← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

لكن أنشط القوى الاستعمارية كانت هي القوة البروتستانتية (البروسية والإنجليزية) . وحيث لم يكن يوجد عرب بروتستانت، كان لابد من البحث عن أقلية «لحمايتها» ، فقام نشاط تبشيري بروتستانتي قوي بين المسيحيين العرب (الأرثوذكس والكاثوليك) ، وهذه حقيقة ذات مغزى عميق: مجال النشاط التبشيري الغربي الأساسي ليس المسلمين وإنما المسيحيون العرب، كما أن أعضاء الجماعات اليهودية أصبحوا مرشحين لأن يلعبوا دور الأقلية القابلة للحماية والرعاية. وقد نشأ تنَافُس عميق بين الدول الاستعمارية لحماية الأقلية التي تتبعها. ومن ثم زاد عدد اليهود الذين تمتعوا بالحماية الأجنبية في فلسطين مع منتصف الخمسينيات إلى خمسة آلاف، أي أن نصف يهود فلسطين أصبحوا من يهود الحماية (مقابل يهود الراية العثمانيين) . وقد عملت القنصليات الأجنبية على الحيلولة دون قيام السلطات العثمانية بتطبيق القوانين التي كانت تهدف للحد من تَدفُّق اليهود على فلسطين. كما قامت هذه القنصليات بمساعدتهم في عملية التحايل على القانون حتى يمكنهم شراء الأراضي الزراعية.

стр. 4447

وقد ظهر الصراع بين أشكال الاستعمار المختلفة في عدة حوادث من أهمها حادثة دمشق، وذلك حين وقف القنصل الفرنسي بشكل واضح إلى جانب الكاثوليك السوريين الذين وجهوا تهمة الدم لبعض يهود دمشق، وكان موقف الحكومة الفرنسية من الأمر كله يتسم بالفتور الشديد وعدم الاكتراث بأعضاء الجماعة اليهودية، على عكس موقف الحكومة الإنجليزية التي تحركت وبشكل حاسم لنصرتهم؛ أي نصرة أعضاء الأقلية التي تقوم بحمايتها. وشهد منتصف القرن التاسع عشر حركة لحماية الأقليات فأنشئت عام ١٨٤٢ مطرانية القدس البروسية الإنجليزية (أُلغيت الاتفاقية عام ١٨٨٦ بعد أن قوي المشروع الاستعماري الألماني) وأُسِّست في العام نفسه قنصلية ألمانية كانت تحاول هي الأخرى حماية اليهود. وأُسِّست عام ١٨٥٠ جمعية إغاثة اليهود البائسين، وفي عام ١٨٥٢ تم تأسيس جمعية تشجيع العمل الزراعي اليهودي على الأرض المقدَّسة. وشهد عام ١٨٦٥ تأسيس صندوق استكشاف فلسطين. وقد استمرت حماية الأقليات حتى بداية الحرب العالمية الأولى. ففي عام ١٩١٤ تدخلت وزارة الخارجية الألمانية لحماية اليهود الروس في فلسطين من الطرد، وقد تُوِّجَت حماية اليهود بصدور وعد بلفور ثم قرار الانتداب وإنشاء الدولة واتفاقية التعاون الإستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة. فارس بعد انتشار الإسلام Persia after the Spread of Islam

стр. 4448

بعد الفتح الإسلامي للمنطقة ودخول الفرس إلى الإسلام، تم دمج أعضاء الجماعة اليهودية في فارس في الإطار الإسلامي الأكبر، وأصبح أعضاء الجماعة تابعين لرئيس اليهود في بغداد الذي كان يُسمَّى «رأس الجالوت (أمير يهود المنفى) » ، وكانوا يعتمدون على الفتاوى التي تصدرها الحلقة التلمودية في العراق. وقد ازدهرت حياة اليهود الثقافية وتأثروا بالمحيط الإسلامي وظهر المذهب القرّائي تعبيراً عن هذا التفاعل. وتمتع يهود فارس بحرية الحركة والانتقال التي تمتع بها أهل الذمة آنذاك نتيجة توحيد المنطقة تحت راية الإسلام ولاستتباب الأمن والأمان. ولم يكن وضع اليهود الاقتصادي مختلفاً عن وضع بقية أهل الذمة، فكان منهم النساجون والصباغون وصائغو الذهب والفضة، وكان منهم التجار وتجار الخمور. وظهرت طبقة من التجار اليهود الأثرياء في أصفهان وشيراز والأهواز. وتزايدت أهمية بعض أثرياء اليهود (الصيارفة) ابتداءً من القرن العاشر الميلادي، فكان منهم الجهابذة أي صيارفة البلاط الذين كانوا يُقرضون الوزراء والخلفاء العباسيين والسلاجقة من بعدهم. وظهر في القرن الثاني عشر الميلادي داود الرائي الماشيَّح الدجال. وحينما غزا المغول الدولة الإسلامية، تعاون معهم أعضاء الجماعة اليهودية، وبرز نجم سعد الدولة الذي أصبح وزير مالية الإمبراطور المغولي وظل يشغل هذا المنصب حتى اغتياله عام ١٢٩١. وقد عُيِّن بعده رشيد الدولة الذي أُعدم عام ١٣١٨. ثم ظهرت الأسرة الصفوية التي فصلت اليهود عن المحيط الحضاري السني، فدخلوا المحيط الحضاري الشيعي. فارس (إيران) منذ حكم الأسرة الصفوية حتى الوقت الحاضر Persia (Iran) from the Safavid Dynasty to the Present

стр. 4449

حكمت الأسرة الصفوية، وهي أسرة فارسية إسلامية، بلاد فارس في الفترة ١٥٠٢ ـ ١٧٣٦، وجعلت المذهب الشيعي دين الدولة، كما جعلت طبقة رجال الدين الشيعة (الملالي) عمودها الفقري. واتسم حكمها باضطهاد الأقليات، فطُبِّق على اليهود المفهوم الشيعي الخاص بنجاسة أهل الذمة. وانقطعت العلاقة تماماً بين أعضاء الجماعة اليهودية ورأس الجالوت (المنفى) في بغداد، وأصبحت لهم قيادتهم المحلية. وتحت حكم أسرة القاجار (١٧٩٥ ـ ١٩٢٥) ، زادت عملية قمع اليهود، كما كان الحال في مشهد عام ١٨٣٩. وقد فُرض الإسلام قسراً على بعض أعضاء الجماعة اليهودية، فتحولوا إلى يهود متخفين، أي أبطنوا اليهودية وأظهروا الإسلام، وأُطلق عليهم مصطلح «جديد الإسلام» . وأصبح من حق اليهودي الذي يعتنق الإسلام أن يرث ممتلكات كل أعضاء أسرته الذين ظلوا على دينهم. وتَدنَّى وضع اليهود الاقتصادي وازداد إقبالهم على صناعة الخمور، الأمر الذي أدَّى إلى زيادة التوترات بينهم وبين الأغلبية المسلمة. وهذا على عكس وضع اليهود في الدولة العثمانية حيث كان آخذاً في التحسن، الأمر الذي نتج عنه تَزايُد اندماجهم في المجتمع، حتى أن يهود أوربا كانوا يفرون من بلادهم طلباً للسلام والأمن والعدالة في الدولة العثمانية. وفي هذه الفترة، اشتهر اليهود في فارس بأنهم يعملون بأمور التسلية والترفيه في بلاط النبلاء، فكان منهم الراقصون ولاعبو السيرك والمغنون.

стр. 4450

وحتى هذا التاريخ، كان أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون جزءاً من التشكيل الحضاري الشرقي في فارس. ولكن، مع منتصف القرن التاسع عشر الميلادي وظهور الإمبريالية الغربية وما صاحب ذلك من تَزايُد نفوذ الدول الغربية في بلاد العالم الإسلامي، بدأت هذه الدول تتدخل في شئون الأقليات الدينية بحجة حمايتها والدفاع عن هويتها، وذلك لاستخدامها كرأس حربة في مشروعها الاستعماري. وكان يهود العالم الإسلامي من أوائل العناصر التي تَوجَّه إليها الغرب، فأخذت حكومات الغرب تتدخل لصالح يهود إيران كما راحت القيادات اليهودية في الغرب التي تدور في إطار المصالح الغربية، تقابل المسئولين الإيرانيين الذين يزورون العواصم الأوربية وتطلب إليهم تحسين أحوال اليهود. ولعل من أكثر الأمثلة إثارة ما حدث عام ١٨٧٣ أثناء زيارة الشاه نصر الدين لأوربا، إذ قابله وفد يهودي في برلين في ٤ مايو، وآخر في أمستردام في ١٠ يونيه، وثالث في بروكسل في ١٧ يونيه، ورابع في لندن (مندوبو الرابطة الإنجليزية اليهودية) في ٢٤ يونيه، وخامس في باريس (الأليانس) في ١٢ يوليه، وسادس في فيينا في ١٦ أغسطس، وسابع في القسطنطينية في ٢٠ أغسطس. وحينما كان الشاه في لندن، اجتمع على انفراد (في قصر بكنجهام) مع السياسي الإنجليزي المتنصر دزرائيلي، وهو من أصل يهودي، وكذلك مع سير موسى مونتفيوري زعيم يهود إنجلترا آنذاك. كما اجتمع الشاه في باريس مع أدولف كريمييه الوزير الفرنسي اليهودي، ومع البارون إدموند دي روتشيلد أشهر يهود عصره وأكثرهم ثراءً.

