← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

كان التعليم الذي ساد بين يهود اليديشية يهدف إلى إعداد الفرد للعيش داخل الجماعة، وإلى تدريب القيادات التي تتولى إدارة وتنظيم شئونها. ومن ثم، فقد كان مثل هذا التعليم تعليماً دينياً صرفاً، وكان منهجه يدور حول كتب اليهود المقدَّسة والتفاسير المرتبطة بها. وانقسم النظام التعليمي خلال هذه الفترة إلى مرحلتين: ـ المرحلة الأولية: وتضم المدرسة الأولية الخاصة (حيدر) والمدرسة الأولية الخيرية (تلمود تورا) ، كما كان يوجد نوع من التعليم المنزلي الخاص. ـ المرحلة العالية: وتضم المدارس التلمودية العليا (يشيفا) . ١ ـ المرحلة الأولية: كان التعليم في هذه المرحلة إجبارياً، ويستمر من سن الإلزام المدرسي (بين الخامسة والسادسة) حتى سن الثالثة عشرة. واستهدف التعليم في هذه المرحلة ترسيخ مبادئ الدين وتعاليمه وشعائره في نفس الطفل اليهودي، أي أنه كان ضرباً من التطبيع الاجتماعي. وانتظم التعليم في هذه المرحلة في ثلاثة أنواع من المدارس. - المدرسة الأولية الخاصة (حيدر ( اُعتبر هذا النوع من المدارس أكثر أنواع المدارس انتشاراً بين الجماعات اليهودية في شرق أوربا، فقد كانت هناك مدارس خاصة يمكن أن يؤسسها أي شخص ملم بالشريعة بعد أن يحصل على موافقة الحاخام. ورغم أنها كانت مدارس خاصة، كما بينا، إلا أنها خضعت لإشراف الجماعة اليهودية. وكانت الدراسة في هذه المدارس تتم في منزل المعلم (بالعبرية: ميلاميد) الذي كان يدفع الآباء له أجراً نظير تعليم أطفالهم. ولم تكن هذه المدارس تمنح أي شهادات، كما أن تقييم التلاميذ لم يكن يتم طبقاً لمعايير موضوعية. وكانت الدراسة تستمر في هذه المدارس من الصباح إلى المساء ودون أن يُمنَح التلاميذ عطلات إلا في أيام السبت وفي أيام الأعياد.

стр. 3747

وكان منهج الدراسة في هذا المستوى يشمل القراءة، وكتاب الصلوات، وأسفار موسى الخمسة التي استخدموا في تدريسها الترجمة اليديشية، فكان المعلم يترجم النص العبري كلمة بكلمة إلى اليديشية. وبانتشار الطباعة، ظهرت كتب مدرسية مكتوبة باليديشية لأسفار موسى الخمسة ولتفسيراتها. واتُبعت طريقة في التدريس عُرفت بطريقة «السيدرا» ، وهي كلمة عبرية معناها الحرفي «ترتيب» ، وقد أصبحت تشير إلى جزء من أسفار موسى الخمسة يُقرَأ في المعبد يوم السبت. ويقوم هذا المنهج في الدراسة على أن يحفظ الطفل طوال الأسبوع ذلك الجزء من أسفار موسى الخمسة. وفي معظم الأحيان، لم يكن الجزء المقرر يُدرَّس كاملاً وإنما كان يُدرَّس ما يستطيع الطفل استيعابه وحسب، وفي الأسبوع التالي كان الطفل ينتقل إلى الجزء الجديد المحدد للدراسة دون أن يكمل الجزء الذي تركه في الأسبوع السابق، وهكذا. وفي سن العاشرة، كان الطفل ينتقل إلى دراسة التلمود حيث كان الاهتمام بتدريس الجماراه عظيماً بين يهود اليديشية لدرجة أن الطفل كان، في كثير من الأحيان، يبدأ في دراستها في سن السابعة أو الثامنة. وقد اُتبعت في دراستها الطريقة نفسها التي اتُبعت في دراسة أسفار موسى الخمسة. فكان المعلم يقوم بترجمة النص التلمودي من اللغة الآرامية، كلمة بكلمة، إلى اللغة اليديشية حتى يفهم التلاميذ النص، كما كان المعلم أحياناً يقرأ الجزء الذي ستتم دراسته خلال الأسبوع ويترك التلاميذ للدراسة بمفردهم. وعلى هذا، فقد تطلَّبت دراسة التلمود، في هذا المستوى، قدرة غير عادية على متابعتها، ولم يُتمها إلا الطلبة النابهون أو أبناء الأثرياء الذين استطاع آباؤهم دفع أجر أحسن للمعلمين. وعند سن الثالثة عشرة، تنتهي الدراسة في هذه المرحلة بالنسبة للغالبية العظمى من التلاميذ، أما القلة منهم فهي التي كانت تنتقل إلى المدرسة الدينية العليا.

стр. 3748

ونظراً لأن المدرسة الأولية الخاصة (حيدر) كان يؤسسها أي شخص ملم بالشريعة وحاصل على تصريح من الحاخام، فإن مستواها ارتبط تماماً بمستوى معلمها وشخصيته. ولذا، فقد تفاوتت مستويات المعلمين بشكل واضح من مدرسة إلى أخرى، لكن المعلم، مع هذا، كان يخضع لإشراف القهال حينما يكون القهال قوياً، فكان يُحدِّد له المنهج وساعات التدريس، وحتى المكافأة التي يحصل عليها من أولياء أمور التلاميذ. وبتدهور القهال وكل أشكال الإدارة الذاتية في بولندا، أصبح المعلم (الذي كان مدرساً خاصاً يقوم بمشروع تجاري خاص) مسئولاً أمام أولياء الأمور مباشرة. ومن هنا، تدهور مستوى المعلم وساءت نوعيته وظهر كثير من المعلمين غير المؤهلين للتدريس. وكثيراً ما فشل معلم الصغار بسبب عجزه عن التعامل مع الأطفال أو بسبب جهله، كما كان الكثيرون من معلمي المدارس الأولية يتخذون من التدريس مهنة بسبب فشلهم في أن يصبحوا تجاراً أو حاخامات. وبما أن دخل معلم المدرسة الأولية كان منخفضاً، فقد وجد نفسه مضطراً إلى أن يعمل بمهنة إضافية يتكسب منها جزءاً من معاشه إلى جانب مهنة التعليم. وكان الآباء يميلون أحياناً إلى تغيير المعلم عند منتصف العام، وهو ما أدَّى إلى عدم ظهور مجموعة من المعلمين المدربين ذوي الخبرة. وكثيراً ما كان الطالب يُنقل من صف إلى آخر دون أن يصل إلى المستوى المطلوب، وذلك حتى لا يلتحق بمدرسة أخرى. وكان التعليم يتم أحياناً في منزل المعلم الذي لم يكن بالضرورة بيئة مناسبة للعملية التربوية. ورغم أن منهج المدرسة الأولية كان موجهاً أساساً لدراسة الدين، إلا أنه لم ينجح في تحقيق هذا الهدف. فطريقة المقاطع الأسبوعية التي اتُبعت في تدريس أسفار موسى الخمسة، أدَّت إلى حصول الطفل على معرفة غير كاملة بهذه الأسفار. كما أن الاهتمام بدراسة التلمود جعل المدرسة الأولية تهمل تماماً دراسة كتب الأنبياء وكتب الحكمة والأمثال والمشناه.

стр. 3749

ولابد أن نشير إلى أن المدرسة الأولية لم تدرِّس أياً من المواد غير الدينية، كما لم تدرِّس أيَّ لغات أجنبية حتى لغة البلد الذي كان أعضاء الجماعة اليهودية يعيشون في كنفه. - المدرسة الأولية الخيرية (تلمود تورا) وهي المدرسة المموَّلة من قبل الجماعة اليهودية والتي يشرف عليها القهال مباشرة ويدخلها أطفال الفقراء والأيتام وغيرهم ممن لا يستطيعون دفع أجر المعلم. وكان منهاج وأهداف هذه المدرسة يماثل تماماً منهاج وأهداف المدرسة الأولية الخاصة. ونال هذا النوع من التعليم الرعاية الكافية حينما كانت مؤسسة القهال قوية وفعالة، كما أنه تدهور تماماً بتدهورها. - التعليم المنزلي: وظهر، خلال تلك الفترة، ضرب من التعليم انتشر على نطاق واسع في مدن وقرى شرق أوربا ويمكن أن نسميه «التعليم المنزلي» . ففي المدن، كان بعض الأثرياء من اليهود يُحضرون معلمين خصوصيين لأطفالهم، وكان هذا النظام أكثر انتشاراً في القرى الصغيرة نظراً لعدم وجود عدد كاف من الأطفال يسمح بقيام المدرسة. ولسد هذا النقص، كان المعلم يقيم إقامة كاملة مع إحدى العائلات لتعليم أطفالهم، ثم يحصل على دخله من أطفال العائلات الأخرى التي تُرسل أطفالها للدراسة. وكان المستوى العلمي للمعلمين منخفضاً للغاية، لأنهم فقدوا علاقتهم بالثقافة التلمودية وتأثروا بثقافة الفلاحين السلاف المتخلفة والمشبعة بالخرافات البسيطة. ولذا، فإنهم لم ينجحوا في نقل الثقافة التلمودية بل ساهموا في تهيئة الجماهير اليهودية لتقبُّل الفكر الحسيدي. - تعليم البنات:

стр. 3750

ولم تكن البنات يتلقين أيَّ تعليم ديني إلا ما كنَّ يحصلن عليه داخل المنزل، حيث كان المنزل كافياً لتعليمهن العادات والطقوس الدينية المهمة. ومع هذا، فقد قامت بعض العائلات الميسورة بإحضار معلمات خصوصيات لتعليم بناتهن تلاوة الأدعية والابتهالات ومقاطع من أسفار موسى الخمسة في ترجمتها اليديشية. ويعود تدنِّي مستوى المرأة التعليمي إلى أن العقيدة اليهودية تُعفي المرأة من إقامة كثير من الشعائر الدينية ومن بينها الصلاة، ولذا لم تكن هناك ضرورة لتعليمها. ٢ ـ المرحلة العالية: كانت الدراسة تتم في هذه المرحلة في المدارس التلمودية العليا (يشيفا) . وكان هدف الدراسة في هذه المدارس إعطاء معرفة متخصِّصة بالتلمود والتفسيرات المرتبطة به والفتاوى التي أعطاها الحاخامات، والقوانين التشريعية المختلفة. انتشرت هذه المدارس في شرق أوربا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، فكانت كل جماعة يهودية كبيرة العدد تقيم مدرسة عالية وتدفع لرئيسها راتباً كبيراً حتى يكرس نفسه لدراسة التلمود. وعلاوة على ذلك، قامت الجماعة بإعالة طلاب المدارس العليا الفقراء وإعطائهم منحة مالية أسبوعية، علاوة على أن طلبة المدارس العليا كانوا يتناولون طعامهم من المطبخ العام أو يتناولون وجبات تُموَّل من الأموال المخصصة للأعمال الخيرية. وكان معظم الطلاب يأتون من مدن أخرى، ومن ثم كانوا يقيمون في المدرسة وينامون على المقاعد الخشبية، وعادةً ما كانت المدرسة العليا عبارة عن حجرة واسعة أو عدد من الحجرات بكل منها مناضد طويلة اعتاد الطلاب على الجلوس حولها، يتأرجحون إلى الأمام والخلف وهم ينغمون الدروس بطريقة معينة من أجل حفظها عن ظهر قلب.

