← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 5461–5500 · переход к 5466.

стр. 5461

ويقوم الحاخام شتاينسالتس بإلقاء العديد من المحاضرات خارج إسرائيل، كما تُرجمت كتبه إلى الإنجليزية من بينها خلاصة التلمود وظهرت له دراسات عن التلمود وقصص عن الحاخام نحمان البراتسلافي. الباب الثامن: القبالاه الصوفية اليهودية (القبَّالاه) (Jewish Mysticism (Kabbalah يُعرف التراث الصوفي اليهودي باسم «القبَّالاه» التي مرت بمراحل عديدة أهمها «قبَّالاة الزوهار» وتُسمَّى أيضاً «القبَّالاه النبوية» ، و «القبَّالاه اللوريانية» التي يمكن أن تُسمَّى «القبَّالاه المشيحانية» .أما كلمة «الصوفية» ،فلها (داخل النسق الديني اليهودي) دلالات خاصة، فهذا النسق يتَّسم بوجود طبقة جيولوجية ذات طابع حلولي قوي تراكمت داخله، ابتداءً من العهد القديم، مروراً بالشريعة الشفوية، وقد انعكست هذه الحلولية من خلال شيوع أفكار، مثل: الشعب المختار، وأمة الروح، والأرض المقدَّسة.

стр. 5462

وتراث القبَّالاه الصوفي تراث ضخم وضع أسس التفسيرات الصوفية الحلولية في الزوهار والباهير وغيرهما من الكتب، وحل محل التوراة والتلمود. ومن الملاحَظ أيضاً انتشار الحركات المشيحانية الصوفية الحلولية بين الجماعات اليهودية في العالم عبر التاريخ. فكان التفكير الفلسفي بين اليهود نادراً، ولم يظهر إلا تحت تأثير الحضارات الأخرى، كما أنه كان ينحو منحى حلولياً في أغلب الأحيان. ففيلون السكندري، مثلاً، كان واقعاً تحت تأثير الحضارة الهيلينية، ولم يكن يعرف العبرية مطلقاً، ومع هذا فإن ثمة نزعة حلولية قوية في فلسفته، ولم يترك فكره الفلسفي أي أثر في تطور اليهودية اللاحق. وكذلك موسى بن ميمون، بطل كل المفكرين العقلانيين اليهود، فقد كان متأثراً تأثراً عميقاً بحضارته العربية الإسلامية. أما في العصر الحديث، مع ظهور فكر فلسفي يهودي حديث، فإننا نجد إسبينوزا بفلسفته الحلولية على رأس المفكرين. كما أن أهم مفكر ديني يهودي، مارتن بوبر، كان مهتماً بالتصوف أشد الاهتمام، بل نجده أحد عُمُد التصوف في تاريخ الفكر الحديث في الغرب. والواقع أن الفكر الديني اليهودي الحديث ينحو، في جوهره، هذا المنحى الصوفي الحلولي، والصهيونية هي النقطة التي تظهر عندها الحلولية بدون إله.

стр. 5463

ويمكن التمييز بين نمطين من التصوف: واحد يدور في نطاق إطار توحيدي، ويَصدُر عن الإيمان بإله يتجاوز الإنسان والطبيعة والتاريخ، ومن ثم يؤمن بالثنائيات الدينية الفضفاضة (سماء/أرض ـ إنسان/طبيعة ـ إله/إنسان) . وتتبدَّى هذه الرؤية في تدريبات صوفية يقوم بها المتصوف ليكبح جماح جسده تعبيراً عن حبه للإله وعن محاولته التقرب منه وهو يعرف مسبقاً استحالة الوصول والتوحد مع الإله، فالحلول الإلهي يتنافى مع الرؤية التوحيدية، ووحدة الوجود قمة الكفر. والمتصوف الذي يدور في إطار توحيدي يعبِّر عن حبه الإلهي عن طريق فعل في التاريخ والدنيا يلتزم فيه بقيم الخير ويُعلي به من شأن القيم المطلقة المُرسَلة للإنسان من الإله ويصلح به حال الدنيا.

стр. 5464

أما النمط الثاني من التصوف فيدور في إطار حلولي يصدر عن الإيمان بالواحدية الكونية حيث يحل الإله في الطبيعة والإنسان والتاريخ ويتوحد معها ويصبح لا وجود له خارجها، فيُختزَل الواقع بأسره إلى مستوى واحد يخضع لقانون واحد. ومن ثم، يستطيع من يعرف هذا القانون (الغنوصي) أن يتحكم في العالم بأسره. وهذا هو هدف المتصوف في هذا الإطار. فبدلاً من التدريبات الصوفية التي يكبح بها الإنسان جسده ويطوع لها ذاته، يأخذ التصوف شكل التفسيرات الباطنية وصنع التمائم والتعاويذ والبحث عن الصيغ التي يمكن من خلالها التأثير في الإرادة الإلهية، ومن ثم التحكم الإمبريالي في الكون. وحتى لو أخذ هذا التصوف شكل الزهد، فالهدف من الزهد ليس تطويع الذات وإنما الوصول إلى الإله والالتصاق به والتوحد معه والفناء فيه ليصبح المتصوف عارفاً بالأسرار الإلهية، ومن ثم يصبح هو نفسه إلهاً أو شبيهاً بالإله. والمتصوف في إطار حلولي لا يكترث إلا بذاته، ولذا فهو لا يتحرك في الزمان والمكان الإنسانيين ولا يأتي بأفعال في التاريخ ولا يهتم بإصلاح الدنيا بل يضع نفسه فوق الخير والشر وفوق كل القيم المعرفية والأخلاقية. فالتجربة الصوفية التوحيدية تطويع للذات وطاعة للخالق وإصلاح للدنيا، أما الثانية فهي تحقيق للذات وتطويع للخالق وبحث عن التحكم في الدنيا. ورغم استخدام لفظ واحد ( «تصوف» ) للإشارة إلى التجربتين، إلا أنهما مختلفتان تمام الاختلاف. والتصوف الحلولي، وخصوصاً في أشكاله المتطرفة، هو شكل من أشكال العلمنة. فإذا كان الإله أو الخالق هو مخلوقاته، فإن مخلوقاته هي هو. وإذا حل الإله في المادة، فإن الطبيعة تصبح هي الإله (كما يؤكد إسبينوزا) ، كما أن صاحب العرفان يصبح قادراً على التحكم في الإله والطبيعة والكون. ويمكننا هنا أن نرى ملامح سوبرمان نيتشه، الذي لا يؤمن إلا بإرادة القوة ويتجاوز أخلاق الضعفاء.

стр. 5465

ويمكننا القول بأن التصوف اليهودي (على وجه العموم) من النمط الحلولي وأنه ذو اتجاه غنوصي قوي. فالمتصوف اليهودي لا يتجه نحو تطويع الذات الإنسانية الفردية وخدمة الإله، وإنما يحاول الوصول إلى فَهْم طبيعة الإله من خلال التأمل والمعرفة الإشراقية الكونية (الغنوص أو العرفان) بهدف التأثير في الإله والتحكم الإمبريالي في الواقع. ومن هنا، كان ارتباط التصوف اليهودي أو القبَّالاه بالسحر، ومن هنا أيضاً كانت علاقة السحر بالعلم والغنوصية. وقد وصف العالم جيرشوم شوليم الصوفية اليهودية بأنها «ثيو صوفية» ، أي أنها معرفة الإله من خلال التأمل والمعرفة الإشراقية الكونية (الغنوص) أو العرفان. ومن ثم، فهي تبتعد عن التمرينات الصوفية وعمليات الزهد ومحاولة الذوبان أو إفناء الذات الإنسانية في الذات الإلهية. ولكن هذا الوصف ليست له مقدرة تفسيرية عالية، فالتصوف اليهودي الحلولي يتجه نحو الاتحاد مع الإله والالتصاق به (ديفيقوت) ، وهو اتحاد يؤدي إلى وحدة الوجود (ووحدة الوجود يُفترض أنها تؤدي إلى الكشف الصوفي لطبيعة الإله وإمكانية التواصل معه ثم التحكم فيه!) . ولعل سمة التصوف اليهودي الأساسية أنه يدور في معظمه في إطار حلولي، الأمر الذي يجعله يختلف عن التصوف الذي يدور في إطار توحيدي. ولذا، فنحن نؤثر أن نشير إلى التصوف اليهودي بكلمة «قبَّالاه» ، فهي أكثر دقة وتفسيرية. القبَّالاه: تاريخ Kabbalah:History

стр. 5466

«القبَّالاه» هي مجموعة التفسيرات والتأويلات الباطنية والصوفية عند اليهود. والاسم مُشتَّق من كلمة عبرية تفيد معنى التواتر أو القبول أو التقبل أو ما تلقاه المرء عن السلف، أي «التقاليد والتراث» أو «التقليد المتوارث» . وكان يُقصَد بالكلمة أصلاً تراث اليهودية الشفوي المتناقل فيما يعرف باسم «الشريعة الشفوية» ، ثم أصبحت الكلمة تعني، من أواخر القرن الثاني عشر، «أشكال التصوف والعلم الحاخامي المتطورة» (إلى جانب مدلولها الأكثر عموماً باعتبارها دالاً على سائر المذاهب اليهودية الباطنية منذ بداية العصر المسيحي) . وقد أطلق العارفون بأسرار القبَّالاه ( «مقوباليم» بالعبرية و «القبَّاليون» بالعربية) على أنفسهم لقب «العارفون بالفيض الرباني» . ومصطلح «قبَّالاه» واحد من مصطلحات أخرى تشير إلى المدلول نفسه، فالتلمود يتحدث عن «رازي هتوراه» ، أي «أسرار التوراة» . وقد كان يُشار إلى المتصوفين بعبارات «يورديّ مركافاه» ، أي «النازلون إلى المركبة» ، و «بعلي هاسود» ، أي «أسياد أو أصحاب الاسم» ، و «إنشي إيموناه» ، أي «رجال الإيمان» ، و «بني هيخلاه دي ملكا» ، أي «أبناء قصر الملك» . وكان القبَّاليون يرون أن المعرفة، كل المعرفة (الغنوص أو العرفان) ، توجد في أسفار موسى الخمسة، ولكنهم كانوا يرفضون تفسير الفلاسفة المجازي، وكانوا لا يأخذون في الوقت نفسه بالتفسير الحرفي أيضاً. فقد كانوا ينطلقون من مفهوم غنوصي أفلاطوني مُحدَث يُفضي إلى معرفة غنوصية، أي باطنية، بأسرار الكون وبنصوص العهد القديم وبالمعنى الباطني للتوراة الشفوية.

