← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 4971–5010 · переход к 4976.

стр. 4971

وبعد الحرب الأهلية وإلغاء الرقيق، فُتح الجنوب الأمريكي للاستثمارات التجارية والصناعية. واستفاد كثير من التجار من أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني من النشاط الاقتصادي والتوسع الصناعي، وحققوا ثروات كبيرة في مجال التجارة والمصارف وصنع الملابس، فلقد قامت أعداد كبيرة من المتعهدين العسكريين اليهود بتزويد الجيوش المتحاربة بالأزياء العسكرية التي تطلبها، وحققوا أرباحاً طائلة. كما استفادوا من وصول يهود اليديشية، فاستغلوا هذه العمالة اليهودية الرخيصة في مؤسساتهم التجارية والصناعية، وهو ما دعم مكانتهم وأكد قيادتهم للجماعة اليهودية. وبلغ المهاجرون اليهود الألمان ذروة مكانتهم في هذه المرحلة.

стр. 4972

وقد حاول أعضاء الجماعة اليهودية أن يضعوا إطاراً تنظيمياً لوجودهم في الولايات المتحدة، فشُكِّلت هيئة المفوَّضين الإسرائيليين الأمريكيين (ويُلاحَظ عدم استخدام مصطلح «يهودي» لأنه كان يحمل إيحاءات سلبية في تصورهم) ، وكذلك أُسِّست جماعة أبناء العهد (بناي بريت) عام ١٨٤٣ وجمعية الشباب العبريين عام ١٨٧٤، وكلها مؤسسات تقع خارج نطاق أي تحكم حاخامي أو أي إطار ديني، بل إن المؤسسات الدينية نفسها كانت تعتمد عليها لبقائها واستمرارها. وقد عبَّرت الهوية اليهودية الدينية عن نفسها، وخصوصاً بين الألمان، من خلال اليهودية الإصلاحية، وهي صيغة دينية تسمح لليهودي بالتكيف مع وطنه الجديد في الولايات المتحدة. وقد أعلنت اليهودية الإصلاحية عن مبادئها الدينية في مؤتمر بتسبرج الإصلاحي عام ١٨٨٥، وتم تأسيس اتحاد الأبراشيات العبرية الأمريكية عام ١٨٧٣، وكلية الاتحاد العبري عام ١٨٧٥، وهي أهم المؤسسات اليهودية الإصلاحية التربوية. ومع هذا، لم تكن هناك سلطة دينية مركزية، نظراً للتنوع الإثني لليهود، وبسبب الطبيعة الفيدرالية للمجتمع الأمريكي. والواقع أن المهاجر اليهودي الألماني لم يكن يجد أن ثمة علاقة كبيرة مع المهاجر اليهودي البولندي مثلاً، فقد كانت كل جماعة تحتفظ بشعائرها الدينية وتؤسس معابد يهودية مختلفة باختلاف الأصول الإثنية اليهودية. وكان معظم يهود شرق أوربا يتبعون اليهودية الأرثوذكسية. وشهدت هذه الفترة حركة بناء للمعابد اليهودية الضخمة التي تشبه الكاتدرائيات.

стр. 4973

ورغم أن الحضارة الأمريكية قد دخلت، في هذه المرحلة، مرحلة إبداعية في الآداب والفنون، فإن إسهام أعضاء الجماعة اليهودية فيها كان ضعيفاً، وذلك لكونهم جماعة مهاجرة لم يمتلك أعضاؤها ناصية اللغة الإنجليزية أو مُصطلَحات الحضارة الجديدة. ولذا، لم يكن هناك كُتَّاب يهود في عصر ويتمان وملفيل ومارك توين سوى إيما لازاروس (١٨٤٩ ـ ١٨٨٧) وهي شاعرة ليست لها أهمية كبيرة. ويُلاحَظ تَزايُد اندماج أعضاء الجماعة اليهودية في جميع قطاعات المجتمع الأمريكي الذي كان يعبِّر عن هويته العرْقية عن طريق التعصب ضد السود والصينيين وعن هويته الدينية البروتستانتية عن طريق التعصب ضد الكاثوليك والمهاجرين الأيرلنديين وليس عن طريق معاداة اليهود على الطريقة الأوربية. وقد شهدت هذه الفترة ظهور واحد من أهم مظاهر معاداة اليهود في الولايات المتحدة وهو رفض عضويتهم في النوادي الأرستقراطية والنوادي الاجتماعية. وهو شيء سطحي تافه يدل على سطحية ظاهرة العداء لليهود في الولايات المتحدة وعدم تجذُّرها في المجتمع الأمريكي (ولذا فهو شكل من أشكال التحامل على اليهود، لا العداء ضدهم) . فبينما كانت بعض النوادي الاجتماعية تمارس التفرقة ضد أعضاء الجماعة اليهودية، كانت المدن الأمريكية لا تمانع في هذه الفترة نفسها أن تنتخب عُمداً ينتمون إلى هذه الجماعة. كما كانت كثير من هذه المدن لا تزال تمارس التفرقة ضد السود بكل ضراوة، وتنكر عليهم أبسط الحقوق، مثل الالتحاق بالجامعات أو الجلوس على المقاعد الأمامية في الحافلات.

стр. 4974

الباب السابع عشر: الولايات المتحدة منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى عام ١٩٧١ بداية المرحلة اليديشية (١٨٨٠-١٩٢٢) The Beginning of the Yiddish Era ١٨٨٠-١٩٢٢ أ) الفترة الأولى: الهجرة الكبرى (١٨٨٠ - ١٩٢٩) : تغيَّرت السمات الأساسية للجماعة اليهودية في الولايات المتحدة لسببين: أحدهما خاص بحركيات المجتمع الأمريكي، والثاني خاص بالجماعة نفسها. فبعد المرحلة التجارية الأولى من تاريخ الولايات المتحدة، وبعد أن حصلت الولايات المتحدة على استقلالها السياسي، وبعد أن نجحت جيوش الشمال في توحيد السوق القومية في الولايات المتحدة وفتح الجنوب الزراعي للنشاط التجاري والاستثمارات الصناعية، تزايدت حركة التصنيع فأقيمت في هذه الفترة شبكة المواصلات السريعة، من البواخر والقطارات والطرق، التي قربت بين أجزاء القارة الأمريكية كما قربت بينها وبين بقية العالم، الأمر الذي سهَّل عملية الانتقال والهجرة. ويُلاحَظ أن حركة الريادة والاستيطان نحو الغرب كانت قد وصلت إلى نهايتها، وهو ما يعني أن المناطق المتاخمة المفتوحة التي كانت مجالاً مفتوحاً للحراك الاجتماعي أصبحت مغلقة. وقد أدَّى اتساع السوق إلى أن الحرفيين لم يعودوا قادرين على إنتاج السلع التي تفي بحاجات المستهلكين المتزايدة، وبالتالي حلت المصانع الكبيرة محل الحرفيين في كثير من الصناعات القديمة. كما ظهرت صناعات جديدة مثل صناعة الصلب والسيارات وهي الصناعات التي غيَّرت وجه الولايات المتحدة. وأدَّى كل هذا إلى ازدياد الحاجة إلى عمال صناعيين، كما فتحت الأبواب للمهاجرين، ومنهم يهود اليديشية الذين جاءوا بالألوف من روسيا وبولندا وغيرهما من بلاد شرق أوربا، فانخرط المهاجرون اليهود في صفوف الطبقة العاملة.....

стр. 4975

ثم شهدت هذه الفترة (بعد عام ١٩١٨) تحوُّل الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة إلى أهم تجمُّع يهودي في العالم على الإطلاق وثاني أكبر تجمُّع، بعد التجمُّع اليهودي في شرق أوربا. وقد زاد عدد اليهود من ٢٨٠ ألفاً من مجموع سكان تعداده ٥٠.١٥٥.٠٠٠ عام ١٨٨٠ إلى ٤.٥٠٠.٠٠٠ من مجموع سكان تعداده ١١٥.٠٠٠.٠٠٠عام ١٩٢٥. وبلغ عدد المهاجرين ٢.٣٧٨.٠٠٠ بين عامي ١٨٨٠ و١٩٢٥، وكانت أعوام الذروة هي أعوام ١٩٠٤ ـ ١٩٠٨ حينما وصل ٦٤٢ ألف يهودي معظمهم من شرق أوربا. وقد أثبتت الولايات المتحدة أنها أكثر جاذبية من فلسطين بالنسبة لليهود. ولذا، فهي بحق البلد الذهبي (باليديشية: جولدن مدينا) الذي يهرول إليه المهاجرون بدلاً من إرتس يسرائيل وأرض الميعاد. وكانت نسبة العائدين إلى أوربا من أعضاء الجماعة هي النسبة الأقل بين مجموعات المهاجرين، باستثناء الأيرلنديين. ففي عام ١٨٨٠، بلغت النسبة ٢٥%، وانخفضت إلى ٨% عام ١٩٠٨، ثم وصلت إلى الصفر تقريباً عام ١٩١٩. وكان عمر المهاجرين بين ١٥ و٤٠ سنة، أي أن معظمهم كان قادراً على العمل والإنجاب، كما أن نسبة الرجال إلى النساء كانت متعادلة وهو ما يدل على أن المهاجرين قد هاجروا بنية الاستقرار وليس لتحقيق ثروة صغيرة يعودون بعدها إلى أوطانهم الأصلية. وقد استقر المهاجرون في كل المدن، في معظم الولايات والمناطق، فبلغ عدد المهاجرين اليهود في ولاية نيويورك عام ١٩١٨ نحو ١.٦٠٣.٩٢٣، وفي ولاية ماساشوسيتس ١٨٩.٦٧١ نسمة، وفي ولاية نيوجرسي ١٤٩.٤٧٦نسمة، وفي ولاية بنسلفانيا ٣٢٢.٤٠٦ نسمة، وفي ولاية أوهايو ١٦٦.٣٦١نسمة، وفي ولاية كاليفورنيا ٦٣.٥٦٢ نسمة.

