← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

٣ ـ مع غياب أية مقدرة على إدراك الكل المتجاوز وأية أسس تاريخية ورؤى مستقبلية، أي مع غياب أية أرضية معرفية ثابتة، يمكن أن تستند إليها معايير عامة، يسقط العقل الأداتي تماماً في النسبية المعرفية والأخلاقية والجمالية إذ تصبح كل الأمور متساوية، ومن ثم تظهر حالة من اللامعيارية الكاملة. ومع هذا، يمكن القول بأن النموذج الكامن والمهيمن على الإنسان يصبح، مع تساوي الأمور، هو: الطبيعة/المادة ـ السلعة ـ الشيء في ذاته ـ علاقات التبادل المجردة. ٤ ـ لكل هذا، يصبح العقل الأداتي قادراً على شيء واحد: قبول الأمر الواقع والتكيف مع ما أمامه من وقائع قائمة وأحداث وجزئيات وظروف القهر والقمع والتنميط والتشيؤ والاغتراب، وهو ما يعني تثبيت دعائم السلطة وعلاقات القوة والسيادة القائمة في مجتمع معين وكبح أية نزعات إبداعية تلقائية تتجاوز ما هو مألوف. ٥ ـ لكل هذا، تحوَّل العقل، رغم تحرُّره من الأساطير، إلى قوة عقلانية تحاول السيطرة على الطبيعة والإنسان وترشيد الحياة بشكل يؤدي إلى نفي الحرية تماماً (كما يتبدَّى في بنَى التسلط الرشيدة الحديثة) . ولذا نجد أن التقدم أدَّى إلى عكسه وأن التنوير أدَّى إلى الشمولية والمجتمعات الحديثة التي تسعى إلى الفردية همَّشت الفرد، وأنها في طريقها إلى شكل من أشكال البربرية تتقدم بخطى حثيثة "نحو الجحيم". وما جرى في معسكرات الإبادة النازية إن هو إلا جزء عضوي من هذه المسيرة الشيطانية.

стр. 527

وقد رصد يورجين هابرماس (١٩٢٩ـ) ، آخر ممثلي مدرسة فرانكفورت، ظاهرة العقل الأداتي وترويض الإنسان في المجتمعات الحديثة وسماها «استعمار عالم الحياة» (أي عالم الوجود المُتعيِّن المُعاش الذي تُوجَد فيه الذات وتتفاعل معه وتستمد وجودها منه) . فالترشيد الأداتي والحوسلة المتزايدة لمجالات متنامية في الحياة الاجتماعية، من قبَل الأنظمة والمؤسسات الاقتصادية والسياسية والإدارية، يؤدي إلى استعباد الإنسان وإلى تقليص عالم الحياة وهيمنة عالم الأداة واستبعاد كثير من جوانب حياته الثرية وإمكانياته الكامنة المتنوعة (أي أن العقل الأداتي يؤدي إلى هيمنة الواحدية الموضوعية المادية، إن أردنا استخدام مصطلحنا) . العقل النقدى «العقل النقدي» ترجمة للمصطلح الإنجليزي «كريتيكال ريزون critical reason» و «العقل النقدي» هو المفهوم الأساسي في كتابات مفكري مدرسة فرانكفورت (النظرية النقدية) ويُقال له أيضاً «العقل الكلي» أو «العقل الموضوعي» (مقابل «العقل الأداتي» أو «العقل الجزئي» و «العقل الذاتي» ) . وكلمة «نقدي» هنا مبهمة إلى حدٍّ ما، وتعود إلى مفهوم كانط في النقد. فكانط كان يرى عمله باعتباره جزءاً من المشروع التنويري الغربي الذي رفض جميع الحجج التقليدية القائمة وأخضع كل شيء للنقد. ولكنه لم يتوقف عند هذا الحد وإنما أخذ خطوة للأمام وأخضع العقل للعملية النقدية نفسها، أي أن كانط أخضع أداة الاستنارة الكبرى للنقد وبيَّن حدودها الضيقة، متجاوزاً بذلك عقلانية عصر الاستنارة، أي أن هناك عقلانيتين: عقلانية مباشرة سطحية، وعقلانية أكثر عمقاً، وهذا هو الذي ترجم نفسه إلى عقلانية العقل الأداتي وعقلانية العقل النقدي. ويتسم العقل النقدي بما يلي:

стр. 528

١ ـ ينظر العقل النقدي إلى الإنسان لا باعتباره جزءاً من كل أكبر منه يعيش داخل أشكال اجتماعية ثابتة معطاة، مُستوعَباً تماماً فيها وفي تقسيم العمل القائم، وإنما باعتباره كياناً مستقلاً مبدعاً لكل ما حوله من الأشكال التاريخية والاجتماعية. ٢ ـ العقل النقدي يدرك العالم (الطبيعة والإنسان) لا كما تدركه العلوم الطبيعية، باعتباره مُعطَى ثابتاً ووضعاً قائماً وسطحاً صلباً، وإنما يدركه باعتباره وضعاً قائماً وإمكانية كامنة. ٣ ـ العقل النقدي لا يقنع بإدراك الجزئيات المباشرة، فهو قادر على إدراك الحقيقة الكلية والغاية من الوجود الإنساني. ٤ ـ العقل النقدي قادر على التعرف على الإنسان ودوافعه وإمكانياته والغرض من وجوده. ٥ ـ العقل النقدي، لكل ما سبق، قادر على تَجاوُز الذات الضيقة والإجراءات والتفاصيل المباشرة والحاضر والأمر الواقع (ولذا يمكن تسمية «العقل النقدي» بـ «العقل المتجاوز» ) . فهو لا يذعن لما هو قائم ويتقبله وإنما يمكنه القيام بجهد نقدي تجاه الأفكار والممارسات والعلاقات السائدة والبحث في جذور الأشياء وأصولها وفي المصالح الكامنة وراءها والمعارف المرتبطة بهذه المصالح (وهذا هو الجانب التفكيكي في العقل النقدي) . ٦ ـ الحقيقة الكلية التي يدركها العقل النقدي والإمكانيات الكامنة ليست أموراً مجردة متجاوزة للإنسان (الفكرة الهيجلية المطلقة) وإنما هي كامنة في الإنسان ذاته، والعقل النقدي قادر على رؤيتها في كمونها هذا (أي أن الإنسان يحل محل الفكرة المطلقة) . ٧ ـ لكل هذا، فالحقيقة لا تُوجَد في الواقع بذاته وإنما تقع بين الواقع الملموس (كما يحدده المجتمع من جهة) والخبرة الذاتية من جهة أخرى. ولذا فالوضع الأمثل هو وضع التوازن بين الذات والموضوع وهذا ما يقدر على إنجازه العقل النقدي وما يفشل فيه تماماً العقل الأداتي.

стр. 529

٨ ـ التاريخ هو عملية كاملة تتحقق من خلالها الذاتية الإنسانية، أي أن التاريخ هو الذي يُردُّ إلى الإنسان (خالق التاريخ) وليس الإنسان هو الذي يُردُّ إلى التاريخ. ولذا، فإن المجتمع في كل لحظة هو تجل فريد للإنسان؛ وتحقق الإمكانية الإنسانية في التاريخ هو الهدف من الوجود الإنساني. ٩ ـ يمكن إنجاز عملية انعتاق الإنسان من خلال التنظيم الرشيد للمجتمع (المبني على إدراك الإمكانية الإنسانية) من خلال الترابط الحر بين أفراد، عند كل منهم نفس الإمكانية لتنمية نفسه بنفس الدرجة وبذا يمتنع الاستغلال. ١٠ ـ بإمكان العقل النقدي أن يساهم في هذه العملية من خلال الجهد التفكيكي الذي أشرنا إليه. ويمكنه أيضاً القيام بجهد تركيبي إبداعي، فهو قادر على التمييز بين ما هو جوهري وبين ما هو عرضي، وعلى صياغة نموذج ضدي لا انطلاقاً مما هو مُعطَى وإنما مما هو مُتصوَّر وممكن في آن واحد ويمكن على أساسه تغيير الواقع، أي أن العقل النقدي يطرح أمام الإنسان إمكانية تَجاوُز ما هو قائم دائماً انطلاقاً من إدراكه لما هو ممكن داخله، أي أنه يفتح باب الخلاص والتجاوز أمام الإنسان وهو عكس التكيف والإذعان للأمر الواقع (على طريقة العقل الأداتي) .

стр. 530

ورغم أن مفكري مدرسة فرانكفورت لم يصرحوا بهذا، فيمكن القول بأن الحقيقة الكلية التي يتحدثون عنها هي حقيقة ثابتة، وأن الغاية الإنسانية التي يتحدثون عنها هي غاية نهائية، فكأنهم يعارضون ما هو ثابت ونهائي وكامن ويضعونه مقابل ما هو متغيِّر وآلي وظاهر. ورغم حديثهم الدائم عن المادية والتاريخية، فهم أكثر تركيباً من ذلك. فالكل الاجتماعي الذي يتحدثون عنه والإمكانية الإنسانية الكامنة التي يتعرفون عليها والكل الإنساني الذي لا يمكن فهمه إلا من منظور الغائية الإنسانية الكامنة فيه، هذه كلها ليست مفاهيم علمية مادية وإنما هي مفاهيم فلسفية متجاوزة لعالم الطبيعة/المادة. لكل هذا، يُطلَق على مدرسة فرانكفورت اصطلاح «إنسانية (هيومانية) ميتافيزيقية» ، أي أن مقولة الإنسان تصبح مقولة متجاوزة لقوانين الطبيعة/المادة. وانطلاقاً من هذا، فإن مفكري مدرسة فرانكفورت يذهبون إلى أن آلية الخلاص ليست الطبقة العاملة وإنما المثقفون القادرون على التعرف على الإمكانيات الكامنة في الإنسان وعلى رؤية الماضي والحاضر والمستقبل، ثم يضيفون إلى المثقفين "أكثر العناصر تطوراً في الطبقة العاملة" (أي أكثر العناصر اقتراباً من المثقفين؟) .

