← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 6511–6550 · переход к 6516.

стр. 6511

وكان من النتائج الواضحة للبروتستانتية ظهور الاهتمام الغربي بتحقيق النبوءات التوراتية المتعلقة بنهاية الزمان وتردُّد الحديث عن «العصر الألفي السعيد» المستند إلى الاعتقاد بعودة المسيح المنتظر الذي سيقيم مملكة الله في الأرض لتدوم ألف عام، وتتالي ظهور علماء لاهوت بروتستانت تحدثوا عن أمة يهودية وبَعْث يهودي، وعن كون فلسطين وطناً لليهود، وانتشار هذه الأفكار في الجزر البريطانية وبخاصة. وكان من النتائج الواضحة للكشوف الجغرافية الأوربية بدء الاستعمار الأوربي التجاري الذي تطوَّر بفعل عوامل أخرى إلى حركة استعمارية واسعة بلغت ذروتها في القرن التاسع عشر مع حدوث الانقلاب الصناعي في أعقاب الانقلابين التجاري والآلي، وهو ما أدَّى إلى تسلُّط أفكار الهيمنة الاستعمارية على دول أوربا، ومنها إنجلترا التي برز فيها اهتمام خاص بفلسطين وبفكرة عودة اليهود إليها لأسباب تجارية. وقد تنامى الاهتمام الأوربي بفلسطين بسبب موقعها المهم بالنسبة لطرق التجارة الدولية وبرزت فكرة استعمارها استيطانياً باليهود، ثم تضاعف هذا الاهتمام مع نشوء ما عُرف في أوربا بالمسألة الشرقية التي جرى تعريفها باللغة الاستعمارية "بأنها مشكلة ملء الفراغ الذي ولَّده الانحسار التاريخي التدريجي للدولة العثمانية عن الحدود التي بلغتها في أوج توسُّعها". وقد بلغ التنافس أوجه بين إنجلترا وفرنسا القوتين الاستعماريتين الأكبر في القرن الثامن عشر على مدِّ نفوذهما إلى قلب الوطن العربي. وبادر بونابرت حين غزا مصر وفلسطين وارتد أمام أسوار عكا إلى مخاطبة يهود فرنسا مقترحاً عليهم إقامة دولة يهودية في فلسطين، ولم تلبث الفكرة الصهيونية أن تبلورت في المخططات الاستعمارية الفرنسية في القرن التاسع عشر. وحدث الأمر نفسه في المخططات الاستعمارية البريطانية في الفترة نفسها. وامتلأت وزارة الخارجية البريطانية بمعتنقي الفكرة الصهيونية. ولم تلبث المخططات الاستعمارية

стр. 6512

الأوربية عامة أن تبنت فكرة توطين يهود أوربا في فلسطين وإقامة دولة لهم تكون قاعدة استعمارية. عمل الاستعماريون الأوربيون الذين بلوروا الفكرة الصهيونية على توظيف المعتقدات اليهودية لإقناع يهود أوربا بفكرة "عودتهم إلى فلسطين وإقامة دولة لهم فيها". وهكذا شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر تطوراً في مفهوم الماشيَّح تمثَّل في فتاوى حاخامات اليهود القائلة بضرورة هجرة أعداد كبيرة من اليهود إلى فلسطين لاستعمارها كخطوة على طريق تحقيق مملكة الخلاص وظهور المخلِّص. وألبس هؤلاء الاستعماريون الأوربيون ومنهم يهود الفكرة الصهيونية الثوب القومي، في وقت شهد ازدهار الفكرة القومية في أوربا، وعملوا على اصطناع قومية لليهود. وحين انحرف بعض المفكرين الأوربيين بفكرة القومية ونادوا بالسمو القومي والتفوق العنصري انساقت الفكرة الصهيونية مع ادعائهم وسقطت في مهاوي العنصرية مرددة مقولة شعب الله المختار.

стр. 6513

وثمة أسباب عديدة جعلت الفكرة الصهيونية "غير قادرة على التحقق"، من أهمها "أن دعاة الفكر الصهيوني كانوا من الصهاينة غير اليهود أو من أعداء اليهود، الأمر الذي جعل المادة البشرية المستهدفة (أي اليهود) يرفضون الدعوة إلى استيطان فلسطين. كما أنه لم يكن هناك أية أطر تنظيمية تضم كل الجماعات اليهودية. وعلاوة على هذا كان هناك يهود الغرب المندمجون الذين كانوا يرون أن المشروع الصهيوني يهدد وجودهم ومكانتهم وكل ما حققوه من مكاسب". وجاء تيودور هرتزل ليحل كل هذه الإشكاليات بوَضْع العقد الصامت استناداً للصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التي نبعت من صميم الحضارة الغربية ومن تاريخها الفكري والاقتصادي والسياسي وبتأسيس المنظمة الصهيونية إطاراً تنظيمياً يمكن من خلاله توقيع العقد الصامت وفرض الصيغة الصهيونية الشاملة على الجماهير اليهودية. كما طوَّر الخطاب المراوغ الذي جعل إرضاء مختلف قطاعات يهود العالم الغربي في غرب أوربا وشرقها أمراً ممكناً.

стр. 6514

لقد جاء تيودور هرتزل ١٨٦٠-١٩٠٤ لينشر عام ١٨٩٦ كتاب الدولة اليهودية مضمناً إياه "محاولة إيجاد حل عصري للمسألة اليهودية". وتلقَّفه وليام هشلر ١٨٤٥ ـ ١٩٣١ القس الإنجليكاني الملحق بالسفارة البريطانية في فيينا، وعاونه في عقد المؤتمر الصهيوني الأول في بال عام ١٨٩٧وصاغ هرتزل شعارات الحركة الصهيونية "نحن شعب"، و"فلسطين وطننا التاريخي الذي لا يُنسَى". ووضع خطة لتحقيق المشروع الصهيوني، وحوَّلها المؤتمر إلى برنامج سياسي، وقاد التحرك الصهيوني مع قوى الاستعمار الغربي وبخاصة في بريطانيا لتنفيذ هذا البرنامج. ووضعت الحركة الصهيونية نصب عينها بعد انعقاد مؤتمرها الأول القيام بمهام ثلاث هي: استعمار فلسطين، ومحاولة خلق شعب يهودي واحد متجانس، وإنشاء حركة تكون بمنزلة رأس الرمح في البرنامج الصهيوني الاستعماري. وتضمَّن هذا البرنامج تشجيع الاستعمار الصهيوني في فلسطين، وتأسيس منظمة تربط يهود العالم عن طريق مؤسسات محلية أو دولية طبقاً لقانون كل دولة، وتقوية الشعور القومي اليهودي، والحصول على موافقة حكومية لبلوغ الأهداف الصهيونية، وصولاً إلى "إنشاء وطن للشعب اليهودي في فلسطين يحميه القانون". باشرت الحركة الصهيونية تهجير يهود أوربيين إلى فلسطين التي كانت جزءاً من الدولة العثمانية. واستغلت هذه الحركة ما كانت تعانيه الدولة من فساد إداري لتمكِّن آلاف اليهود من التسلل. وكثَّف هرتزل في هذه المرحلة جهوده الدبلوماسية للحصول على "براءة" تضمن أي كيان صهيوني يقام في فلسطين، فحصل على نوع من الاعتراف الأوربي بالمنظمة الصهيونية العمالية رغم معارضة يهود غير صهاينة رأوا في الصهيونية خطراً عليهم في أوطانهم. وقد استخدم هرتزل مصطلح «البراءة» في جوابه عن سؤال القيصر ولهلم الثاني أن يلخص له مطالب الصهيونية.

стр. 6515

إن هذه البراءة هي في واقع الأمر العقد الصامت الذي أبرم بين المنظمة الصهيونية (كمتحدث غير منتخب باسم يهود شرق أوربا وغربها) وبين العالم الغربي (وضمن ذلك المعادون لليهود) . وهو تفاهم ضمني بين يهود غرب أوربا ويهود اليديشية، تتعهد الحركة الصهيونية بمقتضاه بإخلاء أوربا من يهودها (أو على الأقل من الفائض البشري اليهودي) وتوطينهم في منطقة خارج هذا العالم الغربي (داخل دولة وظيفية) ، ويتحقق نتيجةً لذلك أن يؤسس المستوطنون في موقعهم الجديد قاعدة للاستعمار الغربي وتتعهد الصهيونية بتحقيق مطالب الغرب ذات الطابع الإستراتيجي وضمنها الحفاظ على تفتُّت المنطقة العربية. هذا فضلاً عن أهداف أخرى تمكِّن الصهيونية من التحكم باليهود وتخلِّص العالم الغربي من نسبة كبيرة منهم. ولم يلتفت هذا العقد لمشكلة شعب الأرض المستهدفة وكيفية حلها، بل عمدت الحركة الصهيونية إلى الزعم بأن "فلسطين أرض بلا شعب" منكرة وجود شعب تمتد جذوره في وطنه إلى فجر التاريخ الإنساني. وقد جاء استهداف طرفي العقد فلسطين لعدة أسباب في مقدمتها موقع فلسطين في قلب دائرة الوطن العربي وفي موقع إستراتيجي من دائرة العالم الإسلامي والحضارة العربية الإسلامية.

стр. 6516

والعقد الصامت بين الحضارة الغربية والمنظمة الصهيونية هو الإطار الذي تمت من خلاله عملية الاستعمار الإحلالي الصهيوني في فلسطين. وقد مارست دول أوربا الاستعمارية ضغوطاً على الدولة العثمانية لتمكِّن الصهيونية من التسلل إلى فلسطين في مطلع القرن، وعملت الحركة الصهيونية طابوراً خامساً لهذه الدول إبان الحرب العالمية الأولى (١٩١٤ـ ١٩١٨) . ثم قامت بريطانيا يوم ٣ نوفمبر ١٩١٧ بأصدار تصريح بلفور الذي مثَّل اعترافاً رسمياً بريطانياً بالهدف الصهيوني الخاص بتحويل فلسطين إلى وطن قومي لليهود والتزاماً بريطانياً رسمياً بالتعاون مع المنظمة الصهيونية العالمية لتحقيق هذا الهدف. وكان هدف بريطانيا منه استعمار فلسطين واغتصابها وإيجاد قاعدة استعمارية استيطانية فيها تفصل مشرق الوطن العربي عن مغربه، وتمكِّن بريطانيا من الهيمنة على المنطقة. تتالت الأمثلة الواقعية على هذا العقد الصامت في فلسطين إبان فترة ما بين الحربين وأثناء الحرب العالمية الثانية التي شكلت خلالها الحركة الصهيونية "الفيلق اليهودي" ليحارب مع الحلفاء. ومكَّنت بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، التي أصبحت قائدة الاستعمار الغربي بعد الحرب، الحركة الصهيونية من إقامة دولة إسرائيل في فلسطين عام ١٩٤٨ وخلال العدوان الثلاثي وحرب ١٩٦٧ عملت إسرائيل لمصلحة المخططات الغربية في المنطقة. وقد كشفت الوثائق البريطانية عن نظرة ونستون تشرشل أحد رموز الاستعمار الغربي في الخمسينيات لدور إسرائيل في الضغط على مصر لتقبل الشروط البريطانية. والأمر نفسه كشفته الوثائق الأمريكية في الستينيات وما بعد. وقد جاء تجسيد «العقد الصامت» صارخاً في الاتفاق الإستراتيجي الأمريكي الإسرائيلي عام ١٩٨١ الذي استهدف فلسطين والدائرة العربية والدائرة الإسلامية. وهكذا عبَّر العقد عن نفسه من خلال مذكرات تفاهم واتفاقيات عسكرية وإستراتيجية ودعم عسكري ومالي وسياسي فعلي.