стр. 5467

والتوراة ـ حسب هذا التصور ـ هي مخطَّط الإله للخلق كله، وينبغي دراستها. لكن كل كلمة فيها تمثل رمزاً، وكل علامة أو نقطة فيها تحوي سراً داخلياً، ومن ثم تصبح النظرة الباطنية الوسيلة الوحيدة لفهم أسرارها. وقد جاء أنه، قبل الخلق، كُتبت التوراة بنار سوداء على نار بيضاء، وأن النص الحقيقي هو المكتوب بالنار البيضاء، وهو ما يعني أن التوراة الحقيقية مختفية على الصفحات البيضاء لا تدركها عيون البشر. ويقول القبَّاليون إن الأبجدية العبرية لها قداسة خاصة، ولها دور في عملية الخلق، وتنطوي على قوى غريبة قوية ومعان خفية، وبالذات الأحرف الأربعة التي تكوِّن اسم يهوه (تتراجرماتون) ، فلكل حرف أو نقطة أو شرطة قيمة عددية. ومن هذا المنطلق، فإن الحروف تنقسم بصفة عامة إلى ثلاث مجموعات: المجموعة الأولى الهمزة (رمز الهواء) ، والمجموعة الثانية الميم (رمز الماء) ، والمجموعة الثالثة الشين (رمز النار) . وبإمكان الإنسان الخبير بأسرار القبَّالاه أن يفصل الحروف، ويجمع معادلها الرقمي ليستخلص معناها الحقيقي، كما كان من الممكن جَمْع الحروف الأولى من العبارات، وأن يُقرَأ عكساً لا طرداً ليصل المرء إلى معناها الباطني. وكانت هناك أيضاً طريقة الجماتريا. وبذلك تصبح كلمات التوراة مجرد علامات، أو دوال، تشير إلى قوى ومدلولات كونية وبنى خفية يستكشفها مفسر النص الذى يخترق الرداء اللفظي ليصل إلى النور الإلهي الكامن. ومن خلال هذا المنهج التفسيري، تَمكَّن القبَّاليون من فرض رؤاهم الخاصة على النصوص الدينية وإشاعتها، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه لكل الآراء الحلولية المتطرفة.

стр. 5468

وإذا كانت الديانات التوحيدية، وضمنها اليهودية، التي تدور حول إله مفارق يتجاوز الطبيعة والتاريخ ترى أن ثمة مساحة تفصل بين الخالق والمخلوق، وبين الإله والكون، فإن التراث القبَّالي ينزع نزوعاً حلولياً واضحاً نحو تضييق المسافة بينهما، حتى تتلاشى تماماً في نهاية الأمر. والواقع أن الإله، حسب التصور القبَّالي، ليس الإله المفارق المتسامي الذي ليس كمثله شيء، وإنما يُنظَر إليه من منظورين: باعتباره (أولاً) الإله الخفي والجوهر الذي لا يستطيع الإنسان إدراك كنهه، وهذا هو إله الفلاسفة؛ الإله الواحد الذي لا يتجزأ، وهو في رأي القبَّالاه حالة ساكنة تفتقد إلى الحيوية، وهو الخالق في حالة انكماش قبل عملية الخلق، وهو العدم واللاوجود (فهو يشبه من كثير من الوجوه إله الغنوصية الخفي) ، كما يُنظَر إليه باعتباره (ثانياً) الإله القريب الحي؛ القريب بسبب وجوده الذاتي وتعدديته، فهو بنية داخلية، مركبة ودينامية، وهو عملية عضوية تؤثر في العالم وتتأثر به، وهو تَجسُّد مادي (لوجوس) يحل في المادة (سواء كانت الشعب اليهودي أم الظواهر الطبيعية أم اسم الإله الأعظم من يكتشفه يتحكم في الكون بأسره) . والإله يتسم بسمات عديدة اشتقها القبَّاليون من خلال قراءتهم الغنوصية الدينية اليهودية السابقة، ومن خلال تجاربهم الصوفية (فهو يشبه من بعض الوجوه الإله الصانع في المنظومة الغنوصية والطبيعة الطابعة في المنظومة الإسبينوزية) .

стр. 5469

وبينما حاول الفلاسفة اليهود والحاخامات تفسير ما يرد في العهد القديم من خلع صفات بشرية على الإله وتجسيمه بأنها من قبيل المجاز، فإن القبَّاليين أخذوا ما جاء في سفر التكوين (١/٢٨) من أن الإله قد خلق الإنسان على صورته، وفسروه تفسيراً حرفياً ثم فرضوا عليه كثيراً من المعاني حتى توصلوا إلى فكرة آدم قدمون، أي الإنسان الأصلي، ومفادها أن جسم الإنسان يعكس في سماته بناء التجليات النورانية العشرة (سفيروت) . وهذا مثل جيد للمنهج الذي يُفسِّر القبَّاليون به العهد القديم بطريقة ليست مجازية ولا حرفية، وإنما عن طريق فرض المعنى الذي يريده المفسر. وقد أصبحت القبَّالاه في نهاية الأمر ضرباً من الصوفية الحلولية ترمي إلى محاولة معرفة الإله بهدف التأثير في الذات العلية حتى تنفذ رغبات القبَّالي أو المتصوف حتى يتسنى لصاحب هذه المعرفة السيطرة على العالم والتحكم فيه. ولذا، فإن القبَّالاه تتبدى دائماً في شكل قبَّالاه عملية، وهي أقرب إلى السحر الذي يستخدم اسم الإله والمعادل الرقمي للحروف (جماتريا) والأرقام الأولية والاختصارات (نوطيرقون) للسيطرة. وترتبط القبَّالاه في وجهها العملي بعدد من العلوم السحرية، مثل: التنجيم، والسيمياء، والفراسة، وقراءة الكف، وعمل الأحجبة، وتحضير الأرواح. ومع ابتعادها عن التقاليد الحاخامية الدراسية استوعبت عناصر كثيرة من التراث الشعبي تمثل الازدهار الأقصى للتفكير الأسطوري والحلولي في اليهودية.

стр. 5470

ورغم تأكيدنا أن القبَّالاه ثورة على التراث الحاخامي إلا أنها تضرب بجذورها في الطبقة الحلولية التي تراكمت داخل التركيب الجيولوجي اليهودي منذ البداية في العهد القديم، حيث يتوحد الإله مع شعبه. وهو توحُّد كان يأخذ شكل العهد المتجدد بين الإله والشعب، والتدخل المستمر للإله في التاريخ لصالح شعبه، وتجسُّده في شكل عمود نار ليقودهم، وغضبه منهم وحبه لهم وغزله فيهم ومعهم. وقد عبر الحلول الإلهي وعشقه لبنت صهيون عن نفسه في نهاية الأمر في شكل العبادة القربانية المركزية حيث كانت تتم لحظة الحلول والالتحام بين الإله والشعب والأرض في يوم عيد الغفران حين كان كبير الكهنة يدخل إلى قدس الأقداس لينطق باسم يهوه. ورغم حرب الأنبياء ضد الأفكار الحلولية إلا أنها زادت ترسخاً في القرن الأول قبل الميلاد، وعبَّرت عن نفسها في جماعة مثل جماعة الأسينيين، وفي أسفار الرؤى (أبوكاليبس) مثل كتاب حنوخ وفي الكتب الخفية (أبوكريفا) ، وفي الغنوصية اليهودية وغير اليهودية. كما ترسخت الطبقة الحلولية بترسُّخ مفهوم الخلاص المشيحاني باعتباره خلاصاً قومياً لا فردياً. ويُلاحَظ أن ثمة تشابهاً بين القبَّالاه وكُتب الرؤى في عدة أوجه من أهمها رؤية الخلاص، فالخلاص لن يتم الوصول إليه من خلال عملية أخلاقية تاريخية تدريجية، وإنما من خلال معجزة خارجية وتَدخُّل إلهي فجائي، عندما يظهر الماشيَّح ويشع بضوئه على العالم بأركانه الأربعة عند نهاية التاريخ وتحقُّق الفردوس الأرضي. كما أن الأفكار الثنوية الرؤياوية التي تساوي بين الجوهر الإلهي وجوهر آخر، وهي فكرة ذات أصول فارسية، وجدت طريقها إلى القبَّالاه أيضاً، في تفرقتها بين عالَم الدنس والرذيلة والموت الحالي من ناحية وعالم الخير والطهارة والوجود الأبدي الآتي بعد ظهور الماشيَّح من ناحية أخرى.

