← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 5076–5115 · переход к 5081.

стр. 5076

٥ ـ الثواب والعقاب في هذا العالم. ٦ ـ الروح ومصيرها. ٧ ـ البعث. ٨ ـ خلاص يسرائيل. ٩ ـ خلود الروح، والثواب والعقاب في الآخرة. وفي الفترة نفسها، قام آخرون بمحاولات مماثلة. وفي القرن الحادي عشر، قام يهودا اللاوي بمحاولة مماثلة. ورغم أن هؤلاء المفكرين الدينيين ناقشوا العقائد، فإنهم لم يحددوا ما هو أساسي وما هو فرعي فيها، أي أنهم لم يحددوا أصول الدين. ولكن أهم المحاولات، وأكثرها محورية هي محاولة موسى بن ميمون؛ الفيلسوف العربي اليهودي (أو الفيلسوف العربي الإسلامي المؤمن باليهودية) الذي تأثر بعلم الكلام فدرس أصول الدين، وحَدَّد جذور اليهودية التي تُسمَّى بالعبرية «عيقَّاريم» ، وهي ترجمته لكلمة «أصول» . ولقد لخصها في ثلاثة عشر أصلاً: ١ ـ أنا أؤمن إيماناً كاملاً بأن الإله، تبارك اسمه، هو الموحّد والمدبّر لكل المخلوقات. وهو وحده الصانع لكل شيء فيما مضى وفي الوقت الحالي وفيما سيأتي. ٢ ـ أنا أؤمن إيماناً كاملاً بأن الإله، تبارك اسمه، واحد لا يشبهه في وحدانيته شيء بأية حال، وهو وحده إلهنا، كان منذ الأزل، وهو كائن وسيكون إلى الأبد. ٣ ـ أنا أؤمن إيماناً كاملاً بأن الإله، تبارك اسمه، ليس جسماً، ولا تحده حدود الجسم، ولا شبيه له على الإطلاق. ٤ ـ أنا أؤمن إيماناً كاملاً بأن الإله، تبارك اسمه، هو الأول والآخر. ٥ ـ أنا أؤمن إيماناً كاملاً بأن الإله، تبارك اسمه، هو وحده الجدير بالعبادة، ولا جدير بالعبادة غيره. ٦ ـ أنا أؤمن إيماناً كاملاً بأن كل كلام الأنبياء حق. ٧ ـ أنا أؤمن إيماناً كاملاً بأن نبوة سيدنا موسى ﵇ كانت حقاً، وأنه كان أباً للأنبياء، من جاء منهم قبله ومن جاء بعده. ٨ ـ أنا أؤمن إيماناً كاملاً بأن التوراة، الموجودة الآن بأيدينا، هي التي أُعطيت لسيدنا موسى ﵇.

стр. 5077

٩ ـ أنا أؤمن إيماناً كاملاً بأن التوراة غير قابلة للتغيير، وأنه لن تكون شريعة أخرى سواها من قبل الإله تبارك اسمه. ـ أنا أؤمن إيماناً كاملاً بأن الإله، تبارك اسمه، عالم بكل أعمال بني آدم وأفكارهم، لقوله: «هو الذي صوَّر قلوبهم جميعاً وهو المدرك لكل أعمالهم» . ١١ ـ أنا أؤمن إيماناً كاملاً بأن الإله، تبارك اسمه، يجزي الحافظين لوصاياه ويعاقب مخالفيها. ١٢ ـ أنا أؤمن إيماناً كاملاً بمجيء الماشيَّح. ومهما تأخر، فإنني انتظره كل يوم. ١٣ ـ أنا أؤمن إيماناً كاملاً بقيامة الموتى، في الوقت الذي تنبعث فيه بذلك إرادة الإله تبارك اسمه وتعالى ذكره الآن وإلى أبد الآبدين. وقد وردت الأصول الثلاثة عشر في مجال التعليق على كتاب السنهدرين في التلمود الذي سبقت الاشارة إليه. وقد بيَّن ابن ميمون أن أصوله هذه هي الحد الأدنى، فمن آمن بها فهو يهودي وينتمي إلى الجماعة اليهودية، ولذا فإنه حتى لو ارتكب الموبقات سيظل له نصيب في العالم الآتي ويظل محط عطف اليهود. أما من يرفضها، فيجب أن يُنبذ ويُباد، وسيُسمَّى «كوفير بَعيقَّار» ، أي «كافر بالأصول» منكر لها، كما أنه يكون قد فصل نفسه عن الجماعة، فهو «مين» ، أي «كافر أو مرتد» . وبعد ذلك، قامت محاولات أخرى لتحديد العقائد اليهودية من أهمها محاولة قريشقش الذي بيَّن أن موسى بن ميمون لم يميِّز بين الأساسي والفرعي في العقائد. ولهذا، قام تلميذه يوسف ألبو (١٣٨٠ ـ ١٤٤٠) في كتابه سيفر هاعيقاريم (سفر الأصول) بهذه العملية، فقسَّم الأصول إلى: ١ ـ «عيقَّاريم» ، أو العقائد الأساسية، وهي ثلاث: وجود الإله، والوحي، والثواب والعقاب. وأضاف أن هذه العقائد عامة لكل البشر. ٢ ـ «شوراشيم» ، وهي تفريعات عن العيقاريم، ويصنفها في ثمان. ٣ ـ «عنافيم» ، وهي الأغصان. ويرى ألبو أن الأصول والجذور مُلزمة لكل يهودي، ومن لا يؤمن بها يُعَدُّ كافراً، أما من لا يتبع الأغصان فهو مذنب وحسب.

стр. 5078

وجاء بعد ألبو، إسحق لوريا وإسحق إبرابانيل، ولم يجدا مبرراً للتركيز على عقيدة دون أخرى. ويُلاحَظ أن ألبو، مثل موسى ابن ميمون، يقلل أهمية العقيدة المشيحانية، ويؤكد في نهاية الأمر أن اتباع أحد الأوامر والنواهي أهم من الإيمان بكل العقائد. ورغم هذه المحاولات لتحديد العقائد اليهودية، ظلت محاولة ابن ميمون أكثرها أهمية، وقد ظهرت الأصول باعتبارها العقائد الأساسية لأول مرة في طبعة الأجاداه في البندقية عام ١٥٦٦، وهي الآن ملحقة بكتاب الصلوات الإشكنازي. كما أن الصلوات اليهودية تضم الآن قصيدتين تلخصان هذه الأصول هما: «أني مأمين» (أي «إنني أؤمن» ) ، و «يجدال» (أي «تعظَّم الرب وتنَّزه» ) . ولكن اليهودية، بسبب طبيعتها الجيولوجية، حوَّلت الأصول إلى مجرد طبقة واحدة بين العديد من الطبقات؛ فقامت ثورة عاتية في العالم الغربي بخاصة ضد كتابات ابن ميمون، وبدأ الفكر القبَّالي في الانتشار وبخاصة بعد الطرد من إسبانيا، وأخذ الوجود اليهودي شكل تجمعات صغيرة بعضها بعيد عن مراكز الفكر الحاخامي والتلمودي ويخضع كل منها للقيادات الدنيوية والدينية المحلية. ومع القرن السابع عشر، هيمن الفكر القبَّالي على الفكر الديني اليهودي، وهو فكر حلولي تجسيمي وصفه الحاخامات بأنه ينطوي على الشرك. كما أن التفسيرات القبَّالية للكتب اليهودية المقدَّسة، وخصوصاً العهد القديم والأجاداه، تشكل تراجعاً جوهرياً عن الفكر التوحيدي.

стр. 5079

وفي العصر الحديث، بيَّن مندلسون أن اليهودية دين شرائع بلا عقائد، وهو رأي يأخذ به معظم مؤرخي اليهودية. ثم ظهر علم اليهودية الذي درس مصادر اليهودية المختلفة وبيَّن طبيعتها الجيولوجية وعدم تجانسها الأمر الذي يجعل من المستحيل التوصل إلى عقيدة جوهرية. ثم بدأت حركة الانعتاق التي نادت بأن تتكيف اليهودية مع العصر. ولكن، لكي تتكيف اليهودية، لابد أن يتحدد جوهرها أساساً، ولذا حاولت اليهودية الإصلاحية صياغة أصول العقيدة في مؤتمراتها الحاخامية المختلفة، ولكنها تخلت عن هذه المحاولة بعد قليل إذ كانت أطروحاتها من العمومية بحيث افتقدت أية هوية تميِّز اليهودية عن غيرها من العقائد. أما اليهودية المحافظة والأرثوذكسية فكلتاهما تدور أساساً في إطار الممارسات. وفي الفلسفة الدينية اليهودية الحديثة، لم يعد الإيمان بالعقائد مسألة حيوية أو مهمة، إذ حل محلها ما يُسمَّى «عملية المواجهة الشخصية بين الإله والإنسان اليهودي» . ويرى روزنزفايج أن الإيمان الديني ثمرة كشف، أو وحي شخصي، يجب على الانسان أن يسعى إليه. أما مارتن بوبر وأبراهام هيشيل، فيريان أن الإيمان علاقة ثقة بين الإله والإنسان تنبع من، وتعبِّر عن، مواجهة شخصية بينهما، فهي إذن علاقة الأنا والأنت وليست علاقة الأنا والهو. وقد بلغ هذا الاتجاه أبعاداً متطرفة في يهودية كابلان التجديدية فأصبح الإيمان حالة نفسية أو شعورية ذات فائدة للمجتمع إذ أن السلوك الأخلاقي يستند إليه. فالإيمان هو نوع من «التنبؤات التي تحقق ذاتها» وليس خضوعاً لأية مرجعية تقع خارج ذات الإنسان. وقد أصبح الإيمان في الفكر الديني اليهودي، بعد الحرب العالمية الثانية، مجرد وسيلة لإضفاء معنى على العالم بعد الهولوكوست، وبذا تختفي العقائد والأصول وتتحول إلى حالة شعورية. اللاهوت Theology

