسيرة إذ أن الصراعات الطبقية والعرْقية ليست بالعمق الذي تُصوِّره نظريات الصراع المختلفة. وكان بل مؤمناً تماماً بأن المجتمع ما بعد الصناعي سينجح في التغلب على التوترات الاجتماعية وفي الإبقاء على المجتمعات الشمولية. ويُعتبَر كتابه ما بعد الأيديولوجيا من أول الكتب التي بشرت بظهور عصر البعديات في الحضارة الغربية (ما بعد التاريخ ـ مابعد الإنسانية ـ مابعد الحداثة) .

стр. 3574

ولكن، مع نهاية الستينيات، عزف بل نغمة أخرى تماماً في كتابه ظهور المجتمع ما بعد الصناعي (١٩٧٣) ، وفي كتابه تناقضات الرأسمالية الحضارية، إذ بيَّن أن ثمة تآكلاً في المنظومة القيمية في المجتمع الرأسمالي (أخلاقيات العمل ـ إرجاء الإشباع ـ الإحساس بالرسالة وبالمسئولية الاجتماعية) التي كانت مصدر تماسكه في الماضي. فالنظام السياسي في المجتمع الرأسمالي في الوقت الحاضر يدور حول مجموعة من المصالح المتضاربة، ويشعر الأفراد بنهم لا يمكن إشباعه، ومع هذا فإنهم يصرون على حقهم في الإشباع (وهذا ما نسميه تصاعد معدلات الترشيد والعلمنة) . والمجتمع التكنولوجي هو مجتمع الإنتاج الرشيد الذي يكافئ من يساهمون في العملية الإنتاجية الرشيدة، ومثل هذا المجتمع الذي تم ترشيده يبتعد بالأفراد تدريجياً عن عالَم السياسة (العام) الذي يوازن عالَم المصالح (الخاص) . كما أن عزلة الفنون تساهم بشكل أعمق في هذا الاتجاه، ولذا كان بل يذهب إلى أن الثقافة الحداثية ثقافة معادية للإنسان ومضمونها السياسي تافه. وعلى هذا النحو، فقد انضم بل إلى زمرة المثقفين الذين يدركون أزمة المجتمع الحديث وأنه لا مخرج منها، ومن ثم فقد تفاؤله القديم. الباب الرابع عشر: علماء النفس من أعضاء الجماعات اليهودية علماء النفس من أعضاء الجماعات اليهودية Psychologists (and Psychiatrists) from Members of Jewish Communities يضم العهد القديم والتلمود إشارات عديدة إلى أعراض واضطرابات في السلوك تدل على أمراض نفسية وعقلية. ولم ير العهد القديم هذه الاضطرابات باعتبارها نوعاً من أنواع المرض، بل اعتبرها نتيجةً لتملك روح شريرة جسد الإنسان، ورأى ضرورة رجم الشخص الذي تملكته روح شريرة حتى الموت. وتأثر اليهود خلال العصر اليوناني بآراء فلاسفة اليونان وأطبائهم والذين كانوا أول من نظر إلى الأمراض النفسية نظرة علمية وربطوا بين الاضطرابات العقلية والاضطرابات الفسيولوجية.

стр. 3575

ويذهب التلمود في بعض أجزائه إلى أن اضطرابات السلوك والجنون نوع من أنواع المرض، واهتم التلمود أيضاً بوضع الشرائع التي تحدد المسئولية العقلية للمريض ووضعه في المجتمع. كما تناول التلمود وأدب المدراش قضايا عديدة حول سلوك الفرد وعلاقته بالمجتمع، وحول القيم والمواقف، وحول أساليب التهذيب والعقاب. وقد اعتبر التلمود الأحلام ذات مصدر إلهي، وكتب أحد الحاخامات كتباً عن الأحلام مماثلة لكتب قدماء المصريين واليونانيين. كما تأثر الفلاسفة من أعضاء الجماعات اليهودية بمفهوم ورؤية اليونانيين لطبيعة ودور الروح والعقل والذكاء. وفي العصور الوسطى في الغرب، اعتمد الأطباء من أعضاء الجماعات اليهودية، مثلهم مثل غيرهم من الأطباء، على النظريات اليونانية والرومانية في الطب، وانتشر الطب الشعبي بين أعضاء الجماعات اليهودية ويذهب الطب الشعبي إلى أن الأمراض العقلية والنفسية علامة على أن الأرواح الشريرة تتملك جسد الإنسان وأنها إحدى علامات الصراع بين قوى الخير وقوى الشر وكانت تعالج بالأحجبة والتعويذات والأناشيد وأحياناً بالتعذيب والسجن. وتناولت كثير من أعمال الفلاسفة والأطباء من أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي الإسلامي العديد من القضايا النفسية. فعلى عكس الغرب، احتل الطب في العالم الإسلامي مكانة رفيعة، وأدرك أطباء الإسلام حقيقة العلاقة بين النفس والجسم والتفاعل الوثيق بينهما وأحسنوا معاملة المصابين بالأمراض العقلية ونجحوا في علاج كثير من هذه الأمراض علاجاً نفسياً. وكان من أبرز من تناوَل القضايا النفسية الفيلسوف موسى بن ميمون الذي كتب عدة كتب في الطب في القرن الثاني عشر وتعرض للاضطرابات الجسدية الناتجة عن اضطرابات عقلية أو عاطفية.

стр. 3576

وقد تضمنت الحركة الحسيدية التي ظهرت في القرن الثامن عشر في الغرب كثيراً من الجوانب النفسية، إذ استمدت الكثير من الأفكار من القبَّالاه، كما أكدت تعاليمها أهمية النواحي الروحية والعاطفية. وفي العصر الحديث، بدأ إخضاع الطبيعة الإنسانية والاضطرابات والأمراض النفسية والعقلية للبحث والدراسة العلمية. وشهد القرن التاسع عشر بداية صعود الطب النفسي وبداية توصيف وتصنيف الأمراض العقلية والنفسية وبداية معاملة المرضى معاملة إنسانية طيبة. كما تأسست أقسام لعلم النفس الأكاديمي في الجامعات الأوربية وانتشرت معامل علم النفس في المدن الأوربية والأمريكية. وظهرت مدارس عديدة في علم النفس تطرح كل منها تفسيراتها ونظرياتها الخاصة حول حقيقة السلوك والطبيعة البشرية ودوافعها. وأدَّى انعتاق أعضاء الجماعات اليهودية في أوربا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر إلى إتاحة الفرصة لهم للالتحاق بالجامعات الأوربية حيث وجدوا في المجالات العلمية التي كانت لا تزال حديثة وهامشية، مثل علم النفس، فرصاً أكبر للحراك والتقدم العلمي لم تكن متوافرة في المجالات العلمية الأقدم والأكثر عراقة. وشكَّل أعضاء الجماعات اليهودية نسبة كبيرة في حقل علم النفس الأكاديمي بجميع فروعه ومدارسه، كما لعبوا دوراً ريادياً في الطب النفسي وفي نشأة التحليل النفسي ومدارسه. ومع هذا، لا يمكن الحديث عن «علم نفس يهودي» أو «تحليل نفسي يهودي» وهكذا، فالمحللون النفسيون وعلماء النفس من أعضاء الجماعات اليهودية يختلفون فيما بينهم ويتخاصمون وينتمون لمدارس وتيارات فكرية متصارعة، أُسُسها الفلسفية مختلفة. وقد اشترك بعض أعضاء الجماعات اليهودية في تأسيس بعض معامل علم النفس في كلٍّ من بلجيكا وهولندا وألمانيا والولايات المتحدة في نهايات القرن التاسع عشر.

стр. 3577

وقد كان أوتو سيلز عضواً بارزاً في مدرسة ويرزبورج لعلم النفس التي اهتمت بدراسة العمليات المصاحبة للتفكير. كما أسس ماكس فيرتهايمر (١٨٨٠ ـ ١٩٤٣) (بالاشتراك مع كرت كوفكا وولفجانج كوهلر) علم نفس الجشطالت، وكان أغلب مؤسسي هذه المدرسة من أعضاء الجماعات اليهودية. أما في مجال الطب النفسي، فكان سيزار لومبروزو أول طبيب نفسي من أعضاء الجماعات اليهودية، وقد صدر له عام ١٨٦٤ كتاب العبقرية والجنون وقدَّم فيه عرضاً لجوانب الشخصية الإجرامية التي أرجعها إلى خصائص وراثية وربطها ببعض الظواهر التشريحية. أما هيبوليت برنهايم (١٨٣٧ ـ ١٩١٩) ، فكان من أوائل من وضعوا لبنات المدرسة النفسية التي رأت أن كثيراً من الاضطرابات العقلية ناشئة عن أسباب نفسية، على عكس المدرسة العضوية في ذلك الوقت والتي كانت ترى أن الاضطرابات العقلية ناتجة كلها عن علل عضوية. ويعود الفضل لسيجموند فرويد (١٨٥٦ـ ١٩٣٩) في إقامة البناء النظري الذي تأسس عليه التحليل النفسي الحديث. ورغم المعارضة التي واجهت نظرية فرويد في البداية، إلا أنه بدأ يضم حوله مجموعة من الأتباع، وسرعان ما أخذت تعاليم التحليل النفسي في الانتشار واعترف بها علم النفس الأكاديمي وامتدت إلى مجالات أخرى مثل علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والنقد الأدبي والفني والتربية. وقد اختلف بعض أتباع فرويد معه ومن أبرزهم ألفريد أدلر وأوتو رانك (وهما يهوديان) وكارل يونج، وانتهى بهم الأمر إلى الانفصال عن مدرسته وتأسيس مدارس أخرى في التحليل النفسي.

