Полный текст (8 511 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.
стр. 7071
وبعد تأسيس المنظمة الصهيونية، انتقل النشاط الصهيوني من مرحلة البداية الجنينية ذات الطابع المحلي إلى مرحلة العمل المنظم على الصعيد الغربي. ولكن هرتزل كان قد بدأ نشاطه قبل ذلك إذ كان قد قام بعدة اتصالات مع بعض الشخصيات الاستعمارية، وساعده على ذلك الصهيوني غير اليهودي هشلر.
ولكن، حتى بعد تأسيس المنظمة، كان هرتزل يدرك أن منظمته لا تمثل أحداً، أو أنها تمثل أقلية من اليهود لا يُعتدُّ بها، وأن العنصر الحاسم ليس المنظمة وإنما هو الدولة الراعية. ولذا، فقد تَجاهَل منظمته وبدأ بحثه الدائب عن قوة غربية ترعى المشروع. فقد كان يعلم تمام العلم أنه لو حصل على مثل هذه الموافقة فسترضخ له المنظمة وتتبعه، وخصوصاً أنها لم تكن تملك بديلاً، كما أن الصهاينة التسلليين كانوا يعلمون أن المشروع الصهيوني كان قد وصل بقيادتهم إلى طريق مسدود.
ومن هنا، فإن التفسير التقليدي لسلوك هرتزل بأنه زعيم دكتاتوري وشخصية أوتوقراطية أرستقراطية هو تفسير يحاول تطبيع النسق الصهيوني، أي النظر إليه على أنه نسق طبيعي يتم تفسيره باستخدام القواعد نفسها التي تُستخدَم في تفسير الأنساق المماثلة. وفي هذا خلل منهجي أساسي، فالصهيونية ظاهرة لها قوانينها الخاصة، وأحد قوانينها الأساسية أنها حركة سياسية بلا جماهير. وهذا ما اكتشفه هرتزل منذ البداية، ولذا فلا يمكن اتهامه بالدكتاتورية، فقد كان عملياً أكثر من العمليين، مدركاً لما فشل الصهاينة الديموقراطيون في إدراكه، كما كان يعرف كيف يتصل بممثلي الحضارة الغربية ويعرف كيف يتحدث لغتهم وكيف يعرض عليهم العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية.
стр. 7072
وانطلاقاً من هذا، تَخطَّى هرتزل الجميع (الجميع كانوا تقريباً من شرق أوربا) . وقد بدأ اتصالاته الدبلوماسية أو فلنقل إنه استمر فيها باعتبار أنه كان قد قام باتصالات قبل ذلك. ومن الشخصيات التي اجتمع بها لعرض مشروعه الصهيوني، ملك إيطاليا (عمانوئيل الثالث) ووزير داخلية روسيا (فون بليفيه) وكان شخصية مكروهة تماماً من يهود روسيا. ولكن هرتزل ركَّز معظم جهوده على القوتين الاستعماريتين العظميين آنذاك: ألمانيا وبريطانيا، وهما أيضاً القوتان اللتان كان لهما تطلعات استعمارية في الشرق الأوسط، وكانتا تتنافسان على حماية ومساعدة الباب العالي. ولم يكن هرتزل مُنظِّراً من الدرجة الأولى، ولكنه كان صحفياً يرصد الأحداث بذكاء ويتسم بحس عملي فائق، ولذلك فإنه بعد أن قضى بضع سنوات يغازل ألمانيا (والباب العالي) اكتشف أن الطريق إلى فلسطين يبدأ في لندن، فحمل أمتعته وذهب إلى هناك حيث وجد جوزيف تشامبرلين (وزير المستعمرات البريطاني في وزارة بلفور) شخصاً متفهماً لمشروعه، متقبلاً للفكرة المبدئية وهي حل مسألة يهود شرق أوربا على الطريقة الاستعمارية، أي نَقْلهم إلى الشرق. ولكن وقت تقسيم الدولة العثمانية لم يكن قد حان بعد، ولذا اقترح وزير المستعمرات على هرتزل أن يبحث عن أي أرض أخرى داخل الإمبراطورية الإنجليزية (قبرص ـ العريش ـ شرق أفريقيا) . وبعد عدة دراسات واقتراحات واتصالات، استقر الرأي على شرق أفريقيا بناءً على نصيحة تشامبرلين، ولكن الخطة لم يُكتَب لها النجاح. ومع هذا، يمكن القول بأنه تم من خلالها إجراء أول بروفة لتوقيع العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية بشأن يهود العالم واتخاذ الإجراءات الأولية لتأسيس مُستوطَن صهيوني.
جذور العنف الصهيوني في أفكار هرتزل
Roots of Zionist Violence in Herzl's Ideas
стр. 7073
طوَّر هرتزل الخطاب المراوغ ودعا كل الأطراف (العالم الغربي ويهود العالم بشقيه الغربي والشرقي) لتوقيع العقد الصامت بين الحضارة الغربية والحركة الصهيونية.
ولكن هناك طرفاً لم يُدعَ للتوقيع، رغم أنه سيضار حين يُوضَع العقد موضع التنفيذ، ألا وهو العرب. فقد ذكر هرتزل هذا الطرف بشكل عابر أحياناً في معرض نقده للصهيونية التسللية التي لم تدرك أن المستوطنين الأصليين (العرب وربما الهنود في الأرجنتين) سيشعرون بأنهم مهددون فيضغطون على الحكومات المعنية فتضطر هذه الحكومات لإيقاف التسلل. ولا يرد لهم ذكر في دولة اليهود أو في الخطاب الذي ألقاه أمام المؤتمر الأول (١٨٩٧) ، أي في الوثائق العلنية الموجهة للصهاينة. ولكن هناك وثائق علنية أخرى موجهة للرأي العام مثل الأرض الجديدة القديمة حيث يُقدِّم هرتزل صورة وردية لمصير العرب من مواطني الدولة اليهودية الذين سيزدادون رخاءً وسينعمون بالهناء. وقد كتب هرتزل عام ١٨٩٩ خطاباً لأحد القادة الفلسطينيين يبشره بالرفاهية التي ستعم والثروة التي ستزيد. ولكن، مهما كانت رقة قلب هرتزل، فإن العرب والسكان الأصليين لم يُدعَوا لتوقيع العقد، فسيادة الدولة اليهودية مصدرها الغرب، والحكومات المعنية يمكن أن تسبب المضايقات، أما السكان الأصليون فلا أهمية لهم. وهرتزل لم يكن فريداً في هذا، فتحديث الغرب على الطريقة الاستعمارية كان يفترض أن يدفع الشرق فواتير التقدم الغربي. وبالتالي، فإن السكان الأصليين ليسوا ضمن عملية التحديث وإنما يقعون خارجها تماماً. ولذا، فإن الإغفال والتغييب جزء من النظام الإدراكي الغربي الحديث للآخر، ومن ثم يصبح العنف هو الآلية المحضة لتنفيذ المشاريع التي تتحرك في إطار القانون الدولي العام أي القانون الاستعماري الغربي.
стр. 7074
ولكن هرتزل، بمراوغته، لا يتحدث قط عن العنف في الوثائق العامة، إلا من إشارة عابرة للمكابيين في دولة اليهود، وهي إشارة يمكن أن تُفهَم على أن المقصود بعث عسكري وليس بالضرورة عنفاً ضد العرب. والتفسير نفسه يمكن أن ينطبق على خطابه للبارون دي هيرش حين ذكر خطته التي تهدف لأن يخلق من البروليتاريا اليهودية المثقفة (المفكرين المتوسطين الذي يتحدث عنهم في دولة اليهود) شيئاً نافعاً "جنود وكوادر الجيش الذي سيبحث عن الأرض ويكتشفها ثم يستولي عليها". وعلى أية حال، فإن العنف يطل برأسه في كلمة «يستولي» . والأمر يختلف قليلاً في اليوميات التي يختلط فيها الإعجاب بالعسكرية البروسية بالحديث عن كيفية الاستيلاء على الملكية الخاصة للسكان الأصليين وكيفية استخدامهم لقَتْل الثعابين وتأمين عمل لهم في بلاد أخرى (كما دوَّن في مذكراته عام ١٨٨٥) . وفي عام ١٩٠٢، كتب هرتزل لتشامبرلين عن مصير السكان الأصليين في قبرص إن وقعت في الدائرة الصهيونية الحلولية المقدَّسة الفاتكة: "سيُرحَّل المسلمون، أما اليونانيون فسيبيعون أرضهم بكل سرور نظير سعر جيد ثم يهاجرون إلى أثينا أو كريت"، أي أن الاستيلاء على الأرض وإخلاءها من سكانها هو الافتراض الكامن في كتاباته، فالعنف رابض بين السطور، يتحين الفرصة لكي يتحقق، وينتظر اللحظة المواتية كي ينهمر الرصاص ويسقط النابالم. ومما يجدر ذكره أن هرتزل لا يستبعد استخدام العنف ضد اليهود أنفسهم (إن رفضوا الخضوع للرؤية الصهيونية) كما يتضح في مفهوم غزو الجاليات.