стр. 6517

لقد واجه طرفا العقد مقاومة قوية استمرت هي الأخرى في مراحل نضال الشعوب المُستعمَرة من أجل التحرير في الدائرة العربية والإسلامية. ولا تزال هذه المقاومة مستمرة. وقد برزت بفعلها أسئلة عن مستقبل القاعدة الاستعمارية الاستيطانية الصهيونية، وعن مدى صواب إستراتيجية العداء الغربي للعروبة وحضارة الإسلام، وعن ما تسببه الصهيونية العنصرية من تداعيات تهدد يهوداً كثيرين فضلاً عن الشعوب العربية والإسلامية المُستهدَفة بالعقد الصامت. العقد الصامت والدعم السياسي والاقتصادي والعسكري الغربي للحركة الصهيونية وللدولة الصهيونية Silent Contract and Western Political, Economic, and Military Support of the Zionist Movement and State قامت القوى الاستعمارية الغربية بدعم الحركة الصهيونية حتى عام ١٩٤٨ ثم قامت بدعم الدولة الوظيفية بعدها. وسنتناول بعض أشكال الدعم السياسي في مداخل هذا الباب. وبإمكان القارئ أن يعود إلى الباب المعنون «الدولة الوظيفية» وإلى المدخل المعنون «المعونات الخارجية للدولة الصهيونية الوظيفية.» لجنة كينج ـ كرين King-Crane Commission

стр. 6518

في سياق تصفية تركة الحرب العالمية الأولى بتقسيم مناطق النفوذ في العالم بين البلدان الاستعمارية المنتصرة، وانطلاقاً من رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في استثمار تضارب المصالح بين فرنسا وبريطانيا لإيجاد موطئ قدم في المنطقة العربية، اقترح الرئيس الأمريكي ويلسون في مارس ١٩١٩ على المجلس الأعلى لمؤتمر الصلح بين دول الحلفاء (أمريكا ـ بريطانيا ـ فرنسا ـ إيطاليا) إرسال لجنة تحقيق للوقوف على رغبات المواطنين في فلسطين وسوريا ولبنان وشرق الأردن تمهيداً لتقرير مصير المنطقة. ورغم التصديق على الاقتراح، فقد امتنعت فرنسا وبريطانيا عن الاشتراك في اللجنة لعلمهما بأن نتائج التحقيق لن تكون في صالحهما، ولذا فقد اقتصرت اللجنة على العضوين الأمريكيين اللذين سُميِّت اللجنة باسميهما وهما: هنري كينج وتشارلز كرين بالإضافة إلى بعض المستشارين. اطلعت اللجنة على المذكرة التي قدمتها المنظمة الصهيونية العالمية للمؤتمر في فبراير ١٩١٩، والتي تضمنت مطالب الحركة الصهيونية المتمثلة في الاعتراف بما يُسمَّى «الحقوق التاريخية للشعب اليهودي» في فلسطين، وحق اليهود في إقامة "وطن قومي" لهم، كما اطلعت على المذكرات المماثلة التي قدمها الفلسطينيون للمؤتمر، ومنها: مذكرة الاحتجاج التي بعث بها وجهاء وأعيان مدينة نابلس في يناير ١٩١٩، والمذكرة التي قدمها المؤتمر العربي الفلسطيني الأول في الشهر نفسه. وقد شددت المذكرات العربية على رفض المطالب الصهيونية وعلى أن فلسطين جزء لا يتجزأ من سوريا.

стр. 6519

وفي العاشر من يونيه ١٩١٩، بدأت اللجنة عملها في يافا فالتقت بالجمعيات الشعبية فيها وممثلي الطوائف الدينية ومندوبي القرى، واستمعت إلى مطالبهم. وفي القدس، التقت اللجنة بممثلي الجمعية الإسلامية ـ المسيحية الذين أكدوا رفض الهجرة اليهودية إلى فلسطين لأنها ترمي إلى تحقيق المشروع الصهيوني بإقامة وطن قومي لليهود، كما أكدوا وحدة سوريا وفلسطين مع احتفاظ الأخيرة باستقلالها الداخلي وحريتها في انتخاب حكامها من الوطنيين وسن قوانينها وفقاً لرغبات السكان. وواصلت اللجنة جولتها في المدن والقرى الفلسطينية حيث تعرفت على مواقف مختلف الأطراف، ثم سافرت إلى دمشق وأجرت فيها استفتاء شمل العلماء وممثلي الطوائف والحرف وممثلي مجلس الشورى وغيرهم، وتسلَّمت مذكرة من المؤتمر السوري العام تضمَّنت المطالب العربية الأساسية، كما انتقلت اللجنة إلى شرق الأردن وبيروت واطلعت على آراء السكان هناك. ثم توجَّهت بعد ذلك إلى الأستانة حيث عكفت على دراسة المذكرات والوثائق التي تلقتها وبلغت ١٨٦٣ مذكرة، وانتهت من وضع تقريرها في أغسطس ١٩١٩ (ولكنه لم يُنشَر إلا بشكل موجز عام ١٩٢٢، ولم يُنشَر رسمياً إلا عام ١٩٤٧) .

стр. 6520

وذكرت اللجنة في تقريرها أن العداء للصهيونية لا يقتصر على فلسطين فحسب بل يشمل المنطقة كلها، وأن هناك إجماعاً على رفض البرنامج الصهيوني تماماً، وأضافت أن اليهود ـ الذين يشكلون نحو ١٠% من سكان فلسطين ـ هم وحدهم الذين يؤيدون الصهيونية وإن كانوا يختلفون في بعض التفاصيل والوسائل المتعلقة بإقامة الدولة اليهودية ومدى تَوافُقها مع تعاليم الدين اليهودي، كما أنهم وحدهم الذين يطالبون بفرض الانتداب البريطاني على فلسطين لأنه سيساعدهم على تحقيق مشروعهم. واعترفت اللجنة بأنها لمست بوضوح إصرار الصهاينة على تهجير الفلسطينيين والاستيلاء على الأراضي بالقوة. ووصف التقرير المزاعم الصهيونية بشأن "الحقوق التاريخية" لليهود في فلسطين بأنها لا تستوجب الاكتراث ولا يمكن النظر إليها جدياً بعين الاعتبار. وبيَّنت اللجنة ما في تعهدات وعد بلفور من ازدواجية وتناقض إذ "لا يمكن إقامة دولة يهودية دون هَضْم خطير للحقوق المدنية والدينية للطوائف غير اليهودية في فلسطين". وكانت أهم توصيات اللجنة: ١ ـ ضرورة تحديد الهجرة اليهودية إلى فلسطين والعدول نهائياً عن الخطة الرامية إلى جعلها دولة يهودية. ٢ ـ ضم فلسطين إلى دولة سوريا المتحدة لتكون قسماً منها. ٣ ـ وضع الأماكن المقدَّسة في فلسطين تحت إدارة لجنة دولية تشرف عليها الدولة المنتدبة وعصبة الأمم، ويمثِّل اليهود فيها بعضو واحد.

стр. 6521

وقد قوبل تقرير اللجنة بالرفض التام من جانب فرنسا وبريطانيا والحركة الصهيونية. أما الولايات المتحدة ـ التي كان رئيسها صاحب فكرة إرسال اللجنة ـ فلم تُعر انتباهاً هي الأخرى لتوصيات اللجنة، رغم ما نص عليه تقريرها من أن المشروع الصهيوني يناقض مبدأ الرئيس ويلسون بشأن حرية الشعوب في تقرير مصيرها. وإذا وضعنا في الاعتبار أن ويلسون نفسه كان قد وافق على تصريح بلفور قبل إعلانه، فستتضح على الفور حقيقة الموقف الأمريكي وحقيقة أن تلك المبادئ لم تكن في الواقع إلا ستاراً للمصالح الاستعمارية. الانتداب The Mandate طبقاً لقرار مؤتمر سان ريمو لدول الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، وفي سياق اقتسام مناطق النفوذ في العالم بين الدول الاستعمارية الكبرى، وُضعت فلسطين عام ١٩٢٠ تحت الانتداب البريطاني، ورأت الحكومة البريطانية أن تحصل على تصديق دولي لهذا القرار، فعرضته على عصبة الأمم التي أصدرت صك الانتداب عام ١٩٢٢، وضمَّنته بريطانيا نص وعد بلفور، فأصبح بذلك وثيقة دولية، وأصبحت بريطانيا مسئولة عن تنفيذه أمام عصبة الأمم. وتجاهل صك الانتداب واقع فلسطين التاريخي والقومي، والأكثرية العربية الساحقة فيها التي لم يأت ذكرها إلا بشكل عرضي ومنقوص. رغم أن عددهم كان يفوق عندئذ ٩٠%من مجموع السكان، بينما يمثل اليهود ١٠% فقط ولا تتجاوز أملاكهم ٢% من الأراضي. كما جاء الصك مخالفاً بوضوح لميثاق عصبة الأمم نفسها الذي أعطى السكان الأصليين حقهم في اختيار الدولة المنتدبة طبقاً لرغبتهم.