стр. 3578

وقد اختلف أدلر (١٨٧٠ ـ ١٩٣٧) مع فرويد حول مدى أهمية الغريزة الجنسية في تكوين الأمراض العصابية، ورأى أن «الشعور بالنقص» الذي ينشأ في الطفولة، سواء نتيجة ضعف أو نقص بدني أو متاعب وصعوبات في بيئة الطفل، هو السبب الأول في تكوين هذه الأمراض. واعتبر أن دافع القوة وتفرُّد الذات هو القوة الإيجابية المسيطرة على الحياة على خلاف فرويد الذي اعتبر الدافع الجنسي القوة المهمة الفعالة. وأطلق أدلر على نظريته الجديدة «علم النفس الفردي» . أما أوتو رانك (١٨٨٤ ـ ١٩٣٩) ، فظهر خلافه مع فرويد في كتابه الذي عزا فيه أسباب الأمراض العصابية إلى تجربة الميلاد نفسها حيث تمحورت نظريته حول الأم وعلاقة الابن بها. وبينما رأى فرويد أهمية فهم وإدراك الذات والتخلص من الأوهام، أكد رانك أهمية التعبير عن الذات وأهمية الأوهام وقيمتها العلاجية. وقد أثارت حقيقة أن مؤسسي التحليل النفسي ورواده الأوائل كانوا جميعهم تقريباً من أعضاء الجماعات اليهودية كثيراً من الجدل حول مدى العلاقة بين ظهور نظرية التحليل النفسي ومضمونها والانتماء أو الأصل اليهودي، وذلك رغم أن فرويد وأتباعه كانوا من اليهود المندمجين وغير المتمسكين بممارسة الشعائر والتقاليد الدينية اليهودية، بل كانوا يسخرون من اليهود غير المندمجين، خصوصاً يهود شرق أوربا. وقد تنصَّر بعض أتباع فرويد حيث اعتنق أدلر البروتستانتية واعتنق رانك الكاثوليكية، لكن رانك عاد مرة أخرى إلى اليهودية عند زواجه. غير أن كل هذا لا ينفي وجود التأثير اليهودي في فكرهم، فرغم رفضهم العقلي لليهودية ورغم اندماجهم في بيئتهم الثقافية والاجتماعية إلا أن تكوينهم الثقافي والاجتماعي اليهودي الخاص كان له تأثير لا شك فيه على كلٍّ منهم يتفاوت من حالة إلى أخرى.

стр. 3579

وقد تعدَّدت وتباينت التفسيرات في هذا الصدد، فذهب البعض مثل إرنست جونز أحد أتباع فرويد وكاتب سيرته الذاتية (وهو غير يهودي) إلى نفي أية أهمية أو دلالة للانتماء اليهودي لفرويد وأتباعه، ولكنه كان يرى أيضاً أن تمسك فرويد بنظريته وأفكاره (رغم المعارضة الشديدة التي واجهته) ينهض دليلاً على قدرة اليهود «الموروثة» على الصمود أمام العداء والرفض، وهو تفسير سطحي متهافت. وفي محاولة تفسير وجود عدد كبير من أعضاء الجماعات اليهودية كمؤسسين لعلم النفس والتحليل النفسي وكممارسين له، يمكننا أن نورد هذه الأسباب كمحاولة مبدئية:

стр. 3580

١ ـ يُلاحَظ أن أعضاء الجماعات الوظيفية يوجدون في المجتمع وليسوا منه، وهو ما يطوِّر عندهم الحاسة النقدية بشكل قد يكون مرضياً وعدمياً أحياناً. وهم، نظراً لعدم تجذرهم في المجتمع، يهتمون بالنماذج الهامشية والمرضية وتصبح عندهم مقدرة غير عادية على فهمها والتعامل معها، خصوصاً أن عضو الجماعة الوظيفية عنده كفاءة في التعامل مع الآخر باعتباره موضوعاً أو مجرد حالة، باطنه مثل ظاهره، لا حرمة له ولا قداسة، تتم دراستها ورصدها وتوظيفها والاستفادة منها. وهذه القدرة على التعامل بشكل محايد ومتجرد مع خبايا النفس البشرية هي مقدرة لا تتوافر لكثير من البشر، وهي لابد أن تتوافر (بشكل أو بآخر) فيمن يود أن يضع أسس علم للنفس بحيث تُدرَس النفس البشرية كما تُدرَس الأشياء الطبيعية، أو حتى باعتبارها أمراً أكثر تركيباً. والواقع أن اضطلاع أعضاء الجماعات اليهودية بدور الجماعة الوظيفية جعل عندهم تقبلاً واستعداداً نفسياً وفلسفياً كامناً لأن يتركزوا في علم النفس وفي التحليل النفسي حينما ظهر هذا العلم. ولعل هذا هو ما أعرب عنه فرويد في محاضرة له أمام رابطة أبناء العهد (البناي بريت) عام ١٩٢٦ حين قال إنه (باعتباره يهودياً) قد تحرَّر من التحيزات والآراء المسبقة التي تقيد الحرية الفكرية لغير اليهود (مثل الإيمان بقداسة الإنسان) ، وأن كونه يهودياً يسَّر له الانضمام إلى الجبهة المعارضة لأفكار وفلسفات الأغلبية. وأعضاء الجماعة الوظيفية مغامرون يكتشفون الآفاق الجديدة ويحاولون فتح مجاهلها والاستفادة منها، ولابد أن علم النفس والتحليل النفسي كانا أحد المجالات الجديدة التي ارتادها الأطباء من أعضاء الجماعات اليهودية.

стр. 3581

٢ ـ ويمكن أيضاً أن نستخدم نموذج الحلولية (مقابل التوحيد) لتفسير تركز أعضاء الجماعات اليهودية في التحليل النفسي. ويمكن أن نذكر ابتداءً أن أعضاء الجماعة الوظيفية يتبنون رؤية حلولية للواقع (تضعهم داخل دائرة القداسة وتضع الآخر خارجها) ، وأن القبَّالاه الحلولية سيطرت تماماً على اليهودية ابتداءً من منتصف القرن السابع عشر. والحلولية ترى أن الإله يحل في الإنسان والطبيعة ويتوحد بهما ويوحدهما بحيث يصبح الإله والإنسان والطبيعة شيئاً واحداً، وهذا يعني في واقع الأمر إلغاء كل الثنائيات بحيث يصبح الإنسان مادة مثل الطبيعة، يحوي داخله كل ما نحتاج إليه لفهمه وتفسيره، ويصبح سلوكه (البراني) وسيلة الوصول إلى عالمه (الجواني) . ويُلاحَظ أن النموذج الحلولي يدور دائماً حول الجنس (والأرض) وهذا ما حدث في القبَّالاه التي وُصفت بأنها تجنيس للإله وتأليه للجنس (بمعنى الغريزة الجنسية) . ويُلاحَظ أخيراً أن المنظومة الحلولية ترتبط دائماً بالحل السحري وبمحاولة الوصول إلى الصيغة السحرية التي تشفي الآلام، كما أنها رؤية تتجاوز مقاييس الخير والشر وتدور في واقع الأمر حول مفاهيم مثل لذة الوصول ومتعة الذوبان. والرؤية الحلولية (خصوصاً في مرحلة الحلولية بدون إله ووحدة الوجود المادية) تخلق أيضاً استعداداً نفسياً كامناً لدى من يتحرك في إطارها لأن يتكشف علماً مثل علم النفس يحاول التعامل مع النفس البشرية باعتبارها كياناً مكتفياً بذاته لا يمكن الحكم عليه أخلاقياً. فمهمة المحلل النفسي أن يساعد المريض في أن يرى نفسه (أو يقبلها) خارج إطار المعايير الأخلاقية، معايير الخير والشر، وأن يتحرك داخل مفهوم تحقيق الذات وراحتها!

стр. 3582

٣ ـ ولعل الاتجاه المعادي للتاريخ وللوجود الإنساني داخل حدود التاريخ والمصاحب للرؤية الحلولية، والذي يمارسه أعضاء الجماعات الوظيفية بدرجات متفاوتة، ساهم هو الآخر في تعميق قابلية أعضاء الجماعات اليهودية للاشتغال بعلم النفس الذي تنحو كثير من اتجاهاته نحو تفسير سلوك الفرد في إطار معطيات نفسية ليس لها بالضرورة علاقة كبيرة بمعطيات التاريخ. ٤ ـ لاحظ بعض الدارسين أن ثمة تشابهاً بين مناهج التفسير في اليهودية ومناهج التفسير في علم النفس. فالمفسرون اليهود كانوا يدورون في إطار الشريعة الشفوية، وهو مفهوم حلولي يساوي بين الوحي الإلهي (المكتوب) والاجتهاد البشري (الشفهي) ، بل ويجعل الاجتهاد الشفوي أكثر أهمية وفعالية من النص المقدَّس. كما ظهر مفهوم التوازي بين توراة الخلق (العادية الظاهرة) وتوراة الفيض (الباطنة) ، ولا يمكن التوصل إلى توراة الفيض إلا من خلال إعادة تفسير وتأويل النصوص الدينية الواضحة الظاهرة بحيث يتجاوز المفسر المعاني المباشرة ويعلو عليها ويصل إلى المعنى الباطني. وقد اعتمد التحليل النفسي أيضاً على المفسر الوسيط الذي يُحلل النص ليكتشف وراءه المعنى الباطني (الذي يشبه التوراة الشفوية أو حتى توراة الفيض) .

