← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 6581–6620 · переход к 6586.

стр. 6581

والاعتذاريات التي تنطلق من مقولة عبء الرجل الأبيض موجَّهة بالدرجة الأولى للدول الإمبريالية ولشعوبها. وفي هذا الإطار طرحت إسرائيل نفسها باعتبارها دولة وظيفية غربية (بيضاء) نظيفة متقدمة، قاعدة للديموقراطية الغربية تحمي المصالح الإستراتيجية الغربية وتقف بحزم وصرامة ضد القومية العربية (في عصر النظام العالمي القديم) وضد الحركات الإسلامية (في عصر النظام العالمي الجديد) . ويؤكد الكثير من تصريحات الصهاينة أنهم لا يعتبرون أنفسهم كياناً عنصرياً منفصلاً فحسب، بل يعتبرون أنفسهم أعضاء في الجنس الأبيض. وفي عام ١٩١٧، كتب الزعيم الصهيوني بن جوريون مقالاً تحت عنوان "في يهودا والجليل" وصف فيه المستوطنين الصهاينة في فلسطين لا بوصفهم عاملين في هذه الأرض فحسب، بل على أنهم غزاة لها، "لقد كنا جماعة من الفاتحين". وفي مقال آخر بعنوان: "الحصول على وطن قومي" كتبه عام ١٩١٥، قارن بن جوريون بين الاستيطان الصهيوني والاستيطان الأمريكي في العالم الجديد، مستحضراً صورة المعارك العنيفة التي خاضها المستوطنون الأمريكيون ضد الطبيعة الوحشية، وضد الهنود الحمر الأكثر وحشية. ومما له مغزاه أنه ساوى بين الطبيعة وبين الهنود، بل وضعهم في مرتبة أدنى إذ هم أكثر وحشية منها. والواقع أن هذه الواحدية الكونية تؤدي إلى تجريد الإنسان وتحويله إلى مجرد جزء من دورات الطبيعة، الأمر الذي يجعل إبادته أو نَقْله أمراً مقبولاً بل مرغوباً فيه، أما وايزمان فقد فضَّل في كتابه المحاولة والخطأ أن يقارن بين المستوطنين الصهاينة من جهة والمستوطنين الفرنسيين في تونس والمستوطنين البريطانيين في كندا وأستراليا من جهة أخرى، كما أظهر أيضاً تعاطفاً ملحوظاً إزاء المستوطنين في جنوب أفريقيا.

стр. 6582

ويتبدَّى الاتجاه العنصري، الذي يسوِّغ الاستعمار والعنف والإبادة باسم التقدم، في مذكرة بعث بها وايزمان إلى الرئيس ترومان (في ٢٧ نوفمبر ١٩٤٧) يشرح له فيها أن المجتمع الصهيوني في فلسطين يضم أساساً فلاحين متعلمين وطبقة صناعية ماهرة تعيش على مستوى عال، ثم يقارن بين هذه الصورة المشرقة والصورة الكئيبة للمجتمعات الأمية الفقيرة في فلسطين. وإذا نظرنا إلى الجانب الآخر لأسطورة عبء اليهودي الأبيض، وهو التفوق التكنولوجي للصهاينة (وليس العرْقي) ، الذي سيجعلهم رسلاً للتقدم يقومون بتطوير المجتمع ودَفْعه من المرحلة الدنيا التقليدية إلى المرحلة العليا الحديثة، فإننا نجد أن كتابات الصهاينة تزخر بها. وقد اقتبسنا بعضاً من كتابات بن جوريون (الصهيوني الاشتراكي) وغيره، في دفاعهم عن الاستعمار الصهيوني، باعتبارهم ممثلين للحضارة الغربية. ولا شك في أن المستوطنين الصهاينة كانوا عارفين بالتكنولوجيا وبوسائل التنظيم والقيم السياسية المعاصرة، كما كانوا جماعة معاصرة فعلاً، وقد نقلوا قيمهم ومؤسساتهم المعاصرة إلى الوطن الجديد، فنظموا النقابات العمالية والأحزاب السياسية، وأجروا الانتخابات على أساس صوت واحد لكل ناخب. بل إنهم مارسوا أحياناً أشكالاً من الاشتراكية، من حيث عدالة توزيع الدخل أو الإيمان بأهمية العمل اليدوي ومساواته بالعمل الفكري. ولكن كل هذه الأشكال المعاصرة من التنظيم، وهذه القيم الديموقراطية والاشتراكية، ظلت مقصورة على الصهاينة وحدهم، تُطبَّق على مجتمعهم الصغير (الميكرو) وليس على المجتمع كله. ولم يحاول الصهاينة تحديث المجتمع بأكمله بل على العكس حاولوا أن يوقفوا تطوُّره (وهذا الدور يقف على الطرف النقيض من الدور الذي تلعبه النخبة المعاصرة ذات الأصول القومية) .

стр. 6583

وقد بذل المستوطنون جهدهم في إبقاء السكان الأصليين في مستوى حضاري متخلف، ومنعهم من تنظيم أنفسهم داخل أُطر معاصرة (نقابات عمال، أحزاب سياسية) ، وفضلوا التعامل معهم داخل أطر المجتمع التقليدي وتنظيماته. ولذا، فقد فضلوا التعامل مع كبار الملاك وزعماء العشائر. وقد رفض الهستدروت (اتحاد العمال المستوطنين الصهاينة) السماح للعمال العرب بالانتظام في صفوفه إلا في تاريخ قريب. كما أن الدولة الصهيونية (العصرية الديموقراطية) ترفض الاعتراف بحق تقرير المصير للسكان الأصليين أو حقهم في المشاركة في النظام السياسي الصهيوني الجديد عن طريق تكوين الأحزاب والاشتراك في الانتخابات، وترفض أيضاً تشكيل دولة تضم كلاًّ من العنصر السكاني الدخيل والعنصر الأصلي على قدم المساواة. وإلى جانب هذا، هناك الحقيقة الأساسية، وهي أن جماعة المستوطنين الغزاة تسرق من السكان الأصليين أرضهم، أي تسرق منهم الأساس المادي لأي تَقدُّم، وتهدم نمط حياتهم (الإطار الاجتماعي الذي تتحقق من خلاله ذواتهم التاريخية) . ولذا، تتغيَّر الأولويات، ويصبح واجب المواطن الأصلي (الجزائري أو الفلسطيني) هو البقاء وليس التقدم. ولعل هذا هو الذي يُفسِّر سرّ رفض موسى العلمي لكلمات بن جوريون الحلوة العذبة حين تقابلا عام ١٩٣٦ في منزل موشي شاريت. فطبقاً لما جاء على لسان بن جوريون بدأ الحديث بترديد النغمة (القديمة) التي أعدها عن المستنقعات التي يجري تجفيفها، والصحارى التي تزدهر بالخضرة، والرخاء الذي سيعم الجميع. ولكن العربي قاطعه قائلاً: "اسمع! اسمع يا خواجه بن جوريون، إنني أفضل أن تظل الأرض هنا جرداء مقفرة مائة عام أخرى، أو ألف عام آخر، إلى أن نستطيع نحن استصلاحها ونأتي لها بالخلاص". ولم يسع بن جوريون إلا أن يعلق (فيما بعد) بأن العربي كان يقول الحقيقة، وأن كلماته هو بدت مضحكة وجوفاء. ٢ ـ عبء اليهودي الخالص:

стр. 6584

رغم شيوع أسطورة اليهودي الأبيض وحقه في استعمار فلسطين، فإن هذه الأسطورة لا تحتل مركز الصدارة وحدها في الخطاب الصهيوني، ذلك أن الاعتذاريات الصهيونية، وبخاصة حينما تتوجه إلى يهود العالم، تستند بصفة جوهرية إلى فكرة اليهودي الخالص. واليهودي الخالص غير مرتبط بأي جنس أو حضارة، شرقية كانت أو غربية (فهو يهودي مائة في المائة، على حد قول بن جوريون) ، إذ أن اليهود بحسب هذا التصور يشكلون جنساً مستقلاً أو أمة مستقلة، وليسوا مجرد سلالة من سلالات الجنس الأبيض أو الحضارة الغربية. واليهودي، وليس الجنس الأبيض، هو نقطة الحلول والركيزة الأساسية للتاريخ والكون، أي أن مفهوم اليهودي الخالص عودة إلى الحلولية العضوية اليهودية المنفصلة تمام الانفصال عن الأغيار. وفي الواقع، فإن اليهودي الخالص ظهر في إطار محاولة تهويد الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، حين أسقطت الصهيونية الإثنية مصطلحات الصهيونية الحلولية اليهودية عليها. كما أن فكرة اليهودي الخالص، مثلها مثل فكرة الرجل الأبيض المتفوق، تمنح اليهود حقوقاً معينة مقدَّسة وخالدة لا تتأثر بأية اعتبارات أو مطالب تاريخية، ولا يمكن حتى للفلسطينيين أنفسهم أن يكون لهم حقوق أقوى أو حتى مماثلة لحقوق اليهود في فلسطين. ويتضح هذا التصور في كلمات الحاخام جـ. ل. هاكوهين فيشمان ميمون، أول وزير للشئون الدينية في إسرائيل، حيث أكد أن الصلة بين الشعب اليهودي وأرضه مقدَّسة أو هي سر من الأسرار الدينية، وهذا ما يبيِّن أنه يدور في إطار حلولي عضوي. وقد يكون للآخرين، على أحسن الفروض، صلة ما بهذه الأرض (سياسية علمانية خارجية عرضية مؤقتة) في حين أن لليهود، حتى وهم في حالة الشتات، صلة مباشرة بها (صلة سماوية وأبدية، فهي صلة حلولية عضوية) .