стр. 4451

وثمة واقعة مهمة حدثت أثناء مقابلة الشاه لروتشيلد يتعين التعليق عليها، إذ اقترح الشاه على المليونير اليهودي أن يشتري قطعة أرض يجمع فيها كل اليهود المشتتين ويؤسس مملكة يهودية يصبح روتشيلد ملكاً لها. فضحك المليونير اليهودي ولم يُجب. والواقع أن اقتراح الشاه اقتراح صهيوني يسبق ظهور الحركة الصهيونية، وربما كان تعبيراً عن مُخطَّط إستراتيجي كامن تَكشَّف فيما بعد. وبدأ التدخل الأمريكي لصالح يهود إيران عام ١٨٩٧ حين قام القنصل العام الأمريكي في طهران بمحاولة الظهور بمظهر حاميهم والمدافع عن حقوقهم. ومع أوائل القرن الحالي، تظهر في الوثائق الدبلوماسية الأمريكية أول إشارة لأعضاء الجماعة اليهودية في إيران. وفي عام ١٩١٨، قامت وزارة الخارجية الأمريكية بتحويل بعض المعونات الأمريكية اليهودية إلى يهود فارس، ثم استمر يوسف شاؤول كونفلد، وهو حاخام يهودي وممثل للولايات المتحدة في طهران، في التدخل لصالح يهود إيران (عام ١٩٢٤) . وواكب هذا حركة من جانب جماعة الأليانس تمثلت في فتح مدارس يهودية حيث فُتحت مدرسة عام ١٨٩٨ في طهران وأخرى في أصفهان عام ١٩٠١ وثالثة في شيراز عام ١٩٠٣.وبعد الحرب العالمية الثانية، قامت الولايات المتحدة بالمساهمة في تمويل التعليم اليهودي في إيران. وتغيَّر وضع اليهود تحت حكم أسرة بهلوي (١٩٢٥ ـ ١٩٧٩) ، ومع ظهور الاتجاهات نحو إدخال القيم الغربية والعلمانية، قامت النخبة الحاكمة الإيرانية بتأكيد أهمية القيم الإيرانية المحلية السائدة في فارس قبل دخول الإسلام لتأكيد العنصر القومي. ومن هنا تغيير اسم الدولة إلى «إيران» ، تماماً كما فعل الكماليون في تركيا حينما بعثوا القومية الطورانية المرتبطة بالتاريخ التركي قبل الإسلام. وقد واكب ذلك كله تَزايُد نفوذ أعضاء الجماعة اليهودية في إيران كما يتضح في انتخاب أول يهودي للبرلمان.

стр. 4452

ومع هذا، أدَّى تَزايُد معدلات العلمنة وتعميق النفوذ الغربي إلى ظهور خطرين أساسيين: أولهما التبشير وثانيهما البهائية، فيُلاحَظ أن البعثات التبشيرية المسيحية التي نشطت آنذاك في العالم الإسلامي زادت من نشاطها بين اليهود فقامت ببناء المدارس لأبناء أعضاء الجماعة ووفرت لهم الكثير من النشاطات الاجتماعية حتى تيسر تنصيرهم إلى حدٍّ ما وتَحقَّق شيء من النجاح في هذا المجال. ولكن التحدي الأكبر كان البهائية التي رحب أعضاء الجماعة اليهودية بظهورها باعتبارها سبيل الخلاص لهم. وقد كرس أحد أتباع بهاء الله، ميرزا أبو الفضل، كل جهوده للتبشير بالبهائية بين اليهود، وقام بتفسير بعض آيات العهد القديم، وخصوصاً سفر أشعياء (الإصحاح التاسع) ودانيال (الإصحاح السابع) ، للبرهنة على صدق العقيدة البهائية. وتُرجمت بعض المقطوعات المختارة من النصوص البهائية إلى العبرية، الأمر الذي ساهم في ذيوع الأفكار البهائية بين اليهود. وقد نجحت البهائية في اجتذاب أعداد كبيرة من اليهود إلى صفوفها. وربما يكون التركيب الاجتماعي للبهائيين، الذي كان مقارباً إلى حدٍّ ما للتركيب الاجتماعي لليهود، قد ساهم في هذه العملية. ويُلاحَظ أن معرفة يهود إيران باليهودية كانت ضعيفة إلى حدٍّ ما بسبب انفصالهم عن المراكز الرئيسية لليهودية في العالم، وبسبب عدم وجود حاخامات مدربين التدريب الديني اللازم. فقد كانوا لا يعرفون تمائم الصلاة (تيفلين) ، كما كانوا يتبعون عادات دينية لا تعرفها اليهودية الحاخامية مثل الحج إلى قبر إستير وموردخاي (في حمدان) وقبر دانيال (في سوسة) وغيرهم من شخصيات العهد القديم التي يزعم يهود فارس أنهم مدفونون فيها.

стр. 4453

ويُلاحَظ كذلك أن يهود فارس يتحدثون بعدة رطانات هي عبارة عن اللغة أو اللهجة السائدة في المنطقة التي عاشوا فيها، في مرحلة تاريخية سابقة، مضافاً إليها بضع كلمات عبرية. وهذه الرطانات تفيد علماء اللغة إذ تحتفظ بصيغ لغوية مندثرة. وإلى جانب الجماعة اليهودية الفارسية، وُجدت جماعة يهودية كردية في المنطقة التي يعيش فيها الأكراد داخل حدود إيران. ولكن لم تقم مؤسسات لتشرف على شئون الجماعة بسبب الخلافات الدائمة بين أعضائها. وقد بلغ عدد يهود إيران عام ١٩٤٨ نحو ٩٥ ألفاً. ومع هجرة يهود البلاد العربية إلى إسرائيل، أصبحت الجماعة اليهودية في إيران أكبر جماعة يهودية في الشرق، وبلغ عدد أعضائها ثمانين ألفاً عام ١٩٦٨ من مجموع السكان البالغ عددهم آنذاك خمسة وعشرين مليوناً. وبعد نشوب الثورة الإيرانية في عام ١٩٧٩، تناقص عددهم إلى ثلاثين ألفاً في حين زاد عدد سكان إيران إلى ما فوق الأربعين مليوناً، وبلغ عددهم ستة عشر ألفاً عام ١٩٩٢. ويتركز يهود إيران في المدن، وخصوصاً في طهران. ففي عام ١٩٤٨، كان ٦٠% منهم يعيشون في طهران وأصفهان وشيراز، ثم زادت النسبة إلى ٧٢% عام ١٩٦٨. وقد هاجرت أعداد كبيرة من يهود إيران إلى إسرائيل حاملين معهم ممتلكاتهم من السجاد الإيراني الذي تعتبره إيران ضمن ثروتها القومية. ولكن يُلاحَظ أن أعداداً كبيرة منهم تنزح من إسرائيل وتستقر في الولايات المتحدة، وخصوصاً في كاليفورنيا. الباب الرابع: العالم العربي منذ القرن التاسع عشر الجماعات اليهودية في العالم العربي منذ منتصف القرن التاسع عشر: تعداد The Jewish Communities in the Arab World since the Mid-Nineteenth Century: Numbers يُلاحَظ أنه، مع بداية العصور الوسطى في الغرب، كان يهود العالم الإسلامي يشكلون أكثر من نصف تعداد يهود العالم. إلا أن عددهم أخذ في التناقص حتى أصبحوا يشكلون أقلية لا تتجاوز ١٠%. وهذا يرجع إلى الأسباب التالية:

стр. 4454

١ ـ تحوَّل كثير من اليهود عن اليهودية الحاخامية إلى اليهودية القرّائية، وهي شكل من أشكال اليهودية التوحيدية تأثر بالإسلام. ويبدو أن أعداداً كبيرة من القرّائين اعتنقوا الإسلام، وهو ما أثر في وجود اليهود العددي. ولا تُوجَد دراسات إحصائية عن هذا الأمر، ولكن من الصعب تفسير اختفاء اليهود القرّائين وتَناقُص عددهم دون اعتبار اعتناق الإسلام كسبب أساسي. ٢ ـ تَراجُع العالم الإسلامي ككل، وهو ما أدَّى إلى نزوح كثير من اليهود عنه. ٣ ـ يُعَدُّ الريف مصدراً دائماً للزيادة السكانية. ولما كان يهود البلاد الإسلامية من سكان المدن، فلم تكن هناك مصادر لزيادة أعدادهم، ولهذا أخذت أعدادهم في التناقص. وفيما يلي عدد يهود العالم العربي قبل أن تحدث التغييرات العددية الكبرى بعد عام ١٩٥٠: البلد / عدد السكان اليهود عام ١٩٥٠ مصر / ٧٥.٠٠٠ العراق / ١٢٠.٠٠٠ (١١٠آلاف حسب باتاي) لبنان / ٦.٧٠٠ (٦ آلاف حسب باتاي) سوريا / ٦.٠٠٠ (١٣ ألفًاحسب باتاي) البحرين / ٤٠٠ حضرموت / ٢.٠٠٠ اليمن / ٨.٠٠٠ (غير مؤكد، ٥٠ ألفاً حسب باتاي) عدن / ١.٢٠٠ ليبيا / ١٤.٠٠٠ (٣٨ ألفاً حسب باتاي) تونس / ١٠٠.٠٠٠ الجزائر / ١٢٠.٠٠٠ (١٣٠ ألفاً حسب باتاي) المغرب / ٢٢٥.٠٠٠ (العدد الكلي حسب باتاي) مراكش الإسبانية / ١٤.٧٠٠ (عام ١٩٤٠) طنجة / ٧.٠٠٠ ويُلاحَظ أن نسبة السكان اليهود إلى التعداد العام في كل بلد كانت ضئيلة جداً. أما في عامي ١٩٥٨ و١٩٦٩، فقد كانت الأعداد كالتالي: البلد / عام ١٩٥٨ / عام ١٩٦٩ مصر / ٤٠.٠٠٠ / ١.٠٠٠ العراق / ٦.٠٠٠ / ٢.٥٠٠ لبنان / ٦.٠٠٠ / ٣.٠٠٠ سوريا / ٥.٠٠٠ / ٤٠٠٠ اليمن / ٣.٥٠٠ / ــ ليبيا / ٣.٧٥٠ / ١٠٠ تونس / ٨٥.٠٠٠ / ١٠.٠٠٠ الجزائر / ١٤٠.٠٠٠ / ١.٥٠٠ المغرب / ٢٠٠.٠٠٠ / ٥٠.٠٠٠