стр. 3583

٥ ـ إذا كانت الحلولية تُلغي الثنائيات بحيث يصبح الإنسان جزءاً لا يتجزأ من الطبيعة/المادة، غير قادر على تجاوزها، فإن الانتماء إلى الجماعة الوظيفية يُنجز شيئاً مماثلاً، إذ أن عضو الجماعة الوظيفية يرى نفسه في إطار وظيفته بحيث لا يصبح له وجود خارجها، وغير قادر على تجاوزها. فالإنسان الحلولي والإنسان الوظيفي لهما بنية واحدة، رغم اختلاف المضامين، وجوهر هذه البنية هو الواحدية. ويخلق هذا الوضع استعداداً كامناً للعلمنة بين أعضاء الجماعات الوظيفية، فالعلمانية تدور حول مفهوم الإنسان الطبيعي الذي تدور حوله الفلسفة العقلانية المادية والذي يتفرَّع إلى الإنسان الاقتصادي (الوظيفي) الذي يدور حول الاقتصاد السياسي، والإنسان الجسماني أو الجنسي، الموضوع الأساسي لبعض أشكال علم النفس. ولكن كل هذه الأسباب لا تجعل من أعضاء الجماعات اليهودية مسئولين عن ظهور علم النفس والتحليل النفسي. فهذه أمور مرتبطة بتطور الحضارة الغربية وعلمنة ظاهرة الإنسان بحيث تُلغَى كل الثنائيات ويُدرَس الإنسان في إطار غرائزه وسلوكه، ويحل مفهوم النفس (العلماني) محل مفهوم الروح (الديني) .وتجب الإشارة هنا أيضاً إلى أن التحليل النفسي وُلد في فيينا التي كانت تُعَدُّ في نهاية القرن التاسع عشر مركزاً ثقافياً وفكرياً مهماً يموج بالعديد من النظريات والقيم والمعايير الجديدة في الفكر والأدب والفنون. وكان ظهور التحليل النفسي جزءاً من هذه العملية الانقلابية وأحد مظاهر التحولات الجديدة التي كانت تهدِّد القيم والأفكار السائدة حول الدين والإنسان والمجتمع.

стр. 3584

وقد واجه التحليل النفسي هجوماً حاداً بسبب ما كان يشكله من تهديد للمفاهيم السائدة حول السلوك البشري بشكل عام والسلوك الجنسي بشكل خاص. ولأن رواده كان أغلبهم من أعضاء الجماعات اليهودية، فقد تضاعف الهجوم عليه من قبل المعادين لليهود. ومع مجيء النازية إلى أوربا، انتقل كثير من علماء النفس الأوربيين اليهود إلى الولايات المتحدة. ولم يكن أعضاء الجماعات اليهودية من رواد التحليل النفسي في الولايات المتحدة، ولم يبدأوا في دخول هذا المجال بشكل واسع إلا بعد انتقال علماء النفس اليهود الأوربيين إلى الولايات المتحدة. إذ انتقلت معهم أيضاً بعض مدارس علم النفس الأكاديمي المهمة مثل الجشطالت. وكان لأعضاء الجماعات اليهودية، خصوصاً في الولايات المتحدة، مساهمات مهمة ومتنوعة في بلورة النظريات الخاصة بعلم النفس في الفترة المعاصرة. ويُلاحَظ أن التحليل النفسي منتشر في الوقت الحاضر في أمريكا اللاتينية، خصوصاً في الأرجنتين، لكن أعضاء الجماعات اليهودية لم يلعبوا دوراً فكرياً مهماً داخل هذا التشكيل الحضاري.

стр. 3585

وقد كان من بين الأجيال الأولى للمحللين النفسيين من أعضاء الجماعات اليهودية مَنْ تعاطفوا مع الصهيونية وأيدوها مثل سيجفريد بيرنفلد الذي ساهم في تنظيم الشباب الصهيوني في ألمانيا. وماكس إيتنجتون، الذي أسس أول معهد تدريبي وأول عيادة للتحليل النفسي في برلين عام ١٩٢٠، ثم استقر في فلسطين عام ١٩٣٣ وأسس بها جمعية ومعهداً للتحليل النفسي لا يزالان موجودين حتى الآن. ولكن هناك من المحللين النفسيين من أعضاء الجماعات اليهودية مَن رفض الصهيونية أو لم يكترث بها أصلاً. والشخصيات الواردة في هذا القسم تقع كلها (باستثناء فرتايمر) في مجال التحليل النفسي والطب النفسي، وهي تختلف عن مجال علم النفس الأكاديمي بمعناه الدقيق. إلا أن اختيار «علم النفس» في العنوان جاء جرياً مع التقليد الشائع بضم هذه التخصصات تحت ما يُعرف بالعلوم النفسية أو الفكر النفسي بوجه عام. سيجموند فرويد (١٨٥٦-١٩٣٩) حياته وسياقها الغربي واليهودي الفكري Sigmund Freud: His Biography and His Intllectual Western and Jewish Context

стр. 3586

مفكر من أعضاء الجماعة اليهودية في النمسا ومؤسس مدرسة التحليل النفسي، ويُعَدُّ من أهم المفكرين الغربيين، إن لم يكن أهمهم طُراً، لا يضارعه في مكانته (في رأي البعض) سوى كارل ماركس. وكما قال جاك لاكان إن ماركس وفرويد فسَّرا أهم عمليتين في المجتمع الإنساني، وهما الإنتاج والتكاثر (بالإنجليزية: برودكشن آند ربرودكشن production and reproduction) (الإنسان الاقتصادي الذي تحركه وسائل الإنتاج، والإنسان الجسماني الذي يحركه اللبيدو) . وقد أثّر التحليل النفسي في معظم المدارس والاتجاهات الفكرية الغربية الحديث، حتى أن كثيراً من أفكار فرويد أصبحت بُعداً أساسياً في الخطاب الحضاري الغربي الحديثة. ولعل النسق الفرويدي من أهم الأنساق المعرفية التي وضعت أساس النسبية الأخلاقية التي أصبحت سمة أساسية في رؤية الإنسان الغربي للكون. وقد اكتسب فرويد مزيداً من الأهمية والمركزية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي (والمنظومة الماركسية) ومع شيوع فكر ما بعد الحداثة والتمركز حول الأنثى والاهتمام المتزايد بالجسد والجنس والإنسان الجسماني في الحضارة الغربية الحديثة. ارتبطت حركة التحليل النفسي ارتباطاً وثيقاً بالسيرة الذاتية لمؤسسها. وُلد فرويد في مدينة فرايبورج بمورافيا (الآن في التشيك) ، وهي مدينة صغيرة في الإمبراطورية النمساوية/المجرية (متعددة الجنسيات والحضارات) . وقد سُمِّي فرويد باسمين: اسم بولندي، «سيجسموند» ؛ واسم عبري، «شلومو» ، أي سليمان (تماماً مثل هرتزل الذي كان يُسمَّى «تيودور» و «بنيامين» (.

стр. 3587

كان أبو فرويد يعمل بتجارة الصوف ولم يحالفه النجاح في تجارته فاضطر للانتقال إلى لايبزيج ثم إلى فيينا بحثاً عن الحراك الاجتماعي (كان فرويد يبلغ من العمر أربع سنوات حينما استقرت الأسرة في فيينا وبقي فيها بقية حياته) . وكانت خلفية أبويه حسيدية، وأمه على وجه الخصوص جاءت من برودي (في جاليشيا) أحد أهم المعاقل الحسدية، وكان جدها الأكبر تساديك حسيدي. وكان أبوها أحد تلاميذ الواعظ أدولف جلينيك (١٨٢٠ ـ ١٨٩٣) القبَّالي الشهير، والذي كان يُلقي محاضراته في فيينا. ورغم هذه الخلفية الحسيدية الأرثوذكسية تزوج الأبوان على يد حاخام إصلاحي، فالأب كان قد فقد إيمانه الديني بعد أن هبت عليه رياح الاستنارة وأصبح يؤمن إيماناً مطلقاً بالعلم والعقل (المادي (. كان أبو فرويد يكبر أمه بحوالي عشرين عاماً، وكان يتسم بالجمود والديكتاتورية (ولذا كان لا يذكره بالخير) ، على عكس الأم التي وصفها فرويد بأنها كانت حنونة، وكان ينسب لها كل الصفات الحميدة. ويبدو أنه كان مستحوذاً على حب أمه إلى أن وُلد أخوه جوليوس فأحس فرويد نحوه بالكره العميق، ولكن حينما مات الأخ فجأة شعر فرويد بالذنب. وذكر فرويد أنه رأى أمه عارية فأثارته جنسياً، كما دخل مرة وهو في سن السابعة وتبول في غرفة نوم والديه. ويبدو أن علاقته بمربيته الكاثوليكية كانت تتسم بقدر كبير من الإبهام إذ كان يحبها ويكرهها في آن واحد، وكثيراً ما كانت تصحبه إلى الكنيسة. ويبدو أن الأبوين اهتما بفرويد على حساب إخوته بسبب نبوغه الملحوظ، ولذا كانت غرفته الغرفة الوحيدة المزودة بمصباح كيروسين (على عكس الغرف الأخرى المزودة بشموع) . كما مُنع إخوته الآخرون من أن يتعلموا الموسيقى حتى لا يزعجوا أخاهم أثناء التدريب.