стр. 3751

وكان الطلاب يُقسَّمون إلى طائفتين: الطلاب المبتدئون، والطلاب المتقدمون. وكان مما يتعيَّن على الطلاب المتقدمين، الذين يستطيعون الدراسة بمفردهم، أن يقوموا بتعليم اثنين من الطلاب المبتدئين وإلا حُرموا من تمويل الجماعة. لكن الوصول إلى هذا المستوى في سن صغيرة كان من نصيب القلة. وكان العام الدراسي مُقسَّماً إلى فصلين: الفصل الشتوي، وكان يمتد من أكتوبر إلى يناير. والفصل الصيفي، وكان يمتد من أبريل إلى يوليه. وخلال هذين الفصلين، كان على الطلاب أن يتواجدوا في المدرسة الدينية العليا ليدرسوا تحت إشراف رئيسها، وكان رئيس المدرسة يحدد الجزء الذي يجب إعداده، وفي اليوم التالي كان ينادي على أحد الطلاب للتسميع. أما الطالب، فكان عليه أن يُظهر مدى استيعابه وتمكُّنه من شكل ومحتوى التلمود، وحينذاك كان رئيس المدرسة الدينية العليا ينتهز الفرصة ليعلق على بعض الأجزاء ويصحح بعض الأخطاء في التفسيرات.

стр. 3752

واشتهرت المدارس العليا في شرق أوربا بطريقة في التدريس عُرفت باسم «بلبول» . وكانت هذه الطريقة قائمة علي محاولة اكتشاف التناقضات الكامنة في التلمود دون التعليق عليه، ثم تُطرَح الحلول التي تفسر هذه التناقضات، وبعد أن يتم ذلك تُكتَشَف التناقضات في الحلول نفسها، ومن ثم تُطرَح حلول جديدة. وتستمر هذه العملية إلى أن يتم توضيح الموضوع (محور المناقشة) تماماً. وتحوَّلت هذه الطريقة إلى ضرب من السفسطة وإلى محاولة لإيجاد توازنات فكرية لا علاقة لها لا بالزيف ولا بالواقع، كما أن محاولة الوصول إلى تفسيرات جديدة أدَّت في كثير من الأحيان إلى تحريف المعنى الأساسي. وأدَّى التعليم الذي ساد بين يهود اليديشية، في مرحلتيه الأولية والعالية، إلى تدعيم عزلة الجماعات اليهودية حضارياً وثقافياً. ومن ثم، فقد حافظ التعليم على هوية اليهود الدينية وثقافتهم اليديشية التي كانت تشكل قلعة حصينة من التقاليد عملت على استمرار عزلة الجماعات اليهودية عن المجتمعات الأوربية التي عاشوا فيها، وعن التطورات الثقافية والحضارية التي حدثت في هذه المجتمعات. وحين تدهورت حياة الجماعات اليهودية في بولندا نتيجة الأوضاع السياسية والاقتصادية بعد انتفاضة القوزاق بقيادة شميلنكي (١٦٤٨) ، وتآكلت أُطُر الإدارة الذاتية، لم تَعُد مجالس القهال قادرة على الاضطلاع بوظائفها الاجتماعية والتشريعية والاقتصادية، وتدهورت الأوضاع الثقافية والتعليمية للجماهير اليهودية نتيجة ذلك. كما ازداد بؤس الجماهير وفقرهم ولم تَعُد الثقافة التلمودية، بشكليتها وتعاليمها الجافة، قادرة على الوفاء باحتياجاتهم الروحية، فظهرت الحركة الحسيدية كرد فعل لسيطرة اليهودية الحاخامية المتعالية على جماهير الشعب وكنتيجة لانفصال الدراسات التلمودية الجافة عن الحياة والواقع. ومع تقسيم بولندا للمرة الثالثة عام ١٧٩٥، انتقل معظم يهود اليديشية إلى الحكم الروسي.

стр. 3753

التربية والتعليم عند الجماعات اليهودية في إسبانيا الإسلامية والمسيحية والدولة العثمانية Education of Jewish Communities in Moslem and Christian Spain and in the Ottoman Empire ١ ـ إسبانيا (الإسلامية والمسيحية) : لم يختلف نمط التعليم اليهودي الديني في إسبانيا الإسلامية، في القرنين الثامن والتاسع، عن النمط الذي كان سائداً في بابل، حيث كان الأطفال اليهود يتلقون تعليمهم في المدارس الابتدائية التي كان هدفها الأساسي تأهيل الأطفال اليهود للمشاركة في الشعائر الدينية في المعبد. وبالتالي، كانت المدارس تركز على تعليم القراءة والصلوات وعلى دراسة التوراة والتلمود. ومع الوقت، تأسَّست شبكة واسعة من المدارس الابتدائية، كما تأسَّست معاهد للدراسات العليا المهمة. ومع أن برنامج التعليم اليهودي الابتدائي لم يتغير كثيراً عما كان عليه في بابل، إلا أن كتباً جديدة تم إدخالها على هذا المستوى التعليمي من بينها تعليقات راشي. كما أصبح هناك اتجاه للحد من البلبول مقابل التركيز على أعمال إسحق الفاسي وابن ميمون.

стр. 3754

ومن التجديدات الأخرى، إدخال دراسة اللغة العبرية ونحوها في المناهج، والتركيز بشكل أكثر جدية على دراسة كتب الأنبياء وكتب الحكمة والأمثال والشعر العبري. كما اتسعت المناهج، خصوصاً بين أعضاء الطبقات العليا من اليهود، لتضم مواد عامة غير دينية، ولا سيما اللغة العربية التي كانت معرفتها تشكل عنصراً مهماً من عناصر التقدم المهني والمادي. وظهرت، في تلك الفترة، بعض الأدبيات اليهودية حول التعليم والتي تُبرز لنا مدى اتساع المناهج الدراسية في المدارس اليهودية. ونجد في أعمال يوسف بن عكنين ويهودا بن عباس وغيرهما عرضاً لأهم ما يجب أن تقدمه المدارس اليهودية من مناهج وبرامج. فهذه المدارس، من وجهة نظرهم، لابد أن تضم، إلى جانب دراسة التوراة والتلمود، دراسة النحو والشعر والمنطق والرياضة والهندسة وعلم الفلك والموسيقى والعلوم الطبيعية والطب والخطابة والميتافيزيقا.

стр. 3755

وكانت هناك اتجاهات تُعارض بشدة اتساع المناهج بهذا الشكل الذي يضم عدداً كبيراً من المواد غير الدينية واللاتينية (وذلك في المدارس اليهودية في المناطق التي استرجعها المسيحيون) ، حيث كان هناك تَخوُّف من تأثير هذه المواد على هوية اليهود الدينية. وبالفعل، وجد يهود إسبانيا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، وبخاصة المثقفون، أن عقيدتهم الدينية تآكلت وأن ثقافتهم أصبحت جزءاً لا يتجزأ من الثقافة الغربية السائدة، وأنهم متأثرون بالفلسفة اليونانية التي تعرفوا عليها من خلال الترجمات العربية. وبالتالي، برز جدل عنيف وانقسام حاد بين معارضي ومؤيدي المناهج الموسَّعة. وقد اتجه سولومون إبراهيم أدرت (حاخام برشلونة وزعيم يهود إسبانيا البارز) إلى منع أية دراسات خارجية أو غير دينية لمن هم أقل من ٢٥ عاماً على أن يُعاقَب من يخالف ذلك بالطرد من حظيرة الدين. وفي القرن الرابع عشر، اكتسب موقف المعارضين قوة بوصول أشر جهيل من ألمانيا إلى إسبانيا (عام ١٣٠٤) حيث تولَّى منصب الحاخام وعمل على أن يقتصر التعليم اليهودي على دراسة التوراة والتلمود. وبالتالي، غيَّر أشر جهيل مجرى التعليم اليهودي الذي كان سائداً في إسبانيا طوال مدة قرنين أو ثلاثة، لكن الدراسات غير الدينية ظلت سائدة بين أعضاء الطبقات العليا من اليهود. ٢ ـ الدولة العثمانية:

стр. 3756

اتَّسمت الدولة العثمانية بتنوع وتعدد الجماعات الدينية والإثنية المقيمة داخل حدودها، والتي تمتعت في ظل الحكم العثماني بحرية العبادة وبحرية تكوين مؤسساتها الدينية والإدارية الخاصة بها. وانعكس هذا التعدد وذلك التنوع واللامركزية على الجماعات اليهودية نفسها والتي اتَّسمت كغيرها بالتنوع وعدم التجانس. وقد انقسمت هذه الجماعات اليهودية إلى جماعات يونانية وإشكنازية وإيطالية وإسبانية وبرتغالية، وكان لكل جماعة مؤسساتها الدينية والإدارية الخاصة بها ومن بينها المدارس. وكانت القسطنطينية وأزمير وسالونيكا وصفد والقدس تضم مدارس ابتدائية ومدارس دينية عليا مهمة. وكانت الجماعة اليهودية في سالونيكا تُعَدُّ أهم وأكبر الجماعات في الدولة العثمانية، الأمر الذي ساعد على تحول سالونيكا إلى مركز للتعليم اليهودي بفضل انتشار المدارس والمؤسسات التعليمية اليهودية بها. وساعد على انتعاش المؤسسات التعليمية اليهودية تدفُّق اللاجئين والمهاجرين اليهود الذين فرّوا من إسبانيا إلى الدولة العثمانية واستقروا بها. وقد بدأ تحديث مدارس أعضاء الجماعات اليهودية مع نهاية القرن التاسع عشر حين بدأت الدولة العثمانية في تحديث مؤسساتها، ومنها المؤسسات التربوية. المدرسة الأولية الخاصة (حيدر ( Heder

стр. 3757

«حيدر» كلمة عبرية معناها «حجرة» ، تُستخدَم للإشارة إلى المدرسة الأولية الخاصة التي ظهرت منذ القرن الثالث عشر الميلادي. وكانت هذه المدارس مدارس خاصة يمكن أن يقيمها أي شخص ملم بالشريعة بعد الحصول على موافقة الحاخام. وكان معلِّمها (ميلاميد) يحصل على أجره من أولياء أمور التلاميذ، وكانت هذه المدرسة تقع غالباً في منزل المعلم. وكان الأطفال يلتحقون بها بين سن السادسة والثالثة عشرة كما كان التعليم فيها إجبارياً. وكان منهجها يتكون أساساً من قراءة كتب الصلوات، وأسفار موسى الخمسة بتفسير راشي، وأجزاء من التلمود. ولم تكن هذه المدارس تُدرِّس أيَّ مواد غير دينية. وبوصول التلاميذ إلى سن الثالثة عشرة، كانت الدراسة في هذه المدرسة تنتهي بالنسبة للغالبية العظمى من التلاميذ. وقد هاجم دعاة التنوير اليهود هذه المدرسة بسبب عقم منهجها وسوء طرق التدريس فيها. وقامت الحكومة القيصرية بمحاولات في منتصف القرن التاسع عشر لتحديث هذه المدرسة، إلا أنها لم تحقق النجاح الكافي لكونها مؤسسة خاصة. ومع نهاية القرن التاسع عشر، أنشأ الصهاينة مدارس الحيدر المطوَّرة (بالعبرية: حيدر متوكان) ، حيث جمعت مناهجها بين المواد العلمانية والمواد الدينية، إلا أن الدراسات الدينية فيها توجهت توجهاً قومياً. الحيدر Heder (انظر» : المدرسة الأولية الخاصة حيدر ( «. المدرسة الأولية الخيرية تلمود تورا Talmud Tora

стр. 3758

استُخدمت عبارة «تلمود تورا» التي تعني «دراسة التوراة» للإشارة إلى المدرسة التي تُدرِّس التوراة والشعائر وأجزاء محدودة من التلمود لإعداد التلميذ للالتحاق بالمدرسة التلمودية العليا (يشيفا) ، ثم استُخدمت هذه الكلمة فيما بعد للإشارة إلى المدرسة الأولية التي تخضع لإشراف وتمويل الجماعة اليهودية لتمييزها عن المدرسة الأولية التي كان يديرها المعلم. ولذا، تُسمَّى مدرسة الحيدر «المدرسة الأولية الخاصة» ، أما مدرسة التلمود تورا فكانت تُسمَّى «المدرسة الأولية الخيرية» . وقد اختلفت نوعية تلاميذ هذه المدارس من تجمُّع يهودي إلى آخر. ففي تجمُّعات اليهود في أمستردام والمدن الإيطالية المختلفة، كان يدرس في هذه المدارس التلاميذ الميسورون مادياً والفقراء جنباً إلى جنب. وكان مستوى التعليم في هذه المدارس مرتفعاً. أما في تجمعات يهود شرق أوربا، فكان يحضرها أولاد الفقراء فقط، كما كان التعليم فيها أقل من المستوى، وبالذات بعد تآكل أطر الإدارة الذاتية للجماعات اليهودية. ظلت هذه المدارس، في تجمعات يهود غرب أوربا، محتفظة بطابعها التقليدي حتى النصف الثاني من القرن الثامن عشر. أما مدارس تجمُّعات يهود شرق أوربا حتى النصف الأول من القرن التاسع عشر، حينما بدأت الدولة القومية تحديثها وتغيير مناهجها، فقد أدخلت بعض الدراسات غير الدينية والإعداد المهني في برامجها. وفي الوقت الحالي، تُعتبَر المدارس الأولية الخيرية إما مدارس طائفية تُدرِّس كل المواد (دينية وغير دينية) أو مدارس تكميلية تعطي دروساً في التوراة والتلمود بعد أن يلتحق التلاميذ بالمدارس العادية. تلمود تورا Talmud Tora «تلمود تورا» عبارة عبرية تعني حرفياً «دراسة التوراة» وتُستخدَم للإشارة لشيئين مختلفين: ١ ـ تُستخدَم العبارة للإشارة إلى دراسة التوراة التي تشكل حجر الزاوية في النظام التربوي اليهودي الديني. ٢ ـ تشير العبارة أيضاً إلى المدرسة الأولية الخيرية.

стр. 3759

الميلاميد Melammed «ميلاميد» كلمة عبرية تعني «معلِّم» ، وكانت تُطلَق على معلم المرحلة الأولية. الحلقة التلمودية (يشيفا – أكاديمية ( Yeshiva; Academy «الحلقة التلمودية» مؤسسة فقهية وتربوية يهودية يشار إليها في العبرية بكلمة «يشيفا» ، كما تُستخدَم أحياناً كلمة «أكاديمية» ذات الأصل اليوناني أو كلمة «مثبتاه» ذات الأصل الآرامي، وقد وصفناها هنا بأنها «حلقة» . ولم تكن الحلقات التلمودية مؤسسات تعليمية بالمعنى المتعارف عليه، إذ لم تكن مؤسسات تُلقَى فيها دروس على الطلبة وإنما كانت تجمعات للمثقفين والمتفقهين في الدين ممن يتدارسون النصوص والتراث الديني اليهودي ذا الطبيعة المزدوجة علماً وشريعة، ويجيبون عن الأسئلة ويصدرون الفتاوى، ويقضون بين الناس. وفضلاً عن هذا، كان هناك بعض الطلبة الذين يتلقون الدروس. ويظهر عدم تحدُّد وظيفتها في التسميات العديدة للحلقة حيث تشير كل تسمية إلى وظيفة واحدة دون الأخرى. فقد كانت تُسمَّى «يشيفا» ، أي «بيت الاجتماع» و «بيت هامدراش» أي «بيت الدرس» ، كما كانت تُسمَّى «السنهدرين» و «بيت دين» ، أي «بيت القضاء» .

стр. 3760

ويعود تاريخ الحلقات إلى ما بعد مرسوم قورش (٥٣٨ ق. م) وعودة بعض اليهود من بابل. ولكن أهميتها زادت بعد انتشار اليهود ثم هدم الهيكل (٧٠م) لأنها أصبحت مركز الحياة اليهودية داخل كل التجمعات، سواء في فلسطين أو في خارجها. ومن أهم الحلقات حلقة يفنه التي أسسها يوحنان بن زكاي عام ٧٠ ميلادية، وقد قام بعض مريدي هذه الحلقة بتأسيس حلقات أخرى في مدن مختلفة في فلسطين مثل طبرية وصفد. وقامت هذه الحلقات بجمع وكتابة التلمود ومن هنا تسميتنا لها بـ «الحلقة التلمودية» . أما في بابل، فيعود وجود الحلقات إلى القرن الثالث الميلادي، وتوجد أهم حلقتين في سورا ونهاردعه، التي انتقلت إلى بومبديثا في القرن الثالث الميلادي. وقد فقدت هذه الحلقات أهميتها بعد القرن الحادي عشر الميلادي، وإن كانت قد استمرت في الوجود حتى القرن الثالث عشر. وقد نشب صراع على السلطة بين الفقهاء (جاؤنيم) من رؤساء الحلقات ورأس الجالوت (المنفى) ، فكان رؤساء الحلقات يتولون أحياناً جمع الضرائب، وهو ما كان يمثل تحدياً لسلطته. واستمر الصراع عدة قرون. ولكن مع حلول القرن العاشر الميلادي، وبعد انتشار الإسلام، نُقلت الحلقات إلى بغداد. وحُسم الصراع بين حلقتي سورا وبومبديثا في نهاية الأمر لصالح الثانية.