стр. 531

ويظهر التحليل الفلسفي مقابل التحليل العلمي المادي في رؤيتهم لليبرالية وعلاقتها بالفاشية. فالليبرالية، ابنة عصر الاستنارة، تدور حول المصلحة الآنية والعقل الذاتي (الأداتي) ويتم التناسق في المجتمع من خلال اليد الخفية التي لا يتحكم فيها أحد، والتي تتجلى بشكل متبلور في السوق وآليات العرض والطلب والبيع والشراء، أي أن ثمة غياباً كاملاً لأي إدراك للإمكانيات الإنسانية الكامنة وللغائية الإنسانية. ولذا، فإن العلوم الطبيعية والحسابات الكمية الصارمة تسيطر دون اعتبار لما هو إنساني. وحينما يدخل المجتمع الليبرالي مرحلة الأزمة، تحل الدولة محل اليد الخفية وتستمر في إدارة المجتمع بنفس الطريقة دون أي اعتبار لأية غائية إنسانية، ويسيطر العقل الأداتي تماماً. فآليات السوق ليست السبب في تَحوُّل الليبرالية إلى فاشية، ولكن السبب الحقيقي هو هيمنة العلوم الطبيعية والمنطق الكمي. وبهذا المعنى، فإن الفاشية كامنة في الليبرالية وكلاهما كامن في فكر حركة الاستنارة. كل الأمور نسبية

стр. 532

«كل الأمور نسبية» ترجمة للعبارة الإنجليزية «أول ثنجز آر ريلاتيف all things are relative» وهي عبارة أساسية في الخطاب العلماني سواء في الشرق أو في الغرب، لا يدرك كثيرون تضميناتها المعرفية والأخلاقية. وهي تعني عدم وجود مطلقات ثابتة أو متجاوزة للعالم الطبيعي المادي (فهي الحياة الدنيا ليس إلا) ومن ثم لا يمكن الوصول إلى أي يقين معرفي، فالحقيقة نسبية. ومع غياب الحقيقة لا يمكن أن يكون هناك حق ولا يمكن التوصل إلى أية قيم أخلاقية فكل القيم الأخلاقية نسبية، وهذا يعني في واقع الأمر غياب المعيارية واختفاء أية إنسانية مشتركة ومن ثم سقوط مفهوم الإنسانية نفسه، إذ كيف يمكن أن يكون هناك مفهوم للإنسان دون أية معيارية معرفية أو أخلاقية؟ وكل هذا يعني نزع القداسة عن الأشياء كافة وتَساوي الإنسان بكل الكائنات وألا تكون له أية مكانة خاصة في الكون، أي أن يصبح الإنسان شيئاً ضمن الأشياء، تسري عليه القوانين الطبيعية/المادية، وتهيمن عليه الواحدية المادية. فى التحليل الأخير، وفى نهاية الأمر والمطاف، إن هو إلا

стр. 533

«في التحليل الأخير، وفي نهاية الأمر والمطاف، إن هو إلا» ترجمة للعبارة الإنجليزية «إن ذي لاست أناليسيس، إت إز ناثنج بات in the last analysis, it is nothing but» وهي عبارة تَرد في الخطاب العلماني الاشتراكي أو الرأسمالي، وإن كانت أكثر شيوعاً في الخطاب الاشتراكي. وهي تعني أن الظواهر مهما بلغت (ومنها الظواهر الإنسانية) من تركيب وتشابك فيمكن أن تُرَدَّ (في التحليل الأخير وفي نهاية الأمر والمطاف) إلى ما هو دونها. وتستمر عملية الرد حتى نصل إلى المبدأ الواحد: الطبيعة/المادة الذي يحوي داخله مصدر التماسك والحركة للنسق، فيُرَدُّ البناء الفوقي بكل ما فيه من أفكار وطموحات إنسانية وحلم بالتجاوز إلى البناء التحتي المادي أو أيٍّ من المطلقات العلمانية المادية الطبيعية (الخصائص البيولوجية ـ الصفات الوراثية ـ البيئة الاجتماعية ـ شهوة التملك ـ إرادة القوة) . قد يختلف مضامين البنية الفوقية وتتنوع ولكن البنية التحتية المادية الواحدية تظل هي الأصل، ومن ثم يمكن القول بأن الإنسان وكل منتجاته الحضارية «إن هو إلا مادة» ، وهذه هي نفسها عملية التفكيك. ورغم أن الخطاب الليبرالي أكثر صقلاً على مستوى القول، إلا أنه على مستوى البنية الفعلية يدور في نفس الإطار، فالمفهوم النفعي للأخلاق ونماذج التنمية التي تصدر عن رؤية اقتصادية محضة وتأكيد الملكية الشخصية وتصوُّر أن آليات السوق (اليد الخفية) هي التي تأتي بالتناسق للمجتمع من تلقاء نفسها هي جميعاً مفاهيم تدل على أن كل ما هو إنساني يُرَدُّ في نهاية الأمر وفي التحليل الأخير إلى المادة، فكل ما هو إنساني إن هو إلا مادي. الترشيد فى إطار العلمانية الشاملة (العقلانية التكنولوجية أو المادية ( من المفاهيم الأساسية التي استُخدمت لدراسة المجتمعات الحديثة مفهوم الترشيد. وكلمة «يُرشِّد» لها عدة معان:

стр. 534

١ ـ يُسوِّغ أو يُبرِّر، بمعنى: يُفسِّر المرء سلوكه بأسباب معقولة أو مقبولة ولكنها غير صحيحة. ٢ ـ ومن المعاني الأخرى المتواترة لكلمة «يُرشِّد» : يُوظِّف الوسائل بأكثر الطرق كفاءة لخدمة أهداف معينة. وهذان المعنيان للكلمة ينصرفان إلى الوسائل وحسب. ولكن هناك معنيين آخرين يؤكدان أن الترشيد ليس مسألة خاصة بالوسائل وحسب، بل تخص الموضوع أيضاً: ٣ ـ يستعيض عن التفسير الغيبي لشيء ما بتفسير طبيعي (مطابق للمبادئ العقلية ولقوانين الطبيعة/المادة (. ٤ ـ يجعل الشيء مطابقاً للمبادئ العقلية والمادية. وقد ميَّز ماكس فيبر بين نوعين من الترشيد: ١ ـ «فيرت راتيونيل wertrationell» ، وتُترجَم إلى عبارة «رشيد في علاقته بالقيم» (أو «الترشيد المضموني» ) ، وهو يعادل (تقريباً) «الترشيد التقليدي» الذي يعني ألا يتعامل المرء مع الواقع بشكل ارتجالي وجزئي وإنما يتعامل معه بشكل منهجي متكامل، ومتسق مع مجموعة من القيم الأخلاقية المطلقة والتصورات المرجعية المسبقة التي يؤمن بها. وعملية بناء الهرم الأكبر والفتح الإسلامي من العمليات التي لا يمكن إنجازها إلا من خلال هذا النوع من الترشيد.

стр. 535

٢ ـ «زفيك راتيونيل zweckrationnel» ، وتُترجَم إلى عبارة «رشيد في علاقته بالأهداف» (أو «الترشيد الشكلي أو الإجرائي» أو «الترشيد الأداتي» ) ، وهو الترشيد (المادي) الحديث المتحرر من القيم، والموجَّه نحو أي هدف يحدده الإنسان بالطريقة التي تروق له أو حسبما تمليه رغباته أو مصلحته. والترشيد الشكلي يتعلق بالكفاءة التكنولوجية وتوفير أفضل الوسائل والتقنيات لتحقيق الأهداف (أية أهداف) بأقل تكلفة ممكنة وفي أقصر وقت ممكن، وكلما كانت الوسائل أكثر فعالية كان الفعل أكثر رشداً من الناحية الشكلية أو الإجرائية. فالترشيد التقليدي (المضموني) يتم في إطار المطلق الديني أو الأخلاقي أو الإنساني والمرجعية المتجاوزة، أما الترشيد الحديث (الشكلي) فهو متحرر من القيمة (الدينية والأخلاقية والإنسانية) ويدور في إطار المرجعية المادية الكامنة، فلا علاقة له بأي مطلق. وهو منفصل عن الأهداف والمشاعر والغائيات الإنسانية (خيِّرة كانت أم شريرة (. ولكن هذا ادعاء أيديولوجي ليس له ما يسانده، فثمة منظومة أيديولوجية (معرفية وأخلاقية) كاملة تتم في إطارها أية عملية من عمليات الترشيد. وفي حالة الترشيد الذي يدَّعي التجرد من القيمة فإنه عادةً ما يفترض الطبيعة/المادة مرجعية نهائية له. ويمكن القول بأن الترشيد المادي يتم في خطوتين: ١ ـ سحب الأشياء من عالم الإنسان ووضعها في عالم مستقل يُسمَّى عالم الأشياء المادية: الاقتصادية ـ السياسية ـ السلع (ترشيد البنية المادية والاجتماعية (. ٢ ـ ولكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد إذ يتم سحب الإنسان ذاته من عالم الإنسان ووضعه هو الآخر في عالم الأشياء. ثم يسود منطق الأشياء على كل من الأشياء والإنسان، ويسري قانون طبيعي مادي واحد على الإنسان والطبيعة (ترشيد الإنسان) . (وهذا هو التَشيُّؤ الذي تشير إليه بعض الأدبيات الغربية التي تتناول ظاهرة التحديث، ولكن هذا هو أيضاً من أشكال العلمانية الشاملة (.