стр. 5471

ومن المصادر الأخرى الأساسية للقبَّالاه، فكرة الشريعة الشفوية التي تضاهي الشريعة المكتوبة وتتفوق عليها، فهي فكرة حلولية متطرفة تساوي بين الخالق ومخلوقاته. وقد تَعمَّق التيار الحلولي الذي يسري في العهد القديم وازداد كثافة في التلمود حتى اكتسب أبعاداً متطرفة في كثير من الأحيان. ولكن النزعة الحلولية في التلمود ظلت مختلطة بعناصر أخرى توحيدية تحددها وتحد منها. وما فعله القبَّاليون، فيما بعد، هو أنهم اقتبسوا من التلمود المقاطع والآراء ذات الطابع الحلولي ونزعوها من سياقها ودفعوها إلى نتيجتها المنطقية المتطرفة. وهذا يُفسِّر وقوف المؤسسة الحاخامية ضد القبَّاليين بعض الوقت، ويفسر التوتر بين الفريقين، ولكنه يفسر في الوقت نفسه سرّ انتشار الشبتانية (الحلولية) بين كبار العلماء التلموديين في القرن الثامن عشر، كما أنه يُفسِّر كيفية تَحوُّل القبَّالاه، في نهاية الأمر، إلى جزء أساسي من الشريعة الشفوية.

стр. 5472

ويظهر ارتباط التلمود بالقبَّالاه من خلال دراسة تاريخ التصوف اليهودي، فقد تشكلت حلقات من أتباع يوحنان بن زكاي، وهو من معلمي المشناه (تنائيم) ومن مؤسسي حلقة يفنه التلمودية في القرنين الأول والثاني. وحاولت هذه الحلقات أن تغوص في أسرار الخلق أو ما يُسمَّى عمل الخليقة (بالعبرية: معسيه بريشيت) ، وفي طبيعة العرش الإلهي (أو المركبة) (بالعبرية: معسية مركافاه) . وقد ساهمت كتاباتهم في وضع أسس أدب الهيخالوت الصوفي، أو الحجرات السماوية، الذى ازدهر في بابل بيزنطة في القرنين السابع والثامن، والذي يصوِّر سبعة قصور أو عوالم سماوية تسكنها الملائكة التي تسبِّح بحمد الإله. ويوجد عرش الإله، حسبما جاء في قصص هذا الأدب، في العالم السابع، أي في السماء السابعة. وقد اعتقد أتباع هذه المدرسة أنه من خلال التدريبات الروحية الصارمة، ومن خلال الصوم وإرهاق الجسد، يمكن الوصول إلى الشطحات الصوفية التي تمكِّن الواصلين (أو مشاهدي المركبة) من أن يشعروا بروحهم وهي تصعد من خلال هذه السماوات حتى تصل إلى النقطة التي يطالعون فيها، وبشكل مباشر، التجلي أو الحضور الإلهي والعرش الإلهي. وبإمكان الأرواح التي تصل إلى هذه المنزلة أن تكشف أسرار الخلق وطُرق الملائكة وموعد وصول الماشيَّح. وينتمي كتاب سفر يتسيرا (كتاب الخلق) إلى هذه الفترة نفسها والتي تمتد بين القرنين الثالث والسادس، وهو يصف بنية الكون من خلال التجليات النورانية العشرة، أو قدرات الرب الكامنة العشرة أو القنوات العشر (سفيروت) ، وحروف الأبجدية وقيمتها العددية وقوتها الخالقة.

стр. 5473

وقد انتقلت تقاليد أدب الهيخالوت إلى جنوب إيطاليا، ومنها إلى ألمانيا، حيث ظهر ضرب جديد من التقوى الصوفية وصل إلى قمته في القرن الثاني عشر يُسمَّى «أتقياء ألمانيا» . وقد نادى هؤلاء بضرورة الاكتراث بالعواطف والرغبات الدنيوية. ومن أهم أعلام هذا الاتجاه يهودا هيحَاسيد (تُوفي عام ١٢١٧) مؤلف كتاب سفر حسيديم أي كتاب الأتقياء. وقد فرَّق أتباع هذا الاتجاه الصوفي بين الإله الخفي المتسامي الذي يتجاوز الإدراك البشري من جهة، وملاكه المخلوق أو جلال الإله (كافود) الذي هو تجلٍّ للألوهية من جهة أخرى. ويتكون هذا الاتجاه الصوفي من خليط من عقائد سفر يتسيرا، وأفكار صوفية المركبة، وأفكار أرسطية مشوهة، وعقائد سحرية. وقد كان للحركات الصوفية المسيحية في أوربا أثرها في أتباع هذا المنهج الذين لجأوا أيضاً إلى التأمل في الحروف العبرية وقيمها العددية، وهي طريقة في التأمل أصبحت منذ ذلك الوقت أحد ثوابت التراث القبَّالي.

стр. 5474

وعلى أية حال، فإن القبَّالاه، بمعناها الحالي، ظهرت في فرنسا، وكان من أهم العارفين بالقبَّالاه أبراهام بن داود وابنه إسحق الأعمى اللذان بدآ يتداولان كتاب الباهير (الذي ظهر أول ما ظهر في بروفانس؛ فرنسا) في القرن الثاني عشر. وانتقل مركز القبَّالاه بعد ذلك إلى إسبانيا حيث نشأت حلقات متصوفة تحاول أن تتواصل مع الإله من خلال التأمل في التجليات النورانية العشرة (سفيروت) . كما كان هؤلاء المتصوفون يهدفون إلى تجديد تقاليد النبوَّة، وإلى الكشف الإلهي من خلال الشطحات الصوفية، ومن خلال التأمل في حروف الكتاب المقدَّس وقيمها العددية وأسماء الإله المقدَّسة. ومن أهم القبَّاليين أبراهام بن شموئيل أبو العافية (١٢٤٠ ـ ١٢٩١) . وقد وصلت الحركة القبَّالية إلى قمتها بظهور الزوهار الذي وضعه موسى دي ليون المتوفى عام ١٣٠٥، والذي تستند إليه الأنساق القبَّالية التي ظهرت بعد ذلك. وكانت مدينة جيرونا في قطالونيا من أهم مراكز القبَّالاه في إسبانيا. وقد قام القبَّاليون بإنشاء مركز لهم في مدينة صفد في فلسطين عام ١٤٢١.

стр. 5475

وكان شيوع القبَّالاه في هذه المرحلة تعبيراً عن رفض التراث التلمودي الذي وضعه الحاخامات وعلماء الدين الذين ارتبطوا بالطبقات الثرية وبيهود البلاط في إسبانيا. وقد شجع أعضاء هذه الفئات الفلسفة العقلانية واتبعوا في حياتهم العامة والخاصة سلوكاً يتفق مع هذه الفلسفة، ولا ينم عن كبير احترام لبعض العقائد اليهودية (من وجهة نظر العوام على الأقل) . وقد ساهمت القبَّالاه في عزل أعضاء الجماعات اليهودية عن هذا التراث الفلسفي العقلاني الذي أشاعه موسى بن ميمون وغيره من الفلاسفة المتأثرين بكتابات الفلاسفة المسلمين العرب. وقد كانت كتب الفلسفة تُسمَّى «الكتب الشيطانية» . وبعد ذلك، انتشرت التقاليد القبَّالية بعد أن أخذت شكلها المحدد في الزوهار، في القرنين الرابع عشر والخامس عشر في إسبانيا ثم في كل إيطاليا وبولندا. وتُسمَّى القبَّالاه النابعة من الزوهار قبَّالاة الزوهار (ويسميها جيرشوم شولم «القبَّالاه النبوية» ) . وازداد الاهتمام بالقبَّالاه بعد طرد يهود إسبانيا وتَصاعُد الحمىَّ المشيحانية، وخصوصاً بما اشتملت عليه القبَّالاه من عقيدة خلاص جماعة يسرائيل. وقد وُجد واحد من أهم مراكز القبَّالاه في صفد، وكان يضم مجموعة من اليهود السفارد الذين طُردوا من إسبانيا، ومن هنا كان عمق إحساسهم بالكارثة التي حاقت باليهود وبعجزهم الكامل وعزلتهم عن أية مشاركة حقيقية في العمليات التاريخية.

стр. 5476

ومن أهم أعضاء هذه المجموعة إسحق لوريا الذي طوَّر المفاهيم القبَّالية فيما سُمِّي «القبَّالاه اللوريانية» ، مقابل القبَّالاه التي سبقتها، أي القبَّالاه النبوية أو قبَّالاة الزوهار. ولعل أهم إسهامات لوريا مفهومه الخاص عن الشرارات الإلهية المتناثرة والمتبعثرة (نيتسوتسوت) ومن ضمنها مشاركة الإنسان اليهودي الحَرْفية مع الإله (وليس المجازية) في عملية الخلاص الكونية، وعودة جماعة يسرائيل وانتصارها كخطوة أساسية في هذه العملية. وقد ربطت هذه المفاهيم بين النزعة المشيحانية والنزعة الصوفية رغم تناقضهما الظاهري. فإذا كانت النزعة الصوفية الباطنية الحلولية تلجأ إلى التأمل والزهد لاكتشاف الأسرار الإلهية (وبالتالي، فإن توجُّهها المبدئي داخلي بهدف السيطرة الإمبريالية الفردية على الكون) ، فإن النزعة المشيحانية تنعكس في التاريخ مباشرةً، أي في العالم الخارجي، بهدف السيطرة الإمبريالية القومية أو الجماعية على الكون. ولكن لوريا ربط التدريبات الصوفية (الفردية الباطنية الداخلية التي يقوم بها اليهودي بمفرده) بعملية استرجاع الشرارات الإلهية وعملية خلاص الإنسان وخلاص الكون التي يقوم بها اليهود كشعب، ثم ربط كل هذا بعملية الاسترجاع المشيحاني والقومي لجماعة يسرائيل. فكأن لوريا جعل الطبقة الحلولية تعبِّر مرة أخرى عن نفسها على المستوى القومي بدلاً من المستوى الفردي. ومن هنا، كان التفجر الكامن في الصيغة الصوفية المشيحانية لما يُسمَّى «القبَّالاه اللوريانية» (التي يسميها جيرشوم شوليم «القبَّالاه المشيحانية» ) ، وهو ما ساعد على ظهور الحركات المشيحانية المتتالية ابتداءً من شبتاي تسفي، والتي لا يمكن فهمها أو فهم أنساقها الرمزية إلا في إطار القبَّالاه اللوريانية التي سيطرت على اليهود ابتداءً من القرن السادس عشر.