стр. 3761

وقد وثَّق رؤساء الحلقات علاقتهم مع التجار والصيارفة اليهود الذين كانت لهم علاقات خاصة مع الحاكم. وأصبحت القوى التجارية نخبة قائدة، وأصبحت القيادة الدينية تابعة لها (ويشبه هذا الوضع إلى حدٍّ ما الوضع في الولايات المتحدة) . ومما دعم هذا الاتجاه أن رؤساء الحلقات أنفسهم كانوا من العناصر التجارية. وقد لعبت هذه النخبة دوراً أساسياً بوصفهم صيارفة بلاط (أو حكومة) ذوي نفوذ، وهو ما مكن سعيد بن يوسف الفيومي من أن يظل رئيساً لحلقة سورا مدة عامين، حتى بعد أن طرده رأس الجالوت. ويُلاحَظ أنه في الصراع الدائر بين الحلقات، كانت طبقة التجار تتحد مع الفقهاء باعتبارهم نخبة تستند إلى المال والثقافة المكتسبَين، على عكس رأس الجالوت الذي كان يستند منصبه إلى الميراث (وهذا صدى للصراع الدائر في الحضارة الإسلامية بين العرب والموالي، فالعرب كانوا نخبة تستند إلى الميراث، أما الموالي فكانوا يحققون مكانتهم من خلال الثروة والثقافة) . وفي نهاية الأمر، زاد نفوذ التجار حتى أن رأس الجالوت نفسه خضع لهم، فكانوا يعينونه، ثم أصبحح لقباً شرفياً، ثم اندمج منصب رأس الجالوت مع منصب رئيس الحلقة. ومما يجدر ذكره أنه، بسبب التحام العناصر التجارية والثقافية، كانت الحلقات نفسها قنوات لانتقال رأس المال والخدمات المصرفية. مثبتاه Methbeta «مثبتاه» كلمة آرامية تُستخدَم للإشارة إلى مجالس الفقه والدراسة والتي كان يُشار إليها أيضاً باسم «يشيفا» و «أكاديمية» . وكان يُطلَق على رأس الجالوت اسم «رأس المثبتاه» ، نسبة إلى كلمة «مثبتاه» . المدرسة التلمودية العليا (يشيفا ( Yeshiva

стр. 3762

«المدرسة التلمودية العليا» ترجمة للكلمة العبرية «يشيفا» وجمعها «يشيفوت» ، وهي مؤسسة تعليمية للدراسات التلمودية المتقدمة يلتحق بها الطالب بعد إتمامه الدراسة في المرحلة الأولية. وقد اقتصر منهجها على دراسة التلمود والتفسيرات والتعليقات (الهوامش) المرتبطة به. وغالباً ما كان يحصل الحاخامات على تعليمهم داخلها، إلا أنها لم تكن مدارس لتخريج الحاخامات. ومنذ القرن الثامن الميلادي، وُجدت مدارس تلمودية في مدينة القيروان وفاس وتلمسان في الجزائر، وفي مدينة الفسطاط في مصر، وفي إسبانيا، وُجدت مدارس تلمودية عليا في عدد من مدنها، وكانت أهمها تلك التي أسسها موسى بن حانوخ في القرن العاشر الميلادي. كما وُجدت مدارس تلمودية عليا في لوسينا وبرشلونة. وأُسِّست مدارس تلمودية إشكنازية عليا في بلدان أوربا، كان أهمها في فرنسا وألمانيا منذ القرن العاشر الميلادي. وكان من أهم العلماء التلموديين الذين تخرجوا في هذه المدارس في العصور الوسطى جرشوم بن يهودا والفقهاء المعروفون باسم «توسافوت» . وقد قامت الدراسة في هذه المدارس حول أحد العلماء المتعمقين في التلمود والشريعة الشفهية بشكل عام، فيكون رئيسها والمعلم الوحيد فيها. ولم تعرف هذه المدارس الفصول الدراسية، فكان الجميع يدرسون نفس النص التلمودي. كما أن ساعات الدراسة كانت طويلة، ولم يكن الدارسون يُعطَون إجازات إلا نادراً. وكان العام الدراسي ينقسم إلى فصلين دراسيين تفصل بينهما عطلة. وعُرف نظام منح الدرجات الجامعية في المدارس العليا في شمال فرنسا، فكان لقب «الزميل» (بالعبرية: حابير) هو بمنزلة اعتراف بإنجاز الطالب ويعادل درجة الليسانس. أما لقب «معلمنا» (بالعبرية: مورينو) فيعادل درجة الدكتوراه، وكان يشير إلى أن الدارس أصبح عالماً بالتلمود معلماً له، ومن المسموح له فتح مدرسته إن أراد.

стр. 3763

وكان رئيس المدرسة التلمودية العليا مسئولاً عن تمويلها بمساعدة الجماعة، إلا أن الطلبة الميسورين كانوا يدفعون نفقات تعليمهم. ومنذ منتصف القرن السادس عشر، ظهر نوع جديد من المدارس التلمودية العليا الخاضعة لإشراف التنظيمات الإدارية للجماعات اليهودية، وقامت مؤسسة القهال بإصدار القواعد التنظيمية للمدارس وحدَّدت المؤهلات الواجب توافرها في رئيس المدرسة وشروط قبول الطلاب والمنهج والكتب المستخدمة، كما قامت باتخاذ الإجراءات الخاصة بتوزيع الطلاب الفقراء على الأسر اليهودية في المنطقة بالتناوب حتى يمكن تزويدهم بالوجبات اليومية. ووُجد في إيطاليا وألمانيا نظام عُرف باسم «كلاووس» وهي كلمة ألمانية تعني حرفياً «بيت الدراسة» ، حيث كان عدد من العلماء التلموديين وعدد قليل من الطلاب يدرسون معاً في المعابد الصغيرة، واقتصرت الدراسة فيه على الحوار والجدل، ومن ثم تركزت على تفسيرات وشروح التلمود. ومنذ القرن الخامس عشر وحتى القرن الثامن عشر، أصبحت بولندا وليتوانيا أهم مركز للدراسات التلمودية في العالم، ومن ثم وُجدت فيها أهم المدارس التلمودية العليا مثل مدرسة لوبلين وكراكوف وبراج وبرست ليتوفسك ومنسك. واستُخدمت داخل هذه المدارس طريقة للحوار عُرفت باسم «بلبول» تقوم أساساً على محاولة اكتشاف التناقضات الحقيقية واللفظية الكامنة في أي نص والفروق الدقيقة بين الكلمات، ثم يُطرَح حل لهذا التناقض، وتُعاد الكرَّة مرةً أخرى إن كان الحل نفسه ينطوي على تناقض فيُنظَر فيه من جديد. وقد تدهورت المدارس التلمودية في شرق أوربا منذ النصف الثاني من القرن السابع عشر نتيجة انتفاضة شميلنكي (١٦٤٨) التي قضت على عدد من التجمعات اليهودية، بسبب الصعوبات المادية التي كان يعاني منها أعضاء الجماعات اليهودية. كما أن انتشار الحسيدية، التي أخذت موقفاً معادياً من الدراسات التلمودية، لم يساعد على عملية إحياء هذه المدارس.

стр. 3764

وفي بداية القرن التاسع عشر، قامت محاولات لتحديث هذه المدارس وتطوير مناهجها، فنبذت هذه المدارس التلمودية طريقة النقاش العقيمة. وحينما زاد عدد تلاميذها أنشئ مبنى خاص بها، ولحل مشكلة التمويل أُرسل مبعوثون لجمع التبرعات في أنحاء روسيا والولايات المتحدة، كما ظهرت بعض المدارس التلمودية العليا التي تتبع حركة الموزار حيث كرَّست هذه المدارس بعض الوقت لدراسة نصوص أخلاقية. وقد اعتُبر هذا ثورة فكرية آنذاك في وقت كرَّست فيه معظم المدارس الأخرى جُلَّ وقتها لدراسة التلمود. ولكن، مع تزايد معدلات العلمنة بين أعضاء الجماعات اليهودية، ومع تراجع اهتمامهم بالدراسات التلمودية، ومع انتشار مُثُل حركة التنوير، تناقص عدد المدارس التلمودية العليا. أما ما كان قائماً منها، فقد أخذ شكلاً مغايراً تماماً للشكل التقليدي. فعلى سبيل المثال، لم تَعُد الدراسة في المدارس التلمودية العليا مقصورة على الدراسات التلمودية الفقهية إذ أصبح من أهدافها إعداد الحاخامات للاضطلاع بمهامهم، بما في ذلك تزويدهم بقدر من الثقافة العامة، وتضمنت مقررات كثير من المدارس بعض المواد غير الدينية. وتحوَّلت هذه المدارس، فيما بعد، إلى معاهد وكليات للدراسات الدينية. ونظراً لتغيُّر نوعية تعليم الطلاب الذين انضموا إلى هذه المعاهد، والذين لم يتلقوا إعداداً كافياً في الدراسات الدينية، أُنشئت مدارس تلمودية متوسطة انضم إليها الطلاب من سن الثالثة عشرة إلى الثامنة عشرة لإعدادهم للدراسة في المدارس التلمودية العليا. وحتى قيام الحرب العالمية الثانية، لم تكن تُوجَد في أمريكا الشمالية مدارس تلمودية عليا. ولكن، بعد هذا التاريخ، أُسِّست بعض المدارس مثل معهد الدراسات العليا الذي أسسه آرون كوستلر في مدينة ليك وود بولاية نيوجرسي، ونير إسرائيل في بلتيمور. ويجمع طلاب هذه المدارس بين الدراسات الدينية المتخصصة في هذه المدارس والدراسة العامة في الجامعات الأخرى.

стр. 3765

وقد بدأ تأسيس المدارس التلمودية العليا في فلسطين منذ القرن السادس عشر وكانت سفاردية. وفي عام ١٨٤٠، أُسِّست أول مدرسة تلمودية إشكنازية. ثم زاد عدد المدارس التلمودية العليا في إسرائيل بعد الحرب العالمية الثانية نتيجة هجرة اليهود إليها. وتُعتبَر إسرائيل أهم مركز للدرسات الدينية العليا حالياً. ونظراً لأن دولة إسرائيل تؤجل تجنيد الطلبة في هذه المدارس، فقد زاد عدد الطلبة الذين سجلوا للدراسة فيها. وطبقاً للإحصاءات الحكومية، كان عدد هؤلاء الطلاب ١٨ ألف طالب في أواخر الثمانينيات. ومن أهم القضايا التي تُثار في إسرائيل، في الوقت الحالي، الإعفاء من التجنيد الذي يتمتع به طلبه المدارس التلمودية العليا. وتُعتبَر هذه نقطة احتكاك وتوتر بين القطاعات الدينية والقطاعات اللادينية في الدولة الصهيونية. اليشيفا Yeshiva «يشيفا» كلمة عبرية تعني حرفياً «الجلوس» ، ويرجع استخدامها إلى نظام جلوس علماء الشريعة وتلاميذهم الذين كانوا يشاركون في تفسير ومناقشة الشريعة واستخراج التشريعات المختلفة، كما تشير الكلمة إلى مؤسسات تعليمية وُجدت بين التجمعات اليهودية في أزمنة وأماكن مختلفة. فهي تُستخدَم للإشارة إلى: ١ ـ مجالس الفقه والدراسة التي ظهرت في كلٍّ من فلسطين وبابل، والتي يُطلَق عليها في اليونانية والإنجليزية «الأكاديميات» وفي الآرامية «المثبتاه» ، وهي المؤسسة التي تم من خلالها جَمْع التلمود الفلسطيني والتلمود البابلي. ٢ ـ المدارس التلمودية العليا التي وُجدت بعد القرن الحادي عشر في معظم التجمعات اليهودية، وكان الطالب يلتحق بها بعد إتمامه الدراسة في المرحلة الأولية لدراسة التلمود والتفاسير المرتبطة به.

