Полный текст (8 511 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.
стр. 4131
ظهر الحوريون في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد، ولعبوا دوراً مهماً في الألف الثاني. وذلك في فترة شهدت انحسار النفوذ الحيثي عن سوريا، وضعف الدولة الآشورية، وسقوط دولة بابل التي حلَّت محلها الدولة الكاشية التي لم تلعب دوراً يذكر في الأحداث الدولية في الشرق الأدنى القديم. هاجر الحوريون إلى فلسطين، وسكنوا في منطقة جبل سعير جنوب شرقي فلسطين، وأسسوا عدداً من الإمارات في أجزاء من سوريا وفلسطين وبعض أجزاء آسيا الصغرى. ويبدو أنهم كانوا في البداية عنصراً خالصاً إلى أن فرضت جماعة من الآريين سيطرتها عليهم وكوَّنت نخبة عسكرية قوية (طبقة الماريانو) قادتهم في غزواتهم العسكرية. ويحتمل أنهم هم الذين غزوا آشور وأسقطوا حكامها وهيمنوا على المنطقة (ومنها المنطقة المتاخمة للأناضول) وأسسوا مملكة ميتاني في شمالي بلاد الرافدين في القرن الخامس عشر قبل الميلاد (١٦٠٠ ـ ١٣٣٠ ق. م) .
اصطدم الحوريون بالمصريين بشأن سوريا بعد تأسيس الإمبراطورية المصرية في أعقاب طرد الهكسوس في الفترة ما بين ١٥٢٠ و١٤٢٠ ق. م. وتراوحت العلاقة بين شد وجذب إلى أن هاجمهم الحيثيون وهزموا آخر ملوكهم العظام توشراتا عام ١٣٥٠ ق. م، وضمُّوا أجزاء من ميتاني التي أصبحت تُسمَّى «هابنجالبات» . كما ضم الآشوريون البقية الباقية من مملكة ميتاني عام ١٢٧٦ ق. م فتحوَّلت إلى مقاطعة آشورية. ولقد جاء في التوراة أن الحوريين اشتبكوا مع العموريين والكنعانيين الذين دفعوهم إلى منطقة جبال سعير والتي طردهم منها فيما بعد الأدوميون. وتأثر الحيثيون بالحوريين وتبنوا الآلهة الحورية، كما تظهر الأساطير الحورية في الملاحم الحيثية.
стр. 4132
ولغة الحوريين معقدة، ليست بسامية ولا هندية أوربية، ولكن بها كلمات مستعارة من لغات أقوام عدة. أما ديانتهم فكانت تتمثل في عبادة آلهة متعددة حورية وهندية أوربية، من أهمها الإله الأعظم كوماري والإله تيشوب إله العاصفة. كما انتشرت بين الحوريين عبادة الإلهة السامية عشتار.
ولقد أتى ذكر الحوريين في العهد القديم كواحد من الشعوب التي كانت تقيم في أرض كنعان. ولكن ثمة إشارات أخرى تدل على أنهم كانوا يقطنون في وسط فلسطين ومدينة شكيم، وهو ما دعا بعض المؤرخين إلى القول بأن الحوريين هم أنفسهم الحويون. وعلى سبيل المثال، كان يُطلَق حامور على ملك شكيم اسم «الحُوِّي» في النص العبري (تكوين ٣٤/٢) ، أما الترجمة السبعينية فتسميه «الحوري» . كما يرى بعض العلماء أن اليبوسيين من الحوريين وليسوا من الكنعانيين. وقد تأثرت قصص العهد القديم بقصص الحوريين وعاداتهم وقوانينهم. فقصة سارة وهاجر تبيِّن العادة الحورية الخاصة بالمرأة العاقر التي ينبغي أن تسمح لزوجها بالزواج من أخرى أو باتخاذ خليلة له، كما يظهر أثر الحوريين في القواعد المتبعة في تأجير الأراضي الزراعية لدى العبرانيين. وتوجد أيضاً أوجه شبه عميقة بين عدد من المؤسسات الحورية والعبرانية، الأمر الذي حدا ببعض المؤرخين إلى الاعتقاد بأن القبائل الحورية والعبرانية لها أصل مشترك في العراق قبل استيطانها فلسطين. وقد اختفى الحوريون في حوالي القرن السادس قبل الميلاد.
شعوب البحر
Sea Peoples
стр. 4133
«شعوب البحر» تعبير يُطلَق على مجموعة الشعوب من البحارة الذين هاجموا الأناضول وسوريا وفلسطين وقبرص ومصر حوالي عام ١٢٠٠ ق. م. وقد صد رمسيس الثالث شعوب البحر عندما حاولوا غزو الساحل المصري. ويُقال إنهم المسئولون عن تحطيم الإمبراطورية الحيثية. والواقع أننا لا نعرف مدى الدمار الذي ألحقوه بالمنطقة لأن الوثائق والسجلات التاريخية تتوقف فجأة عند وصولهم، وعلى أية حال، هناك مصادر مصرية وحيثية أوردت ذكرهم. ويُشار إليهم بأسماء عدة تدل على أنهم جاءوا من اليونان والأناضول وصقلية وسردينيا وكريت. كما أن الفخار الذي تركوه يدل على أصولهم اليونانية.
ويُعَدُّ الفلستيون الذين استقروا في فلسطين منذ الألف الثاني قبل الميلاد وتعايشوا مع الكنعانيين، من هذا الأصل.
الفلستيون
Philistines
«الفلستيون» مصطلح نُطلقه على القبائل التي استوطنت شاطئ فلسطين الجنوبي الغربي في القسم الممتد من غزة إلى يافا شمالاً، وهم من شعوب البحر. ولقد ورد ذكر الفلستيين في عدد من المصادر المصرية، خصوصاً على اللوحات الجدارية لمدينة هابو من أيام رمسيس الثالث، وسماهم المصريون «بلست» . كما ورد ذكرهم في السجلات الآشورية في صيغتين متقاربتين «بلستو» و «بالستو» . ومن هنا تسميتنا لهم باسم «الفلستيين» نسبة إلى التسميات القديمة. جاء الفلستيون من بحر إيجه حوالي عام ١١٩٤ ق. م، كان رمسيس الثالث قد صدَّهم عند محاولتهم غزو الساحل المصري. وتدل الرسوم التي وُجدت على البناء التذكاري الذي أقامه رمسيس على أصولهم اليونانية الأوربية، كما يدل الخزف الذي أدخلوه فلسطين على أصولهم الكريتية.
وقد سُمِّيت المنطقة التي احتلوها «فلستيا» ، وكانت تشمل خمس مدن ساحلية أساسية (بنتابوليس) : أشدود (العاصمة) وعسقلان وغزة وعفرون وجات. ورغم أن مكان استيطانهم كان الشريط الساحلي أساساً، فإنهم استوطنوا أيضاً في مدن داخلية مثل جات كما أسسوا مدينة اللّد.
стр. 4134
اصطدم الفلستيون بالعبرانيين الذين كانوا قد وفدوا حديثاً إلى المنطقة فهزموا القضاة واستولوا على تابوت العهد، كما استولوا على أجزاء من المنطقة التي صارت فيما بعد المملكة الجنوبية، ودامت هيمنتهم أربعين عاماً. وينتمي شمشون الذي وقع في حب دليلة الفلستية إلى هذه الفترة. ولم يكن لدى الفلستيين القدر الكافي من الموارد البشرية اللازمة للهيمنة على المنطقة واستغلالها، ولذا فقد اضطروا إلى الإبقاء على العبرانيين وإخضاعهم ليكونوا أيدي عاملة، فسمحوا لهم بالاحتفاظ بالأدوات الزراعية وحسب حتى يستمروا في الزراعة وحتى يمكنهم دفع الضرائب المفروضة عليهم. لكنهم لم يسمحوا لأيٍّ من الحدادين بالإقامة بينهم، فكان على العبرانيين اللجوء إلى الفلستيين ليشحذوا أدواتهم الزراعية دون أن يتمكنوا من تحويلها إلى أسلحة. كما أن احتكار الحديد ساعد الفلستيين على إخضاع العبرانيين. وحينما بدأت وحدة الدول المدن الفلستية في التفكك، عرف العبرانيون صهر الحديد وتعدينه فتمكنوا من الفلستيين.
وقد نجح شاؤول بعض الوقت في صد الفلستيين ولكنه هُزم في نهاية الأمر، في حين نجح غريمه داود فيما فشل هو فيه خصوصاً بعد أن ضم منطقة أدوم الغنية بمعدن الحديد. وقد أنهى داود الهيمنة الفلستية وصرع البطل الفلستي جُليات وأخضع فلستيا. إلا أن الفلستيين سرعان ما استعادوا استقلالهم بعد تقسيم المملكة العبرانية وصاروا قوة مرة أخرى، لكنهم لم يكونوا عنصراً أساسياً إذ أصبح تاريخهم بعد ذلك تاريخ مدن متفرقة لا تاريخ شعب متماسك. ولذا، لا يشير نحميا (منتصف القرن الخامس قبل الميلاد) إلى الفلستيين وإنما يذكر الأشدوديين الذين كانوا يتحدثون بلسان أشدودي.
стр. 4135
وخضع الفلستيون في القرن السابع قبل الميلاد لسلطان آشور ثم لسلطان مصر. وبعد ذلك، بسطت الإمبراطورية البابلية الجديدة نفوذها عليهم فاختلطوا بالشعوب السامية المحيطة بهم واندمجوا فيها. وقد اندثرت كل الآثار الفلستية تماماً. وكل ما لدينا من معلومات عن هذا الشعب مستمد من الحضارات التي تعاقبت عليه، مثل الحضارة البابلية أو الحضارة الآشورية أو الحضارة الإغريقية. ولذا، فنحن لا نعرف الكثير عن هذا الشعب أو عن حضارته سوى أن معرفتهم بالبحر كانت واسعة، تلك المعرفة التي ورثها عنهم الفينيقيون.
ونحن لا نملك أية معلومات أكيدة عن لغتهم حيث لا توجد أية وثائق مكتوبة بها، إذ يبدو أن الكنعانية قد حلَّت محلها، ثم الآرامية، وأخيراً اليونانية. والشيء نفسه ينطبق على ديانتهم، لكننا نعرف أن آلهتهم تحمل أسماء سامية، فقد عبدوا الإله داجون (إله الغلة) الذي عبده الكنعانيون، الأمر الذي يدعم النظرية القائلة بأنهم اكتسبوا هوية كنعانية في فترة وجيزة للغاية. ومنذ أيام هيرودوت، أصبحت المنطقة تُسمَّى باسمهم ثم أصبح هذا هو اسمها رسمياً في أيام هادريان.
ومن الجدير بالذكر أن حدود المملكة العبرانية المتحدة لم تضم، في أي وقت، الشريط الساحلي الفلستي. ولكن حينما رُسمت حدود الدولة الصهيونية، قرَّر المخططون لها أن تضم هذه الدولة ذلك الشريط الساحلي، وهذا يدل على أن الاعتبارات الإمبريالية الإستراتيجية تَجبُّ الاعتبارات العاطفية الدينية الخاصة بإرتس يسرائيل أو المملكة العبرانية المتحدة أو الحدود التاريخية لإسرائيل.