стр. 5477

وكان تأثير القبَّالاه على التشريع (هالاخاه) ضئيلاً، ولكن تأثيرها على الأجاداه كان قوياً حتى أنهما امتزجتا وأصبح من المستحيل تمييز الواحدة عن الأخرى الأمر الذي أدَّى إلى تأثير القبَّالاه تأثيراً عميقاً في الوجدان اليهودي. ويظهر أثر القبَّالاه في الصلوات والأدعية والتسابيح والابتهالات وشعائر السبت والأعياد والعادات والأخلاق، وفي الأفكار الخاصة بالملائكة والشياطين والماشيَّح والأفكار الأخروية بشكل عام ودور الشعب اليهودي في المنفى، أي أن تأثير القبَّالاه في الحياة اليومية يفوق في عمقه تأثيرها في الأمور ذات الطابع التشريعي والفقهي، وهي الرقعة التي تركوها لعلماء التلمود الذين كانوا يُصدرون فتاواهم الجافة المجردة التي لا حياة فيها لانفصالها عن الواقع.

стр. 5478

وقد تولَّد توتر بطبيعة الحال بين القبَّاليين (المدافعين عن التفسيرات الباطنية) والفقهاء الشرعيين (المدافعين عن الشريعة) إذ كان العالمون بأسرار القبَّالاه يعتبرون أنفسهم أعلى منزلةً، بل كانوا يسخرون من الحاخامات، فكانوا يقرأون الكلمة العبرية «حمور» ، أي «حمار» ، باعتبارها اختصاراً لعبارة «حاخام موفلآ في راف رابان» ، أي «فقيه عظيم وحاخام الحاخامات» . كما كانوا يطلقون على فقيه الشريعة مصطلح «الحمار المشناوي» ، نسبة إلى المشناه، بل أشاروا إلى المشناه نفسها باعتبارها «مقبرة موسى» . وكانوا يقتبسون عبارات سلبية (قدحية) من العهد القديم للسخرية بها من الدراسات التلمودية فكانوا يشيرون مثلاً بعبارة "فجعلوا عليهم رؤساء تسخير لكي يذلوهم بأثقالهم" (خروج ١/١١) ، إلى العلماء التلموديين (وهذا هو رأي إسبينوزا أيضاً في العقيدة اليهودية، فقد وصفها بأن الإله أرسلها عقوبة لليهود وثقلاً ينوءون بحمله) . وكان بعض القبَّاليين يُصدرون فتاوى استناداً إلى الزوهار، ويعيدون تفسير الشريعة من منظور قبَّالي. وقد جُمعت بعض هذه الأحكام في كُتب. وكان بعضهم يعتبر أقوال لوريا أهم من الشولحان عاروخ.

стр. 5479

وقد سيطرت القبَّالاه، في نهاية الأمر، حتى على مؤسسة اليهودية الحاخامية نفسها، وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من اليهودية الكلاسيكية أو اليهودية المعيارية أو التلمودية، ويحدد جيرشوم شولم الفترة بين عامي ١٦٣٠ و١٦٤٠ على أنها الفترة التي أحكمت فيها القبَّالاه اللوريانية سيطرتها شبه الكاملة على الفكر الديني اليهودي. حتى أن الحاخام جويل سيركيس (١٥٦١ ـ ١٦٤٠) ، وهو من أهم علماء التلمود، قال إن من يعترض على العلم القبَّالي يُطرَد من حظيرة الدين. كما أن الشولحان عاروخ نفسه، أهم كتب المؤسسة الحاخامية الأرثوذكسية، يجعل الإيمان بالقبَّالاه فرضاً دينياً. وقد أصبحت القبَّالاه من اللاهوت اليهودي نفسه، ولم يَعُد بمقدور أي يهودي مهاجمتها. وحينما حاول موردخاي كوركوس عام ١٦٧٢ أن ينشر كتاباً في البندقية يهاجم فيه القبَّالاه، منعه الحاخامات من ذلك. ورغم فشل حركة شبتاي تسفي المشيحانية، واعتناقه الإسلام، فإنه سيطر على تابعيه، وفُسِّر تحوُّله عن اليهودية بأنه نزول المخلِّص إلى عالم الذنوب والنجاسة ليخلِّص الشرارات الإلهية. وقد أدَّى هذا الموقف إلى ظهور النزعة المتطرفة المعادية للتشريعات (والتي يمكن أن نسميها «الترخيصية» ) والتي تحاول إسقاط الشريعة وتبطل فعالية القانون الإلهي. وقد استمرت هذه النزعة داخل الحركة الفرانكية وبين الدونمه، وأخيراً في الحركة الحسيدية.

стр. 5480

ومع حلول القرن التاسع عشر، ظهرت الحركة الحسيدية التي اكتسحت يهود شرق أوربا (وهي تَصدُر عن الإيمان بعقائد القبَّالاه على وجه العموم والقبَّالاه اللوريانية على وجه الخصوص) ، وأكدت مفهوم التوحد مع الإله والالتصاق به (ديفيقوت) . ولكن الحسيدية، شأنها شأن كثير من الحركات الصوفية، تحولت بالتدريج إلى بيروقراطية دينية، وتحوَّل التساديك إلى وسيط، وظهرت أُسَر الحسيديين الحاكمة التي توارث أعضاؤها القداسة. ولكن العامل الأساسي الذي قضى على القبَّالاه وعلى التصوف الحلولي اليهودي هو ظهور العالم الحديث وحركة التنوير. والصهيونية وريثة التراث القبَّالي في بنيتها، فكما أن الحسيدية كانت هي الأخرى حركة مشيحانية كامنة ساكنة بدون ماشيَّح، فإن الصهيونية تحولت إلى مشيحانية نشيطة (بدون ماشيَّح أيضاً) إذ يؤكد الصهاينة عملية خلاص الشعب اليهودي الذي يأخذ شكل عودة إلى صهيون دون انتظار الماشيَّح (أي شكل التعجيل بالنهاية) . والصهيونية، في نهاية الأمر، هي التعبير عن الطبقة الحلولية داخل التركيب الجيولوجي التراكمي اليهودي، وهي طبقة عبَّرت عن نفسها في بداية الأمر من خلال رؤية حلولية تبشر بالخلاص القومي وترابط الثالوث الحلولي (الإله والشعب والأرض) ثم توارت قليلاً نتيجة القضاء على السلطة المركزية اليهودية فعبَّرت عن نفسها بشكل فردي من خلال القبَّالاه (التأملية والعملية) وهي تعود إلى سابق عهدها في العصر الحديث، حيث يصبح الخلاص مرة أخرى خلاصاً قومياً ويصبح التأمل الأيديولوجيا الصهيونية التي تستعيد تَداخُل النسبي والمطلق، وتؤكد ارتباط الشعب بالأرض نتيجة الحلول الإلهي أو سريان روحه المقدَّسة. والقبَّالاة العملية هي الاستيلاء على الأرض ونقل اليهود إلى فلسطين (ونقل العرب منها) وتصبح الدولة الهيكل الذي يتعبد فيه الصهاينة ويهود العالم ويقدمون له القرابين (فهي استعادة للعبادة القربانية المركزية) .

стр. 5481

وعلى كلٍّ، فالنمط الصهيوني ليس مختلفاً عن الأنماط القومية العلمانية التي انتشرت في أوربا ابتداءً من عصر الملكيات المطلقة حين حوَّل الملك نفسه إلى مطلق، ثم حوَّلت الدولة نفسها إلى مطلق واحد أحد يدين له الجميع بالولاء، فهي محط الحلول الإلهي أو هي التعبير عن الحلولية بدون إله. وهدف هذه الدولة هو التحكم الإمبريالي في كل مواطني الدولة وشعوب الأرض عن طريق عمليات ترشيدهم (في إطار مادي) من خلال المؤسسات التربوية والأمنية وقطاع اللذة والعلم والتكنولوجيا وأخيراً القوة العسكرية. وقد كان الحاخام الصهيوني (القلعي) من المهتمين بالحسابات القبَّالية. كما تأثر كثير من المفكرين الصهاينة بالفكر القبَّالي، ومن أهمهم الحاخام أبراهام كوك الذي توصَّل إلى صيغة صهيونية ليست قومية دينية وحسب، وإنما صيغة صهيونية قومية عضوية حلولية لا تقنع فقط بالرؤية التقليدية التي ترى أن الإله قد يجعل اليهود محط عنايته الخاصة بل تؤكد كذلك أن الإله يحل فيهم كجماعة حتى يشكِّل هو والشعب والأرض ثالوثاً حلولياً صهيونياً. وقد تأثر مارتن بوبر كذلك بالأساطير القبَّالية من خلال اهتمامه بالحسيدية. كما يُلاحَظ أثر القبَّالاه في فكر جماعة جوش إيمونيم. ويُعَدُّ الحاخام تسفي كوك، حفيد أبراهام كوك، من أهم مفكريها. وفي مقابلة بين كاتب إسرائيلي من رافضي الاستيطان في الضفة الغربية وأحد أعضاء جوش إيمونيم، قال الأخير: "انطلاقاً من تراث القبَّالاه، العالم مقسَّم إلى خمسة أقسام: الجماد والنبات والحيوان والناطق واليهودي. والتناقض الأساسي كامن بين الناطق واليهودي".