стр. 536

ويمكن أن نتناول هذه العملية بشيء من التفصيل ولنبدأ بترشيد المجتمع الإنساني في الإطار المادي. يمكن القول بأن الترشيد المجرد من القيمة هو في واقع الأمر إعادة صياغة للمجتمع ككل عن طريق تفكيكه واستبعاد سائر العناصر المركبة التي تستعصي على القياس (العناصر الإنسانية أو الربانية) التي يتركب منها، وإعادة تركيبه على هدي المعايير العقلية والعلمية الواحدية المادية، ومن ثم يتوافق هذا الواقع الاجتماعي مع القوانين العلمية الواحدية الصارمة ويخضع للاختبارت والإجراءات الكمية وللقياس، فهو يمحو سائر الثنائيات الفضفاضة (التي تفترض وجود أكثر من جوهر وأكثر من قانون) ويستبعد كل الخصوصيات والمنحنيات الخاصة للظاهرة (التي تتحدى القانون العام) ويرفض كل المطلقات (التي تشكل تجاوزاً للقانون المادي الواحد العام وخرقاً له وتشكل عدم استمرار في الكون) وينكر كل المعايير الأخلاقية الثابتة (فهي خارجة عن الظاهرة المادية موضع الدراسة) ويتعامل مع المحدود ومع ما يُقاس (فاللامحدود وغير المقيس لا يمكن تطبيق النماذج الكمية عليه) .

стр. 537

ثم يتم الشيء نفسه على مستوى الإنسان الفرد، باطنه وظاهره، فالعقل الإنساني هو الذي يقوم بعملية التفكيك والتركيب إلا أنه عقل مادي مرجعيته هي الطبيعة/المادة. ولذا قد تبدأ عملية الترشيد في إطار الطبيعة/المادة بتأكيد العقل، ولكن مع تَزايُد هيمنة المرجعية الموضوعية المادية واختفاء المرجعية الإنسانية تماماً، يختفي العقل وتظهر مرجعيات مادية عديدة متساوية متصارعة. فكل مجال من مجالات النشاط الإنساني يصبح مرجعية ذاته، له قيمه المستقلة الذاتية ومنطقه الداخلي المتميِّز، ويصعب على المرء تمييز أي مبدأ واحد أو مجموعة من المبادئ ذات المقدرة التوحيدية التي بوسعها تزويد الإنسان برؤية متكاملة. وبالتالي، تَبعُد دوائر النشاط الإنساني بعضها عن بعض، حيث يصبح لكل منها مركزها ومعياريتها ومرجعيتها، فيختفي المركز ويظهر عالم بلا مركز ولا معايير ولا مرجعية. وهنا تستقل قواعد الترشيد عن الإنسان، وتصبح مرجعية ذاتها وتتحول الوسائل إلى غايات، ويتم الترشيد في إطار مجموعة من القيم النسبية المتغيرة لا يُوجَد فيها مطلق، أو تُوجَد فيها مطلقات غير إنسانية (تنويع على الطبيعة/المادة) وبذلك تتحول عملية الترشيد وتفقد أية مرجعية ويصبح الترشيد هو أن يركز الإنسان تماماً على الإجراءات (كيف يُنجز هذا؟) وأن يُسقط الأهداف (لماذا يُنجز هذا؟ (. وتنتقل عملية الترشيد المادية من المجتمع وظاهر الإنسان الفرد إلى باطنه، أي تُطبَّق عليه هو الآخر الواحدية المادية فتستبعد أية خصوصية أو تركيبية أو عناصر إنسانية (غير طبيعية/مادية) متميِّزة عن حركة الطبيعة/المادة ولذا تؤدي عملية الترشيد إلى أن يُحيِّد الإنسان نفسه ويُسكت أية تساؤلات أخلاقية تتصل بالخير والشر، وما هو مشروع أو غير مشروع. ونظراً لانشغال الإنسان بالإجراءات فهو لا يُعمل ضميره بل حتى عقله (أي أن عملية الترشيد تؤدي إلى فقدان الإنسان لرشده! (.

стр. 538

إن الترشيد الإجرائي يفترض عالماً مادياً تماماً الإنسان فيه مادة سلبية تكاد تكون ميتة، مفعولاً به وليس فاعلاً، (ولذا فنحن نسمي هذا النوع من الترشيد «تدجيناً» ) ، ونظراً لأن الترشيد ليس له أية غائيات إنسانية فإن الإنسان يدرك بالتدريج أنه أصبح مجرد وسيلة بعد أن كان غاية، وأن عقله عقل أداتي إجرائي، عالم تكون فيه قوانين اللعبة (أو أخلاقيات الصيرورة) أكثر أهمية من نوع اللعبة أو الهدف منها (وهذا النوع من الترشيد هو الذي سيُهيمن على عصر ما بعد الحداثة واختفاء المركز (.

стр. 539

في هذا الإطار أصبحت الطبيعة غير الواعية هي المرجعية والمركز، فانفصلت النزعة التجريبية (التي مركزها المادة) عن النزعة العقلية الإنسانية (التي مركزها الإنسان) إلى أن تحررت تماماً منها، وحقق العلم الغربي انتصاراته الضخمة بسبب حياده وموضوعيته الرهيبة، وانفصاله عن القيم، وهو ما يعني في واقع الأمر تَجاهُل الإنسان وغائياته وقيمه ومثالياته ومطلقاته وتبني مُثُل النفعية الداروينية. ولعل مصطلح «العقلانية التكنولوجية أو المادية» يصف إلى حد ما ما نحاول الإفصاح عنه. وقد طرح العلم نفسه باعتباره القادر على الإتيان بالحلول العلمية الأكيدة لكل المشاكل المادية وغير المادية (وهي غير مادية بشكل ظاهر وحسب، فكل شيء في نهاية الأمر مادي) . وادعى العلم أنه مصدر القيمة وأنه القادر على تزويد الإنسان بالرؤية السليمة للأشياء، وأنه سيحقق للإنسان السعادة والخلاص والتحكم الكامل في الطبيعة وتسخيرها لصالحه بل هزيمتها تماماً. ولكن كل هذا لن يتحقق إلا إذا قَبل الإنسان العلم هادياً ومرشداً ودليلاً، وسلم له أمره وتبنى منهجه ومعاييره وقيمه وغائياته وطبَّقه على واقعه بشكل منهجي متكامل وتخلَّى عن أية غائيات إنسانية أو تساؤلات أو محاولات للتجاوز، ومن هنا تم تهميش العقل البشري. وبدلاً من أن يحاول الإنسان تَجاوز ذاته الطبيعية والطبيعة المادية، أصبحت مهمته أن يتبعها، وأن يعيد صياغة الواقع الإنساني حسب قوانين الطبيعة/المادة التي يتلقاها جاهزة من العلم والعلماء. وتم تحييد الإنسان وتدريبه على قبول المبادئ العامة المجردة المتجاوزة للإنسان دون تساؤل، ومن ذلك المبادئ العلمية وغيرها من المجردات، بحيث يخضع العقل تماماً لمنطق الأشياء ويرى أن لكل شيء منطقه ومرجعيته الذاتية التي تتفق مع المرجعية المادية العامة، التي تَجبُّ سائر المرجعيات، ومنها المرجعية الإنسانية نفسها. ولا يمكن للإنسان أن يحقق لنفسه قدراً من الحرية إلا من خلال

стр. 540

الخضوع لهذه المرجعية الموضوعية المادية (وهذا ما افترضه إسبينوزا من البداية من خلال عالمه الهندسي المحايد وافترضه من بعده داروين والماركسيون والوضعيون المنطقيون (. ويرى ماكس فيبر أن ثمة عناصر فريدة داخل الحضارة الغربية (غائبة في الحضارات الأخرى) جعلتها تتجه نحو مزيد من الترشيد، وأن هذا الاتجاه هو السمة الأساسية لهذه الحضارة، وما يُميِّزها عن غيرها من الحضارات. ويُعرِّف فيبر عملية الترشيد المادي المستمرة بأنها عملية تنميط وفرض النماذج الكمية والبيروقراطية على الواقع (المادي والإنساني) حتى يمكن توظيفه، وهي عملية ستزداد وتائرها إلى أن يصل الترشيد إلى قمته الشاملة الإمبريالية فتتم السيطرة على كل جوانب الحياة ويتحكم الإنسان في الواقع وفي نفسه، ويتحول المجتمع إلى آلة بشرية ضخمة (ولذا يُعرِّف فيبر الترشيد بأنه تَحوُّل المجتمع بأسره إلى حالة المصنع، وهذه هي لحظة نهاية التاريخ والفردوس الأرضي) . وهذه الآلة تجبر الأفراد على أن يشغلوا أماكن محدَّدة لهم ومقررة مسبقاً، ويقوموا بأدوار مرسومة. وهذه البيئة الآلية ستزيد ولا شك الفعالية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع زيادة كبيرة، ولكنها تهدد الحرية الفردية وتُحوِّل المجتمع إلى «قفص حديدي» ، وخصوصاً أن الفرد في المجتمع الحديث هو فرد مفتقد للمعنى، ومن ثم فهو شخصية هشة من الداخل لا تشعر بالأمن ولا بالمقدرة على التجاوز، فهي لا تقف على أرضية صلبة من المعنى. (وقد وردت عبارة «القفص الحديدي» بأشكال أخرى في كتابات جورج لوكاتش وجورج زيميل. كما أن صورة العالم كقفص حديدي صورة متواترة في الأدب الحداثي (