стр. 6522

اتبعت سلطات الانتداب سياسة موالية للصهيونية، فعُيَّن الصهيوني السير هربرت صمويل مندوباً سامياً بريطانياً، وتم إفساح المجال لعمل المؤسسات الصهيونية المختلفة، مثل: الصندوق التأسيسي الفلسطيني، الهستدروت، والمجلس القومي. كما مُنحت عدة امتيازات للمستوطنين الصهاينة مكنتهم من السيطرة على كثير من المصالح الاقتصادية الحيوية في فلسطين، وجرى تعاون واسع بين سلطات الانتداب والوكالة اليهودية. وفي ظل هذه الأوضاع، تزايد النشاط الصهيوني واتجه إلى وسيلتين: الأولى: تشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين على أوسع نطاق، والثانية: تشجيع انتقال الأراضي من العرب إلى اليهود بالطرق المختلفة؛ كشراء الأراضي، ومَنْح القروض لليهود، وتقديم المساعدات لتشييد المستعمرات. ومن ناحية أخرى، شجعت سلطات الانتداب تأسيس المنظمات العسكرية الصهيونية، مثل: الهاجاناه، إتسل، وليحي. وشاركت هذه السلطات في تدريب أفرادها وتطوير وسائلها، وتسترت على نشاطها الإرهابي ضد السكان العرب. وأمام تَصاعُد الرفض العربي للسياسة البريطانية في فلسطين وللإرهاب الذي تمارسه المنظمات الصهيونية، ولمواجهة الانتفاضات العربية المتتالية، أوفدت بريطانيا عدة لجان لدراسة الأوضاع في فلسطين واقتراح حلول لمشكلتها، وهي: لجنة هيكرافت (١٩٢١) ، لجنة شو (١٩٣٠، لجنة بيل (١٩٣٦) ، اللجنة الملكية للتحقيق (١٩٣٦) ، ولجنة وودهيد (١٩٣٨ كما أوفدت بريطانيا أيضاً سير جون سمبسون إلى فلسطين لهذا الغرض، وشكلت مع الولايات المتحدة لجنة مشتركة لتقصي الحقائق هي اللجنة الأنجلو ـ أمريكية (١٩٤٦) . وأوفدت عصبة الأمم لجنة البراق الدولية إلى فلسطين (١٩٣٠ لدراسة الأوضاع إثر انتفاضة البراق عام ١٩٢٩.

стр. 6523

ودرجت الحكومة البريطانية أيضاً، خلال فترة الانتداب، على إصدار الكتب البيضاء لمعالجة الأوضاع المتفجرة في فلسطين. وقد قوبلت هذه الإجراءات بالرفض من الجانب العربي الذي لم يأل جهداً في سبيل التخلص من الاحتلال البريطاني والتغلغل الصهيوني في فلسطين. أما الجانب الصهيوني، فقد اتسمت علاقته مع سلطات الانتداب بالتعاون والتنسيق التام، عدا بعض الفترات القليلة التي شهدت خلافات بينهما نظراً لرفض الصهاينة نصوص الكتب البيضاء ولرغبتهم في الضغط على بريطانيا لدفعها إلى مواقف أكثر تأييداً للمشروع الصهيوني. وقد وصلت الخلافات إلى حد الصدام المسلح بين الطرفين في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وقد أنهت بريطانيا انتدابها على فلسطين في ١٤ مايو ١٩٤٨ بعد طرح القضية برمتها على الأمم المتحدة وصدور قرار تقسيم فلسطين عام ١٩٤٧. لجنة هيكرافت Haycraft Commission في أول مايو ١٩٢١، اندلعت الاشتباكات بين المواطنين الفلسطينيين واليهود في مدينة يافا إثر قيام الهستدروت بتنظيم مظاهرة للعمال اليهود رفعوا خلالها الرايات الصهيونية، وهو الأمر الذي استفز مشاعر الفلسطينيين إذ رأوا في ذلك إعلاناً عن قيام حكومة يهودية في فلسطين. وقد امتدت الاشتباكات إلى القرى والمدن المجاورة واستمرت نحو خمسة عشر يوماً تعرَّض المواطنون الفلسطينيون خلالها لقمع السلطات البريطانية والمستوطنين الصهاينة على حدٍّ سواء. وإزاء إحساس الحكومة البريطانية بتفاقم العداء العربي لها بسبب دعمها للمشروع الصهيوني، وخوفاً من امتداد أعمال العنف ضدها إلى مناطق أخرى من فلسطين، قرَّر هربرت صمويل ـ المندوب السامي البريطاني آنذاك ـ تشكيل لجنة للتحقيق في ملابسات أحداث يافا، وأسند رئاستها إلى توماس هيكرافت ـ قاضي قضاة فلسطين ـ وضمت اللجنة: هـ. لوك وج. ستوبس.

стр. 6524

بدأت اللجنة عملها في أواخر مايو ١٩٢١، فاتصلت بالجمعيات والمؤسسات العربية وتلقت منها تقارير عن الأحداث، كما استمعت إلى عشرات الشهود من الجانب العربي ومن جانب المستوطنين الصهاينة. وفي أكتوبر ١٩٢١، قدمت اللجنة تقريرها إلى مجلس العموم البريطاني أكدت فيه أن موقف بريطانيا المؤيد للمشروع الصهيوني بإقامة "وطن قومي" لليهود في فلسطين هو السبب الأساسي في تصاعُد مشاعر العداء من جانب الفلسطينيين تجاه السلطات البريطانية والمستوطنين اليهود. ونفت اللجنة مسئولية العرب عن تدبير أعمال العنف وأشارت إلى أن الذي أثار نقمة العرب هو: تبجُّح المستوطنين الصهاينة وخروجهم على الآداب العامة في الشوارع، وعدم اعتدادهم بالعادات والتقاليد العربية، وعدم اعترافهم بوجود تقاليد قومية عند العرب، كما أشارت إلى أن عدد اليهود في الوظائف العامة غير متناسب مع نسبتهم، وإلى اتساع سلطة البعثة الصهيونية الزائد عن الحد. ثم بسطت اللجنة شكاوى المواطنين الفلسطينيين الذين يمثلون الطوائف كافة. وأجمعت الشكاوى على مخاطر الهجرة اليهودية إلى فلسطين، ومخاطر الدعم البريطاني للحركة الصهيونية والذي مكَّن المنظمة الصهيونية من أن تصبح بمنزلة حكومة داخل حكومة فلسطين. وأكدت اللجنة في ختام تقريرها أنها لمست بوضوح إصرار الصهاينة على إقامة "الوطن القومي اليهودي" بالقوة، ورفضهم مساواة الفلسطينيين بهم. وانتقد التقرير الدكتور أور رئيس البعثة الصهيونية لاقتراحه بأن لا يُسمَح لغير اليهود بحَمْل السلاح. وقد شنت الدوائر الصهيونية هجوماً عنيفاً على التقرير، فاعتبره حاييم وايزمان هدية قُدِّمت إلى خصومه ليستغلوها في تشويه أغراض الصهيونية، بل ذهب إلى حد القول بأن هذا التقرير غرس بذور المتاعب التي واجهها الصهاينة في فلسطين خلال السنوات التالية. دستور فلسطين Palestine Constitution

стр. 6525

وثيقة صدرت عن البلاط الملكي في قصر باكنجهام في اليوم الرابع عشر من شهر أغسطس ١٩٢٢. وكان هذا الدستور امتداداً لصك الانتداب وتحدَّث عنه البعض باعتباره لائحة لتنظيم عملية تهويد فلسطين، وإطلاقاً ليد "المندوب السامي البريطاني" في فلسطين لتنفيذها. وقد أعطى هذا الدستور للمندوب السامي حق رَفْض القوانين وحق التصرف في الأراضي وحق السجن والإبعاد وحق قبول الشكوى إذا كانت ناجمة عن تقصير في تنفيذ صك الانتداب. ومن مواد هذا الدستور: ـ المادة ١٣: للمندوب السامي أن يهب أو يؤجر أية أرض من الأراضي العمومية أو أي معدن أو منجم، وله أن يأذن بإشغال هذه الأراضي بصفة مؤقتة بالشروط والمدد التي يراها ملائمة. ويشترط في كل هذا أن تجرى كل هبة كهذه أو كل إيجار أو تصرف كهذا وفقاً لمرسوم أو تشريع أو قانون معمول به في فلسطين، أو سيُعمَل به فيما بعد، أو وفقاً لما قد يَصدُر للمندوب السامي من التعليمات بتوقيع جلالته وختمه أو بواسطة الوزير تنفيذاً لأحكام صك الانتداب. ـ المادة ٢٥: للمندوب السامي أن يعلن موافقته أو عدم موافقته على أي قانون بمحض إرادته مع مراعاة التعليمات الصادرة إليه بتوقيع الملك وختمه. ـ المادة ٤٦ ـ الفقرة ٣: يُشترَط ألا يُطبَّق التشريع العام ومبادئ العدل والإنصاف المشار إليها في هذا الدستور في فلسطين إلا بقدر ما تسمح به ظروف فلسطين وأحوالها، ومدى اختصاص جلالة الملك فيها، وأن تُراعَى عند التطبيق التعديلات التي تستدعيها الأحوال العامة. ـ المادة ٨٥: إذا كانت أية طائفة دينية أو كان فريق كبير من سكان فلسطين يشكو من عدم قيام حكومة فلسطين بتنفيذ صك الانتداب، فيحق للطائفة أو الفريق المذكور أن يرفع مذكرة بذلك إلى المندوب السامي بواسطة عضو من أعضاء المجلس التشريعي. الكتاب الأبيض White Paper

стр. 6526

«الكتاب الأبيض» عبارة تُطلَق على مجموعة الوثائق التي تتضمن تقرير السياسة البريطانية فيما يتصل بموضوع ما والتي تقوم الحكومة بتقديمها إلى البرلمان. وقد لعبت هذه الوثائق دوراً مهماً في تاريخ الانتداب البريطاني في فلسطين إذ صدر منها ستة في الفترة ١٩٢٢ ـ ١٩٣٩: ١ ـ الكتاب الأبيض الصادر في يونيه ١٩٢٢ (كتاب تشرشل الأبيض (: سادت فلسطين حالة من القلق وزادت الانتقادات في الصحف البريطانية بعد اتضاح محاباة الحكومة البريطانية للمؤسسة الصهيونية. لذا، رأى تشرشل أن يضع حداً لكل هذا بإصدار بيان رسمي عن السياسة البريطانية في فلسطين. تحتوي هذه الوثيقة التي قدَّمها ونستون تشرشل، باعتباره وزير المستعمرات، تقريراً بريطانياً بالغ الأهمية. فقد أكد هذا الكتاب ما تضمَّنه وعد بلفور ١٩١٧، ثم أعلن أن فلسطين لن تصبح يهودية بمثل ما تُعتبَر إنجلترا إنجليزية، أي أن العرب عليهم ألا يتخوفوا من طَرْد السكان العرب في فلسطين أو اختفاء ثقافتهم أو لغتهم. وأضافت هذه الوثيقة أنه "لا يوجد في وعد بلفور ما يشير إلى أن فلسطين بكاملها ستتحول إلى وطن «قومي» يهودي فقط، إن مثل هذا الوطن القومي سيكون في فلسطين دون أن يعني هذا فرض الجنسية اليهودية على سكان فلسطين بالكامل".