стр. 4136
ولابد هنا من ملاحظة أن فلسطينيي اليوم لا علاقة لهم بشعوب البحر اليونانية هذه، فهم ينتمون إلى الأمة العربية. وتجتهد الدعاية الصهيونية في طمس هذه الحقيقة، وتستخدام التضليل بالأسطورة لتربط في أذهان الناس في العالم بين العرب الفلسطينيين والفلستيين القدامى الذين انتصر عليهم العبرانيون، حتى يصبح الصراع العربي الإسرائيلي صراعاً دائماً مستمراً يمتد إلى بداية التاريخ وليست له حدود معروفة.
ويُستخدَم لفظ «فلستين Philistine» في اللغة الإنجليزية لوصف الإنسان ضيق الأفق محدود الثقافة الذي ينحصر اهتمامه في الأمور المادية التجارية فقط.
جُليات
Goliath
قد يكون لفظ «جُلْيات» اسماً كنعانياً معناه «السبي أو النفي» . وجُلْيات اسم أحد أبطال الفلستيين. وكان من جبابرتهم إذ بلغ طوله أكثر من تسعة أقدام وكانت أدواته الحربية مناسبة لطول قامته وقوته. وثمة رواية تقول إنه كان من العناقيين وقتله داود بالمقلاع.
وقد نجحت الدعاية الصهيونية في ترسيخ صورة داود رمزاً لإسرائيل الذي يستخدم ذكاءه ومهارته في هزيمة عدوه، مقابل صورة جُلْيات رمزاً للعربي الذي قد يتسم بضخامة الحجم وكثرة السلاح ولكنه لا يستخدم عقله فيُمنَى بالهزيمة.
لكن الانتفاضة قلبت هذه الصورة الذهنية رأساً على عقب، إذ أن المنتفضين الفلسطينيين يستخدمون الحجارة والمقلاع ضد الآلة الإسرائيلية الضخمة التي تتسم ببطء الحركة نظراً لضخامتها والتي تتسم بقصور النظر نظراً لعدم إدراكها للواقع. وقد أشار شامير إلى إسرائيل باعتبارها «العملاق جلفر» الذي يهاجمه الأقزام، وفي هذا اعتراف ضمني بأن صورة داود الإسرائيلي ضد جُليات العربي الفلسطيني قد سقطت تماماً.
стр. 4137
الباب السابع: العبرانيون
العبرانيون: تاريخ
Hebrews History
مصطلح «عبراني» أو «عبري» يدل على معان كثيرة وأحياناً متناقضة، فهو ذو دلالات عرْقية وطبقية وحضارية. والعبرانيون كتلة بشرية سديمية ضخمة يعود أصلها إلى الجزيرة العربية، استقرت في منطقة الهلال الخصيب وفلسطين في أوقات متفرقة. والكلمة في معناها العام تضم كل القبائل السامية التي تناسلت من صفوفها الشعوب المختلفة التي انتشرت في كنعان وسوريا وبلاد الرافدين، ومن بينها تلك القبيلة التي جاء منها إبراهيم ونسله. وقد سُمِّيت هذه القبيلة الأخيرة باسم «العبرانيين» ، وذلك من قبيل إطلاق العامّ على الخاص. وقد شاع هذا الاستخدام حتى بين المؤرخين، وهو الاستخدام الذي سنتبناه في هذه الموسوعة نظراً لشيوعه. وثمة رأي يذهب إلى أن العبرانيين كانوا إما قبائل ليست لها هوية محدَّدة واكتسبت هويتها من خلال اتحادها وعبادتها ليهوه، أو كانوا قوماً من الأقوام الكنعانية انسلخوا عن العقيدة السائدة وعبدوا يهوه.
وقد دخل العبرانيون أرض كنعان نتيجة ثلاث هجرات غير محدَّدة. بدأت موجة الهجرة الأولى من بلاد الرافدين في القرن الثامن عشر قبل الميلاد وكانت معاصرة لانتشار الهكسوس والحوريين في الساحل الشرقي للبحر المتوسط. وكانت الثانية في القرن الرابع عشر قبل الميلاد وتُوافق هجرة الآراميين الثانية. وهاتان الفترتان توافقان فترة الآباء (٢١٠٠ ـ ١٢٠٠ ق. م) التي تمتد من هجرة إبراهيم من بلاد الرافدين وتستمر حتى هجرة يوسف إلى مصر أثناء حكم الهكسوس ورحيل العبرانيين عنها. أما الهجرة الثالثة، فهي التي أتت من مصر بقيادة موسى ويشوع بن نون في الثلث الأخير من القرن الثالث عشر قبل الميلاد أو في عهد مرنبتاح بن رمسيس الثاني (١٢٢٤ ـ ١٢١٥ ق. م) كما يقول بعض المؤرخين.
стр. 4138
ومنذ هجرة أو خروج العبرانيين من مصر، بدأ اسمهم يتواتر في التاريخ المدوَّن والمقدَّس. فنعرف، حسب الرواية التوراتية، عن مسيرتهم في سيناء، وعن تَلقِّي موسى الوصايا العشر وعن تَعلُّمه عبادة يهوه على يد كاهن مَدْيَن. وبعد موت موسى، تولى يوشع بن نون قيادتهم. ثم حدثت عملية التسلل العبراني إلى أرض كنعان (نحو ١٢٥٠ ق. م) التي كانت تغصّ بالقبائل السامية الكنعانية وقبائل أخرى غير سامية. فكان العموريون، وهم ساميون، يسكنون المرتفعات. أما الأقوام الأخرى، مثل الحوريين والحيثيين، فكانوا يعيشون في أماكن متفرقة. كما كان الفلستيون يحتلون المدن الخمس التي تشغل الشريط الساحلي الجنوبي. وقد أخذت عملية التسلل أشكالاً عسكرية وسلمية مختلفة في تلك المرحلة التي يُطلَق عليها عصر القضاة (١٢٥٠ـ ١٠٢٠ ق. م) ، فدخل العبرانيون في صراع مع الفلستيين (الذين هزموهم واستعبدوهم بعض الوقت) ومع الأقوام الكنعانية السامية وغير السامية الأخرى. وقد استقر المقام بالعبرانيين في نهاية الأمر داخل بضعة جيوب غير متصلة، إذ استمر وجود الأقوام الأخرى إلى ما بعد التهجير الآشوري والبابلي.
وقد تبع تلك الفترة عصر اتحاد القبائل أو عصر الملوك فظهرت المملكة العبرانية المتحدة في عهد داود وسليمان، وقد كان اتحاداً مؤقتاً انحلَّ فور موت سليمان (٩٢٨ ق. م) وانقسم العبرانيون إلى المملكة الجنوبية (التي ضمَّت قبائل الجنوب البدوية) والمملكة الشمالية (التي ضمَّت قبائل الشمال الزراعية) . وقد ظلت المملكتان في حالة حرب شبه دائمة إلى أن قضى الآشوريون على المملكة الأولى، والبابليون على الثانية، وبذلك ينتهي تاريخ العبرانيين.
стр. 4139
ولم يكن العبرانيون جماعة عرْقية متجانسة منذ البداية، ولذا يقرنهم بعض المؤرخين بالخابيرو. ومن المعروف أنهم، عند هجرتهم من مصر، لم يكونوا عنصراً عبرانياً خالصاً إذ تقول التوراة (خروج ١٢/٣٨ ـ عدد ١١/٤) إنهم كانوا يضمون في صفوفهم لفيفاً كثيراً من غير العبرانيين، وبعد تسللهم إلى كنعان، اختلطوا بالعناصر الحورية والحيثية والكنعانية حتى استوعبتهم الحضارة الكنعانية هناك، فتركوا لهجتهم السامية القديمة واتخذوا الكنعانية لساناً لهم.
ولم يكن العبرانيون القدامى من الشعوب المهمة أو المهيبة في المنطقة، فقد كانت المملكتان العبرانيتان خاضعتين للإمبراطوريات المجاورة. وقد تأثرت رؤية العبرانيين للكون بما حولهم. ففي داخل التشكيل الحضاري السامي، نجد أن الإله هو الذي خلق العالم وهو الذي يحفظ الكون، وقد أخذ العبرانيون عن العموريين فكرة أن الرسول من عند الإله، وعن الكنعانيين اللغة، وعن المصريين الحكمة.
ومن الناحية الحضارية، لم ينجز العبرانيون شيئاً ذا بال إذ لم تكن لديهم أية اهتمامات أو مهارات فنية. وحينما شيَّدوا الهيكل، اضطروا إلى الاستعانة بفنانين من البلاد المجاورة. ولا يوجد أسلوب عبراني متميِّز في المعمار، فالهيكل نفسه بُني بالأسلوب الفرعوني الآشوري على يد فنانين فينيقيين. وربما كان هذا راجعاً إلى أن الطابع البدوي ظل غالباً عليهم. فرغم توحُّد القبائل العبرية في مملكة داود وسليمان، بقي التراث القبلي قوياً متجذراً. كما أن تحقيق الاستقرار في كنعان تَطلَّب وقتاً طويلاً، بالإضافة إلى أن المملكة العبرانية المتحدة لم تُعمَّر كثيراً، ولم تُرسِّخ أية تقاليد حضارية عبرانية مستقلة. ولعل هذا يفسر عدم ذكر العبرانيين في السجلات المصرية القديمة.
стр. 4140
ومن أهم المشاكل التي واجهها العبرانيون في تاريخهم القصير، توجههم السياسي في عهد الإمبراطوريات الكبرى الآشورية والبابلية والمصرية والفارسية واليونانية والرومانية، إذ كان عليهم أن يتحالفوا مع جيرانهم الآراميين أو غيرهم، كما كان عليهم أن يقبلوا حماية إحدى القوى العظمى لضمان البقاء.
ونتيجةً لافتقار العبرانيين إلى الهوية الحضارية المحددة، ولضعفهم السياسي ووجودهم ككيان شبه مستقل في موقع إستراتيجي، كانت كل القوى العظمى تطمح إلى الاستيلاء عليه وإلى تأمين وجود عنصر موالٍ لها فيه، كما أنهم تعرضوا لصدمات كثيرة بدأت بالتهجير الآشوري (٧٢١ ق. م) فالبابلي (٥٨٧ ق. م) ثم فُرضت عليهم الهيمنة الفارسية واليونانية والرومانية. وتأثرت هويتهم الحضارية بذلك، فتركوا العبرية وتحدثوا بالآرامية بعد التهجير البابلي. ثم بدأ انتشار الجماعات اليهودية بعيداً عن كنعان، فتكوَّن تَجمُّع في بابل ثم في الإسكندرية، وهما التجمعان اللذان أصبح لهما استقلالهما وحريتهما ولغتهما وتفكيرهما المستقل، بل تجاوزا في أهميتهما أحياناً التجمع الموجود في كنعان. ولذلك، فحينما حطَّم تيتوس الهيكل (٧٠م) ، لم تكن هذه الواقعة ذات دلالة كبيرة من الناحية السكانية فهي لم تكن متعارضة مع الوضع السكاني الحضاري القائم بالفعل، وهو اختفاء الهوية العبرانية وظهور جماعات يهودية متفرقة في أنحاء العالم تستقي كل منها هويتها من الحضارة التي تنتمي إليها.