стр. 5482

وآخر كُتب القبَّالاه في العالم الغربي وضعه بالألمانية هيرتس أبراهام شيير، ونُشر عام ١٨٧٥. ولكن، ظهرت كتب قبَّالية مختلفة في شرق أوربا والشرق الأوسط حتى الحرب العالمية الثانية. ولا تزال كتب القبَّالاه تُكتَب وتُطبَع وتُنشَر في إسرائيل. ويبدو أن القبَّالاه، بصورها المجازية ورموزها الجنسية، تركت أثراً في فرويد، وفي كثير من الأدباء اليهود مثل كافكا كما أن أساليب القراءات الباطنية التي تفصل الدال عن المدلول المباشر تركت أثرها في أتباع المدرسة التفكيكية. ومما يجدر ذكره أن هناك قبَّالاه مسيحية ظهرت منذ القرن السابع عشر، أي بعد الإصلاح الديني، وحاولت أن تستخدم المنهج القبَّالي في تفسير الكتب الدينية وتفرض عليها معنىً مسيحياً بحيث يصبح آدم قادمون هو المسيح على سبيل المثال. وقد كان كثير من القبَّاليين المسيحيين من اليهود المتنصرين. وقد تركت القبَّالاه المسيحية أثراً عميقاً في التصوف المسيحي في الغرب، كما استخدم بعض الشعراء الرومانسيين رموزها، مثل الشاعر الإنجليزي وليم بليك. ولا شك في أن انتشار القبَّالاه المسيحية ساهم في تهويد المسيحية وفي بعث الجوانب الغنوصية فيها. أسباب شعبية القبَّالاه وهيمنتها على الوجدان الديني اليهودي ثم اختفائها Reasons for the Popularity of the Kabbalah, its Domination over the Jewish Religious Imagination, and its Eventual Disappearance يمكن القول بأن القبَّالاه وتراثها وطريقتها في تفسير النصوص اليهودية المقدَّسة، وإيمانها بالحل السحري وبالخلاص القومي، أخذت تسيطر بالتدريج على الوجدان الديني اليهودي ابتداءً من القرن الرابع عشر، وهيمنت عليه تماماً مع نهاية القرن الثامن عشر، وذلك للأسباب التالية:

стр. 5483

١ ـ كانت اليهودية، في الجزء الأول من تاريخها، ديانة تؤمن، رغم الطبقة الحلولية التي تراكمت داخلها، بشكل من أشكال التوحيد، في وسط وثني مشرك: آشوري أو مصري قديم أو يوناني أو روماني. وقد حاولت اليهودية آنذاك أن تُوسِّع الهوة بينها وبين أصحاب الديانات الوثنية الأولى بقدر المستطاع. ولذا، فإننا نجدها ترفض تماماً الفكر الأسطوري وقصص الخلق المستفيضة الموجودة في ديانات الشرق الأدنى القديم، وذلك رغم تأثرها بهذه الديانات في كثير من الوجوه، ورغم أن النسق الديني اليهودي (كتركيب جيولوجي) قد احتفظ بكثير من التراكمات الوثنية. ولكن، ومع ظهور الديانتين التوحيديتين الأخريين (الإسلام والمسيحية) ، وسيطرتهما على المحيط الحضاري الذي كانت تتحرك فيه اليهودية، وجدت اليهودية نفسها دون وظيفة خاصة أو هوية مستقلة. ورغم هذا، وربما بسببه، استمر الحاخامات في توسيع الهوة بين اليهود وأصحاب الديانات التوحيدية الأخرى، فتبنوا الأسطورة كوسيلة لاكتشاف الواقع وبدأوا من خلال التلمود، ثم من خلال التراث القبَّالي، في نسج الأساطير. وتُعتبَر القبَّالاه، من هذا المنظور، استجابة اليهود لتغلغل الفكر العقلي والتوحيدي، وتعبيرهم عن محاولات الحفاظ على التماسك وعدم التفكك في وجه التحدي الذي أفقدها تميزها ووظيفتها. وقد أنجزت القبَّالاه ذلك عن طريق التخلي (إلى حدٍّ كبير) عن كثير من العقائد اليهودية الحاخامية، ومن خلال تأكيد بعض الأفكار التي كانت تشغل مكانة هامشية في النسق الديني اليهودي، وعن طريق الأساطير التي نسجها القبَّاليون من خلال منهج تفسيري تأويلي فريد. ٢ ـ لم تكن هناك مؤسسات دينية يهودية شاملة تضم كل يهود العالم، كما لم يكن هناك جهاز تنفيذي يضمن شيوع أفكار هذه المؤسسات ويقضي على النزعات الحلولية الوثنية الشعبية ويكبح جماح الهرطقة. وهذا ما سمح للقبَّالاه، بكل ما تشتمل عليه من هرطقات غنوصية، أن تنمو بهذا الشكل المتضخم.

стр. 5484

٣ ـ كما أن تركيب اليهودية الجيولوجي جعل من اليسير على أي مفكر ديني، مهما كانت درجة تطرفه، أن يجد سنداً وسوابق لآرائه. وقد فتحت فكرة الشريعة الشفوية باب التفسير والتأويل على مصراعيه بحيث أصبح في مقدور كل يهودي أن يفرض رؤيته. ٤ ـ ومما لاشك فيه أن اضطلاع أعضاء الجماعات بدور الجماعات الوظيفية عَمَّق الاتجاهات الصوفية. فالجماعات الوظيفية تعيش خارج العملية الإنتاجية في المجتمع. ولكنها، لأنها ليست منه، نمت لديها عقلية مجردة لا علاقة لها بما هو متعيِّن. كما أن اضطلاع اليهود بدور التاجر ساعد في تعميق هذه الاتجاهات، والتجارة الدولية تُحطم فكرة الحدود وتُشجِّع النزعات الصوفية (والواقع أن العلاقة بين التجارة والصوفية أمر يحتاج إلى مزيد من الدراسة) . وتستند رؤية الجماعة الوظيفية إلى العالم إلى مركب حلولي، فتجعل من ذاتها مركز القداسة ومصدر المطلقية (مقابل مجتمع الأغلبية المباحة النسبية) . وقد لعبت عقيدة الماشيَّح (الذي سيأتي في نهاية الأيام ليحرر اليهود ويعود بهم إلى صهيون) دوراً في تعميق هذا الاتجاه، فهي عقيدة تفصل اليهودي عن الزمان والمكان وتجعله ينتظر آخر الأيام بحيث يركز عيونه على البدايات والنهايات متجاهلاً التاريخ وتركيبيته. ولذا، يمكن القول بأن ثمة علاقة ما بين تحول الجماعات اليهودية التدريجي إلى جماعات وظيفية وذيوع القبَّالاه التدريجي بينها.

стр. 5485

٥ ـ والقبَّالاه هي أيضاً رد فعل أعضاء الجماعات اليهودية في العالم الغربي إزاء تدهور وضعهم وفقدانهم دورهم كجماعات وظيفية. فكلما ازدادوا بُعْداً عن مركز السلطة وصنع القرار، وكلما ازدادوا هامشية وطفيلية ازدادوا التصاقاً بالقبَّالاه التي كانت تعطيهم دوراً مركزياً في الدراما الكونية، وتجعل الذات الإلهية مرتبطة بهم ومعتمدة عليهم. والقبَّالاه، بذلك، هي تعبير عن حالة مرضية، ولكنها في الوقت نفسه استجابة لهذه الحالة أخذت شكل الانسحاب من العالم إلى داخل القوقعة. ولذا، فبينما كان بعض الفلاسفة اليهود يؤكدون العناصر المشتركة بين اليهودية والديانات التوحيدية الأخرى (وعلى سبيل المثال، حاول ابن موسى بن ميمون، في مصر، أن يُطهِّر اليهودية من كثير من العناصر الغريبة فيها بإدخال عناصر إسلامية على العبادة اليهودية، مثل السجود) ، كان القبَّاليون يحاولون أن يبينوا الاختلافات العميقة بين الدور الذي يلعبه اليهود في عملية الخلاص ودور أصحاب الديانات الأخرى. وهكذا، بررت القبَّالاه لليهود ذلك العذاب، الذي كانوا يتصورون أنه يحيق بهم في كل مكان، باعتباره أمراً منطقياً ينجم عن مركزيتهم. ٦ ـ كان طَرْد اليهود السفارد من إسبانيا كارثةً عظمى رجت اليهودية رجاً، وبينت مدى هشاشة موقف أعضاء الجماعات اليهودية. وقد انتشر اليهود السفارد ونشروا معهم تعاليم القبَّالاه في مختلف أنحاء العالم، وبدأت الأيدي تتداول المخطوطات التي كانت مقصورة على العالمين بأسرار القبَّالاه، وخصوصاً أن كتب القبَّالاه تشبه من بعض الوجوه الكتب الإباحية، الأمر الذي زاد شعبيتها.