стр. 3766

أي أن كلمة «يشيفا» تشير إلى مدلولين مختلفين ينتميان إلى أماكن وأزمنة مختلفة ويضطلع كل واحد منهما بوظائف مختلفة: الحلقة التلمودية والمدرسة التلمودية. فبينما تُعنَى الحلقة التلمودية بدراسة الفقه والإفتاء والقضاء مضافاً إليها الدراسة، فإن المدرسة التلمودية العليا مؤسسة تعليمية وتربوية. ولذا، فقد قمنا باستخدام مُصطلَحين مختلفين بدلاً من كلمة واحدة (أي «يشيفا» ) لنميز بين الظاهرتين. إلا أننا احتفظنا برابطة بينهما وهي كلمة «تلمودية» . ومن ثم، فإننا نرى شكلاً من أشكال الاستمرار داخل إطار من التنوع والاختلاف. فالحلقات التلمودية هي الحلقات التي أصدرت الفتاوى والتفاسير التي تراكمت ثم جُمعت لتصبح المشناه فالجماراه وكلاهما عنصران يكوِّنان التلمود. فالحلقة «تلمودية» باعتبار أن أصول التلمود وتكوينه يعودان إليها. أما المدرسة التلمودية العليا، فهي «تلمودية» باعتبار أن التلمود يشكل جوهر الدراسة فيها. الأكاديمية Academy «أكاديمية» كلمة من أصل يوناني وتعني «مدرسة عليا» أو «حلقة نقاش» ، وتُستخدَم الكلمة في الدراسات العبرية واليهودية باعتبارها مرادفة لكلمة «يشيفا» العبرية. وتشير الكلمتان إلى مؤسستين تربويتين مختلفتين تمام الاختلاف وينتميان إلى فترات زمنية مختلفة: ١ ـ مجالس الفقه والدراسة التي ظهرت في كلٍّ من فلسطين وبابل، حيث جُمع التلمود الفلسطيني والتلمود البابلي. ٢ ـ المدارس الدينية العليا التي أُسِّست بعد القرن الحادي عشر في معظم التجمعات اليهودية، وإن كان هذا المدلول غير شائع.

стр. 3767

الباب السادس عشر: التربية والتعليم عند الجماعات اليهودية في العصر الحديث التربية والتعليم عند الجماعات اليهودية من القرن الثامن عشر إلى الحرب العالمية الأولى Education of the Jewish Communities from the Eighteenth Century to the First World War استمر التعليم التقليدي سائداً بين الجماعات اليهودية في أوربا إلى نهاية القرن الثامن عشر في غربها والتاسع عشر في شرقها. إلا أنه مع تزايد وتيرة التحديث والتصنيع ونشأة الدولة القومية العلمانية الحديثة بسلطاتها المركزية ونُظُم تعليمها العامة، بدأت المؤسسات التربوية اليهودية التقليدية تتساقط لتحل محلها المؤسسات التربوية الحديثة العامة التي أصبحت من أهم أدوات علمنة ودمج أعضاء الجماعات اليهودية. وساعد في عملية تحديث وعلمنة تربية وتعليم الجماعات اليهودية ظهور شرائح من الجماعات اليهودية مثل يهود البلاط وأثرياء اليهود وبعض المثقفين المرتبطين بهم الذين تأثروا بحركة الاستنارة الغربية وأصبحوا من دعاة حركة التنوير اليهودية. ورأى دعاة التنوير من اليهود في التعليم الحديث وسيلة من أنجح الوسائل لتحديث ثقافة الجماعات اليهودية ودمجهم في المجتمعات التي يعيشون بينها. وقد اتخذت جهودهم في تحديث تعليم الجماعات اليهودية اتجاهين: اتجاه استهدف تحديث منهج التعليم اليهودي وطرق التدريس المتبعة فيه، واتجاه ثان قام على تشجيع أعضاء الجماعات اليهودية على الالتحاق بالتعليم الحكومي العلماني. ووجد دعاة التنوير سنداً وحليفاً في الملوك المطلقين المستنيرين وحكوماتهم التي رأت في التعليم العلماني وسيلة لدمج الأقليات المختلفة وتكوين الدولة القومية وتحديث المجتمع. اختلف هذا التطور من تشكيل سياسي أوربي إلى آخر. وكذلك باختلاف معدلات التحديث والعلمنة داخل التشكيلات الأوربية المختلفة، وطبيعة النظم التربوية المحلية في كل مجتمع، بالإضافة إلى التراث والأوضاع التاريخية غير المتجانسة الخاصة بالجماعات اليهودية، انعكس على وضع المؤسسات التربوية اليهودية المختلفة وعلى تطورها وعلى مدى اضمحلالها وسقوطها أو استمرارها وازدهارها، وانعكس بالتالي على معدلات علمنة ودمج أعضاء الجماعات اليهودية في المجتمعات التي يعيشون في كنفها.

стр. 3768

التربية والتعليم عند الجماعات اليهودية في العالم الغربي (ما عدا روسيا وبولندا) حتى الحرب العالمية الأولى Education of the Jewish Communities in the Western World (Except Russia and Poland) to the First World War ١ ـ ألمانيا والنمسا (وجاليشيا) : شهدت الأراضي الألمانية تغيرات وتطورات أدَّت إلى ظهور طبقة من المموِّلين والتجار ويهود البلاط الذين يتطلب عملهم المعرفة باللغات الأوربية والثقافة الحديثة. ومن ثم، فقد قل اهتمامهم بدراسة التلمود والمواد اليهودية التقليدية ولم تتعد معرفتهم قراءة آلية لبعض أجزاء من أسفار موسى الخمسة. كما شهد النصف الثاني من القرن الثامن عشر ظهور كثير من التشريعات التي تعطي اليهود حقوقهم المدنية، حيث أصدر الإمبراطور جوزيف الثاني إمبراطور النمسا براءة التسامح (١٧٨٢ ـ ١٧٨٥) التي أتاحت لأعضاء الجماعات اليهودية كثيراً من فرص الحراك الاجتماعي، وطالبت في الوقت نفسه بإصلاح كثير من ممارساتهم وبالذات في مجال التربية والتعليم. وأدَّى هذا إلى انتشار فكر حركة التنوير اليهودية. انطلق دعاة حركة التنوير من اليهود من مقولات الفكر العقلاني (المادي) وإيمانه بفاعلية التعليم العلماني اللامتناهية في تحسين أحوال البشر، ومن ثم أصبحت قضية التربية القضية الأساسية بالنسبة لهم. كما رأوا في التعليم اليهودي التقليدي سبباً من أسباب تخلف الجماعات اليهودية وانعزالها الثقافي، ولذا حاولوا إحداث تغييرات في مناهج التعليم اليهودي وطرق تدريسه.

стр. 3769

كان موسى مندلسون ـ مؤسس حركة التنوير اليهودية ـ أول من حاول تحسين وتحديث نظام التعليم اليهودي كوسيلة لرفع مستوى اليهود الثقافي ودمجهم في المجتمع الألماني. فقام بترجمة العهد القديم إلى اللغة الألمانية كوسيلة لتشجيع اليهود على تعلمها، كما تم، بمبادرة منه، تأسيس المدرسة الحرة أو مدرسة الشباب في برلين للأطفال اليهود الفقراء عام ١٧٧٨ وكانت مجانية، وتُعتبَر هذه المدرسة أولى المدارس اليهودية التي جمعت مناهجها بين دراسة العهد القديم والتلمود، واللغة الألمانية والفرنسية، والحساب والجغرافيا، والعلوم الطبيعية والفن. وقد أحدثت هذه المدرسة انقلاباً في نظام تعليم أعضاء الجماعات اليهودية في الغرب. كما شكَّلت بداية انتقال مركز الثقل من المواد اليهودية التقليدية إلى المواد العلمانية. وحققت هذه المدرسة منذ بدايتها الأولى نجاحاً، فكان نصف تلاميذها السبعين فقط من الفقراء، أما النصف الآخر فكان من الميسورين الذين أدركوا أهمية التعليم العلماني الذي تقدمه هذه المدرسة.

стр. 3770

ويأتي نفتالي هرتز فيسيلي (١٧٢٥ ـ ١٨٠٥) في الأهمية بعد مندلسون، كأحد دعاة حركة تحديث تعليم الجماعات اليهودية. ففي كتيب كلمات السلام والحق الذي يُعتبَر المنشور الأول لحركة التنوير اليهودية، يرحب فيسيلي ببراءة التسامح التي أصدرها الإمبراطور جوزيف الثاني إمبراطور النمسا، ويقترح برنامجاً لتعليم الطفل اليهودي يتكون من جزءين: جزء يُخصَّص للدراسات العلمانية، أطلق عليها دراسات تتصل بالإنسان، أما الجزء الثاني فكان يُخصَّص للدراسات الدينية. كما يؤكد فيسيلي أهمية تعليم اللغة الألمانية والعبرية، بل يقترح أن يدرس الأطفال اليهود العهد القديم في ترجمته الألمانية. كذلك احتلت قضية التعليم موقعاً بارزاً ونوقشت بتوسع في جريدة هامآسيف المعبِّرة عن أفكار التنويريين اليهود، وفيها طالب المتحمسون من دعاة حركة التنوير بأن يبدأ الطفل اليهودي بتعلم اللغة الألمانية والحساب أولاً ثم يضاف فيما بعد تعلُّم اللغة العبرية قراءة وكتابة. بل طالب ديفيد فرايدلاندر بأن تقتصر الدراسة الدينية على بعض الفصول المنتقاة من العهد القديم ذات الطبيعة الأخلاقية وأن تُستخدَم اللغة الألمانية في تدريسها.

