← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

«أبوريا» كلمة يونانية تعني «الهوة التي لا قرار لها» . والهوة (أبوريا) عكس الحضور الكامل أو الأساس الذي نطمئن إليه، أو على وجه الدقة هي ما يتجاوز ثنائية الحضور والغياب. وإذا كان الحضور هو الحقيقة والثبات والتجاوز والعلاقة بين الدال والمدلول والتحامهما، فالهوة هي الصيرورة الكاملة التي لا يفلت من قبضتها شيء، فهي دليل على أن الواقع متغيِّر بشكل دائم. ولا هرب من التغير، فحتى التغير نفسه (شكله ـ طريقته ـ نمطه) متغير. والهوة دليل على أن اللغة قوة لا يمكن التحكم فيها. إن الهوة هي أحد أسماء المطلق/النسبي ما بعد الحداثي. وقد وصفها دريدا بأنها المحدد غير المحدد، والتناهي غير المتناهي، والحضور/كغياب. وفي لغة أكثر صوفية وإشراقية وبلاهة، وصفها في كتابه علم الكتابة (الجراماتولوجي) بأنها "طريقة التفكير في عالم المستقبل الذي لا مفر منه، والذي يعلن عن نفسه في الوقت الحاضر متجاوزاً انغلاق المعرفة ... إنها هي التي ستفصم الوعي تماماً عن المعيارية السائدة ... ولا يمكن الإعلان عنها وتقديمها إلا باعتبارها شكلاً من أشكال الوحشية". أما في الكتابة والاختلاف فإنه يشير إليها باعتبارها "الشيء الذي لا يمكن تسميته، النوع الذي لا نوع له.. الشكل الذي لا شكل له.. رؤية الوحشية المخيفة". وهذا خليط من أسماء الإله (شيم هامفوراش ـ إين سوف ـ آيين) والمفاهيم القبَّالية (شخيناه السوداء) .

стр. 6232

والهوة (أبوريا) مرتبطة تماماً بالنزعة الرحمية وفقدان الحدود والمسئولية والهوية، فهي تشير إلى عالم لا يوجد فيه أي ثبات ولا يوجد فيه أي توق لثبات. ولن تكون هناك عودة للميتافيزيقا والتمركز حول اللوجوس ولا حتى ما هو خلف الميتافيزيقا (ميتا ميتافيزيقا) . فهو دائماً بقاء في براءة الصيرورة، في عالم من الإشارات بلا خطأ، ولا يمكنها أن تخطئ لأنها لا تشير إلى أية حقيقة. فالإشارات بلا أصل (وهذا يعني في الخطاب ما بعد الحداثي، أن أصلها مادي في عالم الصيرورة، وأن الإنسان إنسان طبيعي/مادي) ، فهو عالم "تصاحبه ضحكة ما" و"رقصة ما" ... تأكيد فرح للعب العالم ونسيان نشيط للوجود (نيتشه في أصل الأخلاق) ، فهو لعب بلا أمن، لعبة الصدفة المطلقة حيث يستسلم الإنسان إلى اللامحدود، فالمستقبل غير مغلق وهو خطر كامل.

стр. 6233

والهوة هي النقطة التي تنفصل فيها سلسلة الدلالات عن سلسلة المدلولات، ويبدأ انزلاق الدوال وتبدأ عملية الاخترجلاف وتناثُر المعنى. والدلالات هي التي تبيِّن الهوة ولكنها هي أيضاً التي تخبئها. وسبب الاخترجلاف هو الهوة (أبوريا) ، فوجودها يمنع أن يتطابق الدال وأي مدلول ويظل المعنى مختلفاً ومُرْجَئاً دائماً. وكل النصوص تحوي داخلها هذه الهوة أو نقطة الفراغ أو تحوي عنصراً غير منطقي لا يستطيع النص أن يستوعبه، فهو تناقض داخل النص غير متسق معه. ومهمة الناقد التفكيكي هي أن يبحث عن هذه الهوة ويمسك بها، وقد شبهها أحد الدارسين بأنها مثل الخيط الذي إن أمسك به الناقد وجذبه انهدم البناء تماماً أو هي حجر الأساس داخل جدار ما (حجر مُفكَّك) إن جذبه الناقد تهدَّم البناء بأسره ويُلاحَظ أن المسألة ليست «تفكيكاً» (ديكُنستراكشن deconstruction) كما يدَّعون وإنما هو «تقويض» (ديستراكشن destraction) . ومع هذا، يقول التفكيكيون إنهم لم يهدموا البناء وإنما يبينون أنه مفكك وحسب، وأن البنية المتماسكة التي تظهر لعيوننا ليست سوى وهم إذ أنها لا أساس لها. فالتفكيكيون لا يفككون لأن كل شيء مُفكَّك متفكك من تلقاء نفسه، أو على الأقل عنده قابلية كامنة للتفكك! الكتابة/ القراءة Writing/ Reading

стр. 6234

«الكتابة/القراءة» هي إحدى الثنائيات المتعارضة التي روج لها البنيويون. وقد تطوَّر المفهوم على يد أنصار ما بعد الحداثة (أنصار ما بعد البنيوية) . والقراءة في هذا السياق هي النص المغلق الذي ينطوي على معنى ثابت ولا يدعو لمشاركة القارئ في عملية إنتاج المعنى، فهو متمركز حول فكرة (صدى للوجوس، أي الكلمة المطلقة، فالقراءة صدى للتمركز حول اللوجوس) ، أي أن النص هنا قد أفلت من قبضة الصيرورة. هذا على عكس الكتابة، فهي منظومة من القوائم التي تنطوي عليها تفاعلات نصية منفتحة دائماً على التفسير، فهي حمَّالة لمعان لا تكف عن التولد، وعلى نحو يؤكد إسهام القارئ في إنتاج الدلالة، فالنص المكتوب نص يدخل عالم التناص والصيرورة. وقد قال إدمون جابيس إن الشاعر هو رجل الكلمة والكتابة تماماً، مثل اليهودي، فكلاهما يحلم حلماً منفصلاً عن الواقع، حلم العودة إلى صهيون وحلم كتابة أجمل قصيدة، فالحلم المنفصل عن الواقع يشبه لعب الدوال حين لا تشير الدوال إلى شيء خارجها. وكل من الشاعر واليهودي لا يضرب بجذوره في أي موقف ثابت أو أرض محددة أو وطن دائم، فهم دائماً ليسوا هنا وإنما هناك، على وشك التحقق ولا يتحققون. ووطن الشاعر واليهودي ليس الأرض وإنما الكلمة (ديوان الشاعر وكتاب اليهودي المقدَّس) . لكن النصوص التي ينتجها اليهودي والشاعر هي نصوص مفتوحة، شكل من أشكال الكلام المنفيّ، كلام ليس له معنى نهائي، فالقصيدة تقع في قبضة الاخترجلاف الدائم والنص المقدَّس يقع في قبضة التفسيرات التي لا تنتهي. وكما أن الشاعر يخلق وطنه من خلال الكتابة، فإن اليهودي يفعل الشيء نفسه، فهو يفرض على النص المقدَّس تفسيرات مستمرة هي وطنه. والكلمات هي التي تختار الشاعر ولكنه هو الذي يلدها، والإله هو الذي اختار اليهود ولكنه لا يكتمل ولا يجمع شتات ذاته إلا من خلال اليهود. فصعوبة أن يكون الإنسان يهودياً هي نفسها صعوبة الكتابة (على حد قول دريدا) .

стр. 6235

الكتابة الكبرى أو الأصلية Archi-Ecriture; Proto-Writing «الكتابة الكبرى» أو «الكتابة الأصلية» أو «الكتابة بشكل عام» ترجمة لمصطلح ابتكره دريدا، وهو «آرشي إكرتيير archi-ecriture» ، وهي كلمة فرنسية مركبة تُرجمت إلى الإنجليزية بلفظة «بروتو رايتنج proto writing» بمعنى «الكتابة الأصلية أو الأولية» ، و «أوريجينال تكست original text» بمعنى «النص الأصلي» . كما أن كلمة «ecriture» الفرنسية تعني أحياناً «سكريبتشر scripture» أي «النص المقدَّس» . وكل هذا الإسهال اللفظي مرتبط بإحدى الثنائيات التي يود دريدا محوها، وهي ثنائية المنطوق المكتوب وأسبقية الأول على الثاني، أي أسبقية الفكر على اللغة ومن ثم إفلاته من قبضة الصيرورة والاخترجلاف. ولكن لابد من أن تُقلَب الأمور رأساً على عقب حتى يمكن «إثبات» أسبقية اللغة على الفكر، وحتى يقع كل شيء في قبضة الاخترجلاف والصيرورة والحركة الدائمة. ولذا، يقرِّر دريدا أن الكلام المنطوق إن هو إلا صدى لنص أصلي أو أولي يوجد في عقل الإنسان قبل تقسيم الكلمة إلى دال ومدلول ويتجاوز القسمة المبتذلة إلى كلام وكتابة. وبذا، فإن الكلمة المنطوقة التي يتفوه بها الإنسان هي في واقع الأمر صدى لنص مكتوب أولي في عقله. ولا يوجد أي دليل أو سند تاريخي لإثبات هذه النظرية، ولكن هناك رغبة أيديولوجية عند دريدا لإثباتها. وهذا يعود إلى أنه يحاول أن يزيح المتكلم الذي ينطق بالكلام، فهو عنصر إنساني واضح متعين له بنية وقصد ووعي، وهو يشير إلى واقع موضوعي يتحدث عنه. فالمتحدث كيان يصعب تفكيكه، فهو ذات تشير إلى موضوع، توجد فكرة في عقله ومن ثم فإن وجوده تأكيد للحضور والتمركز حول اللوجوس. أما مفهوم الكتابة الأصلية الموجودة في عقل الجميع، فهو يزيح المتحدث تماماً ومن ثم يُنهي وهم الحضور.