стр. 5080

«اللاهوت» هو المصطلح العربي المقابل للمصطلح الإنجليزي «ثيولوجي» ، وهو مركب من «ثيوس» ومعناها «إله» و «لوجوس» ومعناها «علم» ، فهو «علم الإلهيات» . واللاهوت هو التأمل المنهجي في العقائد الدينية. والكلمة تشير عادةً إلى دراسة العقيدة المسيحية، ولا تستخدم في الدراسات الإسلامية التي تستخدم كلمات من المعجم العربي مثل «علم التوحيد» . أما في اليهودية، فقد بدأ استخدام الكلمة مؤخراً في الدراسات اليهودية. (انظر: «العقائد [بمعنى أصول الدين وأركانه] » ) . الشريعة اليهودية Jewish Law تُستخدَم عبارة «الشريعة اليهودية» للإشارة إلى النسق الديني اليهودي ككل، مع تأكيد جانب القوانين أو التشريع الخارجي (هالاخاه) ، أي الشرع، وذلك بخلاف عبارة «العقائد اليهودية» التي تؤكد جانب الإيمان الداخلي. وكان اليهود يستخدمون كلمة «توراة» للإشارة إلى الشريعة اليهودية، كما أن كلمة «هالاخاه» تُستخدم أحياناً للإشارة لا إلى التشريعات المختلفة وإنما إلى الشريعة ككل. وهناك شريعة مكتوبة وردت في أسفار موسى الخمسة والعهد القديم، كما أن هناك شريعة شفوية هي في واقع الأمر تفسيرات الحاخامات التي جُمعت في التلمود وفي غيره من الكتب. كما أصبحت كتب القبَّالاه، هي الأخرى، جزءاً من هذه الشريعة الشفوية. ويُعَد مفهوم الشريعة الشفوية أهم تعبير عن الخاصية الجيولوجية التراكمية، ويمكن القول بأنه سبب ونتيجة ـ في آن واحد ـ لهذه الخاصية. الشريعة المكتوبة أو التوراة المكتوبة Written Law (Torah)

стр. 5081

«توراة شَبخْتاف» مصطلح عبري معناه «التوراة المكتوبة» وهي «الشريعة المكتوبة» مقابل «توراة شبَعَلْ بهْ» ، أو «التوراة الشفوية» . وهي إشارة إلى الشرائع التي تلقاها موسى مكتوبةً. وتشير الكلمة بالدرجة الأولى إلى أسفار موسى الخمسة، ولكنها تشير كذلك إلى كتب الأنبياء وكتب الحكمة والأمثال باعتبار أنها هي الأخرى كتب مدوَّنة. ولكن هذه الكتب الأخيرة ليست ملزمة، ولذا يشار إليها بأنها «ديفري قبَّالاه» ، أي «كلمات التراث» . وحسب الرؤية اليهودية الحاخامية، تلقى موسى في سيناء الشريعة أو التوراة الشفوية، تماماً كما تلقى الشريعة المكتوبة. الشريعة الشفوية أو التوراة الشفوية Oral Law; Oral Torah «توراة شبَعَلْ بهْ» ، عبارة معناها «التوراة الشفوية» مقابل «توراة شبختاف» ، أي «التوراة المكتوبة» . وقد أطلق المسعودي على المفكر اليهودي سعيد بن يوسف الفيومي اسم «السمعاتي» ، أي الذي يؤمن بالعقيدة الشفهية، مقابل «القرّائي» أي الذي لا يؤمن إلا بالعقيدة المكتوبة. و «الشريعة الشفوية» في اليهودية مجموعة فتاوى وأحكام وأساطير وحكايات وخرافات وُضعت لشرح وتأويل أسفار العهد القديم وتناقلها حاخامات اليهود شفهياً على مدى قرون طويلة ثم جُمعت ودُوِّنت، في القرن الثاني الميلادي، في التلمود (أساساً) .

стр. 5082

وقد عرفت جميع الشعوب القديمة شرائع شفوية، أو سماعية، في شكل عادات وتقاليد وعرف. وبقيت عناصر هذه الشريعة قائمة وسارية المفعول إلى جانب الشرائع والقوانين التي تم تدوينها وتبويبها وتصنيفها. وثمة رأي يذهب إلى أن فكرة الشريعة الشفوية دخلت اليهودية بعد أن احتكت بالفكر اليوناني وعرفت الفكرة الأفلاطونية القائلة بأن القانون غير المكتوب ينفي المكتوب. ولعل هذا يفسر أن دعاة الشريعة الشفوية كانوا من الفريسيين الذين تأثروا بالفكر الهيليني، على عكس الصدوقيين حملة الفكر التقليدي. ولكن مثل هذا التفسير تفسير شديد السطحية يجعل من التأثير والتأثر العنصر الأساسي في صياغة نسق ما، ويهمل بنية النسق الكامنة التي تُولِّد فيه قابلية لتَقبُّل أفكار دون أخرى. ونحن نذهب إلى أن اليهودية تركيب جيولوجي تراكمت داخله عدة طبقات، ومن أهم هذه الطبقات الطبقة الحلولية التي تعني تداخل الدنيوي والمطلق وتوحدهما، وأن الإله لا يترك اليهود أحراراً في التاريخ مسئولين أخلاقياً عن أفعالهم بل يفيض عليهم في كل زمان ومكان. والشريعة الشفوية تعبير عن هذه الحلولية، إذ أن الحلولية في إحدى مراحلها تعادل بين الإله والبشر، ومن ثم تعادل بين الوحي والاجتهاد أو بين النص المقدَّس والتفسير، أي أنها تعادل ما بين الشريعة المكتوبة (المنزلة والموحى بها) والشريعة الشفوية (التي يضعها الحاخامات) . وتذهب اليهودية الحاخامية إلى أنه عندما ذهب موسى إلى جبل سيناء ليتلقى الوحي، لم يُعْطه الإله توراة أو شريعة واحدة وإنما أعطاه توراتين أو شريعتين: إحداهما مكتوبة والأخرى شفوية. وجاء في المشناه «تلقى موسى التوراة من سيناء وسلمها إلى يوشع، ويوشع قام بتسليمها إلى الشيوخ، والشيوخ إلى الأنبياء، والأنبياء سلموها بدورهم إلى رجال المجمع الأكبر، الذين قاموا بتسليمها إلى فقهاء اليهود (الحاخامات) » وهؤلاء يضمون معلمي المشناه (تنائيم) والشراح (أمورائيم) والمفسرين

стр. 5083

(صبورائيم) والفقهاء (جاءونيم) . وهي عملية استمرت بعدهم فظهر الشراح واضعو الإضافات (بعلي توسافوت) وشخصيات أساسية مثل راشي والحاخام إلياهو (فقيه فلنا) ومعلمو القبَّالاه. ولا يزال فقهاء اليهود يقومون بالإضافة والتعديل في هذه الشريعة الشفوية. ومن الناحية النظرية، ثمة ترتيب هرمي لطبقات الفقهاء هذه بحيث يشغل معلمو المشناه (تنائيم) قمة الهرم، وتُعَدُّ أحكامهم ملزمة لمن أتى بعدهم. ولكن الممارسة كانت عكس ذلك تماماً، إذ أن آخر التفسيرات والأحكام هي التي كان يُقدَّر لها دائماً السيادة (إلى أن هيمنت القبَّالاه تماماً بهذه الطريقة) . ومن بين آليات نمو الشريعة الشفوية إضافة الفتاوى التكميلية (تاقانوت) والأعراف والعادات (منهاجوت) والقرارات (جزيروت) . ولعل كلمات الحاخام شمعون لاقيش (القرن الثالث الميلادي) : «ماذا تعني المقطوعة: فأعطيك لوحى الحجارة والشريعة والوصية التي كتبتُها لتعليمهم» (خروج ٢٤/١٢) هي التعبير الكلاسيكي عن هذه الفكرة. فهو يقول مُفسِّراً أما «لوحا الحجارة» فهما الوصايا العشر، أما «الشريعة» فهي العهد القديم، وأما «الوصية» فهي المشناه، وأما «تلك التي كتبتها» فهي أسفار الأنبياء وأسفار الحكمة والأناشيد، وأما «لتعليمهم» فهي الجماراه. وهكذا يعلمنا الرب أنها كلها قد أعطيت لموسى» . ومعنى هذا التفسير أن كل التفسيرات التي يأتي بها الحاخامات اليهود والمحاضرات التي كانت تُلقى في حلقات ومدارس التلمود، بل الإجماع الشعبي، كل هذه الأشياء ترقى إلى مستوى الوحي الإلهي، أو على الأقل تصطبغ بصبغة القداسة. وبالفعل، فقد تطوَّر النسق الديني اليهودي في مرحلة معيَّنة، وساد الاعتقاد بأن التلمود الذي يُشار إليه باسم «التوراة الشفوية» هو أيضاً الكلمات الأزلية للإله، وهو صياغة للقوانين التي أوصى الإله بها موسى (شفوياً) . ولهذا، فإن ما فيها من الأوامر والنواهي واجبة الطاعة، يستوي في هذا مع كل ما جاء في العهد

стр. 5084

القديم. وكان يهود الغرب يدرسون التلمود أكثر من دراسة العهد القديم. وبعد ذلك، انتشرت القبَّالاه، فادعت لنفسها من القداسة ما للعهد القديم والتلمود. ولقد كان القبَّاليون يؤمنون بأنهم أصحاب معرفة خفية باطنية (غنوصية) توصِّلهم إلى المعنى الحقيقي والباطني للعهد القديم والتلمود الذي يجبُّ المعنى الظاهر. وبلغ من شيوع القبَّالاه أن كثيراً من اليهود والحاخامات كانوا يدرسون كتاب الزوهار أكثر من دراسة الكتب اليهودية الدينية الأخرى. ولكن، كما لاحظنا في النسق الحلولي الواحدي بعد مرحلة التعادل بين الخالق والمخلوق، يكتسب المخلوق مركزية ويفوق الإله قدرةً ومنزلةً. وبالفعل، نجد أن بعض الحاخامات جعل المشناه (التفسير الحاخامي) مرجعاً أقوى من العهد القديم (الوحي الإلهي) لأنها صورة معادلة للشريعة جاءت متأخرة عنها. وكانت بعض قرارات الحاخامات تتعارض تعارضاً صريحاً مع شريعة موسى، أو تفسرها تفسيراً يبيح مخالفتها. وقد بلغ هذا التيار قمته في التفسيرات القبَّالية وفي الحركة الحسيدية حيث تَجُبُّ آراء العارف بالقبَّالاه والتساديك الآراء التي دارت في التراث الحاخامي بأسره (التوراة والتلمود) . وقد كان ما ينطق به التساديك توراةً، كما أن إرادته كانت تعادل إرادة الإله.