стр. 4976

وشهدت هذه الفترة تحوُّل بعض أعضاء الأرستقراطية الألمانية اليهودية من التجارة إلى المهن، فاشتغلوا بالقضاء والسياسة والأعمال المصرفية والمالية (مثل عائلتي كون ووربرج) والنشر والطب والوظائف المتصلة بالبحوث العلمية والأدب والمهن الأكاديمية. وكان هذا التحول يعني تحرر أعضاء الجماعة اليهودية تدريجياً من ميراثهم الاقتصادي الأوربي وتَزايُد اندماجهم في المجتمع الأمريكي. وظهر بينهم رعاة للفنون مثل أسرة جوجينهايم. ويُلاحَظ أنه لم يكن يوجد سوى عدد قليل من اليهود في الشركات الكبرى التي سيطرت على الصناعات الثقيلة إذ تركَّز اليهود في صناعات استهلاكية هامشية مثل صناعة السينما التي سيطر عليها وليام فوكس ولويس ماير والإخوة وارنر.

стр. 4977

وفيما يتصل بالمهاجرين من شرق أوربا، وهم الذين نطلق عليهم «يهود اليديشية» ، فقد انضموا إلى صفوف الطبقة العاملة، وخصوصاً في مصانع الملابس الصغيرة التي كانت تُسمَّى «ورش العرق» ، والتي كانت تُقام في مكان ضيق قذر توضع فيه بعض ماكينات الخياطة البدائية ويقطن فيه صاحب المصنع وزوجته. وكان أصحاب هذه الورش من يهود شرق أوربا، نظراً لأنها لا تحتاج إلى رأسمال كبير ولا إلى خبرة غير عادية. كما كان بوسع أصحاب العمل استغلال العمالة اليهودية المهاجرة الرخيصة فيها، وخصوصاً أن يهود شرق أوربا كانوا مركزين أساساً في حرفة الخياطة في بلادهم الأصلية. وقد كان عدد العمال في كل ورشة لا يزيد في بعض الأحيان على خمسة يعملون مدة ست عشرة ساعة يومياً. وكان المموِّلون من أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني يمتلكون أيضاً ورش العرق، وخصوصاً بعد أن حققوا ثروات ضخمة من الحرب الأهلية. وقد ظلوا أغلبية الملاك حتى عام ١٩١٤ حين زاد عدد صغار المموِّلين من شرق أوربا على عددهم من الألمان. وبلغ عدد العاملين في هذه الصناعة عام ١٩١٣ ثلاثمائة ألف يهودي. وقد نظمت هذه الطبقة العمالية نفسها على هيئة نقابات عمال في الفترة ١٩٠٩ ـ ١٩١٦، وهي الفترة التي شهدت تحوُّل الورش إلى مصانع كبيرة وظهور الوعي العمالي والحركة النقابية في الولايات المتحدة. وقد عمل كثير من يهود شرق أوربا في صناعة الإبر ولف التبغ وصناعة البناء (نجارين ونقاشين) ، وعملوا تجاراً صغاراً وبقَّالين. وكل هذا يدل على أن ميراثهم الاقتصادي الأوربي كان لا يزال يحدد اختياراتهم وأن عملية الأمركة كانت لا تزال في بداية الطريق بالنسبة إليهم. ولكن يجب أن نشير إلى أنه لم تكن تُوجَد أية قوانين في الولايات المتحدة ترغم أعضاء الجماعة اليهودية على الاضطلاع بوظائف معينة، فقد كان اليهود يتركزون في صناعات دون غيرها، وفي مهن أو حرف دون أخرى، لا بسبب أي قسر خارجي وإنما بسبب طبيعة الخبرات

стр. 4978

التي حملوها من بلادهم ومقدار رأس المال الذي جلبوه معهم، ونوعية الكفاءات والخبرات التي يحتاج إليها المجتمع الجديد. كما يُلاحَظ أن ميراثهم الاقتصادي كان يثقل كاهل المهاجرين الجدد من شرق أوربا وحسب. أما أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني، فقد اغتنموا كل الفرص التي أتاحها لهم المجتمع الأمريكي ووصلوا إلى أعلى شرائحه واشتغلوا بجميع المهن. وقد لحق بهم أبناء يهود شرق أوربا بعد جيلين حين انتهت فعالية الميراث الاقتصادي مع انتهاء موجات الهجرة. أما من الناحية الثقافية، فيُلاحَظ أن اليديشية كانت لغة الشارع الروسي البولندي ثم صارت لغة المهاجرين في الشارع الأمريكي، ومن هنا كان استمرارها. ولذا، ظهرت ثقافة يديشية علمانية شجعتها الحركة العمالية، وظهر أدب يديشي وجرائد يديشية توزِّع نحو ٥٠٠ ـ ٦٠٠ ألف نسخة في اليوم، وكذلك العديد من المجلات، كما ظهرت سينما يديشية. ووصلت الثقافة اليديشية الذروة في أوائل القرن واستمرت حتى بداية العشرينيات، تماماً كما كان الأمر في الاتحاد السوفيتي. فكان يوجد مسرح يديشي في نيويورك وسبعة عشر خارجها قدمت خمساً وثمانين مسرحية خلال شهر واحد (عام ١٩٢٧) . ووصل نظام التعليم اليديشي إلى ذروته أيضاً إذ كان عدد الطلبة المسجلين فيه اثنى عشر ألفاً. ولكن إسحق بشيفس سنجر، أكبر كُتَّاب اليديشية، لاحظ أن لغة يهود شرق أوربا أصبحت في الولايات المتحدة دون جذور، ولذا فقد كُتب عليها أن تموت.

стр. 4979

وكان تَوجُّه الجيب اليديشي معادياً للصهيونية، كما أن ولاءه كان للثقافة اليديشية وليس للدين اليهودي أو اللغة العبرية. وكان هذا الجيب يضم ملحدين وثوريين ومفكرين وفوضويين، كما كان يضم بعض المتدينين. ويُلاحَظ أن العلاقات بين القيادة الألمانية الأرستقراطية والجماهير اليديشية لم تكن حميمة، كما أن العمال اليهود ذوي الأصل الأمريكي، المتركزين في صناعات معيَّنة مثل صناعة السيجار، وكذلك الخياطين المهرة، كانوا يبدون عداءً واضحاً للمهاجرين، نظراً لما كانوا يعتبرونه انعزالية وتخلُّفاً وثورية. وقد نحت اليهود الألمان كلمة «كايك» العنصرية وكذا كلمة «شيني» ، للإشارة إلى يهود شرق أوربا، كما كانوا يتهمونهم بأنهم «آسيويون» (وهو الاتهام الآري التقليدي الذي كان يوجَّه لليهود) وأنهم يضمون في صفوفهم عدداً كبيراً من الثوريين والفوضويين، وأن لغتهم لغة الخنازير (وهو ما يدل على أن أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني كانوا ألماناً حتى النخاع) . وتَجمَّع أعضاء الجماعة من المهاجرين على هيئة جماعات صغيرة تعيش في حي واحد داخل المدن، شأنها في هذا شأن مختلف جماعات المهاجرين، وكان الحي الشرقي الأسفل «لوار إيست سايد Lower East Side» في نيويورك أكبر هذه الأحياء وكان يضم ثلاثمائة وخمسين ألف يهودي عام ١٩١٥ في مساحة لا تتجاوز ميلين مربعين، فانتشرت بينهم الجريمة وبخاصة بغاء الفتيات. كما ظهرت مافيا يهودية ازدهرت في الثلاثينيات، لم يُقض عليها إلا في أواخر الأربعينيات، وتخصَّصت في عمليات الاغتيال لحساب العصابات الأخرى. وعندما كانت أحوال اليهودي المالية تتحسن، فإنه عادةً ما كان يترك مثل هذه الأحياء وينتقل إلى أحياء أكثر جاذبية.

стр. 4980

ومن أهم الأطر التنظيمية ما يُعرَف باسم «روابط المهاجرين» (اللاندز مانشافتين) التي كانت تضم اليهود الذين جاءوا من بلد أو موطن واحد، حيث لعبت دور المؤسسة الاجتماعية الوسيطة التي وفرت للمهاجرين شيئاً من الطمأنينة والدفء في المجتمع الرأسمالي الجديد، والتي قدمت لهم خدمات أخرى مثل إجراءات الدفن والمساهمة في نفقات الجنازات وغيرها من الطوارئ. وكانت هذه الجماعات مرتبطة عادة بدوائر العمال (أربيتر رنج) التي ترعى مصالحهم الاجتماعية. وكان ٧٤% من المهاجرين اليهود يعرفون القراءة والكتابة، مقابل ٦٤% من البولنديين و٤٦% من الإيطاليين، الأمر الذي جعلهم واعين بأهمية التعليم باعتباره واحداً من أهم وسائل الحراك الاجتماعي في العصر الحديث، فأرسلوا أولادهم إلى المدارس، وهو ما سارع بعملية اندماجهم في المجتمع. ولكن تكوين المهاجرين الثقافي كان، مع هذا، ضحلاً. فمعظمهم كانوا من أبناء الطبقة الوسطى الصغيرة، أو العمال الذين لم يتلقوا أي تعليم ديني أو علماني. وقد كانوا يعرفون قدراً ما من شعائر الدين اليهودي وبعض التحريمات. ولكنهم لم يكن لديهم لا الوقت ولا الرغبة في ارتياد المدارس الدينية أو ممارسة الشعائر الدينية المختلفة، فتخلوا عن إقامة شعائر دينهم. ومع هذا، كان الاحتفال ببلوغ سن التكليف الديني (برمتسفاه) يُعَد أمراً مهماً جداً بالنسبة لهم، وهو ما كان يدل على أن اليهودية بدأت تتحول، بالنسبة لعدد كبير منهم، من انتماء ديني إلى انتماء إثني. وكانت أعداد كبيرة من اليهود تعيش منعزلة في مناطق تخومية تجعل الحياة الأرثوذكسية أمراً صعباً للغاية لأن الحصول على الطعام الشرعي كان شبه مستحيل. وكثيراً ما كان اليهودي يحصل على طعامه من الحيوانات التي يصيدها غير اليهود ودون أن يذبحوها على الطريقة الشرعية.