стр. 6236

ولا شك في أن أسطورة الكتابة الكبرى أو الأصلية هي محاولة من قبَل دريدا لأن يرفض الرؤية التوحيدية للخلق، أي أن الله خلق آدم وعَلَّمه الأسماء كلها (المعرفة ـ العقل ـ اللوجوس) ، وبث النور في صدره، نوراً معقولاً وليس محسوساً، وانطلاقاً من هذا نطق آدم وسمَّى الحيوانات والنباتات، فهي رؤية متمركزة حول اللوجوس. أما دريدا فيرى ضرورة أن يدفع بكل شيء في دوامة الصيرورة، فكل نص يحيلك إلى نص آخر وكل النصوص صدى لهذا النص الأصلي الذي لم ولن يقرأه أحد (يُذكِّرنا بتوراة الفيض الإشراقية الخفية في القبَّالاه اللوريانية المكتوبة بحبر أبيض لا يراه أحد سوى أصحاب الغنوص والعرفان) . التمركز حول المنطوق Phonocentric «التمركز حول المنطوق» ترجمة لكلمة «فونوسنتريك phonocentric» من كلمة «فونو phono» بمعنى «صوت» و «سنتر centre» بمعنى «مركز» . وهي إحدى الإشكاليات الفلسفية التي يطرحها دريدا وهي مرتبطة تمام الارتباط بهجومه على الأفكار الكلية، وبفكرة الحقيقة والحضور، بمحاولة دفع كل شيء في قبضة الصيرورة. ويرى دريدا أن الحضارة الغربية (بل الفكر الإنساني) متمركزة حول اللوجوس (مطلق ما متجاوز للتفاصيل الحسية المباشرة يقع خارج شبكة لعب الدوال) يمكن ترتيب الواقع في إطاره. يأخذ هذا الترتيب شكلاً هرمياً داخله ثنائيات متعارضة، وداخل الثنائية نفسها ثمة أسبقية أو أفضلية لأحد طرفيها. ويرى دريدا أن تراث الحضارة الغربية الفكري يقوم على ثنائية المنطوق/المكتوب، وأن المنطوق له أولوية وأسبقية على المكتوب، أي أن اللغة المنطوقة في مرتبة أعلى من اللغة المكتوبة بحيث يمكن اعتبار اللغة المكتوبة تابعة للغة المنطوقة.

стр. 6237

وقد تبدو هذه الإشكالية وكأنها إشكالية أكاديمية خاصة بعلماء اللغة يمكنهم وحدهم النقاش بشأنها. ولكننا سنجد أن الأمر أبعد ما يكون عن ذلك، فهو مرتبط تمام الارتباط برغبة دريدا في إنكار أية أصول متجاوزة وأي ثبات وأية كليات وذلك حتى تسود الصيرورة الكاملة والحسية والجزئية. فالكلام المنطوق يَصدُر عن جسد حي وعقل مفكر بشكل مباشر وذات مستقلة حرة وشخص ممسك بدلالة الكلمات يتحدث إليك مباشرةً، فإن لم تفهم ما يقوله فأنت تطلب منه إيضاحاً فيجيبك، وبوسعه أن يُعدِّل ما يقول أو يتحفظ عليه، فهناك معنى داخله لم يتم الإفصاح عنه. والكلام المنطوق يفترض أن فحوى الكلمات موجود بشكل مباشر في وعي الناطق، وهو ما يعني أن كلماته (دواله) تربطها علاقة مباشرة وذات مغزى بالمدلول. هذا يعني أن المعنى له أسبقية على الكلام، وأنه منفصل عن النظام الدلالي، وأنه قد هرب من الصيرورة المتمثلة في رقص الدوال، واللغة إن هي إلا أداة (المعنى في بطن الشاعر قبل أن يتحول إلى قصيدة) . والشخص الحي الناطق بالكلمات هنا هو الوسيط بين المعنى الذي في عقله واللغة التي ينطقها. إن الكلام المنطوق تنطق به ذات إنسانية متماسكة تتحدث عن أفكار مستقرة في الذهن، فكأن هناك ذاتاً مستقرة وموضوعاً مستقراً. والمنطوق، بذلك، يشير إلى الأصل (الحضور واللوجوس) بشكل مباشر وبدون وساطة، فهو أقرب إليه وهو أكثر قرباً من نقطة الحضور من المكتوب وأكثر شفافية.

стр. 6238

هذا على عكس الكلام المكتوب، فكاتبه غائب بعيد لا يتفاعل مع المتلقين بشكل مباشر، والنص المكتوب يُفترض فيه أنه تعبير غير مباشر يصل إلى المتلقي من خلال القلم والمطبعة والأوراق. فإذا لم يفهم المتلقي ما جاء فيه، فلا يمكنه الاستفسار عن معناه من الكاتب، فالنص المكتوب منفصل عن كاتبه، كُتب على الورق وأصبح نصاً يمكن تداوله وإعادة طبعه وتفسيره، ويمكن استخدامه بطرق لا يمكن أن تطرأ للإنسان الذي كتبه على بال. وبهذا، فإن المكتوب لا يشير إلى الحضور وإنما يعبر عنه وحسب، فهو منفصل عنه. الكتابة، بهذا، تسرق من الإنسان وجوده، فهي طريقة ثانوية للاتصال أكثر بعداً عن اللوجوس، ولذا فإن التراث الغربي (وأي نظام متمركز حول اللوجوس) يفضل المنطوق على المكتوب. وأي تفضيل للمنطوق على المكتوب هو تعبير عن التمركز حول اللوجوس وعن الميتافيزيقا المتعالية المرتبطة بذلك. وليس هناك أدلة تاريخية تؤيد ادعاء دريدا عن تمركُز الحضارة الغربية حول المنطوق، فهي شأنها شأن معظم الحضارات الأخرى تُعطي مكانة أعلى لما يُسمَّى في علم الأنثروبولوجيا «التراث السامي» أو «التراث الراقي» أو «التراث الأعلى» (بالإنجليزية: هاي تراديشان high tradition) وهو التراث المكتوب للأرستقراطية، مقابل «التراث الأدنى» أو «التراث الشعبي» (بالإنجليزية: لوتراديشن low tradition) وهو التراث الشعبي الشفهي. كما أن معظم الحضارات الكبرى تدور حول نصوص مقدسة مكتوبة، يحاول البشر توليد معان منها يمكنهم من خلالها ضبط ممارساتهم اليومية وتقييمها. والحضارة الغربية أصبحت تدور، بعد سقوط الوثنية الرومانية على وجه خاص، حول العهدين القديم والجديد (الكتاب المقدَّس) . فهم أهل كتاب (حسب التعبير الإسلامي) .

стр. 6239

ولذا، فيجب أن نرى هجوم دريدا على المنطوق وتأكيد أسبقية المكتوب باعتباره جزءاً من ترسانته الفكرية التي يطوِّرها للهجوم على اللوجوس باعتباره أساساً فلسفياً وباعتباره مركزاً ومصدراً للمعقولية والمعيارية والثبات، هو هجوم على ما يسميه «المدلول المتجاوز» (الإله ـ الكل المتجاوز) الذي يمكن أن يوقف لعب الدوال والذي يدركه الإنسان مباشرةً من خلال تجربته الإنسانية المباشرة. إن المنطوق هو صدى كلمة الإله المعقولة التي يدركها ويعقلها المرء مباشرةً من خلال تجربته الإنسانية المباشرة، واستناداً لإنسانيته المشتركة مع الآخرين، وهي ليست تجربة مادية محسوسة. والمنطوق من ثم هو صدى الحضور الإلهي أو الكلي في فؤاد الإنسان، فهو يشير إلى أصول الإنسان الربانية. وما يحل محل المنطوق ليس المكتوب، كما يدَّعي دريدا، فنحن نعرف أن المكتوب والمدوَّن أكثر ثباتاً وتركيباً من المنطوق. والحضارات المركبة - كما أسلفنا - تعتمد دائماً على نص مقدَّس مكتوب يتجاوز ذاكرة الأفراد وصيرورة حياتهم الفردية المتغيرة. وما يحل محل المنطوق هو ما يسميه دريدا «النص» ، والنص هو نص مكتوب فَقَد علاقته بكاتبه. ولذا فإنه، رغم ثباته، مجرد كلمات مثبتة على ورق (حبر على ورق) ومؤلفه قد «مات» وانفصل عن النص وأصبح مجرد علامات محسوسة على الصفحة يمكن أن يفعل بها الناقد ما يريد لأنها دخلت شبكة الدوال والصيرورة، فكل كلمة تشير إلى كلمة أخرى، وكل نص يشير إلى نص آخر، وهي عملية تستمر إلى ما لا نهاية إن لم يوقفها مدلول متجاوز. والهجوم هنا هو هجوم على عالم ما قبل اللغة، عالم الإيمان الذي يحتوي على المفاهيم الكلية، وهو هجوم على أي نص (مكتوباً كان أم منطوقاً) ما دام متمركزاً حول اللوجوس والأصل والمبدأ، وعلى ما يقترن به من مفهوم الغائية والعلم. ويمكن هنا، أن نتحدث عن موت النص أو تقسيمه أو فقدانه حدوده وهويته. وهنا يصبح الثابت متحولاً والكل جزئياً والمطلق

стр. 6240

نسبياً. وبدلاً من المؤلف يظهر صاحب الإرادة، وبدلاً من النص الذي ينقل للقارئ معنى كامناً في عقل المؤلف يظهر المفسر الذي يستولي على النص ليولد منه ما يشاء من معان. وهذا، في واقع الأمر، صدى لثنائية الشريعة المكتوبة والشريعة الشفهية في العقيدة اليهودية. فالشريعة المكتوبة هي التوراة التي أرسلها الإله، كلامها واضح وبإمكان من يود أن يفهمها أن يفعل، وأن يفسرها دون أن يخل بمعناها، ويمكن الاحتكام لها. ومن هنا، طوَّر الحاخامات فكرة الشريعة الشفوية ومفادها أنه حينما أعطى الإله الشريعة المكتوبة لموسى فوق سيناء، أعطاه أيضاً الشريعة الشفهية (المنطوقة) التي يتوارثها الحاخامات، وتفسيرات الحاخامات هي هذه الشريعة الشفهية. وهي تفسيرات لا تنتهي عبر الأجيال، فهي حالة صيرورة تستبعد الإله وتميت النص فيفرض الحاخام/المفسر إرادته على النص، حتى أن التفسير (التلمود) أصبح يَجُّب الأصل (التوراة) وحلت إرادة المفسر (الحاخام) محل إرادة المؤلف (الإله) . وقد تدهور الأمر مع التراث القبَّالي (الذي تأثر به كثير من أنصار ما بعد الحداثة) إذ أصبح هناك التصور القائل بأن التوراة المكتوبة المتداولة غير التوراة الباطنية التي لا يراها إلا المفسر القبَّالي، ومن هنا يكون الفرق بين توارة الخلق وتوراة الفيض. ورغم أن التفسيرات الحاخامية يُطلَق عليها تعبير «شريعة شفهية» ، إلا أنها تعادل في واقع الأمر ما يسميه دريدا «النص» (المكتوب) ، أي الكلام الذي دخل عالم الصيرورة ولعب الدوال وانفصل عن مؤلفه وتعدَّى حدوده وأصبح خاضعاً لإرادة الحاخام/المفسِّر. أما التوراة المكتوبة فهي المنطوق المتمركز حول اللوجوس، وهي ما يُشار إليه بكلمة «العمل» الذي له حدود واضحة.