стр. 6585

وفي مجال الدفاع عن هذه الأسطورة، نصح مناحم بيجين بعض المستوطنين الصهاينة عام ١٩٦٩ بأن يصروا على أن فلسطين هي أرض إسرائيل "فلو كانت هذه الأرض هي حقاً فلسطين وليست أرض إسرائيل، إذن فأنتم فاتحون ولستم مزارعين يفلحون الأرض، أنتم إذن غزاة. وإذا كانت هذه الأرض هي فلسطين فهي إذن تنتمي إلى الشعب الذي عاش هنا قبل أن تأتوا إليها.. لن يكون لكم حق العيش فيها إلا إذا كانت أرض إسرائيل". وإذا أصبحت فلسطين الأرض المقدَّسة أو أرض يسرائيل تصبح حقوق اليهود الخالدة سارية المفعول فيها، فيصبح بالإمكان الادعاء بأن فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض لأنها دخلت الدائرة الحلولية التي تستبعد الآخر. لقد كان الصهاينة يدركون أن الفلسطينيين يعيشون في فلسطين، وأن اليهود المشردين يعيشون في الأراضي التي وُلدوا فيها. ولكن الرابطة الأبدية بين الأرض والشعب اليهودي هي التي تجعل اليهود مجرد مشردين وشعباً رُحلاًّ بلا جذور، رغم وجودهم في أوطانهم في كل أنحاء العالم. وهذه الرابطة هي التي تنكر وجود الفلسطينيين وتجعل مطالبهم القومية مسألة هامشية. ولهذا، فإن شعار "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" لابد أن تتم إعادة صياغته على النحو الحلولي التالي: "أرض مقدَّسة بلا شعب مقدَّس لشعب مقدَّس بلا أرض مقدَّسة". وفي هذه القداسة يذوب الفلسطينيون (شعب غير مقدَّس لا يتمتع بالحلول الإلهي) ، وتصبح مطالبهم أمراً هامشياً وتافهاً، وقد تحقَّق كل ذلك دون اللجوء إلى أية نظريات عرْقية فاضحة.

стр. 6586

إن أسطورة الحقوق الأبدية لليهودي الخالص في أرض فلسطين، التي تفترض هامشية السكان الأصليين، هي شكل من أشكال الاعتذاريات يتسم بدرجة عالية من الغموض واللاأخلاقية تفوق غموض ولا أخلاقية الاعتذاريات العنصرية التقليدية التي تنسب التفوق الحضاري والعرْقي للمستغل وتنسب التدني الحضاري العرْقي للمستغَل؛ فالأساطير التقليدية، في نهاية الأمر، تعترف بوجود الآخر، أما الأسطورة الصهيونية الخاصة بالحقوق اليهودية فهي ترفض الاعتراف بوجوده. وفي إطار الحلولية العضوية، تصبح فلسطين (الأرض المقدَّسة) بلداً بلا سكان، لأن امتلاك فلسطين ليس من حق السكان الأصليين. وليس بإمكان البشر، يهوداً كانوا أم عرباً أن يتساءلوا عن معنى هذا القرار، لأن محور مشكلة فلسطين، وفقاً لما قاله بن جوريون، يتلخص في حق اليهود المشتتين في العودة (فاليهود هم موضع الحلول الإلهي، وهم اللوجوس المتجسد في التاريخ) ، وهو حق مطلق قائم منذ بداية التاريخ حتى نهايته. وكما قال وايزمان "إن أساس وجودنا كله هو حقنا في إقامة وطن قومي فوق أرض إسرائيل [فلسطين] وهو حق نملكه منذ آلاف السنين، ومصدره وعد الرب لإبراهيم، وقد حملناه معنا في أنحاء العالم كله طوال حياة حافلة بالتقلبات". وقد وصلت نظرية الحقوق هذه إلى ذروتها فيما نسميه «الصهيونية الحلولية العضوية» ، صهيونية جوش إيمونيم وكاهانا حيث يصبح اليهودي الخالص هو اليهودي المطلق.

стр. 6587

والجدير بالذكر أن النطاق الإقليمي المحدود للأسطورة الصهيونية قد جعل كثيراً من الناس، ولا سيما في الغرب، يعتقدون أن الصهيونية ليست عنصرية. وهم على حق في هذا من بعض النواحي، فالنازية على سبيل المثال لم تكن عنصرية إزاء اليابانيين مثلاً. وكذلك الصهيونية في العالم الغربي، فهي ليست سوى أيديولوجيا سياسية وضعها اليهود من أجل اليهود، تخصهم وحدهم ولا تتضمن أي تمييز ضد أي شخص في الولايات المتحدة أو إنجلترا. بل لقد دافع بعض الغربيين عن الدور الإيجابي البنَّاء الذي تلعبه الصهيونية بين الأمريكيين اليهود، حيث تزوِّدهم بالشعور بالترابط والانتماء. وقد تكون هذه النظرة سليمة في حدود هذه الجزئية. ولكن الصهيونية حين نُقلت من أوربا وأمريكا إلى آسيا (مسرحها الحقيقي) ، فإن الأمر أصبح جد مختلف، وأفصحت الصهيونية عن وجهها العنصري القبيح وأخذت تمارس أثرها الهدام على المجتمع الفلسطيني. والواقع أن التناقض هنا ليس تناقضاً بين النظرية والممارسة، ولكنه تناقض بين نظرية ونوعين من أنواع الممارسة، أحدهما عرضي مؤقت (في الغرب) والآخر ضروري وجوهري (في آسيا) . وفي تصوُّري أن الحكم على الصهيونية لا يمكن أن يتم في لندن أو باريس، وإنما ينبغي أن يتم الحكم عليها في مجال فعاليتها الأساسية، في حيفا ويافا والضفة الغربية ومئات القرى التي هُدمت. ولو أننا حكمنا على النازية في طوكيو مثلاً لوجدناها أيضاً مجرد أيديولوجيا قومية تدافع عن حقوق وأمجاد الشعب الألماني.

стр. 6588

ومما يدعو للسخرية أن بعض المتحدثين بلسان حكومة التمييز العنصري بجنوب أفريقيا، والذين لا يهتمون بالتجربة الصهيونية العرضية في الغرب، قد وضعوا تقييماً واقعياً للتجربة الصهيونية في آسيا. فقد عنَّف فيروورد، رئيس وزراء جنوب أفريقيا السابق، بعض الصهاينة الذين أرادوا المقارنة بين سياسة النمو المنفصل التي تنتهجها إسرائيل على أساس من الدين (أو اليهودية الخالصة) والسياسة المماثلة التي تنتهجها حكومة جنوب أفريقيا على أساس عنصري، فقال: "إذا كان التمييز خاطئاً في الحالة الثانية، فهو لا شك خاطئ أيضاً في الحالة الأولى". والواقع أن الاعتذاريات، مهما بلغت من تركيب ودهاء، فإنها لا تغيِّر حقيقة التمييز العنصري في شيء. كما أن الحقوق المقدَّسة التي تَجُّب حقوق الآخرين، سواء استندت إلى أساس عنصري أو إلى أساس إلهي أو إثني، فإنها في نهاية الأمر تعد على حقوق الغير وإلغاء لوجوده.

стр. 6589

وتعبِّر فكرة اليهودي الخالص عن نفسها في فكرة الدولة اليهودية الخالصة الخالية من أية عناصر غير يهودية وفي التركيز المستمر على قضية اضطهاد اليهود في كل زمان ومكان. وقد حاول وايزمان أن يبلور هذه الفكرة من خلال صورة مجازية إذ قارن بين "اليهودي الخالص" والحيوانات التي تحيا حياة سعيدة في حديقة الحيوان (في جنوب أفريقيا) : "ها هي ذي في موطنها، الذي تقل مساحته قليلاً عن مساحة فلسطين، تنعم بالحرية، وتقدِّم لها الطبيعة هباتها بسخاء، ولا تواجهها مشكلة العرب". وحتى لا يترك أي مجال للشك لدى قارئه، يعمم القضية على كل اليهود: "لا شك أنه أمر رائع أن يكون المرء حيواناً في حديقة الحيوانات بجنوب أفريقيا. فذلك أفضل له كثيراً من أن يكون يهودياً في وارسو أو حتى في لندن". والصورة المجازية التي يستخدمها وايزمان تدل على غبائه الشديد، ولكنها مع هذا ذات دلالة، فالحيوان في حديقة الحيوان يشبه اليهودي الخالص في دولته اليهودية، وهذا ما يفتقده اليهودي في فلسطين ووارسو ولندن! كما أن التركيز على قضية البقاء اليهودي المهدد دائماً إما من خلال الإبادة المباشرة (الهولوكوست ـ أفران الغاز) أو من خلال الاندماج وفقدان الهوية هو تعبير عن مفهوم اليهودي الخالص. وينبع النقد الصهيوني للشخصية اليهودية في المنفى (باعتبارها شخصية جيتوية هامشية طفيلية) من مفهوم اليهودي الخالص هذا. ٣ ـ عبء اليهودي الاشتراكي:

стр. 6590

وإذا كانت الاعتذاريات التي تستند إلى فكرة اليهودي الخالص فريدة مقصورة على الصهاينة، فإن الاعتذاريات التي تستند إلى فكرة اليهودي الاشتراكي وحقوقه في فلسطين قد تكون أكثر تَفرُّداً وطرافة. وكما أشرنا من قبل، انضم كثير من الشباب اليهودي إلى صفوف الحركات الثورية، وقد سبَّب هذا حرجاً شديداً لليهود المندمجين. وقد باعت الصهيونية نفسها باعتبار أنها الحركة التي ستحوِّل الشباب اليهودي عن طريق الثورة. والواقع أن أسطورة الاستيطان العمالية برزت لتحقيق ذلك الهدف. تقوم هذه الأسطورة بتسويغ الاستيطان الصهيوني لا باسم التفوق العنصري أو التقدُّم الحضاري الأزلي أو الحقوق المقدَّسة الأزلية بل على أسس اشتراكية علمية (والاشتراكية في هذه المنظومة هي موضع الحلول، وهي أيضاً اللوجوس المتجسد في التاريخ) . ومن ثم، فإن الحقوق اليهودية تستند ـ حسب هذه الأسطورة ـ إلى المثل الاشتراكية العليا (ومنها نُبل العمل اليهودي) . ولم يكن هذا المنطق مقصوراً على الصهاينة وحده، فثمة اتجاه داخل الحركة الاشتراكية الغربية يُطلَق عليه اصطلاح «الاشتراكية الإمبريالية» ، وتضم أولئك الاشتراكيين الذين وجدوا أن من المحتم عليهم (باسم التقدم والأممية) تأييد الإمبريالية الغربية لأنها تعبير عن الرأسمالية الغربية (أعلى مراحل التطور الاجتماعي والاقتصادي الذي بلغه الإنسان) . كما أنهم كانوا يرون أن الإمبريالية، بغزوها آسيا وأفريقيا، ستقضي على كل المجتمعات التقليدية فيها، كما ستقضي أيضاً على التخلف وتجلب الصناعة والتقدم لها. ومن هذا المنطلق، شجع بعض أتباع سان سيمون وكذلك فردريك إنجلز الاستعمار الاستيطاني في الجزائر، كما دافع كثير من الاشتراكيين الهولنديين عن "الهجمة الحضارية" التي شنتها بلادهم على الأندونيسيين.