стр. 4981

وأخذت اليهودية الإصلاحية في الانتشار بين أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني، فأُسِّس المؤتمر المركزي للحاخامات الأمريكيين عام ١٨٨٩. أما المهاجرون من شرق أوربا، فقد أحضروا اليهودية الأرثوذكسية معهم رغم عدم اهتمامهم بالدين. وكانت الأرثوذكسية منتشرة بين الحرفيين اليهود، وخصوصاً الخياطين. وتأسست مؤسسات اليهودية الأرثوذكسية في هذه الفترة، من بينها اتحاد الأبرشيات الأرثوذكسية عام ١٨٩٨، واتحاد الحاخامات الأرثوذكس اليهودية في الولايات المتحدة وكندا عام ١٩٠٢، ومجلس أمريكا الحاخامي عام ١٩١٣. وبدأ يظهر قطاع جديد من المهاجرين الذين تمت علمنتهم، وبالتالي صَعُب عليهم الاستمرار في الشعائر الأرثوذكسية. ولكن الصبغة الإصلاحية كانت صبغة متطرفة من وجهة نظرهم. ولسد حاجة هؤلاء، ظهرت اليهودية المحافظة كمحطة في منتصف الطريق احتفظت بالمطلقية الدينية وخلعتها على الإثنية اليهودية، كما احتفظت بكثير من الرموز الإثنية. وقد تم تأسيس أهم المؤسسات اليهودية المحافظة التعليمية في هذه الفترة أيضاً، من بينها الكلية اللاهوتية اليهودية عام ١٨٨٦، وجمعية الحاخامات الأمريكيين عام ١٩٠٠، ومعبد أمريكا الموحَّد عام ١٩١٣ (وهو يضم الأبرشيات المحافظة) . وتبدَّى الصراع الإثني بين الألمان ويهود شرق أوربا في شكل صراع ديني بين الأرثوذكسية من جهة واليهودية الإصلاحية ثم المحافظة من جهة أخرى. وفي السنين الأخيرة من هذه الفترة، بدأت تظهر علامات الكساد الاقتصادي، فألقت جماهير العاطلين باللوم على القوى الخارجية، وسادت النظريات والمواقف العرْقية تجاه السود، والمهاجرين الآسيويين واليهود بدرجة أقل.

стр. 4982

ولكن، يُلاحَظ أن نمط حياة المهاجرين كان يخضع لتطورات عميقة إذ أن أسلوب حياة أبنائهم كان يختلف بشكل جوهري عن حياتهم هم أنفسهم، لأنهم حققوا معدلات عالية من الاندماج الاقتصادي والثقافي بسبب تزايد فرص التعليم أمامهم في المدارس الأمريكية العامة. ولكل هذا، انخفضت عضوية اتحادات النقابات اليهودية إلى النصف في العشرينيات، كما اضمحلت الصحافة اليديشية والمسرح والأدب اليديشيان لأن الأبناء كانوا يتحدثون الإنجليزية ولا يعرفون اليديشية أو يعرفونها ولا يتحدثون بها، كما أنهم كانوا لا يكترثون البتة بروابط المهاجرين، ولم يُكتب لعالم المهاجرين البقاء حتى منتصف العشرينيات إلا بسبب وصول أفواج المهاجرين الجدد. ولذا، فمع فرض نظام النصاب على الهجرة (قانون جونسون) عام ١٩٢٥، بدأ هذا العالم في الاختفاء بحيث تحوَّل إلى مجرد أثر وذكرى عام ١٩٤٠. وقد ساهم القانون آنف الذكر في التعجيل بتحويل أعضاء الجماعة اليهودية من جماعة أغلب أعضائها من المهاجرين إلى جماعة معظم أعضائها وُلدوا في أمريكا وتشربوا ثقافتها. واقتصر التعليم اليهودي تقريباً على مدارس الأحد، وأخذت مدارس اليديشية في الاختفاء التدريجي. ولذا، يُلاحَظ أنه، مع نهاية الفترة، ظهرت بعض التحولات الراديكالية في البناء الوظيفي وأسلوب الحياة الخاص بأعضاء الجماعة، فبدأت أعداد كبيرة منهم تترك أحياء المهاجرين لتستوطن في أحياء حضرية أكثر ثراء، وبدأوا يتحوَّلون عن وظائف المهاجرين إلى وظائف تجارية وكتابية ومهنية

стр. 4983

وبدأ أبناء المهاجرين الذين تخرجوا في المدارس الحكومية والكليات يعملون في مهن القانون والطب البشري وطب الأسنان والتدريس. وكان الاتجاه الأكبر نحو الأعمال الصغيرة المستقلة والوظائف الكتابية الإدارية، وظائف الياقة البيضاء. وتناقص عدد أعضاء الجماعة اليهودية فيما يُسمَّى «الحرف اليهودية» ، وخصوصاً صناعة الملابس. ومع حلول عام ١٩٣٠، كان أعضاء الجماعة اليهودية يشكلون خمسي نقابات عمال صناعات الملابس وحسب بعد أن كانوا يشكلون الأغلبية العظمى من أعضائها، أي أن المهاجرين اليهود نفضوا عن كاهلهم ميراثهم الاقتصادي والوظيفي الأوربي بحيث تحوَّلوا من مجرد يهود متأمركين إلى أمريكيين يهود ومن أعضاء في جماعة وظيفية يهودية إلى أعضاء في الطبقة المتوسطة الأمريكية. وظل إسهام يهود أمريكا الثقافي والفكري ضعيفاً في بداية هذه الفترة. ولكن، مع نهايتها، ومع تزايد معدلات الاندماج والأمركة، بدأ يظهر أدباء أمريكيون أحرزوا شهرة محلية وعالمية، مثل جرترود شتاين، وناشرون مثل نوبف، وكثير من المخرجين السينمائيين. ولم تكن الجماعة اليهودية متجانسة حضارياً أو دينياً أو سياسياً. لذا، كانت تتنازعها عدة أيديولوجيات وانتماءات. وقد أشرنا من قبل إلى الصراع الديني بين الأرثوذكس وغيرهم، ثم كان هناك الصراع بين أعضاء الجماعة اليهودية من أصل ألماني ويهود اليديشية، والصراع بين الأقلية الصهيونية والأغلبية المعادية للصهيونية أو غير المكترثة بها، والصراع بين دعاة الاندماج والذوبان ودعاة قومية الدياسبورا (أي الاستقلال الثقافي للجماعات اليهودية) ، والصراع بين الاشتراكيين من بقايا البوند والشيوعيين والفوضويين من جهة ودعاة الفلسفات السياسية الليبرالية المحافظة من جهة أخرى. هذا غير عشرات الصراعات الجانبية الأخرى.

стр. 4984

وشهدت هذه الفترة بداية ظهور الهيكل التنظيمي لأعضاء الجماعة اليهودية، وكان أولها لجان مساعدة المهاجرين وغوثهم مثل منظمة هياس (جمعية مساعدة المهاجرين العبريين) عام ١٨٨٤، وهادساه (المجلس القومي للنساء اليهوديات) عام ١٨٩٣. وقد تم تأسيس المنظمة الصهيونية في الولايات المتحدة عام ١٨٩٧، ولكنها كانت منظمة صغيرة لا تمثل سوى أعضائها الذين كان معظمهم من أصول شرق أوربية، بينما ساد التيار الاندماجي بين اليهود الألمان، كما ظهر تيار صهيوني قوي ذو ديباجة مسيحية في صفوف أعضاء الكنائس البروتستانتية المتطرفة. كما أن التوسع الإمبريالي للولايات المتحدة، وبداية تطلُّعها لدور عالمي، مع الحرب العالمية الأولى، صاحبه ظهور نزعات صهيونية بين أعضاء النخبة، ومن هنا كان تأييد حكومة الولايات المتحدة لوعد بلفور رغم هزال المنظمة الصهيونية. وقد انعكس الصراع بين اليهود من أصل ألماني واليهود من أصل شرق أوربي في داخل الهيكل التنظيمي لأعضاء الجماعة. فأسست القيادة اليهودية الألمانية عام ١٩٠٦ اللجنة اليهودية الأمريكية التي ضمت بعض أعضاء النخبة الألمانية من رجال البنوك وكبار التجار والمحامين، وأعضاء من القيادة السياسية. وبطبيعة الحال لم تكن عضوية اللجنة مفتوحة، للجميع. ورداً على تأسيس اللجنة، قامت العناصر الشرق أوربية بتأسيس المؤتمر الأمريكي اليهودي عام ١٩١٧. وإلى جانب ذلك، تم تأسيس جمعيات أخرى مثل لجنة التوزيع المشتركة عام ١٩١٤. نهاية المرحلة اليديشية وظهور اليهود الأمريكيين (١٩٢٩-١٩٤٥) (The End of the Yiddish Era and the Emergence of American Jews (١٩٢٩-١٩٤٥

стр. 4985

كانت الولايات المتحدة، حتى ذلك التاريخ، حبيسة وضعها الجغرافي منغلقة على نفسها (وإن كان نفوذها قد امتد إلى أمريكا اللاتينية والفلبين) ، ولذا لم تكن قد أدركت بعد دورها كقائد للعالم الغربي وللتشكيل الإمبريالي الغربي. ولكنها كانت مرحلة حضانة أخيرة للرأسمالية الأمريكية، خرجت بعدها عملاقاً اكتسح الجميع. بدأت هذه المرحلة بالكساد الأمريكي الذي غيَّر حياة كثير من الأمريكيين، وأثَّر في بنية المجتمع الأمريكي إذ تعطَّل كثير من العمال وأفلس ألوف من صغار رجال الأعمال. وقد تغيَّر الهيكل الوظيفي لأعضاء الجماعة اليهودية بشكل واضح، فلم يَعُد هناك أي يهود تقريباً يعملون في الزراعة أو الحرف اليدوية، ولم تكن تُوجَد سوى أعداد قليلة من اليهود في الصناعات الثقيلة سواء بين أصحاب العمل أو العمال. وتركَّز الأثرياء من أعضاء الجماعة اليهودية أساساً كسماسرة في البورصة والسينما، وفي أشكال الترفيه الأخرى، وفي بيع العقارات وتجارة التجزئة. أما الطبقة الوسطى اليهودية، فازداد تركُّزها في المهن والأعمال التجارية الصغيرة ووظائف الياقات البيضاء. ويذهب بعض الدارسين إلى أن هذا يعني أن الجماعة اليهودية بدأت تلعب مرة أخرى دور الجماعة الوظيفية الوسيطة، وإن كان السياق قد اختلف، وإلى أن اختلاف الشكل مجرد تعبير عن اختلاف السياق.