صهيون بدون صهيونية
Zion Without Zionism
стр. 7075
«صهيون بدون صهيونية» اصطلاح استخدمه الصهاينة الإثنيون (الدينيون والعلمانيون) للإشارة إلى تَصوُّر هرتزل وغيره من الصهاينة لدولة اليهود، فهي دولة كانت تشكل إطاراً يُستوعَب فيه الفائض اليهودي وحسب، ولم تكن له أية معالم أو قسمات يهودية مميَّزة. والصهاينة الإثنيون كانوا محقين إلى حدٍّ ما في موقفهم، فالصهاينة التوطينيون في مرحلة ما قبل بلفور كانوا مهتمين بشيء واحد هو التخلص من الفائض البشري اليهودي اليديشي وبأسرع وقت ممكن بإلقائه في أي مكان متاح. ولكنهم لم يكونوا محقين بشكل مطلق إذ أن صياغة هرتزل الهلامية تركت الباب مفتوحاً أمام سائر الديباجات الصهيونية الممكنة، فهي لم ترفض الصهيونية الإثنية وإنما كانت غير مكترثة بها وحسب.
الباب التاسع: الصهيونية السياسية
الصهيونية السياسية
Political Zionism
«الصهيونية السياسية» اصطلاح مرادف لما يُسمَّى «الصهيونية الدبلوماسية»
الصهيونية الدبلوماسية (الاستعمارية)
Diplomatic (Colonial) Zionism
«الصهيونية الدبلوماسية» اصطلاح مرادف لاصطلاح «الصهيونية السياسية» ، ونحن نفضل الاصطلاح الأول لأنه أكثر تفسيرية وارتباطاً بالظاهرة موضع الدراسة. كما أن كلمة «سياسية» مصطلح شديد العمومية يفترض أن الصهيونيات الأخرى ليست سياسية. وكلمة «سياسية» ، في هذا المصطلح، تعني في واقع الأمر «المناورات السياسية» أي «الجهود الدبلوماسية» . ولذا، فإن الاصطلاح يشير إلى إجراءات تؤدي إلى تحقيق الهدف الصهيوني، وحيث إن هذه الإجراءات تتحد في السعي لدى القوى الاستعمارية لضمان تأييدها للمُستوطَن الصهيوني، فإن المصطلح يجب أن يكون «الصهيونية الدبلوماسية الاستعمارية» . ولكننا سنكتفي باستخدام المصطلح دون إضافة أية صفات، فهي أمر مفهوم، وخصوصاً أن كل الاتجاهات الصهيونية استعمارية.
стр. 7076
ويُستخدَم اصطلاح «الصهيونية السياسية» أو «الصهيونية الدبلوماسية» للتفرقة بين الإرهاصات الصهيونية الأولى التي سبقت ظهور هرتزل، مثل جماعات أحباء صهيون (ونضيف لها الصهيونية التوطينية لأثرياء اليهود في الغرب) ، والحركة الصهيونية التي نظَّمها هرتزل، وتعود بداياتها إلى عام ١٨٩٦ (تاريخ نشر دولة اليهود) . ولم تكن قيادة التنظيمات الصهيونية في مرحلة ما قبل هرتزل تدرك ضرورة وحتمية الاعتماد على الإمبريالية لوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ، وقد كانت تظن أن الاستيطان في فلسطين سيتم بالجهود الذاتية بالاعتماد على الصدقات التي يقدِّمها أثرياء اليهود دون حاجة إلى ضمانات استعمارية. أما هرتزل، فقد أدرك حتمية الاعتماد على الإمبريالية من البداية، ومن ثم ضرورة أن تسبق الجهود الاستيطانية التسللية جهود دبلوماسية تهدف إلى تأمين الدعم الغربي الاستعماري للمشروع الصهيوني. وقد عرَّف وايزمان الصهيونية السياسية (الدبلوماسية) بأنها تعني جَعْل المسألة اليهودية عالمية، أي جزءاً من المشروع الاستعماري الغربي.
стр. 7077
والصهيونية الدبلوماسية تختلف عن صهيونية غير اليهود في أن المؤمنين بها من أعضاء الجماعات اليهودية، ولكنها لا تختلف عنها في أنها تنظر لليهود من الخارج باعتبارهم فائضاً بشرياً يجب التخلص منه بإنشاء دولة وظيفية له. فالصهاينة الدبلوماسيون هم عادةً إما يهود جاءوا من ألمانيا أو يهود ذوو خلفية ألمانية أو غربية حديثة، ولذا فهم مبتعدون تماماً عن اليهودية بالمعنى الإثني الديني أو العلماني، فهم يهود غير يهود. ولكنهم، مع هذا، وجدوا أنفسهم متورطين في المشروع الصهيوني لأن أعداء اليهود صنفوهم يهوداً، ولأن وصول يهود اليديشية هدَّد مواقعهم وتطلَّب منهم تحركاً سريعاً أخذ شكل الصهيونية التوطينية. فالصهاينة الدبلوماسيون لا يهتمون بالمشروع الصهيوني إلا باعتباره مشروعاً لتخليص أوربا من الفائض البشري، ولذا فإنهم لم يعيروا التوجه السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي أي اهتمام. وهم، بسبب معرفتهم بالعالم الغربي، كانوا قادرين على أن يقوموا بدور الجسر بين الغرب وبين المادة البشرية المُستهدَفة في شرق أوربا، يتحدثون مع كل عالم بلغته، ولذا فقد تمكنوا من صياغة العقد الصهيوني الصامت وبَذْل الجهود السياسية أو الدبلوماسية التي أدَّت إلى عقد أو وعد بلفور.
وبعد إصدار وعد بلفور، لم تَعُد هناك ضرورة لبذل مثل هذه الجهود. ولذا، فقد اختفت الصهيونية السياسية أو الدبلوماسية وتبنَّى يهود العالم الغربي المندمجون صيغة توطينية أخرى هي «الصهيونية العمومية» و «الصهيونية التصحيحية» وما يُسمَّى «صهيونية الشتات» . وهرتزل هو المناور الصهيوني الأكبر بلا منازع، وواضع أُسس الصهيونية السياسية أو الدبلوماسية، ومن أهم أتباعه ماكس نوردو وجيكوب كلاتزكين.
يوهان كريمنسكي (١٨٥٠-١٩٣٤ (Johan Kremenesky
стр. 7078
صهيوني توطيني وأول رئيس للصندوق القومي اليهودي، وهو مهندس ورجل صناعة روسي. وُلد في أوديسا واستقر في فيينا عام ١٨٨٠. أسَّس مع بوريس جولدبرج مصنع السليكات في تل أبيب عام ١٩٢٠، وكان قد أصبح من أهم رجال الصناعة الأوربيين في مجال الصناعات الكهربائية على وجه الخصوص. اشترك مع هرتزل في المنظمة الصهيونية، وأصبح عضواً في اللجنة التنفيذية منذ المؤتمر الأول (١٨٩٧) وظل عضواً بها حتى عام ١٩٠٥. وأسَّس كريمينسكي الصندوق القومي اليهودي بناءً على توصية منه للمؤتمر الصهيوني الخامس (١٩٠١) . ظل رئيساً للصندوق إلى أن انتقل من فيينا إلى كولونيا بألمانيا. جعله هرتزل أحد منفذي وصيته، فأسَّس أرشيف هرتزل.
ديفيد ولفسون (١٨٥٦-١٩١٤ (David Wolffson
زعيم صهيوني، وثاني رؤساء المنظمة الصهيونية العالمية. وُلد في ليتوانيا وتلقى تعليماً تقليدياً وانتقل إلى ألمانيا عام ١٨٧٢. شارك في تجارة الأخشاب عام ١٨٨٨، واستقر في كولونيا بألمانيا حيث تخلَّى عن إيمانه باليهودية الأرثوذكسية. مارس نشاطه الصهيوني من خلال الجمعية الأدبية اليهودية في كولونيا حيث كان يحاضر عن التلمود والقبَّالاه. وفي هذه الجمعية، قابل ماكس بودنهايمر وأسسا سوياً (عام ١٨٩٣) جمعية لتوطين اليهود في فلسطين على مبادئ أحباء صهيون.