стр. 541

ويرى مفكرو مدرسة فرانكفورت أن تَصاعُد معدلات الترشيد في المجتمع أدى إلى اختفاء الفرد والقيم الثقافية والروحية والعقل النقدي القادر على التجاوز حتى أصبح الإنسان كائناً ذا بُعد واحد (هربرت ماركوز) يرتبط وجوده بالاستهلاك والسلع (فهو إنسان مُتسلِّع مُتشيِّئ) . عقله أداتي، ينشغل بالوصف والرصد وإدراك الآليات، عاجز تماماً عن إدراك الأغراض النهائية. أما هوركهايمر وأدورنو، فقد ذهبا في كتابهما ديالكتيك الاستنارة إلى أن الترشيد المتزايد للعلاقات الاجتماعية في العصر الحديث قد أدى إلى تناقص استقلال الفرد وإلى تنميط الحياة. وأدى، في نهاية الأمر إلى الشمولية والعنصرية وإلى الواقع المتمثل في أن الرأسمالية ترجمت مُثُل الاستنارة إلى واقع معسكرات الاعتقال، المنضبط والتي تمت فيها الهيمنة الكاملة على الإنسان. ويرى أدورنو أن الترشيد كان من المفروض أن يؤدي إلى الحرية والعدالة والسعادة ولكنه أدَّى إلى نتيجتين متناقضتين (انعتاق الإنسان من أسر الضرورة المادية، وتَسلُّعه وتَشيُّئه في الوقت نفسه) . بل إن العقل نفسه (أداة الترشيد) تحوَّل إلى قوة غير عقلانية وغير رشيدة تسيطر على كلٍّ من الطبيعة والإنسان، أي أن ترشيد الحياة الاجتماعية أدَّى إلى نفي الحرية تماماً، كما يتبدَّى ذلك في قوى التسلط الرشيدة الحديثة.

стр. 542

ويرى هابرماس أن الحضارة الحديثة تتسم بالتركيز الشديد على التكنولوجيا (كأداة للتحكم) بدلاً من التركيز على الهرمنيوطيقا أو التفسير، وتوسيع نطاق التفاهم والتواصل بين الناس. لكل هذا، تم تهميش الاتجاهات التأملية والنقدية والجمالية في النفس البشرية. ولهذا يرى هابرماس أن هذا التركيز الأحادي (الذي هو في جوهره سيادة العقل الأداتي والواحدية الموضوعية المادية) يعني أن الإنسان لا يستخدم كل إمكانياته الإنسانية (النقدية والجمالية ... إلخ) في تنظيم المجتمع، ويركز على الترشيد على هدي متطلبات النظم الإدارية الاقتصادية والسياسية التي يُفترض فيها أنها ستزيد تحكمه في الواقع. ويؤدي كل هذا بالطبع إلى ضمور حياة الإنسان ويصبح الترشيد هو «استعمار عالم الحياة» ، على حد قول هابرماس. ومؤخراً أشار المؤلف المسرحي (رئيس جمهورية التشيك) فاكيلاف هافل إلى ما سماه «إسكاتولوجيا اللاشخصي» ، وهو اتجاه نحو ظهور القوى اللاشخصية والحكم من خلال آليات ضخمة مثل المشروعات الضخمة والحكومات التي لا وجه لها والتي تفلت من التحكم الإنساني وتشكل تهديداً كبيراً لعالمنا الحديث. ويبيِّن هافل أنه لا يوجد فارق جوهري بين شركات كبيرة مثل شل وآي. بي. إم. والشركات الاشتراكية الكبرى، فكلها آلات ضخمة يتزايد غياب البُعد الإنساني منها. ولذلك، تصبح مسألة طابع الملكية هنا (أي ما إذا كانت فردية أم اجتماعية، رأسمالية أم اشتراكية) إشكالية غير ذات موضوع.

стр. 543

وحينما سُئل هافل عن الأسباب التي أدَّت إلى هذا الوضع أجاب قائلاً: "هذا الوضع له علاقة ما بأننا نعيش في أول حضارة ملحدة في التاريخ البشري. فلم يعد الناس يحترمون ما يُدعَى القيم الميتافيزيقية العليا، والتي تمثل شيئاً أعلى مرتبة منهم، شيئاً مفعماً بالأسرار. وأنا لا أتحدث هنا بالضرورة عن إله شخصي، إذ أنني أشير إلى أي شيء مطلق ومتجاوز. هذه الاعتبارات الأساسية كانت تمثل دعامة للناس، وأفقاً لهم، ولكنها فُقدت الآن. وتكمن المفارقة، في أننا بفقداننا إياها نفقد سيطرتنا على المدنية، التي أصبحت تسير بدون تحكُّم من جانبنا. فحينما أعلنت الإنسانية أنها حاكم العالم الأعلى، في هذه اللحظة نفسها، بدأ العالم يفقد بُعده الإنساني". الحوسلة

стр. 544

نستخدم في هذه الموسوعة اللفظة المنحوتة «حوسل» اختصاراً لعبارة «تحويل الشيء إلى وسيلة» (بالإنجليزية: إنسترومنتاليزيشن instrumentalization) . والنحت هو اشتقاق كلمة من كلمتين أو أكثر على أن يكون هناك تناسب في اللفظ والمعنى بين المنحوت له والمنحوت منه. وقد أجازت المجامع اللغوية في الوطن العربي النحت عندما تُلجئ الضرورة إليه، وقد وجدنا أن من الضروري نحت كلمة «حوسلة» لدواعي الإيجاز اللغوي، ذلك لأن عبارة «تحويل كذا إلى وسيلة» عبارة طويلة ولا يمكن توليد مصطلحات منها. و «حوسل» فعل متعدٍ بمعنى «حوَّل الشيء أو الإنسان إلى وسيلة» ، ومنها «الحوسلة» ، على غرار «بَسْمَلَ» و «بسملة» من «بسم الله الرحمن الرحيم» ، و «حَوقَل» و «حَوقَلة» من «لاحول ولا قوة إلا بالله» و «حَمَدل» و «الحمدلة» من «الحمد لله» . وفي كتب الفقه الإسلامي أنه يجب ترديد كلمات الأذان كما هي «إلا في الحيعلتين فيُحوقل» ، و «الحيلعتان» هما العبارتان «حي على الصلاة» و «حي على الفلاح» . ومن الأمثلة الأخرى التي شاعت، اصطلاح «البرمائي» من «البر والماء» . وكذلك نقول «تَحوّسَل الشيء» أي «تَحوَّل إلى وسيلة» ، وهو مطاوع «حَوسَل» ، ومنها «التَحوسُل» .

стр. 545

والحوسلة مرتبطة تماماً بالواحدية المادية، والترشيد (الإجرائي) وبالعقل الأداتي والعقلانية المادية والرؤية العلمانية المادية. فالواحدية المادية تَرُدُّ العالم بأسره إلى مبدأ واحد هو الطبيعة/المادة وتراه في إطار المرجعية المادية الكامنة، والترشيد هو إعادة صياغة الواقع في هدي القانون الطبيعي/المادي ثم إدارته انطلاقاً من هذا المبدأ الواحد. والرؤية العلمانية المادية هي أيضاً رؤية تَرُدُّ العالم إلى مبدأ واحد، وترى الإنسان والطبيعة باعتبارهما مجرد مادة استعمالية يمكن توظيفها في أي هدف أو غرض يحدده الإنسان (صاحب القوة) وهذه هي الحوسلة. والحوسلة تصف العلاقة بين المجتمع المضيف والجماعة الوظيفية وبين المواطن والدولة العلمانية المطلقة. التعاقدية نسبة إلى «عقد» ، والتعاقدية هي ترجمة لكلمة «كونتراكتواليزيشن contractualization» أي أن تتحول العلاقات بين البشر من علاقات إنسانية تراحمية لا تخضع تماماً لحسابات الربح والخسارة، ولذا تتسم بالإبهام، إلى علاقات تعاقدية مضبوطة، أو خاضعة للتفاوض. وهذا ناجم عن أن العالم بأسره يصبح أشبه بالسوق والمصنع منضبطاً مثلهما تماماً، وخال مثلهما من الخصوصيات والمطلقات. وهيمنة العلاقات التعاقدية الباردة في المجتمع هي عملية «تهويد» للمجتمع. الجماعة التراحمية العضوية والمجتمع التعاقدى

стр. 546

«الجماعة العضوية التراحمية أو التكافلية» و «المجتمع التعاقدي» مصطلحان من وضع عالم الاجتماع الألماني فردناند تونيس (١٨٥٥ ـ ١٩٣٦) . وقد وضع كتاباً بعنوان جماينشافت أوند جيسيلشافت Gemeineschaft und Gessellschaft وتُرجمت الكلمة الأولى (جماينشافت) إلى الإنجليزية بكلمة «كوميونتي community» ، أي «جماعة» ، أما الكلمة الثانية (جيسيلشافت) فُترجمت بكلمة «سوسايتس society» أي «مجتمع» وأحياناً «أسوسيشن association» أي «رابطة» . ونحن نترجم الكلمة الأولى إلى العربية بعبارة «الجماعة التراحمية العضوية» أو «الجماعة التكافلية» (ويمكن أن نضيف «المترابطة التقليدية» لزيادة الإيضاح) . أما الكلمة الثانية فنترجمها بعبارة «المجتمع التعاقدي» (ويمكن أن نضيف عبارة «الذري الحديث» لزيادة الإيضاح أيضاً) . وكلٌّ من الجماعة العضوية والمجتمع التعاقدي نماذج مثالية ذات قيمة تحليلية لدراسة البناء الاجتماعي، وهي نماذج لا تتحقق بصورة كاملة في الواقع. وفي مجال مقارنة الجماعة العضوية (أ) بالمجتمع التعاقدي (ب) ، يمكننا أن نشير إلى بعض المفاهيم المحورية لكلٍّ منهما، وإن كانت السمة الأساسية للمجتمع التراحمي هي أن الإنساني يسبق الطبيعي، ففي المجتمع التعاقدي فإن الطبيعي يسبق الإنساني. ١ـأ) الكل الاجتماعي موجود قبل الفرد (أسبقية الكل على الجزء) . ب) الفرد موجود قبل الكل الاجتماعي (أسبقية الجزء على الكل (. ٢ـأ) الكل الاجتماعي عبارة عن تركيب بسيط وُجد بشكل تلقائي عضوي تاريخي وتتسم عناصره بالتجانس. ب) الكل الاجتماعي عبارة عن تركيب صناعي مُعقَّد لم يُوجَد بشكل تلقائي وإنما بشكل تعاقدي واع يتكون من وحدات كثيرة وعناصر ليست بالضرورة متجانسة. ٣ـأ) يُولَد الفرد فيجد الروابط الاجتماعية العضوية قائمة مستقرة فلا يملك إلا أن يقبلها، فهي ليست ثمرة إرادته وليست نتيجة تعاقد بينه وبين بقية أعضاء المجتمع. فالمجتمع مُعطَى تاريخي عضوي.