стр. 4986

تزايد عدد الشباب من أعضاء الجماعة اليهودية الذي يذهب إلى الجامعات الحكومية أو الخاصة. ففي نيويورك، كان ٤٩% من مجموع طلبة الجامعات يهوداً، وبلغ عدد الطلبة اليهود في مختلف الجامعات الأمريكية مائة وخمسة آلاف، أي ٩% من عدد الطلبة. ويُعَدُّ توجُّه الطلبة عند تخرُّجهم نحو الأعمال التجارية والمهن مؤشراً جيداً على التحولات التي بدأت تحدث في هذه المرحلة والتي بدأت تصوغ الهيكل الوظيفي لليهود بما يتفق مع وضعهم في المجتمع الأمريكي. وتراجعت اللغة اليديشية حتى اختفت تقريباً فاختفت الصحافة اليديشية اليومية وبقيت ثلاث مجلات أسبوعية لا يزيد توزيعها على اثنين وعشرين ألف نسخة معظم قرائها من كبار السن. وبدلاً من كونها لغة الشارع اليهودي الأمريكي، أصبحت لغة الشارع في وليامزبرج وهو الحي اليهودي الأرثوذكسي، حيث كانت لغة ثانية إلى جانب الإنجليزية. واختفى الأدب اليديشي، بل إن بعض أدباء اليديشية بدأ يكتب بالإنجليزية ويترجم أعماله إليها. وفي العشرينيات، كانت أبواب الهجرة موصدة دون اليهود وغيرهم من المهاجرين ثم أُقفل بابها تماماً عام ١٩٢٤. ولذلك، لم يزد عدد المهاجرين، من عام ١٩٣٣ حتى عام ١٩٣٧، على ثلاثة وثلاثين ألفاً. ومع تدهور الموقف في ألمانيا، ارتفع العدد إلى ١٢٤ ألفاً في الفترة بين ١٩٣٨ و١٩٤١. وكان مجموع المهاجرين في الفترة من ١٩٣٣ إلى ١٩٤٥، أي مدة اثنى عشر عاماً، نحو ١٧٤.٦٧٨ فقط معظمهم من ألمانيا والأراضي التي احتلتها. كان خُمس هؤلاء من المهاجرين المهنيين ونصفهم من الرأسماليين، وكان عدد كبير منهم من الشخصيات البارزة ثقافياً، مثل أينشتاين وحنا أرندت وأوبنهايمر، وقد لعبوا دوراً ملحوظاً في الحركات السياسية اليسارية والثورية وكذلك في البحوث العلمية.

стр. 4987

وبدأ أعضاء الجماعة اليهودية في هذه المرحلة يفقدون كثيراً من تنوعهم، ويكتسبون شيئاً من التجانس، إذ أصبح أعضاء الجماعة اليهودية مواطنين أمريكيين اكتسبوا هوية أمريكية واضحة يتحدث معظمهم الإنجليزية ويذهب أولادهم إلى معاهد تعليم أمريكية يستوعبون فيها القيم الأمريكية. بل يبدو أن الجماعة اليهودية المهاجرة كانت أسرع الجماعات المهاجرة تخلياً عن تراثها الثقافي ومنه اللغة، وفي التأمرك، وفي تبنِّي لغة المجتمع الجديد. وكان المدرسون من أعضاء الجماعة اليهودية من أنشط دعاة تعليم الإنجليزية للمهاجرين. وبدأت تنظيمات المهاجرين تتحول إلى بقايا أثرية. ولهذا، نجد أن أعضاء الجماعة اليهودية بدأوا يلعبون دوراً في الحياة السياسية. وقد وجدوا أن الحزب الديموقراطي هو الإطار الأمثل للتعبير عن مصالحهم، شأنهم في هذا شأن معظم المهاجرين والأقليات، فانضموا إليه بأعداد كبيرة. وهذه سمة جديدة ظلت لصيقة بالسلوك السياسي لأعضاء الجماعة اليهودية حتى الوقت الحالي. فقد أعطى ما بين ٨٥ و٩٠% من اليهود أصواتهم لروزفلت في الفترة ١٩٣٣ ـ ١٩٤٥. وبدأ أعضاء الجماعة يحققون بروزاً في الحياة الأمريكية، فكان منهم أحد الوزراء وثلاثة قضاة في المحكمة العليا، وأربعة حكام ولايات ومئات من كبار الموظفين الموجودين على مقربة من صانع القرار. ويُلاحَظ أيضاً أن عدداً كبيراً من أعضاء الجماعة اليهودية كان يوجد في صفوف الأحزاب الثورية. وكما قيل، فإن ٥٠% من أعضاء الحزب الشيوعي كانوا من اليهود، كما أن كثيراً من أعضاء المؤسسة الثقافية اليسارية كانوا، في فترة الثلاثينيات، من اليهود. وهذه سمة استمرت أيضاً لصيقة باليهود حتى الستينيات، وأخذت بعدها في الاختفاء.

стр. 4988

ومع تزايد معدلات الاندماج، زاد ابتعاد أعضاء الجماعة عن العقيدة اليهودية ومؤسساتها، فتناقص عدد اليهود الذين يذهبون إلى المعبد. وتزايد نفوذ اليهودية الإصلاحية والمحافظة، وتراجع نفوذ الأرثوذكس مع ضعف مؤسسات المهاجرين وانخراطهم في صفوف المجتمع الأمريكي. وشهدت هذه المرحلة ظهوراً متزايداً للمنظمات التي تقوم بجمع التبرعات من اليهود بشكل منتظم لصالح الجماعة اليهودية ثم لصالح إسرائيل. ومن أهم هذه التنظيمات جماعة النداء اليهودي الموحَّد عام ١٩٣٩، وتأسَّس مجلس يهودي عام لمنظمات الدفاع اليهودية الذي أصبح اسمه (عام ١٩٤١) المجلس القومي الاستشاري لعلاقات الجماعة اليهودية (بالإنجليزية: ناشيونال كوميونتي ريلشنز أدفيسوري كاونسيل National Community Relations Advisory Council) . وقد بلغ عدد أعضاء الجماعة اليهودية في هذه المرحلة خمسة ملايين حسب بعض التقديرات، المُبالغ فيها، من مجموع السكان البالغ مائة وأربعين مليوناً، وقد ترك الكساد أثره العميق في الأطر التنظيمية لليهود إذ أن الضائقة المالية تركت كثيراً من مؤسسات الرفاه الاجتماعي اليهودي دون ميزانيات كافية. وظهر عجز المنظمات أيضاً وفشلها في أن تقوم بدور فعال لمساعدة يهود ألمانيا أو حتى فتح باب الهجرة أمامهم. ويمكن القول بأن حرب أعضاء الجماعة اليهودية في أمريكا ضد النازية لم تكن حرباً يهودية خاصة، فقد ظلوا بمعزل عن الأحداث ولم يساهموا كثيراً في مقاطعة البضائع الألمانية، بل إن أحد زعماء الجماعة، ستيفن وايز، ساهم في إفشال الجهود الرامية إلى تنظيم المقاطعة بإيعاز من الصهاينة. ولكن إسهام اليهود الأمريكيين (بوصفهم أمريكيين) في جهود الحرب كان كبيراً، فقد فَقَدَ ١٠.٥٠٠ منهم حياتهم وجرح ٢٤ ألفاً وحصل ٣٦ ألفاً على نياشين، وهو ما يدل على أنه لا يوجد مصير يهودي مستقل، وأن مصير أعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة مرتبط تماماً بالمصير الأمريكي.

стр. 4989

وقد احتدم الصراع بين الأقلية الصهيونية التي كانت تتزايد عدداً والأغلبية الاندماجية، وخصوصاً أن المنظمة الصهيونية قرَّرت أن تنقل مركز نشاطها من لندن إلى واشنطن مع انتقال مركز الإمبريالية الغربية. ولذا، فقد عُقد مؤتمر بلتيمور الذي اتخذ قرار بلتيمور عام ١٩٤٢ في الولايات المتحدة. وفي مقابل هذا، تم تأسيس المجلس الأمريكي لليهودية الذي كان يضم كبار رجال الأعمال (من اليهود الإصلاحيين أساساً) الذين حققوا معدلات عالية من الاندماج، والذين كانوا معادين للصهيونية. وربما تكمن المفارقة الكبرى في أنهم اتخذوا موقفاً رافضاً للصهيونية باعتبارهم أمريكيين في الوقت الذي بدأت فيه المؤسسة الحاكمة الأمريكية نفسها تأخذ موقفاً ممالئاً تماماً للصهيونية وترى فيها تحقيقاً لإستراتيجيتها في العالم. ولذا، كان محكوماً على المجلس الأمريكي لليهودية بالإخفاق. اليهود الجدد أو الأمريكيون اليهود (١٩٤٥-١٩٧٠) (Neo-Jews or Jewish Americans (١٩٤٥-١٩٧٠ تخلت الولايات المتحدة في هذه المرحلة تماماً عن سياستها الانعزالية وأصبحت قائد العالم الغربي بلا منازع. وازداد المجتمع الأمريكي علمانية وازدادت العلمانية شمولاً، وتم فصل الدين عن الدولة تماماً إذ وضعت المحكمة الدستورية العليا عام ١٩٤٧ أسس هذا الفصل الحاد، فقد أعلنت المحكمة أن الحكومة الفيدرالية أو المحلية ليس بإمكانها أن تصدر قوانين من شأنها مساعدة أيٍّ من الديانات، ولا أن تُفضِّل ديانة على الديانات الأخرى. وترسخت فكرة الحقوق المدنية، وبدأت الأقلية السوداء تطالب بحقوقها مع أوائل الستينيات، وظهرت حركة الحقوق المدنية. وتُسمَّى هذه الفترة «فترة الوفرة» التي اتسمت بضعف الأواصر الاجتماعية والقيم الدينية، وتزايد معدلات العلمنة، وتوجُّه المجتمع الأمريكي، بشكل حاد وبدون أي تردد، نحو اللذة والمنفعة.