стр. 6591

وقد خرجت أسطورة الصهيونية العمالية من هذه المجموعة من الأفكار، فلم يكن المستوطنون الصهاينة مجرد يهود فحسب بل كانوا أيضاً رواداً زراعيين اشتراكيين وحارثين لأرض أجدادهم. وقد كتب مارتن بوبر لغاندي يقول: "إن مستوطنينا لم يجيئوا إلى فلسطين كما يفعل المستعمرون الغربيون الذين يطلبون من أهالي البلاد أن يقوموا عنهم بكل الأعمال، بل إنهم يشدون بأكتافهم المحراث ويبذلون قوتهم ودمهم من أجل أن تصبح الأرض مثمرة". وقد عاد المستوطنون العبريون الجدد إلى الأرض مثقلين بماضي يهود الشتات بكل ما في ذلك من شذوذ وطفيلية. وتقول النظرية العمالية الصهيونية إن المستوطن الجديد يمكنه، من خلال العمل العبري، أن يُطهِّر نفسه مما علق بها من شوائب وأدران، فالمستوطنون إنما يحررون أنفسهم حين يحررون الأرض، بحرثها والعمل على ازدهارها "إن هذه الأرض تعترف بنا لأنها تثمر من خلالنا".

стр. 6592

ولقد نقل الكاتب الإسرائيلي عاموس إيلون سطراً من أغنية جذابة كان الرواد الزراعيون يرددونها في المستوطنات الإسرائيلية، يصفون أنفسهم فيها بأنهم أول من وصل، "مثل العصافير في الربيع"، إلى الحقول الملتهبة والأرض المقفرة الجرداء. وهذه البراءة الكونية، وهذا الإيمان بقدرة العمل على الشفاء والتطهير، وهذا الالتزام بمبدأ المساواة، تظهر جميعاً في كلمات بن جوريون حين تحدَّث عن مدى أحقية الإنسان في أرض ما، فهذا الحق لا ينبع من سلطة سياسية أو سلطة قضائية (فكل هذه الأمور ليست ذات شأن من وجهة النظر الصهيونية العمالية) وإنما ينبع من العمل. ثم أطلق بن جوريون شعاراً ثورياً أحمر لابد أنه لاقى هوى في القلوب الثورية البريئة: "الملكية الحقيقية والدائمة للعمال". بيد أن نقل المفاهيم من مستواها وسياقها إلى مستوى وسياق آخرين يسفران عن نتائج مختلفة، فمثل هذا الشعار يتسم بالثورية الحقة إذا استخدمه العمال الفرنسيون في الأرض الفرنسية. ولكن حينما يقوم العمال الفرنسيون بتطبيق الشعار نفسه في الأراضي الجزائرية، فإنه يصبح في التو اغتصاباً للأرض، وخصوصاً إذا كانت المنافسة بين العمال الفرنسيين والجزائريين منافسة غير متكافئة، حيث كان الفريق الأول تسانده مؤسسة عسكرية متقدمة تكنولوجياً. وقد علق الكاتب الإسرائيلي عاموس كنان على هذا النوع من الاعتذاريات الاشتراكية قائلاً: "إن الصهيونية لم تستطع تحقيق انتصاراتها وإنجازاتها دون الاستفادة من النفاق الذي تنطوي عليه هذه الاشتراكية. فكما أن المسيحية (بمُثُلها ومثالياتها) كانت بمنزلة عذر معنوي للصليبيين، فإن الاشتراكية (بمُثُلها ومثالياتها) أدَّت هذه المهمة للصهاينة".

стр. 6593

والاعتذاريات الاشتراكية موجَّهة بالدرجة الأولى للقوى والدول الاشتراكية في العالم وللشباب الاشتراكي من أعضاء الجماعات اليهودية. وفي هذا الإطار تطرح إسرائيل نفسها باعتبارها دولة اشتراكية يمقت سكانها الرأسمالية. ويُلاحَظ أنه في الستينيات مع تصاعد قوى التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا، كان ضرورياً أن تتلون الاعتذاريات الصهيونية. فطرحت الصهيونية نفسها على أنها حركة تحرُّر الشعب اليهودي (ممن؟) وهو شعب صغير استُعبد عبر تاريخه ويبحث عن الحرية. وعملية تلوُّن الاعتذاريات الصهيونية دليل على مدى ذكاء الصهاينة وغياب البُعْد العقائدي الثابت، وهو أمر متوقع من أيديولوجية تحملها جماعات هامشية تطالب بإنشاء دولة وظيفية لخدمة الاستعمار الغربي أو أية قوى على استعداد لتزويد هذا الجيب الاستيطاني بالأمن والدعم. وتعبِّر كل نظرية للحقوق عن رؤية للذات تكملها رؤية للآخر. ويمكن القول فيما يتعلق بالحقوق الصهيونية بأن نظرية الحقوق الصهيونية في فلسطين تعني في واقع الأمر أن اليهود لا حقوق لهم في أوطانهم التي يقيمون فيها، فمن له حقوق مطلقة في مكان ما لا يمكنه الادعاء أن له حقوقاً مطلقة أو نسبية في مكان آخر. كيفية فك شفرة الخطاب الصهيوني المراوغ How to Decode the Evasive Zionist Discourse يتسم الخطاب الصهيوني بعدم التجانس والإبهام والمراوغة نظراً لاستخدامه آليات أسلوبية عديدة مثل استخدام أسماء ذات مسميات مختلفة أو عدة أسماء لها في واقع الأمر مسمَّى واحد أو كلمات لها معنى مبهم، ومثل ترك فراغات عديدة داخل الخطاب دون ملئها.. إلخ. لكل هذا، تتطلب قراءة أي نص صهيوني، وكذلك فك شفرته، أن نفعل العكس: فنقرأ ما بين السطور ونملأ الفراغات ونحاول التوصل للمعنى الدقيق للمصطلحات ونحدد العلاقة بين الأسماء والمسميات.

стр. 6594

وأهم الخطوات هو تَذكُّر الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة والمُهوَّدة، فهي تشكل الأساس الراسخ والمقولات الثابتة وراء كل الديباجات والحيل البلاغية الأخرى. وعلى الدارس كذلك أن يتذكر كل الحيل والإستراتيجيات البلاغية للخطاب الصهيوني. ويستطيع الدارس بعد ذلك أن يقوم بما نسميه «عملية استنطاق النص» ، أي أن يجعله ينطق بما هو متخف وكامن فيه ولا يُفصح عنه (المسكوت عنه) . فيتم تفكيك العبارات الصهيونية المختلفة وصولاً إلى المقولات الثابتة وراءها، ثم يُعاد تركيب العبارات والنصوص والتصريحات في ضوء هذه المقولات (وعلى كل لم تَعُد هذه المقولات الثابتة أمراً يحتاج للتخمين أو قدح زناد الفكر، فبعد مائة عام من الاستيطان الصهيوني، وبعد حوالي نصف قرن بعد تأسيس الدولة، أصبحت هذه المقولات مسألة واضحة تماماً) . وسنحاول قراءة بعض قرارات المؤتمرات الصهيونية بالطريقة التي نقترحها، ثم نستنتج ما نتصور أنه المعنى المقصود من خلال عبارات سنضعها بين أقواس معقوفة. وأول هذه القرارات هي قرارات المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) التي تُسمَّى برنامج بازل، وهو يتكون من جملة افتتاحية تحدد الغرض من الحركة الصهيونية، وأربع نقاط تقترح الوسائل اللازمة لتحقيق هذا الغرض. "تستهدف الصهيونية إنشاء وطن [أي دولة] للشعب اليهودي [أي الفائض اليهودي من شرق أوربا] في فلسطين [أرض الميعاد أو الأرض المقدَّسة أو الأرض ذات الموقع الإستراتيجي] تحت حماية القانون العام [أي بحماية الدول الغربية [". ويوصي المؤتمر بالوسائل التالية لتحقيق هذا الغرض: "١ ـ تطوير عملية توطين المزارعين والحرفيين والعمال اليهود في فلسطين [وطَرْد العرب منها] من خلال الأطر المناسبة [أي إقامة استعمار استيطاني يهودي في فلسطين عن طريق المكر أو العنف] .

стр. 6595

٢ ـ تنظيم جميع اليهود وتوحيدهم عن طريق تنظيمات وهيئات محلية وعالمية ملائمة وفقاً لقوانين كل دولة [أي الهيمنة على الجماعات اليهودية مع عدم إحراج يهود غرب أوربا] . ٣ ـ تقوية الشعور القومي اليهودي والوعي القومي وتدعيمهما [أي المزيد من الهيمنة والتخلص من الجيوب غير الصهيونية بين اليهود، وإرضاء يهود شرق أوربا من دعاة الخطاب الإثني: الديني والعلماني] . ٤ ـ اتخاذ خطوات تمهيدية للحصول على موافقة الحكومات [الغربية] ، باعتبار أن ذلك ضروري لتحقيق الهدف الصهيوني [أي الحصول على الشرعية الاستعمارية من خلال الدول الغربية] ".