ورغم هذا، نجد أن معظم الدراسات لا تُفرّق بين تاريخ العبرانيين والتواريخ اللاحقة للجماعات اليهودية، متأثرةً في ذلك بالرؤية الإنجيلية التي تنظر إلى اليهود باعتبارهم شعباً مقدَّساً، وهي رؤية تخلط التاريخ الدنيوي بالتاريخ المقدَّس.
الخابيرو
Chabiru
стр. 4141
«خابيرو» كلمة أكادية ذات دلالات متعددة، وأحياناً متناقضة، تُطلَق على قبائل رُحَّل من البدو، وقد ورد أول ذكر لكلمة «الخابيرو» في النقوش المصرية في القرنين التاسع عشر والثامن عشر قبل الميلاد لتعني «العابر» و «المتجول» و «البدوي» . كما استخدمت التسمية أيضاً للإشارة إلى القبائل التي كانت تهاجم قديماً بلاد الرافدين وحدود مصر وكانت تُغير على أرض كنعان من آونة إلى أخرى فتشيع فيها الفوضى والاضطراب مثلما حدث عندما استولوا على شكيم، كما ورد في ألواح تل العمارنة والمدونات المصرية (١٣٠٠ ـ ١١٥٠ ق. م) . ومن دلالات الكلمة أيضاً «الجندي المرتزق» ، فهي إذن تُطلَق على أية جماعة من الرحل أو الغرباء المستعدين للانضمام إلى صفوف أي جيش مقابل أجر أو بدافع الحصول على الغنائم. ويُوصف الخابيرو في وثائق نوزي في القرن الخامس عشر قبل الميلاد بأنهم «عبيد أصبحوا كذلك باختيارهم» . لكن الكلمة كانت تُستخدَم أحياناً للإشارة إلى أية عناصر فوضوية في المجتمع، ففي فترات الفوضى في مصر الفرعونية كانت تتواتر الإشارات إلى الخابيرو. ومعنى هذا أن الكلمة ذات مدلول عرْقي (الغرباء) ، وأن لها في الوقت نفسه مدلولاً اجتماعياً طبقياً ووظيفياً.
وإذا كانت الكلمة غامضة في معناها، فالأمر لا يختلف كثيراً بالنسبة إلى الخابيرو أنفسهم، إذ لا يُعرَف الكثير عن أصلهم من الناحية العرْقية. وكل ما يمكن أن يُقال عنهم إنهم ساميون لا يتميَّزون تميزاً واضحاً، ولا يختلفون اختلافاً كبيراً عن غيرهم من الساميين وهم بعد في مرحلة التجوال. وقد ظهروا ضمن القبائل الآرامية التي هاجرت من شبه الجزيرة العربية، وإن كان بعض الباحثين يرون أنهم لم يكونوا ساميين وإنما جماعات مهاجرة عاشت حياتها متجولة لتبيع خدماتها لأية أمة في المنطقة، وأنهم (في معظم مراحل تاريخهم غير المدوَّن) تزاوجوا واختلطوا بعديد من الأجناس.
стр. 4142
ويقرن بعض الباحثين الخابيرو بالعبرانيين اعتماداً على التشابه الصوتي الموجود بين الكلمتين. وهم يبرهنون على صدق ما ذهبوا إليه بالإشارة إلى عدد من العادات والتقاليد التي ورد ذكرها في أسفار موسى الخمسة والتي لا علاقة لها بالحضارة أو العادات السامية.
عبيرو
Apiru
«عبيرو» كلمة ترد في المدونات المصرية القديمة في الفترة من منتصف القرن الخامس عشر حتى منتصف القرن الثاني قبل الميلاد، ومعناها «عبد» . وتشير كلمة «عبيرو» إلى العمال الذين استُخدموا في أعمال السخرة. وفي نصب تذكاري أقامه أمنحوتب الثاني، يشير أمنحوتب إلى أنه أسر ثلاثة آلاف وستمائة من الـ «عبيرو» أثناء غزوة قام بها في كنعان. وقد ورد في السجلات التي تركها رمسيس الثاني أنه استخدم عبيداً من العبيرو في مشاريع البناء التي قام بها. ويقرن بعض المؤرخين هذه الكلمة بكلمة «خابيرو» التي ترد في المدونات الأكادية والتي تُقرَن بدورها بالعبرانيين لأن الأكادية تخلط بين العين والخاء وفي بعض فتراتها لم يكن فيها حرف العين. لكن هذا غير أكيد، كما أن المجال الدلالي لكلمتي «عبيرو» و «خابيرو» أوسع بكثير من كلمة «عبراني» .
جبل سيناء
Mount Sinai
«سيناء» جبل يقع في شبه جزيرة سيناء. ويُسمَّى جبل سيناء في العهد القديم «حوريب» ، وهو اسم يُطلَق أيضاً على شبه الجزيرة كلها. كما يُشار إليه كذلك بأنه «الجبل» أو «جبل الله» أو «جبل الإله في حوريب» . وجاء في سفر الخروج أن اليهود ضربوا خيامهم عند سفحه بعد خروجهم من مصر، بينما صعد موسى إلى قمته وتسلَّم الوصايا العشر. ولا يُعرَف أي الجبال في سيناء هو الجبل المقصود، فيرى البعض أنه جبل موسى، ويرى البعض الآخر أنه جبل سريال القريب منه. ويُعَدُّ جبل سيناء ومعه جبل صهيون الجبلين المقدَّسين اللذين يرتكز عليهما العالم روحياً في الرؤية الدينية اليهودية.
стр. 4143
وجاء في الأجاداه أنه لولا أن أعضاء جماعة يسرائيل وقفوا أمام الجبل لسقطت الدنيا وتهدَّمت. ويُقال إن للجبل ثلاثة أسماء معلَّلة: فهو «جبل الله» لأن الإله كشف عن قدسيته عليه. وهو «جبل سيناء» لأن الإله كره (بالعبرية: سانا) أهل السماوات وفضَّل عليهم أهل الأرض من اليهود وأعطاهم التوراة. وهو «حوريب» لأن التوراة التي تُسمَّى «حريب» أي «سيف» ، قد نزلت هناك. وثمة تفسير ديني آخر هو أن كره الأغيار للشعب اليهودي بدأ هناك في سيناء. وهذه تفسيرات شعبية إذ يبدو أن اسم «سيناء» مشتق من اسم إله القمر «سين» .
شبه جزيرة سيناء
Sinai Peninsula
تقع شبه جزيرة سيناء شمال شرقي مصر، اسمها مشتق من اسم إله القمر «سين» معبود أهل شبه جزيرة العرب. ويقع جبل سيناء في شبه الجزيرة. وتبلغ مساحة شبه الجزيرة أربعة وعشرين ألف ميل مربع. وقد كانت سيناء دائماً حلقة الوصل بين آسيا وأفريقيا. وكان الفراعنة يعتمدون منذ أقدم الأزمنة عليها للحصول على النحاس والفيروز وبعض الأحجار. زارها عدد كبير من فراعنة مصر، وفيها عبد المصريون القدامى الإلهة حتحور وجعلوها ربة المناجم. وقد اكتُشفت فيها أقدم كتابة كنعانية بأحرف شبيهة بالكتابة المصرية، كانت نواة الحروف الهجائية التي طوَّرها وهذَّبها الكنعانيون وأخرجوا منها حروف الكتابة التي أذاعوها على العالم.
وسيناء هي البرّية التي عبرها إبراهيم ويعقوب عندما نزلا إلى مصر، وعبرها العبرانيون عند خروجهم أو هجرتهم من مصر ودخولهم إلى أرض كنعان. وقد حارب شاؤول العماليق في الجزء الشمالي من سيناء. وحينما ترد كلمة «سيناء» في العهد القديم، فهي لا تشير إلى كل شبه الجزيرة وإنما إلى جزء منها وحسب. وترد الإشارة أيضاً إلى «بَرّية سيناء» وهي الجزء المحيط بجبل سيناء.
وكانت سيناء مسرح كثير من المعارك السياسية والحربية. وقد ضمَّها الإسرائيليون عام ١٩٦٧ ثم أجلوا عنها بعد حرب ١٩٧٣ في إطار اتفاقيات كامب ديفيد.
стр. 4144
فلسطين
Palestine
«فلسطين» هو الاسم الذي يُطلَق في الوقت الحاضر على المنطقة الواقعة غربي نهر الأردن والممتدة حتى لبنان وسوريا شمالاً والبحر المتوسط وسيناء غرباً. وحتى نهاية الأسرة التاسعة عشرة وبداية الإمبراطورية الحديثة، كان الاسم المصري القديم لها (هي وسوريا ولبنان) هو «رتنو» أي «البلاد الأجنبية» . وفي فترة الإمبراطورية الجديدة، كانت أرض فلسطين تُسمَّى «حور» نسبة إلى الحوريين. وأول ذكر لكلمة «كيناهي» أو «كنهانا» ، أي «كنعان» ، يظهر في ألواح تل العمارنة في القرن الخامس عشر قبل الميلاد. وهذا الاسم يشير إلى غرب نهر الأردن وضمن ذلك سوريا. ولكن المصريين القدماء كانوا يشيرون أيضاً إلى «بالاستو» أي «فلستيا» التي اشتق اسمها من أحد شعوب البحر وهم الفلستيون. وقد ورد ذكر فلسطين لأول مرة في الوثائق المصرية عام ٧٥ ق. م. ويشير الآشوريون إلى «أرض عمري» كما كانوا يستخدمون عبارة «أرض حيتي» أي «أرض الحيثيين» للإشارة إلى كل الشام وفيها فلسطين وقبرص. وتُستخدَم كذلك عبارة «عبر النهر» للإشارة إلى هذه المنطقة. ويستخدم هيرودوت كلمة «باليستاني» . أما فيلون السكندري، فيقرن كنعان بفلسطين. وقد استخدم الرومان كلمة «بالستينا» للإشارة إلى هذه المنطقة بشكل رسمي ابتداءً من عام ١٣٨ بعد الميلاد، وقد ظلت المنطقة المشار إليها تُعرَف بهذا الاسم حتى الوقت الحالي. ويُشار إلى فلسطين بعبارة «إرتس يسرائيل» و «صهيون» و «أرض الميعاد» في الكتابات الدينية اليهودية وفي اللغة العبرية. أما في الكتابات غير الدينية، فكان يُشار إليها باسم «فلسطين» . ولذا، فقد كان الاسم الرسمي للوكالة اليهودية هو الوكالة اليهودية لفلسطين. وكانت الجيروساليم بوست هي بالستاين بوست، بل إن المؤرخ هاينريش جرايتز أشار إلى القومية اليهودية باعتبارها «القومية الفلسطينية» . وفي كل الكتابات العلمية والمتاحف، يُشار إلى المنطقة المذكورة بأنها فلسطين. ومع هذا،
стр. 4145
يشير الصهاينة إلى فلسطين باعتبارها «الوطن القومي» أو «الوطن اليهودي» ، كما يُشار إليها باعتبارها «اليشوف» أي «المُستوطَن» . وفي عام ١٩٤٨، مع قيام الدولة الصهيونية، تغيَّر اسم المنطقة إلى «إسرائيل» (كما يحدث عادةً مع الدول الاستيطانية) .