стр. 4990

وقد تحوَّلت الجماعة اليهودية إلى جماعة أمريكية تماماً، المولودون فيها أكثر من المهاجرين إليها، وأصبحوا أساساً أعضاء في الطبقة الوسطى الأمريكية التي تسكن الضواحي، وذابت كل علامات التميز الحضاري. ويرى علماء الاجتماع أن ثمة تقسيماً ثلاثياً يحكم المجتمع الأمريكي وهو أنه مجتمع تحكمه ديانات ثلاث، هي: البروتستانتية والكاثوليكية واليهودية، وهو ما يعني عمق قبول اليهودية. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، استمرت الحكومة في رفض السماح لأيٍّ من المهاجرين الجدد بدخول الولايات المتحدة. ومع هذا، صدر تشريع يسمح لبعض المُرحَّلين اليهود بالاستقرار. ودخل بالفعل ثلاثة وستون ألف يهودي، وكانت مجموعة غير متجانسة صغيرة العدد. ولذا، فإنها لم تُغيِّر الطابع العام الذي اتسمت به الجماعة اليهودية التي كانت قد تحدَّدت سماتها الأساسية واستقرت. وكان مجموع المهاجرين في الفترة من ١٩٤٤ حتى ١٩٥٩ لا يزيد على ١٩١.٦٩٣ إلى أن تم إلغاء القوانين التي تحد من الهجرة عام ١٩٦٥. وبلغ عدد المهاجرين في الفترة من ١٩٦٠ إلى ١٩٦٨ نحو ٧٣ ألف مهاجر يهودي، معظمهم جاء من إسرائيل بعد عام ١٩٥٧، ومن الشرق الأوسط وكوبا، وإن كان الجميع ينتمون لأصل أوربي. ارتفع عدد أعضاء الجماعة اليهودية إلى ٥.٢٠٠.٠٠٠ عام ١٩٥٧، ووصل إلى ٦.٠٠٠.٠٠٠ عام ١٩٧٠، وهذا يعني أن عدد أعضاء الجماعة اليهودية كان آخذاً في التناقص بالنسبة لعدد السكان، وأن زيادتهم الطبيعية في الفترة من ١٩٤٥ حتى عام ١٩٦٩، أي خلال نحو خمسة وعشرين عاماً، لم تزد عن نحو ٧٠٠ ألف (وذلك بطرح عدد المهاجرين) . وتسبب هذه الاتجاهات السكانية، التي أصبحت اتجاهات ثابتة، كثيراً من القلق في الأوساط اليهودية، وخصوصاً إذا تمت رؤيتها في سياق معدلات الاندماج المتزايدة والزواج المُختلَط.

стр. 4991

وتوجد معظم الجماعات اليهودية في المدن الكبرى، ذلك أن أربعين بالمائة من كل اليهود يعيشون في نيويورك وحولها كما كان الحال منذ عام ١٩٠٠. وبلغ عدد اليهود الذين يعيشون في نيويورك العظمى أي في نيويورك والضواحي المحيطة بها وشمال شرق نيوجرسي، وفي المدن التسع الكبرى (لوس أنجلوس ـ شيكاغو ـ فيلادلفيا ـ بوسطن ـ ميامي ـ واشنطن ـ كليفلاند ـ بلتيمور ـ ديترويت) نحو ٧٥% من كل أعضاء الجماعة اليهودية. ويُلاحَظ أن أعضاء الجماعة اليهودية لا يسكنون المدن نفسها وإنما يقطنون خارجها في الضواحي، وهذا من علامات الثراء المتوسط إذ لا يسكن المدن الكبرى سوى الفقراء (من السود والبورتوريكيين) أو كبار الأثرياء من المليونيرات. ولا توجد ضواح مقصورة على اليهود فما يحدد موقع السكنى في الوقت الحاضر مقياسان ماديان أحدهما الدخل والآخر لون الجلد، ولم يَعُد الانتماء الديني أساساً للتصنيف. والواقع أن أعضاء الجماعة اليهودية يُصنَّفون ضمن الأقليات البيضاء في الولايات المتحدة، وتنتمي أغلبيتهم إلى شريحة عليا من الطبقة الوسطى. ومن الاتجاهات الجديدة التي شهدتها هذه الفترة زيادة عدد أعضاء الجماعة اليهودية في لوس أنجلوس، ففي عام ١٩٤٥ كان عددهم يبلغ ١٥٠ ألفاً، زاد إلى ٥١٠ آلاف عام ١٩٦٨. والشيء نفسه ينطبق على ميامي إذ زاد العدد من ٧٥٠٠ عام ١٩٣٧ إلى ٤٠ ألفاً عام ١٩٤٨ و١٥٠ ألفاً عام ١٩٧٠، وإن كان معظم اليهود هناك من العجائز. وحركة أعضاء الجماعة اليهودية إلى كاليفورنيا وميامي ليست مقصورة علىهم وإنما كانت جزءاً من اتجاه قومي أمريكي عام، حيث هاجر الكثيرون من وسط القارة الأمريكية إلى السواحل. ولذلك، نجد أن يهود شيكاغو قد انخفض عددهم من ٣٣٣ ألفاً عام ١٩٤٦ إلى ٢٨٥ ألفاً عام ١٩٦٩.

стр. 4992

وفيما يخص الهيكل الوظيفي والمهني لأعضاء الجماعة اليهودية، فقد شهدت الفترة بعد عام ١٩٤٥ تَعمُّق الاتجاهات التي شاهدنا ظهورها في المرحلة السابقة، إذ زاد عدد اليهود المشتغلين بالمهن في الطب والتدريس بالجامعات وداخل البيروقراطية الحكومية في جهاز الموظفين وتناقص عدد العمال المهرة وغير المهرة بنسبة كبيرة بحيث لا يكاد يوجد أي يهود بين عمال النقل وعمال المناجم. كما لا يوجد يهود في صناعة الأخشاب والتعدين والنقل كما كان الحال في الماضي، وتناقص عدد الفلاحين اليهود بحيث كاد ينعدم، كما تناقص عددهم في صناعة الملابس، أي أن ميراثهم الاقتصادي الأوربي اختفى تماماً. ويمكن القول بأن ظهور المهني اليهودي هو السمة الأساسية لهذه الفترة. فعلى سبيل المثال، زاد عدد المهنيين في إحدى المدن الأمريكية (تشارلستون) أربعة أضعاف بين منتصف الثلاثينيات وعام ١٩٤٨، وزاد عدد المهنيين في لوس أنجلوس في الفترة من ١٩٤١ إلى ١٩٥٩ من ١١% إلى ٢٥%. ويظهر هذا في بروز شخصيات يهودية في مجالات التربية والعلوم والقضاء والمحاسبة، وفي زيادة عددهم في مجالات الترفيه والإعلام والنشر. وزاد عدد أعضاء الجماعة اليهودية الذين يعملون كوسطاء في مجالات تجارة القطاعي والبناء والعقارات في المدن الكبرى والترفيه وعالم المال والأسهم والسندات والصناعة وقطاع الإعلام والسينما والمسرح (نشر ـ معاهد موسيقية ـ مراكز ثقافية) . وبينهم عدد من كبار أصحاب المزارع والمصانع في قطاع الصناعة الزراعية. ويُلاحَظ تركُّز الرأسماليين من أعضاء الجماعة اليهودية في الخدمات الاستهلاكية وفي الصناعات الخفيفة وصناعات القطاع الوسط (صناعة الملابس وصناعة الفراء والمجوهرات والمشروبات الروحية وصناعة السينما) . وهذا يدل على أن ميراثهم الاقتصادي اليديشي ووضعهم كمهاجرين لا يزال له أثر في نمط حراكهم. و «يسيطر» الرأسماليون من أعضاء الجماعة اليهودية على بعض هذه الصناعات. ولكن إلى

стр. 4993

جانب هذا يُلاحَظ غياب الرأسماليين من أعضاء الجماعة اليهودية عن الصناعات الثقيلة، إذ تظل هذه الأخيرة (الفحم والفولاذ والمصارف والنفط والسيارات والسفن ووسائل المواصلات) في أيدي الواسب، أي البروتستانت البيض، وهم أعضاء النخبة الاقتصادية والسياسية الذين يتحكمون في العصب الأساسي للاقتصاد الأمريكي الذي يشكل مصدر النفوذ السياسي الحقيقي. وقد يكون من المفيد أن نذكر، في هذا المضمار، أن المصارف الكبرى في الولايات المتحدة، وعددها خمسة وأربعون، لا يشغل اليهود المناصب العليا فيها إلا في خمسة مصارف. ويظل أغلبية اليهود ميسوري الحال أعضاء في الطبقة الوسطى من أصحاب الياقات البيضاء ممن يسكنون المدن أو ضواحيها، وهو ما يعني بروزهم ولمعانهم دون أن تكون لهم قوة اقتصادية حقيقية. ويمكن القول بأن الهرم الوظيفي بالنسبة ليهود أمريكا مختلف عن الهرم الوظيفي القومي الأمريكي. ففي عام ١٩٦٠، بلغ عدد المهنيين بين اليهود ٢٥% (مقابل ٢٣% بين الأمريكيين ككل) وبلغ عدد الملاك والمديرين وأصحاب العمل ٣٠% (مقابل ١٠.٧% بين الأمريكيين ككل) ، و٢٥% كانوا يعملون في الوظائف الكتابية وعمليات البيع. أما الـ ٢٠% الباقية، فثلاثة أرباعهم كانوا عمالاً مهرة وغير مهرة وحرفيين. ويُلاحَظ زيادة عدد المهنيين اليهود، وهو ما يعني زيادة اقتراب الجماعة اليهودية من السلطة ومن صانع القرار، إذ نجد عدداً كبيراً منهم في واشنطن مستشارين للحكومة ولأعضاء الكونجرس وفي عديد من اللجان والوظائف. ويبدو أن متوسط دخل الفرد اليهودي أعلى من متوسط دخل أعضاء المجموعات الدينية والإثنية الأخرى.

стр. 4994

ولكن أعضاء الجماعة اليهودية بغض النظر عن مدى فقرهم أو ثرائهم أو تميُّزهم الوظيفي أو مدى صهيونيتهم أو عدمها، أصبحوا جزءاً عضوياً من الاقتصاد الأمريكي. فالرأسماليون الأمريكيون اليهود لا يشكلون رأسمالية يهودية لها حركية مستقلة، وهم ليسوا رأسماليين يهوداً وإنما هم رأسماليون أمريكيون يهود (أو رأسماليون أمريكيون من أعضاء الجماعة اليهودية) ويشكلون جزءاً من الاقتصاد الأمريكي وينحصر ولاؤهم في رأس المال، وهذا الولاء هو الذي يحدد سلوكهم. وما يحدِّد حركية رأس المال الذي يملكه اليهود ليس تطلعاتهم الدينية أو الصهيونية وإنما حركية الاقتصاد الرأسمالي الأمريكي العامة والمنظومة القيمية المادية النفعية. وكذلك أيضاً المهني اليهودي، فمما لا شك فيه، كما بيَّنا، أن زيادة عدد المهنيين من أعضاء الجماعة اليهودية يعني في واقع الأمر ازدياد أعضاء الجماعة اقتراباً من السلطة وصانع القرار وتأثيراً فيها. ولكنهم، مع هذا، يظلون أقلية عددية صغيرة، وهو ما يعني أن هيمنتهم تظل محدودة. وحينما يصل أحد أعضاء الجماعة اليهودية إلى القمة، فإن الطريق يكون مفتوحاً أمامه وهو يمارس نفوذه في دولة لها إستراتيجيتها العامة ولها مؤسساتها الثابتة وقوانينها المستقرة وأجهزتها التنفيذية ذات السطوة، وهو ما يعني أنه سيظل أساساً جزءاً من الكل الأمريكي حتى في مكانه القيادي. وهو سيحقق البروز وسيصل إلى مكانة قيادية بمقدار ما يخدم مصالح المؤسسة. إن الرأسمالي اليهودي، مثل المهني اليهودي، يشكل كل منهما نقطة في مجتمع يشبه البحر الضخم المتلاطم ذا الحركية المستقلة الواضحة. ومن الصعب على أعضاء أية أقلية، أياً ما بلغ نفوذها وقوتها، الهيمنة عليه وتوظيفه لخدمة مصالحها، وخصوصاً إن تعارضت هذه المصالح مع الاتجاه العام. لكن هذا لا يعني انعدام المقدرة على التأثير، وخصوصاً فيما يخص التفاصيل، وهو أمر يختلف عن التوظيف الكامل وتغيير الاتجاه.