стр. 6596

إن صياغة برنامج بازل تعبير بليغ عن الخطاب الصهيوني المراوغ، فلم يُذكَر فيه ما هو مفهوم من الجميع ويمكن أن يسبب الحرج وتُركت في بنوده فراغات كثيرة ليملأها كل صهيوني على طريقته، ولم يذكر الدولة ولا حدودها، وتم تغييب العرب تماماً من خلال التزام الصمت الكامل تجاههم، ويُضاف إلى ذلك عدم تحديد أعضاء الشعب اليهودي، ولم يتم الإفصاح عن أيٍّ من المفاهيم الأساسية الكامنة إلا بعد نصف قرن تقريباً في برنامج بلتيمور (الذي أصدره مؤتمر استثنائي عقده الصهاينة الأمريكيون والأوربيون في نيويورك مع ممثلي المستوطنين في فلسطين في مايو ١٩٤٢) وجاء فيه ما يلي: "الاعتراف بأن الغرض من شروط تصريح بلفور والانتداب التي تبيِّن ارتباط الشعب اليهودي التاريخي بفلسطين هو إيجاد حكومة يهودية هناك وجعل فلسطين حكومة يهودية". وكما يقول ألان تايلور أحد مؤرخي الحركة الصهيونية: "وهكذا ظهر على السطح الآن وضوح الهدف الخفي [المقولة الثابتة] الذي رافق الصهيونية دوماً". ولم يجانب هذا المؤرخ الصواب ولا حاول أن يفرض تفسيراً متعسفاً على الأحداث أو الكلمات. فقد وصف المجتمعون في فندق بلتيمور في مدينة نيويورك برنامج بلفور بأنه "تطبيق كامل لبرنامج بازل". وكل ما حدث هو أن بعض الفراغات قد مُلئت، وبعض العبارات الصامتة قد استُنطقت، وبعض العبارات الهلامية قد تحدَّدت (ومع هذا استمر التزام الصمت تجاه مصير السكان الأصليين) . وقد ظل برنامج بازل ساري المفعول (مع تفسير بلتيمور) إلى أن تم تعديله بعد إنشاء الدولة.

стр. 6597

وقد عُقد المؤتمر الصهيوني الثالث والعشرون (١٩٥١) بهدف التوصُّل إلى تعريف للصهيونية يحل محل برنامج بازل. فتقدَّم بعض الصهاينة الاستيطانيين بمشروع قرار يُعرِّف هدف الصهيونية بأنه "خلاص الشعب اليهودي من خلال تجميع المنفيين في أرض إسرائيل" وهي صيغة متشددة لا تتسم بأية هلامية ولا تحوي أية فراغات، ولذا فإنها كانت تهدد بتفجير التناقضات. ولذا، تم التغاضي عنها، واتخذ المؤتمر بدلاً من ذلك قراراً يحدد مهمة الصهيونية بالطريقة المراوغة التالية: "تدعيم دولة إسرائيل، وتجميع المنفيين في أرض إسرائيل، وتأمين وحدة الشعب اليهودي". وبينما تتضمن الصيغة المرفوضة أن الخلاص "لا يكون إلا من خلال الدولة وأن تجميع المنفيين هو الوسيلة الوحيدة للخلاص وأن الشعب اليهودي بأسره هو في المنفى ما دام باقياً خارج إسرائيل"، نرى أن الصيغة المراوغة الجديدة لما سُمِّي «برنامج القدس» تترك الفراغات وتكتفي بسَرْد ثلاث مهمات مستقلة عن بعضها البعض ومتناقضة، فمن سيقوم بدعم دولة إسرائيل يمكنه أن يفعل ذلك من الخارج، أي باعتباره صهيونياً توطينياً، الأمر الذي يعني أنه سيظل صهيونياً سواء هاجر أم لم يهاجر ما دام "يدعم" الدولة الصهيونية. بل إن عبارة «تجميع المنفيين» نفسها عبارة مراوغة، فالمنفى (على ما يبدو) حالة عقلية وليست فعلية. فيهود أمريكا يعتبرون أمريكا وطناً قومياً لا منفى، على عكس يهود روسيا، ومن ثم فإن العبارة تعني تجميع المنفيين من شرق أوربا "بمساعدة المندمجين في غربها". أما وحدة الشعب اليهودي، فهو أمر هلامي عائم غائم إذ يمكن أن يشعر الصهيوني التوطيني بهذه الوحدة ويدافع عنها وهو جالس في غرفته المكيفة في منزله الوثير في أمريكا أو أستراليا. ورغم كل التحولات والتغيرات لا تذكر القرارات الصهيونية العرب بخير أو بشر.

стр. 6598

وقد تم تعديل مهام الصهيونية مرة أخرى في المؤتمر الصهيوني السابع والعشرين بمقتضى " برنامج القدس ٥٧٢٨ (١٩٦٨) " الذي لا يزال البرنامج المعتمد للحركة الصهيونية. وسوف نورد مرة أخرى ما نتصور أنه المعنى المقصود من خلال عبارات سنضعها بين أقواس معقوفة. ونصه كما يلي: "أهداف الصهيونية هي: ـ وحدة الشعب اليهودي [سواء استمر في الحياة في نيويورك أم حيفا] ومركزية إسرائيل في حياته [والمركزية مسألة شديدة العمومية [. ـ تجميع [من يريد من] الشعب اليهودي في وطنه التاريخي ـ أرض إسرائيل ـ عن طريق الهجرة من مختلف البلدان. ـ تدعيم دولة إسرائيل التي قامت على أساس رؤية الأنبياء للعدل والسلام [وهي رؤية يمكن تفسيرها بطريقة حلولية كمونية عضوية تُرضي الدينيين والعلمانيين [. ـ الحفاظ على هوية الشعب اليهودي من خلال تشجيع التربية اليهودية والعبرية والقيم الروحية والثقافية اليهودية [سواء في إسرائيل أو في الولايات المتحدة] وحماية الحقوق اليهودية أينما كانت". والواقع أن صيغة البرنامج هي التسليم بالأمر الواقع، أي بانقسام الحركة الصهيونية إلى اتجاهين، أحدهما توطيني والآخر استيطاني، لكلٍّ تعريفه الخاص "للشعب اليهودي". وهو يشكل محاولة للحفاظ على وحدة غير موجودة ولتغطية تناقض يزداد تفاقماً. ولذا، فقد ازدادت درجة المراوغة والصمت. وثمة افتراضان متناقضان كامنان في برنامج القدس: ١ ـ أن الشعب اليهودي شعب واحد وأن "وطنه التاريخي" هو أرض إسرائيل، وبالتالي يكون هدف الصهيونية هو تجميع الشعب اليهودي عن طريق الهجرة، أي تصفية الجماعات اليهودية، وهذه هي صهيونية المستوطنين.

стр. 6599

٢ ـ أن حالة التشتت حالة نهائية، ومن ثم المناداة بحماية "الحقوق اليهودية أينما كانت"، والحديث عن "مركزية إسرائيل في حياة الشعب". أما القرار الخاص بالهوية اليهودية وضرورة الحفاظ عليها فهو يشير ولا شك إلى «خطر الاندماج» ، وخصوصاً في الولايات المتحدة، الأمر الذي يعني أيضاً استمرار حالة الشتات، في الوقت الحاضر على الأقل، ونسيان مسألة "تصفية الجماعات". وتجدُر ملاحظة أن برنامج القدس الذي حدد أهداف الصهيونية قد لجأ إلى صيغة مراوغة تسمح لكل صهيوني بأن يفسر حدود إسرائيل بالطريقة التي تروق له، فلم ينص البرنامج صراحةً على أن "إقامة الدولة على ضفتي نهر الأردن هو هدف الصهيونية" وإنما تحدَّث عن "الوطن التاريخي ـ أي أرض إسرائيل" وهي عبارة مطاطة لها دلالات كثيرة في العقل الصهيوني (وخصوصاً في إطار "رؤية الأنبياء") من بينها ولا شك ضفتا نهر الأردن وضفاف النيل والفرات (إذا انفتحت الشهية) . ولا يزال هناك عنصر واحد ثابت لا يتغيَّر، وهو عدم التوجه للقضية الفلسطينية ولمصير العرب. وقد قُدِّر للصيغة المراوغة الاستمرار للأسباب التالية: ١ ـ كان من الممكن ترك الفراغات والتسلح بالصمت أو التشاجر بصوتٍ عال بشأن الديباجات دون أن يلجأ فريق إلى تصفية الآخر، وذلك لوجود اتفاق تام على الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة والعقد الصهيوني الصامت الذي تمت ترجمته إلى واقع تاريخي: احتلال فلسطين وطرد أهلها والاستيطان فيها. ٢ ـ كان جميع الصهاينة يدركون تماماً أن حركتهم ودوافعهم ليس لها استقلال حقيقي أو حركية مستقلة ذاتية. فالصهيونية، كما كان يعرف الجميع، تدين بوجودها واستمرارها لتبعيتها للغرب الذي كان يقوم بتمويل المشروع الصهيوني، وبالتالي فإن الاختلاف على الديباجات هو اختلاف على أمور فرعية لا تؤثر في الحركة الفعلية.

стр. 6600

٣ ـ بعد أن كانت الصهيونية الاستيطانية تطالب بتصفية الجماعات اليهودية في العالم (يهود الدياسبورا) ، أصبح من صالحها بقاء هذه الدياسبورا لتُقدِّم الدعم السياسي والعون المالي للدولة الصهيونية. ولذا، فقد أصبحت الصيغة المراوغة الإطار الوحيد الممكن الذي يمكن من خلاله الاستمرار في العمل والتعايش مع التناقض. ٤ ـ وأخيراً، كُتب للصياغة المراوغة الاستمرار بسبب فشل العرب في التمييز بين التيارات المختلفة داخل الحركة الصهيونية، بل وفشلهم في التمييز بين اليهود الصهاينة واليهود الذين لا يكترثون بالحركة الصهيونية، وبين اليهود الذين يدَّعون الصهيونية على مستوى القول ويتملصون منها على مستوى الفعل، واليهود الذين يناصبونها العداء صراحةً وعلانيةً، قولاً وفعلاً. كما أن فشل العرب في إلحاق هزيمة ضخمة بالكيان الصهيوني (باستثناء الانتفاضة) قد خَلَق تربة خصبة يمكن أن تنمو فيها الأساطير وتترعرع بما في ذلك ادعاء عدم وجود العرب. وتستطيع الصياغات المراوغة أن تستمر دون تحدٍّ، فالإنسان يسائل نفسه بشأن أساطيره وأكاذيبه وخداعه لذاته وللآخرين إن كان هناك ثمن يُدفَع. أما إن ظلت الصياغة المراوغة صالحة للتعامل مع الواقع، فهي ستمنح المرء ما يحتاج إليه من اتزان داخلي وطمأنينة نفسية دون أن يزعجه هذا الواقع، ولذا فبوسعه أن يستمر في استخدامها والترويج لها. القانون الدولي العام International Law