стр. 6527

كذلك تضمنت هذه الوثيقة سياسة الحكومة البريطانية فيما يتعلق بالهجرة، فذكرت أن الهجرة اليهودية ستستمر طالما أنها لا تتجاوز ما تستطيع طاقة البلاد الاقتصادية استيعابه، وأن الحكومة البريطانية ستشجع العمل على منح الإقليم حكماً ذاتياً يديره مجلس تشريعي من اثنى عشر عضواً منتخبين وعشرة مختارين يرأسهم المفوض الأعلى. وقد رفض هذه السياسة العرب واليهود على حدٍّ سواء. وقد استثنى الكتاب الأبيض هذا منطقة شرق الأردن من فلسطين. ومع هذا، سارع الصهاينة إلى الموافقة على الكتاب الأبيض. ولكن العرب أصروا على رفضهم، ذلك أن الوفد الفلسطيني لم يكن مفوضاً بقبول أية سياسة بريطانية مبنية على تصريح بلفور. كما أن تنظيم الهجرة اليهودية كان يعني في واقع الأمر، خلق أكثرية يهودية تعني بدورها سيطرة الصهاينة على فلسطين. ٢ ـ الكتاب الأبيض الصادر في أكتوبر ١٩٣٠ (كتاب باسفيلد الأبيض (: وقد أصدر هذا الكتاب اللورد باسفيلد وزير المستعمرات في أكتوبر ١٩٣٠ على إثر الاضطرابات الدامية التي شهدها عام ١٩٢٩. فقد أرسلت الحكومة البريطانية لجنة شو لتقصِّي الحقائق حول أسباب هذه الحوادث. وجاءت هذه الوثيقة لتشير إلى أن إعلان وعد بلفور والانتداب البريطاني في فلسطين كليهما يتضمنان نوعين من الالتزامات الملقاة على عاتق الحكومة البريطانية. الأول منها يتعلق بكفالة إنشاء وطن "قومي" لليهود في فلسطين، والثاني يتعلق بموقف السكان غير اليهود. وقد رفضت الوثيقة وجهة النظر القائلة بأن إنشاء وطن "قومي" لليهود هو الواجب الأساسي لنظام الانتداب، وصاغت السياسة البريطانية المقترحة في أربعة بنود أساسية: الأمن ـ التطوُّر الدستوري ـ التطوُّر الاقتصادي ـ التطوُّر الاجتماعي. وأعلنت الحكومة أنها لن تتحول عن هذه السياسة بتأثير أية ضغوط، وأنها ستعاقب بشدة أية تهديدات للأمن في المنطقة وأنها ستسير قدماً نحو إنشاء المجلس التشريعي الذي اقترحه كتاب تشرشل السابق.

стр. 6528

وتتبنَّى الوثيقة وجهة النظر القائلة بأن مساحة الأرض المزروعة في فلسطين لم تَعُد تسمح باستيعاب مهاجرين جدد، وتنتقد بشدة سياسة الوكالة اليهودية الخاصة بالاستيطان، إذ ترى فيها تهديداً للوجود العربي في فلسطين، كما أنها تتعارض مع مزاعم الصهيونية القائلة برغبة الصهاينة في العيش في سلام مع العرب. وطالبت الوثيقة بإدخال موضوع الأيدي العاملة العربية التي تعاني من البطالة في التقدير عند الحديث عن الطاقة الاقتصادية للإقليم فيما يتعلق بالهجرة. وقد تعرَّضت هذه السياسة لنقد عنيف من بعض الساسة البريطانيين الذين رأوا فيها اتجاهاً إلى تخلِّي الحكومة البريطانية عن التزاماتها الواردة في صك الانتداب. كذلك قدَّم وايزمان استقالته من رئاسة الوكالة اليهودية احتجاجاً على ما اعتبره إنكاراً لحقوق وآمال «الشعب اليهودي» في إنشاء وطن "قومي". وقد دخلت لجنة حكومية خاصة في مفاوضات مع ممثلين للوكالة اليهودية نتج عنها خطاب رامزي ماكدونالد رئيس الوزراء في ١٣ فبراير ١٩٣١ الذي وجَّهه إلى وايزمان واعتُبر وثيقة رسمية قُدِّمت لعصبة الأمم وللمندوب السامي في فلسطين. ولم يكن الخطاب في الظاهر سوى تفسير لكتاب باسفيلد الأبيض. إلا أنه من الناحية العملية تَضمَّن إلغاء الكثير من القيود التي فُرضت على الحركة الصهيونية عندما أكد أن الالتزام الوارد في صك الانتداب هو التزام "للشعب اليهودي" وليس فقط للسكان اليهود في فلسطين. كما أكد ما تضمنته ديباجة صك الانتداب (تضمنت نص وعد بلفور) ، بالإضافة لإشارته للحقوق "التاريخية" لليهود في فلسطين. كذلك وافق الخطاب على تسهيل الهجرة اليهودية إلى فلسطين وتشجيع الاستيطان اليهودي بها. ٣ ـ الكتاب الأبيض الصادر في يوليه ١٩٣٧ (لجنة بيل (:

стр. 6529

صدر هذا الكتاب مُتضمِّناً السياسة البريطانية في فلسطين في الوقت نفسه الذي صدر فيه تقرير «اللجنة الملكية لفلسطين» المعروف بتقرير بيل. فذكر أن الحكومة البريطانية قَبلت خطة التقسيم التي وضعتها اللجنة من ناحية المبدأ، وأنها ستتخذ الإجراءات الضرورية لوضعها موضع التنفيذ. وحتى يتم إنشاء الدولتين العربية واليهودية، فإن الحكومة لن تتخلى عن التزاماتها في حفظ السلم والأمن والنظام العام في سائر أنحاء فلسطين. وحتى يتم وَضْع الخطة موضع التنفيذ، فإن الحكومة قررت اتخاذ إجراءين: أ) حظر أي تغيير في ملكية الأراضي يكون من شأنه عرقلة تنفيذ البرنامج الحكومي. ب) تحديد الهجرة في الفترة من أغسطس ١٩٣٧ حتى مارس ١٩٣٨ بثمانية آلاف مهاجر. ٤ ـ الكتاب الأبيض الصادر في ديسمبر ١٩٣٧ (لجنة وودهيد) : وتتضمن هذه الوثيقة خطاباً من وزير المستعمرات إلى ووشوب المندوب السامي في فلسطين. وقد تَضمَّن هذا الخطاب تعيين لجنة وودهيد لدراسة تفصيلات وإمكانات مشروع التقسيم من الناحية العملية، فلو قدَّرت الحكومة أن المشروع عادل وعملي، فإنها ستحيله إلى عصبة الأمم، ويمكن بعدئذ أن تنشئ نظماً حكومية جديدة للمناطق اليهودية والعربية. ٥ ـ كتاب نوفمبر ١٩٣٨ الأبيض (تقرير لجنة وودهيد) :

стр. 6530

بعد إصدار تقرير لجنة وودهيد الذي طالب بإلغاء توصيات لجنة بيل (على اعتبار أن المشروع الذي طالبت به غير مجد) ، وحاولت الحكومة البريطانية تقديم وجهة نظر تهدف إلى احتواء الثورة الفلسطينية التي نشبت آنذاك في جبال فلسطين فانتهت إلى ادعاء رفض التقسيم حيث إن المصاعب الإدارية والسياسية والمالية التي تتضمنها عملية التقسيم من شأنها أن تجعل فكرة التقسيم غير عملية، وعليه فقد قررت الحكومة البريطانية بذل الجهود لخلق تفاهم أكبر بين العرب واليهود عن طريق الدعوة لعقد مؤتمر يحضره ممثلو الوكالة اليهودية وممثلو عرب فلسطين والدول العربية المجاورة للتباحث حول "سياسة المستقبل"، وضمنها موضوعات الهجرة إلى فلسطين "فإذا لم تتوصل الأطراف إلى اتفاق خلال فترة معقولة، فإن الحكومة البريطانية ستتخذ قرارها الخاص". ٦ ـ الكتاب الأبيض الصادر في مايو ١٩٣٩ (كتاب ماكدونالد الأبيض (: أدَّى إخفاق المؤتمر المشار إليه سابقاً إلى صدور هذه الوثيقة التي تضمنت "أن الحكومة البريطانية قد تبنت سياسة جديدة غير سياسة التقسيم، وأن حكومة صاحب الجلالة تعلن ـ حتى تزيل أية شكوك ـ أنها لا تتبنَّى أية سياسة ترمي لجعل فلسطين دولة يهودية"، ذلك أن "هذا يُعدُّ منافياً لالتزاماتها تجاه العرب بمقتضى صك الانتداب" إذ أن هدف الحكومة البريطانية هو خَلْق دولة مستقلة خلال عشر سنوات ... يمكن فيها تأمين الحقوق الأساسية لكل من العرب واليهود، وستكون الخطوة الأولى في هذا الاتجاه هي إلقاء مسئولية الإدارات الحكومية على عاتق كل من اليهود والعرب وفقاً لنسبتهم العددية".

стр. 6531

وقد قرَّرت الحكومة في هذه الوثيقة وَقْف الهجرة اليهودية لا على أسس اقتصادية هذه المرة، ولكن على أساس مبدأ سياسي "ذلك أن الحكومة لا تستطيع أن ترى في وثيقة الانتداب أيَّ دليل على أن الهجرة يجب أن تستمر إلى الأبد ... أو أن قدرة البلاد الاقتصادية على امتصاصها يجب أن تكون المعيار الوحيد، إذ أن خوف العرب من الهجرة اليهودية غير المحدودة يجب أيضاً أن يؤخذ بعين الاعتبار عند وضع سياسة الهجرة". وقرَّرت الوثيقة أن اتساع الوطن اليهودي دون ضوابط "سيعني الحكم بالقوة"، ولذلك "فإن الحكومة البريطانية قررت ألا تسمح باتساع هذا الوطن ـ عن طريق قبول المزيد من المهاجرين ـ إلا إذا قبل العرب ذلك، وعليه فإن حجم الهجرة الكلي سيحدد خلال السنوات الخمس التالية بـ ٧٥.٠٠٠ مهاجر، وهو ما يجعل العدد الكلي لليهود في فلسطين حوالي ثلث إجمالي عدد السكان. وبعد نهاية السنوات الخمس، لن يُسمَح بالمزيد من الهجرة في حالة رفض العرب ذلك". وبالنسبة لتحويل ملكية الأراضي، قررت الوثيقة رفض المزيد من عمليات تحويل الملكية في بعض المناطق، وعملت على تقييدها في مناطق أخرى. و"يُعطَى المندوب السامي في فلسطين الصلاحيات اللازمة لمنع وتنظيم هذه العمليات". وفي ٢٨ فبراير ١٩٤٠، أصدر المندوب السامي «قانون تحويل ملكية الأراضي» الذي قسَّم الإقليم الفلسطيني إلى ثلاث مناطق: ١ ـ المنطقة (أ) ، وتشمل التل وبعض المناطق المجاورة (٦٤% من مساحة فلسطين) وهذه حُظر فيها نقل ملكية الأرض لغير العرب الفلسطينيين. ٢ ـ المنطقة (ب) ، وتشمل وادي جزريل والجليل الشرقي ومعظم السهل الساحلي (ما عدا منطقة تل أبيب) والنجف (٣١% من مساحة فلسطين) وهذه أُبيح فيها انتقال الملكية في ظروف معيَّنة. ٣ ـ المنطقة ج (٥% من مساحة فلسطين) ، وقد بقيت «منطقة حرة» .