стр. 547

ب) الروابط الاجتماعية نتيجة دخول الأفراد في علاقات إرادية تعاقدية (عقد اجتماعي يقررون بموجبه تأسيس المجتمع) ومن ثم يمكنهم رفض العقد في أية لحظة ويمكنهم إخضاع أي شيء للنقاش والتفاوض. فالمجتمع هو إذن عملية تعاقدية آلية. ٤ـأ) تقوم مؤسسات الجماعة التراحمية العضوية (التي قامت بشكل تلقائي عضوي) بتشكيل الأفراد وتنشئتهم وترويضهم وفقاً لرؤية تفترض أسبقية الكل العضوي على الجزء. ب) يتم بناء المؤسسات والمنظمات المختلفة بشكل إرادي واع، وهي مؤسسات تحكمها الرؤية التعاقدية وتقوم بتنشئة الأطفال وترويض الأفراد في ضوء هذه الرؤية. ٥ـأ) العلاقات الاجتماعية علاقات مباشرة أولية بين أفراد دون وساطات، وهي علاقات تراحم دافئة تسودها روح التضامن والمشاركة والتعاون التلقائي، وهي تستند إلى الإيمان بمنظومة دينية مشتركة وأعراف اجتماعية. ب) العلاقات الاجتماعية علاقات غير مباشرة (ثانوية) تتم من خلال وسائط معينة، وهي علاقات تستند إلى علاقات تعاقد قائمة على الحذر والمنفعة الخاصة وإخضاع السلوك لقوة القانون. ٦ـأ) من أهم الأمثلة على الجماعة التراحمية التكافلية العضوية ما يلي: الأسرة الممتدة ـ العشائر ـ البطون ـ القرى ـ المجتمعات الصغيرة ـ الطرق الصوفية. ويمكن أن نضيف إليها الجماعات الوظيفية حينما تنظر إلى نفسها من الداخل. ب) أهم مثال على المجتمع التعاقدي هو المجتمعات الحديثة، وخصوصاً في المدن الكبرى، ويمكن أن نضيف إليها الجماعات الوظيفية حينما يَنظُر إليها المجتمع وحينما تَنظُر إلى نفسها من الخارج. وقد طوَّر تونيز هذا المفهوم فقدَّم إطاراً تصنيفياً وتفسيرياً جيداً لشكلين من أشكال الاجتماع الإنساني، ويعود اهتمامه بهما إلى أنهما يصفان عناصر مهمة في كلٍّ من المجتمع التقليدي (الجماعة العضوية) والمجتمع الحديث (المجتمع التعاقدي (.

стр. 548

والتمييز بين الجماعة التراحمية العضوية والمجتمع التعاقدي هو تمييز له جانبان؛ أحدهما معرفي وأخلاقي ينصرف إلى رؤية الإنسان وطريقة إدراك الكون، والآخر سياسي واقتصادي واجتماعي ينصرف إلى طريقة تنظيم المجتمع. والجانبان هما تعبير عن نفس الفكرة الواحدة في مجالين مختلفين. ومن الواضح أن من استخدموا هاتين الفكرتين، كأداة تحليلية، كانوا يفضلون الجماعة المترابطة التي ينتمي إليها المواطن الذي يصبح جزءاً من كل يفقد ذاته فيه بحيث تختفي مصلحته الشخصية الأنانية الضيقة وتحل محلها مصلحة الدولة أو الجماعة، ولا يصبح له وجود خارجها. ونظراً للارتباط العضوي للإنسان بجماعته، وتَطابُق مصلحة الفرد مع مصلحة الجماعة، فإن الجماعة تعبِّر عن جوهر الإنسان بدلاً من أن تشكل اغتراباً عنه. والقانون البشري لا يشكل في هذه الحالة حدوداً على الإنسان أو قيداً، ولا يتعارض مع إدراكه لنفسه، وإنما يعبِّر عن جوهره ويحقق إمكاناته الكامنة، ومن هنا فإن الرابطة بين الإنسان والجماعة رابطة عضوية ورابطة داخلية (جوانية) لا تتناقض فيها الذات والموضوع.

стр. 549

كل هذا يقف ضد المجتمع التعاقدي (الحديث) الذي يتألف من أشخاص أنانيين فرديين (إنسان طبيعي) ، لكلٍّ مصلحته الشخصية المحدَّدة التي قد تتفق مع مصلحة المجتمع أو تختلف عنها. وكل فرد يحاول أن يحقق مصلحته ومنفعته هو دون الالتفات إلى الآخرين أو إلى الكل الاجتماعي، ومن ثم فإن المجتمع مبني على التنافس بوصفه قيمة مطلقة. والمجتمع هنا لا يُعبِّر عن جوهر الإنسان وإنما يجابهه باعتباره شيئاً غريباً عنه. ويصبح القانون لنفس السبب قيداً على الإنسان لا وسيلة لتحقيق جوهره. والرابطة بين البشر رابطة تعاقدية خارجية برانية موضوعية. ولذا، فإن انتماء الإنسان إلى مثل هذا المجتمع هو انتماء ذرة منغلقة على نفسها؛ تُجاور الذرات الأخرى ولا تلتحم بها، ومن ثم ينشأ تناقض حاد بين الذات والموضوع. وهذا التمييز بين شكلين من أشكال التنظيم الاجتماعي ورؤية الكون يُعبِّر عن نفسه في التمييز بين فكرين، فكر عصر الاستنارة (القرن الثامن عشر) وفكر معاداة الاستنارة (القرن التاسع عشر) . وكلاهما يُعدُّ أساساً للفكر الغربي الحديث رغم تناقضهما. ويمكن أن نرى أصداءً لنفس التمييز في كتابات كثير من علماء الاجتماع الغربيين: ١ ـ يميِّز ماكس فيبر الرأسمالية التقليدية (العضوية) عن الرأسمالية الرشيدة) التعاقدية) . ٢ ـ يميِّز أليكس دي توكفيل بين المجتمعات الديموقراطية والمجتمعات التقليدية والمجتمعات العسكرية. ٣ ـ يميِّز هربرت سبنسر بين المجتمعات المبنية على التضامن الآلي (البسيط) وتلك المبنية على التضامن العضوي (المركب) . ٤ ـ يميِّز سير هنري مين بين المجتمعات التي تقوم على أساس المكانة والمجتمعات التي تقوم على أساس التعاقد.

стр. 550

وهذه جميعاً محاولات لرصد هذا التقابل بين نوعين من المجتمعات شعر بوجودهما الإنسان الغربي وشعر بأنه ابتداءً من عصر النهضة بدأ الانتقال من الجماعة التراحمية أو التكافلية العضوية إلى المجتمع التعاقدي وأن عملية الانتقال تسارعت في القرن الثامن عشر وزادت حدتها وقسوتها مع الثورتين الصناعية والفرنسية في بدايات القرن التاسع عشر. وعملية الانتقال هذه هي عملية الانتقال من المجتمع الديني (والمرجعية المتجاوزة) إلى المجتمع العلماني (والمرجعية المادية الكامنة) ، أي أنها وصف لتزايد معدلات العلمنة! وما يجدر ذكره أن هذا التمييز الذي تغلغل في الفكر الاشتراكي الغربي، يكمن وراء الهجوم على اليهود واليهودية باعتبار أن اليهودي جزء من الاقتصاد التجاري (الموضوعي التعاقدي) مقابل الاقتصاد الزراعي (العضوي المبني على الارتباط الداخلي) . ولا يمكن أن نفهم تحليل ماركس للمسألة اليهودية دون أن نأخذ هذا البُعد في الاعتبار. الإنسان ذو البعد الواحد