стр. 6601

» القانون الدولي العام» عبارة تتواتر في كلٍّ من الكتابات الصهيونية ومؤلفات هرتزل، وكلمة «دولي» في معناها المعجمي تعني «عالمي» أو «يختص بكل الدول» ، ولكننا إن قرأناها في سياقها في كثير من النصوص الغربية المكتوبة في القرن التاسع عشر، فإننا سنكتشف أنها تعني «غربي» ، ومن ثم فإن عبارة «القانون الدولي العام» تعني «القانون الغربي السائد آنذاك» ، وهو القانون الاستعماري الذي تم بمقتضاه تقسيم العالم بين الدول الغربية. ومن المصطلحات المرادفة، مصطلح «قانون الأمم» ، أو «قانون الأمم المتحضرة» ، وهو بدوره يعني «قانون أمم الغرب» ، أي «القانون الاستعماري» . وقد كان هرتزل والصهاينة يتحركون في إطار الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية وواقع الإمبريالية الغربية (كحقيقة تاريخية سياسية) ، وهذه الإمبريالية هي التي قامت بتقسيم العالم فيما بينها. ومن هذا المنظور، يصبح الغرب مركز العالم، وتصبح الحضارة الغربية قمة التطور الإنساني، وكل الظواهر والقوانين هي محاولات متعثرة للوصول للحالة الغربية، والإنسان الغربي الأبيض في القرن التاسع عشر هو الإنسان الذي يجسد قمة التطور. ولذا، يصبح كل شيء غير غربي هامشياً، وما هو غربي وحده هو الحقيقي والتاريخي والمركزي، وإذا كان العالم هو الغرب فإن القانون الغربي يكون بالتالي هو القانون الدولي. ومن هنا كانت الصهيونية تُسمِّي نفسها «الصهيونية العالمية» (ومازلنا نتحدث عن «المغني العالمي» ـ خوليو مثلاً ـ ونحن نعني «المغني الغربي» ، أو نقول «له سمعة عالمية» ونحن نعني «سمعة في العالم الغربي» وهكذا) .

стр. 6602

ومن أهم المصطلحات التي ترتبط بهذا الاستخدام مصطلح «صهيونية سياسية» أو «صهيونية دبلوماسية» فهي تعني في واقع الأمر صهيونية تقوم ببذل جهود سياسية لدى "الدول المتحضرة"، أي الدول الغربية، والمناورة الدبلوماسية معها للحصول على موافقتها للاستيلاء على فلسطين. فهذه الدول هي التي قسَّمت العالم بينها، ومن ثم فإن أي جهد سياسي أو دبلوماسي يُبذَل يدور في إطارها، وأي جهد آخر هو أمر غير منطقي وغير سياسي أساساً فهو جهد رومانسي عبثي.

стр. 6603

ويمكن أن تثار هنا قضية تَوجُّه هرتزل إلى السلطان العثماني طالباً منه براءة لشركة استيطانية، مع أن الدولة العثمانية لم تكن دولة "متحضرة "، أي لم تكن غربية استعمارية. إن تفسير ذلك ببساطة هو أنه لم يكن قد تقرَّر بعد تقسيم الدولة العثمانية، وكانت القوتان البروتستانتيتان (إنجلترا وألمانيا) تقفان وراءها حتى تقف حاجزاً أمام النفوذ الأرثوذكسي الروسي والنفوذ الكاثوليكي الفرنسي. ومع هذا، كانت ثمة مؤشرات قد بدأت تلوح في الأفق، فإنجلترا كانت قد استولت على قبرص، ولكن الأهم أنها كانت قد استولت على مصر (١٨٨٢) ، وكانت أول دولة إسلامية تضمها إنجلترا، الأمر الذي كان يعني تعدياً صريحاً على الدولة العثمانية وعلى شرعيتها الإسلامية، وكان يعني بالتالي أن الوقت قد حان للتقسيم. وفي هذا الإطار تحرَّك هرتزل، فكان يتقدم لتركيا لا باعتبارها دولة متحضرة وإنما باعتبارها منطقة نفوذ ألمانية ثم إنجليزية. وقد كان يعلم ذلك تماماً، ولذا فإنه كان يلجأ دائماً إلى الحكومة الألمانية عسى أن تتوسط له عند السلطان. ولعل ما شجَّع هرتزل أن القوميات الجديدة، خصوصاً في وسط أوربا والبلغاريين والصرب والمجر، اقتطعت أوطانها أساساً من الدولة العثمانية تحت رعاية الدول الأوربية. وكان كل من كاليشر والقلعي يكتبان ويفكران على هذا المنوال حينما بدءا في التعبير عن النزعات الصهيونية الأولى. ولم يكن هرتزل استثناءً من القاعدة، ولذا فقد كان عليه أن يتقدم للدولة العثمانية مضطراً بسبب طبيعة الوضع القائم، ولكنه مع هذا كان يتحرك داخل إطار غربي وكان يسعى للحصول على الاعتراف الغربي به، أي أن مناوراته في تركيا تمت هي الأخرى في إطار «القانون الدولي العام» الذي وضعته الدول المتحضرة. شركة ذات براءة Chartered Company

стр. 6604

» شركة ذات براءة» عبارة تتواتر كثيراً في كتابات هرتزل وكتابات الصهاينة قبل ظهور وعد بلفور، ولا يمكن فهم النصوص الصهيونية قبل بلفور إلا بإدراك معناها الدقيق داخل سياقها. ومن المعروف أن هرتزل حينما بدأ في تحديث حل المسألة اليهودية كتب إلى عدد من كبار الاستعماريين في العالم (سير سيسل رودس وستانلي) . وقد رد عليه رودس عن طريق طرف ثالث قائلاً: "ضع نقوداً في حافظتك"، أي أن تنفيذ المشروع الصهيوني يتطلب أن يقوم هرتزل بتدبير مبالغ للاستثمار. ورودس لم يكن ذكياً في إجابته، فهو لم يفهم المشكلة الخاصة بالمشروع الصهيوني وهي أن المادة البشرية الاستيطانية المُستهدَفة والتي سيتم توطينها لا تتمتع بعلاقة عضوية مع أية دولة غربية على وجه التحديد (فهم أعضاء شعب عضوي منبوذ) . ولذا، فقد كان هرتزل حصيفاً حينما قرر أن قوة المحفظة مسألة أساسية، ولكنه أضاف: "جمعية اليهود [أي المنظمة الصهيونية] ، والهدف النهائي هو الحصول على الضمانات الدولية".

стр. 6605

كان هرتزل يعرف أن أحد أشكال العلاقة بين جماعات المستوطنين والتشكيل الاستعماري الغربي هو الشركات الاستعمارية الاستيطانية ذات البراءة، ولذا فحينما طلب قيصر ألمانيا من هرتزل أن يلخص له ما يريده قال الأخير: "شركة ذات ميثاق أو براءة تحت الحماية الألمانية". ومرة أخرى، أظهر هرتزل براعته الفائقة وحسه العملي الزائد. فبدلاً من أن يقدم إلى القيصر ديباجة طويلة مملة عن حقوق الشعب اليهودي وعن ارتباطه الأزلي بأرض الميعاد، أو حتى عن بؤس يهود شرق أوربا وما شابه ذلك من شعارات ما كانت لتنطلي على القيصر الذي كان يتحرك في نطاق الصيغة الصهيونية الشاملة ويعرف جيداً مدى فائدة اليهود ونفعهم وضرورة التخلص منهم. بدلاً من كل ذلك، قال له هرتزل عبارة واحدة تلخص كل شيء. ولكي ندرك مدلول العبارة كما فهمها ممثل الصهيونية وممثل الدولة الراعية، لابد من وضعها في سياقها التاريخي والحضاري. والكلمة الأساسية هنا هي كلمة «تشارتر charter» الإنجليزية وهي مستقاة من الكلمة اللاتينية «كارتا charta» (ورقة أو خطاب) ومعناها «خطاب أو ترخيص ينص على حقوق معينة تمنحها حكومة أو حكام لشخص أو شركة» . وهي الكلمة نفسها التي كانت تُستَخدم في العصور الوسطى في الغرب للإشارة إلى الاتفاق الموقَّع بين الجماعة اليهودية كجماعة وظيفية والسلطة الحاكمة.

стр. 6606

ويبيِّن جورج جبور، الدارس العربي لظاهرة الاستيطان، أن هذه الشركات كانت إحدى الوسائل التي ابتدعها الاستعمار الغربي في أواخر القرن الماضي. فقد كانت هذه الشركات تقوم بتجنيد الفائض البشري في أوربا وتؤمِّن لهم سفرهم أو تمنحهم بعض المزايا في البلدان المُكتشَفة حديثاً مقابل أن يخدموا الشركة وينفذوا سياستها ويوسعوا نفوذها. وكانت الدول الراعية، مانحة البراءة، تقوم بحماية الشركة من المنافسات الدولية وتنظم العلاقة بين المستوطنين والسكان المحليين. وقد كانت البراءة تمنح الشركة حق أن تكون «شبه دولة» فهي لم تكن مشروعاً مدنياً يهتم بالشئون التجارية وحسب، وإنما كانت إحدى أدوات الاستعمار في مراحله التمهيدية. وقد كان مجال نشاطات الشركة واسعاً متنوعاً، فمثلاً كانت تقوم بشراء وإنشاء المصانع وبناء القلاع والاستيلاء على الأراضي وسك النقود وإدارة القلاع والدخول في أحلاف سياسية وإعلان الحرب والسلم. ورغم هذه الاستقلالية، فإن المشروع ككل كان يقع ضمن الإطار العام لمخططات تلك الإمبراطورية التي قامت بمنح البراءة. والفائدة التي تجنيها الإمبراطورية مانحة الصك من جراء مثل هذا الوضع مضمونة تماماً، ففي حالة نجاح الشركة تحقِّق الإمبراطورية أرباحاً كبيرة. أما إذا فشلت، فإن هيبة الإمبراطورية لا تتأثر (وهذا مناسب جداً لعلاقة الحضارة الغربية بالشعب العضوي المنبوذ والدولة الوظيفية) . وتبين موسوعة الصهيونية وإسرائيل أن هرتزل حينما كان يستخدم كلمة «تشارتر» فإنه كان يفكر أساساً في الميثاق أو البراءة التي منحتها الحكومة البريطانية في ٢٠ أكتوبر ١٨٨٩ إلى شركة سيسل رودس المسماة شركة جنوب أفريقيا البريطانية وأعطت بموجبها الحكومة البريطانية الشركة المذكورة حكماً ذاتياً كاملاً في منطقة الزامبيزي (التي يقع معظمها ضمن حدود روديسيا، أي زمبابوي الآن) وذلك فيما يختص بإدارة المنطقة والنشاط السياسي تجاه السكان المحليين تحت إشراف