تعرَّف إلى أفكار هرتزل من خلال كتاب دولة اليهود. وبعد قراءة الكتاب، سافر فوراً إلى فيينا حيث قابل هرتزل وقامت بينهما صداقة قوية، وقد كان كل منهما يكمل الآخر فأحدهما ذو خلفية ليبرالية اندماجية وسط أوربية علمانية والآخر ذو خلفية محافظة أرثوذكسية شرق أوربية متدينة. وقد أخبره هرتزل بجهله التام بمن سبقه من المفكرين الصهاينة وبحال اليهود في شرق أوربا. وأكد ولفسون لهرتزل أهمية الجماهير اليهودية في شرق أوربا كمادة استيطانية لإنجاح الفكرة الصهيونية التي نادى بها هرتزل.
стр. 7079
أسَّس ولفسون صندوق الائتمان اليهودي، واختلف مع هرتزل في أسلوب إدارته حيث كان هرتزل يرى الصندوق أداة سياسية بينما كان ولفسون يراه مشروعاً مالياً. عمل ولفسون بشكل دءوب على توحيد الحركة الصهيونية بالعمل كوسيط بين هرتزل ومعارضيه. وبعد موت هرتزل، ورغم معارضة الصهاينة العمليين، تسنَّم ولفسون منصب رئيس المنظمة الصهيونية العالمية بعد امتناع، وحرص أثناء عمله على توحيد صفوفها. وقابل لفسون عدة شخصيات أوروبية حاكمة لتسهيل حركة الصهاينة في أوربا. لم يُجدَّد انتخابه عام ١٩١١ رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية، لكنه ظل رئيساً لصندوق الائتمان اليهودي وهو ما يدل على نجاح سياسته المالية العملية.
ناحوم سوكولوف (١٨٥٩-١٩٣٦ (Nahum Sokolov
стр. 7080
صحفي وكاتب بولندي، وأحد قادة الحركة الصهيونية والمؤرخ الرسمي لها. تلقَّى تعليماً تقليدياً، وأبدى اهتماماً بقضية إحياء اللغة العبرية، وكَتَب قصصاً وأشعاراً ومسرحيات بالعبرية (وكان مُلمَّاً بلغات أخرى مثل اليديشية والألمانية والفرنسية والإسبانية والإيطالية) . وكان سوكولوف يُعَدُّ أول كاتب عبري يقرؤه اليهود الدينيون والعلمانيون. لم يكن في البداية متحمساً لحركة أحباء صهيون، فكتب مهاجماً بنسكر وكراسته. وقد ظل على موقفه الرافض للصهيونية، فهاجم كتاب هرتزل دولة اليهود. ولكنه، بعد حضوره المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) ، تغيَّر مجرى حياته وأصبح من كبار المعجبين بهرتزل، وترجم أعماله إلى العبرية (١٨٨٥) كما ترجم أعمال لورانس أوليفانت الصهيوني غير اليهودي. نشر سوكولوف كتاباً سنوياً بالعبرية طوَّر من خلاله أسلوباً عبرياً كان له أكبر الأثر في تطوير اللغة العبرية. ولسوكولوف عدة مؤلفات حاول أن يشرح فيها وجهة النظر الصهيونية أحدها بعنوان الكراهية الأزلية للشعب الخالد. وكما هو واضح من عنوان الكتاب، يطرح سوكولوف الرؤية الصهيونية لظاهرة معاداة اليهود باعتبارها ظاهرة لصيقة بالنفس البشرية. وله مُؤلَّف آخر بعنوان إلى سادتنا وأساتذتنا يحاول أن يشرح فيه لليهود المتدينين لماذا يجب عليهم أن يصبحوا صهاينة.
ولكن أهم كتب سوكولوف كتابه الشهير تاريخ الصهيونية (١٩١٧) الذي يحلل فيه الجذور الغربية للفكرة الصهيونية، وهو يُعَد أول تاريخ للصهيونية وبمنزلة تاريخها الرسمي. والكتاب سرد نثري ممل يتسم بالتجميع المباشر دون تحليل أو تفسير، إذ قام سوكولوف بجمع كل الأقوال الغربية التي تدعو لإرجاع اليهود إلى فلسطين وتأسيس دولة مستقلة لهم فيها. ويتجلى ضعف مقدراته التحليلية في تعريفه أهداف الصهيونية على النحو التالي وبهذا الترتيب:
١ ـ وطن مادي لليهود الذين يعانون من الناحيتين المادية والمعنوية.
стр. 7081
٢ ـ وطن للتعليم اليهودي والعلم والأدب اليهودي.
٣ ـ نموذج مثالي لليهود في كل العالم.
٤ ـ مكان يستطيع اليهود أن يعيشوا فيه حياة يهودية صحية.
٥ ـ بعث لغة الكتاب المقدَّس.
٦ ـ بعث الوطن الذي أُهمل طويلاً ودُمِّر وذلك من خلال الحضارة والمثابرة.
٧ ـ خلق طبقة زراعية يهودية صحيحة وقوية.
وهو تعريف هلامي تماماً يضم كل شيء بدون أي ترتيب منطقي ويعطي لكل فرد ما يريد. وهذا التعريف لا يلقي الضوء على مضمون فكر سوكولوف المُشوَّش وحسب وإنما على شكله أيضاً، فتاريخ الصهيونية الذي كتبه عمل يدل على أن كاتبه لا يدرك دلالة كثير من المعطيات والحقائق التي يوردها، وكثيراً ما لا يفهم أبعاد ما يقول. وقد كتب سوكولوف كتاب أحباء صهيون (١٩٣٤ (
стр. 7082
غير أن اهتمامات سوكولوف الأدبية والفكرية لم تَحُل دون أن يصبح زعيماً صهيونياً بارزاً، ففي الفترة من عام ١٩٠٧ حتى عام ١٩٠٩ كان يشغل منصب السكرتير العام للمنظمة الصهيونية العالمية كما كان مسئولاً عن إصدار صحيفة دي فيلت الناطقة باسم الحركة الصهيونية بالألمانية. ولم يكن سوكولوف مقتنعاً بالأساليب الدبلوماسية وحدها وإنما كان من أنصار الصهيونية العملية (التسللية) . وعقب خلافه مع ولفسون، اعتزل عام ١٩٠٩. إلا أنه سرعان ما عاد عام ١٩١١ عضواً في المجلس التنفيذي الصهيوني واقترح تشجيع العرب على بيع أراضيهم في فلسطين وأن يتوطنوا في أماكن مجاورة. وبنشوب الحرب العالمية الأولى، أُوفد إلى إنجلترا مع وايزمان للحصول على تأييدها للحركة، كما قام بمهام مماثلة في إيطاليا وفرنسا. وبالفعل، حصل في مايو ١٩١٧ على تصريح رسمي فرنسي مؤيد للحركة الصهيونية، ثم على وعد بلفور من إنجلترا في نوفمبر من العام نفسه. وفي أعقاب الحرب، ترأس سوكولوف الوفد الصهيوني إلى مؤتمر السلام في باريس عام ١٩١٩. ومع صعود نجمه، اختاره المؤتمر الصهيوني الثاني عشر (١٩٢١) رئيساً للمجلس التنفيذي للمنظمة الصهيونية العالمية، كما عمل ممثلاً للصندوق التأسيسي اليهودي في عدد من البلدان ورئيساً للجنة التنفيذية للوكالة اليهودية الموسعة (١٩٢٩) ورئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية في الفترة بين عامي ١٩٣١ و١٩٣٥. والتقى سوكولوف بموسوليني عام ١٩٢٧ وعام ١٩٣٣ حيث حصل على تصريح بتأسيس لجنة إيطالية لدعم المشروع الصهيوني في فلسطين. وفي عام ١٩٣٥، تولَّى القسم الثقافي في المنظمة الصهيونية العالمية وساهم في تأسيس اتحاد الكتاب العبريين في إرتس يسرائيل.
أبراهام أوسيشكين (١٨٦٣-١٩٤١) Abraham Ussishkin
стр. 7083
زعيم صهيوني روسي، وُلد لأسرة حسيدية ونشأ نشأة تقليدية. وفي عام ١٨٨١، أسس في جامعة موسكو جماعة صهيونية للهجرة إلى فلسطين مع صديقه ياهيل تشيلنوف. زار فلسطين ووقف ضد آراء آحاد هعام المعارضة للمستوطنات التي تقيمها حركة أحباء صهيون والتي كان أوسيشكين عضواً في لجنتها التنفيذية منذ ١٨٨٥. اتصل بزعماء اليهود الأتراك عقب ثورة تركيا الفتاة، وأثناء الحرب العالمية الأولى تبنَّى أوسيشكين فكرة حياد الصهيونية على أساس التعاون مع المنتصر. ومع وعد بلفور، تحمَّس للبريطانيين بشدة. وكان من أعضاء الوفد اليهودي في مؤتمر السلام بباريس. واستقر في فلسطين بعدئذ حيث ترأس اللجنة الصهيونية. ولم يُجدَّد انتخابه عام ١٩٢٣ في اللجنة التنفيذية بسبب معارضته حاييم وايزمان، ولكنه انتخب في العام نفسه رئيساً للصندوق القومي اليهودي. وقد عارض أوسيشكين المشروع البريطاني لتقسيم فلسطين عام ١٩٣٧، وتُوفي في القدس عام ١٩٤١.