стр. 3771

وبمبادرة من دعاة حركة التنوير، تم تأسيس عدد من المدارس في برلين ودساو وفرانكفورت جمعت مناهجها بين المواد العلمانية والمواد الدينية، والتي خُصِّصت لها ساعات قليلة وأهملت فيها دراسة التلمود. كذلك قام عدد من المربين بكتابة كتب مدرسية باللغة العبرية لهذه المدارس. فألَّف بيتر بير كتاباً عن التاريخ اليهودي، كما ألَّف نفتالي هرتز هومبرج كتاب المطالعة الدينية والأخلاقية للشباب. وفي عام ١٨٠٧، أُدخلت طقوس بلوغ سن التكليف الديني (برمتسفاه) بعض المدارس في ألمانيا، وذلك في محاكاة واضحة لطقوس تثبت التعميد بين المسيحيين. كذلك تغلغل أثر حركة التنوير بين اليهود الأرثوذكس الذين كان عليهم أن يستجيبوا لمتطلبات العصر. فالحاخام حزقيال لانداو يرى أن التوراة أساس التعليم، إلا أنه يؤكد أن تعليم القراءة والكتابة أمر مهم أيضاً، لذا يجب على الفرد اليهودي أن يتعلم كلا الشيئين. كما وافق الحاخام ديفيد تفيلي أهمية تعليم الأطفال اليهود اللغة الألمانية لمدة ساعة أو ساعتين يومياً. كذلك قام اليهود الأرثوذكس بتأسيس مدرسة في هالبرستادت وأخرى في هامبورج جمعت مناهجها بين العلوم الدينية وغير الدينية. كذلك أدخلت حركة التنوير تغييرات مهمة على تعليم البنات، فبينما كانت بنات اليهود الأثرياء يتلقين تعليمهن على أيدي مدرسين خصوصيين، اهتم دعاة التنوير بتعليم الفقيرات وأُسِّس عدد من مدارس البنات (ابتداءً من عام ١٧٩٠) في برسلاو وهامبورج وغيرهما من المدن، ضمت مناهجها تعليم الألمانية والعبرية وأساسيات الدين والأخلاق والحساب، كما وُجدت مدارس أيضاً قامت بتعليم اليديشية والأشغال الفنية والفن والغناء.

стр. 3772

ويجب أن نشير أيضاً إلى أن حركة التنوير اليهودية اهتمت بالتعليم المهني، فقد رأى دعاة التنوير اليهودي أن إبعاد اليهود عن وظائفهم التقليدية (مثل الربا والتجارة) وتحويلهم إلى الاشتغال بالزراعة والحرف اليدوية المختلفة سيساهم في تغيير حياة أعضاء الجماعة اليهودية وسيؤدي إلى تخليهم عن أية خصوصية قد تتسبب في عزلتهم عن بقية أعضاء المجتمع، ولهذا أدخلوا تعليم الحرف في المدارس التي أسسوها. وكانت بعض هذه المدارس تسجل خريجيها عند حرفيين مسيحيين ليتتلمذوا على أيديهم. كما أُنشئت في بعض الولايات الألمانية جمعيات للعناية بالصبية تحت التدريب. وفي برلين، أُسِّست جمعية لنشر الحرف الصناعية بين أعضاء الجماعة اليهودية عام ١٨١٢ وكان هدفها إيقاظ الروح الخلاقة بين أعضاء الديانة اليهودية وتفنيد الاعتقاد السائد عن اتجاه اليهود إلى التجارة. ويمكن تلخيص التغيرات التي أدخلتها حركة التنوير اليهودية على منهج التعليم اليهودي في ألمانيا على النحو التالي: أ) زادت أهمية الدراسات غير الدينية وبدأت مدة الدراسة فيها تطغي على الوقت المخصص للدراسات الدينية. ب) قلَّت أهمية دراسة التلمود، وبالتدريج اختفت تماماً. جـ) دُرِّست ترجمة مندلسون للعهد القديم. د) دُرِّست اللغة العبرية كمادة مستقلة عن العهد القديم وزاد الاهتمام بتدريس قواعدها. ٥ ـ دُرِّس الدين كمادة مستقلة وبطريقة الوعظ الديني، وهي طريقة لم تكن معروفة عند اليهود من قبل. ٦ ـ دُرِّست مادة الأخلاق كمادة مستقلة واستُخدمت طريقة لم يعرفها اليهود من قبل، فكانت بعض مقطوعات العهد القديم تُدرَّس ويُستخلَص منها الهدف الأخلاقي. ٧ ـ أُدخلت دراسة ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» وهي مادة جديدة، لم يُدرَّس فيها إلا «التاريخ» الوارد في العهد القديم.

стр. 3773

٨ ـ دُرِّست مواد عامة كاللغة الألمانية قراءة وكتابة، كذلك اللغة الفرنسية وأحياناً الإنجليزية (لأهميتها التجارية) واللاتينية (في بعض المدارس) والحساب والخط ومادة الطبيعة والجغرافيا وتاريخ العالم والرسم والغناء ومسك الدفاتر والتدريب المهني والزراعة. وانتشرت المدارس اليهودية المتكاملة التي جمعت مناهجها بين المواد العلمانية والدينية في بلدان أوربا الغربية والشرقية. ففي عام ١٨١٣، أسس يوسف بيرل مدرسة في تارينول في جاليشيا استُخدمت فيها الألمانية كلغة للتدريس، كما أُلحقت بها فصول مخصَّصة للبنات، وأُسِّست مدرسة مشابهة في لفوف عام ١٨٤٥. وفي عام ١٨١٩، أسس يعقوب تجندهولد في وارسو ثلاث مدارس استُخدمت فيها البولندية كلغة للتدريس كما تم تأسيس مدرستين للبنات. ولم تُفتَح أية مدارس ثانوية خاصة لليهود إلا مدرسة فيلانثروبين (الابتدائية) في فرانكفورت التي افتُتح فيها قسم علمي عام ١٨١٣ مدة الدراسة فيه ست سنوات. كما أُنشئت معاهد خاصة تجارية. وبتأسيس هذه المدارس، ظهرت مشكلة تدريب معلمين لها، ففُتح أول معهد لإعداد المعلمين في كاسل عام ١٨١٠، وتبعه معهد في أمستردام (١٨٣٦) لإعداد المعلمين والحاخامات. وفي عام ١٨٥٦، افتتح معهد لإعداد المعلمين وحسب في بودابست. وبلغ عدد المدارس التي أقامتها الجماعات اليهودية في مورافيا عام ١٧٨٤ نحو ٤٢ مدرسة، وفي بوهيميا وصل عددها ٢٥ مدرسة عام ١٧٨٧، وفي المجر بلغ عددها ٣٠ مدرسة بنهاية عام ١٧٨٠. أما في جاليشيا، فبلغ عدد المدارس ١٠٤ مدارس إلا أنها أُغْلقت عام ١٨٠٦ خوفاً من الاتجاهات العلمانية التي اعتنقها مدرسوها اليهود، فتم استدعاء التربوي اليهودي نفتالي هرتز همبورج للإشراف عليها.

стр. 3774

ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، فتحت المدارس الحكومية أبوابها للأطفال اليهود وتدفقت أعداد كبيرة منهم عليها. وأصبح التعليم الديني اليهودي مقتصراً إما على المدارس التكميلية التي كان الأطفال اليهود يتركونها عند سن الثالثة عشرة أو على بعض الفصول الدينية في المدارس الحكومية. وقد اختفت المدارس الأولية الدينية (حيدر) لتحلّ محلها المدارس اليهودية الحديثة، إلا أن عددها كان صغيراً وكان برنامج الدراسات اليهودية فيها ضئيلاً، فلم تتعد قراءة الصلوات وبعض أجزاء من أسفار موسى الخمسة. ومع هذا، كانت هناك حركة مضادة لهذا الاتجاه في ألمانيا، حيث أسس سامسون روفائيل هيرش، مؤسِّس الأرثوذكسية الجديدة وزعيمها في ألمانيا، مدرسة في فرانكفورت عام ١٨٥٥، قدمت برنامجاً مكثفاً للدراسات الدينية واليهودية، بالإضافة إلى برنامج من المواد العامة على نمط المدارس الألمانية. وهذه المدرسة كانت الأولى في سلسة المدارس الأرثوذكسية التي تأسست فيما بعد، كما تم تحديث مرحلة الدراسات العليا، فاختفت المدارس اللاهوتية التي تم تأسيسها عام ١٨٥٤، وكان يترأسها زكريا فرانكل الذي أدارها بطريقة حديثة وشجع الدارسين فيها على اتخاذ موقف من اليهودية وتاريخها. وكان خريجو هذه الكلية يُعيَّنون حاخامات محافظين. وفي عام ١٨٧٢، افتُتحت في برلين المدرسة العليا للدراسات اليهودية التي كانت متأثرة في اتجاهاتها بآراء جايجر الإصلاحية. كما أُسِّست في برلين، عام ١٨٨٣، كلية لاهوتية أرثوذكسية لتخريج الحاخامات الأرثوذكس. وفي الأجزاء الناطقة بالألمانية من الإمبراطورية النمساوية، اتخذ تعليم الجماعات اليهودية المسار نفسه الذي اتخذه في ألمانيا. ففي فيينا، رغم وجود جماعة يهودية كبيرة، تدهور التعليم اليهودي التقليدي وتزايد التحاق الأطفال بالمدارس الحكومية أو المدارس اليهودية الحديثة. كما أُسِّس معهد للدراسات الحاخامية عام ١٨٩٣.