ويعود تاريخ فلسطين إلى ما قبل التاريخ، فقد عُثر على صناعات يدوية من العصر الحجري القديم (٤٠٠.٠٠٠ ـ ١٤.٠٠٠) ومن العصر الحجري الوسيط (من ١٤.٠٠٠ إلى ٨.٠٠٠) ومن العصر الحجري الحديث (٨.٠٠٠ ـ ٤.٢٠٠) . ومن أهم المدن التاريخية بفلسطين مدينة أريحا التي يعود تاريخها إلى ٨.٠٠٠ ق. م، مع أن تشكيل المدن والدول يعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد. وقد اكتسبت فلسطين طابعها السامي في الألف الثاني مع دخول العموريين ونشأة الحضارة الكنعانية (٢١٠٠ ق. م) . وقد غزا الهكسوس فلسطين ومصر في القرنين الثامن عشر والسادس عشر قبل الميلاد. ويبدو أن بداية التغلغل العبراني تعود إلى الفترة ما بين القرنين ١٦و١٣ (فترة الآباء) حين أخذ العبرانيون يستوطنون فلسطين والأردن ومصر. وقد قام المصريون في الفترة ١٥٠٠ ـ ١٤٥٠ بطرد الهكسوس، ثم ضموا فلسطين تحت لواء تحتمس الثاني. ولكن قبضة المصريين تراخت في القرن الرابع عشر قبل الميلاد (أيام حكم إخناتون) . ولكن رمسيس الثاني أعاد الهيمنة في القرن الثالث عشر بعد حروبه مع الحيثيين. بدأت في هذه الفترة هجرة العبرانيين من مصر إلى فلسطين، وهي الفترة نفسها التي استقر فيها الفلستيون على الساحل (والآراميون في سوريا) . وقد امتد حكم الدولة العبرانية في الفترة ١٠٢٠ ـ ٩٢٨ ق. م، ثم انقسمت إلى دويلتين. ويُلاحَظ أن هاتين الدويلتين لم تشغلا قط كل الأرض المعروفة باسم «فلسطين» في الوقت الحاضر. وقد أسقط الآشوريون المملكة الشمالية عام٧٢١ ق. م، وأسقط البابليون المملكة الجنوبية ٥٨٧ ق. م، ثم حكم الفرس فلسطين في الفترة ٥٣٨ ـ ٣٣٢ ق. م إلى أن فتحها الإسكندر. وقد ظلت فلسطين تابعة للدولة
стр. 4146
البطلمية (التي كانت تحكم مصر) حتى عام ١٩٨ ق. م حين فرض السلوقيون هيمنتهم عليها وهي الهيمنة التي استمرت حتى عام ١٤٢ ق. م حينما نجح الحشمونيون في تأسيس أسرتهم. وقد انتهى هذا الاستقلال النسبي بظهور القوة الرومانية عام ٦٣ ق. م فحوَّلت فلسطين إلى مقاطعة رومانية. وعند تقسيم الإمبراطورية الرومانية، وقعت فلسطين ضمن الدولة البيزنطية من القرن الخامس حتى القرن السابع باستثناء الفترة ٦١٤ ـ ٦٢٨م حيث وقعت تحت حكم الفرس. وقد تم الفتح العربي لفلسطين عام ٦٣٨م.
أرض كنعان
Land of Canaan
«كنعان» تعني «الأرض المنخفضة» ، وهي من «قنْع» أو «خنع» لاختلافها عن مرتفعات لبنان، والقنْع في اللغة العربية أرض سهلة بين رمال تُنبت الشجر. لكن هذا الاشتقاق أصبح مشكوكاً فيه. وأصل الاشتقاق الأقرب إلى الصحة حوري الأصل وهو «كناجي» بمعنى «الصبغ الأرجواني» الذي أصبح بالفينيقية «كنع» وبالعبرية «كنعان» أي بلاد الأرجوان. وبعد عام ١٢٠٠ ق. م، أصبحت كلمة «فينيقي» ، وهي كلمة يونانية تعني أيضاً «الأحمر الأرجواني» ، مرادفة لكلمة «كنعاني» .
وقد استُخدم اسم كنعان في أول الأمر للدلالة على غربي فلسطين، ثم أصبح اللفظ علماً على ما هو متعارف عليه جغرافياً باسم «فلسطين» وعلى قسم كبير من سوريا.
стр. 4147
وأرض كنعان هي الأرض التي وعد الرب بها نسل إبراهيم، حسبما جاء في سفر التكوين. وكان على اليهود أن يخوضوا معارك ضارية ضد الكنعانيين ليستوطنوها، فقد ورد في أحد أسفار العهد القديم (عدد ٣٣/٥٠ ـ ٥٦) : «وكلَّم الرب موسى ... قائلاً كلّم بني إسرائيل وقل لهم إنكم عابرون الأرض إلى أرض كنعان، فتطردون كل سكان الأرض من أمامكم وتمحون جميع تصاويرهم وتبيدون كل أصنامهم المسبوكة وتخربون جميع مرتفعاتهم. تملكون الأرض وتسكنون فيها لأني قد أعطيتكم الأرض لكي تملكوها، وتقتسمون الأرض بالقرعة حسب عشائركم ... وإن لم تطردوا سكان الأرض من أمامكم يكون الذين تستبقون منهم أشواكاً في أعينكم ومناخس في جوانبكم ويضايقونكم على الأرض التي أنتم ساكنون فيها، فيكون أني أفعل بكم كما هممت أن أفعل بهم» . وقد تسلل العبرانيون إلى أرض كنعان بعد خروجهم أو هجرتهم من مصر.
ويرتبط تاريخ كنعان بالتاريخ المصري إلى حدٍّ كبير، فقد ضمتها مصر إليها خلال حكم الأسرة الثانية عشرة (٢٠٠٠ ـ ١١٧٦ ق. م) فعمها الرخاء. ثم قام الهكسوس باحتلال كنعان ومصر مدة مائة وثمانين عاماً، ثم طردهم المصريون وضموا أرض كنعان مرة أخرى. ومع قيام الأسرة التاسعة عشرة (١٣٢٠ ـ ١٢٠٠ ق. م) ، عادت كنعان إلى الهيمنة المصرية.
وكانت كنعان من نصيب المصريين بعد معركة قادش (١٢٨٨ ق. م) التي دارت مع الحيثيين، وهي المعركة التي لم يُكتَب فيها النصر لأي من الفريقين. وشهدت أوائل القرن الثاني عشر قبل الميلاد غزو شعوب البحر من الفلستيين الذين استوطنوا الشريط الساحلي. كما شهدت في الوقت نفسه التسلل العبراني، وكذلك قيام مملكة داود وسليمان والمملكتين العبرانيتين الشمالية والجنوبية، والغزوات الآشورية والبابلية.
стр. 4148
وقد أخذ الوجود العبراني في كنعان شكل جيوب وحسب إذ أن الوجود الحضاري والإثني للشعوب الأخرى ظل مستمراً. ويتضح هذا من احتفاظ القدس (مدينة اليبوسيين) باستقلالها إلى أن احتلها داود. كما أن الشعوب السامية المختلفة، من مؤابيين وأنباط وعمونيين وتلك التي جرى استيعابها في الحضارة السامية (مثل الفلستيين) ، ظل لها وجود مستمر حتى بعد الهجمات البابلية والآشورية. وقد جاء في سفر نحميا شكوى من أن العناصر العبرانية التي لم تُهجَّر إلى بابل قد استوعبت هي الأخرى ضمن العناصر المحلية: في تلك الأيام رأيت اليهود الذين ساكنوا نساء أشدوديات وعمونيات ومؤابيات، ونصف كلام بنيهم باللسان الأشدودي، ولم يكونوا يحسنون التكلم باللسان اليهودي (نحميا ١٣/٢٣ ـ ٢٤) . وتُطلق الأدبيات الدينية اليهودية على كنعان اسم «إرتس يسرائيل» ، أي «أرض إسرائيل» ، وهي أيضاً في هذه الأدبيات «صهيون» .
يهودا (مقاطعة)
Judah
تُستخدَم كلمة «يهودا» للإشارة إلى ما يلي:
١ ـ أرض يهودا: وهي إشارة إلى نصيب قبيلة يهودا من الأرض، والذي يمتد من البحر الأبيض المتوسط إلى البحر الميت وكان حده الشمالي نهر روبين جنوبي يافا. وعلى هذا، فإن القدس كانت خارج أرض يهودا. ولم تكن أرض يهودا تضم المدن الساحلية، كأشدود وغزة وعسقلان، لأنها بقيت في أيدي الفلستيين. كان عرض أرض يهودا (من الغرب إلى الشرق) نحو خمسين ميلاً، وكان طولها (من الجنوب إلى الشمال) نحو خمسة وأربعين ميلاً، وكانت مساحتها أكثر من ألفي ميل مربع.
стр. 4149
٢ـ المملكة الجنوبية (يهودا) : وتضم أرض يهودا وأكثر أرض بنيامين إلى الشمال الشرقي، ودان إلى الشمال الغربي، وشمعون إلى الجنوب. وكانت مساحتها نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة ميل مربع. وقد أُطلقت الكلمتان «يهود» الفارسية ثم «يوديا» الرومانية على المقاطعة المحيطة بالقدس. ولكن جرى العرف على استخدام كلمة «يهودا» للإشارة إلى «يهودا» العبرانية و «يهود» الفارسية و «يوديا» الرومانية. ويُلاحَظ أن الحشمونيين سمَّوا دولتهم باسم «يهودا» .
وقد اختفى الاسم بصيغتيه العبرية والرومانية منذ عام ١٣٥م، حينما أُطلق على فلسطين بأقسامها كافة (يهودا والسامرة والجليل وغيرها) اسم «بالستينا» . ويُطلق الصهاينة مصطلح (يهودا والسامرة) على الضفة الغربية لإنكار كل التطورات التاريخية التي حدثت منذ ذلك الحين، ولتسويغ عملية الضم.
وفي هذه الموسوعة، نستخدم كلمة «يهودا» ، ولكننا نقرنها أحياناً باسم الإمبراطورية الحاكمة فنقول «يهودا السلوقية» أو «يهودا البطلمية» أو «يهودا الرومانية» ، إلا إذا كان السياق يجعل نسبتها واضحة. وبهذا، فإننا نشير إلى رقعة جغرافية تختلف حدودها وكذا وضعها الإداري باختلاف الإمبراطورية الحاكمة، كما أننا نُفرق بهذا بين يهودا وفلسطين، فيهودا ليست سوى جزء من فلسطين.
يهود (مقاطعة)
Yehud (or Yahud)
حين ضم الفرس فلسطين ضمن ما ضموا من ممتلكات الإمبراطوريتين الآشورية والبابلية، أُطلق على كل أرض فلسطين اسم «عبر النهر» ، أي الأرض التي تقع عبر نهر الفرات. وكان المرزبان (الحاكم الفارسي) يحكمها من دمشق. وكانت مقاطعة يهودا (التي كان يطلق عليها الفرس «يهود» ) مساحة صغيرة تحيط القدس، طولها خمسة وثلاثون ميلاً وعرضها يتراوح بين خمسة وعشرين وخمسة وثلاثين ميلاً، فكان معظمها أرضاً صحراوية.
стр. 4150
ونستخدم في هذه الموسوعة كلمة «يهودا» ونقرنها باسم الإمبراطورية الحاكمة فنقول «يهودا الفارسية» أو «يهودا الرومانية» . وبهذا، فإننا نشير إلى رقعة جغرافية تختلف حدودها وكذا وضعها الإداري باختلاف الإمبراطورية الحاكمة. كما أننا نفرق في الوقت نفسه بين يهودا وفلسطين، فيهودا ليست سوى جزء من فلسطين.