стр. 6241

القضية، إذن، ليست قضية المنطوق مقابل المكتوب، بل هي قضية المرجعية واللامرجعية، والمكتوب هنا تعني ما لا حدود ولا مرجعية له! كما تعني تأكيد أن الإشارة تسبق المعنى وأن اللغة تسبق الواقع (وأن المادة تسبق الوعي وأن القوة تسبق الحقيقة وأن الحاخام والشعب اليهودي يسبقان الإله، وأن المسألة مسألة إرادة القوة والمفسر/الحاخام) وأن كل شيء في قبضة صيرورة عمياء. العمل والنص Work and Text يطلق أنصار ما بعد الحداثة على النص الذي له حدود ومعنى ومركز كلمة «عمل» (بالإنجليزية: ويرك work) ، مقابل النص الذي لا حدود له ولا مركز. والعمل، في تصوُّرهم، يتسم بأنه متماسك ويشير إلى صانعه الأول وينطوي على معنى الغائية، وهو بهذا قد أفلت من قبضة الصيرورة وحقَّق ثباتاً وتماسكاً ومن ثم تجاوزاً. وقد تصاعدت النسبية المعرفية، فازداد إحساس الفنان بتفرده وغربته وبعدم اكتراث المتلقين وبَذَل جهوداً غير عادية لكي يخلق مسافة بين العمل الفني والواقع المتشيئ، ولذا يبدأ النص في الاستقلال عن الواقع ويزداد الكاتب إحساساً بذاتيته. ولذا، نجد أن معاني النصوص تختلط بل يرسل كل نص أكثر من رسالة، كما أن كل نص يحاول أن يرسل رسالة فريدة فيتخذ أشكالاً فريدة ويتزايد التجريب. ورغم كل هذا، فإن ثمة محاولة مأساوية ملهاوية عبثية لإرسال رسالة ذات معنى. والناقد، هو الآخر، يزداد انغلاقاً على نفسه فينظر إلى النص مباشرةً ويعزله عن الواقع وعن المؤلف ويلتهمه، ولذا فإنه لا تهمه الخلفية التاريخية أو النفسية ولا يهمه قصد المؤلف أو وعيه. ومع هذا، تستمر محاولة الناقد في التفسير والاجتهاد والوصول إلى الأبعاد الإنسانية الكامنة في العمل الفني التي قد تساعد الإنسان على تجاوز واقعه رغم استحالة التجاوز.

стр. 6242

وفي عصر ما بعد الحداثة (وما بعد البنيوية) تتغيَّر الصورة تماماً إذ تَسقُط الكليات والثوابت، وكل شيء، وضمن ذلك النص، في عالم الصيرورة الذي لا مركز له، والنص نفسه يشبه دوامة الصيرورة. فالنص متعدد المعاني بشكل مطلق لأنه يستحيل الاتفاق على معنى أو معيار متجاوز. ولذا، فإن هناك معاني بعدد القراء، فهي مجرد مجال عشوائي للعب الدوال ورقصها والشفرات المتداخلة، فهي معان لا يربطها مركز واحد وليست مستقرة، إلى أن يتبدَّد المعنى ويصبح البحث عنه نوعاً من العبث النقدي. ويؤدي هذا إلى حالة من السيولة وإلى اختفاء الحقيقة وتَعدُّد المعاني. وتذهب سوزان هاندلمان إلى أن التعددية عند دريدا هي محاولة لنقل الشرك إلى عالم الكتابة، وإنكار إمكانية التجاوز. بحيث يحل تعدد المعنى محل تعدد الآلهة، وتصبح تعددية المعنى إنكاراً للمعنى وإنكاراً للتواصل بين البشر، أي أن تعددية المعنى هي في واقع الأمر إنكار لمقدرة الإنسان على التجاوز وإنكار لظاهرة الإنسان نفسها. وكلما ازدادت تعددية النص، تعذَّر بل استحال الوصول إلى «أصل» ، سواء أكان صوت المؤلف أم مضموناً يحاكي الواقع أم حقيقة فلسفية. وإن كانت هناك حقيقة ما، فهي في داخل النص وليست خارجه، ولا يوجد شيء خارج النص. ولكن، إذا كان لا يوجد خارج للنص فلا داخل له أيضاً، فليس هناك مضمون محدد (وهذا تعبير عن محاولة أنصار ما بعد الحداثة لإلغاء الثنائية: ثنائية الداخل والخارج) . والنص، في هذا، مثل المجتمع الاستهلاكي، فنحن ننتج لنستهلك ونستهلك لننتج، ولا يوجد شيء خارج حلقة الإنتاج والاستهلاك ولا يوجد شيء داخلها أيضاً، فهي لا تؤدي إلى تَحقُّق إمكانيات الإنسان وإنما تؤدي إلى مزيد من الاستهلاك.

стр. 6243

لا يوجد شيء أكيد في النص سوى الحيز والفراغات بين الحروف المكتوبة بالحبر، فالنص أسود على أبيض (بالإنجليزية: بلاك أون بلانك black on blank) ؛ مجرد حبر على ورق؛ شيء محسوس مادي؛ علامات بين إشارات صماء بينها فراغات صماء لا تشير إلى شيء خارج نفسها ولكنها لا حدود لها. فلعب الدلالات لا نهاية له ولا يتوقف إلا بشكل عشوائي وعرضي، عند هامش الصفحة وفي نهايتها مثلاً. وعبارة «حبر على ورق» تحمل كل تضمينات السطحية كما هو في العبارة العربية، مع فارق أن ما بعد الحداثي يقبل هذا كحقيقة إيجابية إذ يرى فيها حرية وأيما حرية. والاخترجلاف هو العنصر الأساسي داخل النص، أما التناص فهو العنصر الأساسي خارجه، فالمعنى داخل النص يَسقُط في شبكة الصيرورة من خلال الاخترجلاف، ويسقط النص ككل في الصيرورة من خلال التناص. فالتناص هو الاخترجلاف على مستوى النصوص. فكل نص يقف بين نصين، واحد قبله وواحد بعده، وهو يفقد حدوده في ما قبله وفي ما بعده، وفي كل النصوص الأخرى التي تركت آثارها على النصوص التي تسبقها وعلى النصوص التي تأتي بعدها، فكل نص هو أثر أو صدى لكل النصوص الأخرى حتى يفقد النص هويته ويصبح مجرد وقع. والنص يفيض ويلتحم بالنصوص الأخرى (تماماً كما تفيض اللغة داخل النص بفائض في المعنى لا يُستوعَب داخل حدود النص نفسه، تماماً مثل الذات التي تفقد تماسكها فتلتحم بالذوات الأخرى) . كل هذا يعني أن النص يوجد في كل النصوص الأخرى من خلال آثاره التي يتركها ولكنه لا يوجد بشكل كامل في أي مكان، فهو حاضر غائب دائماً، إن حالة التناص هذه حالة سيولة رحمية.

стр. 6244

والتناص يعني تضاؤل قيمة النص المعرفية أو الأخلاقية. وإذا كان المجاز لا يشير إلى الحقيقة وإنما يخبئها، وإذا كانت الصورة المجازية لا تتسم بالشفافية مثلما أن اللغة ليست وسيلة أو شكلاً وإنما غاية ومضمون، فهذا يعني أن الصور المجازية تصبح مفاهيم والمفاهيم تصبح صوراً مجازية وتصبح النصوص مجموعة من الحيل البلاغية، وبذا تتحول كل النصوص (فلسفية أو إخبارية) إلى نصوص أدبية، أي أن التناص لا يؤدي إلى تداخل كل النصوص الأدبية وحسب وإنما إلى تداخل كل النصوص من كل الأنواع. ومع اختفاء حدود النص وتعدديته، ومع تزايد انفتاحه، زادت إمكانية التفسيرات. وقد عُرِّف النص ما بعد الحداثي بأنه «آلة لتوليد التفسيرات» أي «تكأة» أو «مناسبة» أو «حيز» يمارس فيه الناقد إرادته. والناقد هو القارئ القوي الذي يعيد إنتاج النص ويعمل على تخليقه حسب المواصفات التي يراها. والقراءة هي أحد الجيوب الأخيرة التي لم تحتلها الحضارة الاستهلاكية بعد. ومن هنا الإصرار على الحرية الكاملة في القراءة وعلى لذة القراءة باعتبارها لذة جنسية؛ ممارسة كاملة للصيرورة دون وسائط ودون قيود، وإحساساً كاملاً بالإرادة (فالناقد هو سوبرمان نيتشه) . فهو الذي يفرض المعنى، ولذا فهو حر تماماً، حتى في أن ينحت لغة خاصة به. وما يسيطر هنا هو نموذج صراعي، فاللغة تصارع ضد من يستخدمها وتهزمه، وبدلاً من أن تكون أداة للتعبير تصبح عائقاً. والناقد يضطر إلى قتل الأديب والنص ليفرض معناه. والناقد هنا يشبه تماماً الحاخام المفسر في المنظومة القبَّالية الذي يفرض أي معنى يشاء على التوراة، وذلك من خلال الجماتريا وأشكال التفسير الأخرى. وإرادة الحاخام هي أثر يجري فرضه على التوراة، والتفسير الذي يطرحه هو قراءة تَجبُّ النص الإلهي وتحل محله، ومن ثم حلَّ التلمود (وهو كتاب تفسير التوراة) محل التوراة نفسها.

стр. 6245

والنص، كما أسلفنا، مجرد فراغ تلعب داخله الدلالات، ويمكن للناقد أن ينزلق فيه كما يشاء، ويمارس أقصى حرية يمكن أن يتمتع بها الإنسان في عصر ما بعد الحداثة، وهي لذة التفكيك التي يبيِّن من خلالها أن النص يقول ما لا يعني، ويعني ما لا يقول، حتى نصل إلى الهوة (أبوريا) : الطريق المسدود والتناقضات التي لا يمكن أن تُحسَم. والأبوريا هي الحقيقة الوحيدة التي يمكن الوصول إليها. ولكن إذا كانت الحقيقة الوحيدة هي الهاوية، فإن مهمة الناقد هي أن يفتح النص المنغلق على الهوة، وهو انغلاق وهمي على أية حال، وهي هوة للمعاني المختلفة المرجأة التي تقودنا إلى نقطة تليها تحتوي على معان أخرى مختلفة مرجأة أيضاً، وهكذا نظن أننا سنصل إليها ولكننا لا نصل إليها أبداً. ولكن حتى الناقد نفسه أسير النص اللغوي وشبكة الدلالات، ولذا فهو حينما يتحدث فإنه يتحدث لنفسه عن نفسه، ذلك لأن الكلمات لا تقول ما يعنيه هو وإنما ما تعنيه هي، فكلماته واقعة في شبكة الصيرورة ولعب الدلالات، ولذا فكل قراءة هي إساءة قراءة (بالإنجليزية: ميس ريدنج misreading) . وهذه هي القراءة الوحيدة الممكنة. فاللغة لا توصِّل، وكلنا واقعون في شبكة الصيرورة، لا نملك التواصل ولا نستطيع إلا اللعب وإساءة القراءة وسوء التفسير.