стр. 4455

وبناءً على هذا الإحصاء، كان عدد الجماعات اليهودية في العالم العربي عام ١٩٥٠ يتراوح بين ٦٥٠ ألف و٨٠٠ ألف. وهنا ينبغي أن نتوقف قليلاً عند المُصطلَح الذي نستخدمه: هل ينطبق مُصطلَح «يهود البلاد العربية» على اليهود العرب وغير العرب المقيمين في البلاد العربية حتى لو حملوا جنسيات أجنبية، أم يجب أن نقصر استخدام المُصطلَح على اليهود حاملي الجنسيات العربية المختلفة، والذين ينتمون إلى التشكيل الحضاري العربي الإسلامي، أي إلى اليهود المستعربة؟ الواقع أننا حين نتحدث عن مسيحيي البلاد العربية نتحدث عن عرب يؤمنون بالمسيحية، ولا يرد لنا على بال أن نضع ضمن هذه المجموعة أعضاء الإرساليات المسيحية الغربية لمجرد أنهم يقيمون في البلاد العربية. ومن المستحسن أن نميِّز بين «يهود البلاد العربية» من جهة و «اليهود العرب» أو «العرب اليهود» من جهة أخرى. والعدد ٨٠٠ ألف يشير إلى يهود البلاد العربية، أما العرب اليهود فعددهم أقل من ذلك بكثير، إذ يجب أن نستبعد من هذا الرقم الأغلبية الساحقة من يهود الجزائر ومصر الذين كانوا يحملون جنسيات أجنبية، وإذا طرحنا عددهم يكون الباقي هو ٦٠٠ ألف تقريباً. أما بالنسبة إلى الباقين، فيمكننا أن نستبعد من هذا العدد نسبة ٢٥ ـ ٣٠% من عدد أعضاء الجماعات اليهودية باعتبارهم أجانب، فنسبة اليهود الأجانب إلى اليهود المستعربة كانت كبيرة جداً في طنجة والمغرب الإسبانية وتونس، بل كانت تقترب من نسبتهم في الجزائر ومصر، ولكنها كانت أقل في المغرب. وهذه البلاد تضم ٣٤٦.٥٠٠، أي أكثر من ٥٠% من العدد الباقي. وتقل نسبة اليهود الأجانب بقدر أكبر في العراق، حيث كان يوجد ١٢٠ ألفاً، وتكاد تنعدم في اليمن وعدن وهي بلاد تضم بضعة آلاف وحسب.

стр. 4456

ويُلاحَظ تَركُّز أعضاء الجماعات اليهودية في المدن بسبب اشتغالهم بالمهن وتركزهم في قطاعات اقتصادية بعينها. فيهود العراق الذين بلغ عددهم ١١٨.٠٠٠عام ١٩٤٧ تَركَّز منهم في بغداد ٧٧.٥٤٢. كما كانت تُوجَد نسبة مرتفعة منهم في البصرة والموصل، أي أن معظم يهود العراق كانوا من سكان المدن، مع العلم بأن هذا يستبعد يهود كردستان البالغ عددهم ١٨ ألفاً. والوضع نفسه ينطبق على مصر، ففي إحصاء ١٩٣٧ بلغ عدد يهود مصر ٦٣.٥٥٠ كانت تعيش أغلبيتهم (٥٩ ألفاً) في القاهرة والإسكندرية، منهم ٣٤.١٠٣ في الأولى و٢٤.٢٩٠ في الثانية. وبقيتهم موزعة على مدن صغيرة مثل المنصورة وطنطا ودمنهور. وفي عام ١٩٤٧، كان ٩٦% من يهود مصر في القاهرة والإسكندرية. أما في المغرب، فيعيش ٨٠% من اليهود في مراكز حضرية مثل الدار البيضاء والباقون موزعون على مدن أخرى مثل مراكش وفاس. وقد أخذت الجماعات اليهودية في العالم العربي في الاختفاء بعد عام ١٩٥٠ حتى لم يبق سوى بضع مئات في بلد مثل مصر والعراق وعدة آلاف في المغرب، وذلك للأسباب التالية: ١ ـ ظهور الاقتصاد الوطني الذي ضيَّق الخناق على العناصر الأجنبية، وكانت نسبة كبيرة من أعضاء الجماعات اليهودية لا تحمل جنسية عربية، وخصوصاً أن الاقتصاد الوطني الجديد تلعب الدولة فيه دوراً كبيراً. ٢ ـ ظهور طبقة تجارية ومالية وطنية بدأت تلعب دوراً اقتصادياً نشيطاً وشكلت منافسة قوية وخطيرة للعناصر التي كانت مهيمنة من قبل، كما أن ظهور الدول القومية لعب دوراً مماثلاً. ٣ ـ ظهور الدولة الصهيونية بما خلقته من مشاكل خاصة بولاء يهود البلاد العربية، وهجرة أعداد كبيرة منهم إلى العالم الغربي وإسرائيل. ويصل عدد يهود البلاد العربية حسب إحصاء عام ١٩٨٦ إلى ٢٦.٩٠٠، أما عام ١٩٩٢ فيصل عددهم إلى ١٣.٢٠٠على النحو التالي: البلد / عام ١٩٨٦ / عام ١٩٩٢ المغرب / ١٧.٠٠٠ / ٧.٥٠٠ سوريا / ٤.٠٠٠ / ١.٢٠٠ تونس / ٣.٧٠٠ / ٢.٠٠٠

стр. 4457

اليمن / ١.٢٠٠ / ١.٦٠٠ الجزائر / ٣٠٠ / ٣٠٠ لبنان / ٢٥٠ / ٢٠٠ مصر / ٢٥٠ / ٢٠٠ العراق / ٢٠٠ / ٢٠٠ المجموع / ٢٦.٩٠٠ / ١٣.٢٠٠ وكما نرى، بلغ العدد الإجمالي عام ١٩٨٦ نحو ٢٧ ألفاً إن أضفنا بضعة أفراد في ليبيا والسودان وغيرهما من البلاد. وقد انخفض هذا العدد إلى النصف تقريباً في غضون ستة أعوام. وكل هذا يعني أنه لن يوجد في القرن القادم يهود في أيٍ من أنحاء العالم العربي. لكن هذه ليست ظاهرة مقصورة عليه حيث يتوقع الدارسون لأسباب مختلفة أن يختفي أعضاء الجماعات اليهودية من أوربا الشرقية وإنجلترا وأمريكا اللاتينية وأن تختفي البقية الباقية في الهند، وهي ظاهرة يُطلَق عليها مُصطلَح «موت الشعب اليهودي» . الجماعات اليهودية في العالم العربي: نمط الهجرة The Jewish Communities in the Arab World: Pattern of Migration

стр. 4458

تدخل هجرة أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي في إطار هجرة أعضاء الجماعات اليهودية في العالم في العصر الحديث، وهي هجرة من البلاد الأقل تقدماً من الناحية الاقتصادية إلى البلاد الأكثر تقدماً، ومن البلاد التي تلعب فيها الدولة دوراً اقتصادياً كبيراً إلى بلاد المشروع الحر حيث يمكنهم تحقيق قدر أكبر من الحراك الاجتماعي. وقد لاحظنا أن الهجرة اليهودية في العصر الحديث تشكل جزءاً لا يتجزأ من حركة الاستيطان الغربي (وخصوصاً الأنجلو ساكسوني) . ولكن يُلاحَظ أن يهود البلاد العربية كانوا يضمون بينهم أعداداً كبيرة من السفارد المتأثرين بالثقافة اللاتينية. كما أن الأليانس، حينما قامت بعملية صبغ لأعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي بصبغة تغريبية، صبغتهم أيضاً بصبغة فرنسية لاتينية. ويُلاحَظ أن معظم العناصر الثرية وأعضاء النخبة بين يهود البلاد العربية هاجروا إلى فرنسا أو الولايات المتحدة أو أمريكا اللاتينية. وهم برفضهم الهجرة إلى إسرائيل يتبعون النمط المذكور نفسه إذ أن مثل هذه الهجرة لا تحقق حراكاً لهذه الشريحة من أعضاء الجماعة بينما يمكن تحقيق هذا الحراك في البلاد الغربية المتقدمة. ولذا، نجد أن حركة هجرة يهود البلاد العربية تتجه أساساً إلى فرنسا وأحياناً أمريكا اللاتينية. ولكن العدد الأكبر اتجه إلى إسرائيل، أي أنها هجرة إلى بلد استيطاني لتحقيق قسط أكبر من الحراك الاجتماعي، هجرة من بلاد أقل تقدماً إلى بلد أكثر تقدماً، ومن بلاد بدأ يظهر فيها اقتصاد قومي أو اشتراكي إلى بلاد فيها مجال أكبر للمشروع الحر.