стр. 551

«الإنسان ذو البُعد الواحد» ترجمة للعبارة الإنجليزية «وان ديمنشينال مان one-dimensional man» وهي عبارة تَرد في كتابات هربرت ماركوز أحد مفكري مدرسة فرانكفورت، وتعني «الإنسان البسيط غير المركب» . والإنسان ذو البُعد الواحد هو نتاج المجتمع الحديث، وهو نفسه مجتمع ذو بُعد واحد يسيطر عليه العقل الأداتي والعقلانية التكنولوجية والواحدية المادية؛ وشعاره بسيط هو التقدم العلمي والصناعي والمادي وتعظيم الإنتاجية المادية وتحقيق معدلات متزايدة من الوفرة والرفاهية والاستهلاك. وتهيمن على هذا المجتمع الفلسفة الوضعية التي تُطبِّق معايير العلوم الطبيعية على الإنسان، وتدرك الواقع من خلال نماذج كمية ورياضية وتظهر فيه مؤسسات إدارية ضخمة تغزو الفرد وتحتويه وتُرشِّده وتُنمِّطه وتُشيِّئه وتُوظِّفه لتحقيق الأهداف التي حددتها. ويذهب ماركوز إلى أن المجتمعات الاستهلاكية تتسم بالهيمنة الكاملة للمؤسسات الرأسمالية على السلطة وسيطرتها على عملية الإنتاج والتوزيع، بل صياغة رغبات الناس وتطلعاتهم وأحلامهم (أي أنها تتحرك في كل من رقعة الحياة العامة والخاصة) ، فهي تنجح في خلق طبيعة ثانية مُشوَّهة لدى الإنسان إذ يتركز اهتمامه على وظيفته التي يضطلع بها (فهو إنسان وظيفي) وتتركز أحلامه على السلع ويرى ذاته باعتباره مُنتجاً ومُستهلكاً وحسب، دون أدنى إحساس بأية غائية كبرى أو هدف أعظم، ويرى أن تَحقُّق ذاته إنما يكمن في حصوله على السلع. ويتم إشباع كل رغبات هذا الإنسان داخل مجال السلع هذا حتى يصبح الإنسان أحادي البُعد تماماً (مُتسلِّعاً مُتشيِّئاً) مرتبطاً تماماً بسوق السلع حدوده لا تتجاوز عالم السوق والسلع.

стр. 552

ويُلاحظ ماركوز أن الديباجات الفردية التي تستخدمها الإعلانات هي قناع ماكر يخبئ عملية فرض الأنماط الاستهلاكية الجمعية التي توحي للمستهلك بأن يقلد الآخرين وأن يتبع الموضات وآخر الصيحات، فكأن الفردية هنا هي قناع لعملية ترشيد كاملة لباطن الإنسان تُدخل في روعه أن هذا الحلم هو حلمه وحده، وأن هذه السلعة سبيله الوحيد لتحقيق ذاته، مع أنه في واقع الأمر وسيلة تجعل تطلعاته وأحلامه مثل تطلعات وأحلام الآخرين، وبذا يمكن للآلة الاستهلاكية الاستمرار في الدوران. إن المستهلك أحادي البُعد هو شيء أنيق الملبس يستهلك كل السلع المطلوب منه أن يستخدمها، داخل إطار مجتمع يتم إدارته من الداخل والخارج بطريقة هندسية رشيدة غير ديموقراطية. ومع هذا (وهنا تكمن قوة المجتمعات الاستهلاكية) ، يظن الإنسان أنه يمارس حريته وفرديته، فمجال الاختيار في عالم السلع واسع لأقصى حد. ولكن هذا يخبئ الحقيقة الأساسية وهو أن مجال الاختيار في الأمور المهمة (المصيرية والإنسانية والأخلاقية) قد تقلص تماماً واختفى، وأن هذا الإنسان فقد مقدرته على التجاوز وعلى نقد المجتمع وأصبحت عنده مقدرة عالية على التكيف وقبول الأمر الواقع والإذعان له. ويسمي ماركوز هذه المجتمعات «مجتمعات ديموقراطية لا تتمتع بالحرية» ، أي مجتمعات شمولية نجحت في أن تجعل الجماهير تستبطن الرؤية السائدة في المجتمع وتسلك حسبها دون قمع بوليسي براني، بحيث يرى الإنسان أن الهدف من الحياة هو تَزايُد التحكم في الطبيعة وتَراكُم السلع وبذا يسود ضرب من " غياب الحرية في إطار ديموقراطي سلس معقول " (بالإنجليزية: سموث ريزنابل ديموكراتيك أنْ فريدم smooth reasonable democratic unfreedom) .

стр. 553

ويرسم هوركهايمر صورة للإنسان الحديث لا تختلف عن تلك التي رسمها ماركوز. فهو يرى أن الإنسان الحديث تم تحريره من المعايير المطلقة للمجتمع التقليدي، ولكن الثمرة لم تكن إيجابية إذ ظهر إنسان تم تنقيته من كل المبادئ باستثناء مبدأ السعادة وإمتاع الذات، وتم تفريغه من كل المقاصد والقيم إلا مقصد البقاء وحفظ النفس، وأصبح إنساناً مفرغاً من كل محتوى ومعيار باستثناء تلك المتعلقة بحساب الوسائل، وأصبح عاجزاً تماماً عن تقييم الخيارات المطروحة أو إدراك حقيقة التشوهات الحاصلة بغية تصويب الأخطاء وتصحيح الحلول. بذلك لم تَعُد لديه أية قدرة على تجاوز ذاته الضيقة أو الظروف المحيطة به ولم تَعُد لديه المقدرة على النظر إليها بشكل نقدي، وأصبحت المقدرة الأساسية عنده هي القدرة على التكيف مع القوى الاجتماعية المهيمنة وأداء الوظيفة الموكلة له، ولم يعد لديه من حريات سوى حرية اختيار بديل من البدائل المتوافرة التي يقع اختياره عليها بعد الانغماس في حسابات رشيدة تدور داخل الإطار المُعطَى، ولذا فهي حسابات رشيدة إجرائية لا علاقة لها بالمضمون ولا بالأهداف النهائية. والإنسان ذو البُعد الواحد هو ذاته الإنسان الطبيعي (الإنسان الاقتصادي والجسماني) ، وهو إنسان بسيط يعيش داخل نطاق الطبيعة لا يملك لها تجاوزاً، يسري عليه ما يسري عليها من قوانين، إنسان فقد تماماً العقل النقدي المُتجاوِز، وهو أيضاً الإنسان الوظيفي الذي يُعرَّف في ضوء وظيفته التي تُوكَل إليه، وهو الإنسان الذي تم ترشيده وتدجينه في إطار العقلانية المادية التكنولوجية. ورغم أن ماركوز يخصص أحياناً ويتحدث عن الإنسان ذي البُعد الواحد باعتباره ظاهرة رأسمالية، إلا أنه، في معظم الأحيان، يراه باعتباره ظاهرة خاصة بالمجتمع الحديث ككل. القفص الحديدى

стр. 554

«القفص الحديدي» ترجمة للعبارة الإنجليزية «أيرن كيج iron cage» التي استخدمها ماكس فيبر لوصف وضع الإنسان في المجتمع الحديث بعد أن يتم ترشيد المجتمع والإنسان. وترد العبارة بأشكال أخرى في كتابات جورج لوكاتش وجورج زيميل. وهي ذات علاقة وثيقة بكثير من المصطلحات النقدية، مثل «التَشيُّؤ» و «التَسلُّع» ، التي تعني في جملتها «أن يصبح الإنسان سجين العالم والأشياء أو السلع خاضعاً لقوانينها» . ويرى فيبر أن عملية الترشيد المادي المستمرة ستؤدي إلى فرض قوانين واحدية مادية على المجتمع ومن ثم سيتحول المجتمع إلى آلة بشرية ضخمة (يشبه السوق والمصنع) تُجبر الأفراد على أن يشغلوا أماكن محددة لهم ومقررة مسبقاً، ويقوموا بأدوار مرسومة. وهذه البيئة الآلية ستزيد ولا شك الفعالية الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع زيادة كبيرة، ولكنها تهدد الحرية الفردية، وتُحوِّل المجتمع إلى قفص حديدي، وخصوصاً أن الفرد في المجتمع الحديث هو فرد مفتقد للمعنى، ومن ثم فهو شخصية هشة من الداخل لا تشعر بالأمن ولا بالمقدرة على التجاوز، فهي لا تقف على أرضية صلبة من المعنى. التسلع » التَسلُّع» ترجمة للكلمة الإنجليزية «كوموديفيكيشن commodification» . و «التَسلُّع» مصطلح يشير إلى أن السلعة وعملية تَبادُل السلع هي النموذج الكامن في رؤية الإنسان للكون ولذاته ولعلاقاته مع الآخر والمجتمع. وإذا كانت السلعة هي مركز السوق والمحور الذي يدور حوله، فإن التَسلُّع يعني تَحوُّل العالم إلى حالة السوق، أي سيادة منطق الأشياء.

стр. 555

ولأن السلعة شيء، فإن التَسلُّع قد يعني أيضاً التَشيُّؤ. فالتَشيُّؤ معناه أن يتحول الإنسان إلى شيء، تتمركز أحلامه حول الأشياء ولا يتجاوز هو السطح المادي وعالم الأشياء، وتصبح العلاقات بين البشر مثل العلاقات بين الأشياء. أما التَوثُّن، فإنه يعني أن تصبح السلعة والشيء مركز الكون والوثن الأعظم الذي يعبده الإنسان. والتَسلُّع والتَشيُّؤ والتَوثُّن تعني، كلها، أن الإنسان يُحيِّد إنسانيته المُتعيِّنة فيسقط إما في عالم الأشياء (والسلع) المادية والذات الطبيعية المادية ويفقد إنسانيته المركبة (الربانية) ، أو يذوب في مطلقات لا إنسانية مجردة (المطلق العلماني: الطبيعة/المادة، والتنويعات عليه: الدولة ـ السوق ـ الإنتاج ـ الاستهلاك) ويفقد أيضاً إنسانيته. والتَسلُّع والتَشيُّؤ والتَوثُّن تعني نزع القداسة عن الإنسان والطبيعة وإخضاعهما للواحدية المادية وتَحوُّل العالم إلى مادة واحدة استعمالية بعد الهيمنة الإمبريالية الكاملة عليه. وهذه هي عملية الترشيد والتحديث، حين يُجرَد الإنسان ذاته ويقبل المجردات اللاإنسانية ويذعن لها. التوثن