стр. 5486

٧ ـ انتقل مركز اليهودية، بعد طرد اليهود من إسبانيا، إلى العالم المسيحي. ومع القرن السادس عشر، استقر أغلبية اليهود فيه. كما أن السفارد أنفسهم كانوا يعيشون، قبل طردهم، في بيئة كاثوليكية ثرية وتشربوا كثيراً من أفكارها. وثمة نظرية تذهب إلى أن اليهودية التي انتشرت في شبه جزيرة أيبريا كانت ذات طابع شعبي صوفي حلولي لا يُفرِّق بين الأنساق الدينية المختلفة كما هي عادة الديانات الشعبية. وقد أدَّى هذا إلى تسرُّب أفكار مسيحية كثيرة إلى الفكر الديني اليهودي. ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لنسق ديني هو أن يتبنى أفكار دين آخر وصُوَره المجازية، فهذه الأفكار مرتبطة بأفكار أخرى، ولها دلالات مختلفة داخل نسقها، ولكنها حينما تُنقَل تصبح مثل الخلية السرطانية. وهذا ما حدث لليهودية، إذ تأثر الفكر القبَّالي بفكرة التثليث المسيحية وتحولت إلى فكرة التعشير، إن صح التعبير، أي أن يتحول الإله إلى عشرة أجزاء في واحد وواحد في عشرة، وهي التجليات النورانية العشرة (سفيروت) . كما أن الفكر الديني اليهودي بدأ يتأثر بالمسيحية الشعبية بكل ما تحمل من أساطير واتجاهات غنوصية (وقد لاحَظ أتباع إبراهيم أبو العافية التشابه الشديد بين فكره القبَّالي والمسيحية، فتنصروا) . ٨ ـ تزامن انتشار القبَّالاه مع ظهور المطبعة العبرية في القرن السادس عشر، فطُبعت من الزوهار طبعتان كاملتان بين عامي ١٥٥٨ و١٥٦٠، في كريمونا ومانتوا في إيطاليا، ثم تبعتهما طبعات أخرى في أزمير وسالونيكا وألمانيا وبولندا. وقد أدَّى كل ذلك إلى انتشار القبَّالاه على نطاق واسع يفوق انتشار التلمود. ومع حلول القرن السادس عشر، احتلت كتب القبَّالاه مكان الصدارة بين كل الكتب الدينية.

стр. 5487

كل هذه الأسباب المتصلة بأعضاء الجماعات اليهودية (وخصوصاً في الغرب) ساعدت على انتشار الرؤية الحلولية القبَّالية بينهم وهيمنتها عليهم. والرؤية الحلولية القبَّالية هي في جوهرها وحدة وجود روحية كاملة تحمل استعداداً للتحول لوحدة وجود مادية. وهذا ما حدث مع تَزايُد نزعات العلمنة في المجتمع الغربي وما واكب ذلك من انتشار الفكر الحلولي وتحوُّله إلى وحدة وجود مادية، وهو الأمر الذي أنجزه إسبينوزا في إطار الفلسفة الغربية. وقد حدث شيء مماثل داخل الفكر الديني اليهودي إذ بدأت وحدة الوجود الروحية تتحول إلى وحدة وجود مادية (من خلال مرحلة شحوب الإله والفكر الربوبي ثم مرحلة موت الإله) . وقد دخلت القبَّالاه مرحلة وحدة الوجود الروحية الكاملة في حركات مشيحانية مثل الشبتانية والفرانكية التي تحولت تدريجياً إلى وحدة وجود مادية وبالتالي اختفت الديباجات الروحية ومعها الأساطير والصور المجازية القبَّالية وحلت محلها الأساطير والصور المجازية العلمانية فبدلاً من الصور المجازية الجنسية ظهر فرويد حيث تحل الإيد Id محل اليسود، وظهرت النزعة الطبيعية المادية حيث تحل قوانين الحركة وقوانين العود الأبدي محل الدورات الكونية، وظهرت الصهيونية حيث يحل الاستيطان في الأرض محل الالتصاق بالإله (ديفيقوت) ، وظهرت ما بعد الحداثة حيث يحل الاخترجلاف محل تبعثر الشرارات وانفصال الدال عن المدلول محل الجماتريا. الموضوعات الأساسية الكامنة في القبَّالاه وبنية الأفكار Major Themes of the Kabbalah and Structure of Ideas

стр. 5488

تطورت القبَّالاه وتراثها، عبر مراحل تاريخية عديدة، من قبَّالاة الزوهار إلى القبَّالاه اللوريانية، وانقسمت إلى أشكال مختلفة من قبَّالاه نظرية أو تأملية إلى قبَّالاه عملية. وحفلت هذه الاتجاهات والحركات على اختلافها بمفكرين عديدين، لكلٍّ إسهاماته وتفسيراته. وهذا الأمر ليس غريباً على حركة ذات طابع حلولي غنوصي إذ تلفح المفسر لفحة من الحلول الإلهي فيصبح مقدَّساً وتكتسب تفسيراته قدراً من القداسة. ومع ذلك، تظل هناك موضوعات أساسية وبنية عامة كامنة (نموذج كامن) تعبِّر عن نفسها من خلال الكتابات القبَّالية. والواقع أن وجود مثل هذه الموضوعات وتلك البنية هو ما يبرر لنا استخدام كلمة «قبَّالاه» للإشارة إلى هذه الكتابات كلها.

стр. 5489

وتوجد في القبَّالاه رؤية فيضية للخلق، ورؤية للشر وللإنسان، ولعلاقة الإله بالإنسان، وللشعب اليهودي ووضعه في العالم. كما أن التراث القبَّالي يستخدم مجموعة من الصور المجازية ذات دلالات فلسفية ونفسية وكونية عميقة. وسنحاول في هذا المدخل أن نبين تلك الموضوعات والصور المجازية التي تشكل نسيج البنية العامة. ويمكننا، منذ البداية، أن نقول إن القبَّالاه تَصدُر عن رؤية واحدية كونية تستند إلى ركيزة نهائية غير متجاوزة للنسق وإنما كامنة فيه. والبنية العامة للفكر القبَّالي بنية حلولية عضوية دائرية مغلقة حتى أن كل ما يظهر فيها من تعدُّد وتنوُّع أمر ظاهري، فداخل البنية الحلولية المغلقة تُردُّ كل الظواهر إلى مستوى واحد وتُلغى كل الثنائيات وتصبح كل الأشياء متقابلة ومتساوية بعضها مع البعض الآخر، ومع المطلق الكامن وراء كل شيء والذي يحل فيه ويتجسد من خلاله. فإذا كانت هذه البنية مُكوَّنة من (أ) و (ب) و (جـ) و (د) ، على سبيل المثال، فإننا سنكتشف أن (أ) هي، في نهاية الأمر، (ب) ، وأن (ب) هي مقابل (جـ) ومساوية لها، تماماً كما أن (جـ) و (د) متصلان ومتقابلان ومتساويان. ومن ثم، فإننا نكتشف أن (أ) هي (ب) و (ب) هي (جـ) و (جـ) هي (د) ، وهكذا، رغم كل التغيرات والتحولات. ولكن يُلاحَظ أن العكس يمكن أن يحدث أيضاً، فبدلاً من اختفاء الثنائيات وتَوحُّدها قد تتصلب وتتحول إلى ثنائية صلبة أي ثنوية. وهنا بدلاً من أن تكتسح دائرة القداسة الجميع نجد أنها تنغلق على نفسها تماماً ويتم تقسيم العالم على أساس قطبين متعارضين: الطاهر المقدَّس مقابل المدنَّس المباح.

стр. 5490

ويتبدَّى النسق المغلق في الرؤية القبَّالية لخلق العالم، فهذا الخلق لم يكن من العدم، ولم يتم دفعة واحدة كما هو الحال في الديانات التوحيدية، وإنما عن طريق الفيض الإلهي. وقد ذكر رفائيل باتاي أن رؤية القبَّالاه للإله تطورية، أي أن الإله وُجد، أو أوجَد نفسه على مراحل داخل الزمان. وقد تم خَلْق العالم من خلال عملية صيرورة مركبة بحيث يتحول اللاشيء الإلهي إلى الكيان الإلهي، ويتجه من الداخل إلى الخارج. وتبدأ هذه العملية في جذر الجذور، أي في «الإين سوف» التي يمكن أن تُترجَم إلى «اللانهائي» (أو «اللامحدود» أو «العلة الأولى» أو «الذي لا نظير له» ) الذي لا يستطيع العقل الإحاطة به. ولكن «الإين سوف» هو أيضاً «الآيين» (أو «اللاشيء» أو «العدم» أو «التخفي الإلهي» ) . ولذا، فإنه يُسمَّى «الإله الخفي» الذي لا يمكن أن يكون إلهاً بالمعنى المألوف للكلمة، كما لا يستطيع الإنسان أن يصل إليه. وقد أشارت إليه القبَّالاه بأنه «المطلق» الذي يقطن في أعماق العدم، وقد انبثق الآني (أي الأنا الإلهية) عن الآيين. ويشير القبَّاليون إلى أن الآيين والآني يضمان الحروف الساكنة نفسها وهو ما يشي بأن العدم والإله هما شيء واحد. وقد تمت عملية التحول هذه على شكل تطوُّر من الهو إلى الأنت إلى الأنا، على النحو التالي: الهو: الإله المتخفي المنفصل عن العالمين. الأنت: الإله الذي يعبِّر عن كيانه والذي يدركه الناس. الأنا: الإله المكتمل المتجلي الذي عبَّر عن كماله المطلق.