جوديّا
Judea
«جوديّا» هو الاسم الذي كان يُطلَق على القسم الجنوبي من فلسطين إبّان حكم الإمبراطورية الرومانية. تمتد حدود يوديا الشمالية من يافا على ساحل البحر المتوسط إلى نقطة الأردن التي تَبعُد عشرة أميال إلى الشمال من البحر الميت. وتمتد حدودها الجنوبية من وادي غزة على بُعد سبعة أميال إلى الجنوب الغربي من غزة إلى بئر سبع ثم إلى القسم الجنوبي من البحر الميت. وكان طولها من الشمال إلى الجنوب نحو خمسة وخمسين ميلاً، كما كان طولها من الشرق إلى الغرب نحو خمسة وخمسين ميلاً تقريباً. وتشتمل جوديا على كلٍّ من القدس وبيت لحم. وهي تُعتبَر أحد أقسام فلسطين الثلاثة: الجليل في الشمال، والسامرة في الوسط، ويوديا في الجنوب. وقد استُخدم مصطلح «يهود» الفارسية لأول مرة في سفر عزرا (٥/٨) للإشارة إلى تلك الرقعة الصغيرة التي تحيط بالقدس والتي كانت ولاية تابعة لها ثم للبطالمة والسلوقيين. وقد ضمَّها الرومان في عام ٦٣ ق. م، فكان يحكمها حاكم (بروكيوراتو) يعيِّنه الإمبراطور الروماني.
стр. 4151
وتجب ملاحظة أن المصطلح كان يُستخدَم أحياناً، بالمعنى السياسي لا الجغرافي، ليشير إلى رقعة أكثر اتساعاً. فكان يُشار أحياناً إلى كل فلسطين (ما عدا المدن الهيلينية) باعتبار أنها «جوديا» ، كما كان يُشار إلى كل الأرض التي حكمها هيرود على أنها «جوديا» ، وهي رقعة واسعة تضم معظم فلسطين. وقد شغل أرخيلاوس، ابن هيرود،منصب رئيس القوم (إثنآرخ) في جوديا التي كانت تشير إلى يهودا والسامرة فقط. وترد الكلمة في العهد الجديد بمعنى سياسي واسع، فقد جرى العرف على استخدام كلمة «يهودا» للإشارة إلى كل من يهودا (القبيلة العبرانية) ، وإلى المنطقة التي كانت من نصيبهم، وإلى المملكة الجنوبية، وللإشارة أيضاً إلى يوديا الرومانية.
وفي عام ١٣٥م، أُطلق مصطلح «بالستينا» على كل فلسطين ومنها جوديا الرومانية. ولمواجهة فوضى المصطلحات، نستخدم كلمة «يهودا» ونقرنها باسم الإمبراطورية الحاكمة، فنقول «يهودا السلوقية» أو يهودا البطلمية أو «يهودا الرومانية» ، إلا إذا كانت النسبة واضحة من السياق ذاته. وبهذا، فإننا نشير إلى رقعة جغرافية تختلف حدودها وكذا وضعها الإداري باختلاف الإمبراطورية الحاكمة، كما أننا نفرق بهذا بين يهودا وفلسطين، فيهودا ليست سوى جزء من فلسطين.
شيلوه
Shiloh
«شيلوه» اسم عبري معناه «موضع الراحة» . و «شيلوه» اسم مدينة من أصل كنعاني تقع على بعد عشرة أميال شمالي بيت إيل على الطريق بين نابلس والقدس، على بعد سبعة عشر ميلاً منها. وقد تكون شيلوه هي خربة سيلون (من العربية: سَلْوى) .
كانت هذه المدينة موطن النبي صموئيل. وقد وضع يشوع بن نون فيها تابوت العهد حيث بقي ثلاثمائة عام. كما كانت هذه المدينة المركز الديني والإداري أثناء فترة الاستيطان الأول. وقد قسَّم فيها يشوع أرض كنعان ووزعها على القبائل العبرانية. وكان العبرانيون يَحجُّون إليها ويقضون فيها العيد إبّان حكم القضاة.
стр. 4152
ومنذ أن اختطف الفلستيون تابوت العهد، لم يرجع هذا التابوت إلى شيلوه. ففقدت المدينة مكانتها، وانتقل مركز العبادة إلى القدس.
بيت إيل
Bethel
«بيت إيل» تعبير عبري معناه «بيت الرب» . وهي مدينة كنعانية قديمة كانت تُعرف باسم «لوز» على بعد ستة عشر كيلو متراً من القدس ونابلس، واسمها الحديث «بيتين» . ولم تكن بيت إيل مدينة حصينة، لكنها كانت محاطة بعدة عيون ماء، وواقعة على الطريق من أريحا إلى البحر الأبيض المتوسط. وقد كانت بيت إيل مكاناً مقدَّساً لدى الكنعانيين قبل التسلل العبراني، ثم استولت عليها قبيلة يوسف وصارت من نصيب قبيلة إفرايم. ويربط الموروث الديني اليهودي بين إيل وكلٍّ من إبراهيم ويعقوب، إذ بنى فيها الأول مذبحاً حيث تَجدَّد العهد الإلهي. وفيها رأى يعقوب حلماً وتغيَّر اسمه إلى يسرائيل، وأصدرت دبوراه أحكامها بالقرب منها. وقد وُضعت فيها خيمة الاجتماع، كما وُضع فيها تابوت العهد قبل أن يُنقل ويستقر في القدس. وكانت بيت إيل مركزاً لاتحاد القبائل، ولكنها فقدت أهميتها بعد بناء الهيكل. وشيَّد فيها يربعام ملك المملكة الشمالية هيكلاً قومياً لمملكته، كما شيد هيكلاً آخر في دان وزوَّده بعجول ذهبية، حتى لا يحج سكان مملكته إلى هيكل القدس. ويبدو أنها كانت عاصمة المملكة الشمالية لبعض الوقت. وقد ألقى فيها عاموس نبوءاته، وهاجمها يوشيا ملك المملكة الجنوبية وذبح كهنتها وخرب أصنامها وهياكلها. وهدمها الآشوريون ثم دمَّرها بعد ذلك البابليون ومن بعدهم الفرس. وقد أُعيد بناؤها في العصر الهيليني، ولكنها هُجرت مع الفتح العربي.
شكيم
Shechem
стр. 4153
«شكيم» ، وتُكتَب أيضاً «شيكيم» ، ويكتبها السامريون «شخيم» ، وهي كلمة عبرية معناها «كتف» أو «منكب» ، وتُطلَق هذه الكلمة عَلَماً على مدينة كنعانية قديمة تقع بين جبل جريزيم وجبل عيبال في الضفة الغربية. وتعود أقدم حوائطها إلى عام ٢٠٠٠ ق. م، وهي فترة تسبق التسلل العبراني. وكانت المدينة تحت حكم الأسرة الثانية عشرة المصرية، وضرب الآباء العبرانيون خيامهم على أطرافها (تكوين ١٢/٦) . وقد حدث أول اتصال بين إبراهيم والكنعانيين فيها، وفيها أيضاً ظهر الإله لإبراهيم وبنى له مذبحاً. ووجد يعقوب أن الحويين يقيمون فيها. وأثناء التسلل العبراني، نهبتها قبيلتا سيمون ولاوي، ووقعت فيها حادثة دينا وشكيم بن حامور الملك. وأصبحت شكيم أول مركز ديني للعبرانيين. وعند انقسام المملكة العبرانية المتحدة، أصبحت شكيم عاصمة المملكة الشمالية لبعض الوقت وفقدت أهميتها بتصَاعُد أهمية مدينة السامرة. ولكنها، مع هذا، ظلت مركز العبادة للسامريين. وفي عام ٧٢م، أسس فسبسيان مدينة نيابوليس التي كان معظم سكانها سامريين، وهي التي اشتُق من اسمها اسم نابلس الحالية. وقد عُثر في المدينة على طبقات سكنية تعود إلى العصور البرونزية الوسيطة والبرونزية الحديثة وإلى العصرين الحديدي واليوناني. كما عُثر فيها على معبد كنعاني ضخم يُعتبَر من أكبر المعابد الكنعانية على الإطلاق.
جلعاد
Gilead
стр. 4154
«جلعاد» تعبير عبري من «جال» التي تعني «حجر» و «عد» التي تعني «شاهد» ، أي أن «جلعاد» تعني «شاهد حجر» . وقد أتى في العهد القديم «هذه الرجمة هي شاهدة بيني وبينك اليوم. لذلك دُعي اسمها جلعاد» (تكوين ٣١/٤٧) . وتُستخدَم الكلمة للإشارة إلى كل المنطقة الواقعة شرقي نهر الأردن وجنوبي نهر اليرموك وكان يسكنها بعض القبائل العبرانية ومن أهمها قبيلة جاد. وقد كتب لورنس أوليفانت كتاباً بعنوان أرض جلعاد يحتوي على مشروع صهيوني استيطاني. وتركز الكتابات الإسرائيلية الصهيونية في الوقت الحاضر على أهمية أرض جلعاد باعتبارها جزءاً من أرض إسرائيل الكبرى.
السامرة
Samaria
стр. 4155
«السامرة» هي عاصمة المملكة الشمالية ويُطلَق عليها باللغة العبرية «شومرون» نسبة إلى «شمر» الذي كان يمتلك التل الذي بُنيت عليه المدينة. تقع السامرة على بعد ثلاثين ميلاً إلى الشمال من القدس، وستة أميال إلى الشمال الغربي من شكيم (نابلس) ، وهي المدينة التي يقع فيها جبل جريزيم الذي يحج إليه السامريون في عيد الفصح. وتُطلَق كلمة «السامرة» أحياناً على المملكة ككل. أُسِّست المدينة عام ٨٨٠ ـ ٨٧٩ ق. م. حينما جعلها عمري عاصمة المملكة الشمالية، وقد أتاح هذا الموقع الحصين للمدينة والمطلّ على طريقين رئيسيين أحدهما من الجنوب والثاني من الشرق لعمري ومملكته السيطرة على طرق التجارة التي كانت تعبر فلسطين إلى الممر الساحلي. وقد شيَّد عمري في المدينة قصراً عُرف باسم «بيت العاج» ، ويبدو أنه كان من الضخامة والثراء بحيث ظلت الحوليات الآشورية تشير إلى السامرة باسم «بيت عمري» مدة قرن من الزمن. وظلت المدينة قائمة إلى أن استولى عليها سرجون الثاني في (٧٢٢ ـ ٧٢١ ق. م) بعد حصار دام ثلاثة أعوام، وقد تحوَّلت إلى عاصمة إدارية للمنطقة. وبعد خضوع السامرة لفتوحات الإسكندر، استوطنتها جالية مقدونية وأصبحت السامرة مدينة يونانية في مظاهرها كافة. وقد هاجمها يوحنا هيركانوس الحشموني سنة ١٠٩ ق. م وخربها وباع أهلها عبيداً. وبعد مجيء القائد الروماني بومبي، أُعيدت المدينة لأصحابها السابقين، وأعاد هيرود الأكبر بناءها في الفترة ٣٧ ـ ٤ ق. م، وهو الذي سماها «سباست» (سبسطية) تكريماً للإمبراطور أوغسطس (سباسطوس باليونانية) .