стр. 5085

وقد ثارت مناقشات كثيرة عبر تاريخ اليهودية عن مدى قدسية الشريعة الشفوية، وجواز تدوينها أو عدم جواز ذلك. والواقع أنه، حتى ظهور المسيح، كان تدوين الشريعة أمراً محرَّماً للحيلولة دون انتشارها بين العامة، إذ أن فكرة الشريعة الشفوية تخدم ولا شك مصلحة الحاخامات لأنها ترفعهم إلى مصاف الإله أو الأنبياء، وتجعلهم على اتصال دائم بالإله، كما تعطيهم حق تغيير وتبديل كلمته. ولعل فكرة الشريعة الشفوية هي المسئولة عن السيطرة الدينية للحاخامات على الجماعات اليهودية في العالم خلال تواريخهم. وقد استمر الجدل قائماً بين الفرق اليهودية المختلفة حول مدى قدسية الشريعة الشفوية، وكان الفريسيون من أشد المدافعين عنها. ويبدو أن دفاعهم عن الشريعة الشفوية، ورفضهم تدوينها، كان ذا محتوى طبقي. أما الصدوقيون، فقد كانوا من أهم معارضيها، لأنهم كانوا مرتبطين بالهيكل وبالعبادة القربانية ويشكلون بذلك طبقة كهنوتية. أما الفريسيون، فكانوا يدافعون عن الشريعة الشفوية لأن ذلك كان يعني المشاركة في السلطة. وبظهور المسيحية حُسمت القضية تماماً، فسيطر التصور الفريسي على اليهودية. ولكن، مع هذا، بدأ تدوين الشريعة الشفوية حتى تتمكن اليهودية من تمييز نفسها عن المسيحية التي ورثت العهد القديم وأكملته بالعهد الجديد. ويرفض القرّاءون (المتأثرون بالفكر العربي الإسلامي والتوحيد الإسلامي) التراث الشفوي، ويقصرون إيمانهم على شريعة موسى وأسفاره الخمسة. وفي العصر الحديث، جدَّد الأرثوذكس إيمانهم بالشريعة الشفوية المتجسدة في كلٍّ من التلمود والشولحان عاروخ. أما الإصلاحيون، فقد نادوا بأن الشريعة الشفوية هي محاولة بعض الحاخامات تفسير الكلام المقدَّس، ولكنه على أية حال تفسير غير ملزم لأحد لأنه مرتبط بحقبة تاريخية معينة، ولذلك فإن صلاحيته لا تمتد إلى كل زمان وكل مكان.

стр. 5086

الباب الثانى: إشكالية الحلولية اليهودية الحلولية الكمونية اليهودية: تاريخ.... Jewish Pantheism and Immanence: History «الحلولية الكمونية اليهودية» هي القول بأن العالم بأسره (الإنسان والطبيعة) يُردُّ إلى جوهر واحد أو مبدأ واحد كامن في المادة، هو مصدر بقائها وحركتها، هذا المبدأ أو الجوهر يسميه دعاة وحدة الوجود الروحية «الإله» ، فيحل الإله في الإنسان ثم يحل في بعض ظواهر الطبيعة، ثم يحل فيها جميعها بغير استثناء حتى يصبح حالاًّ في كل شيء (الإنسان والطبيعة) كامناً فيه ويصبح الإله والعالم وكل الوجود وحدة واحدة لا وجود مستقلاً للواحد عن الآخر، أي أن الإله يصبح متوحداً مترادفاً مع سائر مخلوقاته (الإنسان والطبيعة) لا وجود له خارجها، ومع هذا يظل محتفظاً باسمه، وهذا ما نشير إليه بأنه «حلولية شحوب الإله» حيث تًمَّحى الثنائيات في الكون إلى حدٍّ كبير ولا يبقى منها سوى الظلال والألفاظ، وتختفي إمكانية التجاوز ولا يبقى سوى وهم التجاوز، وهذه هي وحدة الوجود الروحية. ثم يفقد الإله اسمه ويُطلَق على المبدأ الواحد عبارات مثل «قانون الحركة» أو «قوانين المادة» فَتًمَّحى الثنائيات تماماً، بما في ذلك الثنائية اللفظية، وتسود الواحدية ويزول وهم التجاوز وننتقل من وحدة الوجود الروحية إلى وحدة الوجود المادية وما نسميه «حلولية موت الإله» أو «حلولية بدون إله» .

стр. 5087

والعقيدة اليهودية، في إحدى طبقاتها، توحيدية تؤمن بإله واحد يتجاوز المادة، منزَّه عن مخلوقاته يقف وراء الطبيعة والتاريخ يحركهما، ولا يُرَدُّ إليهما. ولكن اليهودية تركيب جيولوجي تراكمت داخله عدة طبقات متناقضة. وفي بعض هذه الطبقات، نجد أن اليهودية تأثرت بالتشكيل الحضاري السامي الوثني، ودخلت عليها عناصر وثنية حلولية عديدة وجدت طريقها إلى العهد القديم عند تسجيله مثل: فكرة الشعب المختار المرتبط بأرض مقدَّسة والمتمركز حول ذاته، وفكرة الميثاق بين الإله وشعب بعينه، وتَزايُد الشعائر وخصوصاً شعائر الطهارة، وتَداخُل العناصر الكونية مع العناصر الدينية في الأعياد اليهودية، وتَراجُع فكرة البعث واهتزاز الأفكار الأخروية. وعلى هذا، فإن العهد القديم يُعَدُّ وثيقة صراع بين اتجاهين: اتجاه توحيدي عالمي أخلاقي متسام يؤمن بإله يسمو على العالمين، ولا يفضل قوماً على قوم إلا بالتقوى، وهو الاتجاه الذي حمل لواءه الأنبياء والرسل. أما الاتجاه الآخر فهو اتجاه وثني حلولي قومي تخصيصي يرى إله اليهود إلهاً يحل فيهم وحدهم، فهو مقصور عليهم يحابيهم ويعطف عليهم ويعصف بأعدائهم، ويرى اليهود أنفسهم شعباً مقدَّساً يشغل مركز الكون.

стр. 5088

وظل الاتجاه التوحيدي قائماً له فعالية ما دامت اليهودية في محيط وثني مشرك، إذ كان التوحيد (أو على الأقل مفرداته) وسيلة الحفاظ على الهوية الدينية اليهودية مقابل الحلولية الوثنية. ولكن، مع تحول المجتمعات التي يعيش فيها أعضاء الجماعات اليهودية إلى ديانات توحيدية (الإسلام في الشرق والمسيحية في الغرب) ، لم يَعُد الاتجاه التوحيدي اتجاهاً مميِّزاً لليهودية، ولذا بحث الحاخامات (واضعو الشريعة الشفوية) عن إستراتيجيات مختلفة للحفاظ على الهوية، حتى تغلبت النزعة الأسطورية الشعبية وأخذت شكلها الحلولي الكموني الواحدي حيث تم التركيز على بعض مفاهيم العهد القديم ذات الطابع الحلولي وتم تعميقها. وقد قوي هذا الاتجاه في كتب الرؤى (أبوكاليبس) ، وفي التعليقات المدراشية، وبلوره معلمو المشناه (تنائيم) ، وأخذ شكلاً متكاملاً في التلمود حيث توجد آثار للنزعة التوحيدية، ولكن النزعة الغالبة هي النزعة الحلولية الكمونية. ويمكننا القول بأن اليهودية التلمودية تتأرجح بين شكل من أشكال التوحيد وشكل من أشكال وحدة الوجود، ولا تقترب إلا نادراً من مرحلة وحدة الوجود التي وصلتها الحلولية اليهودية في القبَّالاه (وهي المرحلة التي عاد فيها كثير من الأفكار الغنوصية القديمة إلى الظهور) . وقد انعكست هذه النزعة في قول أحد القبَّاليين «إلوهيم تعادل طيفع» ، أي أن «الإله يعادل الطبيعة» ، باعتبار أن القيمة الرقمية لكل من إلوهيم والطبيعة واحدة (وقد استخدم إسبينوزا العبارة نفسها) .

стр. 5089

وقد سيطرت الرؤية الحلولية الواحدية، بدرجاتها المختلفة، على اليهودية، وأصبح من العسير قراءة العهد القديم بشكل مباشر، وخصوصاً بعد أن تبنت الكنيسة (عدو اليهود) هذا الكتاب باعتباره كتاباً مقدَّساً، كما أصبح التفسير أهم من النص المقدَّس. وعلى كلٍّ، تؤمن اليهودية، منذ البداية، بفكرة الشريعة الشفوية التي تجعل تفسيرات الحاخامات تعادل في أهميتها كلام الإله إن لم تكن أكثر أهمية منه. ويُلاحَظ أن ثمة تفضيلاً للنص المدوَّن على الشفوي في المنظومات التوحيدية، فالنص المقدَّس المدوَّن يحتوي الرسالة الإلهية ومن ثم يقتصر دور الإنسان إما على حمل الرسالة أو على تفسيرها، ويقف هذا على النقيض من المنظومات الحلولية الكمونية التي تفضل الشفوي على المدوَّن لأنه مباشر، يستطيع الإنسان سماعه مباشرةً ولا توجد مسافة بين القائل والقول، فالواحد مرتبط بالآخر. وبالتدريج، تحل الكلمة البشرية الشفوية محل الكلمة الإلهية المكتوبة. ورغم سقوط اليهودية الحاخامية في الحلولية الكمونية، إلا أنها بذلت محاولة مهمة لمحاصرة النزعة المشيحانية الحلولية بأن جعلت العودة منوطة بالأمر الإلهي، فكأنها استعادت شيئاً من الثنائية التكاملية التوحيدية بدلاً من الواحدية الحلولية.

стр. 5090

ولعبت القبَّالاه دوراً حاسماً في تحويل اليهودية من نسق توحيدي إلى نسق حلولي كموني. وتراث القبَّالاه تراث حلولي كموني واحدي متطرف يساوي بين الإله والطبيعة، بحيث يصبح الإله هو الطبيعة، ويتم إلغاء التاريخ ويتركز الحلول الإلهي في الشعب اليهودي إذ يحل المطلق أو المركز في الشعب. والقبَّالاه ترى الإله باعتباره عشر درجات أو عشرة تجليات نورانية منفصلة موصولة على قمتها الإله الذكر، وفي قاعدتها كنيست يسرائيل أي شعب إسرائيل، بحيث لا يوجد فارق بين الخالق والمخلوق. ويتضح هذا المفهوم بشكل أوضح في رؤية القبَّالاه للتجليات العشرة النورانية على هيئة آدم، فكأن الإله، هو آدم، وكأن الخالق والمخلوق هما شيء واحد. وتدور القبَّالاه حول صورة مجازية معرفية إدراكية جنسية واضحة، وهي صورة مجازية تتواتر عادةً في الحلوليات الوثنية. والقبَّالاه، بهذا، تشكل عودة للواحدية الكونية والحلولية الوثنية. وقد اشتكى إبراهيم أبو العافية في رسالة إلى صديق له من أن دعاة القبَّالاه يظنون أنهم يوحدون الرب بتلك التجليات النورانية ولكنهم في واقع الأمر قد استعاضوا عن أقانيم المسيحية الثلاثة بعشرة تجليات، وهذا شرك. وقد يظهر هذا في القبَّالاه العملية التي تجعل الخلاص منوطاً بالتوصل للصيغة السحرية الصحيحة (الغنوصية) . كما أن التصوف اليهودي أصبح تصوفاً حلولياً غنوصياً ليس الهدف منه فناء الذات والتقرب من الإله والتفاعل معه وإنما الالتصاق بالخالق والتوحد معه بحيث يصبح المؤمن تَجسُّد الإله: إرادته هي إرادة خالقه. وأدَّى انتشار القبَّالاه إلى تزايد اشتغال اليهود بالسحر بهدف التحكم في الكون (ولعل هذا كان من أسباب تَزايُد معاداة اليهود) .