стр. 4459

وقد هاجر يهود الجزائر كلهم إلى فرنسا، كما هاجر إليها كثير من يهود تونس ومعظم يهود مصر، وكذلك الجزء الأكبر من يهود المغرب. ويبين باتاي أن عدد يهود المغرب كان عام ١٩٤٧ نحو ٢٨٠ ألفاً. فإذا أخذنا في الاعتبار الزيادة الطبيعية ونسبتها ١.٨%، يمكن القول بأن بين الـ ٢٥٠ ألف يهودي مغربي ممن هاجروا خلال الفترة ١٩٤٧ ـ ١٩٦٩ نحو ١١٧ ألفاً ذهبوا إلى إسرائيل. ويرى البعض أن أكبر دليل على انتماء يهود البلاد العربية لبلادهم هو الدور الصغير الذي لعبوه في الهجرة الاستيطانية إلى فلسطين. والواقع أنَّنا لا نجد بين العدد ٤٦٠ ألفاً الذين دخلوا فلسطين بين عامي ١٩١٩ و١٩٤٨ سوى ٤٢ ألفاً قدموا من البلاد العربية والإسلامية، أي ٩% من الهجرة العامة والتي شكَّل الإشكناز النسبة الكبرى منها. ولكننا إذا أخذنا بالعدد الذي يقدر يهود العالم بنحو ١٦ ـ١٧ مليوناً ويهود البلاد العربية بنحو ٨٠٠ ألف، فإننا نجد أنهم كانوا يشكلون ٥ ـ ٦% من مجموع يهود العالم، وبالتالي تكون نسبة ٩% من حاصل الهجرة اليهودية نسبة عالية للغاية مقارنة بالهجرة من أوربا. هجرة أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي وتركيا وإيران البلد / ١٩٤٨-١٩٥١ / ١٩٥٢-١٩٥٤ / ١٩٥٥-١٩٥٧ / ١٩٥٨-١٩٦٠ / اجمالي٤٨-١٩٦٠ المغرب / ٣٠.٧٥٠ / ١٥.٩٠٣ / ٧٠.٠٥٣ / ٩.٢٣٦ / ١٢٥.٩٤٢ الجزائر / ١.٥٢٣ / ٣٩٦ / ٢.٤٨٣ / ٥٢٩ / ٤.٩٣١ تونس / ١٣.١٣٩ / ٥.٩٠٢ / ١٥.٢٦٧ / ٢.١٤٩ / ٣٦.٤٧٥ ليبيا / ٣٠.٤٨٢ / ١.٦٠٩ / ١٩٨ / ٩٤ / ٣٢.٣٨٣ مصر / ١٦.٥٠٨ / ٣.٢٠٣ / ١٤.٥٦٢ / ١.٠٥١ / ٣٥.٣٢٨ اليمن / ٤٥.١٩٩ / ٦٩٨ / ١٠ / ٥٥ / ٤٥.٩٦٢ عدن / ٣.١٥٥ / ١٥١ / ٧ / ٩٥ / ٣.٤٠٨ سوريا ولبنان / ٢.٨٩٨ / ٤٦١ / ــ / ــ / ٣.٣٥٩ تركيا / ٣٤.٢١٣ / ٨٦١ / ٢.٦٥٠ / ١.٣١٦ / ٣٩.٠٤٠ العراق / ١٢١.٥١٢ / ١.٣٨٢ / ٣٦١ / ٢٣٣ / ١٢٣.٤٨٨ إيران / ٢٤.٨٠٤ / ٥.٧٥٠ / ٢.٠٣٥ / ٧.٢٣٠ / ٤٠.٠٦١ الإجمالي / ٣٢٤.١٨٣ / ٣٦.٣١٦ / ١٠٧.٦٢٦ / ٢٢.٢٣٠ / ٤٩٠.٣٥٩

стр. 4460

ولكن الأرقام هنا مضللة لأنها تتعامل ليس مع العرب اليهود (أي اليهود المحليين) وحسب وإنما تتعامل أيضاً مع يهود البلاد العربية ككل (أي اليهود الوافدين من الغرب) . ولو أن أرقام الهجرة فرَّقت بين اليهود المحليين من حاملي الجنسيات العربية واليهود من حاملي الجنسيات الغربية، لوصلنا إلى نتائج مغايرة قليلاً. وعلى كلٍّ، فإن هذه المناقشة أصبحت مجرد مناقشة أكاديمية إذ أنَّ تأسيس الدولة الصهيونية خلق حركية ضخمة ابتلعت كل يهود العالم العربي، المحليين منهم والوافدين، وأدَّت إلى اختفائهم تماماً، باستثناء المغرب التي هاجر معظم أعضاء الجماعة اليهودية بها إلى الكيان الصهيوني وبقيت فيه أقلية يهودية آخذة في التناقص.

стр. 4461

ومن المفارقات التي لها أعمق الدلالة أن يهود البلاد العربية كانوا يُشكّلون أقلية صغيرة جداً لا أهمية لها بالنسبة ليهود العالم، وأصبحوا الآن يشكّلون أغلبية سكان إسرائيل. وأكبر المجموعات التي هاجرت هي يهود المغرب، إذ يوجد في الدولة الصهيونية ٤٨٠ ألف يهودي من المغرب أو من أصل مغربي و١٢٥ ألف يهودي من تونس والجزائر و٧٨ ألفاً من ليبيا، أي أن هناك ٦٨٢ ألف يهودي من المغرب العربي، وهم يشكلون ٢٠% من يهود المستوطَن الصهيوني. ومن أهم الشخصيات اليهودية من أصل مغربي في المؤسسة الحاكمة أهرون أبو حصيرة الوزير السابق ورئيس حزب تامي، والحاخام عوفيديا يوسف، وديفيد ليفي أحد أقطاب حزب الليكود. أما اليهود من أصل عراقي فإن عددهم يبلغ ١٢٩.٤٩٩، ومن أشهرهم شلومو هليل. ويوجد ٢٤٥ ألف يهودي يمني أو من أصل يمني: (٤٩.٥٠٠ من مواليد اليمن و١٦١.١٠٠ ولدوا لآباء يمنيين و٣٥ ألفاً كانوا في فلسطين عام ١٩٤٨) . ويهود اليمن هم الوحيدون الذين كانت تُوجَد منهم أعداد كبيرة نسبياً في المستوطَن الصهيوني قبل عام ١٩٤٨، فلقد أراد المستوطنون الصهاينة أن يحلوا معضلة العمل العبري باستخدام يهود في الاقتصاد الصهيوني الاستيطاني، ولكنهم لم يجدوا العمالة الكافية بين يهود أوربا، فاستوردوا يهود اليمن. ويُوجَد إلى جانب ذلك بضعة آلاف من سوريا، وانضم إليهم ١٣٠ ألف يهودي من إيران و١٠٠ ألف يهودي كردي. وقد سمحت المغرب، كما سمح العراق، لليهود الذين هاجروا إلى إسرائيل بالعودة، فعادت أعداد لا يُعتَد بها إحصائياً رغم دلالتها. وتكمن أهمية القرّار في أنه ضربة في الصميم لأسطورة الشرعية الصهيونية التي تطرح فكرة اليهودي الخالص الذي لا ينتمي إلا لوطنه اليهودي، إذ أنَّ القرّار العربي يؤكد عروبة هؤلاء اليهود وانتماءهم وانتماء كل أعضاء الأقليات العربية إلى وطنهم العربي. الجماعات اليهودية في العالم العربي: الانقسامات الدينية والعرْقية

стр. 4462

The Jewish Communities in The Arab World: Religious and Ethnic Divisions مع منتصف القرن التاسع عشر، ومع بداية تفكك الدولة العثمانية ودخول الدول العربية في الدائرة الاستعمارية، لم يكن أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي يُشكِّلون وحدة دينية أو ثقافية أو لغوية. ويمكن تقسيم الجماعات اليهودية على النحو التالي: ١ ـ اليهود المستعربة الذين يتحدثون العربية وينتمون إلى التشكيل الحضاري العربي الإسلامي. ويمكن أن نصنف يهود اليمن ضمن هؤلاء رغم خصوصيتهم التي تميِّزهم عن بقية اليهود المستعربة. ٢ ـ يهود السفارد الذين يتحدثون اللادينو. ٣ ـ يهود الإشكناز الذين يتحدثون اليديشية. ٤ ـ يهود الغرب الذين يتحدثون لغات بلادهم المختلفة: فرنسية وإنجليزية وألمانية. ٥ ـ يهود البربر في جبال الأطلس ويتحدثون اللغات البربرية المختلفة. ٦ ـ يهود كردستان في العراق وإيران الذين يتحدثون الكردية والآرامية. وكان بعضهم يتحدث العربية، ولذا كانوا يُعدُّون من اليهود المستعربة.

стр. 4463

وقد عبَّر عدم التجانس هذا عن نفسه في شكل صراع بين الجماعات اليهودية المختلفة. وفي المغرب، كان اليهود السفارد الوافدون إلى المغرب يشيرون إلى اليهود الأصليين على أنهم «توشافيم» ، أي سكان أصليون أو محليون، وهي عبارة تحمل بعض الإيحاءات القدحية. وكان اليهود الأصليون يشيرون بدورهم إلى الوافدين باعتبارهم «مجوراشيم» ، أي المنفيين أو المنبوذين! وكان يهود صنعاء في اليمن ينظرون بعين الاحتقار إلى يهود الجبال ويعتبرونهم أدنى مرتبة منهم. كما لم يكن الفريقان يتزاوجون فيما بينهم. وفي مصر، كان السفارد والإشكناز ينظرون إلى يهود مصر المستعربة بشيء من التعالي. كما كان السفارد يشيرون إلى الوافدين الجدد من الإشكناز على أنهم «شاخت» ، أي الأشرار، بسبب تَورُّط عدد كبير منهم في الأنشطة المشبوهة، وخصوصاً الدعارة، وقد كانوا ينظرون إليهم بقدرٍّ كبير من التعالي. وهذه المواقف كانت في معظم الأحوال انعكاساً لمواقف مشابهة في المجتمع وسائدة بين أعضاء الأغلبية. وقد نشب الصراع الحاد بعد ذلك بين دعاة الصهيونية وأعدائها. والواقع أنَّ انقسام يهود البلاد العربية كان بارزاً في الإطار التنظيمي حيث لم يكن يتسم بأية مركزية أو وحدة إلا إذا قامت الدولة بفرضه كما حدث في مصر.