ماكس نوردو (١٨٤٩-١٩٢٣ (Max Nordau
стр. 7084
مفكر يهودي ألماني، وزعيم صهيوني سياسي. اسمه الأصلي سيمون ماكسيميليان سودفيلد، وقد غيَّر اسمه إلى ماكس نوردو أي ماكس النوردي. وُلد في المجر حيث تلقَّى دروساً في اللغة العبرية وفي اللادينو على يد أبيه الحاخام الأرثوذكسي السفاردي. ولكن نوردو، مع هذا، بدأ يبتعد عن التقاليد اليهودية وينغمس في الثقافة الألمانية مثل هرتزل. وفي عام ١٨٧٥، بدأ نوردو في دراسة الطب في جامعة بودابست ثم في باريس. وفي عام ١٨٨٣، ظهر كتابه أكاذيب حضارتنا التقليدية حيث حمل على الدين والحضارة باسم العلم والفلسفة الوضعية، ثم شن هجومه على مجموعة من الكُتاب (مثل إبسن وماتيرلنك) متهماً إياهم بالنفاق والانحطاط والمرض العقلي (وذلك في الكتب التالية: مفارقات ومرض العصر والانحطاط) . وقد اعتبر نوردو نفسه وهو في ذروة حياته الأدبية مواطناً أوربياً لا وطن له ولا قومية، وقد كان متأثراً في تفكيره بكل من نيتشه وفاجنر وزولا وإبسن، وبما نسميه «الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية» ، وقد دعا إلى حل مشاكل أوربا الاجتماعية بالعنف وعن طريق تصدير فائضها البشري إلى الشرق (وذلك قبل تبنِّيه العقيدة الصهيونية) .
وفي عام ١٨٩٢، تعرَّف هرتزل إلى نوردو وفاتحه في فكرة الدولة الصهيونية فوافق عليها ثم أصبح بعدها ساعد هرتزل الأيمن. وقد كان لاعتناق نوردو العقيدة الصهيونية فضل كبير في إظهارها بمظهر تقدُّمي أمام المثقفين اليهود في العالم الغربي. وقد ألقى نوردو الخطاب الافتتاحي عن وضع اليهود في العالم، وذلك خلال المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) ، واستمر على هذا المنوال حتى المؤتمر العاشر (١٩١١) . وقد لعب نوردو دوراً بارزاً في صياغة برنامج بازل، كما أيد مشروع شرق أفريقيا، ولكنه وصف الوطن اليهودي الذي سينشأ هناك بأنه مجرد ملجأ "لمدة ليلة واحدة" قاصداً أنه نقطة عبور للأرض المقدَّسة (حاول شاب صهيونى اغتيال نوردو «الشرق أفريقى» (.
стр. 7085
وبعد موت هرتزل، عُرضت عليه رئاسة المنظمة الصهيونية العالمية، ولكنه رفض ذلك لأسباب عدة من بينها أنه كان متزوجاً من مسيحية وآثر أن يظل مستشاراً سياسياً لحلفاء هرتزل. وقد بدأ نجمه يخبو باستيلاء العناصر التي يُطلَق عليها «العناصر العملية» (من شرق أوربا) وهي العناصر المهتمة بالاستيطان التسللي أكثر من اهتمامها بالمفاوضات الدبلوماسية مع القوى الاستعمارية. وحينما اختار المؤتمر العاشر (١٩١١) لجنة تنفيذية من أعضاء "عمليين"، كان هذا آخر مؤتمر يحضره. ولكنه في عام ١٩٢٠، أي بعد وعد بلفور، حضر المؤتمر الصهيوني في لندن.
كان نوردو يعتبر نفسه تلميذاً لهرتزل، ويصف كتابه دولة اليهود بأنه عمل عظيم ونبوءة وبأنه "كتاب سيحل محل العهد القديم"، ويمكن القول بأنه كان وريث هرتزل الحقيقي، أي وريث الصهيونية الدبلوماسية، وهو من أهم المساهمين في صياغتها. وقد كان نوردو صهيونياً دبلوماسياً متطرفاً لا يميل إلى الصياغة الإثنية (دينية كانت أو علمانية) ، ولا إلى الصياغة العمالية الاشتراكية، فقد كان صهيونياً يهودياً غير يهودي يؤمن بكفاية الصياغة الدبلوماسية. وكان يرى الصهيونية حركة لإخلاء أوربا من اليهود بنقلهم إلى أي مكان وفي أقصر وقت. وقد ظل طوال حياته يهاجم التيارات الصهيونية الأخرى، فهاجم بطبيعة الحال حركة أحباء صهيون الاستيطانية التسللية، كما هاجم دعاة الصهيونية الإثنية بشقيها الديني واللا ديني، وبيَّن أن إنشاء مركز روحي لن يحل مشكلة اليهود في العالم. وسَخر من العصبة الديموقراطية وشعاراتها ونشاطها. وأخيراً، فقد بيَّن أن العدالة تتحقق من داخل الصهيونية، ولا حاجة لها بالصهيونية الاشتراكية، وحذر اليهود من خيبة الأمل في الحركات الثورية.
стр. 7086
ينطلق فكر نوردو الصهيوني من القول بأن حركة الانعتاق هي حجر الزاوية الأساسي في تاريخ الجماعات اليهودية، فقد كانت نتاج الحركة العقلانية في الغرب. وقد منحت هذه الحركةُ اليهودَ حقوقاً سياسية، ولكنها لم تُغيِّر الواقع الاجتماعي. ولهذا، فقد ظهر تناقض حاد بين الانعتاق السياسي (الشكل الخارجي المجرد) والأحاسيس الشعبية (المتعينة) الرافضة لليهود. هذا هو الوضع في العالم كله، باستثناء إنجلترا، لأن الدستور الإنجليزي نابع من تطوُّر عضوي بطيء، ولم يُفرَض فرضاً من الخارج، أي أن الشكل السياسي يتطابق مع الوعي الاجتماعي في إنجلترا، ولهذا فلا يُوجَد أي أثر لمعاداة اليهود هناك.
وانطلاقاً من رفضه للانعتاق، يرسم نوردو صورة إيجابية للجيتو الذي حمى الذات اليهودية خلال عهود الظلام بما يضم من عناصر تضامن بين اليهود. ثم جاء عصر الانعتاق، فتَحطَّم الجيتو ولم يبق هناك إطار للهوية اليهودية، وفقد اليهودي هويته ولم يكتسب الهوية الجديدة ولم تَعُد له مكانة في العالم. ومن هنا، استخدم نوردو اصطلاح «المارانو الجديد» : يهودي لا يمكنه أن يصبح ما يريد، أي يهودي يود ترك يهوديته ليصبح عضواً في أمة غير يهودية، فحتى التنصر لم يَعُد وسيلة مقبولة للتخلص من اليهودية. فدعاة القومية العضوية في أوربا كانوا يرون أن الإنسان يُولَد بهويته. وهكذا يكون اليهودي المندمج منافقاً ومارانو (مرائي) حينما يرى نفسه أوربياً. بل يرى نوردو أن اليهود المندمجين يبالغون في ادعاءاتهم الوطنية وفي الانتماء لبلادهم أكثر من بقية المواطنين. والواقع أن ما يسميه نوردو «المارانو الجديد» هو ما يسميه دويتشر «اليهودي غير اليهودي» .