стр. 5091

وقد بدأ انتشار القبَّالاه (خصوصاً اللوريانية) في القرن الرابع عشر. ومع منتصف القرن السابع عشر، كانت القبَّالاه مهيمنة هيمنة شبه كاملة على معظم أعضاء الجماعات اليهودية وتغلغلت بشكل عميق في العقائد اليهودية، بحيث أصبحت المراكز التلمودية منعزلة بغير فعالية، ثم أصبحت التفسيرات التلمودية نفسها ذات طابع قبَّالي. ويتضح مدى سيطرة الحلولية على العقيدة اليهودية فيما كتبه الحاخام السفاردي ديفيد نايتو (١٦٥٤ ـ ١٧٢٨) حاخام لندن الأكبر، حيث نشر كتاباً بعنوان في العناية الإلهية قرن فيه بين الإله والطبيعة ووحَّد بينهما، فاتهمه أحد اليهود وبعض المسيحيين بالإلحاد. وحينما عُرض الأمر على واحد من أكبر العلماء التلموديين في أمستردام (هولندا) وهو الحاخام تسفي إشكنازي، أفتى هذا الحاخام بأن الحلولية ليست مقبولة وحسب في العقيدة اليهودية، بل هي أمر اعتاده المفكرون الدينيون اليهود. ورغم أن هرمان كوهين ذهب إلى أن الحلولية ضد الدين، فإن الكثيرين من أعلام الفكر اليهودي من كبار دعاة الحلولية، ويمكن أن نشير إلى ابن جبيرول وابن عزرا، وإسبينوزا (أبى الحلولية الحديثة) . وقد أدَّت هيمنة القبَّالاه وتصاعُد معدلاتها في اليهودية إلى تراجع اليهودية الحاخامية ومؤسساتها، وتراجع الفكر التوحيدي تماماً، الأمر الذي سبَّب أزمة اليهودية الحاخامية إلى حد سقوط اليهودية، في نهاية الأمر، في قبضة الفكر الحلولي، فاختفى أي أثر للتجاوز. ولم يَعُد بالإمكان التمييز بين اليهود واليهودية (من منظور اليهودية نفسها) إذ أصبح اليهود تجسيداً للمطلق، وأصبحت العلاقة بين الشعب والخالق (إن ظل قائماً بالاسم) علاقة حوارية. وقد تصاعدت الحمى المشيحانية بين اليهود وتزايدت قابليتهم للعلمنة التي عادةً ما تأخذ شكل تأكيد قداسة الشعب وحقه المطلق في العودة لأرضه المقدَّسة، أي أن النزعة المشيحانية في اليهودية ذات تَوجُّه صهيوني واضح.

стр. 5092

ويمكن القول بأن النمط الحلولي الذي ساد العقيدة اليهودية هو النمط الثنائي الصلب (المرتبط بوجودهم كجماعات وظيفية) . ومع هذا، كان النمط الشامل السائل (الروحي أو المادي) كامناً من البداية. ففلسفة إسبينوزا (الحلولية المادية) وحركة شبتاي تسفي ثم الحركتين الفرانكية والحسيدية (الحلولية الروحية) تقوم بتفكيك الإنسان ورده إلى كل أكبر منه. ثم أخذت معدلات الحلولية المادية والحلولية الروحية في التصاعد بعد القرن الثامن عشر. ويبدأ الإله في الشحوب (اليهودية الإصلاحية) ، إلى أن يختفي تماماً أو يكاد (اليهودية المحافظة بشكل مبهم ـ اليهودية التجديدية بشكل واضح) ويُعلَن موت الإله ونهاية المركز (لاهوت موت الإله ـ يهودية ما بعد الحداثة) . والصهيونية شكل من أشكال الحلولية الثنائية الصلبة المادية، وهي من ثم تنتمي إلى النمط نفسه الذي تنتمي إليه النازية والقوميات العضوية. وشيوع الحلولية في النسق الديني اليهودي لم يكن مجرد امتداد للحلولية الكامنة في التوراة والتلمود، فثمة عنصر ساعد على تعميق هذه الحلولية وعلى تكثيفها ثم تفجُّرها وشيوعها بين أعضاء الجماعات اليهودية وهو وضع اليهود في الحضارة الغربية كجماعات وظيفية وسيطة. فأعضاء الجماعة الوظيفية الوسيطة ينزعون دائماً منزعاً حلولياً في رؤيتهم للكون، فهم يرون أن الإله يحل فيهم، ولذا فهم ـ حسب ظنهم ـ يتمتعون بقداسة خاصة تعزلهم عن المجتمع. ومن ثم، فإن أعضاء الجماعات اليهودية ساهموا في ظهور العلمانية (وهي وحدة وجود مادية) بشكل غير مباشر وغير واع من خلال نشر الرؤية الحلولية. الثنائية الصلبة (حتى نهاية القرن التاسع عشر) (Solid Dualism (to the End of the Nineteenth Century

стр. 5093

تأخذ الحلولية الكمونية الواحدية شكلين أساسيين: الحلولية الثُنائية الصلبة حين يصبح شعب ما أو أرض ما مركز الحلول والقداسة (مقابل بقية العالم) ، والحلولية الشاملة السائلة حين يصبح العالم بأسره (والجنس البشري بأسره) موضع القداسة وحين تتعدد مراكز الحلول. والحلولية الثنائية الصلبة اليهودية تعني حلول الإله في الشعب اليهودي بحيث يتم استبعاد بقية العالم (الأغيار) من عملية الخلاص. ويمكن أن يحل الإله في أرض هذا الشعب (صهيون) ويستبعد بقية العالم (بقية بلاد العالم وما فيها من شعوب) . وتتبدَّى الحلولية الثنائية الصلبة في العقيدة اليهودية من خلال الثالوث الحلولي المقدَّس: ١ ـ الإله: يختفي الإله الواحد العلي المنزَّه ويظهر بدلاً منه إله يسرائيل الذي يتحد بجماعة يسرائيل (الإنسان) وبأرض وتاريخ يسرائيل (الطبيعة) . ٢ ـ الشعب المقدَّس: يصبح الشعب اليهودي، أو جماعة يسرائيل شعباً مختاراً وأمة من الكهنة والمشحاء المخلصين، بل هو شعب مقدَّس يدخل الإله معه في علاقة حب حميمة تتسم بالغيرة أحياناً. ويُشار إلى الشعب بأنه ابن الإله. وتتعمق هذه المفاهيم في التراث القبَّالي لتدخل دائرة الشرك الصريح، فالشعب يصبح الشخيناه، أي جزءاً من الإله وتعبيراً أنثوياً عنه، نفيه نفي الإله نفسه، فالإله والشعب يتكونان من جوهر واحد ( «من يضرب رجلاً من جماعة يسرائيل كما لو كان يهين وجه الإله المبارك اسمه» الحاخام حانينا) . وتميل المعادلة الحلولية إلى صالح الشعب بحيث يصبح عنصراً أساسياً في عملية إصلاح الخلل الكوني (تيقُّون) أو الخلاص وشريكاً فيها. ومن ثم، فهو الأداة التي يستعيد بها الإله وحدته، أي أن الإله يصبح معتمداً على اليهود في إصلاح الكون، وفي إكمال ذاته. واليهود، بأدائهم الأوامر والنواهي، إنما يساعدون الإله على استخلاص الشرارات الإلهية المبعثرة (نيتسوتسوت) بعد حادث تهشُّم الأوعية (شفيرات هكليم) .

стр. 5094

٣ ـ الزمان والمكان المقدَّسان: أ) الأرض المقدَّسة (المكان أو الوطن المقدَّس) : تمتد القداسة لتشمل، بطبيعة الحال، الأرض التي يعيش عليها هذا الشعب المقدَّس، ويشار إليها باسم «صهيون» ، و «إرتس يسرائيل» . وإذا كان الشعب المقدَّس مختاراً، فالأرض المقدَّسة هي أرض الميعاد التي سيتحقق فيها الوعد الإلهي لهذا الشعب المختار حين يأتي الماشيَّح ويقود شعبه إليها. ب) الزمان المقدَّس (التاريخ المقدَّس) : وإذا كان الشعب مقدَّساً ومكانه مقدَّساً فزمانه لا يقل قداسةً. وهذا التاريخ يصبح ذا معنى وشكل محدَّدين من خلال حلول الإله، فتاريخ جماعة يسرائيل يبدأ بالخروج من مصر بمساعدة الإله ثم دخولها إلى كنعان. وهذه الحركة لا تتم إلا من خلال التدخل الإلهي المباشر والمستمر، تماماً كما ستنتهي بالعودة من المنفى إلى صهيون (فلسطين) تحت قيادة الماشيَّح الذي سيرسله الإله في آخر الأيام. وعلاقة الشعب بالأرض علاقة عضوية لأن الإله يحل في كليهما، وما تاريخ الشعب إلا تعبير عن هذه العلاقة العضوية الحلولية. ولنا أن نلاحظ أن الحلول الإلهي عادةً ما يتركز - في إطار الثنائية الصلبة - في شعب بعينه يصبح مركز الكون، ولكن الحلول يمكن أن يتركز في الأرض بدلاً من الشعب (ثم في الدولة الصهيونية فيما بعد) . ويمكن أن يتركز الحلول الإلهي في المشناه (التي تصبح اللوجوس) . ولكن، في هذه الحالة، ستكون المشناه مجرد تعبير عن الحلول الإلهي في الشعب. ويمكن أن ينحسر الحلول الإلهي ليتركز في الماشيَّح أو التساديك.