стр. 3775

وفي المجر، كان يُوجَد اتجاهان: اتجاه يحبذ الاندماج، وآخر يحبذ المحافظة على الهوية اليديشية. وقد أرسل أتباع الاتجاه الأخير أولادهم إلى المدارس التقليدية للحصول على تعليم تقليدي. كما وُجد عدد كبير من المدارس التلمودية العليا، وهو ما يشير إلى أن عملية التحديث والعلمنة لم تكن تسير بالسرعة نفسها التي كانت تسير بها في ألمانيا والنمسا، كما لاقت عملية تحديث التربية اليهودية في جاليشيا النمساوية المجرية مقاومة كبيرة. وبعد أن فُتحت مدارس حكومية لأطفال اليهود، في نهاية القرن الثامن عشر والسنوات العشر الأولى من القرن التاسع عشر، فإنها عادت وأغلقت أبوابها من جديد. ومع هذا، نجحت عمليات الدمج بمرور الزمن، وزاد تسجيل الأطفال اليهود في المدارس الحكومية إلى أن بلغ ٧٨ ألفاً عام ١٩٠٠. ٢ ـ فرنسا وإيطاليا:

стр. 3776

وجد دعاة التنوير اليهودي حليفاً في الحكومة الفرنسية، حيث ركزت الثورة الفرنسية على التعليم ومؤسساته بهدف دمج أعضاء الجماعات اليهودية. ولم تواجه عملية دمج السفارد أية صعوبات ذات بال، لأن قيادات الجماعة اليهودية السفاردية كانوا من كبار المموِّلين الذين يحتاج المجتمع إلى خبراتهم واتصالاتهم الدولية، كما أن لغتهم (اللادينو) لغة لاتينية قريبة من الفرنسية وثقافتهم إسبانية قريبة من ثقافة فرنسا اللاتينية الكاثوليكية. وقد كانت مؤسساتهم التربوية منفتحة للغاية ولا تستبعد العلوم العلمانية (وهذا ما بينه المفكر السفاردي دي بنتو في خطابه لفولتير) . ولذا، يُلاحَظ أن كل أطفال اليهود الذين بلغوا السن القانونية في عام ١٨٠٨ كانوا يذهبون إلى مدارس حكومية في جنوب ووسط فرنسا، هذا على عكس يهود الألزاس واللورين الذين كانوا من يهود اليديشية، وكانت ثقافتهم ألمانية سلافية تفصلهم عن محيطهم الفرنسي اللاتيني الكاثوليكي. كما أنهم كانوا فقراء متخلفين، ولذا قاوموا المحاولات الرامية لدمجهم، ولم تَزد نسبة الأطفال اليهود الذين سجلوا في مدارس حكومية عن ١٠%. غير أن الدولة الفرنسية اتبعت سياسة نشطة في عملية الدمج وفتحت المدارس أمام أعضاء الجماعة اليهودية، وفتحت أبواب الحراك الاجتماعي أمام المتعلمين منهم. ولذا، فإننا نجد، مع منتصف القرن التاسع عشر، أن أعضاء الجماعات اليهودية أخذوا في إرسال أولادهم إلى المدارس الحكومية العلمانية، واكتفوا بالمدارس التكميلية (بعد انتهاء اليوم المدرسي) لتعليم أولادهم الدين اليهودي وما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» . وقد تدهور التعليم التقليدي، وأغلقت معظم المعاهد التلمودية العليا أبوابها. وبديلاً عن ذلك افتُتحت في باريس عام ١٨٥٩ كلية للدراسات الحاخامية تُسمَّى المدرسة الحاخامية.

стр. 3777

ولم تختلف الأوضاع التعليمية في إيطاليا عنها في جنوب فرنسا كثيراً حيث كانت الجماعة اليهودية في إيطاليا تتسم بالانفتاح النسبي. وقد تدهور التعليم اليهودي التقليدي مع تزايد هجرة اليهود من البلدان الصغيرة إلى المدن الكبرى. وقد قام أعضاء الجماعة اليهودية المتيسرون بإرسال أولادهم إلى المدارس العامة ثم تبعهم في ذلك باقي أعضاء الجماعة. وفي عصر الاستنارة والتنوير، نشب صراع بين المحافظين والتجديديين حول منهج التعليم. ولكن أياً من الفريقين لم يطالب بإلغاء المواد الدينية أو المواد العلمانية تماماً، وانصرف الخلاف إلى طريقة تحقيق التوازن بينهما. وبلغ عدد الطلبة المسجلين في المدارس اليهودية المعترف بها من الحكومة ١,٦٠٠طالب عام ١٩٠١، ولم تزد المواد الدينية التقليدية في هذه المدارس عن ساعة واحدة يومياً، وشملت القراءة والصلوات وأجزاء من أسفار موسى الخمسة وكانت تُلقى المواعظ الدينية باللغة الإيطالية. كما تدهورت الأوضاع التعليمية في معهد الدراسات الحاخامية المعروف باسم «كوليجيو رابينكو» وقلَّ عدد طلابه. ٣ ـ إنجلترا:

стр. 3778

ظلت إنجلترا خالية من اليهود تقريباً حتى القرن السابع عشر حيث سُمح لهم بالاستقرار. وكان عدد أعضاء الجماعة اليهودية فيها صغيرا للغاية. ومع هذا، كان للجماعة اليهودية في إنجلترا شبكة واسعة من المدارس اليهودية، وذلك قبل تطبيق قانون التعليم الإجباري العام في إنجلترا عام ١٨٧٠. وقد تأسس كثير من هذه المدارس خلال القرن التاسع عشر، خصوصاً شبكة المدارس الحرة (بالإنجليزية: «فري سكولز free schools» ) التي كان يَدرس بها عام ١٨٥٠ نحو ٢٠٠٠ طفل يهودي من إجمالي تعداد أعضاء الجماعة البالغ في تلك الفترة ٣٥٠٠٠ شخص. كما كانت توجد مدارس يهودية خاصة ذات مستوى أفضل من المدارس الحرة. ومما يُذكَر أن غالبية هذه المدارس، وخصوصاً المدارس الحرة، كان يقدم تعليماً علمانياً إلى جانب قدر ضئيل من الدراسات اليهودية، كما وُجدت فصول دينية مسائية ومدارس أحد لتعليم اللغة العبرية. كذلك أُسِّست مؤسسات يهودية للتعليم العالي في منتصف القرن التاسع عشر، من أهمها كلية اليهود Jews' College التي تأسَّست عام ١٨٥٥. ومع صدور قانون التعليم الإجباري عام ١٨٧٠، توقَّف تأسيس مدارس حرة جديدة. كما شهدت المدارس اليهودية الخاصة تدهوراً حاداً. ولكن، مع بداية تدفق يهود اليديشية من شرق أوربا عام ١٨٨١، أثارت ضحالة برامج الدراسات الدينية في المدارس اليهودية استياء المهاجرين الجدد، ولذا فضلوا إقامة عدد من المدارس التقليدية وإرسال أولادهم إليها. فانتشرت المدارس الابتدائية الدينية التقليدية مثل المدارس الابتدائية الخاصة (حيدر) والخيرية (تلمود تورا) في جميع أنحاء البلاد. إلا أن مستوى هذه المدارس كان بدوره هابطاً للغاية ولا يُقارَن بمستوى مثيلتها في أوربا الشرقية، بل فشلت في تعميق ارتباط طلابها بالديانة والتقاليد اليهودية.

стр. 3779

ورغم أن لندن كانت تضم في نهاية القرن واحدة من أكبر المدارس اليهودية في أوربا بل في العالم بأسره، إذ كانت تضم ٣٠٠٠ طالب، إلا أن الهدف الحقيقي من هذه المدرسة كان إضفاء الطابع الإنجليزي على هؤلاء المهاجرين الغرباء إلى إنجلترا وكسر حدة يهوديتهم الزائدة، وفقاً لإسرائيل زانجويل، في كتابه أطفال الجيتو (١٨٩٢) . كما نجد أنه مع تحسُّن أوضاع المهاجرين الاقتصادية، وخروجهم من مناطق تمركزهم في لندن إلى الضواحي والمناطق السكنية الأرقى، بدأت تختفي أيضاً المدارس الدينية التقليدية لتحلّ محلها المدارس الملحقة بالمعبد حيث يتلقى الأطفال بضع ساعات من الدراسة الدينية خلال الأسبوع، وذلك في نظام مشابه لنظام مدارس الأحد اليهودية في الولايات المتحدة. وبالتالي، أصبحت الصورة السائدة في العقد الأول من القرن العشرين هي التحاق الجزء الأكبر من الأطفال الإنجليز اليهود بالمدارس الابتدائية والثانوية الحكومية وحصولهم على قدر ضئيل من المعرفة بالديانة اليهودية واللغة العبرية من خلال الدراسة التكميلية. التربية والتعليم عند الجماعات اليهودية في أوربا الشرقية (روسيا وبولندا) حتى الحرب العالمية الأولى Education of the Jewish Communities in Eastern Europe (except Russia and Poland) to the First World War

стр. 3780

بعد تقسيم بولندا للمرة الثالثة، ضمت روسيا غالبية يهود اليديشية. وتزامنت هذه العملية مع تغيرات سياسية واقتصادية كان المجتمع الروسي يمر بها في مجرى انتقاله من مجتمع زراعي إقطاعي إلى مجتمع صناعي. فعلى الصعيد السياسي، قامت محاولة لفرض ضرب من الوحدة على مئات الأقليات والتشكيلات الحضارية حتى يتسنى للحكومة المركزية التعامل معهم. وعلى الصعيد الاقتصادي، بدأت تظهر في روسيا اتجاهات نحو التصنيع، وتحديث بنية المجتمع الاقتصادية. وكانت عملية التحديث هذه تتم تحت إشراف القياصرة المطلقين وطبقة النبلاء الإقطاعيين، ومن خلال بيروقراطية غير مستنيرة وغير مؤهلة عرقلت عملية تحديث المجتمع، فأدَّى ذلك إلى قيام الاضطرابات والثورات التي انتهت بالثورة البلشفية عام ١٩١٧. وقد حدَّدت هذه الأوضاع علاقة الجماعات اليهودية بكل من المجتمع الروسي والدولة الروسية. فاتبعت الدولة معهم، مثلهم مثل غيرهم من الأقليات، سياسة الترويس بالقوة حتى يتم استيعابهم ودمجهم في الثقافة الروسية. ومنذ بداية القرن التاسع عشر، ومع المحاولات الأولى للحكومة الروسية في مجال تحديث وترويس الجماعات اليهودية، أدرك المسئولون في الحكومة الدور الفعال الذي يمكن أن يلعبه التعليم الحديث في هذا المضمار، ومن ثم اتخذ المسئولون من التعليم وسيلة لتحديث تربية أعضاء الجماعات اليهودية ودمجهم في الإطار الثقافي العام للمجتمع. وساعد الحكومة القيصرية في جهودها رواد حركة التنوير. بدأ التيار التنويري يدخل روسيا عن طريق أوربا الغربية وبالذات ألمانيا منذ بداية القرن التاسع عشر. وكانت ليتوانيا وأوكرانيا من المناطق الأولى التي دخلها الفكر التنويري، وقد حمله إليهما التجار والعلماء المتجولون والأطباء. كما ساعد اشتراك بعض اليهود من مدن ليتوانيا وبولندا في الدوريات التي أصدرها دعاة التنوير في ألمانيا في نشر الفكر التنويري بين بعض أعضاء الجماعات اليهودية في روسيا.