стр. 6532

وقد اعتادت الحركة الصهيونية أن تنظر لهذه الوثيقة باعتبارها بداية «الخيانة النهائية» للالتزامات الواردة في إعلان بلفور «للشعب اليهودي» وللانتداب البريطاني على فلسطين. وأعلنت الحرب ضد الانتداب البريطاني على فلسطين منذ صدورها. لجنة شو Shaw Commission أدَّت انتفاضة عام ١٩٢٩ في فلسطين إلى تزايد مخاوف بريطانيا من تصاعُد الرفض العربي لسياستها المؤيدة للمشروع الصهيوني، وبدا لها أن الاشتباكات، التي جرت خلال هذا العام بين المواطنين الفلسطينيين من جهة والمستوطنين الصهاينة وسلطات الانتداب البريطاني من جهة أخرى، يمكن أن تمتد إلى مناطق أخرى داخل فلسطين وخارجها بشكل يهدد المصالح البريطانية في المنطقة. وفي محاولة لاحتواء الموقف، سارع لورد باسفيلد ـ وزير المستعمرات البريطاني آنذاك ـ بتشكيل لجنة للتحقيق في أحداث الانتفاضة التي فجَّرها ادعاء المستوطنين الصهاينة ملكية الحائط الغربي من الحرم الشريف بالقدس (حائط البراق) ، وتولَّى رئاسة اللجنة والتر شو (أحد القضاة الإنجليز) . بدأت اللجنة عملها في أواخر سبتمبر ١٩٢٩، فاستمعت إلى شهادة عدد من كبار موظفي حكومة الانتداب، وحصلت على بيانات عن الأوضاع الاقتصادية للمواطنين الفلسطينيين ومعدلات الهجرة اليهودية إلى فلسطين والمؤسسات الممثلة لمختلف الطوائف. ثم بدأت اللجنة في عقد جلسات استماع، واعتُبرت الوكالة اليهودية مُمثِّلة للمستوطنين اليهود واعتُبرت اللجنة التنفيذية ـ المنتخبة من المؤتمر العربي الفلسطيني السابع عام ١٩٢٧ ـ مُمثِّلة للفلسطينيين. واستمر عمل اللجنة نحو شهرين توجهت بعدهما إلى لندن حيث عكفت على إعداد تقريرها الذي قدمته إلى وزير المستعمرات البريطاني في مارس ١٩٣٠.

стр. 6533

لامت اللجنة العرب لبدئهم المشكلة، ولكن التقرير ذكر أن السبب الحقيقي لتَفجُّر الأحداث يَكمُن في الأعمال الاستفزازية التي يقوم بها المستوطنون اليهود، فضلاً عن مخاوف الفلسطينيين على مصالحهم الاقتصادية من جراء الأنشطة الصهيونية الرامية إلى تهجير الفلسطينيين والاستيلاء على الأراضي الخاصة بهم، وكذلك المخاوف من اتساع اختصاصات الوكالة اليهودية في ظل دعم سلطات الانتداب. وكانت أهم توصيات اللجنة: ١ ـ أن تُصدر بريطانيا بياناً صريحاً عما تنوي اتباعه في فلسطين، وتفسر في الوقت نفسه المقصود بأحكام صك الانتداب وبخاصة ما يتعلق منها بحقوق الطوائف غير اليهودية في فلسطين. ٢ ـ أن يُوضَع تفسير دقيق للبند الوارد في صك الانتداب بشأن مهام الوكالة اليهودية، بحيث يتم تأكيد أن الامتيازات التي تحظى بها الوكالة بموجب هذا البند لا تخوِّلها حق الاشتراك في حكومة فلسطين. ٣ ـ وضع قيود على انتقال الأراضي، واتخاذ وسائل لحماية المزارعين الفلسطينيين والحيلولة دون إجلائهم عن الأراضي التي يزرعونها لكيلا يتسبب ذلك في مزيد من الاضطرابات في المستقبل. ٤ ـ ضرورة تهدئة موجات السخط والاستياء بين المواطنين الفلسطينيين نظراً لحرمانهم من الحكم الذاتي، إذ أن استمرار الأوضاع على ما هي عليه سيزيد مصاعب سلطات الانتداب. ٥ ـ إصدار بيان صريح من جانب بريطانيا بشأن الهجرة اليهودية إلى فلسطين ودراسة وسائل تنظيمها وتحديدها. ٦ ـ تشكيل لجنة دولية بإشراف مجلس عصبة الأمم لتحديد حقوق الفلسطينيين والمستوطنين اليهود في حائط البراق. وقد قوبل تقرير اللجنة بالرفض من الدوائر الصهيونية بينما نظرت إليه الأوساط العربية بارتياح مشوب بالحذر والتحفظ. وقد تشكَّلت ـ طبقاً لتوصيات التقرير ـ لجنة حائط البراق، كما كان التقرير سبباً من أسباب صدور الكتاب الأبيض عام ١٩٣٠. لجنة حائط البرا ق Buraq Wall Commission

стр. 6534

لجنة دولية شكلتها عصبة الأمم في يناير ١٩٣٠ بناء على توصية تقرير لجنة شو، وذلك للنظر في النزاع القائم بين الفلسطينيين والمستوطنين اليهود بشأن حائط البراق الذي يشكل جزءاً من الحائط الغربي للحرم الشريف بالقدس. وتألفت اللجنة من ثلاثة أعضاء من السويد وسويسرا وأندونيسيا، وبدأت عملها في يونيه ١٩٣٠ فاستمعت إلى شهادة ٥٢ شاهداً من الجانبين وحصلت على ٦١ وثيقة تمثل وجهتي نظر الطرفين. وانتهت اللجنة من وضع تقريرها في ديسمبر من العام نفسه، وحاز موافقة الحكومة البريطانية وعصبة الأمم، ليصبح بذلك وثيقة دولية تؤكد حق الشعب الفلسطيني في حائط البراق، وأهم ما خلصت إليه اللجنة من نتائج: ١ ـ أن ملكية الحائط الغربي تعود إلى المسلمين وحدهم، ولهم فقط الحق العيني فيه، وينطبق ذلك بالمثل على الرصيف المجاور له. ٢ ـ أن أدوات العبادة وغيرها من الأدوات التي يحق لليهود وضعها بالقرب من الحائط ـ استناداً إلى تقرير اللجنة أو بالاتفاق بين الطرفين ـ لا يجوز بأية حال من الأحوال أن يكون من شأنها إثبات أي حق عيني لليهود في الحائط أو في الرصيف المجاور له. ٣ ـ لليهود حرية إقامة التضرعات عند الحائط في جميع الأوقات مع مراعاة عدم جلب أية خيمة أو ستار أو ما شابههما من الأدوات. ٤ ـ لا يُسمَح لليهود بنفخ البوق بالقرب من الحائط. وكان من الطبيعي أن يثير تقرير اللجنة غضب الدوائر الصهيونية، إذ أكد بما لا يدع مجالاً للشك أن حائط البراق من الآثار الإسلامية المقدَّسة، كما بيَّن بوضوح زيف الادعاءات الصهيونية في هذا الشأن. لجنة موريسون Morrison Commission

стр. 6535

بناء على قرار وزير المستعمرات البريطاني، تشكَّلت هذه اللجنة في نوفمبر ١٩٣٣ برئاسة وليم موريسون، وذلك للنظر في الأسباب المباشرة للمظاهرات التي قام بها المواطنون الفلسطينيون في أكتوبر من العام نفسه (احتجاجاً على السياسة البريطانية المؤيدة للمشروع الصهيوني) ووقعت خلالها اشتباكات عنيفة مع سلطات الانتداب البريطاني. وقد قاطع الفلسطينيون أعمال اللجنة إذ أدركو أنها ليست سوى محاولة من بريطانيا لاحتواء الموقف وتهدئة الغضب العربي العام، فضلاً عن أن المهام الموكلة للجنة تنصب على بحث الأسباب المباشرة للأحداث وبالتالي تمنعها من النظر في جذور النزاع الحقيقية والمتمثلة في مجمل سياسات بريطانيا الاستعمارية ودعمها غير المحدود للحركة الصهيونية. وقد حدث بالفعل ما كان متوقعاً، فقد جاء تقرير اللجنة في فبراير ١٩٣٤ متجنياً بشدة على المواطنين الفلسطينيين إذ حمَّلهم وحدهم مسئولية أعمال العنف، دون أن يتطرق البتة إلى القمع الوحشي الذي واجهت به سلطات الانتداب جموع المتظاهرين وأسفر عن سقوط أكثر من ثلاثين شهيداً، كما لم يذكر التقرير شيئاً عن التحالف البريطاني ـ الصهيوني، ولكنه لاحظ الاختلاف بين أحداث ١٩٣٣ وانتفاضة عامي ١٩٢٠ و١٩٢٩ وأكد أن ثمة مغزى في اتجاه الفلسطينيين للكفاح ضد بريطانيا بشكل مباشر، وفي إدراكهم العلاقة الحيوية بينها وبين الحركة الصهيونية. لجنة بيل Peel Commission لجنة تحقيق شكلتها الحكومة البريطانية في أغسطس ١٩٣٦ بغرض دراسة الأسباب الأساسية لانتفاضة المواطنين الفلسطينيين في أبريل ١٩٣٦ وبحث كيفية تنفيذ صك الانتداب على فلسطين والتزامات بريطانيا تجاه كل من الفلسطينيين والمستوطنين اليهود، كما طلبت الحكومة من اللجنة تقديم توصيات بشأن شكاوى الفلسطينيين واليهود عن طريقة تنفيذ الانتداب. وقد ضمت اللجنة ستة أعضاء برئاسة اللورد بيل الذي شغل منصب وزير شئون الهند.

стр. 6536

وصلت اللجنة إلى فلسطين في نوفمبر ١٩٣٦، واستمر عملها ستة أشهر عقدت خلالها ستة وأربعين اجتماعاً منها واحد وثلاثون اجتماعاً علنياً واستمعت إلى أربعين شاهداً يهودياً، أما الفلسطينيون فقد قاطعوا أعمال اللجنة في بداية الأمر ثم تغيَّر الموقف فيما بعد، وقد أدلى بشهادته أمامها مفتي فلسطين الحاج محمد أمين الحسيني بالإضافة إلى أربعة وعشرين شاهداً. وفي يوليه ١٩٣٧، قدَّمت اللجنة تقريرها الذي أرجع انتفاضة المواطنين الفلسطينيين إلى رغبتهم في الاستقلال القومي وإلى مخاوفهم من إقامة الوطن القومي اليهودي واستمرار الهجرة اليهودية إلى فلسطين واستيلاء المستوطنين الصهاينة على الأراضي العربية، فضلاً عن عدم تكافؤ الفرص بين الفلسطينيين واليهود في عَرْض قضيتهم أمام الحكومة والبرلمان في بريطانيا وتشكَّك الجانب العربي في قدرة ورغبة الحكومة البريطانية في تنفيذ وعودها. وتوصلت اللجنة إلى أن استمرار الانتداب البريطاني على فلسطين يعني مزيداً من التذمر إلى أجل غير مسمى، فهو الذي خلق العداء بين الفلسطينيين واليهود نظراً لتناقُض الالتزامات الواردة في صك الانتداب والتي يستحيل معها تحقيق المطلب الرئيسي لكل طرف دون الإخلال بالالتزام تجاه الطرف الآخر. ولهذا، أوصت اللجنة بأن تتخذ الحكومة البريطانية الخطوات اللازمة لإنهاء الانتداب وتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية مع بقاء القدس وبيت لحم والناصرة تحت الانتداب البريطاني، وكانت تلك المرة الأولى التي ترد فيها فكرة التقسيم.