стр. 5095

وفي إطار الحلولية الثنائية الصلبة، أصبحت اليهودية ديانة مغلقة تستبعد الآخرين من نطاق القداسة وشرائع الخلاص، ولا تشغل نفسها بهم. ومن ثم، فهي ليست ديانة تبشيرية ولا تشجع أحداً على التهود إلا في لحظات نادرة من تاريخها (في القرن الأول قبل الميلاد وبعده) . وأصبحت رؤية اليهودية للكون استبعادية حادة ضد الأغيار، وظهر التمركز الحلولي القومي حول الذات. كما أدَّت الحلولية الثنائية الصلبة إلى تزايد الشعائر التي تهدف إلى عزل الشعب المقدَّس عن الآخرين وعن محيطه، مثل: الاحتفال بالسبت، والختان، وقوانين الطعام، وتحريم الزواج المُختلَط وشعائر الطهارة. وأصبحت المعايير ازدواجية بحيث أصبح الأغيار في بعض الصياغات مدنَّسين تماماً، بل إن اتجاه الإله إلى خلق هؤلاء الأغيار على هيئة إنسانية يعود (حسب الرؤية القبَّالية) إلى رغبته في تيسير عملية قيامهم على خدمة اليهود. والأغيار يقعون، بطبيعة الحال، خارج دائرة القداسة، ولذا يكون من المباح سرقتهم وقتلهم.

стр. 5096

ويأخذ النسق الحلولي الثنائي الصلب، من الناحية البنيوية، شكلاً مخروطياً: دوائر متداخلة متراكمة كل منها أصغر مما يسبقها وتظل الدوائر تَصغُر حتى تصل إلى قمة المخروط التي هي مركز هذه الدوائر. فقاعدة المخروط، من الناحية الجغرافية (المكان) ، هي العالم، أما قاعدته التاريخية (الزمان) فهي الأغيار. وفي مركز العالم، وعلى ارتفاع منه، تقف إرتس يسرائيل، الأرض التي اختارها الإله وحباها بنعمه الخاصة. وفي مركز التاريخ، وعلى ارتفاع منه، يقف الشعب اليهودي (جماعة يسرائيل) الذي اختاره الإله ليكون أمة من الكهنة والقديسين والأنبياء. وفي وسط إرتس يسرائيل، وعلى ارتفاع منها، تقف أورشليم (القدس) . وفي وسط الشعب، وعلى ارتفاع منه، يقف الأنبياء والملوك والكهنة. وفي وسط أورشليم يوجد الهيكل، في داخله قدس الأقداس، وهو سرة الدنيا (حسب كلمات المشناه) ، يوجد فيه تابوت العهد الذي تُوجَد فيه الوصايا العشر وتحل فيه روح الإله. وأمام التابوت يوجد حجر الأساس (بالعبرية: ايفين شتْيِّاه) حيث خُلقت الدنيا. وفي وسط الأنبياء، يقف الماشيَّح (نبي الأنبياء) وملك الملوك، والذي يجسد روح الإله. وكان الكاهن الأعظم يدخل قدس الأقداس مرة كل عام (في يوم الغفران) لينطق باسم الإله الأعظم فيكتمل من خلاله الحلول الإلهي في الشعب ومنه إلى بقية الجنس البشري. وهكذا، فإن قمة المخروط هي النقطة التي يتحد فيها عاملا الجغرافيا والتاريخ، ويذوب فيها الزمان في المكان والطبيعة في الإنسان/الإله، أي أنها نقطة تحقُّق وحدة الوجود الكامل. ونلاحظ أن بإمكاننا، حسب هذا البنيان، أن نرى المكانة التي تشغلها جماعة يسرائيل وإرتس يسرائيل، فهما مركز الكون وعنصران أساسيان لأي خلاص للعالم.

стр. 5097

ويُلاحَظ أنه في إطار الثنائية الصلبة يتعادل الإله مصدر القداسة، مع الشعب الذي تسري فيه القداسة، ثم ترجح كفة الشعب والمتحدثين باسمه على كفة الإله، أي أن الثنائية الصلبة تتحول إلى ما يشبه الثنوية: قوتان متعادلتان، وإن كانا في اليهودية غير متصارعتين، ولذا فنحن نؤثر تسميتها بـ «ثنوية بنيوية» لتمييزها عن الثنوية التقليدية التي تترجم نفسها إلى صراع بين إله الشر وإله الخير. واليهودية الحاخامية تعادل بين الشريعة المكتوبة (الوحي الإلهي) والشريعة الشفوية (الاجتهاد الحاخامي) . والواضح أن آراء الحاخامات أصبحت متعادلة مع النص الإلهي، وقد جُمعت هذه الآراء في التوراة الشفوية، أي في التلمود الذي يُعادل التوراة المكتوبة (أي المرسلة من الإله) بل يتفوق عليها. ويقول التلمود إن الحاخامات كثيراً ما يُظهرون من الحكمة ما لا يستطيعه الإله. وقد حلَّت المشناه محل التوراة فأصبحت هي اللوجوس، فهي تشبه المسيح في التراث المسيحي، توجد في عقل الإله منذ الأزل. وتدور القبَّالاه اللوريانية حول مفهوم إصلاح الخلل الكوني (تيقون) وهي عملية يشارك فيها الإنسان، بل إن الشرارات الإلهية لا يمكن جمعها مرة أخرى، ولا يستطيع الإله أن يستعيد وحدته إلا بمشاركة الإنسان، فكأن مقدرة الإنسان معادلة لمقدرة الإله. وتصل الثنائية الصلبة إلى قمتها في المفهوم الحسيدي الخاص بالتساديك، مركز الحلول الإلهي، الذي يبلغ من القوة قدراً يجعله يصبح قناة موصلة بين أتباعه والإله، فأدعيتهم لا يمكن أن تستجاب إلا بعد أن يوصلها هو للإله، والإله نفسه لا يمكنه أن يفعل شيئاً إلا من خلاله. وإرادته من القوة بحيث يستطيع التأثير في الإله ويستطيع أن يرغمه على تغيير إرادته.

стр. 5098

ويمكن القول بأن الحلولية هنا هي حلولية فردية في الحاخامات والتساديك الذين يحلون محل المسيح في المنظومات المسيحية. ولا شك في أن الحلولية اليهودية هنا تأثرت بالعقيدة المسيحية، فقد وُجدت في تربة مسيحية سلافية حلولية صوفية. ولكن ثمة فارقاً مهماً، رغم التشابه الظاهر، وهو أن المسيح ليس قناة موصلة بين الإله وشعب بعينه، فهو تجسُّد الإله لصالح كل البشر. والمسيح، فضلاً عن هذا، يأتي ويُصلَب ويقوم، فالحلول فردي مؤقت ومنته. أما الحلول في الحاخامات والتساديك فهو مستمر ومُتوارَث. ومن ثم، فإن الحسيدية شكل من أشكال الحلول الثنائية الصلبة (الروحية) على النمط اليهودي القديم رغم تأثرها بالأفكار المسيحية في فكرة التساديك على وجه الخصوص.

стр. 5099

وقد ترجمت الثنائية الصلبة نفسها في العصر الحديث إلى الحركة الصهيونية، فبعد موت الإله يبقى الشعب المقدَّس المتمركز في أرضه المقدَّسة (المستوطنون الصهاينة في فلسطين) حيث تنتظمهم الدولة الصهيونية صاحبة الإرادة النيتشوية التي تَصدُر عن حقوق مطلقة منحها اليهود لأنفسهم وتساندها القوة العسكرية، وتقف هذه الدولة أمام الأغيار (الذين يقعون خارج نطاق القداسة) تمارس حقوقها بالقوة وتهدر حقوق الآخرين. والصهيونية تأخذ شكلين، ثنائية صلبة روحية (الإله يحل في الشعب) وثنائية صلبة مادية (القوة الدافعة للمادة الكامنة في الشعب) ، يترجمان نفسيهما إلى صهيونية دينية وعلمانية. وأخيراً، ترجمت الثنائية الصلبة نفسها إلى لاهوت موت الإله الذي حوَّل كل ما يحدث للشعب اليهودي (الإبادة) وكل ما يَصدُر عنه من أفعال (الدولة الصهيونية) إلى مُطلق. والشعب اليهودي (مثل المسيح) يُجسد الإله الذي يُصلَب. وبدلاً من القيام، يؤسس هذا الشعب الدولة الصهيونية التي تصبح مطلقاً لا يحق للأغيار التساؤل بشأنها، وبذا يتحول الشعب الشاهد إلى الشعب الشهيد. ومع هذا، تجب الإشارة إلى أن الحلولية الثنائية الصلبة اليهودية آخذة في التراجع، ولكن ما يحل محلها ليس الفكر التوحيدي وإنما الحلولية الشاملة السائلة. ويمكن القول بأن الصهيونية الحلولية العضوية هي تعبير عن الحلولية الصلبة، أما صهيونية عصر ما بعد الحداثة فهي تعبير عن الحلولية السائلة. السيولة الشاملة (في القرن العشرين) Total Flux (in the Twentieth Century)

стр. 5100

أخذت الحلولية الكمونية اليهودية عبر تاريخها الطويل الشكل الثنائي الصلب (الإثنيني أو الثنوي) . ويستمر هذا الوضع قائماً حتى نهاية القرن الثامن عشر (وحركة التنوير اليهودي) . وبعد ذلك التاريخ، بدأت الثنائية الصلبة في الانحلال إذ تتجه الحلولية نحو المرحلة السائلة التي تبدأ عادةً بظهور نزعة عالمية أممية بين بعض أعضاء الجماعات اليهودية ينادون بأيديولوجية عالمية يرون أنها الطاقة الدافعة للمادة المسيّرة للكون الكامنة في كل البشر وليس في اليهود وحسب، وكامنة في الطبيعة ككل وليس في أرض بعينها. وقد بدأت هذه النزعة العالمية في الظهور مع تفاقم أزمة اليهودية الحاخامية (وظهور شبتاي تسفي وإسبينوزا) ومع تزايد اندماج اليهود في الحضارة الرأسمالية والاشتراكية (العلمانية) الصاعدة وتحوُّلهم من جماعات وظيفية (حلولية ثنائية صلبة) إلى أعضاء في الطبقات المختلفة للمجتمع (حلولية شاملة سائلة) ، وتحوَّل المفكرون اليهود من مفكرين يهود إلى مفكرين علمانيين عالميين يدينون بالولاء إما للدولة القومية المطلقة أو للطبقة العاملة أو الجايست أو روح الشعب ... إلخ، أو أي مطلق علماني عالمي شامل، وأصبح الهدف من وجود اليهود هو خدمة الإنسانية والاندماج، بل الانصهار فيها. ويُلاحَظ أن هذه النزعة نحو العالمية قد تشكِّل تفكيكاً للثنائية الحلولية الصلبة، ولكنها لا تعني الوصول بعد إلى مرحلة السيولة إذ أن رؤية الكون تظل متمركزة حول اللوجوس، فمفهوم الإنسانية يشكِّل الركيزة الأساسية التي يدور حولها النسق وموضع الحلول ومصدر التجاوز. ويمكن ملاحَظة أن هذه النزعة العالمية كانت كامنة في المشيحانية اليهودية التي عبَّرت عن نفسها من خلال شكلين: أ) حركات مشيحانية ثنائية صلبة تدور حول خلاص اليهود واليهود وحدهم، وهو خلاص يأخذ شكل عودة إلى أرض الميعاد تحت قيادة الماشيَّح.