стр. 6246

وأفضل النصوص هي النصوص المكتوبة (لا المنطوقة) ، فالنص المكتوب ينفصل عن مبدعه ولذا لا يمكن إغلاقه، ويستطيع الناقد أن يتلقاه ويفرض إرادته عليه ويقوم بربط بعض أجزائه التي لم يقم المؤلف نفسه بالربط بينها (أي أن القارئ يصبح هو الكاتب) . وهو يرى علامات غير مقصودة وأصداء وآثاراً للنصوص الأخرى. فالقراءة تعكس ذات القارئ وتستبعد ذات الكاتب (مرة أخرى، الصراع بين الإله/الكاتب والحاخام/القارئ المفسر) . ومن هنا تفضيلهم المكتوب على المنطوق، والنصوص ذات الخصائص الكتابية (الحركية المنفتحة التي ترقص فيها الدوال والتي لا مركز لها ولا أساس) على النصوص ذات الخصائص القرائية (الساكنة الجامدة ذات الهيكل الثابت من القيم التي تخطاها الزمن، أي التي أفلتت من قبضة الصيرورة والتي يرتبط فيها الدال بالمدلول) . كل هذا يعني، في واقع الأمر، موت المؤلف ثم موت القارئ، وأخيراً موت النص ليقع جثة هامدة أو حيواناً أعجم أو امرأة لعوباً في يد الناقد. وكل هذا يعني أن هذه المرأة اللعوب ستقود الناقد (آخر ممثلي الوعي الإنساني واحتمال التفسير) في هوة الصيرورة!

стр. 6247

ولقد أعطانا دريدا مثلاً للنص ما بعد الحداثي المثالي، وهو عبارة كتبها نيتشه مكوَّنة من كلمتين «نسيت مظلتي» . هذا نص منفتح تماماً، فليس له سياق تاريخي، فقد فُقد مثل هذا السياق للأبد ولا نعرف قصد المؤلف، ولا يمكن تحديد استجابة القارئ له. ولأن المؤلف نفسه قد مات، فإنه لن يشرح لنا المناسبة ولا القصد، ولذا فإن النص متحرِّر من القصد ومن الكلام الشفوي، فهو نص مكتوب. ويرفض دريدا كذلك أن تُقرَأ العبارة قراءة فرويدية (فالمظلة وهي مغلقة يمكن أن تكون القضيب وإن فتحت يمكن أن تكون عضو التأنيث، والنسيان هو عملية الإخصاء، وفتح المظلة هو عملية الاقتحام الجنسي ... إلخ) . ولكن دريدا يرفض التفسير الفرويدي لا لأنه تَعسُّف وتأويل مُبتسَر، بل لأن هذا يعني فرض معنى ما على النص؛ فهذا النص بالنسبة له نص بريء تماماً لا حدود له؛ إشارة بلا شيء يُشار إليه؛ دال بلا مدلول؛ كلمات بلا قصد؛ جُمَل بلا وعي؛ ظاهر أو باطن بلا أصل (رباني) . هذا هو لعب الدلالات الحقيقي فهي دلالات تستعصي على كل تفسير، ولذا ستظل بلا معنى تستفز المفسر وتثير أعصابه. وقد يمكن أن نقول إن العبارة لا يزيد معناها ولا ينقص عن أية جملة أخرى، ولكن العبارة لا يمكن أن تتركنا وشأننا، فلعب الدوال سيغوينا لنقوم بعملية التفسير، ونحن لا نملك أي تفسير، أي أننا نحن أنفسنا نسقط في الهوة، وهي المنطقة بين الذات والموضوع التي لا هي بالذات ولا بالموضوع ولا هي بالحقيقي ولا بالزائف؛ عالم صيرورة حيث لا حدود ولا هوية وإنما سيولة نصوصية مريحة تشبه الرحم قبل الميلاد والنضج وتشبه آدم وهو بعد طين لم ينفخ الله فيه من روحه ولم يعلمه الأسماء كلها.

стр. 6248

وثمة تَبادُل اختياري بين اليهودية الحاخامية ووضع اليهود من جهة وفكرة النص ما بعد الحداثي من جهة أخرى. فاليهودية الحاخامية تفرض تفسيراً على النص المقدَّس فيتناصّ النص المقدَّس مع النصوص التفسيرية، ثم تتناصّ التفسيرات نفسها ولا تنتهي هذه العملية. واليهودي المتجول المغترب ليس له مضمون محدد، فهناك اليهودي الأرثوذكسي واليهودي الملحد. وقد عُرِّف اليهودي بأنه «من يراه الآخرون كذلك» كما عُرِّف بأنه «من يشعر في قرارة نفسه بذلك» . فتعددية التعريفات تعني أنه لا يوجد يهودي، فاليهودي مثل النص ما بعد الحداثي، ولذا يُسأل في الدولة اليهودية: من اليهودي؟ هو كل شيء ولا شيء، بسبب التعددية المفرطة. ويرى جابيس أن أهم نقطة في اليهودية هي النقطة التي حطم فيها موسى الوصايا العشر ولم يكن قد تَلقَّى النسخة الجديدة بعد. هذه اللحظة أهم اللحظات، فهي لحظة حضور/غياب، شريعة غائبة/ موجودة. ويرى جابيس أن النص اليهودي (التفسيرات الحاخامية) نشأ في الشقوق التي نتجت عن تحطيم الوصايا العشر، فهو كالأعشاب والطحالب التي تقتل النباتات. جيرشوم شوليم (١٨٩٧ – ١٩٨٢ ( Jershom Scholem

стр. 6249

مؤرخ يهودي صهيوني من أصل ألماني، تَخصَّص في دراسة القبَّالاه وفك رموزها حتى ارتبط اسمه بها تماماً. وُلد شوليم في ألمانيا لأسرة يهودية مندمجة وقد تمرَّد على هذه الثقافة الاندماجية واتجه نحو حركات الشباب الصهيونية تحت تأثير مارتن بوبر. ولكنه اختلف معه أثناء الحرب العالمية الأولى إذ يبدو أن بوبر أيَّد الحرب، ولكن شوليم تبنَّى موقف جماعة داعية للسلام رافضة للحرب برئاسة جوستاف لانداور. ولكن موقف شوليم كان لا ينبع من أي حب للسلام أو أي عداء للحرب وإنما من موقف انعزالي يرى أن اليهود أمة عضوية لا علاقة لها بأوربا أو بحروبها وأن عليهم أن يهاجروا إلى فلسطين لتأسيس دولة صهيونية، أي أن الخلاف بينه وبين بوبر لم يكن جوهرياً إذ أن بوبر كان هو الآخر من دعاة القومية اليهودية العضوية (أي الصهيونية (. وقد درس شوليم الفلسفة والرياضيات في بادئ الأمر. ولكنه قرَّر أن يتخصص في القبَّالاه فتَعلَّم قراءة النصوص العبرية وكتب رسالة عن كتاب الباهير نال عنها درجة الدكتوراه من جامعة ميونيخ عام ١٩٢٢. وفي العام التالي، هاجر شوليم إلى فلسطين حيث عُيِّن في الجامعة العبرية محاضراً في التصوف اليهودي ثم أستاذاً وظل فيها إلى أن تقاعد عام ١٩٦٥ بعد أن جعل القبَّالاه موضوعاً أساسياً للدراسة ومكوناً أساسياً في تفكير كثير من المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية (مثل وولتر بنجامين وهارولد بلوم (.

стр. 6250

كان كثير من المفكرين من أعضاء الجماعات اليهودية، انطلاقاً من مُثُل عصر الاستنارة، يذهبون إلى أن اليهودية عقيدة عقلانية تزود الإنسان بقوانين عامة لا علاقة لها بالعواطف المشبوبة أو الشطحات الصوفية. ولكن شوليم وقف على الطرف النقيض منهم (فهو من دعاة العداء للاستنارة) إذ ذهب إلى أن الغنوصية هي الجوهر الحقيقي لليهودية وأن الصوفية (القبَّالاه) هي القوة الحيوية الحقيقية في تاريخ اليهودية واليهود وأنه لولاها لتجمدت الفلسفة اليهودية وتيبست الشريعة. ويذهب شوليم (متبعاً الإيقاع الثلاثي الهيجلي) إلى أن كل الأديان تمر بثلاث مراحل تاريخية: المرحلة الأسطورية حيث يكون الإنسان في علاقة مباشرة مع الإله (مرحلة الواحدية الكونية الوثنية في مصطلحنا) ، ثم المرحلة الفلسفية والقانونية حيث يتم إعطاء الوحي إطاراً مؤسسياً دينياً ويتم تفسير النص المقدَّس وأداء الشعائر من خلال المؤسسات الدينية. ثم تظهر أخيراً المرحلة التصوفية حيث يحاول الإنسان المؤمن أن يستعيد العلاقة المباشرة التي تسم علاقة الخالق بالمخلوق في المرحلة الأولى، بعد أن تجمدت وتيبست نتيجة المرحلة الثانية. ومن الواضح أن شوليم يرى أن جوهر التاريخ هو الأسطورة، فهو يبدأ بالأسطورة ثم يعطيها إطاراً مؤسسياً ثم يحاول العودة إليها (أي أن تاريخ الدين هو تاريخ الحلولية الواحدية الكونية ومحاولة العودة إليها (. ويذهب جيرشوم شوليم إلى أن القبَّالاه إن هي إلا نظام فكري غنوصي وتعبير عن القوى المظلمة الخفية، وأن المتصوفة اليهود توصلوا إلى شكل من أشكال الغنوص متلبساً لباساً توحيدياً، وأن هذه الطبقة الغنوصية ظلت قائمة في أطراف التراث وانتقلت من بابل إلى جنوب فرنسا (عبر إيطاليا وألمانيا) حيث ظهرت بشكل مبدئي في كتاب الباهير ثم بدأت الموضوعات الغنوصية في التبلور وعبَّرت عن نفسها في القبَّالاه والحركات الشبتانية ثم هيمنت تماماً على اليهودية.