стр. 6607

الحكومة البريطانية. وقد أشار هرتزل إلى فكرة الميثاق في المؤتمر الصهيوني الثالث (١٨٨٩) ، كما أن مفهوم الميثاق استُخدم للإشارة إلى المحاولات الصهيونية الرامية إلى الاستيطان في العريش وشرق أفريقيا. والواقع أن هرتزل، بذلك، كان يتبع النمط الاستعماري الاستيطاني السائد. فالاستيطان، كما يقول جبور، كان يبدأ عادةً برحلات الاستكشاف الجغرافية أولاً، ثم يأتي عدد من الجنود والبحارة والمبشرين (بهذا الترتيب أو بغيره) ثم تبدأ هجرة المستوطنين. وقد قامت بهذه النشاطات كلٌّ من الصهيونية ذات الديباجة المسيحية والصهيونية التسللية والقنصليات الغربية، وأدرك هرتزل أن الوقت قد حان للحصول على البراءة لدعم مشاريع الاستيطان، وهي موافقة مختلفة عن الموافقة التي كانت تُمنَح عادةً للتجار والمستكشفين. هذا ما كان يفكر فيه هرتزل. وقد كان تقسيمه للمشروع الصهيوني يماثل تقسيم شركة الهند الشرقية التي كانت تشرف عليها لجنة الأربعة وعشرين (جمعية اليهود) التي تقوم بعملية التخطيط والإدارة، كما كان هناك جهاز تنفيذي خاص بالشركة نفسها يقوم بتنفيذ الأعمال التجارية. ولكن الأمور تطورت بأسرع مما تصوَّر الصهاينة، إذ تم تقسيم الدولة العثمانية وصدر وعد بلفور الذي زود الصهاينة بدعم وحماية أكثر مما توفره الشركات ذات البراءة، فحل وعد بلفور محل البراءة. وقد كان الصهاينة يشيرون بالفعل إلى وعد بلفور وإعلان الانتداب على فلسطين باعتبارهما «الميثاق أو البراءة» ، وكان أتباع الصهيونية الدبلوماسية الاستعمارية يُسمَون «الميثاقيون» (بالإنجليزية: تشارترايتس Charterites) . ورغم أننا صنفنا وعد بلفور على أنه براءة منحتها دولة استعمارية لمجموعة من المستوطنين، فإن ثمة اختلافات بين وعد بلفور والبراءات الأخرى، أوجزها الدكتور جورج جبور فيما يلي:

стр. 6608

١ ـ مع أن البراءة الممنوحة للحركة الصهيونية كانت بريطانية أساساً، إلا أنها ووفق عليها من قبَل أهم الدول الأوربية، ومن قبَل الولايات المتحدة الأمريكية، بشكل أكثر صراحة من براءات الاستيطان السابقة. ٢ ـ لم يأتِ المستوطنون اليهود من قُطر أوربي واحد، ولا أتوا أساساً من القُطر الذي منح البراءة، بل من أقطار أخرى أهمها أوربا الشرقية. ٣ ـ كانت البراءة الممنوحة للحركة الصهيونية تخص اليهود وحدهم، ولم تكن مفتوحة للجميع. "وهكذا، فإن تجربة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني كانت جغرافياً أوسع مدى من جهة (إذ تشمل كل الدول الأوربية وغير الأوربية في مرحلة لاحقة) ، وأضيق في القاعدة الاجتماعية (السكانية) من جهة ثانية (إذ كانت تقتصر على اليهود ولا تشمل جميع السكان) . كما أن هذه التجربة جاءت نتيجة إجماع إيجابي أوربي حكومي (إذ أن عدداً من الدول الأوربية، بالإضافة إلى الولايات المتحدة، أيَّدت وعد بلفور) من جهة ثالثة". الكومنولث Commonwealth كلمة استخدمها الصهاينة ابتداءً من ١٩٤٤ للإشارة إلى الكيان الذي ينوون تشييده في فلسطين (وقبل ذلك التاريخ كانت الكلمة المستخدمة بالإنجليزية هي «وطن» ، أي «هوم لاند Homeland» وليس دولة) . وتُستخدَم كلمة «كومنولث» في الوثائق الرسمية الأمريكية للإشارة إلى أربع ولايات أمريكية (كنتكي، وماساتشوستس، وبنسلفانيا، وفيرجينيا) وهي ولايات ليس لها استقلال ولا تختلف من الناحية الفعلية عن الولايات الأخرى. وتُستخدَم الكلمة أيضاً للإشارة إلى بورتوريكو، وهي ولاية تحكم نفسها حكماً ذاتياً ولكنها لا تتمتع بالاستقلال الكامل. والمعنى الذي كان يقصده الصهاينة، كما تدل المراسلات بينهم، وكما يدل تطوُّر الأحداث فيما بعد، يعني «دولة مستقلة ذات سيادة» ولكن هذا المصطلح تم استخدامه من قبيل المراوغة.

стр. 6609

ويُشار أيضاً في الأدبيات الصهيونية إلى الكومنولث الأول والكومنولث الثاني أو الثالث. أما الأول، فهو دولة سليمان وداود، أما الثاني فهو دولة الحشمونيين، أما الثالث فهو الدولة الصهيونية. ومن ثم، فإن كلمة «كومنولث» دالٌّ ذو حقل دلالي مضطرب تماماً. وقد استخدم الصهاينة كلمات أخرى مراوغة مثل «وطن قومي» ، وذلك لتحاشي استخدام كلمة «دولة» بكل ما تتضمنه من إيحاءات الاستقلال التي قد تُفجِّر الصراعات بين الصهاينة التوطينيين والصهاينة الاستيطانيين (قبل بلفور) والتي كان يمكن أن تُنبِّه العرب للخطر الاستيطاني الإحلالي المحدق بهم. خلق الحقائق الجديدة Creating New Facts «خَلْق حقائق جديدة» من العبارات المتواترة في الخطاب الصهيوني. وقد وردت العبارة في أقوال وايزمان وجابوتنسكي وموشيه ديان (بعد حرب عام ١٩٦٧) . والعبارة تجسد مفهوماً أساسياً كامناً في الفكر الصهيوني والفكر الإمبريالي عامة. فهو فكر لا يؤمن بأية قيم أخلاقية، ولا يحتكم إلى أية منظومات معرفية، وهو فكر عملي واقعي مرن، ولكن مرونته تكمن وراءها إرادة القوة والحد الأقصى من العنف (كما هو الحال مع الفكر البرجماتي) .

стр. 6610

وتتبدَّى خاصية المراوغة في الخطاب الصهيوني في عبارة «خَلْق حقائق جديدة» . فالصهيونية عقيدة تتضمن أطروحاتها الأساسية (الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة) مسألة طرد العرب والاستيلاء على أراضيهم. ولكن، لأسباب عملية عديدة، لم يتمكن الصهاينة من الإعلان عن أهدافهم، وأعلنوا أنهم ليست لديهم أية أطماع توسعية بل يرحبون بوجود العرب داخل الدولة الصهيونية (وكأن هذا أمر ممكن بالفعل) . ولكنهم كانوا يعلمون أنه حين تتغيَّر موازين القوة، وحين تحين اللحظة، فبإمكانهم التحرك لتحقيق الأهداف الكامنة (طرد العرب ـ الاستيلاء على أراضيهم) فيغيِّرون الوضع القائم ويخلقون حقائق جديدة لدعم الوضع القائم الجديد المبني على العنف. ويتم تعديل الأهداف الصهيونية المعلنة بما يتفق مع الوضع الجديد. وهذا ما فعله الصهاينة بالضفة الغربية، بعد عام ١٩٦٧. فقبل ذلك التاريخ لم يكن أحد يتحدث عن ضم الضفة الغربية (إلا المتطرفون والمجانين) ، إذ كان الهدف المعلن هو العيش في سلام مع العرب داخل حدود ١٩٤٨. ولكن، بعد أن تم ضم الضفة الغربية، قام الصهاينة بتكثيف الاستيطان لخلق حقائق جديدة حتى يُواجَه العالم الخارجي بأمر واقع جديد. ويتم حينذاك إعادة تعريف السلام، فيصبح الانسحاب من بعض أجزاء الضفة الغربية وحسب هو الحد الأقصى الممكن. إن المدلول المحوري (الركيزة النهائية) في كل المنظومة الصهيونية هو إرادة القوة، فهذه هي الميتافيزيقا الحقيقية، وهي في هذا لا تختلف عن الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية الغربية عامةً.

стр. 6611

الجزء الثاني: تاريخ الصهيونية الباب الأول: تاريخ الصهيونية تاريخ الصهيونية: مقدمة History of Zionism: Introduchion يرى الصهاينة والمعادون لليهود أن الحركة الصهيونية بدأت مع التاريخ اليهودي نفسه وأنها لازمت اليهود عَبْر تاريخهم بعد تحطيم الهيكل، وذلك لسببين: واحد سلبي والآخر إيجابي. أما السلبي، فهو ظاهرة العداء لليهود والمذابح والاضطهاد اللذين تعرَّض لهما اليهود في كل مكان وكل زمان، وهي ظاهرة حتمية أزلية من المنظور الصهيوني. أما السبب الإيجابي، فهو الرغبة العارمة لدى اليهودي في العودة إلى فلسطين (أرض الوطن ـ أرض الأجداد والأسلاف ـ الوطن القومي ـ أرض الميعاد) حيث إنه يشعر بالاغتراب العميق في أرض المنفى (الأمر الذي أدَّى إلى إفساد الشخصية اليهودية) . وتعود هذه الرغبة إلى أن اليهود، من منظور صهيوني، يشكلون قومية رغم أنهم لا يوجدون في مكان واحد ولا يتحدثون لغة واحدة ولا يتسمون بسمات عرْقية أو نفسية واحدة ولا يخضعون لظروف اقتصادية واحدة. وقد بدأت المسألة اليهودية يوم أن ترك اليهود وطنهم قسراً. والصهيونية هي التي ستضع نهاية لهذا الوضع، وهي ستفعل ذلك عن طريقة آلية جديدة، فهي ترفض سلبية اليهودية الحاخامية وخنوع الشخصية اليهودية، وبالتالي سوف تحرِّض اليهود على العودة بأنفسهم إلى فلسطين ليحققوا تطلُّعهم القومي وستقوم بتنظيمهم لتحقيق هذا الهدف. ولكل هذا، تنظر الصهيونية إلى نفسها باعتبارها التعبير الحقيقي والوحيد عن مسار التاريخ اليهودي.