стр. 4995

وقد طُرحت قضية الصهيونية على الجماعة اليهودية المندمجة وتم حسمها بعد عام ١٩٤٨ لصالح الصهيونية، وحسب شروط يهود أمريكا الجدد الذين اعتنقت أغلبيتهم الصهيونية، ولكنها لم تكن على أية حال الصهيونية الاستيطانية ذات الجذور الشرق أوربية التي تطلب من اليهود التخلي عن وطنهم والهجرة إلى فلسطين والاستيطان فيها. إنها صهيونية توطينية تترجم نفسها إلى دعم مالي وسياسي للمُستوطَن الصهيوني، وتكتفي بممارسة الضغط السياسي على الحكومة الأمريكية لصالح دولة إسرائيل (وإن كانت المسألة لا تستدعي ضغطاً كبيراً) . وقد سارعت الحكومة الأمريكية إلى تأييد قرار التقسيم ثم الاعتراف بالدولة، وهي تراها الآن حليفاً إستراتيجياً وتدفع معونات ضخمة لها. ولا تترجم هذه الصهيونية نفسها إلى هجرة أو استيطان إلا في القليل النادر، فهي تترجم نفسها إلى رموز إثنية تشبه من بعض الوجوه الرموز الإثنية لأعضاء الأقليات الأخرى. وقد شبَّه آرثر هرتزبرج علاقة يهود الولايات المتحدة بإسرائيل بعلاقة الرجل بعشيقته، فهو لا يراها إلا لفترات متباعدة، ولذا فإنها تظل بعيدة مشبعة بالرومانسية ومزينة، وهو يغدق عليها الأموال ولكنه يحتفظ بمسافة بينه وبينها، وحينما تحين لحظة الاختيار فإنه يختار زوجته وأولاده وأسرته.

стр. 4996

ومن ناحية الأطر التنظيمية، يُلاحَظ بدايات محاولة الوصول إلى إطار تنظيمي يضم سائر المنظمات المختلفة على أن تحتفظ كل منظمة أو جماعة باستقلالها. والواقع أن محاولة التنظيم هي تعبير عن تَزايُد التجانس بين أعضاء الجماعة اليهودية. أما طريقة التنظيم نفسها، فهي انعكاس للطريقة الفيدرالية الأمريكية في التنظيم. ولقد تأسَّست لجان قومية مهمتها التنسيق بين المعابد اليهودية أو بين اللجان الصهيونية المختلفة أو لجان الدفاع المختلفة أو الجباية. وكما أسلفنا، أُسِّست جماعة النداء اليهودي الموحَّد عام ١٩٣٩، وسندات إسرائيل عام ١٩٥٠، والنداء الإسرائيلي الموحَّد عام ١٩٥٠. كما أن هناك، في كل جماعة يهودية كبيرة، ممثِّلين لمختلف المنظمات اليهودية التي تسيطر عليها الصهيونية، أكثر التنظيمات اليهودية تنظيماً.

стр. 4997

ومن أهم القضايا التي أثيرت في هذه المرحلة قضية علاقة الدين بالتعليم إذ أن أعضاء الجماعة اليهودية كانوا يقفون وراء المطالبة بعدم تقديم العون للمدارس الدينية بحجة أن هذا خرق للدستور الأمريكي الذي يفصل بين الدين والدولة. ولكن معظم هذه المدارس كان الملجأ الوحيد لأبناء الأسر الكاثوليكية المهاجرة الفقيرة، الأيرلنديين والإيطاليين والبورتوريكيين، حيث يمكنهم أن يتلقوا تعليماً جيداً، فالقيم الأخلاقية في نظام التعليم العام الأمريكي قد ضعفت وبحدة، كما أن طريقة تمويل المدارس من الضرائب المحلية تجعل مستوى المدارس في الأحياء الغنية التي يوجد فيها اليهود مرتفعاً إذ يستطيع أهل الحي أو المدينة أن يموِّلوا جميع النشاطات المدرسية. أما في الأحياء الفقيرة، فلا تتاح هذه الفرصة. ولذا، فقد اكتسبت قضية الدعم الحكومي للمدارس نبرات إثنية، وخصوصاً أن معظم أعضاء الجماعة اليهودية يقفون أيضاً ضد تدريس القيم الأخلاقية والروحية للأطفال باعتبار أن هذا قد يُستخدَم ستاراً لتدريس القيم الدينية. ولا تزال هذه القضية مصدراً أساسياً للتوتر في العلاقات بين أعضاء الجماعة اليهودية وأغلبية سكان الولايات المتحدة. ومما يجدر ذكره أن اليهود الأرثوذكس يتخذون موقفاً مشابهاً لموقف الكاثوليك، فهم يودون الحفاظ على نظام التعليم اليهودي الخاص بهم، الأمر الذي يجعلهم في حاجة إلى دعم حكومي. ويبدو أن الهوية الدينية اليهودية في الولايات المتحدة ضَعُفت بشكل سريع جداً. ففي إحدى الإحصاءات (عام ١٩٤٥) ، جاء أن ١٨% من اليهود يرتادون دور العبادة الخاصة بهم مرة واحدة على الأقل في الشهر مقابل ٦٥% من البروتستانت و٨٣% من الكاثوليك، وهو ما يدل على أنهم من أكثر القطاعات علمنة في المجتمع الأمريكي. واستمرت النسبة كما هي عليه عام ١٩٥٨ ولكنها انخفضت قياساً إلى بقية المجتمع، فأصبحت ٤٠% من البروتستانت و٧٤% بالنسبة إلى الكاثوليك.

стр. 4998

ولكن نسبة ١٨% قد يكون مُبالغاً فيها إذ أن الكثير من يهود أمريكا يلصقون بأنفسهم صفة «يهودي» دون أية ممارسات دينية. وقد بيَّنت إحدى الإحصاءات أن نحو ١٠% أو ٢٠% فقط من اليهود يقيمون الشعائر الخاصة بالاحتفال بالسبت والطعام الشرعي والصلوات اليومية. ويظهر ضعف المؤسسات الدينية في أن المعبد اليهودي أصبح ذا دور ثانوي تماماً بالنسبة لدور النادي الاجتماعي اليهودي. ويمكن القول بأنه، مع ضعف الهوية الدينية، يتمسك اليهود ببعض المظاهر الإثنية للحفاظ على الهوية المتميِّزة. ومن هنا تزايدت قوة الصهيونية، فالصهيونية هي اليهودية الإثنية بعد تجريدها من أي مضمون ديني. ومن دلائل الاندماج المتزايد، اختفاء العبرية كأداة للتعبير الأدبي، وكذلك اتجاه اليديشية نحو الاختفاء الكامل. ويمكن اعتبار تزايد الزواج المختلط (بمعدلاته المرتفعة التي تصل في بعض الولايات إلى ما يزيد على ٦٠%) مؤشراً آخر. ويظهر الاندماج أيضاً في غربة الأجيال اليهودية الجديدة عن أسرها البورجوازية، فقد انخرطت أعداد كبيرة منهم في صفوف حركة الحقوق المدنية وحركة اليسار الجديد في الستينيات. ولكن يمكن القول بأن أعضاء الجماعة اليهودية، باعتبارهم أقلية مهاجرة في المدينة تدين بالولاء للحزب الديموقراطي، كان لهم دائماً اتجاه ليبرالي وكانوا يطالبون بقدر من التدخل من جانب الحكومة ضد الاحتكارات ومن أجل الرفاه الاجتماعي.

стр. 4999

ومن الظواهر المهمة في هذه المرحلة، استمرار بروز أعضاء الجماعة اليهودية وتميُّزهم في المجتمع الأمريكي، وخصوصاً في الحياة الثقافية والأدبية. ويتضح بروز أعضاء الجماعة أيضاً في تزايد عدد اليهود من أعضاء هيئة التدريس في الجامعات (١٠% من مجموع الأساتذة يهود) موزعين في جميع التخصصات، وخصوصاً الفيزياء وعلم الاجتماع وعلم النفس. كما يُلاحَظ بروزهم من خلال العدد الكبير من الكتاب والنقاد الأمريكيين اليهود، مثل: سول بلو، وفيليب روث، وبرنارد مالامود، وليونيل ترلنج، وإرفنج هاو، ولسلي فيدلر، ووليام فيلبس. ولكن من الملاحَظ أن كثيراً من هؤلاء المثقفين لم تكن هويتهم يهودية بشكل محدَّد ولم يهتموا بالقضايا الإثنية أو الدينية اليهودية إذ أن انتماءهم كان أمريكياً بالدرجة الأولى.