стр. 3588

لم يذهب فرويد إلى المدرسة إلا بعد أن ناهز العاشرة من عمره فتعلم القراءة والكتابة والحساب في البيت. وبرع في عدد من اللغات منها اللاتينية واليونانية والإنجليزية، كما تعلم العبرية (وإن كان قد أنكر هذه الحقيقة فيما بعد) ، ودرس التوراة والعقيدة اليهودية في سن مبكرة. وفي عام ١٨٧٣ التحق فرويد بجامعة فيينا حيث درس الطب، ولم يكن متحمساً لدراسته بيد أنه قضى جل هذه الفترة داخل معمل الفسيولوجيا، وكان أستاذه بروكه (مدير معهد الفسيولوجيا بالجامعة) من زعماء مدرسة هلمهولتز الطبية ذات المنحى المادي المتطرف. وركز فرويد في دراساته على العلوم الأساسية كالتشريح وعلم وظائف الأعضاء. بدأ فرويد عام ١٨٧٣ أول سلسلة من أبحاثه العلمية الأصيلة حيث قام بدراسة الغدد التناسلية الذكرية لثعبان الماء، وقام بإجراء دراسات أخرى في مجال الأعصاب. كما أجرى بعض التجارب عن الكوكايين وكان هو نفسه يتعاطاه ويقدمه لخطيبته وأصدقائه، ووجد أنه يشفي من الاكتئاب ويساعد على التغلب على عُسر الهضم. ونشر عام ١٨٨٤ ورقة بعنوان «حول الكوكا» تحدث فيها عن خواص الكوكايين التخديرية وربط بين استخداماته العلاجية وبين الممارسات الدينية لمواطني أمريكا الجنوبية وكان فرويد يتصور أنه اكتشف عقاراً سحرياً يشفي كل شيء وأنه من ثم سيتمكن من خلاله أن يحقق لنفسه الشهرة التي كان يبحث عنها. ولكن حينما عرفت المؤسسة الطبية بأمر تجاربه، وُجّه إليه نقد شديد لاستخدامه الكوكايين خارج نطاق العمليات الجراحية.

стр. 3589

فكر فرويد في أن يستمر في أبحاثه داخل إطار الجامعة وأن يحصل على وظيفة أكاديمية، ولكنه اضطر إلى التخلي عن مشروعه بسبب فقره وعدم استطاعته تحمل الأعباء المالية للبحث الأكاديمي في انتظار الأستاذية. وقد تفاقم الأمر إذ التقى بخطيبته مارثا بيرنايز وتفاهما على الزواج الأمر الذي كان سيكلفه الكثير. (ومع هذا يذهب البعض إلى أن معاداة اليهود المتفشية في الأوساط الأكاديمية النمساوية في هذا الوقت هي التي دفعته إلى قبول نصيحة أستاذه بروكه بأن يترك العمل الأكاديمي ويتجه إلى ممارسة الطب) . ولم يكن القرار الذي اتخذه فرويد سهلاً إذ وجد نفسه يستبدل العلم التطبيقي بالعلم البحثي. ومع هذا اهتم أثناء فترة تدريبه في المستشفى بموضوعات مثل الجهاز العصبي والشلل ومرض عدم النطق (التي نشر عنها بحثاً عام ١٨٩١) . وكجزء من تدريبه سافر فرويد إلى فرنسا عام ١٨٨٥، حيث اتصل بعدد من الأطباء الفرنسيين المتخصصين في الأمراض النفسية وعلى رأسهم شاركو وبيير جانيه، وكانوا في علاجهم الأمراض العقلية يستعملون التنويم المغناطيسي (ولنُلاحظ النمط المتكرر: المخدرات والعلاج النفسي ـ التنويم المغناطيسي والعلاج النفسي ـ وأخيراً العلاج النفسي من خلال دراسة اللاوعي) . فاهتم فرويد بهذه الطريقة واكتشف أن من الممكن، في أحوال كثيرة، جعل المريض يتذكر حوادث ومشاعر يبدو أنها كانت سبباً في إحداث أعراض مَرَضية عصبية أو نفسية. فاستنتج من هذا أن استعادة مثل هذه الذكريات وما صاحبها من تجارب انفعالية تفيد في علاج المريض، لأنه وجد أن أعراض المرض غالباً ما كانت تختفي متى كان التذكر ممكناً. وقد عرف من شاركو فكرة الارتباط بين المرض النفسي والجنس.

стр. 3590

وبعد عودة فرويد إلى فيينا عام ١٨٨٦ توثقت علاقته مع جوزيف بروير الذي كان قد أجرى بعض المحاولات لعلاج المرضى المصابين بالهستريا. وقد سعى فرويد بالتعاون مع بروير إلى إكمال هذه الطريقة لكن تبيَّن لهما أن التنويم المغناطيسي لا يُفيد إلا في مساعدة المريض على التذكر واستعادة التجارب التي أدَّت إلى المرض. وبمزيد من التجارب تبيَّن لبروير أن بالإمكان الاستعاضة عن التنويم المغناطيسي بما سماه أحد مرضاه «العلاج بالمحادثة» ، وذلك بأن يتحادث مع المريض في موضوعات انفعالية دون الاستعانة بالتنويم المغناطيسي. ولنا أن نُلاحظ أن علاقة الطبيب الذي يستخدم التنويم المغناطيسي مع مرضاه لا تختلف كثيراً عن علاقة المحلل النفسي بمرضاه، فكلٌ من المنوم المغناطيسي والمحلل يأخذ دور الإرادة الأعلى، فهو السوبرمان، والمريض السبمان لا يمكنه أن يَشفَى إلا بأن يتخلى عما بقي لديه من إرادة، ويذعن لإرادة المنوم المتأله تماماً، ويفضي بما داخله فيتطهر، وعملية التطهر، في حالة المحلل النفسي، تتم من خلال التفسير. بحيث يدرك المريض نفسه من خلال تفسير طبيبه النفسي. وشهد عام ١٨٩٥ صدور كتاب بروير وفرويد دراسات عن الهستريا الذي تكمن فيه البذرة الأولى التي نبتت منها فيما بعد نظرية التحليل النفسي في عقل فرويد. (ويذهب البعض إلى أن عام ١٨٩٥ هو تاريخ ميلاد التحليل النفسي) . وقد عرض المؤلفان في المقدمة المشتركة التي كتباها الخطوط العامة لنظريتهما التي ركزت على دلالة الانفعالات وأهمية التمييز بين الأحداث العقلية الشعورية واللا شعورية. وكان المؤلفان يتحركان في إطار كمي إذ أكدا أن «الطاقة النفسية» كمية ثابتة لابد أن تجد لنفسها مُتنفَّساً طبيعياً فإن لم تجده عبَّرت عن نفسها بطريقة غير سوية. ومن ثم يكون منهج العلاج النفسي عن طريق التنفيس هو البحث عن هذا المسار السوي وتفريغ العواطف من خلاله.

стр. 3591

لكن بروير وجد المناقشات مع المرضى حول التفاصيل الشخصية والجنسية لحالتهم أمراً محيراً وغير واضح. على عكس فرويد الذي وجد في أقوال مرضاه وردود أفعالهم مفاتيح يمكن استخدامها في العلاج. وقد أدَّى عدم اقتناع بروير بما يقوله فرويد عن الدور الحاسم للجنس في المرض النفسي إلى قطيعة بين الاثنين عام ١٨٩٦ (وهذا نمط سنلاحظه في حياة فرويد: إصراره العقائدي على الواحدية الجنسية كنموذج تفسيري، ورفض كل اعتراض على هذه الواحدية، مثل موقفه مع يونج وأدلر فيما بعد، اللذين شككا في هذه الواحدية التفسيرية) . وشهد عام ١٩٠٠ إنجاز فرويد كتابه الأم تفسير الأحلام ويمثل هذا الكتاب نقطة تحول درامية مهمة في حياته إذ يطرح فيه أول ملامح نظريته النفسية، ويتحدث عن بناء الجهاز النفسي وتقسيمه إلى مناطق سماها الشعور واللاشعور، وعن نظريته في الكبت. ويذخر الكتاب بأحلام فرويد وأحلام غيره محللة بطريقته التي أسماها «التداعي الطليق» ، كما قدَّم في هذا الكتاب مفهوم مُركَّب أوديب. وشهد عام ١٩٠٤ صدور كتاب علم أمراض النفس في الحياة اليومية، كما صدر في العام الذي يليه كتاب النكتة وعلاقتها باللا شعور. وبيَّن فرويد في هذين الكتابين أن الحيل التي وجدها في العصاب والأحلام تعمل أيضاً في كثير من زلات القلم أو اللسان أو اليد أو الذاكرة التي تصادفها في الحياة اليومية والتي تُعزَى عموماً إلى «الصدفة» أو التداعي الخاطئ أو إلى بعض العوامل العامة كالتعب. والأمر نفسه يسري على القفشات والنكت والفكاهات. وفي عام ١٩٠٥ صدر كتاب ثلاث مقالات في النظرية الجنسية (الذي يُعدُّ أهم أعماله) حيث يطرح ملامح نظريته النفسية بشكل أوَّلي، ويتحدث عن الثنائية الجنسية والجنسية الطفلية ومراحل تطور النفس البشرية (المرحلة الفمية ـ المرحلة الشرجية ـ المرحلة القضيبية ـ فترة الكمون) .