стр. 6251

ولكن كيف تمكنت القوى الغنوصية المظلمة الخفية من إنجاز ذلك؟ يرى شوليم أن الشبتانية كانت هناك دائماً داخل المنظومة الحاخامية، لكن المنظومة الحاخامية كانت تنطلق منذ البداية من الإيمان بالشريعة الشفوية التي تذهب إلى أنه لا يوجد نص ثابت وأن الوحي يضم النص وتفسيره وأن التفسير جزء من النص المقدَّس ويحل محله (ومن ثم بدأ يظهر نص مفتوح لا حدود له) ، فالتفسيرات متغيرة لا حدود لها وفَتْح النص هو فَتْح الباب على مصراعيه للنسبية والعدمية. وبدأت الهرطقات تدخل عالم التفسير، كما بدأت المراكز تتعدد داخل المنظومة الحاخامية. وبالتدريج، تزايدت الهرطقات وأخذت شكل القبَّالاه. ولكن القبَّالاه لم تكن غريبة تماماً عن التراث، فالقبَّالاه تعني التقاليد (رغم أنها تقاليد مضادة) . وهكذا هيمنت القبَّالاه على اليهودية وأصبحت الهرطقة هي المعيار وأصبح الغنوص هو التوحيد! ويذهب شوليم إلى أن هذه الحركات هي التي هزت اليهودية الحاخامية من جذورها وأنها بذلك هي الحدود الفارقة بين العصور الوسطى والعصر الحديث وأنها إرهاص لظهور العلمانية. ولم يكن فكر حركة الاستنارة والحسيدية سوى ردود أفعال للحركة الشبتانية ومن ثم فإن ظهور اليهودية الحديثة كان نتيجة حدوث كارثة داخل التقاليد اليهودية الدينية ولم يكن مجرد نتيجة لقوى خارجية. ويرى شوليم أن الدوافع الأسطورية والصوفية في القبَّالاه هي القوى الخفية لليهودية في القرن العشرين وأن الصهيونية أخذت طاقتها من هذه القوى الخفية ولكنها قد تنتهي بكارثة مثل الحركات الشبتانية إن فشلت في تحييد القوى العدمية. وفي محاولته وضع موقفه موضع التنفيذ، انضم شوليم لجماعة بريت شالوم كما هاجم شبتانية جماعة جوش إيمونيم، فكأن شوليم يُظهر حماسه للشبتانية في الماضي كقوة بعْث وحياة ولكنه يرفض القوى نفسها في الواقع التاريخي المعاصر.

стр. 6252

ويرى البعض أن حماس شوليم للحركة الصهيونية تعبير عن أزمة بعض المثقفين العلمانيين من أصل يهودي الذين نشأوا في بيئة اندماجية وفقدوا الإيمان الديني ولكنهم مع هذا يرفضون فكرة الاندماج وفقدان الهوية ومن ثم يحاولون الاستيلاء على اليهودية ورموزها، فهي شخصيات علمانية فقدت انتماءها الديني اليهودي وتحن له في الوقت نفسه فتظهر اليهودية الإلحادية أو الإثنية التي ليس لها مضمون ديني توحيدي. وهذا ما فعله شوليم مع الغنوص اليهودي، فقد بيَّن أن الغنوص (التاريخ المضاد المظلم) هو التاريخ العقلي وجوهر اليهودية وبذلك تتحول الهرطقة إلى الشريعة. والصهيونية هي في جوهرها المحاولة نفسها. فالصهاينة يودون الانسلاخ من يهودية المنفى ولكنهم يودون الحفاظ على هوية قومية عضوية (على الطريقة الغربية الألمانية) فنظروا للتاريخ اليهودي وقرروا عدم قبوله في كليته، وبدلاً من ذلك عادوا للمرحلة العبرانية، أي قبل ظهور الأنبياء وظهور اليهودية حيث كان اليهود لا يزالون عبرانيين وشعباً وثنياً لم تُضعف القيم الأخلاقية التوحيدية إرادته بعد. ونادى الصهاينة بأن هذا هو التاريخ اليهودي الحقيقي وأن وثنية مرحلة ما قبل الأنبياء هي اليهودية الحقيقية، وأسست الحركة الصهيونية دولة تبعث هذا التاريخ المضاد. وهكذا تتحول الهرطقة إلى الشريعة في شكل دولة تزعم أنها ليست دولة بعض اليهود وحسب أو حتى كل اليهود وإنما دولة يهودية! من أهم مؤلفات شوليم الاتجاهات الأساسية في التصوف اليهودي (١٩٦١) حيث يبيِّن أن كتاب الزوهار لم يُكتَب في العصور القديمة (كما كان هو نفسه يظن) وإنما كُتب في القرن الثالث عشر. ومن مؤلفاته الأخرى الفكرة المشيحانية في اليهودية ومقالات أخرى (١٩٧١) . كما كتب شوليم سيرته الذاتية بعنوان من برلين إلى القدس (١٩٨١ (. جاك دريدا (١٩٣٠ (- Jacques Derrida

стр. 6253

فيلسوف فرنسي، يهودي من أصل سفاردي، تُعَدُّ منظومته الفلسفية (إن صحت تسميتها كذلك) قمة (أو هوة) السيولة الشاملة والمادية الجديدة واللاعقلانية المادية. وهو أهم فلاسفة التفكيكية وما بعد الحداثة. وُلد باسم جاكي في بلدة البيار (قرب الجزائر العاصمة) ، وترك الجزائر عام ١٩٤٩ لأداء الخدمة العسكرية ولم يَعُد لها قط بعد ذلك (وهو يدَّعي في تصريحاته الصحفية أنه ترك الجزائر لأنه كان قد سئم الحياة في الجيب الاستيطاني) . كان دريدا قد عقد العزم أن يصبح لاعباً محترفاً في كرة القدم، لكنه لم يكمل مشروعه هذا. وكتب شيئاً من الشعر في صباه. ومع أنه فشل في امتحان البكالوريا في صيف ١٩٤٧، إلا أنه أكمل دراسته الجامعية في السوربون وهارفارد. وقد اشترك في مظاهرات الطلبة عام ١٩٦٧ ضد ديجول. وصدر كتابه الأول أصل الهندسة (عام ١٩٦٢) وهو عن هوسرل، ولكن أول كتبه المهمة هو الكتابة والاختلاف (١٩٦٧) . ويُقسِّم دريدا وقته بين باريس حيث يُدرِّس في معهد الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية (E. H. E. S. S.) والولايات المتحدة حيث يُدرِّس في جامعة ييل. خرج دريدا من تحت عباءة نيتشه (الذي مات بمرض سري) ، وتأثر في الخمسينيات بوجودية سارتر وهايدجر (وتفكيكيته) ، وببنيوية ليفي شتراوس في الستينيات. كما تأثر بهيجلية جان هيبوليت، وبفرويدية جاك لاكان، وبالمفكر الديني اليهودي الفرنسي إيمانويل ليفيناس.

стр. 6254

تعرَّف دريدا إلى مُستوطن فرنسي آخر في الجزائر هو لويس ألتوسير (في دار المعلمين العليا) الذي كان له أكبر الأثر في دريدا. وألتوسير هو الفيلسوف الذي حاول أن «يُطهِّر» المنظومة الماركسية من أية آثار إنسانية غير مادية لتصبح علماً كاملاً يُسقط الذات الإنسانية وكل بقايا الميتافيزيقا (وقد قتل ألتوسير زوجته عام ١٩٨٠ بأن خنقها ووُضع في مستشفى للأمراض العقلية للمجانين الخطرين) . كما تَعرَّف دريدا كذلك إلى ميشيل فوكوه، أهم استمرار لفلسفة القوة النيتشوية وأحد كبار فلاسفة التفكيك وما بعد الحداثة (وفوكوه شاذ جنسياً، سادي مازوكي، حاول الانتحار عدة مرات ومات بالأيدز عام ١٩٨١ (. قامت أخت دريدا (حسب روايته) بحبسه وهو صبي في صندوق خشبي كبير على سطح المنزل حيث مكث هناك (حسب قوله) «الدهر كله» . وأثناء ذلك، تصوَّر أنه مات وذهب إلى عالم آخر. ثم أحس بأنه تم خصيه وأنه الإله أوزوريس الذي كان يُقتَل ويُمزَّق إرباً ثم يُعاد جَمْع أعضاء من جسمه (باستثناء قضيبه) (التبعثر والتشتت ومفردات الحلولية الواحدية اليهودية (. ومن الواضح أن دريدا مهتم، منذ أن بدأ ينشر أعماله، بمشاكل الأصل والبنية والثنائيات وكيف تُختَم الأعمال وعلاقة كل هذه الأمور بالتاريخ والحقيقة والموضوعية العلمية والمعنى. وكان اهتمامه الأكبر هو نفي الميتافيزيقا باعتبارها شكلاً من أشكال الثبات لأن مثل هذا الثبات (من ثم) يشير إلى مفهوم الطبيعة البشرية، وهذا بدوره يشير إلى أصل الإنسان غير المادي (أي أصله الإلهي) الأمر الذي يؤدي إلى التجاوز وظهور المعنى (تيلوس) وأخيراً المطلق (لوجوس) . وكان دريدا يرى أن الحل الوحيد لهذا الوضع هو أن يسقط كل شيء في قبضة الصيرورة، بحيث لا يبقى أي أثر لأي ثبات أو تجاوز أو معنى ويهتز كل شيء ومن ضمن ذلك الإحساس بالعدم نفسه.

стр. 6255

ألقى دريدا بحثاً في مؤتمر عُقد في جامعة جونز هوبكنز عام ١٩٦٦ لتوضيح الفلسفة البنيوية للجمهور الأمريكي. والمؤتمر هو نقطة ميلاد التفكيكية وما بعد الحداثة (وقد ظهر في العام نفسه كتاب سوران سونتاج ضد التفسير، أي أن التفكيك قد بدأ يتحول إلى ظاهرة عامة في الفكر الفلسفي الغربي) . وقد بيَّن دريدا أن البنيوية إن هي إلا حلقة في سلسلة طويلة من بنيويات مختلفة مستعدة لأن ترد ذاتها إلى نقطة حضور واحدة أو مركز أو أصل ثابت، لكن هدف هذا المركز ليس تحديد اتجاه البنية أو توازنها أو تنظيمها وإنما الهدف منه وضع حدود للعب البنية. فمركز البنية «يسمح بلعب عناصرها الأساسية، ولكن داخل الشكل الكلي الثابت الذي له مركز وله معنى، فهو لعب يصل إلى نقطة نهائية عند مدلول متجاوز» . ويقول دريدا: «وحتى اليوم، يُلاحَظ أن مفهوم بنية ليس لها أي مركز (أو أصل) هو أمر لا يمكن حتى التفكير فيه» . ودريدا كعادته لا يقول الصدق، فما يفعله هو أنه يأخذ جزءاً من الحقيقة ثم يضخمه ويجعل من هذا الجزء الحقيقة كلها. والحقيقة أن عالم السفسطائيين (الذين سبقوا دريدا بأكثر من ألفي سنة) هو عالم بلا مركز، عالم من الصيرورة الكاملة وعدم التواصل، وكذلك عالم القبَّالاه اللوريانية. وكثير من الحركات المشيحانية الشيوعية الحلولية فهي الأخرى تدور جميعاً في إطار عالم سائل تماماً لا مركز له. كما أن الإنجاز الفلسفي الأساسي لنيتشه هو أنه نبَّه الإنسان الغربي إلى أن اختفاء المركز حتمية فلسفية بعد موت الإله (أي في إطار الفلسفة المادية) . ومع هذا، يمكن القول بأن دريدا أول من جعل برنامجه الفلسفي يدور حول هذه الفكرة بشكل منهجي صارم.