стр. 6537

وقد تباينت ردود الأفعال تجاه تقرير لجنة بيل، ففي حين رأت الحكومة البريطانية في مشروع التقسيم أفضل حل للمشكلة، أعرب الفلسطينيون عن رفضهم تقسيم فلسطين أو التنازل عنها، وذلك من خلال مؤتمر بلودان في سبتمبر ١٩٣٧. أما الحركة الصهيونية، فقد أجمع ممثلوها في المؤتمر الصهيوني العشرين على رفض انتقادات لجنة بيل لنظام الانتداب، ولكنهم اختلفوا فيما بينهم بشأن موضوع التقسيم وطالبوا بمزيد من الضمانات للدولة اليهودية. وقد درست لجنة الانتدابات التابعة لعصبة الأمم تقرير اللجنة. ورغم اعترافها بمساوئ الانتداب، إلا أنها اعتبرت قيام دولتين مستقلتين عملاً غير حكيم قبل مضي فترة أخرى من إدارة الانتداب، وأوصت ـ في حالة قبول مشروع التقسيم ـ ببقاء الدولتين العربية واليهودية تحت نظام انتداب انتقالي إلى أن تبرهن كلٌّ منهما على أحقيتها بالاستقلال. وفي سبتمبر ١٩٣٧، اتَّخذ مجلس عصبة الأمم قراراً بتخويل بريطانيا في وضع خطة مفصلة لتقسيم فلسطين، وأُجِّل بحث جوهر الموضوع لحين تقديم هذه الخطة. ويمكن القول بوجه عام بأن تقرير لجنة بيل كان محاولة بارعة لحل مأزق السياسة البريطانية الاستعمارية في المنطقة، فهو يحقق للحركة الصهيونية مطلبها الأساسي في تأسيس "وطن قومي لليهود" ويحاول في الوقت نفسه امتصاص الغضب العربي عن طريق منح الفلسطينيين نوعاً من الاستقلال الشكلي الذي يضمن استمرار السيطرة الاستعمارية البريطانية. لجنة وودهيد Woodhead Commission لجنة تحقيق شكلتها الحكومة البريطانية في مارس ١٩٣٨ تنفيذاً لقرار مجلس عصبة الأمم في سبتمبر ١٩٣٧ حول تقرير لجنة بيل، وكانت مهمة اللجنة العمل على تنفيذ مقترحات لجنة بيل بشأن تقسيم فلسطين، وقد ضمت اللجنة أربعة أعضاء برئاسة سير جون وودهيد.

стр. 6538

وقد عُهد إلى اللجنة أن توصي برسم حدود فاصلة بين المنطقتين العربية واليهودية المقترحتين، وكذلك رسم حدود الأراضي المزمع بقاؤها تحت الانتداب البريطاني بصورة دائمة أو مؤقتة، على أن يكون من شأن هذه الحدود تقديم ضمانات كافية لتأسيس دولتين إحداهما عربية والأخرى يهودية مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة تقليل السكان العرب والمشاريع العربية في المنطقة اليهودية لأقل حد ممكن والعكس بالعكس. كما طالبت الحكومة البريطانية اللجنة بتقديم توصيات تساعدها على القيام بمسئولياتها كدولة منتدبة، كما منحتها الحرية الكاملة في إدخال أية تعديلات على مشروع التقسيم الذي اقترحته لجنة بيل بناء على دراستها للأوضاع الاقتصادية والسياسية في فلسطين. وفي ٢٣ أبريل ١٩٣٨، وصلت اللجنة إلى فلسطين ومكثت بها حتى ٣ أغسطس حيث قابلت شهوداً من المستوطنين اليهود والمسئولين البريطانيين في فلسطين وشرق الأردن وعقدت ٥٥ جلسة كانت اثنتان منها علنيتين والباقية سرية. أما الفلسطينيون فقد قاطعوا اللجنة لإدراكهم أن نقطة انطلاقها هي مشروع تقسيم فلسطين الذي ترفضه الجماهير العربية بجميع طوائفها واتجاهاتها. وقد توجَّهت اللجنة بعد ذلك إلى لندن حيث عقدت عدة جلسات سرية أعدت خلالها تقريرها الذي نُشر في نوفمبر من العام نفسه وذكرت فيه أن الفلسطينيين يقفون موقفاً عدائياً من التقسيم أياً كان شكله الأمر الذي يجعل اقتراحات لجنة بيل بشأن تفريغ الدولة اليهودية المقترحة من السكان العرب عن طريق النقل الإجباري أو الاختياري أمراً مستحيلاً، وفي المقابل قدَّمت اللجنة عدة اقتراحات بديلة لمواجهة المشاكل الناجمة عن التقسيم. وبعد نشر التقرير، أصدرت الحكومة البريطانية كتاباً أبيض تعترف فيه بالصعوبات السياسية والإدارية والمالية التي يتضمنها مشروع التقسيم، وأعلنت عزمها على عقد مؤتمر في لندن للتوصل إلى اتفاق بهذا الشأن من خلال المباحثات بين ممثلي العرب واليهود.

стр. 6539

قرار التقسيم Partition Resolution في التاسع والعشرين من نوفمبر ١٩٤٧ أصدرت هيئة الأمم المتحدة قرار التقسيم. ويمكن القول بأن هذا القرار يشكل البداية الحقيقية لدولة إسرائيل. ومع مقاومة العرب في مناقشات الجمعية العامة للأمم المتحدة، انتوى الوفد الأمريكي القيام بخطوة تهدئ حدة مقاومة العرب واعتزم رئيس الوفد السفير هيرشل جونسون التقدم بتسوية تُبنَى على اقتطاع قسم من أراضي النقب، وضمنها العقبة، وضمه إلى أراضي الدولة العربية المقترحة. غير أن وايزمان يذكر في مذكراته أنه، عندما علم بما انتواه المستر جونسون، سافر إلى الولايات المتحدة لمقابلة الرئيس الأمريكي هاري ترومان في التاسع عشر من نوفمبر ١٩٤٧ ولقي من المستر ترومان لطفاً وعطفاً شديدين. وقبيل أن يقوم المستر جونسون بالإبلاغ عن عزمه بصورة رسمية لسكرتارية الأمم المتحدة، أجرى الرئيس الأمريكي ترومان اتصالاً هاتفياً شخصياً بمندوب الولايات المتحدة الذي أصدر فيما بعد تعليماته للوفد الأمريكي بإبقاء النقب والعقبة ضمن نصيب اليهود. وقد فتح هذا القرار الأمريكي السبيل للتصويت في الجمعية العامة على مشروع التقسيم فنال أكثرية ٣٣ صوتاً مقابل ١٣ صوتاً. فولك برنادوت (١٨٩٥ ـ ١٩٤٨) Folke Bernadotte ضابط سويدي ينحدر من أسرة ملكية عريقة، وقد تلقَّى تعليمه في مدرسة التدريب العسكري للضباط في كالبيرج. ارتبط اسمه بالمسألة اليهودية حين كان يشغل منصب نائب رئيس هيئة الصليب الأحمر السويدية عام ١٩٤٣ وحين تولَّى رئاستها عام ١٩٤٦، ففي هذه الأثناء قام بتنظيم عملية تبادل الأسرى والجرحى بين ألمانيا النازية والحلفاء ثم تفاوض مع هيملر (مسئول الأمن الألماني) عام ١٩٤٥ بشأن إطلاق سراح أكثر من ٧٠٠٠ معتقل إسكندنافي من بينهم ما يزيد على ٤٠٠ يهودي دانماركي. وقد نجح برنادوت في إطلاق سراح عدة آلاف من النساء اليهوديات من معسكرات الاعتقال.

стр. 6540

وفي عام ١٩٤٨ قام مجلس الأمن باختيار برنادوت وسيطاً في النزاع العربي الإسرائيلي لتنفيذ اتفاقية الهدنة. وكان قد نجح في تحقيق الهدنة الأولى بين الطرفين المتحاربين في ١١ يونيه، متنقلاً بين العواصم العربية للتعرف على وجهة نظر الزعماء العرب بشأن قضية فلسطين، كما اجتمع بالقادة الصهاينة واطلع على موقفهم بالنسبة للنزاع. وأسفرت هذه الاتصالات عن عدد من المقترحات عُرفت باسم «مقترحات برنادوت» قامت على أساس إدخال تعديلات على قرار الأمم المتحدة عام ١٩٤٧ بتقسيم فلسطين إلى دولتين، وهو ما رأت فيه الدوائر الصهيونية إخلالاً بموازين القوى بين الدولة الصهيونية الناشئة والبلدان العربية المحيطة. ومن ثم، دبرت منظمة شتيرن الصهيونية خطة لاغتيال الرجل، وقامت بتنفيذها في ١٧ سبتمبر ١٩٤٨ أثناء وصوله إلى القدس قادماً من دمشق خلال عمله كوسيط. وفي البداية، أعلنت جهة مزعومة تطلق على نفسها "جبهة أرض الأجداد" مسئوليتها عن الحادث، ثم تبيَّن فيما بعد أن الاسم المزعوم ما هو إلا ستار لمنظمة شتيرن. وجدير بالذكر أن إسحق شامير كان أحد ثلاثة خططوا وأطلقوا النار على برنادوت. ومما يستلفت النظر أن الصندوق القومي اليهودي قام بإطلاق اسم برنادوت على إحدى الغابات "تكريماً" لذكراه. ولبرنادوت مؤلفان أولهما ويسدل الستار ـ أو ـ الأيام الأخيرة للرايخ الثالث (١٩٤٥) ، والثاني إلى القدس (١٩٥١) . مقترحات برنادوت Bernadotte Proposals مقترحات خاصة بالنزاع العربي الإسرائيلي أعدها فولك برنادوت من خلال اتصالاته مع الزعماء العرب والقادة الصهاينة أثناء عمله كوسيط بين الأطراف المتحاربة بتكليف من مجلس الأمن، وذلك لتنفيذ اتفاقية الهدنة عام ١٩٤٨. وقد أرسل برنادوت مقترحاته في أوائل سبتمبر عام ١٩٤٨ إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تلقتها وقامت بنشرها بعد أيام قليلة من اغتياله.