стр. 4464

وكان أعضاء الجماعات اليهودية المستعربة مندمجين حضارياً في المحيط الثقافي العربي الإسلامي لكل جماعة. فكان يهود المغرب مغاربةً أو بربراً لهم نفس فلكلور المغاربة أو البربر ونفس المستوى الثقافي والحضاري، فكانوا يزورون أولياء اليهود، بل هناك حالات كثيرة كان فيها المسلمون واليهود يتبركون بوليّ واحد ويقومون بزيارته. وقد طلبت حكومة فيشي الموالية للنازي من الحكومة المغربية تسليم أعضاء الجماعات اليهودية للنازي لإبادتهم كما حدث مع أعداد كبيرة من يهود فرنسا. ولكن العاهل المغربي محمد الخامس تصدَّى لهم، وهو ما أدَّى إلى نجاة الجماعة اليهودية من خطر الإبادة. والشيء نفسه ينطبق على يهود ليبيا والجزائر ومصر وغيرها من البلاد العربية، فكان يهود مصر يزورون مقام سيدي أبو حصيرة الذي كان يزوره معهم المصريون من المسلمين والمسيحيين. وكان يهود متماته في جبال الأطلس بتونس يعيشون في الكهوف مثل المسلمين. ولكن كان هناك بالطبع العناصر اليهودية غير العربية التي كانت مرتبطة أساساً بالتشكيل الحضاري الغربي ثم الاستعماري. وكان السفارد ضمن هذه العناصر. وكذلك، بطبيعة الحال، الإشكناز الذين استوطنوا في العالم العربي مع تَزايُد النفوذ الغربي ومع تَعثُّر التحديث في روسيا ابتداءً من عام ١٨٨٢.

стр. 4465

وقد ترك وصول يهود الغرب (الإشكناز والسفارد) آثاراً متنوعة من منطقة إلى أخرى. ففي المغرب، اندمج يهود المدن الساحلية مع السفارد، واصطبغوا بالصبغة السفاردية. أما في المدن الداخلية، فقد احتفظ اليهود بصبغتهم العربية أو البربرية، بحيث كانوا ٣٦.٨% من السفارد و٣٠.٥% من العرب و٦.٩٥% من البربر (في نهاية القرن التاسع عشر) . أما في الجزائر، فقد حدث العكس إذ تم استيعاب السفارد ضمن السكان الأصليين، وأصبح الجميع يهوداً مستعربة. ثم انضم إليهم في القرن السابع عشر الميلادي نخبة سفاردية من ليجورن (وقد سميت «جورينيم» ) قامت بدور الجماعة الوسيطة. وفي تونس، انقسمت الجماعة اليهودية إلى التوانسة وهم اليهود المستعربة، والجرانا أو الغرانا وهم السفارد من غرناطة، والجورينيم من ليجورن أيضاً. ومن الناحية الدينية، ينقسم اليهود إلى: ١ ـ يهود حاخاميين يؤمنون بالتوراة والتلمود، وهؤلاء كانوا هم الأغلبية. ومعظم هؤلاء كان يتبع النهج السفاردي، وكان بعضهم يتبع النهج الإشكنازي، وكان لكل فريق معابده المستقلة. ٢ ـ يهود قرّائين، وكانوا يوجدون أساساً في مصر حيث بلغ عددهم عام ١٩٤٧ نحو ٣.٤٨٦ (مقابل ٦٢.١٥٣ يهودي حاخامي) . ٣ ـ يهود سامريين. ٤ ـ يهود لادينيين وعلمانيين. ويبدو أن التيارات اليهودية الدينية الجديدة (وهي أساساً تيارات إشكنازية) ، مثلها مثل اليهودية الإصلاحية والمحافظة وغيرها، لم تجد طريقها إلى العالم العربي.

стр. 4466

وكان اليهود يختلفون في درجة تَمسُّكهم بتعاليم دينهم حسب معدلات العلمنة الموجودة في مجتمعهم. فكان مدى تَمسُّك يهود مصر باليهودية يختلف عن مدى تمسك يهود اليمن الذين كانوا معزولين عن العالم ومشهورين بتمسكهم بتعاليم دينهم كما يتضح في طريقة قصهم شعر رأسهم وتركهم السوالف وإطلاقهم اللحى. وقد نشبت صراعات دينية بين أعضاء هذه الفرق، وخصوصاً بين الحاخاميين والقرّائين والسامريين، بحيث كان لكل فرقة دينية معبدها وحاخامها وتنظيماتها. لقد ضمنت دساتير العراق ومصر والمغرب وغيرها من الدول العربية لليهود المساواة في الحقوق الدينية والسياسية والاقتصادية. وكان لكل جماعة يهودية مدارسها وصحفها، العربية والإنجليزية والفرنسية، ومحاكمها (إلى أن أُلغيت المحاكم الشرعية في بعض الدول العربية) . وكان تنظيم الجماعة اليهودية (الذي كان يترأسه شخص يُقال له الناسي أو الحاخام الأكبر) يشبه منصب بطريرك الأقباط في مصر يساعده مجلس أو لجان معيَّنة أو منتخبة تشرف على كل الشئون الاجتماعية للجماعة التي لا تندرج تحت نفوذ أو سلطان الدولة. وفي معظم الأحيان، كانت كل جماعة يهودية سفاردية أو إشكنازية أو مستعربة ... إلخ تحتفظ باستقلالها عن الجماعات الأخرى، ولكن كان يتم التنسيق بين هذه الجماعات أحياناً بحيث تعترف كلها بسلطة مركزية واحدة كما حدث في مصر.

стр. 4467

ويُلاحَظ أن ظاهرة الجيتو الغربية ليس لها نظير في العالم العربي إلا في المغرب حيث كان اليهود يعيشون في حي خاص بهم يُسمَّى «الملاح» ، والكلمة مشتقة من كلمة «ملح» ولا يُعرَف السبب هذه التسمية على وجه التحديد، وإن كان يُقال إنه سُمي كذلك لأنه بعد تنفيذ حكم الإعدام في أعداء السلطان كان رأس المعدوم يُفصَل عن جسده ثم يتم تمليحه حتى لا يصاب بالتلف عند عرضه على الجمهور، كما وردت تفسيرات أخرى لا تقل طرافة عن هذا التفسير. أما حارة اليهود، فلم تكن جيتو بأي معنى، وإنما كانت مجرد مكان يتركز فيه أعضاء الجماعة نفسها كما يحدث في الولايات المتحدة على سبيل المثال. الجماعات اليهودية في العالم العربي: تحولها إلى عنصر استيطاني The Jewish Communities in the Arab World: Their Trans- formation into a Colonial Settler Element

стр. 4468

بعد أن نجحت الدول الغربية في القضاء على تجربة محمد علي في النهضة القومية في مصر والعالم العربي، وفي إصلاح الدولة العثمانية ككل، تعاظم النفوذ الغربي في العالم العربي وتراجعت الدولة العثمانية التي أخذت تتنازل للقوى الغربية بالتدريج. وقد أخذ هذا شكل قوانين الامتيازات وحماية الأجانب. وانتهى الأمر إلى القضاء على الدولة العثمانية واقتسام معظم أجزاء العالم العربي بين الدول الغربية، فأصبحت العراق ومصر والسودان وفلسطين وعدن وبعض دول الخليج تابعة للإنجليز، وتونس والجزائر والمغرب وسوريا ولبنان لفرنسا، وليبيا لإيطاليا، وأجزاء من المغرب لإسبانيا. وقد تَكرَّس هذا الوضع بانتهاء الحرب العالمية الأولى. وحاول الاستعمار الغربي في العالم العربي الإسلامي أن يوسع رقعة نفوذه بين السكان عن طريق فرض الحماية على أعضاء الأقليات وإعطائهم حقوقاً ومزايا لم تكن متاحة لأعضاء الأغلبية بحيث تتحول الأقلية إلى جيب سكاني ترتبط مصالحه وتطلعاته بالقوى الاستعمارية الحامية وتتحول هي إلى جماعة وظيفية وسيطة بين القوة الاستعمارية والسكان المحليين، وكانت هذه العملية تسمى عملية «حماية» الأقليات، وهذا هو النمط الذي يسم علاقة إسرائيل بالعالم الغربي ويسم موقف الحضارة الغربية من اليهود عبر تاريخها. ويبدو أن عملية حماية الأقليات أول شكل من أشكال الاستعمار الاستيطاني عن طريق تحويل أقلية محلية مندمجة إلى عنصر غريب يدين بالولاء لقوة غربية غريبة! ولعبت المؤسسات اليهودية الغربية، وخصوصاً الأليانس ذات الاتجاه الصهيوني، دوراً أساسياً في ذلك. فأسست الأليانس سلسلة من المدارس في كل أنحاء العالم العربي والإسلامي دخلها أبناء اليهود من الجماعات كافة سواء المحلية أو الوافدة. ولم يتعلَّموا في هذه البلاد لغة بلادهم (العربية) وإنما تعلَّموا الفرنسية أساساً ولغات أوربية أخرى، وهو ما أدَّى إلى صبغ معظم أعضاء الجماعة اليهودية بصبغة غربية

стр. 4469

فرنسية فاقعة وإلى عزلهم عن بني أوطانهم وتهميشهم من الناحية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية. ويُلاحَظ الانجذاب الشديد ليهود البلاد العربية إلى فرنسا والثقافة الفرنسية، بما في ذلك يهود مصر التي كانت مستعمرة إنجليزية، ويهود ليبيا وكانت مستعمرة إيطالية. ولهذا، اتجه أغلبهم بعد الهجرة من البلاد العربية إلى فرنسا أو إلى القسم الفرنسي في كندا، أو إلى أمريكا الجنوبية ذات الثقافة اللاتينية. ومما عمق هذا الاتجاه نحو التهميش الاقتصادي والثقافي، وجود عناصر يهودية وافدة من الغرب كان يفوق عددها أحياناً عدد اليهود المحليين. فعدد يهود مصر، على سبيل المثال، في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، كان بين ستة آلاف وسبعة آلاف. وفي عام ١٨٩٧، بلغ عددهم خمسة وعشرين ألفاً نصفهم من الأجانب الوافدين. وفي عام ١٩١٧، بلغ عددهم ٦٠ ألفاً ٥٨% منهم من الأجانب. ومع حلول عام ١٩٤٧، أي عشية إنشاء الدولة الصهيونية، كانت نسبة المصريين بين أعضاء الجماعة اليهودية لا تتجاوز ٢٠%. وفي دمشق وحلب، كان نصف اليهود «سنيوريس فرانكوس» ، وهي عبارة أسبانية تعني «الأسياد الفرنجة» ، وهو ما كان يعني أنهم وافدون يتمتعون بالامتيازات.