стр. 6256

يرى دريدا أن ثمة بحثاً دائباً عند الإنسان عن أرض ثابتة يقف عليها خارج لعب الدوال الذي لا يمكن أن يتوقف إلا من خلال المدلول المتجاوز الرباني (الذي هو أيضاً «ميتافيزيقا الحضور» و «اللوجوس» و «الأصل» ) . وتاريخ الفلسفة الغربية هو البحث عن الأصل، سواء أكان دينياً أم مادياً، لنصل إلى قصة كبرى متمركزة حول اللوجوس وحول المنطوق، أي أن الفلسفة الغربية تتعامل دائماً مع الواقع من خلال نسق مغلق. بل إنه يرى أنه، في أكثر الفلسفات الغربية مادية ونسبية، يظل هناك إيمان ما بالكل المادي المتجاوز ذي المعنى (الحضور) ، واستناداً إلى هذا الحضور يتم تأسيس منظومات معرفية وأخلاقية وجمالية تتسم بشيء من الثبات وتفلت من قبضة الصيرورة، أي أن الخطاب الفلسفي الغربي ظل ملوثاً بالميتافيزيقا ما دام يصر على البحث عن المعنى وعن الثبات. وقد قرَّر دريدا أن «يفكر في الأمر الذي لا يمكن التفكير فيه» وهو أن ينطلق، كفيلسوف، من الإيمان بعدم وجود أصل من أي نوع، ومن ثم يسقط كل شيء بشكل كامل في هوة الصيرورة (أبوريا) وتتم التسوية بين كل الأشياء من خلال مفاهيم مثل الاخترجلاف (الاختلاف/الإرجاء (. وسيُلاحظ القارئ أن دريدا (ودعاة ما بعد الحداثة) يستخدمون مصطلحات كثيرة تبدو جديدة. فهناك مصطلح مثل «القصة الكبرى» (أي النظرية العامة) و «القصص الصغرى» و «التمركز حول اللوجوس» و «التمركز حول المنطوق» و «الأبوريا» و «الاخترجلاف» . وهي مصطلحات تدَّعي أنها جديدة وهي أبعد ما تكون عن الجدة، فهي تعبِّر عن أفكار ومفاهيم عدمية. فقد يكون المنطوق نفسه جديداً، ولكن المفهوم وراء المصطلح قديم قدم الفلسفة اليونانية القديمة والكتب العدمية مثل سفر الجامعة في العهد القديم (انظر المداخل الخاصة بكل مصطلح في هذا القسم) .

стр. 6257

ويمكن القول بأن مشروع دريدا الفلسفي هو محاولة هدم الأنطولوجيا الغربية اللاهوتية (بالإنجليزية: أونطوثيولوجي ontotheology) بأسرها والوصول إلى عالم من صيرورة كاملة عديم الأساس لا يوجد فيه لوجوس ولا مدلول متجاوز، ولذا فهو عالم بلا أصل رباني، بل بلا أصل على الإطلاق، ولذا لا توجد فيه ثنائيات من أي نوع؛ الدوال ملتحمة فيه تماماً بالمدلول، ولذا لا توجد لغة، وإن وجدت لغة فهي الجسد باعتبار أن الجسد يجسد المعنى فلا ينفصل الدال عن المدلول. والنصوص تتداخل بعضها مع بعض، ولا يمكن الحديث عن نص مقابل نص آخر ولا عن نص في مقابل الواقع، كذلك لا يمكن الحديث عن نص مقابل معنى النص، إذ لا يوجد شيء خارج النص ولا يوجد أصل للأشياء، فكل نص يحيل إلى آخر إلى ما لا نهاية، وبذا يكون قد تم إنهاء الميتافيزيقا. وتصبح هذه الرؤية العدمية الفلسفية هي التفكيكية حينما تصبح منهجاً لقراءة النصوص. ولإنجاز هدفه العدمي، يتجه دريدا نحو أحد المفاهيم الأساسية في الفكر البنيوي، أي علاقة الدال بالمدلول، ويبين أنه لا علاقة بين الواحد والآخر، أو أن العلاقة بينهما واهية للغاية. وحيث إنه لا يمكن الاحتفاظ بالعلاقة بين الدال والمدلول إلا من خلال ما يُسمَّى «المدلول المتجاوز» (بالمعنى الديني أو الفلسفي) ، فإنه يتجه نحو إسقاط هذا المدلول المتجاوز وإثبات تناقضه وكذلك إثبات وجود الصيرورة داخله. وتفكيك النصوص في واقع الأمر إن هو إلا بحث عن المدلول المتجاوز وعن المركز في النصوص، وتوضيح أن ثمة تناقضاً أساسياً فيها لا يمكن حَسْمه. وأن تماسُك النص واتساقه أمر زائف فهو عادةً تعبير عن إرادة القوة لدى صاحب النص، وليس له أي أساس عقلاني عام. ومع هذا، يرى دريدا أن التناقض يظل قائماً فعالاً، ولذا فعادةً ما يؤدي بالمؤلف إلى إضافة عناصر هي عكس المعنى المقصود تماماً، وهو ما يجعل النص (أدبياً كان أم فلسفياً) يتجاوز حدود المعنى التي يضعها لنفسه

стр. 6258

والاتساق الذي يفترضه وتظهر فيه الثغرات والتشققات ويقع في التناقض الذي لا يمكن حسمه. وبهذه الطريقة، يحلل دريدا كل كلاسيكيات الفلسفة الغربية من أفلاطون إلى هيجل، كما يحلل بعض النصوص الفلسفية المعاصرة من ليفي شتراوس إلى لاكان ويقوم بتفكيكها، وهو بهذا يحاول تفكيك الحضارة الغربية نفسها. والمشروع الفلسفي عند دريدا مُوجَّه ضد الإنسانية وضد علاقة الدال بالمدلول، ولذا فهو يبحث عن لغة بلا أصل وبلا حدود نظامها الإشاري لا يشير إلى شيء، لغة متأيقنة تماماً لا يوجد فيها أثر للإله أو المعنى أو أية مرجعية، وقد وجد ضالته فيما أسماه أنطوان أرتو (١٨٩٥ ـ ١٩٤٦) «الشعر اللفظي» وهو شعر مبني على مجاورة أصوات لا دلالة لها إلا أن تركيباتها النبرية تصنع حالات شعرية أو هكذا كان الظن. وفيما يلي مَثَلٌ من هذا الشعر اللفظي الأيقوني: «أوبيدانا/ ناكوميف/ تاوديدانا/تاوكوميف ـ ناسيدانو/ناكوميف/ تاركوميف/ناكومي» ، وتنتهي القصيدة بأصوات أخرى! (ومن الأمور التي قد يكون لها بعض الدلالة أن أنطوان أرتو قد أُودع مصحة عقلية في مقتبل حياته) .

стр. 6259

وأسلوب دريدا أمر جديد كل الجدة في الخطاب الفلسفي الغربي، يتسم بكونه طنيناً وجعجة بلا طحن، وإن أخرج طنيناً فهو تقليد مألوف لا يختلف عما قاله السوفسطائيون من قديم الأزل ولا يخرج عن كونه تعبيراً طفولياً غير أنيق عن العدمية. وحتى نعطي القارئ فكرة عن هذا الطنين سنقتبس بعض ما قاله دريدا عن شعر أرتو اللفظي. ينوه دريدا بهذا «الشعر الرائع» لأنه «لا يمثل لغة محاكاتية ولا خلق أسماء. بل يقودنا إلى حواف اللحظة التي لم تُولَد فيها الكلمة بعد والتي لم يَعُد فيها التمفصل [الكلامي] هو الصرخة، ولا يشكل الخطاب بعد، اللحظة التي يكون فيها التكرار أو الترديد، ومعه اللغة بعامة، مستحيلاً تقريباً: انفصال المفهوم والصوت، المدلول والدال، النقش والكتاب، حرية الترجمة والذات، حركة التأويل، اختلاف الروح والجسد، السيد والعبد، الإله والإنسان، المؤلف والممثل. إنه العشية السابقة لأصل اللغات» . وكل هذا الصخب يعني أنها لغة آدم قبل أن يتعلم الأسماء كلها، أي لغة آدم قبل أن ينفخ فيه الإله من روحه، أي لغة آدم حين كان كائناً طبيعياً بلا أصل إلهي غير قادر على الحديث (فوعيه لم يظهر بعد) ولكنه قادر على الصراخ كالحيوان وإصدار أصوات أخرى مرتبطة بالاستجابات الحسية المختلفة.

стр. 6260

ويمكن أن نشير مرة أخرى إلى أنطوان أرتو ولكن باعتباره مؤسس «مسرح القسوة» . وقد كتب دريدا دراسة عنه في الكتابة والاختلاف، كما حرَّر بالاشتراك (مع آخر) كتاباً عن رسوم أرتو (١٩٨٦) وكتب مقدمته. ومسرح القسوة هو مسرح يحاول أن يقلد المسرح البدائي، سواء في الرؤية التي ينبع منها أو في شكله الفني، ويرى أرتو أن المسرح الحديث يتوجه إلى عقل الإنسان وإلى سمعه وبصره وحسب، وأنه يوجد فاصل حاد بين الفن والواقع وبين الممثلين والجمهور ويأخذ النص المسرحي شكل نص محدَّد له مؤلف محدَّد. بدلاً من ذلك، يرى أرتو ضرورة قيام مسرح يمكن أن نسميه (تبعاً لمصطلحنا) «متأيقن» ، وهو مسرح يتوجه إلى كيان الإنسان كله. ولذا، لا توجد فيه فواصل بين الدال والمدلول والمسرح والواقع، وبإمكان الجمهور أن يشارك في المسرحية التي تتكون من ملابس ورقص وموسيقى ولا تشغل الكلمات فيها إلا حيزاً محدوداً، ويضرب أرتو مثلاً على ذلك بمسرح جزيرة بالي.

стр. 6261

يجد دريدا أن هذا سياق مناسب ليعبِّر عن إشكالية الأصول والمدلول المتجاوز فيقرر أن: «مسرح القسوة يطرد الإله من المسرح، فالمشهد المسرحي يظل لاهوتياً ما دام أنه هيمن عليه الكلام أو إرادة الكلام وما دام أنه هيمن عليه مخطط (لوجوس) لا يقيم في الموضع المسرحي إلا أنه يوجهه ويحكمه من بعيد. يظل المسرح لاهوتياً ما بقيت بنيته تحمل، بمقتضى التراث بأسره، العناصر التالية: مؤلف ـ خالق ـ غائب ـ بعيد ـ مسلح بنص ـ يراقب ويوحِّد ويقود زمن العرض (أو معناه) تاركاً إياه يمثله عبر ما يُدعَى محتوى أفكاره ومقاصده. يمثله عن طريق نواب، مخرجين وممثلين مفردين مُستبعَدين يمثلون شخصيات هي نفسها لا تقوم سوى بتمثيل فكرة الخالق.. عبيد يؤدون (ينفذون بوفاء) مخططات «السيد» الإلهية. ولذا، كي يتحرر المسرح، عليه أن ينفصل عن النص وعن الكلام الخالص وعن الأدب. وبتحرُّره من النص ومن الإله/المؤلف، يُعاد الإخراج المسرحي إلى حريته الخلاقة والمؤسسة» .