стр. 3781

وكان من أوائل دعاة التنوير إسرائيل زاموسك ويهودا هرديتس ويهودا مرجوليوث وباروخ تشيك ومنديل ليفين. وقد ساهم هؤلاء التنويريون الأوائل في نشر الثقافة الحديثة عن طريق كتابة أو ترجمة بعض كتب العلوم الحديثة إلى العبرية، فقام باروخ تشيك بكتابة عدة كتب في الرياضيات والفلك، كما ترجم منديل ليفين كتباً في الطب والرحلات. وقام جونزبرج بترجمة كتاب اكتشاف أمريكا الذي ألَّفه كامب وكتاب تاريخ العالم لفولتير، كما ألَّف كتاباً عن تاريخ الحرب الفرنسية الروسية عام ١٨١٢. وكانت هذه هي المرة الأولى التي تستخدم فيها اللغة العبرية لنقل العلوم الحديثة. كذلك قام أحد اليهود الأغنياء (يهوشاو زيتلين) بتأسيس مركز للمستنيرين في ضيعته. واعتمد هؤلاء المستنيرون الأوائل على علاقتهم بالسلطات الروسية كتجار وأطباء وموردي مواد غذائية، وقدموا مجموعة من المقترحات إلى الإدارة الروسية لتحسين وضع اليهود من أهمها إتاحة الفرصة لأعضاء الجماعات اليهودية للاشتغال بالحرف المختلفة والعمل بالزراعة وفتح مدارس حديثة لهم.

стр. 3782

واهتم دعاة التنوير في روسيا منذ البداية، مثلهم مثل دعاة التنوير الألمان، بتأسيس مدارس تجمع مناهجها بين المواد العامة والمواد اليهودية كوسيلة لتحديث ثقافة الجماعات اليهودية. وكانت أولى المدارس التي تم تأسيسها على هذا النمط مدرسة أومان التي أسسها هايمان هورويتز. كما أسَّس بزاليل ستيرن مدرسة مماثلة في أوديسا عام ١٨٢٦، وتلتها مجموعة من المدارس في كل من ريجا وكشينيف وفلنا. وخلال هذه الفترة، قام إسحق ليفنسون بتوضيح برنامج دعاة التنوير الروس لتحديث تربية أعضاء الجماعات اليهودية وتعليمهم. وقام هذا البرنامج أساساً على تأسيس شبكة من المدارس الابتدائية للبنين والبنات تجمع مناهجها بين المواد الدينية واليهودية والمواد العامة والتدريب على بعض الحرف. كما تضمَّن البرنامج تأسيس مدرسة ثانوية للمتميِّزين من الطلبة، كما أكد ضرورة نشر الحرف المنتجة (وبالذات الزراعة) بين الجماهير اليهودية، وضرورة استخدام اللغة الألمانية أو الروسية في التعليم. وبطبيعة الحال، قاومت القيادات الحاخامية الفكر التنويري التربوي واتخذت إجراءات عنيفة ضد أيِّ شاب يُقلِّد «البرلينيين» . ونظر دعاة التنوير إلى الحكومة الروسية كنصير لهم في محاولتهم تحديث تربية وتعليم الجماعات اليهودية وأعانوها في تأسيس شبكة من المدارس الحديثة المخصَّصة لليهود والتي أُطلق عليها اسم «مدارس التاج» . وقد أشرف ماكس ليلينتال على تأسيس هذه الشبكة كما حاول إقناع الجماعات اليهودية في روسيا بإرسال أولادهم إليها. واتجهت جهود الحكومة الروسية، في محاولتها تحديث ثقافة وتربية الجماعات اليهودية، اتجاهين: فتح أبواب التعليم الحكومي لأعضاء الجماعة اليهودية وإقامة مدارس يهودية مخصَّصة لهم تحت إشرافها من جهة، وتحديث نظام التعليم اليهودي القائم من جهة أخرى.

стр. 3783

فتحت الحكومة أبواب المدارس والجامعات الروسية للأطفال والشباب اليهود بقرار صدر عام ١٨٠٤ خلال حكم القيصر ألكسندر الأول (١٨٠١ ـ ١٨٢٥) ، إلا أن عدد الأطفال والشباب اليهود الذين انضموا إليها ظل منخفضاً جداً حتى عام ١٨٤٠، فبلغ عدد التلاميذ اليهود في المرحلتين الابتدائية والثانوية ٤٨ تلميذاً من المجموع الكلي للتلاميذ المسجلين في المدارس والبالغ عددهم ٨٠١٧. ولم يختلف الوضع بالنسبة إلى الجامعات، فقد بلغ عدد الطلاب اليهود ١٥ طالباً من مجموع الطلاب البالغ عددهم ٢٨٦٦. ويبدو أن سلطة القهال وقفت بشدة ضد هذا القرار ومارست سلطتها في منع الطلاب اليهود من الالتحاق بالمدارس والجامعات الروسية. ونظراً لفشل الحكومة في جذب أعضاء الجماعة اليهودية للتعليم في المدارس الحكومية، وضعت الحكومة خطة لتأسيس مدارس تُخصَّص لليهود تخضع لإشرافها دون النص على حرمان التلاميذ اليهود من الالتحاق بالمدارس الحكومية، وأصدرت قراراً عام ١٨٤٤ بتأسيس شبكة من مدارس التاج. وقد تكونت هذه الشبكة من المدارس التالية: أ) مدارس أولية من الدرجة الأولى في المدن. ب) مدارس أولية من الدرجة الثانية في الأقاليم. جـ) مدارس حاخامية لتدريب المدرسين والحاخامات.

стр. 3784

وتقرر تمويل هذه المدارس عن طريق فرض ضريبة على الشموع التي يستخدمها اليهود في منازلهم يوم السبت. كذلك قررت الحكومة منح خريجي هذه المدارس الامتيازات نفسها التي ينالها خريجو المدارس الحكومية. وتضمن منهج هذه المدارس بعض المواد الدينية مثل العهد القديم وتاريخه والصلوات واللغة العبرية، علاوة على المواد غير الدينية مثل اللغة الروسية وقواعدها والحساب والجغرافيا وعلمي النبات والحيوان والخط والرسم. وكلفت الحكومة الروسية ماكس ليلينتال، وهو تربوي يهودي من دعاة التنوير من ألمانيا، بتأسيس مدرسة يهودية حديثة في ريجا عام ١٨٤٠، إلا أن محاولاته باءت بالفشل إذ قاومت الجماعات اليهودية هذه المدارس مقاومة شديدة، حتى أنها حينما فُتحت كانت شبه مهجورة ولم يلتحق بها سوى أولاد الفقراء من اليهود. وحتى عام ١٨٥٧، لم يزد عدد الطلبة اليهود المسجلين في هذه المدارس عن ٣٢٩٣. ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، ومع تزايد معدلات التحديث، وكنتيجة للسياسة الليبرالية التي انتهجها القيصر ألكسندر الثاني والتي فتحت أبواب الحراك الاجتماعي والاقتصادي أمام أعضاء الجماعات اليهودية، تزايدت نسبة الأطفال والشباب اليهود المسجلون في المدارس الابتدائية والثانوية. ففي عام ١٨٥٣، بلغت نسبة الطلبة اليهود ١.٢٥% من العدد الكلي للطلاب، ثم زادت النسبة إلى ٣.٢% عام ١٨٦٣ حتى وصلت نسبة الطلاب اليهود المسجلين في المدارس الثانوية ١٣.٢% من المجموع الكلي للطلاب عام ١٨٧٣، وهي نسبة تتجاوز نسبتهم إلى عدد السكان. كذلك زاد عدد الطلاب اليهود المسجلين في الجامعات الروسية، ففي عام ١٨٦٥ بلغت نسبتهم ٣.٢% من العدد الكلي للطلاب، ثم زادت النسبة إلى ٨.٨% عام ١٨٨١. ومع ازدياد تسجيل الطلاب اليهود في المدارس الحكومية، أصدرت الحكومة قراراً عام ١٨٧٢ بإغلاق مدارس التاج التي أنشأتها الحكومة (إلا في الأماكن التي لا توجد فيها مدارس حكومية) .

стр. 3785

وقد نال دعاة التنوير دفعة قوية وانتشر فكرهم بين كثير من الشباب اليهودي خلال حكم القيصر ألكسندر الثاني (١٨٥٠ ـ ١٨٨١) ، حيث أدَّت السياسة الليبرالية إلى تشجيع كثير من اليهود على إرسال أولادهم إلى المدارس الروسية الحكومية. كذلك لعبت الصحافة اليهودية، التي كان معظم مؤسسيها وصحفييها وناشريها من أتباع حركة التنوير، دوراً مهماً في نشر الفكر التنويري داخل مدارس التاج، مثل: مدرسة ريجا، ومدرسة أوديسا، ومدرسة سانت بطرسبرج التي أسستها جمعية نشر التنوير. كما قام بعض المستنيرين من اليهود بتأسيس مدارس لتعليم البنات، فأُنشئت مدرسة في كل من تشرينجوف (١٨٦١) وكيشينيف (١٨٦٤) ، ومدرستان في منسك. وجمعت هذه المدارس بين المواد الدينية والمواد غير الدينية، فدرست المواد الدينية علاوة على الروسية والعبرية والألمانية. وقام دعاة التنوير بتأسيس جماعة نشر الثقافة بين يهود روسيا عام ١٨٦٣ لتشجيع الشباب اليهودي على الالتحاق بالتعليم الحديث وتبنِّي الثقافة واللغة الروسية. وعاونت هذه الجمعية كثيراً من الشباب على الالتحاق بالمدارس الحكومية الحديثة، كما نشرت كثيراً من المطبوعات بالروسية والعبرية واليديشية.
следующие страницы →