стр. 4470

وكان العنصر الوافد يشكل، بطبيعة الحال، عامل جذب قوياً للعناصر المحلية إذ كان لدى الوافدين من الكفاءات ما يؤهلهم للتعامل مع القوة الاستعمارية المهيمنة ومع الاقتصاد الحديث الآخذ في التشكل. ولذا، نجد أن العنصر المحلي سرعان ما اكتسب الصبغة الغربية حتى أصبح من الصعب، في كثير من الأحوال، تمييز اليهود المستعربة المحلية عن اليهود الوافدين. ولقد كان يهود العراق استثناء من هذه القاعدة، إذ لم تنضم أعداد كبيرة منهم إلى يهود العالم الغربي واحتفظوا بهويتهم العربية. وكانت هناك شريحة اكتسبت الثقافة الغربية في مدارس الأليانس واعتمدت عليها سلطات الاحتلال البريطانية للخدمة في إدارتها الجديدة في أعقاب الحرب العالمية الأولى. ويبدو أن أعضاء الجماعة اليهودية لا يختلفون كثيراً في سلوكهم هذا عن بعض أعضاء النخبة الحاكمة في البلاد العربية ولا عن بعض أعضاء طبقات المجتمع الهامشية الأخرى الذين يتركون ثقافتهم الوطنية وهويتهم ويكتسبون ثقافة الغازي ويتعلمون لغته. وهم في الواقع يهدفون إلى أن يحققوا حراكاً اجتماعياً، وينتهي بهم الأمر إلى التوحد الكامل مع هذا الغازي ثم الرحيل معه حينما تحين الساعة (كما حدث لبعض أعضاء الطبقات الحاكمة في العالم العربي) . وتجب إضافة أن أعضاء الأقليات أكثر تعرضاً لهذه العملية من أعضاء الأغلبية بسبب هامشيتهم فيما يتعلق بالرموز الأساسية للمجتمع. ومن المفارقات التي تستحق التسجيل أن عملية إعتاق يهود العالم العربي وتحديثهم تمت خارج نطاق المجتمع العربي نفسه وبمعدلات مختلفة عن معدلات التحديث فيه، كما أنها تمت من خلال القوى الغازية. ولذلك، فبينما أدَّى الإعتاق والتحديث في الغرب إلى اندماج اليهود في مجتمعاتهم أدَّت العملية السياسية والاجتماعية نفسها إلى نتيجة عكسية تماماً في المجتمع العربي.

стр. 4471

وقرر كثير من المواطنين اليهود الاستفادة من قوانين الامتيازات، فتجنسوا بإحدى الجنسيات الأوربية حيث كانت بعض الدول الغربية تشجع هذا الاتجاه لخلق رأس جسر لها. وفي الجزائر بالذات، أعطيت الجنسية الفرنسية لكل يهود الجزائر في محاولة لزيادة الكثافة البشرية الفرنسية داخل الجزائر، وكان هذا جزءاً من المخطط الاستعماري الاستيطاني. ومع اندلاع الثورة الجزائرية، كانت أغلبية يهود الجزائر العظمى مواطنين فرنسيين. وقد كان العدد أقل في تونس والمغرب نظراً لأن الحكومة الفرنسية لم تشجع هذا الاتجاه هناك. وبعد احتلال بريطانيا للعراق في أعقاب الحرب العالمية الأولى، سعى أعضاء الجماعة اليهودية في العراق للحصول على الجنسية البريطانية، فقدموا طلبات بهذا المعنى إلى المندوب السامي البريطاني عام ١٩٢١ ولكن بريطانيا لم تستجب لطلبهم. ومن العناصر الأخرى التي ساهمت في تعميق الاتجاه نحو التغريب، تركيب أعضاء الجماعات اليهودية الوظيفي والاقتصادي، وخصوصاً بين الوافدين. فقد تركزوا في مهن تجارية معينة (تجارة دولية) ومالية (الربا والسمسرة وأعمال البورصة) وحرفية (صناعة الخمور) ، وهي مهن حولتهم إلى جماعات وظيفية وسيطة مرتبطة أساساً بالقطاع الاقتصادي الغربي وبالقوة المهيمنة. ولم يكن من قبيل الصدفة أن معظم قرّارات التعريب أو التأميم كانت دائماً تضر بمصالح أعضاء الجماعة اليهودية والجماعات شبه الأوربية الأخرى، مثل اليونانيين والإيطاليين والمالطيين، من الوافدين أو الذين تم تهميشهم ثقافياً واقتصادياً.

стр. 4472

لكل هذا، نجد أن مصير أعضاء الجماعات اليهودية ارتبط بمصير الاستعمار في المنطقة، فتحسنت أحوالهم المادية وازدادت هامشيتهم البنيوية مع تَزايُد الهيمنة الاستعمارية والتغلغل الأجنبي. وأثناء فترة النضال ضد الفرنسيين في الجزائر، أيَّد ٩٠% من يهود الجزائر بقاء الجزائر فرنسية، ووقفوا إلى جانب منظمة الجيش السري، وأخيراً رحلوا مع المستوطنين الفرنسين، رغم أن هؤلاء المستوطنين كانوا معروفين بكرههم العميق لليهود وعدائهم لهم، كما أنهم عارضوا منحهم الجنسية الفرنسية في بادئ الأمر. أما في تونس والمغرب، فتقول بعض المراجع الصهيونية إن أعضاء الجماعات اليهودية قد وقفوا موقف الحياد من حركة التحرر الوطني، وهي عبارة غير مفهومة وتفترض هامشية اليهود وعدم انتمائهم.

стр. 4473

وقد ازدادت عملية التهميش هذه مع تَزايُد نشاط الحركة الصهيونية التي حاولت أن تعرِّف اليهود لا باعتبارهم عرباً أو حتى غربيين وإنما باعتبارهم يهوداً يدينون بالولاء للشعب اليهودي ثم للدولة الصهيونية. وفي العشرينيات، قامت الوكالة اليهودية بتكوين شبكة جاسوسية في العالم العربي استخدمت المؤسسات والمنظمات اليهودية الشرعية (مثل نوادي المكابي) واجهات تخفي نشاطها المعادي وغير الشرعي. وفي الثلاثينيات، أسست الوكالة اليهودية جهاز مخابرات يتبعه قسم عربي يترأسه موشيه شاريت. وقد قام الموساد عام ١٩٣٧ بتأسيس مركز لتدريب بعض اليهود العرب على أعمال الجاسوسية ضد بلادهم أطلقت عليه اسم «الأولاد العرب» . وبعد قيام الدولة، تم تجنيد بعض العناصر العربية اليهودية للقيام بأعمال تخريبية تخدم مصالحها، كما حدث في حادثة لافون حينما جنَّد بعض اليهود المصريين للإساءة إلى العلاقات بين حكومة مصر الثورية الجديدة عام ١٩٥٢ وحكومات الدول الغربية. ولقد أدَّى تأسيس الدولة الصهيونية التي تدَّعي أنها دولة يهودية تُمثِّل كل يهود العالم، ومنهم يهود العالم العربي، إلى الوصول بعملية التهميش إلى ذروتها.

стр. 4474

ومع هذا، ظلت أغلبية يهود العراق بمنأى عن عملية التهميش آنفة الذكر لبعض الوقت، ولذلك فقد تمتعوا بقدر كبير من الاستقرّار والرخاء الاقتصادي واستفادوا من الازدهار الاقتصادي الذي شهدته البلاد خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، ولم يتعرض اليهود إلا لبعض الأحداث المتفرقة التي جاءت كرد فعل إما للتطورات الجارية في فلسطين أو لتصاعد المشاعر المعادية لبريطانيا. وقد كانت أخطر هذه الأحداث الاضطرابات التي جرت عام ١٩٤١، والتي جاءت في أعقاب هزيمة قوات رشيد عالي الكيلاني أمام القوات البريطانية وسقوط نظامه. وقد راح ضحية هذه الاضطرابات التي عُرفت باسم «فرهود» ما بين ١٧٠ و١٨٠ يهودياً (وعدد أكبر من غير اليهود) . وبعد هذه الأحداث، عادت الأمور إلى نصابها. ولذلك، فقد وجدت الحركة الصهيونية صعوبة بالغة في تشجيعهم على الهجرة إلى فلسطين، واضطرت في نهاية الأمر إلى اللجوء للإرهاب ضدهم حين دفعت بعملائها ليضعوا متفجرات في المعابد اليهودية وفي أماكن تَجمُّع أعضاء الجماعة حتى يبدو الأمر وكأن المجتمع بدأ يتحرك ضد اليهود.

стр. 4475

ولكن هذا لا يعني أن كل أعضاء الجماعات اليهودية كانوا ممالئىن للاستعمار الغربي وتحولوا إلى وسطاء له، كما كان يهدف المخطَّط الاستعماري. ذلك أن أعداداً كبيرة من يهود سوريا انضمت إلى حركة التحرر الوطني ودعمت المطالب القومية. ومن المعروف أن يعقوب صنوع (أبو نظارة) ، وهو كاتب مصري يهودي، هاجم الاستعمار الإنجليزي ونُفي بسبب ذلك. كما أن المصري اليهودي ليون كاسترو كان، وهو رئيس تحرير جريدة يومية فرنسية، من كبار مؤيدي حزب الوفد المصري، ورافق سعد زغلول أثناء مفاوضاته في لندن (لكنه أسس بعد ذلك تنظيماً صهيونياً في مصر، ولعل تأييده للوفد كان يهدف إلى تعميق التيار الوطني المصري لعزل مصر عن العالم العربي وبالتالي فلسطين) . ويوجد، غير هؤلاء، كثيرون من أثرياء اليهود الذين كانوا جزءاً لا يتجزأ مما يُطلق عليه مُصطلَح «الرأسمالية الوطنية» والذين ارتبطت مصالحهم ورؤيتهم وتطلعاتهم بالوطن الذي يعيشون فيه. ففي مصر مثلاً، ساهمت عائلتا قطاوي وشيكوريل في تأسيس بنك مصر عام ١٩٢٠، وهو مشروع كان يهدف إلى تقليص اعتماد مصر على رأس المال الأجنبي وإلى إرساء حجر أساس لصناعة وطنية مستقلة.