стр. 3592

ومما يجدر ذكره أن فرويد على المستوى الشخصي كان ينظر للجنس نظرة سلبية. وكان يحذر دائماً من خطر الجنس ويرى أن الناس يجب عليهم أن يتجاوزوا «هذه الحاجة الحيوانية المشتركة» ، فالفعل الجنسي ـ في تصوره ـ منحط، ويلوث العقل والجسد. ومنذ عام ١٨٩٧ حينما كان يبلغ من العمر ٤١ عاماً كتب يقول إنه أقلع هو شخصياً عن ممارسة الجنس. وفي عام ١٩٠٢ بدأ فرويد حلقة النقاش الأسبوعية التي كانت تحضرها مجموعة خلصائه ومنهم يونج وأدلر ورانك وجونز وأبراهام وإيتنجتون ورايك وفيتلز وفرنزي وغيرهم. وفي عام ١٩٠٩زارفرويد الولايات المتحدة وازدادت شهرته الدولية وألقى سلسلة محاضرات كلارك الشرفية، التي صدرت في كتاب محاضرات تمهيدية في التحليل النفسي الذي يبسط فيه رؤيته العامة للتحليل النفسي وفكرة الأنا والأنا الأعلى والهو. وفي عام ١٩١١ أُسِّست الجمعية الدولية للتحليل النفسي وانتُخب يونج رئيساً لها بدعم من فرويد. ولكنها شهدت عام ١٩١٤ انشقاق أدلر ويونج، فقد اهتم أدلر بدور العدوان، غاضاً من شأن الناحية الجنسية واهتم بدور الأنا مغفلاً اللاشعور وركز على الجانب الجماعي والاجتماعي، أما يونج فقد عارض اللاشعور الفردي باللاشعور الجمعي وعارض التفسير الجنسي لمُركَّب أوديب بتفسير رمزي لها. وشهد عام ١٩١٣ نشر كتاب الطوطم والتابو وهو أول كتاب يخرج بالتحليل النفسي من إطار الممارسة العيادية إلى فضاء الفلسفة الكونية والرؤية الحضارية. ويفترض فرويد في الكتاب أن أصل فكرة الطوطم هو الأب القوي الذي اتحد ضده الأبناء وقتلوه وأكلوا لحمه نيئاً في محاولة للتوحد معه، وأن الحيوان الطوطمي بديل الأب المقتول. ويؤكد الكتاب فكرة العلاقة بين بناء الأسطورة وبناء المرض النفسي.

стр. 3593

وفي عام ١٩١٤ نشر فرويد بحثاً في مجلة إيماجو (مجلة الجمعية الدولية للتحليل النفسي) حول تمثال موسى لمايكل أنجلو ونُشر البحث بدون اسم، وهو محاولة لتفسير تمثال مايكل أنجلو من منظور التحليل النفسي. ونشر عام ١٩١٥ بحثاً متخصصاً بعنوان الحب الطرحي وكتاباً بعنوان مستقبل وهم الذي يحارب فيه فكرة الدين ويُبيِّن أن التحليل النفسي آخر ضربة يوجهها العلم للدين باعتباره وهماً تعويضياً للبشر. وشهد عام ١٩١٨ (أي في أعقاب الحرب العالمية الأولى) كتاب الحضارة ومنغصاتها وهو كتاب متشائم ملئ بالكآبة يرى أن الحرب حتمية وضرورة نفسية. وقد صيغت تعديلات رئيسية في النظرية الفرويدية ابتداءً من عام ١٩٢٠، وتقابل النظرية الفرويدية الجديدة في الغرائز بين غرائز الحياة (إيروس) وغرائز الموت والعدوان (ثناتوس) . (بينما كان التقسيم السابق يضع الأنا مقابل اللبيدو أو الهو) . وفي كتاب ما وراء مبدأ اللذة (١٩٢٠) استند فرويد إلى ما أسماه إجبار التكرار وإلى اعتبارات بيولوجية في القول بوجود نزعة بدائية للتدمير الذاتي. وفي عام ١٩٣٤ بدأ فرويد يكتب كتاب موسى والتوحيد (الذي لم يُنشَر إلا عام ١٩٣٩ قبل موته ببضعة أشهر) . وبعد ظهور النازية اضطر فرويد لمغادرة النمسا إلى لندن حيث وافته المنية يوم ٢١ سبتمبر ١٩٣٩. قد يكون من الضروري أن نضع فرويد في سياقه الحضاري (الاجتماعي ـ الاقتصادي ـ الفلسفي ـ السياسي) العام حتى نفهم نظريته وندرك أبعادها. وهذا أمر مهم بالنسبة لأية نظرية أو نتاج فكري، ولكن الأمر بالنسبة لفرويد أكثر إلحاحاً لعدة أسباب: ١ ـ يرتبط التحليل النفسي بفرويد ارتباطاً قوياً، الأمر الذي أدَّى بالكثيرين إلى افتراض يجعل حياة فرويد الشخصية السياق الوحيد للتحليل النفسي. ٢ ـ كان فرويد يربط أحياناً بين التحليل النفسي وانتمائه اليهودي.

стр. 3594

٣ ـ يتلبس التحليل النفسي بلباس الموضوعية والعالمية وكأنه يقترب في دقته وحياده من العلوم الطبيعية المتجردة من الزمان والمكان، الأمر الذي يجعل كثيراً من الباحثين يغفلون عن الأبعاد الحضارية الغربية للتحليل النفسي. ٤ ـ يستخدم التحليل النفسي مجموعة من الرموز والمصطلحات (مُركَّب أوديب ـ الأنا ـ الهو ـ اللاشعور ـ النرجسية ـ المرحلة الشرجية) التي تضفي هالة من العالمية على التحليل النفسي، وكأنه ليس ذا سياق حضاري محدد. والسياق الحضاري لنظريات التحليل النفسي هو الحضارة الغربية الحديثة في العقود الأخيرة في القرن التاسع عشر، التي هيمنت عليها العلمانية الشاملة (وحدة الوجود المادية) باعتبارها رؤية للكون. وقد تفرَّعت عنها أيديولوجيات وظواهر أخرى مثل الإمبريالية والعنصرية والصهيونية، وهي جميعاً تنويعات على الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية الشاملة. ونحن نَصف العلمانية الشاملة بأنها رؤية حلولية كمونية واحدية مادية ترى أن مركز العالم كامن فيه، وأن كل ما يلزم لتفسيره يوجد بداخله، وهو ما يعني أن العالم إن هو إلا مادة قابلة للحوسلة، وأن كل الظواهر، وضمنها الإنسان، تُفسَّر في إطار قوانين الحركة المادية، أي أن الإنسان يتم تفكيكه ثم رده إلى عنصر مادي واحد أو إلى بضعة عناصر مادية، فهو كائن طبيعي/مادي غير قادر على تجاوز قوانين الطبيعة/المادة.

стр. 3595

العالم الطبيعي/المادي إذن هو نقطة البداية والنهاية في الحلولية الواحدية المادية، أي العلمانية الشاملة. ويبدأ النموذج الحلولي عادةً بإعلان أن الإنسان مركز الكون، وموضع الحلول والكمون. ولكنه سرعان ما يبتلعه الكون ليصبح مجرد جزء لا يتجزأ منه، تحركه القوى الطبيعية المادية ويذعن لقوانينها تماماً، فلا حول له ولا قوة ولا إرادة. ولذا نجد أن نظريات القرن التاسع عشر كانت تحاول قدر طاقتها أن تكتشف القانون العام الذي يحكم كل الظواهر الطبيعية المادية وأن تصل إلى النموذج القابل للتكرار بكل دقة وانتظام. وقد وصل هذا الاتجاه إلى ذروته في محاولة أينشتاين العقيمة الوصول إلى القانون الموحَّد الذي يربط جميع مجالات الطبيعة. وقد انطلقت مدرسة هلمهولتز (التي ينتمي إليها إرنست بروكه الذي ترك في نفس فرويد أثراً عميقاً لا يضارعه ما تركه غيره من الناس في نفسه طوال حياته كلها) من هذه الحلولية المادية الصارمة التي لا تعرف أية ثغرات أو انقطاعات. وقد لخص ديبو ريموند، أحد أعضاء هذه المدرسة، مبادئها في الكلمات التالية: «لا يوجد في جسم الإنسان من أنواع الطاقة الفعالة سوى الطاقات الفيزيائية والكيمائية العادية. ففي الحالات التي لا يمكن تفسيرها حالياً بهذه الطاقات علينا إما أن نكتشف الطريقة الخاصة لفعلها بواسطة المنهج الفيزيائي الرياضي أو أن نفترض وجود قوى جديدة مماثلة في مرتبتها للقوى الكيمائية الفيزيائية المطبوعة في المادة، يمكن ردها إلى قوة الجذب والطرد» ، أي أن الإنسان إن هو إلا جسد مادي محض، تحركه قوانين الحركة.

стр. 3596

وقد ارتبط بهذا الاتجاه المادي الصارم اتجاهاً تطورياً، فقد كان أتباع مدرسة هلمهولتز يذهبون إلى أن أية وحدة في عالم الكائنات، حيواناً كانت أو إنساناً، هو عضو في أسرة واحدة اختلفت مظاهرها بحكم عملية التطور، وهو تطور طبيعي مادي ولذا «لا توجد أرواح أو جواهر أو صور كاملة، ولا توجد خطط عليا أو أغراض نهائية تؤثِّر في هذا العالم. والطاقات الطبيعية هي وحدها العلل فيما نشهد من معلومات» . كل هذا يعني في واقع الأمر رفض كل ما ليس مادياً رفضاً كاملاً، بالمعنى الصارم والمباشر للكلمة، كما يعني رفض محاولات العقل البشري تجاوز عالم الطبيعة/المادة أو أنسنته عن طريق إسقاط المشاعر الإنسانية عليه. وهكذا يَضمُر الإنساني ويذوي ثم يختفي وتصبح المرجعية الوحيدة هي الطبيعة/المادة، وهي مرجعية كمونية مادية تجعل القوى المادية الكامنة في الطبيعة المحرك الوحيد للتاريخ، وتجعل الصراع من أجل البقاء المادي جوهر الحياة، وتجعل القيم الإنسانية والأخلاقية مجرد مُعوِّقات في طريق التطور الطبيعي/المادي. في هذا الإطار الطبيعي/المادي تظهر نظرية المنفعة (واللذة) التي تجعل الهدف النهائي، وربما الوحيد، للحياة تحقيق اللذة، كما يظهر مفهوم الحتمية المادية، حجر الأساس بالنسبة للعديد من نظريات وأيديولوجيات القرن التاسع عشر. لكن الحتمية المادية الصارمة تعني في واقع الأمر ظهور الإنسان أحادي البُعد الذي يُحركه عنصر واحد أو عنصران ماديان مثل العنصر الاقتصادي أو العنصر الجنسي. فظهر علم النفس الترابطي الآلي الذي يُفسِّر الإنسان في كليته باعتباره كائناً بسيطاً يدخل بقضه وقضيضه في شبكة السببية المادية الصلبة (وفيما بعد ظهر بافلوف والمدرسة السلوكية تعبيراً عن هذا الاتجاه الاختزالي نفسه) .