стр. 7087
وقد طوَّر نوردو صورة المارانو المجازية واستخدم صورة مجازية بيولوجية عضوية إذ شبَّه اليهود بالبكتيريا: كائنات دقيقة لا تراها العين ولكنها في واقع الأمر تقوِّض المجتمع من الداخل وتَفُت في عضده، وذلك إن لم تُعرَّض للشمس (أي إن لم تُرحَّل إلى أرض الميعاد (
وكان نوردو من أكثر المفكرين الصهاينة إيماناً بعدالة معاداة اليهود ووجاهتها. وكان، مثل هرتزل، لا يعرف عن اليهودية إلا القليل، بل كان يرى أنها شيء مقزز وأنها هي المسئولة عن مصيبة اليهود. ولذا، فإن الحل هو الصهيونية التي ستريح أوربا من اليهود وتمنحهم هوية جماعية جديدة. والصهيونية تختلف تماماً عن الدين اليهودي والتطلعات المشيحانية، فهي نابعة من داخل المجتمع الغربي، أي من المسألة اليهودية ومن ظاهرة معاداة اليهود، وهي الحل الحديث لمشكلة حديثة لا علاقة لها بالأوهام الدينية. فالصهيونية تعرض حل المسألة اليهودية في إطار السياسة العالمية (أي الإمبريالية) عن طريق نقلهم إلى فلسطين حيث سيتخلصون من صفاتهم الطفيلية ويتحولون إلى شعب مثل كل الشعوب ويكتسبون هوية عادية، وبذا يتحول الشعب المنبوذ أو الطبقة المنبوذة إلى جزء لا يتجزأ من الحضارة الغربية (مادة استيطانية بيضاء) عن طريق إلحاقها بالمشروع الاستيطاني الغربي. وفي المجتمع الصهيوني، سيظهر الإنسان اليهودي الجديد الذي لا علاقة له بيهود المنفى، فهذا هو اليهودي، ذو العضلات، الذي كان يُبشر به هرتزل.
стр. 7088
ويُقسِّم نوردو اليهود إلى قسمين: أثرياء اليهود، والحاخامات، والفريقان يكوِّنان القيادة التقليدية التي يمكن أن تستغنى الصهيونية عنها وتحل محلها. أما فيما يتصل بالتمويل، فيمكن الاعتماد على الطبقات الوسطى والفقيرة اليهودية وكذلك على العالم المسيحي (أوربا الاستعمارية) . يبقى بعد ذلك، الطبقة العاملة اليهودية وهي التي لا يمكن أن تعاديها الصهيونية أو تتنازل عنها بأي شكل من الأشكال، فهم المادة البشرية التي ستستخدمها الصهيونية. ومعنى ذلك أن نوردو توصَّل إلى صيغة الصهيونيتين: الصهيونية الاستيطانية والصهيونية التوطينية. وقد كان نوردو من أكبر دعاة التخلص بشكل مباشر وسريع من يهود أوربا. فعرض خطة عام ١٩٢٠ لنقل ستمائة ألف يهودي ويهودية لتوطينهم في فلسطين بأي ثمن "ليعملوا هناك، بل ليقاسوا إن كان ثمة حاجة ... فهذه هي الطريقة الوحيدة لإقامة أغلبية يهودية في فلسطين". وقد سبَّب الاقتراح صدمة للحاضرين في المؤتمر الصهيوني في لندن، لكن نوردو أصر على موقفه ثم عرضه مرة أخرى في عشر مقالات نشرت في مجلة لي بيبل جويف في باريس. وفي الواقع، فإن اقتراحه هذا تعبير عن صهيونيته النيتشوية التي تُعلي إرادة الإنسان الفرد على الحدود والأوضاع التاريخية. وقد خيَّب الواقع ظن نوردو. وكان الزعيم الصهيوني جوزيف ترومبلدور أكثر تواضعاً إذ اقترح تكوين جيش جرار قوامه ١٠٠ ألف يهودي، ثم خفض هذا العدد بعد ذلك إلى عشرة آلاف. ثم بعث جابوتنسكي الفكرة مرة أخرى عام ١٩٣٦ وسماها «مشروع نوردو» وهي العمود الفقري لخطة السنوات العشر التي وضعها لإجلاء اليهود من أوربا وتوطينهم في فلسطين.
стр. 7089
وقد أدرك نوردو تماماً الطبيعة الاستعمارية العملية للدولة الوظيفية الصهيونية، ولذا فلم يكف عن الحديث عن فائدتها وجدواها بالنسبة للقوى الاستعمارية. وقد حاول في بداية القرن أن يعرض المشروع الصهيوني باعتبار أنه قادر على المحافظة على سيطرة السلطان العثماني على فلسطين لمواجهة حركة القومية العربية. وكانت هذه أول مرة يتعرض فيها للعرب (المؤتمر الصهيوني السابع ـ ١٩٠٥)
أدرك نوردو كذلك الطبيعة الإحلالية للمشروع الصهيوني، وتَوصَّل إلى أن إنجلترا هي القوة الاستعمارية الكبرى التي تستطيع أن تتبنَّى المشروع الصهيوني وتضعه موضع التنفيذ، والتي يمكنها أن تنقل اليهود وأن تشيِّد دولة وظيفية لهم. وكان متيقناً من أن العرب سيعارضون المشروع الصهيوني فبدأ على طريقة الصهاينة تفسير الثورة العربية تفسيراً يؤدي إلى تغييبها. فالثورة العربية في رأيه، تمت بقيادة المسيحيين وبعض المسلمين المتعصبين الذين أثاروا مشاعر الفلاحين الجهلة. والقومية العربية وهمٌ ولا توجد أمة عربية بمفهوم المدنية الأوربية، والعرب مجرد قبائل وفلاحين متنازعين، وبإمكان الصهاينة التفاهم مع العرب لو وجِّهت اهتماماتهم بعيداً عن فلسطين. وفي نهاية الأمر، لا يوجد مجال للتفاهم مع العرب، "وإذا حاولوا مقاومتنا، فسوف يتضح لهم بسرعة أن قوتنا لا تقل عن قوتهم".
ورغم فهم نوردو كثيراً من جوانب المشروع الصهيوني، إلا أنه لم يلعب دوراً قيادياً في الحركة الصهيونية بعد موت هرتزل، وذلك للأسباب التالية:
стр. 7090
١ ـ ظل نوردو يتحرك في إطار الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة قبل تهويدها، أي أنه صهيوني يهودي غير يهودي ينظر لليهود من الخارج تماماً مثل الصهاينة غير اليهود. ولم يدرك نوردو أن عمومية الصيغة الشاملة أدخلها طريقاً مسدوداً عقيماً وأن المادة البشرية المستهدفة لن تقبلها، وبالتالي فلابد من تهويدها. وهذا ما فعلته الصهيونية التوفيقية التي استوعبت الاتجاه الدبلوماسي التوطيني والاتجاه الاستيطاني وأدخلت عليهما الديباجات الصهيونية الإثنية، الدينية والعلمانية.
٢ ـ لم يدرك نوردو أبداً أهمية الصمت وعدم الإفصاح. فهو من دعاة الحد الأقصى العلني والحل الفوري الشامل للمسألة اليهودية، ولعله كان في عجلة من أمره لأنه يهودي غير يهودي يود أن يُوطِّن الفائض البشري خارج أوربا ليستريح ويريح، ثم يعاود بعد ذلك حياته واندماجيته. ولذلك، فقد عارض المنظمة الصهيونية حين وافقت على سلخ شرق الأردن من المنطقة المخصصة للوطن القومي اليهودي، فقد كان يرى شرق الأردن مجالاً للتوسع السكاني يمكن أن تُوطِّن فيه ملايين اليهود. والواقع أن خطته لتغيير التركيب السكاني لفلسطين (بشكل جذري وفوري) هي أيضاً تعبير عن الموقف نفسه والعجلة نفسها. وهو، بهذا، يكون الأب الحقيقي للصهيونية التصحيحية ذات الديباجة اليمينية الصريحة، والتي تهدف إلى تخليص أوربا من اليهود وإلى تطبيع اليهود والدولة اليهودية، حتى يستريح الجميع، وضمنهم اليهود أنفسهم من وضع اليهود المتميِّز!
عاد نوردو إلى باريس عام ١٩٢٠، ومات عام ١٩٢٣ بعد مرض طويل. وقد نُقلت رفاته بعد ثلاث سنوات إلى تل أبيب حيث أُطلق اسم «تلة نوردو» على قسم من المدينة. وفي عام ١٩٤٣، نشرت ابنته سيرة حياته، كما نُشرت أعماله الكاملة بالعبرية.
أوتو ووربورج (١٨٧١-١٩٣٧ (Otto Warburg
стр. 7091
زعيم صهيوني ألماني الأصل من أسرة مندمجة، وهو ثالث رؤساء المنظمة الصهيونية العالمية. تلقَّى تعليماً علمانياً كاملاً وحصل على درجة الدكتوراه في علم النبات من برلين عام ١٨٩٢. سافر أثناء دراسته إلى عدة مناطق في آسيا وأفريقيا ودرس إمكانية زراعتها واستيطانها من قبَل الألمان، أي أن اهتماماته الاستعمارية الاستيطانية كانت ألمانية قبل أن تصبح صهيونية. شارك في محاولات توطين اليهود في الأناضول بدءاً من عام ١٩٠٠، وساهم في هذه المحاولات بماله الخاص. ثم درس إمكانية إقامة مستوطنات في قبرص، وخطط لتوطين ملايين اليهود في العراق، وأيَّد مشروع شرق أفريقيا. وقد ترأس ووربورج لجنة التوطين هناك ثم رأس منذ المؤتمر السادس (١٨٩٩) لجنة فلسطين.