стр. 5491

وهذه هي المرحلة التي يمكن أن يقول فيها الإله لنفسه أنا، وأنا هذه هي الشخيناه، أي جماعة يسرائيل، وهي المرحلة التي يجد فيها الإله نفسه (وهذه الأفكار لها صداها في فلسفة مارتن بوبر الذي لم يكن يعرف التلمود، بل درس الفكر الحسيدي فقط وبالتالي الفكر القبَّالي) . وهكذا انبثق الإله من ذاته وظهر الآني من الآيين، أي من العدم، وظهرت هذه الخاصية العلوية السماوية التي تشكل بداية الفيض الإلهي، وكان يُقال لها «الفكر الإلهي» (محشفاه) ، ثم أُطلق عليها فيما بعد اسم «الإرادة الإلهية» ، الأمر الذي يبين تحوُّل القبَّالاه عن العقل والتأمل الفكري إلى الإرادة والرغبة. عند هذه النقطة، تبدأ سلسلة الفيض التي تنبثق من الإرادة الإلهية (سفيروت) ، وهي القدرات الإلهية الكامنة التي تتحول إلى القداسة المتجلية، والتي تأخذ شكل إشعاعات صادرة من النور الذاتي للإله على هيئة تجليات، وهذه الإشعاعات هي التي أوجدت العالم. ولذا، فإن السفيروت هي القوى الكامنة والتجليات النورانية نفسها، وهي أيضاً مراحل التجلي والبؤر والصفات الإلهية ودرجات الوجود الإلهي. لكن هذه الأشياء تشكل، أولاً وأخيراً، الوساطة بين الكون والإله وتكون بمنزلة حلقة الوصل بينهما، ولذا فإننا نترجمها بعبارة «التجليات النورانية العشرة» . وإذا كان الإين سوف يَصعُب إدراكه، فإن التجليات النورانية العشرة (سفيروت) على خلاف ذلك تماماً، فهي في مجموعها تشكل الإله الشخصي الذي يمكن إدراكه والذي يتوجه إليه المصلون (ويمكننا أن نرى الواحدية والازدواجية والتعددية) . ولتأكيد الواحدية والتعددية في وقت واحد، يُشبِّه القبَّاليون السفيروت بالألوان التي يراها الإنسان في قمم ألسنة اللهب، ويقرِّرون أن عملية الفيض هذه هي الطريقة التي خلق الإله بها ذاته ثم خلق بها العالم. ودرجات السفيروت، أو التجليات النورانية العشر، هي:

стр. 5492

١ ـ كيتر (أو كيثر) عليون، أي التاج الأعلى، وهو أيضاً الإرادة المقدَّسة أو الرغبة المقدَّسة، ويشار إليه أحياناً بالتاج وحسب، ويساوي بعض القبَّاليين بين التاج والإله الخفي (ديوس أبسكوندتيوس deus absconditus) فهو الإين سوف وهو أحياناً الآيين. ٢ ـ حوخمه، أي الحكمة، أول التجليات المتعيِّنة، وهي الفكر الإلهي الكوني الذي يسبق الخلق، والذي لا يقبل التقسيم، وهي تحتوي على النماذج المُثلى التي وضعها الخالق لكل العوالم، وهي العلة الذكرية الأولى. ٣ ـ بيناه، أي الفهم، وهو عكس الحكمة، فهو العقل الذي يميز بين الأشياء، ولذا فهو المرحلة التي يتحقق فيها النموذج الخفي ويأخذ شكلاً محدداً وهي العلة الأنثوية الأولى. ٤ ـ جيدولاه، أي العظمة، وأحياناً يشار إليها بلفظ «حسيد» ، وهي الحب الفائض للإله أو الرحمة. ٥ ـ جبوراه، أي القوة أو السلطة، وغالباً ما يشار إليها بلفظ «دين» ، أي الحكم الصارم، وهي مصدر الحكم الإلهي والشريعة. ٦ ـ تفئيريت، أي الجمال أو الجلال، ويُشار إليه أيضاً بلفظ «رحاميم» أي التعاطف، وهو الوسيط بين التجلي الرابع والتجلي الخامس ليأتي بالتناسق والرحمة للعالم. ويُقال إن هذا التجلي أهم التجليات، ربما لتوسُّطه كل التجليات ولدوره في عملية الخلق. ٧ ـ نيتسح، أي التحمل أو الأزلية (أو النصر) . ٨ ـ هود، أي الجلالة أو المجد أو العظمة. ٩ ـ يسود عولام، أي أساس العالم، ويُشار إليه أحياناً بلفظ «يسود» وحسب، أي الأساس، وكذلك على «التساديك» ، أي الصديق، أو الرجل التقي، وهو الذي ترتكز عليه كل التجليات السابقة. ١٠ ـ ملكوت، أي المملكة، أو عتاراه أي الجوهرة.

стр. 5493

وتفترض فكرة الفيض ثلاثة مفاهيم متناقضة: الواحدية والتعددية (أو الثنوية) والتقابلية. فالفيض يتم على مراحل تنتهي بجماعة يسرائيل ثم العالم. ولكل مرحلة من مراحل الفيض استقلالها وحيويتها ووظيفتها. ولكن فكرة الفيض تفترض أيضاً العكس، أي وجود وحدة تنتظم كل المخلوقات، وضمنها الإنسان، بل تنتظم الإله نفسه، بحيث يصبح الإله ومخلوقاته (أي الإله من جهة والإنسان والطبيعة من جهة أخرى) عناصر في وحدة متكاملة لها المصير نفسه ولا يفصلها فاصل. بل إن كل مراحل الفيض، رغم اختلافها، تصبح على مستوى من المستويات الشيء نفسه، وتحمل الصفات نفسها. ويرى القبَّاليون كذلك أن ثمة اتحاداً متوازياً، متقابلاً بين الإله وكل مخلوقاته، وأن السماء تشبه الأرض، والإله يشبه الإنسان، والتاريخ يشبه الطبيعة. وتقول إحدي أفكار التراث القبَّالي الأساسية: «كما في السماء كذلك في الأرض، كما في الداخل كذلك في الخارج» . ومعنى ذلك أن أجزاء البنية متوازية ومتساوية متعادلة، فهي إذن بنية مغلقة لا ثغرات فيها. وتظهر التقابلية في جميع الرموز المتواترة في التراث القبَّالي، والذي يصوِّر الإله وعملية الخلق والتجليات العشرة على هيئة شجرة، وعلى هيئة إنسان.

стр. 5494

ويُشار إلى التجليات العشرة باعتبارها «آدم قدمون» ، أي «الإنسان الأصلي» و «الإنسان الأزلي» الذي يُتوِّجه التاج، ويوجد الملكوت عند قدميه، وتشكل أعضاء جسمه التجليات العشرة. كما تشكل التجليات الثلاثة الأولى رأسه، والرابع والخامس ذراعاه، والسادس صدره، والسابع والثامن ساقاه، والتاسع عضوه الجنسي (عادةً المذكر) ، والعاشر إما يشير إلى الصورة كلها أو يشير إلى الأنثى التي تصاحب الذكر أو يشير إلى عضو التأنيث. كما كان يُصوَّر الآدم قدمون وإلى يساره كل الصفات السلبية، مثل الصرامة والاحتمال، وإلى يمينه الصفات الإيجابية. والإنسان، من هذا المنظور، صورة مصغرة (ميكروكوزم) للعالم الأكبر (ماكروكوزم) ، يكمن فيه كل من العالم السفلي المادي والعالم السامي الروحي وهو كذلك صورة مصغرة للإله. وتتكون الروح من ثلاث درجات يُطلَق عليها ما يلي: ١ ـ «نيفيش» ، أي «الحيوية» ، وهي مصدر القوة الحيوانية والحيوية، وتقابل الحياة المادية. ٢ ـ «رُوَّح» ، أي «الروح» ، وهي مصدر السمات الأخلاقية. ٣ ـ «نيشماه» ، أي «النفس» ، أعلى الدرجات الثلاث، وهي تلك الدرجة التي تجعل الإنسان قادراً على دراسة التوراة وإدراك كنه الإله. ويرى القبَّاليون أنها شرارة من بيناه (الفهم) ، وأنها غير قادرة على الخطيئة. وهذه الدرجة الروحية لا يصل إليها سوى التساديك (الصديق) .

стр. 5495

وقد حاول القبَّاليون إماطة اللثام عن الروح، وفك القيود التي تربطها، بحيث يمكنها أن تتصل بالتيار المقدَّس الذي يجري في الكون كله. ويرى القبَّاليون أن العذاب في الجحيم سيحل بالنيفيش وحسب، وليس بالنيشماه. ويرى بعض القبَّاليين أن جسم الإنسان ما هو إلا رداء للشرارة الإلهية، ويرى البعض الآخر أنه جزء من الجانب الآخر، بينما يرى فريق ثالث أن وظائفه الجنسية هي الطقوس المقدَّسة التي تصوِّر ما يدور في العالم العلوي. ويظهر التقابل في نهاية الأمر في فكرة التماثل بين الإله وروح الإنسان والكون وفي تَداخُل هذه الأشياء، وهو تَداخُل ينم عن حلولية النسق. وقد تَعرَّض القبَّاليون لفكرة الشر، وحاولوا حلها من خلال إطارهم الحلولي الواحدي أو التعددي (الثنوي) ، ثم من خلال فكرة التقابل. وكان القبَّاليون يقتربون من رؤية ثنوية للخير والشر، فالشر هو «السترا أحرا» (الجانب الآخر) . بل إن بعض القبَّاليين يتحدثون عن تجليات اليسار، وهي تجليات مضادة؛ قوى مظلمة دنسة تعادي قوى القداسة والخير، وتدخل في صراع شديد معها للسيطرة على العالم. ومن هنا كان اهتمام القبَّاليين بالجن سمائيل (الشيطان) وزوجته ليليت في القبَّالاه.