стр. 556

» التَوثُّن» ترجمة للكلمة الإنجليزية «فيتيشيزم fetishism» . و «الوثن» هو الشيء المادي، سواء أكان طبيعياً أم مادياً، الذي يتصور الإنسان أنه يُجسِّد روحاً وأنه ذو أثر سحري وقوة غامضة من شأنها أن تؤثر في مقدرات الناس بالنفع والضرر. ولذا، فهو يصبح محور ممارسات دينية. والتَوثُّن (حسب الأدبيات الماركسية الإنسانية) هو أن يُنظَر للسلعة (الشيء) لا باعتبارها نتاج جهد اجتماعي إنساني وإنما باعتبارها شيئاً مستقلاً عن الإنسان. وتتحكم السلع (الأشياء) في المُنتج (الإنسان) بدلاً من تحكُّم المنتج في السلع. وفي المجتمعات الاستهلاكية، تصبح السلع ذات قيمة محورية في حياة الإنسان تتجاوز قيمتها الاقتصادية وغرضها الاستعمالي، فكأن السلعة أصبحت لها قيمة كامنة فيها، لها حياتها الخاصة ومسارها الخاص، متجاوزة الإنسان واحتياجاته، وهذا مثل جيد على المرجعية المادية الكامنة (في السلعة) والتي تَجُبُّ المرجعيات المتجاوزة كافة وضمنها المرجعية الإنسانية. لكل هذا، تصبح السلعة مثل الوثن، مركز الكون الكامن في المادة، الذي يعبده الإنسان والهدف الأوحد من الوجود، فينحرف الإنسان عن جوهره الإنساني (في النظم الإنسانية) وعن ذاته الربانية المركبة التي لا يمكن أن تُردَّ إلى عالم الطبيعة/المادة والأشياء (في النظم التوحيدية) .

стр. 557

وقد أشار أحد المفكرين إلى ما سماه «تَوثُّن الذات» كسمة أساسية في اليهودية، بمعنى أن الشعب اليهودي (بالمعنى الديني) يعبد ذاته من دون الإله ويتمركز حولها، مع أن هذه الذات وثن مادي أصم. وتَوثُّن الذات سمة أساسية في كثير من الحركات القومية العضوية والحركات الإثنية الجديدة، حيث تصبح الذات القومية أو الإثنية أو العرْقية هي المطلق (اللوجوس) مركز الكون. ويمكن القول بأن المطلقات العلمانية المختلفة (وليس السلع وحسب) تكتسب خاصية التَوثُّن هذه وتتجاوز الإنسان ولا يتجاوزها هو وتصبح هي المرجعية النهائية. ولعل الدولة المركزية هي أهم هذه الأوثان المطلقة (مرجعية ذاتها) . والترشيد (في إطار المرجعية الكامنة) يؤدي إلى التَوثُّن، فترشيد المواطن يجعله يقبل المجردات الإنسانية باعتبارها مطلقات نهائية لا تشير إلا إلى ذاتها. التشيؤ » التَشيُّؤ» ترجمة للكلمة الإنجليزية «رييفيكيشن reification» ، ويعني تَحوُّل العلاقات بين البشر إلى ما يشبه العلاقات بين الأشياء (علاقات آلية غير شخصية) ومعاملة الناس باعتبارها موضعاً للتبادل (أي حوسلة البشر باعتبارهم أشياء) . وحينما يتشيأ الإنسان، فإنه سينظر إلى مجتمعه وتاريخه (نتاج جهده وعمله وإبداعه) باعتبارهما قوى غريبة عنه، تشبه قوى الطبيعة (المادية) تُفرَض على الإنسان فرضاً من الخارج، وتصبح العلاقات الإنسانية أشياء تتجاوز التحكم الإنساني فيصبح الإنسان مفعولاً به لا فاعلاً، يحدث ما يحدث له دون أية فاعلية من جانبه، فهو لا يملك من أمره شيئاً. وقمة التَشيُّؤ هي تطبيق مبادئ الترشيد الأداتي والحسابات الدقيقة على مجالات الحياة كافة.

стр. 558

ويمكن القول ببساطة شديدة بأن التَشيُّؤ هو أن يَتحوَّل الإنسان إلى شيء تتمركز أحلامه حول الأشياء فلا يتجاوز السطح المادي وعالم الأشياء. والإنسان المُتشيِّئ إنسان ذو بُعد واحد قادر على التعامل مع الأشياء بكفاءة غير عادية من خلال نماذج اختزالية بسيطة، ولكنه يفشل في التعامل مع البشر بسبب تركيبيتهم. والإنسان المُتشيِّئ إنسان قادر على الإذعان للمجردات المطلقة وأن يتوحد بها ويتصرف على هديها. وهذا وصف جيد للإنسان الطبيعي الرشيد، الذي يعيش حسب قوانين الطبيعة/المادة والمطلقات العلمانية الأخرى التي تُعدُّ تنويعاً على الطبيعة/المادة. التنميط

стр. 559

» التنميط» ترجمة لكلمة «ستاندارديزيشن standardization» وهي من كلمة «ستاندارد standard» ومعناها «معيار» أو «مقياس» ، وفعل «ستانداردايز standardize» ومعناه «يُوحِّد» (المناهج أو المقاييس) ، ويُطلَق الاصطلاح على ظاهرة في الحضارة الغربية، وهي أن كثيراً من المنتجات الحضارية تصبح متشابهة ونمطية بسبب الإنتاج الصناعي السلعي الآلي الضخم (على عكس المنتجات الحضارية في المجتمع التقليدي حيث نجد أن لكل شيء مصنوع شخصية مستقلة تستمدها من شخصية منتجها الذي صنعها بيديه) . والتنميط في المنتجات الحضارية يؤدي إلى التنميط في أسلوب الحياة العامة والخاصة فيقضي الإنسان حياته في سلسلة محكومة من روتين يومي مُنظَّم بمواعيد دقيقة ومتتالية معروفة مسبقاً (نوم ـ انتقال ـ عملي آلي ـ وقت فراغ) ثم يتم تنميط حياة الإنسان نفسها. فتقاليع الأزياء، على سبيل المثال، تجعل الناس كافة يغيرون طراز ملابسهم من عام إلى عام بحسب ما يصدر لهم من أوامر من باريس (أو غيرها من عواصم تصميم الأزياء) . ويسارع الناس للإذعان وكأنهم يذعنون لأحد قوانين الطبيعة/المادة، فإن قال مصممو الأزياء إن "الموضة هذا العام هو الطويل" قام الجميع بتطويل ملابسهم، وإن قالوا "قصير" سارع الجميع بالتقصير، وهكذا. ويذهب علماء الاجتماع إلى أن عمليات التنميط ليست مقصورة على عالم الأشياء البراني وإنما امتدت لتشمل عالم الإنسان الجواني، بحيث تم تنميط أحلام الإنسان ورغباته وتطلعاته ورؤيته لنفسه وأنماط سلوكه، وتمت المساواة بين البشر والتسوية بينهم من الداخل والخارج. وقد أمكن تنميط الواقع الاجتماعي والإنساني لعدة أسباب: ١ ـ طبيعة الإنتاج الصناعي لا تسمح بالتنويع. ٢ ـ إيقاع الحياة السريع الآلي في العصر الحديث.

стр. 560

٣ ـ أدَّى تآكل المؤسسات الوسيطة إلى تفَاقُم هذه الظاهرة. فالأسرة، على سبيل المثال، تحمي الفرد قليلاً من تغلغل عوامل التنميط في حياته الخاصة وإلى وجدانه، وهي تزود الفرد بتربة اجتماعية مفعمة بالحميمية، إيقاعها يتفق مع إيقاعه أو يمكن ضبطه ليتفق مع الإيقاع المناسب له، فيتكشف أبعاده الداخلية بدلاً من أن يُفرَض عليه أن يتبع إيقاعاً برانياً حاداً ويدخل قالباً محدداً. ٤ ـ يُلاحَظ أن الإنسان في العصر الحديث إنسان حركي نسبي، فهو لا يرتبط بمطلقات أو ثوابت تسيطر عليه عقلية الترانسفير، وهو على استعداد لتغيير قيمه بعد إشعار قصير، فيقع فريسة صناعات اللذة والإعلانات التي قامت بعملية هندسة اجتماعية شاملة فأعادت صياغته بما تراه يخدم صالحها. ٥ ـ قامت شركات التسويق والإعلام بدور حاسم في عملية التنميط إذ ألقت في روع الناس أن أنماط السلوك النمطية هي الأنماط الطبيعية. ٦ ـ ولعل أهم أسباب التنميط هو ظهور الدولة العلمانية المركزية التي لا تتعامل إلا مع وحدات إدارية ضخمة والتي تحاول قدر طاقتها ترشيد الواقع الاجتماعي والإنساني حتى يمكنها التحكم فيه والتخطيط له وتوجيهه وتوظيفه لصالحها، أي حوسلته. وعملية الترشيد هذه هي في جوهرها عملية تنميط، إذ بدونها سيصبح الواقع الإنساني والاجتماعي متنوعاً مركباً غير متجانس لا يمكن إخضاعه لعمليات الحوسلة.