أهم إنجازاته الصهيونية دفعه المشروع التوطيني بشكل كبير. وقد انتُخب عام ١٩١١ رئيساً للمنظمة الصهيونية، ولكنه تنحَّى عن هذا المنصب عام ١٩٢٠ مع تنامي سيطرة يهود شرق أوربا وعدم رغبة بريطانيا في وجود ألماني على رأس المنظمة. رأس منذ عام ١٩٢٥ قسم النبات في الجامعة العبرية، ولكنه كان يعيش في ألمانيا ويزور فلسطين زيارات متقطعة. وقد عاش ووربورج أعوامه الأخيرة في برلين منعزلاً طريح الفراش، وتُوفي عام ١٩٣٧.
جيكوب كلاتزكين (١٨٨٢-١٩٤٨ (Jacob Klatzkin
стр. 7092
كاتب روسي صهيوني وابن حاخام وعالم تلمودي. وُلد في بولندا وحصل على الثقافة الدينية التقليدية، ثم تلقَّى تعليماً علمانياً في كلٍّ من سويسرا وألمانيا حيث درس الفلسفة على يد هيرمان كوهين، وحصل على الدكتوراه من جامعة برن. كان كلاتزكين نشيطاً ككاتب في الدوريات العبرية. وقد ترأس تحرير دي فيلت بين عامي ١٩٠٩ و١٩١١، واشترك مع ناحوم جولدمان في تأسيس دار إشكول لنشر الكتب العبرية، وساهم في تحرير الموسوعة اليهودية، كما عمل مديراً للمكتب الرئيسي للصندوق القومي اليهودي بين عامي ١٩١٥ و١٩١٩، ثم استقر في سويسرا بعد عام ١٩٣٣. وبعد أن تسلَّم النازيون الحكم في ألمانيا، سافر إلى أمريكا (عام١٩٤١ (بعد نهاية الحرب) عاد إلى سويسرا حيث وافته المنية.
ولعل كتابات كلاتزكين من أهم وثائق الفكر الصهيوني نظراً لوضوحها النسبي، وتظهر فيها معظم مقولات الصهيونية الدبلوماسية الاستعمارية بشكل واضح. وينطلق كلاتزكين من أسس بيولوجية مادية علمانية لا تَقْبل أي تجاوز للمادة أو التاريخ كظاهرة مادية، كما ينطلق من رفض عميق لليهود واليهودية يقترب من الكره. وهو يرى أن الجماعات اليهودية ليست جديرة بالبقاء، فهي مشوهة تشويهاً مرعباً جسداً وروحاً، فالمنفى يُفسد شخصية الإنسان وكرامته ويُحوِّل اليهود إلى كائنات بشرية مُمزَّقة ومُحطَّمة.
стр. 7093
ولعل الجماعات اليهودية كانت تستطيع التماسك قبل حركة التنوير نظراً لوجود الدين الذي كان بالنسبة إليهم بمنزلة «هيكل المنفى» ، ولكن هذا الهيكل المتنقل تَحطَّم مثلما تَحطَّم الهيكل الأول، ولذا فلابد من بدء تاريخ جديد. ويُلاحظ كلاتزكين أن ثمة حلولاً مطروحة لإعادة تعريف الهوية اليهودية ويبدأ برفض مقاييس الصهيونية الإثنية (الدينية والعلمانية) . فالمقياس الديني ـ في تصوُّره ـ عرَّف اليهودي بأنه المؤمن بالدين اليهودي، أما العلماني (الذي يُقال له الروحي) فقد عرَّف اليهودي بأنه من يتبنى القيم اليهودية، وكلا المقياسين ذاتي يستند إلى إيمان الفرد وليس إلى صفة موضوعية (أي مادية) فيه. والواقع أن هذا النوع من التعريف يذهب إلى أن تَحقُّق الهوية اليهودية يكمن في تحقيق المثل اليهودية المطلقة أو الأخلاق اليهودية أو الجوهر اليهودي من خلال مركز روحي في فلسطين أو في أي مكان في العالم. ولذا، فإن الدولة اليهودية ليست شيئاً جوهرياً أو أساسياً من منظور الصهيونية الإثنية. ويطرح كلاتزكين، بدلاً من ذلك، صيغته الهرتزلية التي يُسميها «التعريف العلماني» ، وهي أن اليهودي هو المشارك في التاريخ اليهودي (بالمعنى المادي) والذي يملك الرغبة في الاستمرار في ذلك التاريخ.
стр. 7094
وهو بذلك يكون قد طرح مقياساً موضوعياً وذاتياً. ثم إنه يضيف إلى ذلك عنصرين موضوعيين آخرين في طريقهما إلى التحقق: الأرض القومية واللغة القومية، فبدونهما لا معنى للقومية، وهذه القومية لا تحقق نفسها إلا من خلال الدولة اليهودية. ويؤكد كلاتزكين أن العنصر المهم هو إقامة الدولة أو الشكل أو الإطار، فهذا الإطار هو الذي سيضفي لوناً قومياً على المضامين الأخرى كافة. لكن مضمون حياة اليهود سيصبح قومياً عندما تصبح أشكالها قومية، ولذا فإن استعادة الأرض غاية في حد ذاتها وعن طريقها تتحقق الحياة القومية الحرة، ويصبح اليهود بذلك شعباً طبيعياً لا ينغمس بشكل متطرف في الفكر والروحانية وإنما يستمر في حياته القومية على أرضه، فما يحدد حياة الأمة هو الأرض واللغة وليس الأفكار الدينية أو الثقافية، فالاهتمام بهذه الأمور علامة من علامات المرض. ويتنبأ كلاتزكين بأن الانتماء اليهودي سيصبح في نهاية الأمر انتماءً عادياً طبيعياً قومياً صرفاً، وسيموت اليهود في سبيل الأرض واللغة على طريقة أعضاء القوميات العضوية التي ظهرت داخل التشكيل الحضاري والسياسي الغربي، وليس في سبيل المضمون الديني أو الأخلاقي لليهودية، أي على طريقة "أسلافنا" اليهود.
ويري كلاتزكين أن الصهيونية ذات الديباجات الإثنية تُشكِّل عائقاً مؤثراً، إن شخصية النبي التي يمثلها آحاد هعام لا تزال تحجب النور القومي الذي يمثله هرتزل.
стр. 7095
إذن، ما مصير الجماعات اليهودية في العالم؟ هنا نجد أن كلاتزكين، مثل هرتزل (ونوردو وجابوتنسكي) ، كان يرى ضرورة إخلاء أوربا من يهودها وضرورة تصفية الدياسبورا (يهود العالم) تماماً، فحياة يهود المنفى مؤقتة وتستمد أهميتها بمقدار ما تخدم الحياة الدائمة في فلسطين. لكن حياة المنفى ليست جديرة بالبقاء كغاية في ذاتها وتستحق البقاء فقط إن كانت واسطة انتقال. والواقع أن الجهد القومي من أجل يهود المنفى يجب أن يركز على استخدامهم، وبالتالي فيجب إنشاء الحواجز بينهم وبين الشعوب الأخرى حتى يمكن الاستفادة منهم. ولكن هذه المرحلة مجرد مرحلة انتقالية مؤقتة يتم فيها بَعْث الحياة القومية من خلال الدولة الصهيونية، وسيَضعُف الوجود اليهودي في العالم بالتدريج ويظهر نمط يهودي جديد كل الجدة يختلف تماماً عن نمط يهود العالم، وهو ما سيؤدي إلى تقسيم اليهود إلى قسمين: داخلي وخارجي. بل إن كلاتزكين يذهب إلى أن يهود العالم سيختفون بعد انتهاء هذه المرحلة المؤقتة. وقد لاحَظ كلاتزكين أن عملية الاندماج في المجتمعات الغربية كانت قد بدأت وأخذت وتيرتها تتصاعد، كما أن عدوى الاندماج كانت قد بدأت تصيب قطاعات كبيرة وبدا تأثيرها أكثر عمقاً، وسوف تتكفل هذه العملية بتصفية يهود العالم (وهو ما يُطلق عليه الآن «موت الشعب اليهودي» ) .
وقد بيَّن كلاتزكين بذلك، وبصورة دقيقة، علاقة المستوطنين الصهاينة في فلسطين بالجماعات اليهودية في العالم، وحدَّد ليهود العالم دورهم كأتباع للدولة الصهيونية، يمدونها بالعون ولا ينتظرون منها سوى التصفية النهائية.