стр. 4156
وقد اهتم هيرود بإقامة حصن وقلعة بالمدينة ووطَّن فيها عناصر مخلصة له، ولذلك جاء إلى المدينة بستة آلاف من جنوده المُسرَّحين كان بينهم ألمان وغاليون (من الغال أي فرنسا) وغيرهما من الأجناس. وقد كانت سبسطية مصدراً لجنود الإمبراطورية الرومانية. لذلك، حينما قامت الثورة اليهودية ضد الرومان عام ٦٦م، قتل اليهود الكثيرين من سكان سبسطية ودمروا أجزاء منها، لكنها استرجعت نشاطها بعد عام ٧٠م.
وتُطلَق كلمة «السامرة» أيضاً على الجزء الأوسط من فلسطين (بين الجليل ويهودا) والذي سُمِّي باسم السامرة التي تقع فيه، وتَكثُر في السامرة التلال ويغلب عليها المظهر الجبلي، كما تتميَّز بوفرة أمطارها. ويَحدُّها جبل الكرمل والبحر غرباً ووادي يزرعيل شمالاً وجبل جلبوع ونهر الأردن شرقاً ووادي عجلون جنوباً. وقد استقرَّت في هذه المنطقة قبيلة يوسف (منَسَّى في الجزء الشمالي منها وإفرايم في الجنوب) . وتضم السامرة وبيت إيل وترصه ومجدو وبيسان وجبل جريزيم. وبعد التهجير الآشوري، وطَّن فيها سرجون الثاني قبائل أخرى اختلطت بالعناصر اليهودية المتبقية، فظهر السامريون نتيجة تزاوج هذه العناصر (حسب الرواية التوراتية) . وقد كانت المنطقة تابعة لآشور وبابل وفارس ومقدونيا والمملكة الحشمونية على التوالى. ويشير الأنبياء إلى المنطقة باسم «إفرايم» . أما اسم «السامرة» ، فيعود، على ما يبدو، إلى الآشوريين الذين كانوا يُطلقون اسم العاصمة على المنطقة التي يضمونها. والآن يُطلق الصهاينة مصطلح «يهودا والسامرة» على الضفة الغربية لتسويغ الضم.
الجليل
Galilee
стр. 4157
«الجليل» من «الجلجال» وهو لفظ سامي يُرجَّح أن يكون كنعاني الأصل ومعناه «الحجر المسندي الشكل» ، ومعنى الكلمة بالعبرية «دائرة» أو «مقاطعة» . والجليل هو اسم المنطقة الشمالية من فلسطين، وتقع بين نهر الليطاني ووادي يزرعيل، عرضها تسعة عشر ميلاً وطولها خمسة وعشرون ميلاً. وهي مقاطعة جبلية منتجة للحبوب وتَكثُر فيها الجبال، مثل الكرمل وجلبوع، التي يَبلُغ ارتفاع بعضها أربعة آلاف قدم.
وتُعدُّ الجليل من أوليات المناطق التي سكنها الإنسان، ومن أقدم مدنها مدينة مجدو التي شهدت معارك طاحنة بين الكنعانيين والمصريين (١٤٨٠ ق. م) . وقد سكنها الحويون والجرجاشيون وغيرهم من الأقوام. وقد استقرت قبائل نفتالي وآشر ويساكر وزوبولون في الجليل. كما انتقلت إليها قبيلة دان. ولم يستطع العبرانيون طرد سكان الجليل، ولذا ظل سكانها خليطاً. وقد أعطى سليمان لحيرام (ملك صور) عشرين من مدنها نظير أدوات بناء ابتاعها منه. وبعد التهجير إلى بابل والعودة منها، أصبحت أغلبية سكانها من غير اليهود. وقد غزاها شيشنق أثناء حكم رحبعام، وضمها الآشوريون ثم حكمها الفرس والسلوقيون. وفي عام ٦٣ ق. م. احتلها الرومان وأصبحت الجليل تابعة لهم. وفي عهد الرومان كانت فلسطين تُقسَّم إلى ثلاث مناطق: الجليل والسامرة ويهودا (يوديا باللاتينية) . وكانت الجليل ذاتها تُقسَّم إلى الجليل الأعلى والجليل الأسفل.
стр. 4158
وحينما قام التمرد الحشموني، كان عدد اليهود من القلة بحيث اضطر سيمون الحشموني إلى تهجير الأقلية اليهودية منها خشية أن تهاجمهم الأغلبية. وقد هاجر بعض اليهود إليها أثناء حكم الأسرة الحشمونية بعد أن ضم أرسطوبولوس الأول منطقة يهودا. وفي تلك المرحلة التاريخية، كان يهود الجليل غير ملتزمين بالشعائر الدينية كتلك الخاصة بالختان والعشور. ولذا، كان يُشار إليهم باسم «عَمْ هآرتس» أي «عوام الأرض» ، وهي عبارة تفيد أنهم أجلاف غير مؤمنين. وكان نطقهم للعبرية مختلفاً عن نطق اليهود الموجودين في يهودا. وتقول المصادر إنهم لم يكن بوسعهم التمييز بين حرفي الألف والعين. وقد انضم بعض يهود الجليل إلى التمرد الأول ضد روما (٦٦ ـ ٧٣م) وكان قائد القوات اليهودية في الجليل هو يوسيفوس الذي استسلم للرومان. ولم يتخذ الرومان إجراءات انتقامية ضد سكانها من اليهود لأن أعداداً منهم، وخصوصاً في صفورية وطبرية، كانت متعاطفة مع الرومان. أما التمرد الثاني (١٣٢ ـ ١٣٥م) ضد روما، فلم يؤيده سكان الجليل من اليهود.
وأصبحت الجليل مركزاً للدراسات الدينية إذ تضم طبرية التي صارت مقراً للسنهدرين. ومن مدن الجليل أيضاً الكرمل وصفد. ويقع فيها بحر طبرية المعروف باسم «بحر الجليل» . وقد نشأ المسيح في الجليل، ولذا فقد كان يعرف بـ «الجليلي» . ثم دخلت الجليل بعد ذلك نطاق الحضارة الإسلامية، ونزلت قبائل عربية كثيرة فيها. وتأسست في العهد العثماني بعض الإمارات الإسلامية. ومن أهم مدن الجليل صفد وطبرية وبيسان وعكا. ولا تزال الكثافة السكانية العربية عالية في منطقة الجليل، رغم المحاولات الصهيونية الرامية لتغيير طابعها السكاني.
غزة
Gaza
«غزة» كلمة سامية فيما يبدو، وتعني «قُوَى» أو «كنوز» أو «مخازن» . وقد عرفها العبرانيون باسم «عزة» ، والفرس باسم «هازاتو» ، وسماها العرب «غزة هاشم» نسبة إلى هاشم بن عبد مناف جد الرسول الذي مات ودُفن فيها.
стр. 4159
وتشير الكلمة في الثقافة العربية إلى كلٍّ من قطاع غزة ومدينة غزة. وتَبعُد المدينة ثلاثة أميال عن ساحل البحر المتوسط إلى الشرق، وعشرة أميال إلى الجنوب من عسقلان. ويمر بها الطريق الساحلي الرئيسي الممتد من لبنان إلى مصر ماراً من شمال فلسطين إلى جنوبها. وغزة آخر مدينة كبيرة قبل الوصول إلى سيناء، وآخر محطة لمن يريد دخول مصر، وأول محطة لمن يريد دخول فلسطين من ناحية الجنوب. ونظراً لموقعها الجغرافي، كان الاستيلاء على غزة يعني السيطرة على طرق الحرب والتجارة بين آسيا وأفريقيا في العالم القديم.
كانت غزة من نصيب قبيلة يهودا عند تقسيم أرض كنعان بين القبائل العبرانية، ولكن الفلستيين طردوهم منها واسترجعوها. وقد كانت غزة أيضاً مركز نشاط شمشون، كما كانت مركزاً لعبادة داجون الفلستية. وبقيت هياكل هذا الإله فيها حتى سنة ٤٠٠م حيث حُطِّمت المعابد الوثنية فيها بمرسوم إمبراطوري حينما تحولت روما إلى المسيحية.
وكانت غزة على حدود المملكة العبرانية المتحدة حين احتلها الآشوريون عام ٧٢٠ ق. م. وعلى هذا، فقد اشتركت في التمرد ضد الحكم الآشوري ثم ضد نخاو (فرعون مصر) عام ٦٠٨ ق. م. وكانت غزة المدينة الوحيدة في فلسطين التي لم تستسلم للإسكندر، فنكَّل بها وهدم أسوارها. وقد قاومت غزة المكابيين حينما قاموا بثورتهم وأبت الخضوع لهم، لكنها استسلمت لهم عام ١٤٥ ق. م ثم تمرَّدت عام ٩٥ ق. م، فحاصرها ألكسندر يانايوس لمدة عام. وبعد أن دخلها، أحرقها وقتل أعداداً كبيرة من أهلها.
وقد قاومت غزة الغزو الروماني لمدة طويلة. وبعد أن أخضعها الرومان، تحوَّلت إلى مستعمرة عسكرية. ولما نكَّل هادريان باليهود الذين ثاروا ضد الإمبراطورية الرومانية، بعث بأسراهم إلىها حيث قُتلوا في المصارعة التي أُقيمت في حفلة الألعاب الهدريانية.
стр. 4160
وظلت غزة تحت حكم الرومان إلى أن فتحها العرب عام ٦٣٤م. واستولى الفرنجة عليها عام ١١٠٠، فظلت بحوزتهم حتى تحررت بعد معركة حطين عام ١١٨٧. ثم احتلها الإنجليز عام ١٩١٧.
وبعد عام ١٩٤٨، دخلت غزة تحت الحكم الإداري المصري، ومنها قام الفدائيون الفلسطينيون بشن هجماتهم على إسرائيل. وفي عام ١٩٦٧، ضمَّتها إسرائيل، ولكنها قاومت الاحتلال بضراوة. وقد اعترف ديان وزير الدفاع الإسرائيلي حينذاك بأن غزة «يحكمها الفدائيون في الليل» . وقد اندلعت منها الانتفاضة الفلسطينية في ديسمبر ١٩٨٧، واستمرت في التصاعد. وبمقتضى اتفاقية أوسلو أصبحت غزة خاضعة للسلطة الفلسطينية.
طبرية
Tiberias
«طبرية» مدينة في الجليل. وهي إحدى المدن الأربع التي يقدِّسها اليهود في فلسطين والتي يجب ألا تنقطع فيها الصلاة. أما الثلاث الأخرى فهي: القدس والخليل وصفد. تقع طبرية شمال شرقي فلسطين عند البحيرة المسماة باسمها (بحيرة طبرية) على بُعد أربعة أميال من طرفها الجنوبي. شيَّدها هيرود أنتيباس (ابن هيرود) عام ٢٢م وسماها على اسم الإمبراطور طيباريوس لتحل محل صفورية كعاصمة للجليل. وكانت طبرية تقع على طريق تجاري يربط سوريا بمصر، واشتهرت بالتجارة وصيد الأسماك. وتوجد على مقربة منها عيون ساخنة جعلت منها منتجعاً صحياً مشهوراً. وفي النهاية، استقر فيها أثرياء اليهود. ولذا، كانت المدينة تضم مكاتب الحكومة والصيارفة. كما أن بعض أعضاء الطبقات الفقيرة من اليهود استوطنوها ليحصلوا على الأرض والسكنى.