стр. 6612

لكن هذه الرؤية الصهيونية لتاريخ الصهيونية ليس ذات مقدرة تفسيرية عالية إذ أنها تفشل في أن تفسر سبب ظهور الصهيونية بين اليهود في أوربا في أواخر القرن التاسع عشر ولم تظهر قبل ذلك التاريخ في مكان آخر. ولو كان سبب ظهور الصهيونية هو عداء الأغيار لليهود ورغبتهم العارمة في العودة، لكان الأولى أن تظهر الصهيونية إبان حروب الفرنجة على سبيل المثال. وكيف نفسر ظهور الفكر الصهيوني في الأوساط الاستعمارية الغربية وهم لا يدينون باليهودية ولا يوجد عندهم أي تطلُّع للعودة ولم يتعرضوا لاضطهاد الأغيار؟ وفي تصوُّرنا أن الصهيونية تعود إلى مركب من الأسباب التاريخية والحضارية والفكرية (انظر: «السياق التاريخي والاقتصادي والحضاري للصهيونية» ـ «المصادر العلمانية للفكر الصهيوني» ) لعل أهمها طراً هو ظهور الإمبريالية كرؤية معرفية وحركة سياسية اكتسحت العالم بأسره وحولته نظرياً وفعلياً إلى مادة لا قداسة لها تُوظَّف في خدمة الشعوب الغربية. وقد واكب هذا ظهور معاداة اليهود الحديثة التي ارتبطت تماماً بتصاعُد معدلات العلمانية الشاملة والعنصرية. ومن هذه النقطة سنطرح تعريفاً للصهيونية، وسوف يتضمن هذا التعريف الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة التي تنظر إلى اليهود من الخارج، وسنضع بين قوسين الديباجات الصهيونية اليهودية التي هوَّدت الصيغة ومن ثم يسَّرت على المادة البشرية المستهدفة استبطانها.

стр. 6613

ويمكن تعريف الصهيونية بشكل مبدئي بأنها حركة داخل التشكيل السياسي والحضاري الغربي تنظر إلى اليهود من الخارج باعتبارهم فائضاً بشرياً، فهم بقايا الجماعات الوظيفية اليهودية التي فَقَدت وظيفتها ونفعها وتحوَّلت إلى شعب عضوي منبوذ وفائض بشري لا نفع له (ويتم تهويد هذا حيث ينظر اليهود إلى أنفسهم من الداخل باعتبارهم الشعب المختار أو الشعب العضوي أو الشعب الذي فقد وطنه ولذا فهو لا يمكنه تحقيق رسالته) . هذا الفائض (الشعب) يجب أن يُهجَّر (يعود) من أوطانهم (أرض المنفى) إلى خارج أوربا في أية بقعة في العالم. ثم تحدَّدت البقعة بفلسطين (صهيون أو إرتس يسرائيل أو أرض إسرائيل في المصطلح الصهيوني) . وسيتم نقلهم حتى يتم توظيفهم وتحويلهم إلى عنصر استيطاني قتالي يقوم على خدمة المصالح الغربية (واحة الديموقراطية الغربية ـ نور الأمم ـ مركز الثقافة اليهودية ـ وطن قومي يهودي ـ مكان تحقق فيه رسالة اليهود المقدَّسة) نظير أن يضمن الغرب بقاءه واستمراره داخل إطار الدولة الوظيفية. وحركة النقل السكاني هذه تتضمن حركة أخرى لا تذكرها الأدبيات الصهيونية إلا نادراً. فالعنصر السكاني الجديد لن يقوم باستبعاد السكان الأصليين أو استغلالهم عن طريق سرقة أرضهم وتحويلهم إلى عمالة رخيصة وإنما سيحل محلهم. فالمستوطن الصهيوني يريد الأرض خالية من السكان، وبالتالي لابد من التخلص منهم إما عن طريق الإبادة (على الطريقة الأمريكية) ، وهذا أمر أصبح مستحيلاً، أو عن طريق التهجير، ومن ثم فإن المشروع الصهيوني ليس مشروعاً استعمارياً غربياً وحسب، وليس مشروعاً استعمارياً استيطانياً وحسب، وإنما هو مشروع استعماري غربي، استيطاني إحلالي، له ديباجات يهودية فاقعة.

стр. 6614

ورغم هذه الديباجات، ومع أن هناك بعض ملامح خصوصية بل متفردة في الصهيونية، فإنها في تصوُّرنا ليست حركة عالمية، فهي ليست ثمرة تفاعل حركيات عالمية على مستوى التاريخ العالمي وإنما ثمرة قوى حضارية وسياسية واجتماعية داخل التشكيل الحضاري الغربي. بل نذهب إلى أن الصهيونية إشكالية كامنة داخل الحضارة الغربية ولا يمكن فهمها بمعزل عن سياق هذه الحضارة وتياراتها الفكرية والقوى السياسية والاجتماعية التي تعتمل فيها والإشكاليات الكبرى التي تواجهها. ولعل معظم الناس يسمونها «صهيونية عالمية» لأنها أطلقت على نفسها هذا الاسم، ولأنه حدث ترادف كامل في عقول معظم الناس بين ما هو غربي وما هو عالمي. ولكل هذا، فإن تاريخ الصهيونية هو بالدرجة الأولى جزء لا يتجزأ من تاريخ الحضارة الغربية، ولا يمكن فهمه خارج حركيات هذا التاريخ. وسنستخدم الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة كوحدة تحليلية تبسيطية أساسية نقدم من خلالها تاريخ الصهيونية. ولنا أن نلاحظ أن التاريخ الذي نقدمه من خلال الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة مرتبط تماماً بتاريخ تحوُّل الجماعات اليهودية في الغرب إلى جماعات وظيفية وبفقدانها هذا الدور في عصر النهضة. وهو الأمر الذي أدَّى إلى تصاعد حمى معاداة اليهود وتزايد وتيرة الدعوة الصهيونية بين غير اليهود ثم بين اليهود، فهو إطار تاريخي عام ينتظم تاريخ الغرب وتاريخ الصهيونية بين غير اليهود واليهود وتاريخ معاداة اليهود. ونحن نصر دائماً على ما نسميه «نظرية الصهيونيتين» ، أي أن هناك صهيونيتين، واحدة توطينية وأخرى استيطانية، لكلٍّ رؤيتها وتاريخها ومصالحها وجماهيرها، ولكنهما تحالفا بعد صدور وعد بلفور. ولكن، رغم هذا التحالف، فإن كل صهيونية لا تزال محتفظة بتوجُّهها ومقاصدها وجماهيرها.

стр. 6615

وفي مداخل هذا الباب سنقوم أولاً بتقديم السياق التاريخ والاقتصادي والحضاري للصهيونية، ثم نقدم تاريخاً موجزاً للفكر والحركة الصهيونية. وفي بقية مداخل الباب سنقدم تواريخ الحركة الصهيونية في مختلف بلاد العالم. السياق التاريخي والاقتصادي والحضاري للصهيونية Historical, Economic, and Cultural Contexts of Zionism ثمة مركب من الأسباب الحضارية والاقتصادية والتاريخية أدَّى إلى ظهور الصهيونية (بين غير اليهود واليهود) سنحاول أن نوجزها في هذا المدخل، وبإمكان القارئ العودة للمداخل الخاصة بكل عنصر. ويُلاحَظ أننا استبعدنا مفهوم "التسامح مع اليهود" (انظر: «التسامح مع اليهود» ) لأنه لا يصلح كمفهوم تفسيري، كما أن مضمونه السياسي والتاريخي يختلف من مرحلة لأخرى، كما أن ما يبدو تسامحاً قد يكون بغضاً، وما يبدو وكأنه بُغض قد يكون تسامحاً. ومن المعروف أن بلفور الذي أصدر الوعد الشهير كان يكن بُغضاً عميقاً لليهود، على حين أننا نجد أن سير إدوين مونتاجو الذي وقف ضده وضد المشروع الصهيوني برمته كان يهودياً يكن الاحترام لبني ملته. وإذا كانت الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة تتضمن الإيمان بضرورة نقل الشعب العضوي المنبوذ النافع ثم توظيفه لصالح الحضارة الغربية، فهل هذا يعبِّر عن البُغض أو يدل على التسامح والمحبة؟ كما يجب ملاحظة أن تاريخ الصهيونية تاريخ مركب لأقصى حد ويتضمن ساحات ثلاثاً هي: أ) أوربا: باعتبارها مصدر المادة البشرية والقوى الإمبريالية الراعية. ب) فلسطين: باعتبارها المكان الذي تُنقَل إليه المادة البشرية. جـ) العالم: باعتبار أن أعضاء الجماعات اليهودية يوجدون في العالم بأسره.

стр. 6616

ورغم تعدُّد الساحات، إلا أن سياق الحركة والفكر الصهيونيين يظل سياقاً غربياً تماماً، إذ أن حركيات الصهيونية مرتبطة تماماً بالتاريخ العام للغرب،،وخصوصاً أن الغالبية الساحقة من يهود العالم موجودة في الغرب. فتاريخ الصهيونية جزء لا يتجزأ من تاريخ الحضارة الغربية وما صاحبه من ظواهر مرضية أو صحية (مثل معاداة اليهود وتصاعُد معدلات العلمنة والثورة الصناعية) ، وليس ذا علاقة كبيرة بالتوراة والتلمود أو «حب صهيون» أو حركيات ما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» . ويمكننا أن نُورد الأسباب التالية لظهور الصهيونية: ١ ـ فشل المسيحية الغربية في التوصل إلى رؤية واضحة لوضع الأقليات على وجه العموم، ورؤيتها لليهود على وجه الخصوص؛ باعتبارهم قتلة المسيح ثم الشعب الشاهد (في الرؤية الكاثوليكية) وأداة الخلاص (في الرؤية البروتستانتية) ـ (انظر الباب المعنون «الإقطاع الغربي» (. ٢ ـ انتشار الرؤية الألفية الاسترجاعية والتفسيرات الحرفية للعهد القديم التي تعبِّر عن تزايد معدلات العلمنة (انظر: «الأحلام والعقائد الألفية» ـ «العقيدة الاسترجاعية» (. ٣ ـ وضع اليهود كجماعة وظيفية داخل المجتمع الغربي (كأقنان بلاط ـ يهود بلاط ـ يهود أرندا ـ صغار تجار ومرابين) وهو وضع كان مستقراً إلى حدٍّ ما إلى أن ظهرت البورجوازيات المحلية والدولة القومية العلمانية (المطلقة والمركزية) فاهتز وضعهم وكان عليهم البحث عن وظيفة جديدة (انظر الباب المعنون «الجماعات اليهودية الوظيفية» (. ٤ ـ مناقشة قضية إعتاق اليهود في إطار فكرة المنفعة، ومدى نفع اليهود للمجتمعات الغربية (انظر: «نفع اليهود» (. ٥ ـ ظهور الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية التي ترى العالم بأسره مادة نافعة تُوظَّف وتُحوسَل (انظر: «الرؤية المعرفية الإمبريالية والصهيونية» (.