стр. 7096
وقد أدرك كلاتزكين وجود صهيونيتين (توطينية غربية واستيطانية شرقية) . وفي نهاية إحدى المقالات في مجموعة الحدود (١٩١٤) ، يقول: "إن هرتزل لم يظهر نتيجة وعي قومي يهودي وإنما ظهر نتيجة وعي إنساني عالمي" (عبارة "إنساني عالمي" تعني في النصوص الصهيونية عادةً "غربي") . وقد عاد هرتزل إلى شعبه، ولكن الذي عاد ـ في رأي كلاتزين ـ لم يكن هرتزل اليهودي وإنما هرتزل الإنسان (فكأن ثمة تناقضاً بين إنسانية اليهودي ويهوديته) . فالصهيونية بين اليهود الغربيين تتغذى بعدد من العوامل الإنسانية العلمانية غير القومية، ولا تعتمد في غذائها على اليهودية وإنما على الحضارة بشكل عام. هذه هي صهيونية الغرب الخارجية (التوطينية) ، أما صهيونية يهود الشرق فهي ليست كذلك، فالصهيونية بالنسبة ليهود اليديشية ليست حركة عالمية مُدمِّرة من جهة ومُعمِّرة من جهة أخرى (مدمرة لليهودية التقليدية ومعمرة للانتماء القومي اليهودي) وإنما هي تعبير عن رغبتهم في الاستمرار فيما هم عليه، فقد جاءوا من وسط ثقافي منحط وبالتالي فإنهم لا يقدمون أياً من تلك القيم الأخلاقية أو الجمالية (الغربية) التي مهدت الطريق للنهضة في الغرب. إن صهيونية الغرب جاءت لتُخلِّص الإنسان داخل اليهود (وليس اليهود) وتعلق آمالها على التقدم العام للحضارة (وليس على تطوير الذات اليهودية) ، فإيمانها القومي ليس إيماناً باليهودية وإنما إيمان بالإنسان بشكل عام، إيمان بقوة الخير والجمال (أي بالقيم العلمانية التي لا علاقة لليهودية بها)
стр. 7097
وهنا، يصل تقسيم العمل إلى ذروته، فالصهيونية بالنسبة للغرب تعني مزيداً من التغريب والانتماء العام للحضارة الإنسانية (أي الغربية) . أما بالنسبة للشرق، فهي استمرار لما كان، ولذا فإن صهيونيتهم مرفوضة. ولعله، لهذا السبب، رغم كل حديثه عن تصفية المنفى ومرضه، مكث خارج فلسطين (في سويسرا والولايات المتحدة وألمانيا) ومات في سويسرا، عالم القيم العالمية (أي الغربية) التي كان يطمح إليها، وبعيداً عن القيم اليهودية التي كان يرفضها تماماً.
وقد كتب كلاتزكين دراسة في أعمال هيرمان كوهين وإسبينوزا وترجم كتابه الأخلاق إلى العبرية. وجُمعت أهم كتاباته في كتابه تخوم، ومن أهم أعماله أيضاً معجم للمصطلحات الفلسفية العبرية، ومختارات من الفلاسفة الذين يكتبون بالعبرية والفلاسفة العرب في العصر الوسيط.
стр. 7098
الباب العاشر: الصهيونية العامة (أو الصهيونية العمومية)
الصهيونية العامة (أو الصهيونية العمومية)
General Zionism
«الصهيونية العامة» أو «الصهيونية العمومية» تيار صهيوني يحاول قدر استطاعته الالتزام بالصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة (شعب عضوي منبوذ ـ يُنقَل خارج أوربا ليُوظَّف لصالحها في إطار دولة وظيفية) وبالتعريف الهرتزلي للصهيونية (الذي لا يختلف قط عن هذه الصيغة) . ويمكن القول بأن الصهيونية العامة هي «الصهيونية الدبلوماسية» و «صهيونية أثرياء الغرب المندمجين» بعد مرحلة هرتزل وبلفور (والتي تطوَّرت بعد ذلك لتصبح «صهيونية الدياسبورا» ) . ولأن الصهاينة العموميين يلتزمون بهذا الحد الأدنى، فإن أتباع هذا التيار يرفضون التيار الديني المتمثل في حركة مزراحي، بل عارضوا تطبيق التعاليم الدينية بقوة القانون وطالبوا بإلغاء القوانين الدينية التي تحد من الحريات الشخصية، وخصوصاً في مسائل الزواج والطلاق. وهم لا يتوجهون على الإطلاق لمشكلة ما يُسمَّى «الإثنية اليهودية» ، كما أنهم يرفضون الخوض في مناقشة التوجه الاقتصادي أو السياسي للمُستوطَن الصهيوني أو الخوض في البرامج التفصيلية حول مستقبل المشروع الصهيوني وشكل الملكية في الدولة الصهيونية أو الدخول في الصراعات السياسية الناجمة عن العملية الاستيطانية. كما أنهم لم يهتموا كثيراً بالمؤسسات الاستيطانية: الزراعية والعسكرية والثقافية والدينية. وبطبيعة الحال، فقد عارضوا أيضاً الاتجاه العمالي المتمثل في حركة عمال صهيون بشكل خاص.
وتذهب التواريخ الصهيونية (أو المتأثرة بها) إلى أن الصهيونية العامة هي بمنزلة حزب الوسط، وأنها الصهيونية التي تعلو على الأحزاب، وأنها الصهيونية التي تركز على المصلحة القومية (بغض النظر عن الانتماء الطبقي ولا تكترث بالتفاصيل) لأن هذا سيكون على حساب الفكرة الأساسية، وكلها من قبيل محاولة تطبيع النسق الصهيوني وتصوير التيارات الصهيونية المختلفة كما لو أنها أحزاب تمثل اليمين والوسط واليسار.
стр. 7099
وفي تَصوُّرنا أن عمومية الصهيونية العامة تكمن في عدم اكتراثها بالجوانب الخصوصية، فهي لا تصر على خصوصية الهوية اليهودية ولا على خصوصية المشاكل التي يواجهها المستوطنون الصهاينة في فلسطين. وهذه العمومية هي جزء لا يتجزأ من توطينية أتباع الصهيونية العامة ورفضهم التورط الكامل في المشروع الصهيوني باعتباره مشروعاً يهودياً وإصرارهم على غربيته أو على أن تأييدهم له ينبع من انتمائهم للغرب. ولذا، يمكن القول بأن الصهيونية العامة (على الأقل بالنسبة إلى عدد كبير من أعضائها في الخارج) هي الصهيونية التوطينية بعد وعد بلفور، فالتوطينيون قبل بلفور كانوا يخافون من أن يُتهَموا بازدواج الولاء، ولذا فقد أصروا على أن تظل الحركة الصهيونية حركة إنقاذ وإغاثة خارج أي إطار قومي. ومع تَبنِّي الدول الغربية نفسها للمشروع الصهيوني لم يَعُد هناك أي خوف من تهمة ازدواج الولاء، بل أصبح واجبهم الوطني هو الانضمام للصهيونية، وأصبحت صهيونيتهم جزءاً من وطنيتهم والعكس بالعكس (ومن ثم، فإن كثيراً من الصهاينة العموميين في الخارج هم من يُطلَق عليهم «صهاينة الدياسبورا» ) . ومع هذا، كان انتماء أعضاء هذا التيار للعالم الغربي، حيث تسود الديموقراطية الليبرالية والمشروع الحر، له أكبر الأثر في نفورهم من بعض أشكال الاستيطان الصهيوني الاشتراكية. وقد أظهروا معارضتهم له، رغم محاولتهم الابتعاد عن السياسة، فمثل هذه الأشكال الاشتراكية قد تُسبِّب لهم الحرج في مجتمعاتهم الليبرالية.
ولا تتطلب الصهيونية العامة من الصهيوني سوى الانتماء للمنظمة الصهيونية العالمية وسداد رسوم العضوية (الشيقل) وقبول برنامج بازل. وقد حاول هذا الاتجاه تثبيت أركان الاستيطان الصهيوني في فلسطين عن طريق جمع المال وتوظيف رؤوس الأموال لشراء الأراضي وتوطين المهاجرين في فلسطين، ثم اتّباع أسلوب المفاوضات الدبلوماسية لتحقيق مكاسب للحركة الصهيونية.