стр. 4161
وطبرية أول مدينة يهودية تنال استقلالها وتصبح مدينة (بوليس) لها الحق في أن تعلن الحرب وتُوقِّع المعاهدات وتفرض الضرائب، وكان يحكمها حاكم مُنتخَب تساعده لجنة من عشرة أفراد ومجلس مدينة من ستمائة شخص. وقد استسلمت طبرية للرومان أثناء التمرد اليهودي الأول ضد الرومان، ولذا لم يتم تخريبها. وقد أصبحت مركزاً لليهودية بعد تدمير القدس، فشُيِّدت فيها حلقة تلمودية دُوِّنت فيها المشناه وأجزاء من الجماراه. ومعنى هذا أن التلمود الأورشليمي وُضع في طبرية.
دخلت طبرية دائرة الحضارة الإسلامية وأرسل الخليفة عثمان ابن عفان إليها عام ٣٠ هجرية مصحفاً كي يقرأ المسلمون فيه القرآن الكريم. وسقطت في يد الفرنجة بعض الوقت ثم استعادها صلاح الدين عام ١١٨٧ ولكنها سقطت مرة أخرى في يد الصليبيين عام ١٢٤٠، ثم تم تحريرها بشكل نهائي عام ١٢٤٧.
استولى العثمانيون على طبرية عام ١٥١٧، وسمح سليمان القانوني لليهود بالإقامة فيها (١٥٦٢) . واستولى نابليون علىها عام ١٧٩٩ ولمدة قصيرة. وازدهرت المدينة أيام الحكم المصري لفلسطين إلا أن الدمار لحق بها بسبب الزلزال الشديد الذي وقع عام ١٨٣٧.
وطبرية من مدن فلسطين الأولى التي استقر فيها المستوطنون الصهاينة بسبب وجود مركز ديني فيها، كما كانت أول مدينة فلسطينية سلمتها قوات الاحتلال الإنجليزية للصهاينة.
الخليل
Hebron
كلمة «الخليل» هي المقابل العربي للكلمة العبرية «حبرون» ، ومعناها «صاحب» أو «عصبة» أو «رباط» أو «اتحاد» .، والخليل مدينة في فلسطين، وكان الكنعانيون يسمونها «قرية أربع» (باليونانية «تيترابوليس» أي «مدينة رباعية» ) . وتقع مدينة الخليل على بعد تسعة عشر ميلاً من القدس وثلاثة عشر ميلاً ونصف الميل من بيت لحم، على ارتفاع ثلاثة آلاف وأربعين قدماً من سطح البحر، وحولها عيون ماء كثيرة. والخليل إحدى المدن الأربع المقدَّسة لدى اليهود التي يجب ألا تنقطع فيها الصلاة، إلى جانب القدس وصفد وطبرية.
стр. 4162
ويعود تاريخ الخليل إلى أبعد من عام ٣٥٠٠ ق. م. فقد سَكَن إبراهيم (الذي تُنسَب إليه المدينة) إلى جوارها لبعض الوقت واشترى مغارة المكفيلة (حسبما جاء في العهد القديم) حيث دُفن فيها فيما بعد. ثم سكنها بعده (حسب الرواية التوراتية) إسحق ويعقوب ويوسف.
وقد استولى العبرانيون على المدينة أثناء تسللهم إلى كنعان، وأبادوا سكانها من العناقيين. وقد لجأ إليها داود هرباً من شاؤول (ويُقال إن يوشع بن نون هو الذي غيَّر اسمها من «قرية أربع» إلى «حبرون» ) . وتقع الخليل في منطقة يهودا التي كانت تَخُصُّ قبيلة يهودا، ولكن المدينة نفسها كانت إحدى مدن الملجأ. وقد احتلها الأدوميون بعد التهجير البابلي، وضمها الحشمونيون إلى مملكتهم، ثم أصبحت جزءاً من فلسطين الرومانية.
ثم دخلت الخليل مجال الحضارة العربية الإسلامية. والخليل تضم الحرم الإبراهيمي الشريف ومزار سيدنا إبراهيم ﵇. ازدهرت المدينة في العصر المملوكي والعثماني (استولى عليها الفرنجة وجعلوها مركز إبراشية وبنوا كنيسة في موقع الحرم عام ١١٦٨) ، وانتشر العمران خارج أسوارها منذ نهاية القرن التاسع عشر.
وفي العصر الحديث بعد دخول القوات البريطانية فلسطين ووصول المستوطنين الصهاينة كانت الخليل ملجأً للمجاهدين لانتشار المغارات القديمة في جبالها ولأن أية قوة مطاردة يصعب علىها أن تعثر على المجاهدين. وكانت معاركها قبل إعلان الدولة الصهيونية هي الأعنف في الاشتباكات مع العدو حتى أن المستوطنين الصهاينة سبق أن فروا من المدينة كلها عام ١٩٢٩ تاركين بيوتهم ومحالهم يوم ثورة البراق.
стр. 4163
وقد شهدت الخليل ثورة ديموجرافية حقيقية بعد احتلال فلسطين عام ١٩٤٨ لوفود عدد كبير من اللاجئين إليها. فزاد عدد سكانها ٥٤% خلال ٢٧ عاماً. وقد اختارت إسرائيل بعد ضم الضفة الغربية عام ١٩٦٧ موقعاً متميِّزاً على تلة لتقيم مستوطنة صهيونية تُسمَّى «قريات أربع» وقامت بمحاولات لتهويد الحرم الإبراهيمي.
وقد شهدت المدينة واحدة من أكبر المذابح الصهيونية حينما قام المستوطن الصهيوني باروخ جولدشتاين بإطلاق النار على المصلين وهم ساجدون داخل الحرم الإبراهيمي فاستُشهد منهم أكثر من ثلاثين. وقد تبيَّن أن الإرهابي الصهيوني (الذي قُتل أثناء الحادث) من مستوطنة قريات أربع، وأنه ضابط طبيب في الجيش الإسرائيلي وأنه استخدم رشاشه الرسمي في الجريمة. وقد أقام له المستوطنون مقبرة خاصة أصبحت مزاراً لهم.
صفد
Safed
«صفد» من الكلمة الكنعانية «صفت» بمعنى «العطاء» ، وهي مدينة في الجليل تقع فوق جبل على ارتفاع ألفين وسبعمائة وثمانين قدماً من سطح البحر. وهي إحدى المدن الأربع المقدَّسة عند اليهود (إلى جانب القدس والخليل وطبرية) . ومع هذا، لم يأت ذكرها في الكتاب المقدَّس إذ يبدو أنها كانت قرية صغيرة ضئيلة الشأن. وقد ظلت كذلك حقباً طويلة من الزمن، فلم يأت لها ذكر في الفتوحات العربية الأولى. وقد دارت المعارك بين الفرنجة والمسلمين حول صفد إلى أن حررها الظاهر بيبرس عام ١٢٦٧ ثم أصبحت عام ١٥١٧ جزءاً من الدولة العثمانية.
ولا نعرف الكثير عن تاريخ وجود أعضاء الجماعات اليهودية فيها، وحينما زارها بنيامين التطيلي في القرن الثاني عشر، لم يجد فيها يهوداً. لكن بعض اليهود المهاجرين من إسبانيا استوطنوها في القرن الخامس عشر. وكان اليهود المقيمون فيها يتاجرون في التوابل والجبن والزيت والخضراوات والفواكه.
стр. 4164
وفي القرن السادس عشر، أصبحت صفد مركزاً دينياً، إذ عاش فيها يوسف كارو مؤلف الشولحان عاروخ وإسحق لوريا وتلميذه حاييم فيتال، وهم من أهم القبَّاليين، وبذلك أصبحت صفد مركزاً للدراسات القبَّالية. ومع هذا، لم يكن عدد اليهود فيها يزيد على سبعمائة وست عشرة أسرة عام ١٥٤٨. وفي نهاية القرن السابع عشر، كان عدد اليهود من دافعي الضرائب لا يزيد على عشرين. وقد استوطنها، مع نهاية القرن الثامن عشر، بعض الحسيديين. وقد احتلتها القوات البريطانية ضمن ما احتلت من فلسطين عام ١٩١٨، واستوطنها الصهاينة. وفي عام ١٩٤٨ تم طرد سكانها العرب وحل محلهم مستوطنون صهاينة.
أريحا
Jericho
«أريحا» من «يرخو» وهي كلمة كنعانية تعني «مدينة القمر» (وقد يدل هذا على أن عبادة القمر السامية كانت منتشرة فيها) ويُقال إن معناها أيضاً «الروائح العطرية» (ويشار إليها في العصر الحديث أحياناً بكلمة «الريحا» ) .
وأريحا مدينة كنعانية قديمة يرجع تاريخها إلى حوالي سبعة آلاف عام، واكتُشف فيها أقدم فخار وأقدم نحت في العالم، وتُعَدُّ أقدم مدن فلسطين. بل ويُقال إنها أقدم مدينة في العالم قائمة حتى اليوم (وحيث إنها هُجرت بعض الوقت، فإن دمشق ودمنهور هما المدينتان اللتان تستحقان هذا الشرف، إذ أن الحياة البشرية مستمرة فيهما دون انقطاع منذ ظهرتا إلى الوجود) .
стр. 4165
وتقع أريحا على مسافة سبعة وثلاثين كيلو متراً شرقي الشمال الشرقي لمدينة القدس، في الطرف الغربي لغور الأردن الغربي (يُقال له غور أريحا) على بُعد حوالي ثمانية كيلو مترات غربي نهر الأردن الذي تصب مياهه بعدها بقليل في البحر الميت. وترتبط أريحا مع غور الأردن ومع الضفتين الشرقية والغربية بشبكة طرق، وهي منفتحة جنوباً على البحر الميت وصحراء النقب. وكانت أريحا المعبر الغربي لنهر الأردن والبحر الميت، يمر منها الحجاج المسيحيون القادمون من القدس. ومن جهة أخرى، كانت أريحا بوابة شرقية لفلسطين عبرها كثير من الجماعات البشرية المهاجرة إلى فلسطين على مدى العصور. ومساحة المدينة إدارياً تبلغ خمسة وعشرين كيلو متراً مربعاً تقريباً، وهي بذلك تساوي منطقة الخليل التي تقع جنوبها. وأريحا منخفضة تحت سطح البحر بنحو مائتين وستة وسبعين متراً (ولذا فجوها حار) .