стр. 5000

الباب الثامن عشر: اليهود الجدد أو الأمريكيون اليهود في الوقت الحاضر تعداد الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة ومعالمها السكانية الأساسية Number of the Jewish Community in the U.S.A. and Main Demographic Traits بلغ عدد يهود الولايات المتحدة عام ١٩٩٢ نحو ٥.٦٢٠.٠٠٠، ويذهب مصدر إحصائي آخر أن عددهم عام ١٩٩٥ هو ٥.٨٠٠.٠٠٠، الأمر الذي جعلهم أكبر جماعة يهودية في العالم (حوالي ٤٣.٥%) . وهم يشكلون ٢.٤% من الشعب الأمريكي البالغ عدده ٢٥٧.٥٩٥.٠٠٠ نسمة. وقد أصبحت الإحصاءات الخاصّة بأعضاء الجماعة اليهودية مسألة خلافية بشكل حاد، وخاضعة للأهواء الأيديولوجية. فحسب إحدى الإحصاءات، بلغ العدد ٨.٢٠٠.٠٠٠، ولكن الدراسة أضافت أن من بينهم ٢.٧٠٠.٠٠٠ من «أصول يهودية» ولكنهم لا يعتبرون أنفسهم يهوداً. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: إن كان هؤلاء ليسوا يهوداً من منظور الشريعة اليهودية ولا من منظور الإثنية اليهودية ولا من منظور أنفسهم أو جيرانهم، فلم تم ضمهم إلى الإحصاء أساساً؟ ومهما يكن الأمر، يُلاحَظ أن عدد أعضاء الجماعة اليهودية قد تناقص بشكل ملحوظ قياساً إلى عدد سكان الولايات المتحدة. فقد بلغ عدد اليهود عام ١٩٥٧ نحو ٥.٢٠٠.٠٠٠ مليون، وزاد إلى ٥.٩٢٠.٩٠٠ عام ١٩٨٠. ولكن من المعروف أنه حين كانت الزيادة في الشعب الأمريكي ٣٧% كانت الزيادة بين أعضاء الجماعة اليهودية ١٧% فقط. ويُلاحَظ أنه لم تُسجَّل أية زيادة في عدد اليهود بعد ذلك، بينما زاد السكان في الولايات المتحدة ١.٥% سنوياً. ومما يزيد الصورة قتامة أن هذا العدد لا يضم اليهود وحسب وإنما "كل أهل البيت اليهودي"، أي الأعضاء غير اليهود في العائلات اليهودية.....

стр. 5001

ويُلاحَظ أن نسبة الخصوبة بين أعضاء الجماعة اليهودية منخفضة (يتراوح عدد الأطفال تحت سن الخامسة لكل ألف أنثى بين ٢٠ و ٤٤) . وقد جاء في إحدى الإحصاءات (عام ١٩٧١ ـ ١٩٧٢) أنه في إحدى الجماعات الأمريكية، أنجبت ألف أم يهودية (في المرحلة العمرية ٢٠ ـ ٤٤) ٤٥٠ طفلاً مقابل ٦٣٥ طفلاً للأمهات غير اليهوديات. وقد انخفضت النسبة بعد ذلك فأصبحت ١.٦ لكل أنثى (بل يُقال ١.٤) وهي أقل نسبة خصوبة في الولايات المتحدة (النسبة العامة للأنثى الأمريكية ٢.٥) . وبيَّنت إحصاءات عام ١٩٩٠ أن نسبة خصوبة الأنثى اليهودية للمرحلة العمرية ٣٥ ـ ٤٤ هو ١.٥٧، أما بالنسبة للمرحلة العمرية المهمة ٢٥ ـ ٣٤ فهو نحو ٠.٨٧ (وتُعَد من أقل النسب في العالم) . وهذا يدل على أن منحنى التناقص لم يصل إلى ذروته بعد. وهذا يعني أن درجة خصوبة الأنثى اليهودية غير كافية لأن تُعيد الجماعة إنتاج نفسها (المطلوب هو ٢.١ طفل لكل أنثى) . ولوحظ أن المرحلة العمرية ١٠ ـ ١٤ تشكل ١٠% من مجموع السكان في الولايات، أما بين أعضاء الجماعة اليهودية فهي ٩.٧%، أي أنها مساوية تقريباً للنسبة القومية، ولكن يُلاحَظ أن الأمر مختلف في المرحلة العمرية ٥ ـ ٩ إذ أن النسبة المئوية العامة هي ٩.٧%، وهي بين اليهود ٦.٨%. ويتجلى التفاوت الحاد في الأطفال دون الرابعة، فالنسبة هي ٨.٤% لمجموع السكان، أما بالنسبة للجماعة اليهودية فهي أقل من النصف (٤%) ، وهو ما يعني تزايد عقم المرأة اليهودية وتناقص خصوبتها. فإذا أضفنا إلى ذلك معدلات الاندماج العالية والزواج المُختلَط، فإننا نجد أن الاتجاه السكاني العام نحو التناقص يتزايد مع الأيام. وفي عام ١٩٧٧، أوصى المؤتمر المركزي للحاخامات الأمريكيين بتشجيع الأزواج الأمريكيين اليهود على إنجاب طفلين أو ثلاثة أطفال على الأقل.

стр. 5002

ويذهب إلياهو برجمان (مركز هارفارد للدراسات السكانية) إلى أنه حينما تحتفل الولايات المتحدة بعيدها المئوي الثالث (٦٧٠٢) لن يتجاوز عدد اليهود ٩٤٤.٠٠٠ (أي أقل من مليون) . بسبب انحفاض نسبة المواليد وازدياد معدلات الاندماج. ولكن، لم يتفق معه كل من صموئيل لايبرمان ومورتون واينفيلد، حيث تنبآ بزيادة بطيئة حتى عام ٢٠٠٠ ثم تناقص مستمر ليصل إلى ٣.٩ مليون عام ٢٠٧٠. وبغض النظر عن هذه الخلافات بين علماء ديموجرافيا الجماعات اليهودية، فإن ثمة تناقصاً ملحوظاً هو تعبير عن الظاهرة العامة الموجودة التي تسم كل أعضاء الجماعات اليهودية في العالم ويطلق عليها ظاهرة «موت الشعب اليهودي» .

стр. 5003

وشهدت هذه الفترة تَزايُد تَوزُّع أو تشتت الجماعات اليهودية، وهو ما سيؤدي إلى زيادة معدلات الاندماج، فقد استمر الاتجاه نحو الانتقال من ولايات الشمال الشرقي (نيويورك ونيوجرسي وكونتيكات) والشمالية الوسطى (إلينوي، وغيرها) ، وهي المناطق التقليدية لتركز اليهود إلى كاليفورنيا التي يبلغ سكانها اليهود في الوقت الحالي ٩١٩ ألفاً، أي نحو ٣.٥% من سكان الولاية، وإلى فلوريدا التي يبلغ حجم الجماعة اليهودية فيها نحو ٦٢٢.٠٠٠، أي ٤.٦%، وسكان لوس أنجيلوس من اليهود (٥٠١.٠٠٠) ينقص قليلاً عن عدد سكان فيلادلفيا (٢٤٥.٠٠٠) وشيكاغو (٢٤٨.٠٠٠) مجتمعين (٣٩٤.٠٠٠) . ومع هذا، لا تزال ولاية نيويورك تضم ١.٦٤٠.٠٠٠، أي ٩.١% من سكانها وحوالي ٢٠% من مجموع يهود العالم. وتضم ولاية نيوجرسي ٤٣٠ ألفاً أي ٥.٦%. أما ولاية ماساشوستس، فتضم ٢٧٠ ألفاً أي ٤.٥% من سكانها، وتضم ولاية بنسيلفانيا ٣٣٠ ألفاً، أي ٢.٨% من سكانها، وبلغ أعضاء الجماعة اليهودية في ميريلاند نحو ٢١٢.٠٠٠، أي ٤.٣% من سكانها. كما استمر اليهود في التنقل من وسط المدن الكبرى إلى الضواحي والمدن الصغيرة. وقد هبط عدد اليهود من سكان نيويورك من ٢.٥ مليون في أوائل السبعينيات إلى ١.٤٥٠.٠٠٠ عام ١٩٩٥. ولذا، فمن المتوقع أن ينكمش الدور الذي يلعبه اليهود في إدارة هذه المدينة. وبالفعل، تم مؤخراً انتخاب عمدة أسود في نيويورك، وكان من قبل إما يهودياً أو من أصل بريطاني. ومع هذا، تظل نيويورك أهم وأكبر مدينة يهودية في العالم (بل أكبر مدينة بولندية وأيرلندية أيضاً) . ومن المدن الأخرى التي تضم جماعات يهودية كبيرة ما يلي:

стр. 5004

وأعضاء الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة هم أساساً جماعة حضرية، ذلك أن ٩٦% من اليهود يقطنون المدينة مقابل المعدل القومي البالغ ٦٤%، وذلك حسب إحصاءات عام ١٩٧١ - ١٩٧٢. ويعيش ٧٥% من مجموع اليهود في المدن الأساسية وضواحيها (نيويورك ولوس أنجيلوس وفيلادلفيا وشيكاغو وميامي وواشنطن وبوسطن وبلتيمور وديترويت وكليفلاند) والتي يعيش فيها ٢٠% من مجموع المواطنين الأمريكيين. ومن القضايا الأساسية والخطيرة التي يواجهها الأمريكيون اليهود، والتي تساعد على تناقص عدد اليهود، قضية الزواج المختلط. وقد ورد في إحدى الإحصاءات أن ٩.٢% من جملة اليهود المتزوجين عام ١٩٥٠ كانوا مقترنين بطرف غير يهودي. وفي الفترة التي امتدَّت حتى عام ١٩٦٥، كانت نسبة اليهود المتزوجين من يهود حوالي ٩٥%. ولكن النسبة انخفضت إلى النصف في الفترة ١٩٦٥ـ ١٩٧٤ إذ انخفضت إلى ٧٤% ثم انخفضت في الفترة ١٩٧٤ ـ ١٩٨٥ إلى ٥٤%، ثم انخفضت بعد عام ١٩٨٥ إلى ٤٧ ـ ٤٨%. وهذه هي النسبة العامة على المستوى القومي، وهو ما يعني أنها تصل في بعض الأماكن (مثل أيوا، حيث لا توجد جماعة يهودية كبيرة) إلى ما يقرب من ٨٠ ـ ٩٠%. ويدل المنحنى الإحصائي على أنها لم تصل بعد إلى نقطة الذروة.

стр. 5005

ويطلق الصهاينة على ذلك «الهولوكوست الصامت» أو «الإبادة الصامتة» . وقد أصدرت إحدى الجماعات اليهودية إعلاناً في إحدى الجرائد الأمريكية يقول «أنت يهودي، ولكن هناك احتمالاً كبيراً لأن يكون أولادك غير يهود» . ونسبة الذكور اليهود المتزوجين من إناث غير يهوديات إلى نسبة الإناث اليهوديات المتزوجات من ذكور غير يهود هي ١ ـ ٢. ولهذا دلالة من منظور الشريعة اليهودية التي تُعرِّف اليهودي بأنه من وُلد لأم يهودية. وبالتالي، فإن أبناء الذكور اليهود لا يُحسبون يهوداً. ورغم أن أبناء الإناث المتزوجات من غير يهود يُعَدون رسمياً يهوداً، فإنهم من الناحية الفعلية يعدون غير محددي الهوية. ويبلغ عدد الأطفال اليهود من الزيجات المُختلَطة بين ٤٠٠ و٦٠٠ ألف طفل يهودي، وهو ما يعني أن الاتجاه نحو الزواج المُختلَط سيزيد في المستقبل لأن أبناء مثل هذه الزيجات يكون عندهم استعداد أكبر للاندماج والزواج المُختلَط.