стр. 6541

وتقوم هذه المقترحات على إدخال بعض التعديلات على قرار الأمم المتحدة الصادر عام ١٩٤٧ الخاص بتقسيم فلسطين، وتتلخص فيما يلي: ١ ـ ينشأ في فلسطين بحدودها التي كانت قائمة أيام الانتداب البريطاني الأصلي عام ١٩٢٢ (وهي تتضمن شرقي الأردن) اتحاد من عضوين أحدهما عربي والآخر يهودي. وذلك بعد موافقة الطرفين اللذين يعنيهما الأمر. ٢ ـ تُجرَى مفاوضات يساهم فيها الوسيط لتخطيط الحدود بين العضوين على أساس ما يعرضه هذا الوسيط من مقترحات. وحين يتم الاتفاق على النقاط الأساسية، تتولَّى لجنة خاصة تخطيط الحدود نهائياً. ٣ ـ يعمل الاتحاد على تدعيم المصالح المشتركة، وإدارة المنشآت المشتركة وصيانتها، وضمن ذلك الضرائب والجمارك، وكذا الإشراف على المشروعات الإنشائية وتنسيق السياسة الخارجية والدفاعية. ٤ ـ يكون للاتحاد مجلس مركزي وغير ذلك من الهيئات اللازمة لتصريف شئونه حسبما يتفق عضوا الاتحاد. ٥ ـ تكون الهجرة إلى أراضي كل عضو بحسب طاقة ذلك العضو على استيعاب المهاجرين. ولأي عضو، بعد عامين من إنشاء الاتحاد، الحق في أن يطلب إلى مجلس الاتحاد إعادة النظر في سياسة الهجرة التي يسير عليها العضو الآخر؛ وفي وضع نظام يتمشى والمصالح المشتركة للاتحاد؛ وفي إحالة المشكلة، إذا لزم الأمر، إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة. ٦ ـ كل عضو مسئول عن حماية الحقوق المدنية وحقوق الأقليات، على أن تكون الأمم المتحدة ضامنة لهذه الحقوق. ٧ ـ تقع على عاتق كل عضو مسئولية حماية الأماكن المقدَّسة والأبنية والمراكز الدينية، وضمان الحقوق القائمة في هذا الصدد. ٨ ـ لسكان فلسطين، إذا غادروها بسبب الظروف المترتبة على النزاع القائم، الحق في العودة إلى بلادهم دون قيد وفي استرجاع ممتلكاتهم. وقد أتبع برنادوت مقترحاته السابقة بملحق تضمَّن الآتي:

стр. 6542

"بالإشارة إلى الفقرة الثانية من المقترحات، يبدو أن من الأوفق عرض مقترحات تكون أساساً لتخطيط الحدود بين العضوين: ١ ـ ضم منطقة النقب بأكملها أو جزء منها إلى الأراضي العربية. ٢ ـ ضم منطقة الجليل الغربي بأكملها أو جزء منها إلى الأراضي اليهودية. ٣ ـ إعادة النظر في وضع مدينة يافا. ٤ ـ ضم مدينة القدس إلى الأراضي العربية، ومنح الطائفة اليهودية فيها استقلالاً ذاتياً لإدارة شئونها، واتخاذ التدابير اللازمة لحماية الأماكن المقدَّسة. ٥ ـ إنشاء ميناء حر في حيفا، على أن تشمل منطقة الميناء الحر مصانع تكرير البترول ونهاية خط الأنابيب. ٦ ـ إنشاء ميناء جوي حر في مطار اللد. ويبدو أن برنادوت اقترح اتحاد شرقي الأردن وفلسطين آخذاً بعين الاعتبار الوضع الجغرافي لشرقي الأردن. وقد رفضت البلدان العربية مقترحات برنادوت لأنها تعترف بتقسيم فلسطين وبقيام الدولة الصهيونية كأمر واقع لا مناص منه، كما أنها تفسح المجال للاستعمار الاقتصادي الصهيوني في الكيان الفلسطيني المقترح. أما الحكومة الإسرائيلية المؤقتة، برئاسة بن جوريون، فقد رفضت المقترحات بشدة لأنها ـ في نظرها ـ تخل بالتوازن بين الدولة الصهيونية الناشئة والبلدان العربية المحيطة، كما أنها "تتجاوز" اختصاصات برنادوت كوسيط. ومن ناحية أخرى، لم تحصل المقترحات على تأييد الجمعية العامة للأمم المتحدة في نوفمبر ١٩٤٨ حيث أيَّدت بريطانيا والولايات المتحدة مقترحات برنادوت في حين عارضها الاتحاد السوفيتي. وفي ضوء ما تلقَّاه من ملاحظات وردود على مقترحاته الأولى، وما لاحظه من مشاهداته عند زيارته لفلسطين، أعد برنادوت صيغة معدلة لاقتراحاته عُرفت باسم «مشروع برنادوت» بعث به قبل اغتياله إلى الأمين العام للأمم المتحدة. وتتلخص خطوطه العامة فيما يلي:

стр. 6543

١ ـ يجب أن يعود السلام العام الشامل إلى ربوع الأراضي المقدَّسة حتى يمكن إيجاد جو من الهدوء تعود فيه العلاقات الطيبة بين العرب واليهود إلى الوجود. وينبغي على الأمم المتحدة أن تتخذ كل ما من شأنه إيقاف الأعمال العدوانية في فلسطين. ٢ ـ يجب أن يعترف العالم العربي بأنه قد أصبح في فلسطين دولة يهودية ذات سيادة تُدعَى «دولة إسرائيل» وهي تمارس سلطاتها كاملة في جميع الأراضي التي تحتلها. ٣ ـ يجب قيام هذه الدولة الإسرائيلية ضمن الحدود التي نص عليها قرار التقسيم. الباب الخامس: الصهيونية والعلمانية الشاملة الرفض الصهيوني لليهودية Zionist Rejection of Judaism تمت محاولات عدة لعلمنة اليهودية من الداخل من أهمها اليهودية الإصلاحية واليهودية المحافظة، ثم تصاعدت حدة العلمنة في اليهودية التجديدية. والصهيونية، في تصوُّرنا، أهم الأيديولوجيات اليهودية في العصر الحديث التي أنجزت عملية العلمنة من الداخل. وموقف الصهيونية من اليهودية يأخذ شكلين مختلفين مرتبطين: ١ ـ رفض العقيدة اليهودية على أساس علماني صريح وبشكل جذري وواضح. ٢ ـ علمنة اليهودية من الداخل، أي صهينتها من خلال الحلولية الكمونية مع استيعاب المصطلح الديني. وسنتناول في هذا المدخل موقف الرفض الجذري والصريح لليهودية.

стр. 6544

طرحت الصهيونية نفسها من البداية على أنها رؤية كاملة وشاملة للحياة اليهودية والتاريخ اليهودي والإنسان اليهودي وعلاقته بالطبيعة (الأرض) وبذاته (الهوية اليهودية) الخ، أي أنها طرحت نفسها كرؤية للكون. وقد أدركت الصهيونية هويتها، منذ البداية، باعتبارها حركة علمانية شاملة ترفض العقيدة اليهودية وترفض الإيمان بأية مطلقات أخلاقية أو دينية متجاوزة لعالم المادة والقوى السياسية والطبقية والصراعات الفكرية. والعنوان الفرعي لكتاب هرتزل دولة اليهود هو محاولة لحل عصري للمسألة اليهودية (تماماً مثل المفكرين العنصريين الغربيين ولهلم مار وإيوجين دوهرنج اللذين كانا يصران على علمانية وعلمية رؤيتهم العنصرية لليهود واليهودية) . ولنا أن نلاحظ أن مؤسسي الحركة الصهيونية الذين أتوا أساساً من مجتمعات وسط أوربا لم يعيروا اليهودية أي انتباه إلا باعتبارها مشكلة تبحث عن حل. بل إن بعضهم اعتبر العقيدة اليهودية نفسها مشكلة اليهود الحقيقية. وقد أظهر بعض زعماء الصهيونية عداءً واضحاً لليهودية، فتيودور هرتزل تعمَّد انتهاك العديد من الشعائر الدينية اليهودية حين قام بزيارة القدس، وذلك لكي يؤكد أن الرؤية الصهيونية رؤية لادينية. وكذا كان الوضع مع ماكس نوردو الذي كان يجهر بإلحاده، ويؤكد دائماً أن كتاب هرتزل دولة اليهود سيحل محل التوراة باعتباره كتاب اليهود المقدَّس. وقد اتخذ الصهاينة موقفاً لا دينياً من كثير من المفاهيم المحورية في العقيدة اليهودية، ويمكن أن نأخذ أهم العناصر وهي الموقف من كلٍّ من الأرض والشعب وآلية عودة الشعب للأرض.

стр. 6545

١ ـ لم تكن صهيون (فلسطين) بالنسبة للصهاينة أرضاً ذات قداسة خاصة، مرتبطة بالخلاص، وإنما كانت مجرد أرض يُنقَل إليها اليهود لأسباب مادية علمانية. ولم يطالب هرتزل بالقدس وإنما طالب بالأرض العلمانية فقط (على حد قوله) ؛ أرض صالحة للتقسيم والتوزيع والاستيطان حتى يمكن إقامة قاعدة يُجمَع فيها اليهود ليقوموا على خدمة من يتكفل بحمايتهم ودعمهم. ٢ ـ وقد تم أيضاً رفض مفهوم الشعب المختار أو الشعب المقدَّس. فالشعب المختار، حسب المفهوم الحاخامي، يشير إلى جماعة من المؤمنين يرتبط انتماؤهم إلى هذه الجماعة بمدى طاعتهم للإله. وقد أخذ الصهاينة موقفاً مغايراً تماماً، فنزعوا القداسة عن هذا الشعب ووجهوا سهام نقدهم إليه وإلى الشخصية اليهودية (الدينية) مستخدمين في نقدهم هذا مقولات تحليلية ونقدية وأنماطاً إدراكية استوردوها من كلاسيكيات الفكر العرقي الغربي، وخصوصاً أدبيات معاداة اليهود. ونقدهم في جوهره هو نقد الفكر التنويري للشخصية الدينية. وأعاد الصهاينة تعريف اليهود على أساس عرْقي أو إثني (مادي) . ومن ثم، أصبح اليهود بالنسبة لهم شعباً مثل كل الشعوب، فهم مادة بشرية نافعة يمكن نقلها وتوظيفها لصالح من يدفع الثمن. ٣ ـ وبعد تحويل صهيون إلى مادة طبيعية (أرض للاستيطان) والشعب المختار إلى شعب مثل كل الشعوب (مادة استيطانية) ، وجَّه الصهاينة سهام نقدهم لعقيدة الماشيَّح والعودة فوصفها هرتزل بأنها رؤية متخلفة، ووسمها بن جوريون بالسلبية وطرح بدلاً من ذلك فكرة العودة بقوة السلاح وبمساعدة القوى العظمى لتأسيس دولة يهودية.