стр. 4166
وأريحا القديمة تقع في تل السلطان بالقرب من عين السلطان (على مقربة من أريحا الحديثة) وقد اتخذها الهكسوس قاعدة لهم بين عامي ١٧٥٠ - ١٦٠٠ ق. م. وهي أول مدينة هاجمها العبرانيون أثناء تسللهم في أرض كنعان (فلسطين) وغزوهم إياها. وقد أرسل يشوع بن نون جاسوسين إلى المدينة (حسب الرواية التوراتية) ، فدخلا بيت امرأة اسمها «راحاب» (يُشار إليها دائماً بالزانية) . و «راحاب» من الكلمة العبرية «رحب» أو «مُتَّسع» ، إذ يبدو أنها استقبلت الجاسوسين على الرحب والسعة (سفر يشوع ٢/١ - ٢٤) . وحينما علم ملك أريحا بأمرهما، حاول القبض عليهما ولكن راحاب خبأتهما، وضللت الرسل، وقالت: "لست أعلم أين ذهب الرجلان، اسعوا سريعاً وراءهما حتى تدركوهما". وبعد أن رحل حرَّاس الملك، قالت راحاب للرجلين: "علمت أن الرب قد أعطاكم الأرض وأن رُعبكم قد وقع علينا وأن جميع سكان الأرض ذابوا من أجلكم، لأننا قد سمعنا كيف جفَّف الرب مياه بحر القلزم قدامكم عند خروجكم من مصر". ثم ذكرت لهما بعض الأحداث الأخرى التي بثت الرعب في نفوس أهل أريحا "ولم تبق بعد روحٌ في إنسان بسببكم"، وطلبت منهما الأمان لنفسها ولأهلها عند سقوط المدينة في يد العبرانيين، وعاد الجاسوسان وقالا ليشوع: "إن الرب قد دفع بيدنا الأرض كلها وقد ذاب كل سكان الأرض بسببنا".
ووفقاً لأمر الرب، حسب الرواية التوراتية، سار المحاربون من إسرائيل في صحبة سبعة من الكهنة، حاملين أبواقاً وتابوت العهد، وقد طاف هؤلاء حول المدينة مرة في اليوم لمدة ستة أيام. وفي اليوم السابع طافوا حولها سبع مرات وضربوا بالأبواق وهتفوا هتافاً عالياً فسقطت أسوار المدينة، فقام العبرانيون بذبح "كل من في المدينة من رجل وامرأة، من طفل وشيخ، حتى البقر والغنم والحمير... وقال يشوع للرجلين اللذين تجسسا الأرض: دخلا بيت المرأة الزانية وأخرجا من هناك المرأة وكل ما لها كما حلفتما لها" (يشوع ٦/٢٤) .
стр. 4167
ويذكر العهد القديم أن راحاب عاشت في وسط إسرائيل (يشوع ٦/٢٥) بل تذكر التقاليد الدينية أنها تزوَّجت يشوع وأن عدداً من أنبياء اليهود جاءوا من نسلها من بينهم إرميا. ثم حلف يشوع في ذلك الوقت قائلاً ملعون قدام الرب الرجل الذي يقوم ويبني هذه المدينة أريحا (يشوع ٦/٢٧) .
وفي عصر القضاة أخرج عجلون ملك المؤابيين اليهود من أريحا واتخذها عاصمة له وأقام لنفسه قصراً فيها (قضاه ٣/١٣) . وقد أقام فيها رسل داود الذين حلق ملك عمون لحاهم إلى أن نمت مرة أخرى (صموئيل الثاني ١٠/٥) . وفي زمن الملك العبراني أحاب، بناها حيئيل البيتئيلي ولكنه فَقَد ابنيه (وفقاً لنبوءة يشوع) . وقد قبض البابليون على الملك العبراني صدقيا بالقرب من أريحا ثم حطموا المدينة عام ٥٨٧ ق. م.
وفي العصر الهيليني، تحوَّلت أريحا إلى مقبرة، ثم قام الحشمونيون (المكابيون) بتعميرها. وقد جدَّد هيرود المدينة ووسَّعها وأسَّس فيها القصور والميادين والقنوات والحصون، فامتدت فوق ما يُعرَف اليوم بتلال أبي العليق. وقد خُرِّبت، ولكن أُعيد بناؤها في القرن الرابع الميلادي في عهد قسطنطين الأكبر (٣٠٦ - ٣٢٧م) وانتشرت فيها المسيحية وأقيمت في ضواحيها الأديرة والكنائس وأصبحت مركز الأسقفية.
وفي العصر الإسلامي، استقرت فيها قبائل بني النضير اليهودية بعد طردها من الجزيرة العربية وازدهرت المدينة وأصبحت أهم مدينة زراعية في غور الأردن وأحيطت بمزارع النخيل والموز وقصب السكر والريحان والحنة والبلسم وسكنها قوم من قيس وجماعة من قريش.
وقد استولى الفرنجة على أريحا وأسس فرسان الهيكل قلعة بالقرب منها، ولكن صلاح الدين حررها عام ١١٨٧ ثم تحولت أريحا بعد ذلك إلى قرية صغيرة متواضعة لا أهمية لها.
стр. 4168
وكانت أريحا مركزاً حياً في أواخر العهد العثماني ثم أصبحت مركز قضاء في عهد الانتداب البريطاني حتى عام ١٩٤٤ حين أُلحقت بقضاء القدس. وبعد عام ١٩٤٨، عادت أريحا مركز قضاء يحمل اسمها داخل الضفة الغربية. وقد تَدفَّق عليها آلاف اللاجئين وأُقيمت بجوارها مخيمات عين السلطان وعقبة جبر. وبلغ عدد سكانها في أواخر السبعينيات ما يزيد على ١٥ ألف نسمة.
وأريحا مشهورة في الوقت الحاضر بأراضيها الزراعية التي تعتمد أساساً على الينابيع والآبار. ويُوجَد بجوار أريحا مشروع موسى العلمي للزراعة وتربية المواشي الذي استوعَب كثيراً من اللاجئين. وتوجد عدة صناعات في أريحا من بينها صناعة السكر من القصب وتصنيع التمر من البلح وصناعة النسيج. وتتميَّز أريحا بما فيها من آثار ترجع إلى العصور القديمة والرومانية والمسيحية والإسلامية وهي تُعَدُّ مشتى ممتازاً.
ولموقع أريحا بُعْد عسكري، فهي بوابة طبيعية تشرف على الطرق المؤدية إلى الأغوار والمرتفعات الجبلية، ولذا حرصت إسرائيل على احتلالها في حرب ١٩٦٧ قبل غيرها من مدن الضفة الغربية لنهر الأردن، وذلك بالالتفاف حول الضفة الغربية لاحتلال محور طوباس - أريحا وعزل الضفة الغربية عن الضفة الشرقية.
وينطلق مشروع آلون من مفهوم أن حدود إسرائيل الدائمة لابد أن يَسهُل الدفاع عنها وأن تعتمد على عوائق طبوغرافية دائمة مثل قناة السويس أو نهر الأردن. ولذلك اقترح آلون ضم شريط من الأراضي بعمق ١٠ - ١٥ كيلو متراً على طول وادي الأردن حتى البحر الميت ثم زيد بعد ذلك إلى ٢٠ كيلو متراً، وقد بلغ عدد المستعمرات في هذا الشريط عام ١٩٧١ عشر مستعمرات، ثم أخذت تزداد إلى أن بلغت عام ١٩٨٢ أربعين مستعمرة. وبمقتضى اتفاقية أوسلو أصبحت أريحا في يد السلطة الفلسطينية.
القدس: أسماؤها
Jerusalem: Names
стр. 4169
«القدس» تقابلها في العبرية كلمة «يروشالايم» ، وقد وردت الكلمة بهذه الصيغة في العهد القديم أكثر من ستمائة وثمانين مرة. وهي كلمة مشتقة (منذ القرن التاسع عشر قبل الميلاد) من الكلمة الكنعانية اليبوسية «يورشاليم» (من مقطع «يارا» بمعنى «يؤسس» أو من «أور» بمعنى «موضع» أو «مدينة» ؛ ومقطع «شولمانو» أو «شالم» أو «شلم» وهو الإله السامي للسلام) . وفي الكتابات المصرية المعروفة بـ «نصوص اللعنة» التي يرجع تاريخها إلى القرنين التاسع عشر والثامن عشر قبل الميلاد، وردت الكلمة بشكل «روشاليموم» . وقد ورد في مراسلات تل العمارنة (القرن الرابع عشر قبل الميلاد) ست رسائل من عبدي خيبا، ملك «أوروسالم» . ويتكرر الاسم بشكل «أوروسليمو» في الكتابات الآشورية التي تعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد. أما في كتابات القرن الرابع اليونانية، فقد سُمِّيت «هيروسوليما» ، ومن الواضح أن الاسم اللاتيني «جروسالم» جاء من الاسم الكنعاني للمدينة. وذكر ياقوت المدينة باسم «أورشلين» و «أوريسلم» و «أورسلم» . ويُشار إليها أيضاً بأنها «يبوس» نسبة إلى سكانها من اليبوسيين، وهم من بطون العرب الأوائل الذين نزحوا من الجزيرة العربية نحو عام ٢٥٠٠ ق. م واحتلوا التلال المشرفة على المدينة القديمة. وقد ورد اسم «يبوس» في الكتابات المصرية الهيروغليفية باسم «يابثي» و «بابتي» وهو تحريف للاسم الكنعاني.
وقد بنى اليبوسيون قلعة حصينة على الرابية الجنوبية الشرقية من يبوس سُمِّيت «حصن يبوس» ، ثم أُطلق عليها فيما بعد اسم «حصن صهيون» . ويُعرَف الجبل الذي أُقيم عليه الحصن باسم «الأكمة» أو «هضبة أوفل» ، وأحياناً باسم «جبل صهيون» . وقد أنشأ السلوقيون، في موضع حصن يبوس، قلعة منيعة عُرفت باسم «قلعة عكرا» أو «إكرا» . وتُسمَّى القدس أحياناً «صهيون» .
стр. 4170
وتُطلق التوراة على المدينة، إلى جانب لفظ «يروشالايم» ، لفظ «شاليم» و «مدينة الإله» و «مدينة العدل» و «مدينة السلام» و «مدينة الحق» ، وكذلك «المدينة المقدَّسة» و «مدينة الشعب المقدَّس» و «آرئييل» (أي «أسد الإله» ) . ويذكر المؤرخ اليوناني هيرودوت، في القرن الخامس قبل الميلاد، مدينة كبيرة في سوريا (بلاد الشام) سماها «قديتس» . (والاسم على الأرجح تحريف للنطق الآرامي «قديشتا» أي «القدس» ) . وعندما استولى داود على المدينة حوالي سنة ١٠٠٠ ق. م، لم يجد اسماً خاصاً يُطلَق عليها فسماها «مدينة داود» ولكنها عادت بعد ذلك إلى اسمها القديم.
وفي العهد الروماني، دمَّر الإمبراطور إيليوس هادريانوس المدينة (عام ١٣٥) وغيَّر اسمها إلى «إيليا كابيتولينا» ؛ و «إيليا» هو اسم الإمبراطور، و «كابيتولينا» نسبة إلى «الكابيتول» معبد جوبتر كبير آلهة الرومان. وأعاد إليها الإمبراطور قسطنطين، الذي اعتنق المسيحية في القرن الرابع الميلادي، اسمها القديم «أورشليم» . ويبدو أن اسم «إيليا» ظل مُتداوَلاً بدليل وروده في العهد العُمَري أو عهد الأمان الذي منحه الخليفة عمر بن الخطاب إلى سكان المدينة عام ٦٣٨. وفي العصور التالية، سُمِّيت المدينة «بيت المقدس» و «القدس الشريف» ، وقد سماها أحد علماء المسلمين في القرن الخامس الهجري بالاسمين: «بيت المقدس» و «إيليا» .
القدس: مكانتها في الوجدان الديني اليهودي
Jerusalem: Status in the Jewish Religious Imagination
следующие страницы →