стр. 3597

ولكن هذه الهيمنة الكاملة للعقلانية المادية تعني في واقع الأمر ظهور اللاعقلانية المادية، فضمور الإنسان باعتباره كائناً حراً مسئولاً عن أفعاله، مستقلاً عن الطبيعة، يعني في واقع الأمر أن العقل الإنساني عديم الجدوى وكذلك القيم الإنسانية والفعل الإنساني، وهذا يعني حتمية ظهور نموذج آخر يملأ هذا الفراغ. وبالفعل شهدت أوربا تدريجياً ظهور فكرة اللاشعور وبدأ الاهتمام بالتنويم المغناطيسي (ومما يجدر ذكره أن الاهتمام بالسحر والتنجيم أخذ هو الآخر في التزايد، ومما هو معروف أن كثيراً من رواد حركة الحداثة في الفن كانوا يترددون على مدام بلاتافسكي العرّافة) . وقد شاعت فلسفة شوبنهاور (التصوفية الحلولية) وفلسفة نيتشه التي تمجد الفرد والإرادة، وفلسفات القوة التي تمجد السوبرمان الإمبريالي، وتدعو ضمناً السبمان، أحادي البُعد، إلى أن يذعن للقوانين الطبيعية وقوانين الواقع، وهو ما كرسته كثير من الفلسفات المادية الواقعية مثل البرجماتية.

стр. 3598

وقد ظهرت مجموعة من المفكرين العلمانيين ممن أدركوا الجوانب المظلمة للاستنارة والجوانب التفكيكية للمشروع التحديثي في الإطار المادي، وممن أيقنوا أن عملية التقدم التراكمية قد اكتسبت حركية مستقلة ولم يَعُد الإنسان يتحكم فيها. وقد عبَّر هذا عن نفسه في موضوع «مأساة الحضارة» الذي عبَّر عنه ماكس فيبر أحسن تعبير، فقد كان يرى أن عبقرية الحضارة الغربية تكمن في اتجاهها نحو الترشيد، ولكنه اكتشف أيضاً أن تزايد معدلات الترشيد تنتهي إلى الترشيد الإجرائي المنفصل عن القيمة وعن الإنسان، والذي ينتهي بأن يُودَع الإنسان في القفص الحديدي التكنوقراطي البيروقراطي، فكأن التراكم الحضاري يؤدي إلى الضمور الإنساني. وهذه النزعة التشاؤمية لم تكن مقصورة على فيبر، بل نجدها في كتابات زيميل وكارلايل وغيرهما، وتم التعبير عنها في مفاهيم مثل التشيؤ والتسلّع والعقلانية التكنولوجية. وإشكالية مأساة الحضارة هي تعبير عن إدراك بعض المفكرين الغربيين قضية تَداخُل العقلانية المادية واللاعقلانية المادية. وتتضح المادية (بشكلها العقلاني واللاعقلاني) في ظهور النسبية الأخلاقية واختفاء فكرة الإنسان الحر المسئول أخلاقياً، القادر على تجاوز ذاته وتجاوز بيئته. فالجريمة أثر سلبي من آثار البيئة، أو مجرد اضطراب نفسي ناجم عن اضطراب عضوي أو قوى نفسية معيَّنة لا يستطيع الإنسان التحكم فيها. وقد عبَّرت هذه النسبية الأخلاقية عن نفسها في الأخلاقيات السائدة في مدينة فيينا (المدينة التي وُلدت فيها حركة الحداثة الأدبية والفنية) فساد جو من الإباحية وظهرت عدة دراسات تنطلق من الجنس باعتباره المحرك الأول وعن دور الجنس عند الأطفال وأثر الكبت على الصحة العقلية والجنسية. وترددت كلمات مثل «اللبيدو» و «كاثارسيس (تَطهُّر) » .

стр. 3599

ومما يجدر ذكره أن الجماعة اليهودية التي كان فرويد ينتمي إليها كانت تتسم بقدر عال من التحلل الخُلقي والاجتماعي. فيهود فيينا كانوا أساساً من يهود اليديشية الذين دخلوا مرحلة الانحلال الاجتماعي والثقافي بعد تَعرُّضهم لعمليات العلمنة الشرسة والجذرية التي قامت بها الحكومات المطلقة (في روسيا وألمانيا والإمبراطورية النمساوية/المجرية) وبعد دخول اليهودية الحاخامية مرحلة الأزمة، وبعد هيمنة المنظومة القبَّالية الحلولية، فتحولوا من جماعة متماسكة إثنياً ودينياً إلى جماعة مُفكَّكة. فكانت عند يهود المجر واحدة من أعلى نسب الأطفال غير الشرعيين، أما الجماعة اليهودية في جاليشيا (التي أتى منها والدا فرويد) فكانت تُعدُّ من أكبر مصادر البغايا في العالم كما سادت فيها أكبر نسبة تكاثر بين اليهود (ولذا كان يُقال لها باللاتينية «فاجينا جودايوروم» أي «فرج اليهود» ) . فالسياق اليهودي لم يكن يختلف كثيراً عن السياق الغربي العلماني الشامل.

стр. 3600

وفرويد هو ابن عصره، فرؤيته للكون حلولية واحدية مادية، علمانية شاملة، تدور حول فكرة الإنسان الطبيعي/المادي في جانبيه العقلاني واللاعقلاني، وقد تأثر بداروين ومدرسة هلهمولتز ورؤية جوته الحلولية للطبيعة. قال جوته في مقال عن الطبيعة: "أيتها الطبيعة أستحلفك مرات ومرات أن تقدمي لنا الإجابة عن كل أسرارك". فالسر ليس سراً وإنما هو ظاهرة طبيعية/مادية ويمكن اكتشافه، وحينئذ يصبح قانوناً عاماً (كان فرويد يتصور أن علم الأعصاب سيكتشف الأساس الفسيولوجي لتصوره للنفس البشرية) ، فالإنسان كائن طبيعي/مادي، تخضع حركاته وسكناته لقوانين الطبيعة. ومن ثم فالسلوك الإنساني ليس عشوائياً، بل إن الظواهر النفسية، سواء كانت أعراض مرض أو سقطات ذاكرة أو عثرات لسان، قد تبدو كأنها لا معنى لها وغير مفهومة، يسودها الاعتباط والتفكك أو الصدفة، ولكنها في واقع الأمر ظواهر لها معنى يمكن اكتشافه، فهي نتيجة منطقية للأسباب التي ارتبطت بها وأدَّت إليها. لذا فالسلوك الإنساني يتبع نمطاً محدداً له معنى كامن يمكن اكتشافه ودراسته بشكل علمي منهجي، تماماً كما تُدرَس الكائنات الأخرى مثل الحيوان. ومن هنا حديث فرويد عن «الجهاز النفسي» وكأن نفس الإنسان لا تختلف عن الجهاز التنفسي والهضمي والتناسلي. واستخدام مثل هذا المصطلح ينم عن رغبة فرويد الشديدة في تحقيق هدفه الأسمى ألا وهو الوصول بالتحليل النفسي إلى حالة العلم العام أو العلم الحقيقي (كما كان يقول) . وقد كان يعتبر حالات تفسير الأحلام كعملية جمع المادة العلمية. ورغم أن التجربة المضبوطة مستحيلة في حالته إلا أنه كان يتصور أنه يستعيض عنها بقدرة المحلل على التقدير والتخمين. وقد حاول فرويد كذلك أن يجد الأصل العضوي (أي الأساس العلمي المادي الواقعي) لهذا الجهاز النفسي. بل إنه في عمل مثل ما فوق مبدأ اللذة حاول أن يجد الأصل الإمبريولوجي التشريحي لانفصال الأنا عن الهو.