стр. 5101

ب) حركات مشيحانية عالمية سائلة ترى أن خلاص اليهود يعني سقوط كل الحدود وانتهاء رسالتهم واختفاءهم باندماج جميع البشر. ولكن هذه النزعة نحو العالمية والمساواة، تتعمق وتأخذ شكلاً ثورياً متطرفاً، إذ تظهر نزعة إلى لحظة مشيحانية كونية، حلولية عضوية كاملة يصبح الجزء فيها متوحداً تماماً مع الكل، وتتوحد فيها الدوال مع المدلولات، ويمكن التواصل بشكل مطلق إذ لا توجد مسافة تفصل بين البشر. وتتسم هذه المرحلة بأنها تتضمن رفضاً كاملاً للحدود، أي أنه تعبير عن الرغبة في الانسحاب من حالة التاريخ الإنسانية (المجتمع الشيوعي في حالة ماركس - لحظة الإفصاح الجنسي الكامل عن النفس عند فرويد) . وهذه الرؤية رغم ثوريتها وعالميتها إلا أنها تشكل نقداً لا لحالة إنسانية بعينها وإنما للحالة الإنسانية ككل، وهي تعبير عن الرغبة في الوصول إلى حالة اليوتوبيا التكنولوجية أو البيروقراطية حتى نصل إلى القانون العام الذي يمكن التحكم من خلاله في العالم ويمكن التعبير عن الإنساني من خلال لغة جبرية كمية دقيقة. ولكن حينما تزال الحدود تماماً بين الإنسان والإنسان تزال الحدود أيضاً بين الإنسان والطبيعة، وتتم المساواة بين الإنسان والطبيعة وبين الخير والشر وبين الذكر والأنثى، أي يتم إلغاء كل الثنائيات، وهنا تبدأ الحلولية السائلة تطل برأسها إذ يصبح الهدف من وجود الإنسان في الكون هو التناغم معه بمعنى الذوبان الكامل فيه، ومن ثم تختفي أية منظومة معرفية وأخلاقية، وتظهر الترخيصية والإباحية والإباحة الكاملة (هاجم الشبتانيون والحركة الفرانكية كل العقائد والديانات بشكل باطني، وهذا ما فعله إسبينوزا فقد هاجم العقيدة اليهودية والعهد القديم، ولكن هجومه كان في واقع الأمر على العقائد الدينية ككل وعلى كل الثنائيات الكامنة فيها) .

стр. 5102

ويمكن القول بأن تاريخ اليهودية منذ ذلك الحين هو تاريخ التأرجح بين الحلولية الثنائية الصلبة (المادية أو الروحية) والحلولية الشاملة السائلة (المادية أو الروحية) مع الاتساع التدريجي لنطاق الرؤية العالمية والحلولية السائلة. ويبدأ فكر حركة التنوير اليهودية بمحاولة التوفيق بين اليهودية وروح العصر. وروح العصر هنا هي مطلق كامن في الزمن لا يميِّز اليهود عن الأغيار وإنما يجمع بينهم. وقد انتشر الفكر الربوبي بين اليهود، وهو فكر حلولي عالمي، فالإله يحل في الطبيعة ويستطيع العقل البشري أن يحيط به دون حاجة إلى كتب سماوية أو إلى أية خصوصية دينية، فكتاب الطبيعة مفتوح أمام الجميع. وقد ورثت حركة التنوير اليهودية هذه الفكرة، وتأثرت بها اليهودية الإصلاحية التي بدأت ترى الإله كمبدأ واحد يسري في المخلوقات ولكنها احتفظت باسم الإله (حلولية شحوب الإله) . وتشكل اليهودية المحافظة عودة إلى الحلولية الثنائية الصلبة إذ إن مركز الحلول يصبح الشعب اليهودي ومؤسساته القومية. وتحتفظ اليهودية المحافظة باسم الإله، ولكنه إله غير متجاوز، كتعبير عن الذات اليهودية، ولذا فهي تظل في إطار وحدة الوجود الروحية وشحوب الإله. والصهيونية هي الأخرى عودة للثنائية الصلبة، فبعد موت الإله يبقى الشعب المقدَّس المتمركز في أرضه المقدَّسة (المستوطنون الصهاينة في فلسطين) حيث تنتظمهم الدولة الصهيونية صاحبة الإرادة النيتشوية التي تَصدُر عن حقوق مطلقة منحها اليهود لأنفسهم وتساندها القوة العسكرية، وتقف هذه الدولة أمام الأغيار (الذين يقعون خارج نطاق القداسة) تمارس حقوقها بالقوة وتهدر حقوق الآخرين. والصهيونية تأخذ شكلين، ثنائية صلبة روحية (الإله يحل في الشعب) وثنائية صلبة مادية (القوة الدافعة للمادة الكامنة في الشعب) ، يترجمان نفسيهما إلى صهيونية دينية أو إلى علمانية. وأخيراً ترجمت الثنائية الصلبة نفسها إلى لاهوت موت الإله.

стр. 5103

ويتسع نطاق الحلولية ليصل إلى اليهودية الإنسانية الإلحادية التي ترى أن الإيمان الحق باليهودية يعني الإيمان الحق بالإنسانية، ومن ثم فإن جوهر اليهودية الحق يتحقق من خلال اختفائها، بل اختفاء الإله بالتحامه الكامل بالمادة. ومع اختفاء الإله، تتعدد المراكز وندخل يهودية عصر ما بعد الحداثة حيث يُعلَن موت الإله ويظهر عالم لا مركز له كل ما فيه متساو نظراً لتحقُّق الحلولية الشاملة السائلة التي تذيب حدود الأشياء فتختفي جميعاً. عند هذه اللحظة، يمكن أن يحدث أي شيء وكل شيء، فتظهر اليهودية المتمركزة حول الأنثى، وينضم أعضاء الجماعات اليهودية بأعداد متزايدة إلى الماسونية والبهائية والعبادات الجديدة، وكلها عقائد حلولية شاملة سائلة ذات طابع واحدي، تنكر أي ميتافيزيقا. ولعل هذه الحلولية الشاملة السائلة هي الإطار الذي تدور فيه النزعة التفكيكية (الهرمنيوطيقا المهوطقة) التي يتسم بها كثير من المفكرين ذوي الأصول اليهودية إذ نجدهم يتجهون نحو رفض المجتمع بقضه وقضيضه، بل التاريخ الإنساني بأسره نتيجة رفضهم كل الحدود. ومن هنا، ينخرط المثقفون من أعضاء الجماعات اليهودية بشكل ملحوظ في حركات ما بعد الحداثة بكل ما تتسم به من عدمية ناجمة عن الراديكالية المعرفية والأخلاقية التي تنكر أيَّ يقين معرفي أو مطلقية أخلاقية وأية مرجعية متجاوزة، إنسانية كانت أم إلهية، حيث تسود حالة من اللامعنى واللا تواصل في عالم لا طعم له ولا لون ولا رائحة، أي عالم لا مركز له ولا حدود، عالم العودة إلى الحالة الجنينية وإلى سكون الرحم. الثنوية (أو الاثنينية) اليهودية Jewish Dualism

стр. 5104

«الثنوية» أو «الاثنينية» هي الفكرة القائلة بأن الوجود يتكون من قوتين مطلقتين أو عنصرين أساسيين جوهريين متوازيين متعارضين (ثنائية صلبة) لا يلتقيان، إله الخير وإله الشر، وهما دائماً في حالة صراع. ومع هذا، توجد نقطة نهائية في التاريخ يتم من خلالها القضاء على هذه الثنوية إذ يهزم إله الخير إله الشر أو يمتزجان ليكونا واحدية كونية. والثنوية أحد أشكال الحلولية، وهي من ثم تعبير عن فشل في الوصول إلى النضج النفسي وعن الفشل في التجريد وفي تَقبُّل تركيبية العالم. واليهودية تركيب جيولوجي تراكمي ذو طابع حلولي، ولذا نجد أنها قد استوعبت عناصر ثنوية عديدة (من العبادات الفارسية على وجه الخصوص) أثرت في عقائدها وشعائرها وبنيتها. وتظهر هذه العناصر في مخطوطات البحر الميت ولدى الجماعات الغنوصية أو شبه الغنوصية اليهودية ثم أخيراً في الثنوية المباشرة التي تتبدَّى في شعائر وشخصيات خرافية مثل عزازيل وميتاترون، وكذلك في بعض الملائكة الآخرين الذين أصبحوا قوة مستقلة عن يهوه لها وجود مستقل عنه وتُقدَّم لها القرابين تماماً كما تُقدَّم له، كما كان يحدث في يوم الغفران حينما كان كبير الكهنة يُقدِّم كبشين: أحدهما ليهوه والآخر لعزازيل. وهذه الشخصيات والشعائر تفترض وجود قوتين إلهيتين، إحداهما للخير والأخرى للشر، وهي شخصيات وشعائر تقبلتها اليهودية كتركيب جيولوجي تراكمي. وقد تحولت التوارة في اليهودية الحاخامية إلى قوة معادلة للإله تحوي سرّ الكون، نظر إليها الإله وخلق العالم (فهي اللوجوس الذي يمنح العالم النظام والثبات والشكل النهائي المستقر) . وتُعبِّر التوراة عن الحياة الداخلية للإله ولكنها مستقلة عنه. ولذا فهي تجلس إلى جواره على العرش، فهي إذن تَجسُّد له ولكنها مستقلة عنه.