стр. 561

ولعل انتشار العنف والانتحار وشرب الكحول وإدمان المخدرات في البلاد المتقدمة هو تعبير عن احتجاج الإنسان على هذا التنميط الذي يقضي على عالمه الجواني تماماً وعلى حريته ويدفع به في عالم واحدي مادي بسيط. ولعل انتشار الإباحية ذاته هو تعبير عن نفس الاحتجاج، فآليات الإشباع الجنسي متاحة بشكل مذهل في المجتمعات الغربية ومع هذا تتزايد الأفلام والكتب والمجلات الإباحية. فالإنسان الذي تُقمَع حريته تماماً يهرب من عالم التنميط إلى عالم فردوسي خال تماماً من أي حدود، عالم لا يماثل عالمه المتجانس المحكوم المضبوط، عالم من الفوضى الكاملة يحميه من عالم التنميط والضبط الكامل والواحدية المادية. وترتبط بالتنميط مصطلحات أخرى مثل «الكوكلة» و «الأمركة» (أن يكون النمط أمريكياً) و «التسلع» (أن يكون النمط هو السلعة) و «التَشيُّؤ» (أن يكون النمط هو الشيء) .

стр. 562

الباب الخامس: مصطلحات تشير إلى تفكيك الإنسان وتقويضه التفكيك والتقويض «التفكيك» بالمعنى العام هو فصل العناصر الأساسية في بناء ما بعضها عن بعض بهدف اكتشاف العلاقة بين هذه العناصر والثغرات الموجودة في البناء واكتشاف نقط الضعف والقوة. ويمكن أن يتم التفكيك داخل إطار فلسفي إنساني بهدف زيادة إدراكنا للواقع. وفي هذه الحالة، فإن التفكيك أداة تحليلية لا تحمل أي مضمون أيديولوجي. ولكن يمكن أن يتم التفكيك في إطار نموذج الطبيعة/المادة والواحدية المادية بحيث يُرَدُّ كل شيء إلى ما هو دونه حتى نصل إلى الأساس المادي. ولكن عملية التفكيك يمكن أن تستمر فيتضح أن ما يُسمَّى «الأساس المادي» ليس أساساً على الإطلاق، فالمادة في حالة حركة وتَغيُّر ومن ثم لا يمكن أن تكون هناك حقيقة. والفلسفة التفكيكية (ما بعد الحداثة) فلسفة تهاجم فكرة الأساس نفسها (ولذا يُطلَق عليها بالإنجليزية أنتي فونديشناليزم anti-foundationlism) أي رفض المرجعية، وهي تحاول إثبات أن النظم الفلسفية كافة تحتوي على تناقضات أساسية لا يمكن تجاوزها، ومن ثم لا تصبح هذه النظم بذاتها طريقة لتنظيم الواقع وإنما علامة على عدم وجود حقيقة بل مجرد مجموعة من الحقائق المتناثرة فقط، وتصبح كل الحقائق نسبية، ولا يكون ثمة قيم من أي نوع. ومثل هذا التفكيك ليس مجرد آلية في التحليل أو منهجاً في الدراسة وإنما رؤية فلسفية متكاملة وهي فلسفة يؤدي التفكيك فيها إلى تقويض ظاهرة الإنسان وأي أساس للحقيقة. ورائد هذه الفلسفة هو جاك دريدا (تلميذ هايدجر) الذي استخدم في أولى دراساته الفلسفية اصطلاح «تخريب» أو «تقويض» (بالإنجليزية: ديستراكشن destruction) ، ثم استخدم مصطلح «تفكيك» (بالإنجليزية: دي كونستراكشن deconstruction) ربما ليخبئ الطبيعة العدمية لمشروعه الفلسفي. وفي هذه الموسوعة، نستخدم كلمة «تفكيك» بطريقتين:

стр. 563

١ ـ التفكيك باعتباره أداة منهجية تُستخدَم في اكتشاف البنية الكامنة لأي نظام فكري أو فلسفي. وعادةً ما يتلازم مع عملية التفكيك عملية تركيب أو إعادة تركيب، أي عملية تأسيس، لأن الهدف هو تعميق الفهم وليس التقويض. والتفكيك هنا ليس إعلاناً الفشل في التوصل للحقيقة وإنما هو فتح لباب الاجتهاد وإدراك لواقع أن ما هو قائم تمكن إعادة تركيبه حتى يمكن تفسيره بشكل أحسن، كما يمكن تغييره إلى الأفضل. ٢ ـ «التفكيك» باعتباره تقويضاً (سعد البازعي ـ ميجان الرويلي) ، وهو هنا ليس مجرد آلية وإنما رؤية للكون. والاستخدام الثاني هو الأكثر شيوعاً في هذه الموسوعة. ونحن نذهب إلى أن عملية الانتقال من العلمانية الجزئية إلى العلمانية الشاملة هي في جوهرها عملية تفكيك للإنسان، إذ يُرد الإنسان، الذي يتحرك داخل حيزه الإنساني والحيز الطبيعي، إلى المادة وقوانينها، فيُلغي الحيز الإنساني ولا يبقى سوى الحيز الطبيعي/المادي، وبدلاً من أن يكون الإنسان كائناً مركباً متكاملاً، الإنسان الإنسان، فإنه يصبح الإنسان الطبيعي أو الإنسان الوظيفي الذي يمكن تفسيره من خلال النماذج الموضوعية الرياضية والذي تحركه غرائزه الوحشية المظلمة القابعة فيه (وهذه هي الاستنارة المظلمة) . وقد تحدَّث هوبز عن الإنسان باعتباره "ذئباً" لأخيه الإنسان، وتحدَّث داروين عن علاقة القرد بالإنسان، وأجرى بافلوف تجاربه على "الكلاب" وافترض أن النتائج التي توصل لها تنطبق على الإنسان، وهذه هي عملية التقويض التي يقوم بها الفكر العلماني الشامل. ويُلاحَظ أنه يوجد في معجم الحضارة الغربية الحديثة عدد كبير من الأفعال تبدأ بمقطع «دي de» أو «ديس dis» وكلها أفعال ذات طابع تفكيكي تقويضي، تُعبِّر عن جوهر المشروع التحديثي التفكيكي الغربي.

стр. 564

ومع هذا يمكن القول بأن المشروع التحديثي الغربي ليس تفكيكياً وحسب وإنما هو أيضاً مشروع تأسيسي، فهو يعيد تركيب الكون على أساس نموذج الطبيعة/المادة والمطلقات العلمانية المختلفة التي تَرُد الإنسان إلى هذا العنصر المادي أو ذاك. فالمنظومة الداروينية، على سبيل المثال، تعيد تركيب المجتمع على أساس أنه غابة مظلمة ظالمة يتصارع فيها الإنسان مع الحيوان والإنسان مع الإنسان، فهي حرب يخوضها الجميع ضد الجميع. نزع القداسة عن العالم (الإنسان والطبيعة ( » نَزْع القداسة عن العالم» ترجمة للكلمة الإنجليزية «دي سانكتيفاي desanctify» أو «دي ساكرالايز desacralize» التي تعني نزع القداسة عن الظواهر كافة (الإنسان والطبيعة) بحيث تصبح لا حرمة لها ويُنظَر لها نظرة طبيعية/مادية صرفة لا علاقة لها بما وراء الطبيعة. أي أن نزع القداسة عن العالم هو نتيجة حتمية للإيمان بفعالية القانون الطبيعي في مجالات الحياة كافة (الطبيعية والإنسانية، العامة والخاصة) . وإذا ما تم ذلك، فإن العالم (الإنسان والطبيعة) يمكن أن يصبح مادة استعمالية يمكن توظيفها والتحكم فيها وترشيدها وتسويتها وحوسلتها، وهو أمر يستحيل إنجازه إن كانت هناك قداسة في المادة وإن كانت هناك حرمات تضع حدوداً على سلوك الإنسان وعلى حريته. ونزع القداسة يعني فرض الواحدية المادية على الكون بحيث يسري قانون واحد على كل الأشياء. ونزع القداسة يؤدي إلى ظهور نزعة إمبريالية لدى الإنسان، فهو ينظر إلى العالم باعتباره مادة نافعة له يمكنه توظيفها لحسابه ويصبح الهدف من المعرفة هو زيادة التحكم. وحيث لا توجد قداسة أو حرمات أو مرجعيات أخلاقية، فلا حدود لعملية الغزو. نزع السر عن الظواهر

стр. 565

» نزع السر عن الظواهر» ترجمة للكلمة الإنجليزية «دي ميستفاي demystify» ، وهي من كلمة «ميستري mystery» التي تعني «السر» بالمعنى الديني (ويُقال «ميستري ريليجنز mystery religions» أي «ديانات الأسرار» ) . ويمكن القول بأن أقرب كلمة لها في معجمنا الثقافي هي كلمة «غيب» . وتُستخدَم كلمة «سر» لتشير إلى أن الإنسان، والظواهر كافة، تحوي داخلها من الأسرار والغيب ما لا يمكن الوصول إليه، وأن على الإنسان أن يدرك هذا ويدرك أن عقله لن يحيط بكل شيء. ولأن العالم يحوي أسراراً، فهو عالم متنوع كل ظاهرة فيه تحوي قدراً من التفرد. أما كلمة «مستفاي mystify» ، فهي كلمة ذات طابع قدحي، إذ تشير إلى عملية تعمية واعية مقصودة. ويرى كثير من دعاة الاستنارة (في الإطار المادي) أن أهم مهام العقل هي نزع الأسرار عن كل الظواهر (ومنها الإنسان) وتفكيكها وردها إلى قوانين الحركة المادية العامة (ورؤيتها في إطار الواحدية الكونية المادية) ، وبذا تصبح الظواهر كافة متشابهة واضحة قابلة للدراسة. وتُعبِّر كلمات مجنون نيتشه عن ألم الإنسان الحديث الناجم عن نجاحه في نزع السر، فهو يسأل كيف تَأتَّى للإنسان أن يمحو الأفق ويجفف البحار بحيث أصبح العالم من حولنا مادة خراب لا أسرار فيها ولا قداسة؟ كشف حقيقة الأسطورة
следующие страницы →