стр. 3601

وهذه جميعاً محاولات لإخضاع الإنسان للقانون الطبيعي/المادي وإدخاله شبكة السببية المادية الصلبة بحيث يمكن تفسيره في كل أبعاده من خلال عنصر واحد أو عنصرين، فهو إنسان أحادي البُعد خاضع للحتميات المادية، لا يملك من أمر نفسه شيئاً. عند هذه النقطة تتحول عقلانية فرويد المادية إلى لا عقلانية مادية إذ تصبح عقلانية الإجراءات ولا عقلانية الرؤية (وهذه سمة عامة في الحضارة الغربية الحديثة لاحظها ماكس فيبر وغيره من المفكرين الغربيين) . فإنسان فرويد الطبيعي يشبه من بعض النواحي إنسان آدم سميث (وماركس) الاقتصادي، فكلاهما تحركه العناصر المادية الواحدية، وكلاهما خاضع لحتميات السوق أو الجسد، وكلاهما لا تحركه رغبة اجتماعية في التواصل أو رغبة إنسانية في التراحم. ورغم نقاط التماثل الواضحة هذه، إلا أنه ثمة نقطة اختلاف أساسية، فالإنسان الاقتصادي يتحرك في فضاء حضاري، فهو على الأقل يتحرك في السوق يجيد فهم آليات البيع والشراء. أما إنسان فرويد الجسماني فهو يتحرك في فضاء لا تاريخي لا إنساني، فركيزة النسق الفرويدي الأساسية، اللوجوس الحقيقي والنهائي، هو الإيروس (بل إنه هو التيلوس أيضاً فهو الأساس والمحرك والهدف) . ويحاول فرويد أحياناً أن يوسِّع نطاق الدوال «جنس» و «لذة» و «لبيدو» و «إيروس» ليشمل كل مجالات الحياة (الحب ـ العمل ... إلخ) ، (تماماً كما يفعل بعض الماركسيين مع الدال «اقتصاد» أو «علاقات الإنتاج» ) . ولكن الجنس الرابض داخل الإنسان وما يرتبط به من نتائج (مثل مركَّب أوديب - مراحل تطور الشخصية البشرية) يظل الركيزة الأساسية في نهاية الأمر والمطاف. بل إن فرويد عمَّق البُعد اللاتاريخي واللااجتماعي في نظريته حينما عدَّل رؤيته، فبعد أن كان هناك صراع بين الأنا (ذات البُعد الاجتماعي) واللبيدو، أصبحت المسألة هي الصراع بين الإيروس والثاناتوس، وكلاهما يوجد في عالم القوى اللاتاريخية. وعلى كل فهذا الانتقال من الدافع

стр. 3602

الاقتصادي إلى الدافع الجنسي هو تعبير عن تزايُد معدلات الحلولية والكمونية. فالإنسان الاقتصادي يبحث عن مراكمة الثروة وتحركه وسائل الإنتاج وآليات السوق، أي أن ما يحركه شيء خارجه، وبالتالي فتمركزه حول ذاته ليس كاملاً إذ لا يزال يوجد عالم موضوعي خارجه. أما الإنسان الجسماني فما يحركه هو اللبيدو، أي شيء كامن تماماً داخله، لا يتفاعل إلا في حدود الحد الأدنى مع المجتمع والحضارة، التي تشكل مجرد عوائق لتَحقُّق اللبيدو. (وظهور الجسد ثم الجنس باعتبارهما الصور المجازية الأساسية، حيث يُردُّ العالم أولاً للجسد ثم للجنس وفي نهاية الأمر للحظة القذف نفسها التي تصبح لحظة الخلق والتكوين وتأله الإنسان وذوبان الذات في الموضوع الكوني وغياب الوعي، هو إحدى سمات النظم الحلولية منذ بداية التاريخ) .

стр. 3603

ولكن التمركز حول الذات يؤدي إلى التمركز حول الموضوع، فمبدأ اللذة ـ حسب تصور فرويد ـ مبدأ كمي، إذ يذهب إلى أن ثمة كماً محدوداً من الطاقة داخل كل فرد (وداخل كل حضارة) إن لم يُستخدَم في مجال ما فإنه يُنقَل إلى مجال آخر، وإن لم يُشبَع بطريقة سوية، فإنه سيجد مسارات أخرى له. ومبدأ اللذة يدفع الإنسان دفعاً لإشباع رغباته الحسية وتحصيل أكبر قدر ممكن من اللذة وأقل قدر من الألم. وكلمتا «رغبة» و «إشباع» قد توحيان بوجود إرادة إنسانية، ولكن الأمر أبعد ما يكون عن ذلك. فالإنسان كائن سلبي، آلة يسوقها اللبيدو واللاوعي، كائن ملحق بأعضائه الجنسية (على حد قول كارل كاوتسكي) يتلقى المدخلات التي تأتيه من الجسد ومن الواقع. وكل ما يفعله الجهاز النفسي هو أن ينظم نفسه بنفسه لتقليل التوتر الناجم عن تناقض الدوافع الغريزية بعضها مع بعض وبينها وبين الواقع. وهذه الطاقة قوة لم «تتحرر» من الإرادة والوعي الفرديين وحسب ولا من العقل والقيم الأخلاقية والقيمة (كما هو الحال مع الرشد المادي الاقتصادي) وإنما تعاديهم، بل وتشن عليهم هجوماً شرساً لا هوادة فيه. وإذا كان الإنسان الاقتصادي يسقط في الحتميات الاقتصادية، فهي على الأقل حتميات مفهومة غير مرتبطة بعالم خارج الإنسان وتتبع نموذجاً رياضياً يمكن التنبؤ به، أما إنسان فرويد الجسماني فيسقط في حتميات الجنس المظلمة الكامنة في ذاته ولكنها لا يمكن سبُر غورها أو فهمها. إن الإنسان، حسب الرؤية الفرويدية، كائن غير اجتماعي متمركز حول ذاته تماماً، ولكن الذات التي تمركز حولها يتحكم فيها اللاشعور ويسيِّرها، فهو كائن لا إرادة له، هو سبمان، دون الإنسان، يذعن تماماً لقوانين الطبيعة/المادة الكامنة فيه. وكما يقول فرويد: «إن حياتنا مُسيَّرة التزاماً بقوى مجهولة لا سبيل إلى التحكم فيها» .

стр. 3604

ولكن إلى جوار هذه الجملة الإخبارية المظلمة يضيف فرويد ما يلي: «وهكذا فإن الأنا الواعية [التي تنطوي على الضمير والوعي والإرادة] في علاقتها بالهو [اللاشعور واللبيدو] تشبه رجلاً ممتطياً جواداً عليه أن يكبح جماحه» . والصورة المجازية التي يستخدمها فرويد تحتوي على قدر كبير من الإبهام غير موجود في الجملة الإخبارية. فبعد أن يتحدث عن قوى مجهولة تُسيِّر الإنسان، نجده يشير إلى الهو باعتبارها حيواناً جامحاً، والأنا باعتبارها الإنسان القادر على التجاوز وعلى التحكم بدرجات متفاوتة في الحيوان. والصورة تجعلنا نتعاطف مع الإنسان، فهو إنسان بمقدار استطاعته أن يكبح جماح الحيوان وبمقدار احتفاظه بتوازنه. كما أن الصورة لا تنطوي على فشل المحاولة الحتمي، فإمكانية النجاح إمكانية حقيقية مطروحة. هذا الإبهام الذي يَسم الصورة المجازية ويغيب في الجملة الإخبارية يعبِّر عن تَناقُض عميق داخل فرويد سنجده يتصاعد بحدة في أعماله الأخيرة. وإلى جانب السبمان الذي تتحكم فيه القوى المظلمة الجامحة هناك دائماً السوبرمان، هذا الكائن الإمبريالي، والذي يأخذ أشكالاً متعددة في المنظومة الفرويدية لعل أهمها المفسر القادر على فك الشفرات وفهم الأسرار. (ولعل اهتمام فرويد بالكوكايين والتنويم المغناطيسي ثم باللاوعي ودوره تعبير عن هذا العقل الإمبريالي الذي يحاول حوسلة العالم بأسره) . ورؤية فرويد للإنسان، شأنها شأن أية رؤية مادية، رؤية صراعية إلى حد كبير. فهناك بطبيعة الحال رؤيته للعدوان كمحرك أساسي للإنسان، ولذا نجد الصراع في كل مكان: الإنسان في صراع مع الحضارة ـ الأنا في صراع مع الهو ـ الإيروس في صراع مع الثناتوس ـ الأب مع الابن ـ البنت مع الأم ـ الذكر مع الأنثى ـ آليات الدفاع ضد اللبيدو مقابل آليات الاقتحام والالتفاف.

стр. 3605

إن الرؤية الفرويدية جزء من حركة تفكيكية تقويضية عامة بدأت في واقع الأمر مع المشروع التحديثي الغربي، وتصاعدت حدتها في القرن التاسع عشر، ثم وصلت إلى قمتها مع الحركة التفكيكية في أواخر القرن العشرين. وكان فرويد يدرك أنه جزء من هذه الحركة التفكيكية التقويضية، فقد وصف نفسه بأنه أحد ثلاثة طعنوا نرجسية الإنسان (أي قاموا بتفكيكه ورده إلى المادة) : كوبرنيكوس وداروين وفرويد نفسه. وفرويد محق في ذلك تماماً فكوبرنيكوس بيَّن للإنسان أن الأرض ليست مركز الكون، ومن ثم فالإنسان ليس ذا أهمية خاصة في النظام الشمسي، وإنما مجرد جزء من كل. وقد عمَّق داروين هذا الاتجاه حين بيَّن أن الإنسان سليل القرود وابن الطبيعة الذي أنتجته من خلال عملية تطورية ليس لها هدف واضح ولا يحظى الإنسان فيها بأهمية خاصة. وأخيراً جاء فرويد ليُبيِّن أن القرد لا يوجد خارج الإنسان وحسب وإنما يوجد داخله وفي صميم كيانه. فإذا كان كوبرنيكوس وداروين قد حطما أي تفرُّد خارجي للإنسان، فإن فرويد حطم أيضاً أوهام التفرُّد الداخلي بحيث يصبح الإنسان خاضعاً لقوانين الطبيعة/المادة من الداخل والخارج، ومن ثم تم تحويله إلى مادة كاملة.