стр. 5105

وقد تفجرت هذه الثنوية في التراث القبَّالي، فنجد أنها ثنوية تشبه تماماً ثنوية الأنساق الغنوصية، فهناك ثنوية الإين سوف (الديوس أبسكونديتوس أو الإله الخفي اللامتناهي) مقابل التجليات النورانية، وهناك السترا أحرا (الجانب الآخر المظلم) الذي يمثل الشر والظلام مقابل الخير، والشخيناه هي لوجوس تجلس إلى جوار الخالق على عرشه ويقابلها الإله نفسه، كما أن الشخيناه نفسها يقابلها الشخيناه المدمرة التي تَصدُر عن السترا أحرا. والثنوية قد تختلف من بعض الوجوه عن الحلولية الثنائية الصلبة ولكنهما، في نهاية الأمر، شيء واحد؛ فالأولى إن هي إلا حالة متطرفة متبلورة وتطوُّر منطقي للثانية. ويُلاحَظ أن الثنوية اليهودية تؤدي إلى توازي قطبي الثنوية لا الصراع بينهما، ومن ثم فنحن نشير إليها بأنها «ثنوية بنيوية» . وهي، في هذا، تختلف عن الثنوية الفارسية ذات الطابع الصراعي الحاد. القداسة في اليهودية Jewish Concept of Sacredness and Sanctity الرؤية التوحيدية للقداسة موجودة في اليهودية كطبقة ضمن الطبقات الجيولوجية. ولكن هناك، فوقها وتحتها، طبقات أخرى من أهمها الطبقة الحلولية التي يستطيع اليهودي في إطارها ألا يشارك في القداسة وحسب، وإنما يتوحد مع الإله تماماً ويصبح في قداسته. وانطلاقاً من هذه الرؤية الحلولية الثنائية الصلبة التي كانت موجودة بشكل كامن في العهد القديم، ثم تبلورت في التلمود وأخذت شكلاً متطرفاً في القبَّالاه، نجد أن القداسة لم تَعُد حالة يشارك الإنسان فيها من خلال التدريبات الروحية والأعمال الأخلاقية وإنما أصبحت سمة عضوية مُتوارَثة ناتجة عن الحلول الإلهي الدائم.

стр. 5106

وإذا كانت القداسة هي الصفة الإلهية التي تفصل الإله (المطلق) عما هو غير مقدَّس (دنيوي ونسبي) ، فإن الشعب اليهودي قد سرت فيه هذه القداسة وأصبح يتسم بهذا الانفصال حينما عقد الإله العهد معه. وبذلك، انقسم العالم بأسره داخل إطار الحلولية الثنائية الصلبة إلى قسمين: اليهود المقدَّسين الذين يعيشون داخل دائرة القداسة، والأغيار الذين يعيشون داخل التاريخ فقط وخارج دائرة القداسة. والأرض التي يقطنها الشعب اليهودي، صهيون أو إرتس يسرائيل، أصبحت هي الأخرى الأرض المقدَّسة التي لا تسري عليها القوانين التاريخية النسبية العادية. كما أن تاريخ هذا الشعب يصبح أيضاً تاريخاً مقدَّساً تختلف بنيته ومساره وقصده عن التواريخ الإنسانية إذ يتسم بالحلول الإلهي فيه. ولكل هذا، نجد أن المسافة بين الإله والإنسان وبين الواقع والمثل الأعلى تختفي تماماً ويحل محلها الحوار (الديالوج) الدائر بين الإله والشعب. والإله المقدَّس لا يختلف كثيراً عن الشعب المقدَّس، فهو يوحي إلى الشعب بما يريد أن يسمع. وهو قد اختارهم لأنهم اختاروه كما جاء في التلمود، وكما يقول بن جوريون. وحينما ذهب الشعب المقدَّس إلى سيناء، فإنه كان يحمل روح الشريعة المقدَّسة التي تلقاها من الإله، كما يقول مارتن بوبر، أي أن روح الشعب والقداسة هما شيء واحد. والقداسة نفسها تسري على مؤسسات اليهود الدنيوية القومية كافة أو تحل فيها. إن نسل الملك داود مقدَّس إذ أن الماشيَّح سيكون من بينهم. واللاويون مقدَّسون منفصلون عن بقية الشعب لأنهم من سبط الكهنة. ويوم السبت مقدَّس لأنه اليوم الذي استراح فيه الإله بعد خلق العالم في ستة أيام، وهو أيضاً اليوم الذي خرج فيه اليهود من مصر، ولذلك فهو منفصل عن بقية أيام العمل العادية. واللغة العبرية هي اللسان المقدَّس (لاشون هقودش) .

стр. 5107

ويصل حد خلع القداسة على كل شيء قومي إلى درجة أن التلمود (تفسير العلماء اليهود للعهد القديم) يصبح أكثر قداسة من العهد القديم (الكتاب المقدَّس) نفسه. بل إننا نكتشف، من خلال قراءتنا في التراث الديني اليهودي، أن الحوار بين الإله والشعب يصل إلى درجة أن قداسة الإله تصبح من قداسة الشعب، وليس العكس. فقد جاء في أحد كتب المدراش: "حينما تنفذ يسرائيل إرادة الإله، فإنها تضيف إلى إرادة الإله في الأعالي، وحينما تعصى يسرائيل إرادة الإله فكأنها تضعف القوة العظمى للإله في الأعالي". ويفسِّر أحد كتب المدراش فقرة من إصحاح أشعياء (٤٣/١٢) : «وأنتم شهودي ـ يقول الرب، وأنا الإله» ، وذلك على النحو التالي: "حينما تكونون شهودي أكون أنا الإله، وحينما لا تكونون شهودي فأنا (كأنني) لست الإله". فكأن ألوهية الإله، بل وجوده، لا يتجاوز الإرادة والوجود اليهوديين. وفي تراث القبَّالاه، وصل الإيمان بقداسة الشعب إلى أشكال في غاية التطرف إذ ذهب بعض القبَّاليين إلى أن اليهود قد خُلقوا من طينة مقدَّسة مختلفة عن الطينة التي خُلق منها الأغيار. وبالتالي، تكون أفعال اليهود كلها مقدَّسة لأنها تساهم في عملية إصلاح الخلل الكوني (تيقون) التي يستعيد الإله من خلالها ذاته وكذلك الشرارات الإلهية المشتتة. ومن خلال مفهوم الشرارات الإلهية المبعثرة، توصَّل الشبتانيون إلى أن القداسة توجد في الخير وجودها في الشر إذ أن الشرارات الإلهية قد علقت بكل شيء، ومن ثم فإن القداسة شملت كل شيء وأصبحت المبدأ الواحد الذي يسري في الكون ويتخلل ثناياه وبرزت فكرة الخطيئة المقدَّسة (أساساً في الحركة الفرانكية) التي تذهب إلى وجوب الانغماس في الرذيلة حتى يمكن الصعود إلى القداسة. وقد تبدَّى هذا في مفهوم الخلاص بالجسد.

стр. 5108

وقد ورثت الصهيونية هذا المفهوم الحلولي للقداسة التي تتركز في الشعب المقدَّس والأرض المقدَّسة وفي زمانه أو تاريخه أو روحه المقدَّسة، ولكن الصهاينة قاموا بعلمنة هذا المفهوم الحلولي بحيث يُترَك مصدر القداسة غير محدَّد: فهو الخالق بالنسبة للمتدينين، وهو روح الشعب أو أية مقولة دنيوية أخرى بالنسبة للمُلحدين. والقداسة تحل أيضاً في مختلف الممتلكات القومية التي يملكها الشعب. ولذا، نجد أن أحد زعماء الجوش إيمونيم (الحاخام تسفي كوك) يقول: إن الجيش الإسرائيلي هو القداسة بعينها. ومن قبله قال بن جوريون: إن الجيش هو خير مفسر للتوراة. ومن هذا المنظور الحلولي، يمكن أن نفهم مُصطلَحات صهيونية مثل «الحدود التاريخية» و «إسرائيل الكبرى» . فالحدود التاريخية هي الحدود المقدَّسة وإسرائيل الكبرى هي الأرض المقدَّسة. وقد دخلت اليهودية عصر ما بعد الحداثة حيث تتوزع القداسة على كل المخلوقات فتساوي بينهم وتسويهم وتدخل في حالة سيولة شاملة تصبح فيها التفرقة بين المقدَّس والمدنَّس وبين اليهودي وغير اليهودي أمراً مستحيلاً.

стр. 5109

الباب الثالث: إشكالية علاقة الغنوصية باليهودية الغنوصية: تعريف Gnosticism: Definition «الغنوصية» من الكلمة اليونانية «غنوصيص» ، ومعناها «علم» أو «معرفة» أو «حكمة» أو «عرفان» . وفي التراث العربي الإسلامي، تُستخدَم كلمة «عرفان» عند المتصوفين لتدل على نوع أسمى من المعرفة يُلقَى في القلب في صورة «كشف» أو «إلهام» . و «العرفان» ، حسب تعريف المؤرخين له، هو العلم بأسرار الحقائق الدينية والخصائص الإلهية، وبكل ما هو سري وخفي (كالسحر والتنجيم والكيمياء) ، وهو (من وجهة نظر صاحب العرفان) أرقى من العلم الذي يحصل لعامة المؤمنين البسطاء أو لأهل الظاهر من العلم الديني الذين يعتمدون النظر العقلي، و «العرفاني» هو الذي لا يقنع بظاهر الحقيقة الدينية بل يغوص في باطنها لمعرفة أسرارها. وهي معرفة تقوم على تعميق الحياة الروحية واعتماد الحكمة في السلوك وهو ما يمنح القدرة على استعمال القوى التي هي من ميدان الإرادة (ومن ثم تصبح الإرادة بديلاً للعقل) . فالمعرفة هنا لا تعني العلم، أي اكتساب معارف، بل بذل مجهود متواصل بقصد التطهير والتخلص من الأدران والتوصل للصيغة الغنوصية اللازمة لرحلة العودة للاندماج من جديد في العالم الإلهي الذي جاء منه الإنسان. والغنوصية ترى أن ثمة جوهراً واحداً يجمع بين كل الديانات ولذا لا تقدم نفسها كديانة جديدة، بل كباطن للشريعة القائمة، ومهمة الغنوص الكشف عن المغزى العميق للعقيدة (ولكل العقائد) التي ينتمي إليها الغنوصي بواسطة معرفة باطنية وكاملة لأمور الدين. ويتم التمييز بين الغنوصية كموقف من العالم (غنوص عملي) والغنوصية كنظرية لتفسير الكون (غنوص نظري) ولكنهما بطبيعة الحال مرتبطان تمام الارتباط، وخصوصاً أن الغنوص النظري نفسه ذو توجُّه عملي، فالعرفان يتم التوصل إليه من خلال طقوس وشعائر محددة.....