стр. 4476

ومن المعروف كذلك أن يهود العالم العربي لعبوا دوراً ملحوظاً في تأسيس الحركات الشيوعية في العالم العربي. وقد كانت هذه الحركات نشاطات، أياً كان تقييم المرء لها، معادية للاستعمار. فقام هنري كورييل بتأسيس الحركة الشيوعية المصرية (وثمة دراسات تشير إلى دور كورييل المشبوه) . وقد كان هناك وجود يهودي ملحوظ في الحركة الشيوعية في العراق (الصحفي اليهودي نعيم قطان ومراد العماري وغيرهما ممن تبنوا موقفاً معادياً للصهيونية وأسسوا منظمة باسم «عصبة مكافحة الصهيونية» ) . والواقع أنَّ وجود اليهود في هذه النشاطات بأعداد تفوق نسبتهم العددية أمر ليس مقصوراً عليهم، ففي الكثير من الأحيان يوجد أعضاء الأقليات بنسب كبيرة في الحركات الثورية والفوضوية. وعلى كلٍّ، فحينما قررت الحركة الشيوعية العراقية أن تلعب دوراً أكثر فاعلية في محيطها العربي، طلبت إلى أعضاء القيادة من اليهود الاستقالة، وقد فعلوا ذلك مؤثرين مصلحة الحزب على مصلحتهم الشخصية. ولكن الصورة العامة للجماعات اليهودية في العالم العربي هي أنَّ الاستعمار الغربي قد نجح في عزلها ثقافياً عن الثقافة العربية الإسلامية وربطها بمصالحه الاقتصادية ورؤيته الثقافية ومن ثم تحوَّل أعضاء الجماعات اليهودية إلى مادة بشرية استيطانية لها قابلية عالية للهجرة. وهذا ما حدث بعد تأسيس إسرائيل إذ اختفى يهود البلاد العربية تقريباً. عائلة قورقوس The Corcos Family عائلة يهودية يعود أصلها إلى بلدة قرقوس في كاستيل (قشطالة) بإسبانيا. استقر أغلب أعضائها بعد عام ١٤٩٢ في إيطاليا ومدينة فاس المغربية. ومن أهم أعضائها: إبراهيم قورقوس (حوالي عام ١٢٧٥) وهو عالم عاش في كاستيل، أما يهودا بن إبراهيم قورقوس (تُوفي بعد عام ١٤٩٣) فكان مالياً ثرياً استقر في البرتغال عام ١٤٩٢.

стр. 4477

وبعد طرد كثير من يهود إسبانيا إلى المغرب، كان أعضاء عائلة قورقوس من بين المطرودين. ودافع جوشوا (توفي بعد ١٥٥٢) عن حقوق منفى قشطالة بالنسبة لمسألة تقاليد الذبح الشرعي، كما شارك في وضع القواعد التكميلية (تاكانوت) الخاصة بتنظيم حياتهم الاجتماعية والدينية في المغرب. أما موسى بن إبراهيم قورقوس (توفي حوالي ١٥٧٥) وهو من فاس، فقد عُرف بالتقوى وبالمعرفة الواسعة واختير قاضياً شرعياً في تونس وتحولت مقبرته بعد وفاته إلى مزار للحجاج. كما كان يوسف قورقوس (توفي حوالي عام ١٧١٠) حاخاماً له وزن واحترام، وكان له كثير من التلاميذ. أما يوسف بن جوشوا قورقوس (تُوفي بعد عام ١٨٠٠) ، فعاش لفترة في جبل طارق وألَّف بعض الأعمال الدينية. كما ترك عالم التلمود إبراهيم بن موسى قورقوس (توفي حوالي ١٧٧٨) عدداً من المؤلفات والفتاوى الدينية. وكان يوسف قورقوس (تُوفي بعد ١٥٧٥) عالم تلمود وُلد في إسبانيا وسافر إلى مصر حيث ترأس مدرسة تلمودية عليا (يشيفا) ثم استقر في فلسطين. وكانت له بعض المؤلفات والتعليقات أو الشروح الدينية. أما شقيقه إسحق قورقوس (تُوفي قبل عام ١٥٤٠) ، فكان حاخاماً في مصر ثم عُيّن قاضياً شرعياً في القدس. أما ميمون بن إسحق قورقوس (تُوفي عام ١٧٩٩) ، فكان تاجراً ذا نفوذ وأحد دعائم السياسة البريطانية في المغرب. أما سولومون بن أبراهام قورقوس (تُوفي عام ١٨٥٤) ، فقد كان مصرفياً ومستشاراً للسلطان كما اختارته بريطانيا وكيلاً قنصلياً لها عام ١٨٢٢. أما ولداه، يعقوب (تُوفي عام ١٨٧٨) وإبراهيم (توفي عام ١٨٨٣) ، فكانا مقربين للسلطان وقاما بأعمال مهمة له. وقد عُيِّن إبراهيم عام ١٨٦٢ قنصلاً للولايات المتحدة في إحدى مدن المغرب حيث نجح بفضل علاقته بالسلطان في تسهيل مهمة موسى مونتفيوري أثناء زيارته للمغرب. واختير أيضاً مائير إبراهيم قورقوس (تُوفي ١٩٢٩) ، قنصلاً للولايات المتحدة عام ١٨٨٤. أما جوشوا بن حاييم قورقوس (تُوفي

стр. 4478

١٩٢٩) ، فكان مستشاراً ومصرفياً للسلاطين ولعب دوراً أساسياً هاماً في الفترة ما بين عامي ١٨٨٥ و١٩١٢. أما فرديناند قورقوس (١٨٥٧ ـ ١٩٥٦) ، فكان صهيونياً نشيطاً وصدر له بين عامي ١٩٢٣ و١٩٢٥ مؤلفات عن الصهيونية. أما ستيلا قورقوس (١٨٥٧ ـ ١٩٤٨) ، فوُلدت في نيويورك وتزوجت موسى قورقوس (تُوفي عام ١٩٠٣) ، ثم استقرت في المغرب حيث أسست مدرسة يهودية حرة وعارضت نشاط البعثات التبشيرية البروتستانتية بين فقرّاء يهود المغرب، وأصبحت ستيلا ممثلة للرابطة الإنجليزية اليهودية. أما مونتفيوري قورقوس (تُوفي عام ١٩٥٨) ، فكان طياراً في القوات الجوية الملكية البريطانية وخدم خلال الحربين العالميتين. وتاريخ عائلة قورقوس وانتقالهم من النشاط الديني إلى النشاط التجاري، ومن الانتماء للحضارة العربية إلى الانتماء التدريجي للحضارة الغربية، وكذلك تحوُّل كثير من أعضائها إلى قناصل للبلاد الغربية، يعكس تاريخ يهود البلاد العربية وتحولهم بالتدريج إلى جماعة وظيفية تابعة للاستعمار الغربي. عائلة قدوري The Kadoori Family

стр. 4479

عائلة تجارية ومالية يهودية من أصل عراقي استوطنت في الشرق الأقصى حيث حققت ثروة طائلة من خلال العمل في مجال الأعمال المصرفية والنقل والبناء والتشييد، وساهمت في تطوير شانغهاي وهونج كونج. ومؤسس العائلة هو صالح قدوري الذي كان من أغنياء بغداد. وقد وُلد ابنه سير إليس قدوري (١٨٦٥ - ١٩٢٢) في بغداد حيث تلقى تعليمه في مدرسة الأليانس إسرائيليت يونيفرسل. وفي عام ١٨٨٠، انتقل إلى بومباي بالهند حيث عمل إدارياً في مكاتب عائلة ساسون، ثم بدأ في تأسيس وتطوير تجارته وأعماله الخاصة في هونج كونج والصين وحقق ثروة كبيرة. ومُنح إليس لقب «سير» عام ١٩١٧ تقديراً للخدمات التي قدمها للمستعمر البريطاني في الشرق الأقصى. وكانت له مساهمات مالية مهمة لعديد من المؤسسات اليهودية وغير اليهودية، فدعم الأليانس إسرائيليت يونيفرسل والرابطة الإنجليزية اليهودية، وأسس مدرستين زراعيتين لليهود والعرب في بغداد كما ساهم في تأسيس مدارس أخرى في كلٍّ من بغداد وبومباي. وبعد وفاته، أوصى إليس بتخصيص جزء من ثروته لبناء مدارس تحمل اسمه في فلسطين والعراق، فتأسست على ضوء ذلك كلية قدوري الزراعية في فلسطين عام ١٩٣١.