стр. 3606

ولكن بعد تحطيم مقولة الإنسان بهذه الشراسة، ماذا يبقى لنا؟ بعد التفكيك ماذا يمكن أن نفعل؟ كان دعاة الاستنارة المضيئة يتحدثون عن اليوتوبيا التكنولوجية وعن إمكانية إقامة الفردوس في الأرض. ولكن دعاة الاستنارة المظلمة لم يشاركوهم هذه الأوهام، فرؤيتهم للواقع وللإنسان كانت أكثر عمقاً، فقد كان عندهم إدراك للشر في النفس البشرية ولحدودها ولطموحها للتجاوز ولإخفاقها، ولذا فإحساسهم بالمأساة كان عميقاً، على عكس السطحية التي يتسم بها الفكر الاستناري. ولذا نجد أن فرويد رغم مادية النموذج الذي ينطلق منه إلا أنه استمر في تعديله وتطويره من آونة لأخرى حتى يمكنه أن يُعبِّر عن تركيبية النفس البشرية التي عجزت الاستنارة المضيئة عن إدراكها. ولكنه شأنه شأن دعاة الاستنارة المظلمة، كان يرى الذئب الرابض داخل الإنسان، والغابة الموجودة خارجه وكان يرى أن لا مخرج له منهما. ولذا نجده في كتاباته الأخيرة لا يتحدث عن اللبيدو والإيروس وحسب وإنما يتحدث أيضاً عن مأساة الحضارة والإحساس بالذنب والندم والثناتوس. وقد عبَّر فرويد عن إحساسه بالطريق المسدود الذي دخله المشروع التحديثي التفكيكي وعدميته الواضحة حين لخص الهدف النهائي لمشروع التحليل النفسي بأنه «تحويل البؤس الهستيري إلى شقاء عام» (تو ترانسفورم هستيريكال ميزري إنتو كومان أنهابينيس to transform hysterical misery into common unhappiness) . رؤية فرويد Freud's World View

стр. 3607

ينتمي فرويد إذن إلى تقاليد التفكيك والتقويض المادية التي تودي بالإنسان كمقولة مستقلة عن عالم الطبيعة/المادة، ويقف على قمة هذه التقاليد الفيلسوف إسبينوزا الذي أدرك العالم من خلال نموذج حلولي هندسي بارد صارم. ولكن فرويد لم يكن مادياً على طريقة إسبينوزا اللا تاريخية الجامدة، وإنما كان مادياً على طريقة هيجل الدينامية الحركية، مادية المضمون مثالية الخطاب والديباجات. ومنظومة هيجل المادية واحدية مثل منظومة إسبينوزا ولكنها لا تتحقق دفعة واحدة في الزمان والمكان وإنما من خلال متتالية تاريخية. ولكن هذه المتتالية تنتهي عند نقطة محددة حيث يتحد المقدَّس والزمني ويتحد الفكر والمادة، أي أنها تنتهي بالتجسد الكامل حيث يصبح التاريخ جسد الإله لا يختلف كثيراً عن إله إسبينوزا الذي هو الطبيعة، ولكن إله هيجل إله عضوي ينمو تدريجياً إلى أن يصل إلى ذروته ولحظة اكتماله في نهاية التاريخ والفردوس الأرضي. ينطلق فرويد من المفهوم التطوري الهيجلي (والدارويني) وإن كان لا يشارك النزعة الطوباوية الهيجلية. وقد أحدث ثورة في مفهوم الشخصية. فقد كان يرى أن الشخصية ثمرة التفاعل المتبادل بين التكوين الوراثي للفرد وبيئته الاجتماعية، أي أن الشخصية فيما يرى فرويد هي التفاعل المتبادل بين حاجات الفرد الداخلية (الغرائز والدوافع) والعالم الخارجي. والفرد يكشف عن حاجاته ورغباته الغريزية عن طريق البيئة، التي إما أن تتيح لهذه الرغبات والحاجات فرصة التحقق والإشباع أو تحول دون ذلك عن طريق التعويق أو الإنكار.

стр. 3608

ورغم هذه الرؤية الدينامية في العلاقة بين الذات والبيئة إلا أن فرويد يسقط في الجمود والانغلاق حين ركز على الغرائز والدوافع بوصفها صاحبة الدور الأكبر في هذه العلاقة. أما البيئة فقد كان دورها سلبياً إلى أقصى حد، ينحصر في أنها إما أن تساعد على إشباع حاجات الفرد أو تعمل على إحباطها. ومن هنا كان تركيزه على الغريزة والدوافع وتهميشه لدور الحضارة وكل ما يقع خارج نطاق الذات وعالم الغرائز والدوافع. وتتميَّز الغريزة بأربع خصائص: مصدرها وهدفها وموضوعها وقوتها. فالمصدر، هو حالة البدن وحاجته للإشباع، والهدف هو التخلص من التوتر الذي يصاحب هذه الحالة، والموضوع هو الشخص أو الشيء الذي تتجه إليه الغريزة، أما القوة فهي شدة الحاجة المحركة للغريزة. والغريزة لفظ عام أما المصطلح الذي يفضل فرويد استخدامه فهو «اللبيدو» والتي يمكن ترجمتها بعبارة «طاقة شهوية» (يتحدث هوبز عن دافع واحد يسيطر على الإنسان هو اللبيدو دومناندي libido dominandi، أي شهوة السيطرة) . وهو مرتبط باللاشعور والهو والقوى المظلمة داخل الإنسان التي لم تحتك بالحضارة ويتسم بأنه غير منطقي وغير أخلاقي أو متجاوز للمنطق والأخلاق. ويذهب كثير من مفسري فرويد إلى أن اللبيدو هي الطاقة الجنسية الكمية إلا أنها لا تعني مجرد النشاطات واللذة التي تتعلق بعمل الجهاز التناسلي وإنما تعني أيضاً مجموع التنبيهات والنشاطات التي تظهر منذ الطفولة وتنشأ عنها اللذة، وبهذا المعنى يشكِّل مفهوم الحياة الجنسية في نظر فرويد مفهوماً أشمل من مفهوم الحياة التناسلية. فاللبيدو هو ما يجعلنا نعيش الحياة ونحب ما نعمل، ونُقبل على ما نحب بعشق.

стр. 3609

واللبيدو ليس غريزة وإنما دافع، فالغرائز (مثل البقاء المادي) ثابتة ذات طابع بيولوجي حتمي، أما الدوافع فهي متغيِّرة وأقل حتمية، يتغيَّر هدفها وموضوعها وقوتها. وقد كان اللبيدو في البداية جزءاً لا يتجزأ من غريزة البقاء ولكنه انفصل عنها وأصبح مستقلاً، فمص الثدي على سبيل المثال عمل بيولوجي له أبعاد لبيدية. فهو مصدر للبقاء ومصدر للذة الجنسية في الوقت نفسه. ومع انفصال اللذة عن البقاء والدوافع عن الغرائز يظهر قدر من التناقض إلى أن تصبح اللذة الجنسية نهاية في حد ذاتها، مستقلة تماماً عن الرغبة في البقاء. وهي في هذه الحالة تُعدُّ انحرافاً عن غريزة البقاء نحو هدف آخر. وسنلاحظ هنا نمطاً أساسياً عند فرويد: هو أن نقطة انطلاقه حتمية مادية، ولكنه يبذل في الوقت نفسه محاولات مستمية لخلق ثغرة أو حيز داخل النظام المادي المصمت يسمح للإنسان بقدر من حرية الإرادة. واللبيدو ـ كما أسلفنا ـ هو الطاقة النفسية الكمية التي يستثمرها الإنسان في تعامله مع العالم الخارجي ولا يمكن فصله عن مفهوم صورة الجسد (إيماجو Imago) أو على حد تعبير ألفيم، المحلل النفسي البرتغالي، "صورة الجسد هي ظلام القاعة الذي نرى فيه الفيلم السينمائي". فالإنسان كما يراه فرويد يستثمر طاقته النفسية أو اللبيدو من خلال تصوره صورة جسده عبر مراحل تطورية معينة تبدأ برؤيته العالم كفم وثدي، مروراً بالمرحلة النرجسية حيث يركز الإنسان على جسده وحده، إلى أن يفهم أن ثمة آخر في هذا العالم.

стр. 3610

ويرى بعض مفسري فرويد أننا حين نترك نطاق التعريفات النظرية والقول وننتقل إلى مستوى الإجراءات وتشغيل النموذج، فإننا نجد أن فرويد كان، في واقع الأمر، يحصر اللبيدو في الجنس بالمعنى الغرائزي الحتمي. ونحن نميل للأخذ بهذا الرأي الأخير، ولكننا نضيف إلى هذا أن الجنس لم يكن المتعة الجنسية فحسب (وفرويد كما أسلفنا كان ينظر للجنس نظرة سلبية للغاية تَنمُّ عن الاشمئزاز) وإنما كان تصوراً أشمل ذا طبيعة حلولية. فالجنس هو اللذة التي تنتج عن الاتحاد بعنصر ما والشعور بالذوبان فيه، أي أنه يرتبط تماماً بالرغبة المحيطية في ذوبان الذات في موضوع أكبر منها. وهذا التعريف تعريف وسط مركَّب، بمعنى أنه يستوعب كلاً من الحتمية والرغبة في تأكيد حرية الاختيار. ويظهر التناقض بين تأكيد الحتمية والرغبة في خَلْق ثغرة أو حيز (يستطيع الإنسان أن يمارس من خلالهما حريته وفرديته) في لجوء فرويد إلى الإيقاع الهيجلي الثلاثي الذي يسم الفكر الغربي الحديث (الأطروحة والأطروحة المضادة والأطروحة الثالثة المركبة - صراع الأضداد واتحادها) وكلها محاولات ناجمة عن استخدام نموذج مادي واحدي لتفسير الكثرة والتعدد والتركيب اللامتناهي الذي يسم الظاهرة الإنسانية. ويُقسِّم فرويد النفس الإنسانية (أو الخريطة النفسية) إلى ثلاثة أقسام طوبولوجية: ١ ـ اللاشعور: مستودع الدوافع البدائية والجنسية والعدوانية ومقر الرغبات والحاجات الانفعالية التي قد تكون من القوة بحيث تشكل تهديداًَ لصاحبها إذا ظهرت في شعوره وإدراك وجودها، ومن ثم فهو يحاول دفعها إلى عالم اللاشعور.
следующие страницы →