стр. 5110

والغنوصية حركة فلسفية وتعاليم دينية متنافرة تأخذ شكل أنساق أسطورية جميلة في غاية التنوع وعدم التجانس، انتشرت في الشرق الأدنى القديم في القرنين الثاني والثالث بعد الميلاد. ورغم أن أساطيرها وتعاليمها وأفكارها غير متجانسة، بل تنافرها، يمكن القول بأن ثمة بنية كامنة واحدة أو نموذج معرفي واحد، ذلك أن المنظومات الغنوصية كافة منظومات كمونية حلولية واحدية تبحث عن مبدأ واحد مطلق يحكم الكون بأسره، كما تبحث عن قانون شامل من غير ثغرات يعبِّر عن الواحدية الكونية التي ترد الكون بأسره إلى مبدأ واحد ومن ثم يذوب الكل في الجزء وتصبح الركيزة النهائية كامنة في المادة، ولذا يتحقق النموذج في لحظة التوحد الكامل بين الخالق ومخلوقاته (وباختفاء الإنسان في مقولات أكبر منه) ، أي أنها تنتهي بموت الإله ثم بموت الإنسان) . وهي محاولة لتفسير كيفية خروج النسبي من المطلق، والشر من الخير، وتجيب عليها بإجابات بسيطة بل ساذجة من خلال الأنساق الأسطورية التي تختزل الواقع الإنساني والتاريخي المركب. وتستخدم الغنوصية مفردات الحلولية الكمونية الواحدية وصورها المجازية (الجسد ـ الجنس ـ الرحم ـ الأرض) لإدراك العالم.

стр. 5111

تبدأ المنظومة الغنوصية من نقطة فردوسية لا تحتوي إلا على النور والقداسة، حالة تماسك واحدية عضوية لا يوجد فيها كل منفصل عن الأجزاء، ولا توجد فيها ثغرات (حالة البليروما) . ويوجد الإله الخفي (باللاتينية: ديوس أبسكوندتيوس deus absconditus) وراء البليروما، وهو إله متعال لا يقبل الوصف متجاوز تماماً للدنيا حتى حد التعطيل، غير مكترث بها أو معاد لها، والطبيعة لا تعبِّر عنه أو عن مقاصده. هذا الإله الواحد لم يخلق العالم دفعة واحدة من العدم وإنما من خلال عملية تدريجية من خلال الفيض والصدور ففاضت مخلوقات تُسمَّى الأيونات وهي القوى الروحية الأولية وهي بمثابة تشخُّصات للإله. وأهم الأيونات هي الإنسان نفسه الإنسان الأول وآدم قدمون أو أنثرويوس الذي هو نفسه الإله أو ديوس. ومن أهم الأيونات الأيون المسمى «صوفيا» أو «الحكمة» .

стр. 5112

وتذهب الغنوصية إلى أن الكون شرير ومعاد، وأن العالم سجن والزمان ردئ، وأن الإنسان لا ينتمي إلى هذا العالم وأنه وقع فيه وفي الزمان لا لذنب اقترفه أو لشر متأصل فيه وإنما بسبب خلل كوني أدى إلى تسرُّب بعض الشرارات الإلهية بحيث حُبست داخل المادة. والإنسان هو جزء من هذه الشرارات، فهو ينتمي إلى العالم النوراني، عالم الإله الخفي. ولن يتم الخلاص ولن يبلغ الإنسان الكمال (الذي هو اسم آخر للنجاة والخلاص) إلا من خلال معرفة خفية باطنية (غنوص) تتصل بالحقيقة الكلية الشاملة، وهي معرفة أو عرفان يفضي بالإنسان إلى معرفة بالإله، فالإله هو في نهاية الأمر الإنسان، والإنسان هو الإله، أو على الأقل ينتميان لعالم واحد، وقد صيغ من مادة واحدة أو جوهر واحد، ولذا فإن الخلاص والكمال هو اتحاد الذات الإنسانية مع الألوهية اتحاداً جوهرياً وانتهاء العالم. وقد لخص ثيودوتوس الغنوصية في عبارته الشهيرة، فقال "معرفة من كنا، وماذا أصبحنا، وأين كنا، وفي أي مكان أُلقي بنا، وإلى أي مكان نحث الخطى، وكيف نحصل على الخلاص، وما الميلاد، وما الميلاد الجديد؟ ".

стр. 5113

وقد أصبحت كلمة «غنوصية» في اللغات الغربية عَلماً على المذاهب الباطنية وعلى الهرطقات الجوهرية التي تقف على الطرف النقيض من العقائد السماوية التوحيدية. ويمكن القول بأن الغنوصية ليست شكلاً من أشكال التصوف الذي يدور في إطار توحيدي ويدعو إلى كبح جماح الجسد حتى يقترب الإنسان من الإله وهو يعرف أن الاتحاد به مستحيل (فهو إله مفارق متجاوز للطبيعة والتاريخ) . ومثل هذا التصوف يتبدَّى في التاريخ في شكل فعل أخلاقي وسلوك اجتماعي يدل على طاعة الإله. تقف الغنوصية على طرف النقيض من هذا النوع من التصوف (التوحيدي) ، فهي تهدف إلى الالتصاق بالإله والاتحاد معه بهدف الوصول إلى المعرفة الباطنية والصيغة النهائية (الغنوص) التي يمكن عن طريقها التحكم في الواقع وفي البشر بل في الإله، فهي شكل من أشكال التصوف الحلولي الكموني ووحدة الوجود الروحية. وهي، في هذا، تشبه القبَّالاه التي تحاول الوصول إلى المعرفة الباطنية ولا تكترث كثيراً بالتمارين الصوفية، وذلك باعتبارها محاولة للاقتراب من الخالق، فكل همها هو تحقيق الالتصاق بالإله والوحدة معه بهدف المعرفة من أجل التحكم (في الكون بل في القوة الخفية السارية فيه، أي الإله) . ونحن نطرح نموذجاً توليدياً لدراسة الغنوصية وتفسير سر انتشارها، فنذهب إلى أنها رؤية للكون تستجيب لشيء جوهري في الإنسان، وهو ما نسميه النزعة الرحمية، أي الرغبة في الانسحاب إلى الرحم وفقدان الهوية وتصفية الثنائيات الأخلاقية والمعرفية. وقد أورد كاتب مدخل «الهرمسية» في موسوعة تاريخ الأفكار ما يسميه «مجموعة أفكار الفوضى» (بالإنجليزية: كيوس سندروم (chaos syndrome وهي محاولة من جانبه لأن يرصد بعض السمات الأساسية للرؤية الكونية الكامنة وراء المنظومات الغنوصية (ومنها الهرمسية) وقد أوردها على النحو التالي: ١ ـ يخلق الإله العالم من مادة قديمة.

стр. 5114

٢ـ تتم عملية الخلق نتيجة تصادم ضخم أو لقاء جنسي بين عنصرين أساسيين. ٣ ـ الخلق يتضمن عناصر من الغريب واللامعقول. ٤ ـ التغير والظلام والطمي تنتج الحياة. ٥ ـ الثعبان والمخلوقات الهجين هي رمز الطاقة ويتم تأليهها. ٦ ـ العالم جسد يجدد نفسه دائماً، ومن هنا العود الأبدي. ٧ ـ «كما هو في الأعالي، كذلك في هذا العالم» أي عقيدة التقابل بين السماء والأرض والعرفان الكوني. ٨ ـ يمكن أن ينزل الإله إلى هذا العالم ليشارك في الأمور الإنسانية ويصبح عاملاً من عوامل إدخال الحضارة. والإله لا يتجاوز عملية التحول والعذاب التي تُعَد جزءاً من عملية الخلق والميلاد. ٩ ـ يستطيع الإنسان أن يرتفع لمنزلة الآلهة. ١٠ ـ «الهبوط الثمين» هو الهبوط في الظلمات ومواجهة وحوش الأعماق أمر ضروري ومصدر لتجربة حيوية يمر بها البشر والآلهة. وهو يرى أن هناك بعض المنظومات الدينية الشعبية تتسم بكل أو بعض هذه الصفات. والمنظومات الغنوصية تنتمي إلى هذا النمط في تصوُّرنا.

стр. 5115

والغنوصية هي النموذج المتكرر والكامن وراء معظم (إن لم يكن كل) الفلسفات والأنساق الحلولية الكمونية الواحدية (الروحية والمادية) عبر التاريخ، وهي أهم تعبير عن الواحدية الكونية وعن النزعة الطبيعية المادية، وأكثرها تبلوراً، وهي القواعد أو النحو العالمي الكوني للهرطقة، الذي وُلدت منه كل أنواع الهرطقات المادية المعادية للإله والإنسان، علمانية كانت أم «دينية» ، وهي هرطقات ليست معادية للإله المتجاوز وحسب وإنما معادية للإنسان باعتباره كائناً فريداً مركباً حراً متعدد الأبعاد قادر على تجاوز ذاته الطبيعية وعلى تجاوز الطبيعة/المادة وعلى اتخاذ مواقف أخلاقية تنبع من حريته وإحساسه بالمسئولية وبهويته وحدوده، أي أن الإلحاد الغنوصي إلحاد جوهري وجذري وتعبير عن عداء عميق لظاهرة الإنسان نفسها. وانطلاقاً من نموذجنا التوليدي، فإننا نذهب إلى أن الغنوصية قائمة منذ بداية التاريخ. وقد ظهرت الحركة المسماة بالغنوصية في لحظة تاريخية شعرت فيها قطاعات كبيرة من سكان المدن في الإمبراطورية الرومانية بضياعها وعدم انتمائها وغربتها عما حولها. وبعد القضاء على الغنوصية كحركة، ظلت المنظومة الغنوصية منتشرة بين الجماهير (بعد القضاء على قيادتها) ، ذلك على هيئة الممارسات والعقائد الدينية الحلولية الواحدية المختلفة تحت أسماء مختلفة. وقد أحرزت الغنوصية نجاحاً فائق النظير في حالة النسق الديني اليهودي إذ تصاعدت معدلات الحلولية حتى أصبحت اليهودية عقيدة غنوصية من خلال القبَّالاه. وقد أحرزت الغنوصية انتصارها الأكبر مع ظهور العلمانية (الحلولية الواحدية المادية ووحدة الوجود المادية) ، فالفلسفات والأنساق العلمانية، هي بمعنى أو آخر، شكل من أشكال الغنوص. ومن المعروف أن الظروف التي عاش فيها أتباع الحركة الغنوصية لا تختلف كثيراً عن الظروف التي يعيشها الإنسان الحديث في المدينة الحديثة أو في المجتمعات الحديثة التي تم ترشيدها وإخضاعها
следующие страницы →