стр. 6546

ويمكن القول بأنه تم استبعاد أي تجاوز معرفي أو مطلقية أخلاقية، وتم تبنِّي الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية وما يتبعها من تمجيد لإرادة البقاء والقوة، وطُرحت الصيغة الصهيونية الأساسية التي تشكل العمود الفقري لكل الصهيونيات: شعب عضوي منبوذ نافع يُنقَل خارج أوربا ليُوظَّف لصالح الغرب، وهي صيغة علمانية كاملة لا تعترف بقداسة أرض أو إنسان ولا تعترف بأية أخلاقيات تضبط عملية العودة. وفي هذا الإطار، يمكن فَهْم مشاريع الاستيطان الصهيونية المختلفة خارج فلسطين (صهيونية دون صهيون) ، فهي مشاريع استعمارية عادية، شأنها في هذا شأن أيِّ مشروع استعماري غربي يهدف إلى حل بعض المشاكل الاجتماعية التي ظهرت داخل التشكيل الحضاري السياسي الغربي عن طريق نقلها إلى آسيا وأفريقيا. فالمشكلة كانت المسألة اليهودية وكان حلها نَقْل اليهود إلى أي مكان في الأرض وتحويلهم إلى مستوطنين غربيين. وحتى بعد أن ظهرت الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة (توظيف اليهود داخل إطار الدولة الوظيفية التي تُؤسَّس في فلسطين) ، ظل كثير من الصهاينة ينظرون لمشروع الاستيطان الصهيوني في فلسطين من خلال المنظور نفسه، أي باعتباره مشروعاً استعمارياً غربياً. وإذا كانت المنظومة العلمانية في العالم الغربي قد أخذت شكل تأسيس الدولة القومية العلمانية التي قامت بعلمنة المادة البشرية داخل نطاق الدولة وبترشيدها حتى يمكن توظيفها، ثم قامت بعد ذلك بتجييش الجيوش التي حقَّقت الانطلاقة الإمبريالية الغربية، فإن الاختلاف في حالة الصهيونية اختلاف فرعي، إذ تمت أولاً علمنة المادة البشرية اليهودية من خلال الدول القومية الغربية، ثم تم بعد ذلك نَقْل المادة البشرية بمعاونة القوى الإمبريالية الغربية، وتم أخيراً تأسيس الدولة اليهودية القومية العلمانية التي أصبحت جزءاً لا يتجزأ من التشكيل الإمبريالي الغربي، فالاختلاف لا ينصرف إلى الرؤية وإنما إلى ترتيب الخطوات.

стр. 6547

ولا يزال هذا التيار الصهيوني العلماني الرافض لليهودية قوياً، فمن المعروف أن الفكر الصهيوني كان يرفض استخدام اصطلاح «دولة يهودية» ، فكتاب هرتزل يُسمَّى دولة اليهود لا «الدولة اليهودية» . وكانت النية تتجه نحو استخدام اصطلاح «عبري» بدلاً من «يهودي» ، ولذا كانت تتم الإشارة إلى «الدولة العبرية» وإلى «العبرانيين» (ولم يتم استخدام مصطلح «دولة يهودية» إلا في مراحل متأخرة) . والصهاينة العلمانيون هم مؤسسوا المُستوطَن الصهيوني الحقيقيون، وهم صهاينة إلحاديون تماماً، وكان المستوطنون الأوائل ينظمون مسيرة كل عام للإعلان عن إلحادهم. وكان فريق منهم يحرصون على الذهاب إلى حائط المبكى في يوم الغفران (أكثر الأيام قداسة في التقويم الديني اليهودي) ويلتهمون ساندوتشات من لحم الخنزير تعبيراً عن رفضهم اليهودية. وقد توارت هذه الطفولية الثورية الرافضة إلى حدٍّ كبير، ولكن الإلحادية الصريحة ما تزال تُعلن عن نفسها. فلا يزال هناك صهاينة من أمثال شالوميت آلوني ويائيل ديان يحملون بغضاً عميقاً للعقيدة اليهودية والمؤسسة الدينية. بل إن الأولى كانت وزيرة للتربية في إسرائيل وكانت لا تكف عن التعبير عن احتقارها للتقاليد الدينية اليهودية. أما الثانية، وهي كاتبة روائية وابنة موشيه ديان، فكانت تصر دائماً على أن الملك داود كان مصاباً بالشذوذ الجنسي وأن علاقته مع يوناثان تدل على ذلك (وهناك مسرحية بهذا المعنى تُعرَض في إسرائيل) . ولا تزال الكيبوتسات (العمود الفقري للمجتمع الإسرائيلي، وفي صفوفها تُجنَّد أعداد كبيرة من أعضاء النخبة الحاكمة) مؤسسات علمانية تماماً ترفض الاحتفال بالأعياد الدينية وتُطوِّر احتفالات خاصة بها، وتعيد تفسير كثير من النصوص الدينية والشعائر ليحل القومي الزمني محل الإلهي المتجاوز. ويصل هذا التيار إلى قمته فى حركة الكنعانيين الذين يرون العقيدة اليهودية انحرافاً عن الهوية العبرية السامية. وتُعَدُّ الدولة

стр. 6548

الصهيونية من أكثر المجتمعات إباحية واستهلاكية على وجه الأرض، وكانت ستُطبَع فيها طبعة عبرية من مجلة بنت هاوس الإباحية وقد استُقبل محررها عند حائط المبكى احتفالاً بهذه المناسبة السعيدة. وتنتشر محلات الأشياء الإباحية في مدينة القدس وتُقام المسرحيات المهرطقة التي لا تعرف حرمة لأي شيء. أما الأحزاب الدينية، فهي أحزاب أقلية لا تمارس نفوذها إلا في رقعة ضيقة جداً من الحياة العامة في إسرائيل، وهي على كل أحزاب تعبِّر عن يهودية تمت علمنتها على يد الصهاينة (أي صهينتها) ، ولذا فهي يهودية المظهر علمانية المخبر. وقد نجحت الصهيونية كذلك في تصعيد معدلات العلمنة بين يهود العالم بحيث حلت الصهيونية محل اليهودية، وأصبحت المشاعر الدينية تعبِّر عن نفسها من خلال التظاهر من أجل إسرائيل وتحرير الشيكات لها (انظر الباب المعنون «الصهيونية التوطينية» ) . وهنا لابد أن نثير قضية أساسية وهي أن النقد العربي العلماني الثوري لإسرائيل والصهيونية يستند إلى أُسس مادية واقتصادية وحسب، باعتبار أن الدولة الصهيونية تقوم باستغلال المواطن العربي. والسؤال هو: ماذا لو أصبحت إسرائيل مفيدة من الناحية الاقتصادية والمادية داخل إطار النظام العالمي الجديد؟ ما أساس رفضها؟ ألا يُفسَّر ذلك سرّ اندفاع الكثيرين الآن نحو إسرائيل؟ ورغم أن الصهيونية بدأت كحركة علمانية صريحة في علمانيتها، إلا أنها لم تكن لتستمر على هذا المنوال للأسباب التالية:

стр. 6549

١ ـ من المعروف في تاريخ الحضارة الغربية الحديثة (ومتتالية العلمنة فيها) أن عملية العلمنة لا يمكن أن تتم بشكل واضح وصريح دفعة واحدة، حتى لا تَفزَع الجماهير من وحشية النموذج المطروح (العالم باعتباره مادة استعمالية خالية من القيمة ومجرد من الغاية) ، ولذا نجد أن الخطاب العلماني يتبنَّى ديباجات دينية في المرحلة الأولى (كما هو الحال مع فلسفة إسبينوزا والعقائد الربوبية) لترويج أفكار إلحادية الجوهر إيمانية المظهر. ثم تظهر تنويعات مختلفة على هذا إلى أن نصل إلى التعريفات العرْقية أو الإثنية الوثنية الصريحة. والصهيونية ولا شك، تنتمي إلى هذا النمط. ٢ ـ المنظومة العلمانية المادية ترفض فكرة غائية الكون وفكرة ثبات القيمة الأخلاقية ومطلقيتها. فالإنسان موجود في الكون بالصدفة دون هدف أو غاية، والأخلاق تتغير بتغير الزمان والمكان. وكل هذا يخلق ما يُسمَّى «أزمة المعنى» . ولذا، فإن المنظومات العلمانية كثيراً ما تستورد مصطلحات ومفاهيم دينية دون أي التزام بالأعباء الأخلاقية المرتبطة بهذه المفاهيم، وذلك لحل مشكلة المعنى. فالجندي البريطاني الذي كان يقتل الأطفال في أدغال أفريقيا ويأتي على الأخضر واليابس، كان في حاجة إلى ما يبرر أفعاله الوحشية من خلال منظومة مريحة تخبره أنه يقتل دفاعاً عن الحضارة الغربية وأخلاق المحبة المسيحية وأن هذا هو عبء الرجل الأبيض. والصهيونية، أيضاً، حركة قامت باقتلاع مئات الألوف من اليهود من أوطانهم، ونقلتهم إلى أرض معادية داخل مجتمعات تُكن لهم البغض. ولذا، لجأت الصهيونية للعقيدة اليهودية لتحل مشكلة المعنى للمادة البشرية المنقولة.

стр. 6550

٣ ـ الصهيونية، شأنها شأن أية عقيدة سياسية، تود أن تكتسب شرعية، وأن تُجيِّش الجماهير وراءها. وقد كان هذا أمراً حتمياً بالنسبة للصهيونية، فقد كانت أيديولوجية نشأت في وسط أوربا بين مثقفين يهود غير يهود، مندمجين تماماً، تشربوا الثقافة الألمانية لا مجرد معجبين بها. أما الجماهير اليهودية، فقد كانت في شرق أوربا، وهي جماهير يهود اليديشية. وكانت قطاعات كبيرة منهم إما عميقة الإيمان بالدين أو على الأقل تربطها صلة وثيقة برموزه. ومن ثم، لم يكن هناك مفر من أن تستغل الصهيونية العقيدة اليهودية لتضفي على نفسها صبغة دينية، فلجأت إلى تبنِّي الرموز والأفكار الدينية المألوفة لدى هذه الجماهير بعد علمنتها، إذ أن أية صيغة صريحة في علمانيتها كانت ستفشل حتماً في تجنيدها. وهذا ما عبَّر عنه كلاتزكين حين قال: "إن الدين اليهودي يمكن أن يساهم في بلورة الروح القومية للشعب اليهودي". وقد كان نوردو وهرتزل يدركان أهمية العناصر الدينية في تجنيد الجماهير. ولذا، فعندما فكرا في اختيار العراق مكاناً للاستيطان، فكرا أيضاً في «العناصر الصوفية» المرتبطة به وفي إمكانية الاستفادة منها. ولقد استقر الأمر على فلسطين في نهاية الأمر بسبب عدة عوامل من بينها قوة الأسطورة، أي الاسم في حد ذاته، "ففلسطين هي صرخة عظيمة تجمع اليهود" على حد قول هرتزل.
следующие страницы →