стр. 6262

وما يفعله دريدا هنا هو أنه يغمر القارئ بفيض من الكلمات ليخلق حالة من السيولة، يمرر معها بعض الافتراضات التي لا يمكن قبولها إلا إذا كان القارئ في حالة غيبوبة نابعة من السيولة والتدفق. فدريدا يقول مثلاً: «إن المسرح يهيمن عليه الكلام» ، وهذا طبعاً غير دقيق، فأي طالب يدرس فن المسرح يعرف أن النص المسرحي المكتوب غير الأداء الذي يتضمن عناصر أخرى غير النص المكتوب. كما أن المؤلف قد يكون مجازياً في علاقته بالنص مثل الإله في علاقته بالعالم، ولكن الصورة المجازية لها حدود لأن الممثلين حينما يمثلون النص يعرفون أنه مجرد تمثيل، فالواقع يوجد خارجهم، وهم ليسوا عبيداً يؤدون مخططات «السيد» الإلهية. وإن تحرَّر المسرح من النص تماماً، فلن تعود للإخراج المسرحي حركته، إذ أنه (كما يقول دريدا) لن تكون هناك حاجة إلى إخراج مسرحي، أي أن مشروع أرتو يؤدي إلى نفي المسرح (وبالفعل، عبَّر هو عن نفسه عدة مرات عن كراهيته للمسرح وللتمثيل) ، فكأن ما يسعى إليه هو إسقاط الحدود، أي حدود، وهو يعلم تماماً أن إسقاط الحدود، هو ذوبان الهوية وهو السيولة الرحمية. وفي الواقع، إذا كان هناك إله/مؤلف في نصٍّ ما، فهو نص مسرحية جزر بالي هذه، فالمسرح هناك جزء من الشعائر الدينية التي تُؤدَّى، ولذا لا توجد مسرحيات وإنما مسرحية/صلاة، وهي إن كانت لا تحتاج إلى مخرج فلأن الجميع يعرف دوره في هذه المسرحية الدينية. إن كل ما يفعله دريدا هو أن يحوِّل أرتو إلى تكأة يُصدِّر من خلالها ماديته السائلة الجديدة. يقول دريدا: «الجسد بالنسبة لأرتو قد سُرق منه، سرقه الآخر: النص الواحد العظيم المتسلل، واسمه «الإله» ، مكانه هو فتحة صغيرة ـ فتحة الميلاد والتبرز ـ وهي الفتحة التي تشير إليها كل الفتحات الأخرى، وكأنها تشير إلى أصلها» . وفي لغة غنوصية واضحة يقول: «إن تاريخ الإله الصانع هو تاريخ الجسد الذي طارد جسدي الذي وُلد وأسقط نفسه على جسدي ووُلد من خلال

стр. 6263

تمزيق جسدي واحتفظ بقطعة منه حتى يتظاهر أنه أنا. فالإله هو، إذن، عَلَم على ما يحرمنا من طبيعتنا، من ميلادنا، ولذا فهو (دائماً) يكون قد تحدَّث قبلنا بمكر» . وعلى أية حال، فإن الإله الصانع لا يخلق، فهو ليس الحياة وإنما هو صانع الأعمال (بالفرنسية: أوفر oeuvres) والمناورات (بالفرنسية: مان أوفر manouvres) ، فهو اللص المحتال المزيف الزائف المغتصب بخلاف الفنان المبدع، وهو الكائن الصانع، وهو كيان الصانع الشيطان، «أنا الإله والإله هو الشيطان» .. ويربط دريدا الكينونة بالبراز (كما فعل نيتشه من قبل) لأنه يجب أن يكون للإنسان عقل كي يتبرز، فالجسد المحض لا يمكن أن يتبرز. وقد شبَّه نفسه بالبراز، كما شبه كتابته بأنها براز على الصفحة.

стр. 6264

ثمة شيء طفولي سخيف في كتابات وفكر دريدا لخصه هو نفسه في واحدة من أسخف عباراته وأكثرها طفولية «ما ليس بالتفكيكية؟ كل شيء بطبيعة الحال. ما التفكيكية؟ لا شيء بطبيعة الحال» "What deconstruction is not ? Everything of course! What is deconstruction ? Nothing of course". ومعنى هذه العبارات الفارغة، هو أن التفكيكية أمر فارغ، لا شيء! وهي عبارة تشبه أحجيات الأطفال، التي كنا نتفنن فيها في طفولتنا. ولكن اللعب الطفولي مقبول حينما نكون أطفالاً، أما حينما نكون فلاسفة، رجالاً ناضجين غادورا الرحم، وابتعدوا عن ثدي الأم ودفء غرفة الحضانة ووقعت عليهم مسئولية التفكير بوعي، فإن الأمر جدُّ مختلف. وسخافة دريدا تظهر بوضوح في تعليقه على اسمه إذ يقول إنه وُلد باسم جاكي وغيَّره إلى جاك، أي أنه غيره دون أن يتخلص منه تماماً، فاسمه الثاني الجديد يحمل «أثر» اسمه الأول، فالأول هو الثاني، تماماً كما أن الثاني هو الأول. وكيف كان ذلك؟ يجيب دريدا على ذلك بقوله: «الاسم أشبه بعلامة الختان، إشارة متأتية من الآخرين ننصاع لها بسلبية كاملة، ولا يمكنها أن تفارق الجسد» . ولكن الاسم قد يكون مثل الختان في بعض الأوجه، ولكنه ليس مثله في كل الأوجه، ولذا فإن المجاز لا يمكن أن يُدفع إلى نهايته المنطقية المتوحشة. ولكن دريدا يفعل ذلك لإفساد اللغة.

стр. 6265

ودريدا، المولع بالسيولة، مولع باللعب بالألفاظ بلا هوادة ودائماً. فبطبيعة الحال، يوجد اصطلاح «الاخترجلاف» (بالفرنسية: لاديفرانس la differance) ، وهو من كلمتي «الاختلاف» و «الإرجاء» ، وهناك كلمة أخرى هي «سيركومفشن circumfession» وهي من كلمتي «سيركموسيشن circumcision» أي «الختان» و «كونفشن confession» أي «الاعتراف» ، ونترجمها بكلمة «الختانعراف» . وهو يتلاعب بكلمات مثل «ايمين hymen» بمعنى «بكارة/جماع» و «هيمن hymne» بمعنى «نشيد» . وكلمة «مارج marge» بمعنى «هامش» تتداخل مع كلمة «مارك marque» أي «علامة» ، وتتداخل كلتاهما مع كلمة «مارش marche» أي «سير» . ومن هذا يستنتج أو يخبرنا أن الهامش علامة فهو يساهم في مسيرة النص. ويتلاعب باسم الفيلسوف هيجل، فهو «إيجيل» بالفرنسية، ولكن الكلمة «إيجل» تعني «نسر» ، وقد وجد اللاعب الأعظم ذلك فرصة فريدة للتهكم فيقول: «إن هيجل يستمد قوته الإمبراطورية والتاريخية من اسمه» . والمعرفة المطلقة (بالفرنسية: سافوار أبسولو savoir absolu) تصبح «سا sa» التي توحي بأنها الإيد id وهي كذلك الكلمة الألمانية «شتورم أبتايلونجين Sturmabteilungen» أي «قوات العاصفة النازية» . ولا شك في أن هذا جزء من لعب الدوال الذي يتحدث عنه دريدا، ولكن إذا كان هيجل إمبراطورياً، فهو على الأقل يقدم لنا أعماله فنقرؤها، أما دريدا فهو ينصب شباكه حولنا لننزلق، أو هكذا يظن، إذ أن هناك دائماً من يبحث عن المعنى ويرى أن النكتة قد تكون مقبولة بعض الوقت ولكنها لا يمكن أن تحل محل الحقيقة، ولذا فهي ليست مقبولة طيلة الوقت، ونحن نضحك على النكتة ما دامت في الهامش وليست أساساً للرؤية، وخصوصاً إن كانت النكتة ثقيلة الظل مثل كلمات دريدا.

стр. 6266

ويُصنِّف دريدا نفسه أحياناً كيهودي، بل يوقِّع بعض مقالات بكلمة «رب ريدا Reb Rida» أي «الحاخام رضا» ، أو «رب دريسا Reb Derissa» أي «الحاخام دريسا» . وهو يرى أن وظيفته كيهودي في الحضارة الغربية المسيحية أن يفكك الأنوطوثيولوجي (لاهوت الأنطولوجيا) أي الأنطولوجيا التي تستند إلى الأصل الإلهي، فهو يرى أن ثنائية الإنسان والطبيعة (وأية ثنائيات أخرى) تفترض وجود عالم متراتب هرمياً يستند إلى لوجوس/مركز يشير إلى إله متجاوز. ويرى دريدا أنه، بكونه يهودياً، مرشح أكثر من غيره لأن يقوم بهذه المهمة العدمية التفكيكية فتجربة الشتات اليهودي والرحيل الدائم نحو مكان آخر دون حلم بالعودة (أي دون حنين للمعنى والحقيقة) هو رفض عميق للثبات والميتافيزيقا ولأي شكل من أشكال الطمأنينة. ولكي ينجز هدفه، قرَّر دريدا أن يهاجم الكتابة المتمركزة حول اللوجوس التي ورثتها الحضارة الغربية المسيحية من الآباء المسيحيين، وقد قرَّر أن يواجه هذا بمفهوم آخر للكتابة يتفق مع المفهوم اليهودي للكتابة الذي يتلخص في أن الكتاب المقدَّس ليس هو الحيز الذي تحل فيه الكلمة. وهو يشير إلى فيلسوف يهودي آخر، معلمه إيمانويل ليفناس الذي أكد ضرورة البحث عن العناصر التي تسبب عدم الاتساق في الميتافيزيقا الغربية. ويذهب دريدا إلى أن الميتافيزيقا الغربية تعتمد على تهديد خارجي لتحتفظ بتماسكها، وهذا التهديد هو اليهودي، ولذا فإن القضاء على معاداة اليهود يتطلب القضاء على الميتافيزيقا الغربية. وفي كتابه جرس الموت Glas الذي كُتب على هيئة عمودين: العمود الأول في اليسار عن هيجل والعمود الثاني عن جان جينيه ويعارض الواحد منهما الآخر؛ فبينما يؤكد هيجل أهمية الأسرة باعتبارها وحدة تستند إلى العلاقة الجنسية السوية بين ذكر وأنثى، يؤكد جينيه الشذوذ الجنسي. أما المؤلف (أي دريدا نفسه) ، فهو اليهودي الذي يقف بين شكلين من أشكال معاداة اليهود (الألماني والفرنسي) . وهو،