стр. 4480

أما شقيقه سير إللي (إليعازر سيلاس) قدوري (١٨٦٧ ـ ١٩٤٤) ، فقد وُلد في بغداد وانتقل مع شقيقه إلى الشرق الأقصى وأسس مؤسسة آي. اس قدوري وشركاه في هونج كونج وشنغهاي، كما كان شريكاً في مؤسسة آي. اس. قدوري وأبنائه. وقد مُنح لقب سير عام ١٩٢٦. واشترك سير إللي مع شقيقه في دعم وتأسيس العديد من المؤسسات التربوية والمستشفيات في الشرق الأقصى والعراق. ولكنه أعطى اهتماماً خاصاً للمشروع الصهيوني في فلسطين، وبخاصة منذ عام ١٩٠٠، فترأس صندوق مؤسسة فلسطين في شنغهاي، وساهم في تأسيس عدد من المدارس الزراعية في فلسطين، كما ساهم بمبلغ كبير لبناء الجامعة العبرية في القدس. وتولى ولداه من بعده؛ لورانس (١٨٩٩ ـ؟) ، وهوراس (١٩٠٢ ـ؟) ، إدارة أعمال الأسرة في هونج كونج ودعم الجماعة اليهودية الصغيرة بها. ومثل غيرها من العائلات اليهودية الثرية في الشرق الأقصى والهند وبعض دول الشرق الأوسط، كانت عائلة قدوري تقوم بدور الجماعة الوظيفية الوسيطة التي ارتبطت مصالحها بوجودها في هذه المناطق، وارتبط ذلك بمصالح الاستعمار المترجمة في شكل أنشطة مالية وتجارية وعقارية ونقل وغير ذلك من نشاطات في إطار المشروع الرأسمالي الإمبريالي الغربي الذي كان يسعى إلى استنزاف موارد هذه البلاد وشعوبها والذي وجد في كثير من الأقليات الدينية والإثنية ومن بينها الجماعات اليهودية خير معين لتحقيق أغراضه. الجماعات اليهودية في العالم العربي: الانقسام الطبقي والتمايز الوظيفي The Jewish Communities in The Arab World: Class Divisions and Professional Differentiation

стр. 4481

لم تكن الجماعات اليهودية داخل كل بلد عربي تتسم بالتماسك والوحدة، فقد كانت خاضعة للصراعات الطبقية والثقافية التي تسم أي مجتمع إنساني، إذ كان منهم الأغنياء والفقرّاء، ومنهم من استفاد اقتصادياً بدخول الاستعمار وظهور القطاع الاقتصادي الغربي الجديد، ومنهم من سقط ضحيته، ومنهم من استوعب الثقافة الغربية الدخيلة واندمج فيها، ومنهم من أخفق في ذلك وإن كان الفريق الأول أكبر بكثير من الثاني. ويمكن أن نضرب مثلاً بمصر حيث كانت الجماعة اليهودية فيها تشمل ثلاث طبقات. في أعلى السلم الطبقي نجد عدداً من العائلات الأرستقرّاطية الغنية المعروفة بثرائها ومركزها ومكانتها وعلاقتها القوية مع النخبة الحاكمة، ومن بينهم قطاوي باشا وموصيري ورولو وسوارس وهراري ووهبة ومنَسَّى ودي بيتشيوتو وشيكوريل وصيدناوي وعدس وغيرهم من أصحاب البنوك والأعمال التجارية وكبار ملاك الأراضي والبارزين في الحياة العامة. وكان هؤلاء يشكِّلون ما بين ٥ و١٠% من تعداد الجماعة اليهودية في مصر. وتلي هذه الطبقة التي شملت كبار الأثرياء والمموِّلين طبقة متوسطة على رأسها رجال التصدير والاستيراد وأصحاب المحال التجارية والمهن الحرة في الإسكندرية والقاهرة والإسماعيلية وبورسعيد. وينتمي إلى هذه الشريحة أيضاً عدد ضخم من الموظفين اليهود في مكاتب بعض المؤسسات التي كانت تضم نسبة مرتفعة من اليهود. وكانت هذه الشريحة تتنافس مع طبقة كبار الأثرياء، ولكن أعضاء كل من هاتين الطبقتين كانوا متفرنسين تماماً، لغةً وثقافة. وعلى أية حال، كانت أعداد كبيرة منهم من أصل أجنبي إسباني أو إيطالي أو غير ذلك. وكانوا يقطنون الأحياء الثرية، كما كانوا أحياناً يحتلون قطاعاً خاصاً بهم في أحد الأحياء، كما كان حال حي السكاكيني.

стр. 4482

ثم يأتي أخيراً فقرّاء اليهود، وكانوا من الباعة المتجولين وصغار الحرفيين ومعظمهم من اليهود المستعربة. ويسكن معظم هؤلاء الفقرّاء في القاهرة؛ في حارة اليهود في الموسكي أو في حي الظاهر، وكانوا يشكِّلون حوالي ٢٥% من تعداد الجماعة. وقد حققت بعض عائلات اليهود المستعربة قدراً من الثراء والبروز (مثل عائلة باروخ مسعودة، وعائلتي شماس وعبد الواحد، وكانت من الصياغ) . ولم يكن اليهود المتفرنسون يتزاوجون مع اليهود المستعربين، فلكل عالمه الخاص. ومع هذا، كان أبناء اليهود المستعربين يذهبون إلى مدارس الأليانس ويحصلون على الثقافة الأوربية اللازمة لدخول القطاع الاقتصادي الغربي. ويمكن أن نضيف هنا أنه رغم وجود فقرّاء بين أعضاء الجماعة اليهودية، فلو تمت مقارنة متوسط دخل أعضاء الجماعة اليهودية بمتوسط الدخل في مصر لتبيَّن أن متوسط دخل المصري اليهودي كان أعلى من متوسط دخل غيره من المصريين، ولاتضح أن اليهود لم يعرفوا الفقر المدقع إلا بأعداد صغيرة للغاية. وهذا التقسيم الثلاثي كان نمطاً سائداً في المغرب والعراق أيضاً.

стр. 4483

أما فيما يتصل بالوضع الوظيفي أو المهني أو الاقتصادي، فإن الصورة كانت مركبة. في المغرب واليمن وفي المناطق ذات الكثافة الكردية من العراق، عمل اليهود رعاةً ومزارعين. ولكن، بشكل عام، يُلاحَظ عدم وجود أعضاء الجماعات اليهودية كعمال أو فلاحين، أي أنهم كانوا بعيدين عن قاعدة الهرم الإنتاجي. وكان منهم الحرفيون الذين عملوا ببعض الحرف اليدوية مثل الصاغة والصباغة والصناعات اليدوية للزجاج، كما اشتغلوا بصناعة الخمور. وكانت هناك أعداد كبيرة منهم، في مهن الطبقة الوسطى، يعملون بالطب والصيدلة والصحافة، وكان منهم أساتذة الجامعات. وقد عملوا موظفين في الحكومة، ووصل أفراد منهم في العراق ومصر والمغرب إلى مناصب الوزراء، وانتُخبوا وعُيِّنوا أعضاء في البرلمان مثل يوسف قطاوي عضو البرلمان ووزير المالية، وأصلان قطاوي عضو مجلس الشيوخ، وساسون هيسكيل عضو البرلمان ووزير المالية في العراق، ومناحم دانييل عضو مجلس الشيوخ في العراق أيضاً.

стр. 4484

ولكن، ورغم عدم التمايز الواضح بينهم وبين أعضاء المجتمع ككل، نجد أن المجتمع، بحكم تركيبه، يضع قيوداً على أعضاء الأقليات مقارنةً بأعضاء الأغلبية، كما أنه يتيح أمامهم فرصاً ليست متاحة لأعضاء الأغلبية. ومن هنا تركُّز اليهود بنسبة تفوق نسبة عددهم إلى عدد السكان في الأعمال التجارية والمالية، فكان منهم صغار التجار والباعة الجائلون والمرابون. كما كان منهم أيضاً كبار التجار وتجار الجملة وأصحاب شركات العقارات والمشتغلون بالتجارة الدولية (التصدير والاستيراد) ووكلاء الشركات التجارية الأجنبية وشركات التأمين وقطاع الخدمات. كما أن سوق الأوراق المالية كانت تضم عدداً كبيراً من السماسرة اليهود. وتَركَّز أعضاء الجماعات اليهودية في صناعات قريبة من المستهلك (الصناعات الزراعية والقطاع المصرفي) أي أنهم لم يكونوا جزءاً من القطاع الأول في الاقتصاد (الصناعات الثقيلة والزراعة) فيما يُسمَّى «قاعدة الهرم الإنتاجي» . وهذا يعني أنهم كانوا جماعة وظيفية. ولعبت مدارس الأليانس دوراً أساسياً في تزويد أعضاء الجماعة اليهودية بالكفاءات اللازمة للتعامل مع الشركات الأجنبية والاقتصاد الاستعماري الجديد وفي صبغهم بالصبغة الغربية (الفرنسية) ، أي أنها عمقت هويتهم كجماعة وظيفية.

стр. 4485

وإذا نظرنا إلى مصر لوجدنا أن عدة عائلات يهودية مصرية كانت تساهم في إدارة وتوجيه ١٠٣ من الشركات من مجموع ٣٠٨ في عام ١٩٤٢، فكانوا يسيطرون على جانب كبير من رؤوس أموالها. كما أنهم احتكروا تجارة القطن وتجارة الصادرات والواردات، وأنشأوا العديد من البنوك (مثل البنك العقاري المصري، والبنك الأهلي المصري) ، والشركات الائتمانية (مثل شركة الشرق للتأمين، وشركة التأمين الأهلية المصرية) ، وشركات الأراضي الزراعية (مثل شركة البحيرة المساهمة، وشركة وادي كوم أمبو، وشركة سموحة) . كما أداروا عدة شركات لتقسيم الأراضي وبيعها وشراء المباني واستغلالها (مثل الشركة العقارية المالية بالقاهرة، والشركة المساهمة المصرية المالية والعقارية) . وساهموا في ميدان النقل البري والبحري وشركات السكك الحديدية (مثل شركة حلوان، وشركة الدلتا، وشركة قنا ـ أسوان للسكك الحديدية، وشركة الأمنيبوس العمومية المصرية، وشركة ترام الإسكندرية، وشركة بواخر البوستة الخديوية) . وساهموا أيضاً في الصناعات الزراعية وصناعة الزيوت والسكر، وأسسوا الشركات في هذا المجال (مثل: شركة المطاحن، وشركة الملح والصودا) . كما أسسوا المحلات التجارية الكبرى (مثل محلات شيكوريل وبنزايون وشملا وعمر أفندي وهانو) ، كما نشطوا في مجال تجارة الذهب والسجائر وفي أعمال الفنادق والمنسوجات وإقرّاض المال. وكانت لهم نشاطات اقتصادية فردية أخرى، ففي ميدان المضاربات المالية كان ٩٨% من العاملين في البورصة في القاهرة والإسكندرية يهوداً. وكان التركيب الوظيفي لليهود في مصر (عام ١٩٤٧) على النحو التالي: ٥٩% تجار، ١٨% في الصناعات، ١١% خدمات عامة.
следующие страницы →