стр. 5496

وتوجد شجرتان في التصور القبَّالي: شجرة الحياة المقدَّسة التي هي خير خالص لا يختلط بها أي شر أو دنس أو موت، وهي الشجرة التي كانت تحكم العالم قبل السقوط. وهناك أيضاً شجرة المعرفة (معرفة الخير والشر، والطهارة والدنَّس، والفضيلة والرذيلة) وهي الشجرة التي تحكم هذا العالم، ولذا فإن الموت مرتبط بها. وترتبط بهاتين الشجرتين رؤية ما يُسمَّى بالتوراتين: توراة الفيض وتوراة الخلق. فهناك توراة واحدة (مكتوبة) لها معنى ظاهري مرتبط بهذا العالم ويشمل الأوامر والنواهي والوصايا والشرائع والتشريعات، وهذه الأشياء مرتبطة بشجرة المعرفة. أما التوراة الثانية، فهي توراة نورانية، توراة العالم الخالي من الدنَّس، ولذا فهي لا تحوي أي أوامر أو نواه بل تدعو إلى الحرية الكاملة وإلى خَرْق الشرائع، وهي مرتبطة بشجرة الحياة المقدَّسة، وهي توراة غير مكتوبة لا تدركها سوى عيون الماشيَّح والواصلون والعارفون بأسرار القبَّالاه. ويُلاحَظ أن الرؤية هنا رؤية ثنوية حادة تشبه من بعض الوجوه كتب الرؤى (أبوكاليبس) .

стр. 5497

ولكن القبَّاليين حاولوا أيضاً الاحتفاظ بإطار من الواحدية يُفسِّر الشر باعتباره القشرة الخارجية لشجرة التجليات النورانية والمحارة الخارجية التي تلف أشكال الوجود الدنيوي أو النمو المتطرف للحكم الصارم (دين) حينما ينفصل عن تجلِّي الحب الخالص. فالحكم الصارم داخل الذات الإلهية هو مجرد قوة محايدة، ولكنه حينما ينفصل عنها يصبح قوة مدمِّرة. وفي إطار الواحدية، تذهب القبَّالاه إلى أن التجليات المظلمة والقوى الشيطانية نفسها نبعت من الإله ولكنها انفصلت عنه، وهي بانفصالها أصبحت قوى شريرة، أي أن الشر هو تحطيم مؤقت وعارض للواحدية الكونية والمطلقة (وهو، من هذا المنظور، ليس له وجود حقيقي، وهو فقط انفصال شجرة الحياة عن شجرة المعرفة) . ومن هذا المنظور، يصبح الشر مجرد نتيجة جانبية وليس الجانب الآخر للقداسة الإلهية نفسها (مثل النفاية التي تبقى بعد تنقية الذهب أو الثُّفْل الذي يبقى بعد عصر الخمرة الجيدة) . ولما كان الشر تفرعاً عن التجليات الإلهية، فقد كان القبَّاليون يعتقدون أن ثمة شرارة مقدَّسة حتى في الجانب الآخر. ويُلاحَظ أن الرؤيتين الثنوية والواحدية للشر (باعتبار أن الأولى ترى أن الشر له وجود مستقل ومساو للخير، والثانية لا ترى أي وجود حقيقي له) متصلتان تماماً ومتشابهتان، فكلتاهما تخلع حتمية على الشر، بل نوعاً من القداسة! وقد أدَّى هذا في نهاية الأمر إلى شيوع الفكرة القائلة بالوصول إلى الخير عن طريق الرذيلة، في أوساط الشبتانيين والحسيديين، وهذا تعبير عن البنية المغلقة على المستوى الأخلاقي.

стр. 5498

وإلى جانب الإطار الثنوي والواحدي، حاول القبَّاليون حل مشكلة الشر انطلاقاً من صورة التقابل المجازية: فالعالم السفلي يتأثر بالعالم العلوي وبالتجليات المختلفة، فيأتي السلام والخير بتأثير الحسيد أو سفيروت الرحمة، والحرب والجوع بتأثير سفيروت (جبوراه) . ولكن العالم العلوي يتأثر بدوره بالعالم السفلي، فهما متقابلان. وثمة تفسير قبَّالي لقصة الشجرة التي أكل منها آدم وحواء باعتبارها الواقعة التي أدَّت إلى فصل التجليات السفلى (الملكوت) عن التجليات العليا، وإلى انفصال الإله عن الإنسان، ومن هنا تكون الخطيئة الأولى هي الانفصال الذي أدَّى إلى نفي الشخيناه (التعبير الأنثوي عن الإله) مع جماعة يسرائيل، أي أن خطيئة الإنسان قد أثَّرت في مصير الإله نفسه تأثيرها في مصير الإنسان. ومن هنا عظَم جُرم الإنسان الذي أدَّى إلى تَفتُّت الإله، ومن هنا أيضاً تأتي أهمية ممارسة الشعائر الدينية التي تجد صداها في العالم العلوي وتؤثر فيه. ولذا، يحاول أتقياء اليهود، من خلال صلواتهم وأفعالهم، أن يصلحوا الكون وأن يعيدوا الشخيناه من المنفى، وهذه هي الفكرة التي أصبحت أساسية في القبَّالاه اللوريانية ويُطلَق عليها عملية التيقون (الإصلاح) ، أي إصلاح الانفصال ورأب الصدع الذي حدث بين الإله والإنسان نتيجة خطيئة قطع الشجرة. وهذه الفكرة هي أدق تعبير عن الحلولية القبَّالية. وقد وردت في الأجاداه فكرة أن الإله يعتمد على الإنسان، بل إن الإنسان شريك الإله في عملية الخلق (ولهذا، فبوسعه التحكم في الأشياء الصالحة، ومن هنا ارتباط القبَّالاه بالسحر) . وفي القبَّالاه، تصبح مهمة الإنسان استعادة تناسق حياة الإله الداخلية التي تعتمد على إرادة الإنسان (ومرة أخرى، يبدو كلٌ من الإله والإنسان شريكاً في عملية الخلاص) . والواقع أن هناك تقابلاً بين الإله والإنسان وامتزاجاً كاملاً بينهما في الرؤية القبَّالية.

стр. 5499

ولعملية السقوط والانفصال أصداء مختلفة، فهي سقوط آدم وهي أيضاً سقوط أو هدم الهيكل، بل هي سقوط الكون كله. لكن جماعة يسرائيل، كما تقدَّم، هي جزء من الإله تُوجَد داخله، فهي التجلي أو السفيروت العاشر الذي هو الشخيناه (التعبير الأنثوي عن الإله) التي يتم نفىها مع الشعب اليهودي، ولذا، فإن نفي اليهود خارج أرض الميعاد له دلالات خاصة تفوق حالة النفي الكونية العامة، فنفيهم يعني تفتُّت الإله وتبعثره بل نفيه. ولهذا، فإن اليهود لهم مكانة مركزية في عملية الخلاص، إذ أن عليهم أن يحيوا حياة القداسة، والتركيز الصوفي وتنفيذ التعاليم الإلهية والتمسك بالشريعة. وبذلك يأتي الخلاص لليهود وللعالم بأسره، بل للإله نفسه، إذ أن الشخيناه، وهي وجه من أوجه الإله، لن تعود إلا بعودتهم، ولن يتم اكتمال وحدة الإله إلا بهذه العودة. وبذا، فإن وجود اليهود، وكذا أفعالهم، تُشكل أساساً لاتزان الكون ولعملية الخلاص الإلهية والبشرية. بل إن رحمة الإله لا تفيض إلا بسبب أفعالهم الخيرة، فتتحول حياة اليهود العادية إلى عملية مقدَّسة يستند إليها خلاص الكون نفسه.

стр. 5500

ويظهر التقابل، بل التطابق الكامل، بين الإله والإنسان وبين العالمين العلوي والسفلي، في استخدام القبَّاليين صورة مجازية جنسية عند الحديث عن الإله أو عن عملية الخلق. فالابن ـ وهو رمز ذكري واضح ـ (السفيروت السادس) يفيض بالرحمة الإلهية التي تنزل على التجلي العاشر الذي هو الشخيناه أو التعبير الأنثوي عن الإله، وهي أيضاً جماعة يسرائيل التي يُشار إليها بتعبير «بنت صهيون» (بات تسيون) . ومن خلال التفاعل بين عناصر الذكورة وعناصر الأنوثة، تفيض الرحمة على العالمين، وتتحد الذات الإلهية، وبذلك يصبح سر وحدة الإله والكون هو نفسه الوحدة الكونية. وتُستخدَم صورة الزواج المجازية للحديث عن علاقة الإله بالشعب (ونشيد الأنشاد هو نشيد زفاف الشعب إلى الإله!) . والواقع أننا نتحدث عن هذه الأفكار بوصفها صوراً مجازية، ولكن قد يكون من الأدق الحديث عنها باعتبارها مقولات إدراكية أو حتى وجوداً أنطولوجياً أكثر منها صوراً مجازية بالمعنى المألوف، إذ أن بعض القبَّاليين كانوا يدركون الإله على هذه الهيئة. والصورة المجازية الجنسية القذفية الفيضية تعبير عن البنية المغلقة.
следующие страницы →