стр. 5006

وفي محاولة وقف تناقص أعداد أعضاء الجماعة اليهودية، اتخذت اليهودية الإصلاحية سياسة تشجيع التبشير باليهودية كما اعترفت بأبناء الذكور اليهود (المتزوجين من إناث غير يهوديات) يهوداً. ويُلاحَظ أن بعض أبناء الزيجات المختلطة، يعتبرون أنفسهم يهوداً، ولكن أغلبيتهم العظمى لا تعبِّر عن انتمائها الديني بطريقة دينية أو إثنية، أي أن يهوديتهم هي في واقع الأمر اسم بلا مُسمَّى ودالٌّ بلا مدلول. ويسبب أبناء الزيجات المُختلَطة مشكلة ضخمة في إسرائيل، فكثير من الإناث اللائي يتزوجن من يهود إما يتهودن على يد حاخامات إصلاحيين أو محافظين أو يحتفظن بانتمائهن الديني وينشئن أطفالهن يهوداً. وترفض الحاخامية الأرثوذكسية في إسرائيل الاعتراف بيهودية هؤلاء المتهودات أو يهودية أطفالهن. كما تحاول المؤسسة الأرثوذكسية في الدولة الصهيونية أن تعيد تعريف الهوية اليهودية لتصبح: «من وُلد لأم يهودية أو تهود حسب الشريعة» ، أي على يد حاخام أرثوذكسي. ولو تم هذا، فإنه سيسبب ما يشبه القطيعة شبه الكاملة بين الدولة الصهيونية وأغلبية يهود الولايات المتحدة المحافظين والإصلاحيين والإثنيين. ويبدو أن تزايد معدل العلمنة يؤدي إلى الإحجام عن الإنجاب بسبب التوجه نحو اللذة وتحقيق الذات.

стр. 5007

وقد ظهرت في فترة الستينيات، جماعات سوداء معادية لليهود، والمؤسسة الليبرالية البيضاء. ومع بداية الثمانينيات، كان تحالف الأقليات أو التحالف الليبرالي الذي كان يشكل أعضاء الجماعة اليهودية نواته الأساسية، والذي خاض معركة الحقوق المدنية في أوائل الستينيات، قد تحطَّم تماماً ولم يَعُد لليهود فيه مكان وبدأت القيادات السوداء تتولى قيادة الأقلية السوداء التي تطالب الآن بأن تلعب دوراً يتناسب مع حجمها. وقد ظهرت أقليات أخرى في المجتمع الأمريكي مثل الكاثوليك المنحدرين من أصل إسباني (هسبانيك) والأمريكيين ذوي الأصل العربي. ويبدو أن عدد المسلمين في الولايات المتحدة قد بدأ يتجاوز عدد اليهود، إن لم يكن قد تجاوزه بالفعل. وكل هذا يعني أن الجماعة اليهودية بدأت تفقد وضعها كأهم أقلية داخل المجتمع الأمريكي.

стр. 5008

وقد شهدت هذه المرحلة نوعين من المهاجرين: أولهما وأهمهما المهاجرون من إسرائيل، حيث استوطن الولايات المتحدة نحو ٧٠٠ ألف إسرائيلي (وإذا ضُم إلى هذا الرقم الأبناء، فإن الرقم يقترب من مليون) . وقد أرسلت الوكالة اليهودية مجموعة من المبعوثين الإسرائيليين لإقناع الإسرائيليين بالعودة، ولإقناع بعض يهود أمريكا بالهجرة، فاستقر عدد منهم في الولايات المتحدة. والنوع الثاني هم المهاجرون من روسيا السوفيتية الذين بلغ عددهم ١٠٠ ألف من مجموع ٢٦٥ ألف مهاجر سوفيتي حتى عام ١٩٨٩، هذا بخلاف من تركوا إسرائيل بعد استقرارهم فيها. وقد تزايد عددهم في الآونة الأخيرة بسبب فتح باب الهجرة من الاتحاد السوفيتي مرة أخرى، واندلاع الانتفاضة في الوقت نفسه، الأمر الذي جعل الاستيطان في فلسطين المحتلة أمراً غير جذاب. ويسبب كلا الفريقين حرجاً شديداً ليهود أمريكا. فالنوع الأول مرتد عن إسرائيل (بالعبرية: يورديم) ، ويكوِّنون «دياسبورا إسرائيلية» ، وهو مصطلح يقوض دعائم الشرعية الصهيونية. أما النوع الثاني، فهم متساقطون (بالعبرية: نشوريم) آثروا الهجرة إلى الجولدن مدينا (البلد الذهبية) على الهجرة إلى إرتس يسرائيل (أرض إسرائيل) . وهنا تطرح القضية نفسها: هل يجب مساعدة المهاجرين الإسرائيليين والروس باعتبارهم يهوداً أم يجب التصدي لهم باعتبارهم مرتدين ومتساقطين؟ ومما تجدر ملاحظته أن المهاجرين الروس يُطلَق عليهم مصطلح «يهود روس» وليس «يهود اليديشية» لأنهم لا يعرفون هذه اللغة. وقد جاء معظمهم من روسيا وأوكرانيا (لأن معظم المهاجرين من جورجيا يذهبون إلى إسرائيل بسبب كفاءتهم المتدنية، فجورجيا جزء من العالم الثالث، كما أن هجرتهم إلى إسرائيل تعني تحقيق الحراك الاجتماعي) . وهناك نسبة عالية من المهاجرين السوفييت متزوجون من غير اليهود، و٤٠% منهم لا يذهبون إلى المعابد اليهودية إلا في الأعياد المهمة. ومعظمهم مهنيون يحملون مؤهلات عالية وقد

стр. 5009

هاجروا أساساً لأسباب اقتصادية وليست أيديولوجية. ولكن متطلبات الحياة في الولايات المتحدة تفرض عليهم أن يتقبلوا وظائف دون مستواهم الفكري ودرجة تعليمهم، الأمر الذي يسبب لكثير منهم الإحباط، كما أن أخلاقيات المجتمع الأمريكي وإيقاعه يصيبهم بالحيرة. وقد كوَّن هؤلاء جماعة منغلقة على نفسها لا تكن كثيراً من الاحترام للحضارة الأمريكية أو ليهود أمريكا. ويبدو أن المهاجرين الروس والإسرائيليين لا يُقبلون على الاندماج في الجماعة اليهودية، ذلك أن الروس يرون أنهم ليسوا يهوداً أساساً. أما الإسرائيليون فيصرون على هويتهم الإسرائيلية. ومن أسباب الحرج الأخرى التي يسببها هؤلاء المهاجرون ليهود أمريكا أن الجريمة المنظمة انتشرت في صفوفهم إذ تخصصوا في تهريب الأموال وتزييفها وفي البغاء وتجارة المخدرات. وقد بدأت المافيا اليهودية الإسرائيلية والسوفيتية في الولايات المتحدة في التنسيق مع المافيا الإسرائيلية والسوفيتية في الدولة الصهيونية. هذا، وقد وضعت الولايات المتحدة قيداً على هجرة اليهود السوفييت بحيث لا يتجاوز عدد المسموح لهم بالهجرة سنوياً حداً معيناً (٥٠ ألف ويصل العدد أحياناً إلى ٧٠ ألفاً) وذلك لتحويل سيل الهجرة إلى إسرائيل. وظائف اليهود الجدد Occupations of the Neo-Jews

стр. 5010

لا يزال الهرم الوظيفي بالنسبة للأمريكيين اليهود مختلفاً عن الهرم على المستوى القومي الأمريكي، ذلك أن نحو ٧٠% من جملة الأمريكيين اليهود يعملون في أعمال الياقات البيضاء مقابل المعدل القومي البالغ ٤٠%. كما أن نسبة من يعملون بأعمال غير يدوية قد تصل إلى ٩٠% مقابل المعدل القومي الذي يصل إلى ٣٨%. ومع هذا، لا يؤثر ذلك في وضعهم بتاتاً باعتبار أن المجتمع الأمريكي مجتمع منفتح يوجد فيه قطاع خدمات ضخم تتزايد فيه أعمال الياقات البيضاء. ويتركز أعضاء الجماعة اليهودية في مهن مثل: الطب والهندسة والقانون والتدريس في الجامعات. وقد بلغ عدد أعضاء هيئات التدريس في الجامعات من اليهود ٢٠% عام ١٩٨٠ (٢٥% في كليات الطب و٣٨% في كليات الحقوق و٥٠% في كلية الحقوق في هارفارد) . وهم يشكلون أيضاً ٢٠% من جملة المحامين والأطباء. ودخل أعضاء الجماعة اليهودية مجالاً جديداً هو مجالس إدارة الشركات وشركات التكنولوجيا المتقدمة. وتحوَّلت عضوية اتحادات نقابات العمال اليهودية التقليدية، مثل عمال النسيج المتحدين والاتحاد الدولي لقمصان السيدات ونقابة المعلمين، والتي كانت تضم أغلبية يهودية، فأصبحت عضويتها سوداً وأمريكيين من أصل أسباني وآسيويين، وأخذت قياداتها اليهودية تختفي. والواقع أن وضع الأمريكيين اليهود يكذب إحدى نبوءات المفكر الصهيوني العمالي بوروخوف الذي كان يطالب بضرورة أن يقف الهرم الوظيفي اليهودي المقلوب على رأسه، وكان يرى أن الولايات المتحدة لا تصلح لذلك لأنه كان يظن أن المهاجرين اليهود إن ذهبوا إلى هناك فسيتحولون إلى أعضاء في الطبقة العاملة، وأن الاقتصاد الرأسمالي سيأخذ في الانكماش بعد قليل وهو ما سيؤدي إلى أزمة اقتصادية يروح ضحيتها العمال المهاجرون اليهود. ولذا، كان بوروخوف يرى ضرورة استعمار فلسطين لإيجاد قاعدة عمالية وفلاحية يهودية كبيرة. وقد أثبتت الولايات المتحدة أن هذه المقولات ليست دقيقة تماماً، فقد تحولت
следующие страницы →