стр. 6617

٦ ـ تَزايُد عدد أعضاء الجماعات اليهودية زيادة ملحوظة بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ، وخصوصاًً في شرق أوربا، ابتداءً من القرن التاسع عشر (انظر الباب المعنون «إشكالية التعداد» (. ٧ ـ وجود اليهود في مناطق حدودية مُتنازَع عليها بين الدول الغربية (انظر: «الحدودية» ) . ٨ ـ تعثُّر التحديث في شرق أوربا الأمر الذي دفع بالألوف إلى أوربا الغربية، وهو ما ولَّد الفزع في قلوب حكومات غرب أوربا وأعضاء الجماعات اليهودية فيها. ونحن نذهب إلى أن عام ١٨٨٢ (تاريخ صدور قوانين مايو التي كرَّست تعثُّر التحديث في الإمبراطورية القيصرية الروسية) هو تاريخ ظهور الصهيونية بين اليهود (انظر: «المسألة اليهودية» (. ٩ ـ عزلة يهود اليديشية ثقافياً وبخاصة في منطقة الاستيطان وفشل قطاعات كبيرة منهم في التكيف مع الأوضاع الجديدة. ١٠ ـ أزمة اليهودية الحاخامية وظهور حركات الإصلاح والدمج (انظر: «أزمة اليهودية» (. ١١ ـ سقوط القيادات التقليدية للجماعات اليهودية (الحاخامات وأثرياء اليهود) وظهور المثقف اليهودي الذي فقد هويته اليهودية ولم يكتسب هوية غربية جديدة، فهو يهودي غير يهودي يصر عالم الأغيار على تصنيفه يهودياً، ومثل هؤلاء المثقفين هم الذين أخذوا بالتدريج يحلون محل القيادات التقليدية (انظر: «قيادات الجماعات اليهودية» (. ١٢ ـ ظهور الفكر العنصري وهيمنته على قطاعات كبيرة في المجتمعات الغربية (انظر الباب المعنون «العنصرية الصهيونية» (.

стр. 6618

١٣ ـ ولكن أهم العناصر على الإطلاق هو ظهور الإمبريالية الغربية كقوة عسكرية وسياسية عالمية (بمعنى أن ساحتها العالم بأسره) تُجيِّش الجيوش وتنقل السكان وتقسم العالم. وقد وجدت الإمبريالية الغربية في أعضاء الجماعات اليهودية ضالتها باعتبارهم مادة استيطانية تسبب مشاكل أمنية إن بقيت داخل العالم الغربي، ولكنها تستطيع أن تزيد نفوذه إن نُقلت خارجه وتحولت إلى مادة قتالية تحوسل لحساب الغرب داخل نطاق الدولة الوظيفية. ووجدت القيادات الصهيونية بدورها أن ثمة إمكانية لوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ من خلال تَقبُّل الوظيفة القتالية المطروحة. ويجب ملاحظة أن الصهيونية التوطينية ظهرت في غرب أوربا حيث كان عدد اليهود صغيراً وحيث حقق أعضاء الجماعات اليهودية قدراً عالياً من الاندماج والعلمنة في مجتمعات كانت تحل مشاكلها الاجتماعية عن طريق الاستعمار وغير ذلك من الآليات. أما الصهيونية الاستيطانية فقد ظهرت أساساً في شرق أوربا حيث توجد كثافة سكانية يهودية ضخمة، وحيث تفاقمت القضايا الاجتماعية دون حل حتى عام ١٩١٧. ثم ظهرت الصهيونية النفعية (صهيونية المرتزقة) بعد ذلك بين يهود الدول العربية منذ عام ١٩٤٨، وبين يهود الاتحاد السوفيتي بعد عام ١٩١٧، وتصاعدت وتيرتها بعد عام ١٩٧٠. والسياق التاريخي للصهيونية النفعية يتفاوت من بلد لآخر، ومن جماعة يهودية إلى أخرى. الفكر الصهيوني والحركة الصهيونية: تاريخ موجز Zionist Thought and Movement: Brief History تاريخ الصهيونية مركب لأقصى حد بسبب تداخل مستوياته وساحاته. وسنحاول تقديم هذا التاريخ الموجز من خلال ثلاث عناصر: الساحة ـ الخلفية ـ المادة البشرية المستهدفة، وسنقسم تاريخ الصهيونية إلى أربعة مراحل أساسية: أولاً: المرحلة التكوينية. ثانياً: مرحلة الولادة في مطلع القرن العشرين. ثالثاً: الاستيطان فى فلسطين. رابعاً: أزمة الصهيونية. وسنقسِّم كل مرحلة إلى فترات مختلفة.

стр. 6619

أولا: المرحلة التكوينية. ١ ـ الصهيونية ذات الديباجة المسيحية) حتى نهاية القرن السابع عشر (: شهدت هذه المرحلة من ناحية الخلفية العامة البدايات الحقيقية للانقلاب التجاري في الغرب. إذ هيمن الجيب التجاري (الذي كان منعزلاً في المدن في أوربا الإقطاعية) على الاقتصاد الزراعي الإقطاعي عام ١٥٠٠ تقريباً، وأعاد صياغة الإنتاج وتوجيهه بحيث خرج به عن نطاق الاكتفاء الذاتي وسد الحاجة. وبدأ التجار يلعبون دوراً مهماً في توجيه سياسات الحكومات، وهذا ما يُعبَّر عنه باصطلاح «الانقلاب التجاري» . وقد شجع هذا الانقلاب حركة الاكتشافات الجغرافية، وهي حركة استعمارية ضخمة كانت تأخذ شكل استيطان في مراكز تجارية على الساحل. وفي أواخر القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر، أصبحت إنجلترا، بعد أن تحوَّلت عن الكاثوليكية ونفضت النفوذ الإسباني عنها، أهم قوة استعمارية، فراكمت الثروات وسيطرت على رقعة كبيرة من الأرض. وواكب كل هذا حركة الإصلاح الديني التي أعادت تعريف علاقة الإنسان بالخالق وبالكتاب المقدَّس بحيث أصبح في إمكان الفرد أن يحقق الخلاص بنفسه لنفسه خارج الإطار الكنسي الجمعي، ودون حاجة إلى رجال الدين، وأصبح من واجبه أن يفسر الكتاب المقدَّس لنفسه. وإذا ما تركنا الخلفية جانباً وانتقلنا إلى الساحة، فلسطين، وجدنا أن الإمبراطورية العثمانية في هذه المرحلة كانت لا تزال تقف شامخة تحمي كل رعاياها، مسلمين ومسيحيين ويهوداً، وتُشكِّل كتلة بشرية ضخمة متماسكة، ولم يكن الاستعمار الغربي يجرؤ على مواجهتها، وكان يفضل الالتفاف من حولها. ومع هذا يجب أن نسجل أن هذه الفترة شهدت بداية جمود الدولة العثمانية وظهور علامات ضعفها (في الوقت الذي كانت فيه الدول القومية الأوربية تزداد قوة بتأثير الانقلاب التجاري) .

стр. 6620

ظهرت الصيغة الصهيونية الأساسية في أواخر القرن السادس عشر على شكل الأحلام الاسترجاعية في الأوساط البروتستانتية الاستعمارية، وخصوصاً في إنجلترا، وقد وُلدت كفكرة وحسب، كإمكانية تبغي التحقق لا في أوربا وإنما خارجها، وليس من خلال الإنسان الأوربي ككل، وإنما من خلال الجماعات الوظيفية اليهودية. وكانت الصيغة الصهيونية الأساسية متدثرة بديباجات مسيحية بروتستانتية. وقد كانت هذه الصهيونية ترى اليهود باعتبارهم مادة بشرية يمكن حوسلتها. ولذا، فلم يُتصوَّر أن يكون لهم دولة وظيفية مستقلة (فمركز الحلول هو المسيحيون البروتستانت) والمكان الذي سيُنقَلون إليه كان يختلف من مفكر لآخر. والهدف من نقلهم هو الإعداد للخلاص المسيحي. ويُلاحَظ أن هذا الضرب من الصهيونية ا (شأنه شأن أية صهيونية توطينية) ينظر إلى اليهود من الخارج كعنصر يُستخدَم ومادة تُوظَّف. وإن كان يجدر ملاحظة أن الصهيونية هي بالدرجة الأولى حركة غير يهودية، لم يشترك فيها أعضاء الجماعة اليهودية من قريب أو بعيد. كما يُلاحَظ أن الخطاب الصهيوني كان هامشياً جداً، مقصوراً على الأصوليين البروتستانت. ٢ ـ صهيونية غير اليهود (العلمانية) (حتى منتصف القرن التاسع عشر) : شهدت هذه المرحلة تراكم رؤوس الأموال وهيمنة الملكيات المطلقة (بتوجهها المركنتالي) على معظم أوربا، غربها ووسطها، وإلى حدٍّ ما شرقها. ورغم أن القوى السياسية التقليدية كانت لا تزال مسيطرة على دفة الحكم فإن الطبقات البورجوازية ازدادت قوة وثقة بنفسها وبدأت تطالب بنصيب من الحكم، بل بدأت تؤثر فيه. وقد عبَّر هذا عن نفسه من خلال الفلسفات الثورية المختلفة والنظريات الكثيرة عن الدولة والفكر العقلاني، وأخيراً من خلال الثورة الفرنسية التي تُعدُّ ثمرة كل الإرهاصات السابقة وتشكِّل نقطة تحوُّل في تاريخ أوربا بأسرها.
следующие страницы →