стр. 6267

في كتاباته الأخرى، يتحدث عن الهولوكوست وعن كتاب إستير وعن العلاقة بين اللغة والدياسبورا ويعطي محاضرات عن إسبينوزا وهرمان كوهين. وفي مقال له عن إدمون جابيس، يتحدث دريدا عن صعوبة أن تكون يهودياً، تلك الصعوبة التي تشبه صعوبة الكتابة "فاليهودية والكتابة هما الشيء نفسه، الانتظار نفسه، الأمل نفسه، عملية إفراغ الشخصية نفسها (بالإنجليزية: ديبليشن depletion) ". ولكن اليهودية لم تكن إفراغاً للشخصية وليست تحديداً للهوية؟ للإجابة عن هذا السؤال يحتاج الأمر إلى تفسير جاد لا إلى نكتة. إن دريدا عضو في جماعة وظيفية استيطانية هي جماعة المستوطنين الفرنسيين البيض الذين كانوا مرتبطين عضوياً (مادياً وحضارياً) بالوطن الأم فرنسا، والجماعة اليهودية في الجزائر كانت جزءاً لا يتجزأ من الجماعة الاستيطانية الفرنسية، وقد مُنح يهود الجزائر جميعاً الجنسية الفرنسية عام ١٨٣٠؛ وبهذا يكون اليهودي الجزائري الذي أصبح جزءاً من الجماعة الاستيطانية شخصاً يمارس الاقتلاع والهامشية مرتين؛ مرة لكونه مستوطناً فرنسياً اغتصب الأرض من أصحابها ويعيش عليها في وسط عربي، ومرة أخرى باعتباره يهودياً نشأ في بلد عربي. ولكنه، ومع هذا، حوَّل ولاءه إلى مغتصبي البلد الذي وُلد ونشأ فيه. ولا شك في أن سفارديته ساهمت في عملية تهميشه، فاليهود السفارد كانوا يتمتعون بمركزية ثقافية بين أعضاء الجماعات اليهودية، وكانوا أرستقراطيتها الثقافية، ولكن عملية الطرد والنفي والتشتيت (بالإنجليزية: ديسبرشن dispersion) والتناثر والتبعثر التي تُذكِّرنا بتناثر المعنى وبعثرته في النص أثرت فيهم بشكل عميق، وكانت لهذا آثاره في القبَّالاه اللوريانية (التي وضع أسسها يهودي سفاردي آخر هو إسحق لوريا) . كما يُلاحَظ أن التجربة الأساسية في تاريخ اليهود السفارد هي تجربة المارانو (من كلمة «مرائي» ، وهم يهود شبه جزيرة أيبريا الذين أبطنوا اليهودية وأظهروا الكاثوليكية) الذين

стр. 6268

تآكلت يهوديتهم المستبطنة واختفت، ولذا كان اليهودي السفاردي إنساناً هامشياً تماماً في مختلف التقاليد الدينية والثقافية التي يتحرك فيها، فهو لا يؤمن بالكاثوليكية ولا يعرف اليهودية (يهودي غير يهودي على حد قوله) ، وهو لا يعرف لا الختان ولا الاعتراف وإنما يعرف شيئاً «تناصياً» يُسمَّى «الختانعراف» ، فلا هو كاثوليكي ولا يهودي ولكنه يُفقد الكاثوليكية حدودها وهويتها ويُفقد اليهودية حدودها ومضمونها وهويتها. إن هامشية دريدا جعلته مرشحاً لأن يكون فيلسوف التفكيك الأول، فهو نفسه إنسان مفكك تماماً: فهو فرنسي ولكنه من أصل جزائري، وهو جزائري ولكنه عضو في جماعة استيطانية فرنسية، وهو يهودي سفاردي لا ينتمي إلى التيار الأساسي لليهودية، وهو لا يؤمن بهذه اليهودية ولا يكن لها الاحترام ولكنه مع هذا يشير إليها دائماً. وإن كان هناك دال بدون مدلول، فإن جاك دريدا الفيلسوف الفرنسي الجزائري اليهودي السفاردي هو هذه الحالة، فهو ليس فرنسياً ولا جزائرياً ولا يهودياً ولا سفاردياً، كما أن مشروعه الفلسفي هو إنهاء الفلسفة. وغني عن القول أن دريدا لا يقدم فلسفة يهودية، ولا يمكن فهم فلسفته إلا في سياق تاريخ الفلسفة الغربية. ورغم وجود أفكار تفكيكية وما بعد حداثية في مدارس التفسير اليهودية (التي اطلع عليها دريدا وتأثر بها فهو تلميذ ليفناس) ، إلا أنه يظل مفكراً غربياً بالدرجة الأولى، ولا تشكل يهوديته سوى عنصر مساعد في تصعيد تفكيكيته. ولدريدا العديد من المؤلفات والكتب، أهمها: الصور والظواهر (١٩٧٠) ، وتناثر المعنى (١٩٧٢) ، وفي علم الكتابة (جراماتولوجي) (١٩٧٢) ، وهوامش الفلسفة (١٩٧٢) ، وجرس الموت Glas (١٩٧٤) ، وعن النبرة والرؤية (الأبوكاليبسية) التي تم تبنيها في الفلسفة (١٩٨٢) ، وجرامافون أوليس (١٩٨٧) . وقد صَدَر له مؤخراً كتاب أطياف ماركس (١٩٩٥) . هارولد بلوم (١٩٣٠ (– Harold Bloom

стр. 6269

ناقد أدبي أمريكي يهودي وُلد في نيويورك. يُدرِّس الأدب الإنجليزي في جامعة ييل منذ عام ١٩٥٥. وهو حلولي ذو رؤية غنوصية قبَّالية واعية تماماً بغنوصيتها وعدميتها. نشر في الستينيات ثلاث دراسات تدور حول الشعر الرومانتيكي الإنجليزي، هي شيللي وصياغة الأسطورة (١٩٥٩) ، والجماعة الرؤياوية (١٩٦١) ، ورؤى (أبوكاليبس) بليك (١٩٦٣) . وقد استخدم بلوم في هذه الدراسات مقولات تحليلية مستقاة إما من القبَّالاه أو من فلسفة بوبر (الحلولية الحسيدية الجديدة) . ويذهب بلوم إلى أن الشعراء الرومانسيين الإنجليز كانوا يرمون إلى تحويل الطبيعة من موضوع إلى ذات من خلال رؤية أسطورية للواقع فيدخلون في علاقة حب مع الطبيعة، وهي ليست علاقة آلية (الأنا مع الهو) وإنما علاقة متعيِّنة مباشرة (الأنا مع الأنت) حيث يصبح الآخر (أي الطبيعة) كياناً حياً مفعماً بالحياة، تماماً مثل الإنسان، فهي لذلك علاقة حوارية يتساوى فيها الإنسان مع الطبيعة ويظهر الإنسان الطبيعي (أو الإنسان/الطبيعة) وتتضخم الأنا الإنسانية لتسم الطبيعة بميسمها، ولكنها في الوقت نفسه تذوب في الطبيعة حيث يصبح هناك كيان واحد تسري فيه الروح المقدَّسة، ومعنى ذلك أن الثالوث الحلولي يكتمل تماماً في شعر كبار الشعراء الرومانتيكيين. وأهم الشعراء على الإطلاق هو شيللي، فصوته ـ في تصوُّر بلوم ـ مثل صوت أنبياء العهد القديم بعد أن يتخلوا عن الرؤية التوحيدية التي تفترض انفصال الإنسان عن الطبيعة، وتفترض وجود مساحة بين الخالق والمخلوق، ليصبحوا أنبياء حلوليين لا يتلقون الكلمة الإلهية لإبلاغها وإنما يتوحدون بها ثم يصبحون تجسيداً لها: صوتهم هو صوت الإله (والطبيعة) . وقد قدَّم بلوم تحليلاً كاملاً لنسق بليك باعتباره نسقاً غنوصياً. وفي السبعينيات، صَدَر لبلوم عدة دراسات، هي ييتس (١٩٧٠) ، وقلق التأثر (١٩٧٣) ، وخريطة إساءة القراءة (١٩٧٥) ، والقبَّالاه والنقد (١٩٧٥) ، ولشعر والكبت (١٩٧٦) .

стр. 6270

كما نشر رواية بعنوان هرب لوسيفر: فانتازيا غنوصية (١٩٧٩ (. ولفهم نقد بلوم، لابد أن نفهم منظومته الغنوصية الصراعية التي تضرب بجذورها في كل من الغنوص اليهودي القديم والغنوص العلماني الحديث. وتعود هذه الرؤية الصراعية إلى عالم الجسيلشافت التعاقدي حيث يتشيأ كل من الإنسان والطبيعة وحيث يصبح الإنسان ذئباً لأخيه الإنسان. ولكن هذه الرؤية تعبِّر عن نفسها في ديباجات غنوصية مثل أصحاب الغنوص الروحانيين (النيوما) الذين يعيشون مغتربين عن أصلهم النوراني. وحتى يتغلب الغنوصي على غربته، فإنه يؤكد اتصاله بالجوهر الإلهي. بل إنه يبيِّن أحياناً أنه هو نفسه الإله، فهو خالق وليس مخلوقاً. وهذا هو ما يفعله بلوم الذي يشير إلى قول نيتشه: «إن كان هناك إله، فماذا أكون أنا إذن؟» فالإنسان حين يكتشف أنه مخلوق وليس خالقاً، أنه إنسان وليس إلهاً، أنه لم يخلق نفسه بنفسه وأن له أصلاً ربانياً فإنه يشعر بالاغتراب، وخصوصاً أنه قُذف به في عالم ليس من صنعه. ولذا، لابد أن يثور الإنسان فينكر أصله الرباني ويمحوه تماماً ليصبح هو نفسه مرجعية ذاته وليكون العبد والمعبود والمعبد، وليس أمامه سوى أن يعيد خلق العالم في صورته. وبذلك يصبح العالم المخلوق من خلقه هو، ويصبح الإنسان خالقاً لنفسه ولعالمه. وإحدى الحيل الأساسية في هذا المضمار هي تأكيد أن العالم صيرورة كاملة ونسبية كاملة بحيث تتساوى كل الأمور ويختفي السبب والنتيجة والخالق والمخلوق وكل ثنائية تدل على وجود أصل يسبق النسخة، فالصيرورة هنا هي الآلية الأساسية حيث لا توجد أية معيارية يمكن الإهابة بها ولذا لا يبقى إلا الصراع اللانهائي في إطار الصيرورة الأزلية.
следующие страницы →