стр. 7100
وقد كان هذا التيار يضم في صفوفه كبار المموِّلين اليهود في الخارج. وبالتدريج، اتسع نطاقه ليضم قطاعات كبيرة من يهود الولايات المتحدة (أي معظم صهاينة العالم الغربي التوطينيين) . وظل هذا التيار مسيطراً على الحركة الصهيونية حتى عام ١٩٢٩ حينما كانت الصهيونية لا تزال وليدة عاجزة، تحتاج لحضانة الاستعمار الغربي، فلم يكن قد تم تأسيس مؤسساتها الاستيطانية بعد. ومع منتصف العشرينيات، بدأ تيار الصهيونية العمومية يتراجع من حيث الوزن التنظيمي، فكانت نسبتهم في المؤتمر الصهيوني الثاني عشر (١٩٢١) ٧٣% من مجموع المندوبين (مقابل ٨% للتيار العمالي) ، ثم انخفضت تلك النسبة بعد عشر سنوات عام ١٩٣١ إلى ٥٣% (مقابل ٢٩% للتيار العمالي) ، واستمر التدهور بعد ذلك. وقبل انعقاد المؤتمر السابع عشر (١٩٣١) ، قرَّر الصهاينة العموميون تنظيم أنفسهم، وقد عُقد أول مؤتمر للاتحاد العالمي للصهاينة العموميين عام ١٩٣١ عشية المؤتمر، وكان يضم المجموعات التالية:
ـ المجموعة (أ) التي تؤيد وايزمان وبرنامجه.
ـ المجموعة (ب) التي تنتقد هذا البرنامج والسياسات الاقتصادية للمنظمة الاستيطانية.
ـ المجموعة (جـ) الصهاينة الراديكاليون بقيادة ناحوم جولدمان ويتسحاق جرونباوم.
ومما دعَّم نفوذ الصهاينة العموميين في المُستوطَن الصهيوني، هجرة بعض اليهود الموسرين من ألمانيا ابتداءً من عام ١٩٣٣ حيث كانت لهم مصالح تتناقض مع مصالح البيروقراطية العمالية.
ولكن، مع المؤتمر العالمي الثاني عام ١٩٣٥، انشق الاتحاد إلى مجموعتين:
стр. 7101
المجموعة (أ) وكانت تستمد قوتها بشكل خاص من فرع الصهاينة العموميين في بريطانيا وجنوب أفريقيا وألمانيا ورومانيا (وجزء من المنظمة الصهيونية الأمريكية) ، وهم أساساً مهنيون ومثقفون كانوا يؤيدون سياسة وايزمان تجاه بريطانيا وكانوا لا يمانعون في وجود منظمات استيطانية ذات طابع جماعي. وقد أسَّست هذه المجموعة حركتها الاستيطانية الخاصة وتنظيمها الشبابي وأقامت عدداً من المستوطنات في فلسطين.
أما المجموعة (ب) فقد استمدت قوتها من جاليشيا (التي تُعَدُّ الركيزة الأساسية) ، ولكن الأهم من هذا أن هذه المجموعة قد استمدت قوتها من غالبية أعضاء المنظمة الصهيونية في أمريكا، وخصوصاً بعد أن وصل أبا هليل سيلفر إلى رئاسة المنظمة الصهيونية في أمريكا (وكان متشدداً في مواقفه تجاه بريطانيا والانتداب البريطاني) . وقد كان هؤلاء، بسبب جذورهم الأمريكية، يعارضون الهستدروت بشدة وكذلك أية مؤسسات عمالية مهما كان شكلها.
ورغم اختلاف المجموعتين، تقول الموسوعة الصهيونية إن جهدهم تركَّز على النشاطات الثلاثة التالية:
١ ـ تطوير الصهيونية في الخارج.
٢ ـ الدفاع عن المستوطنين الصهاينة ("النضال السياسي من أجل الحقوق اليهودية في فلسطين") .
٣ ـ ولكن أهم نشاطاتهم على الإطلاق هو جمع الأموال لدعم الاستيطان.
стр. 7102
وتضيف الموسوعة أن كلاًّ من الفريقين لم يهتم كثيراً بدعم التابعين له في فلسطين، أي أنه تنظيم خارجي (توطيني) أساساً. وقد تأسَّس عام ١٩٤٦ اتحاد عام يضم كل الصهاينة العموميين سواء في إسرائيل أو خارجها. وتقول الموسوعة إن مواجهة الصهاينة العموميين داخل فلسطين للموقف الاستيطاني لم يحدث إلا بعد ١٩٤٨، وحتى بعد ذلك كانت الأيديولوجيا الليبرالية شديدة الضعف. ولا يزال الصهاينة العموميون، لأنهم يمثلون الجماعات اليهودية، أكثر القطاعات قوة في الخارج. ففي المؤتمر الصهيوني السابع والعشرين (١٩٦٨) ، كانت قوتهم ١٨٠ مندوباً أو حوالي ثلث المندوبين. كما أنهم يُشكِّلون القوة المسيطرة الأساسية في عملية جمع الأموال لدعم إسرائيل وعملية الدعم السياسي (وهذه هي مهمة صهيونية الخارج التوطينية) . ويسيطر اتحاد الصهيونيين العموميين سيطرة شبه كاملة على المنظمة الصهيونية الأمريكية.
ويوجد حزب في إسرائيل يُسمَّى حزب الصهيونيين العموميين اندمج مع الحزب التقدمي وكونا معاً الحزب الليبرالي عام ١٩٦١ ولكن التقدميين انسحبوا عام ١٩٦٥، وانضم العموميون لحزب حيروت مكوِّنين معه حزب جحال، ثم انضم الجميع لليكود. ولكن يمكن القول بأن الصهاينة العموميين في الخارج توطينيون، أما الصهاينة العموميون في إسرائيل فهم استيطانيون، ولكلٍّ توجهاته وأولوياته. ولعل الرقعة المشتركة بينهما يشكلها أمران؛ أولهما: التركيز على المشروع الحر، وثانيهما: تأكيد ضرورة علمنة الدولة الصهيونية. وتختلف ساحة نشاط التوطينيين عن ساحة الاستيطانيين، كما تختلف جماهير كل منهما.
حاييم وايزمان (١٨٦٤-١٩٥٢ (Hayyim Weizmann
стр. 7103
زعيم صهيوني، عالم كيميائي، وأول رئيس لدولة إسرائيل. وُلد في روسيا في منطقة الاستيطان، وكان أبوه تاجر أخشاب من مؤيدي حركة الاستنارة اليهودية. ومع هذا، فقد تلقَّى وايزمان تعليماً دينياً تقليدياً حتى سن الحادية عشرة، فدرس العهد القديم والنحو العبري وما يُسمَّى «التاريخ اليهودي» ، ولكنه تلقَّى بعد ذلك تعليماً علمانياً. ولكن العنصر الأساسي في طفولة وايزمان هو الشتتل الذي نشأ فيه، وبناء الشتتل العاطفي والاقتصادي يستبعد الأغيار من وعي اليهود، إن لم يكن من واقعهم أيضاً (على حد قول وايزمان نفسه) .
بعد حصوله على الدكتوراه من ألمانيا عام ١٨٩٩، قام وايزمان بالتدريس في سويسرا (١٩٠١) ثم ألمانيا (١٩٠٤) . وقد كان من المطالبين بإدخال الديباجة الإثنية على الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة، كما كان من المعجبين بآحاد هعام وتأثر بأفكاره، وكان من الداعين لاستخدام العبرية في التخنيون (ضد دعاة الألمانية) . ساهم في تأسيس الجامعة العبرية، كما ساهم في تأسيس أحد أهم المعاهد العلمية في فلسطين الذي أصبح بعد ذلك معهد وايزمان للعلوم. وانطلاقاً من موقفه الإثني العلماني، وقف وايزمان ضد مشروع شرقي أفريقيا.
كان من أوائل المفكرين والزعماء الصهاينة الذين أدركوا عبث الجهود الصهيونية الذاتية التسللية وحتمية الاعتماد على الدعم الإمبريالي لوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ. وكان وايزمان مدركاً تماماً علمانية الحضارة الغربية ونفعيتها، فالمسألة ليست مسألة تلاق بين الأحلام اليهودية والأحلام المسيحية وإنما هو تلاقي مصالح الإمبريالية والصهيونية، فالدولة الصهيونية تحتاج إلى الدعم الإمبريالي وإنجلترا تحتاج إلى قاعدة، وبما أن الدولة اليهودية قاعدة رخيصة (على حد قول وايزمان) فلا تستطيع إنجلترا أن تجد صفقة أفضل من هذا (أي أنه أدرك أن الدولة الصهيونية دولة وظيفية (
стр. 7104
غادر وايزمان سويسرا إلى إنجلترا عام ١٩٠٤ وعُيِّن في جامعة مانشستر، وقد جمع حوله مجموعة من الصهاينة اليهود الذين كانوا قد بدأوا في تكثيف النشاط الصهيوني وكوَّنوا نواة الحركة الصهيونية في إنجلترا. وفي عام ١٩٠٧، في المؤتمر الثامن، ألقى خطبته التي اقترح فيها تبنِّي ما سماه «الصهيونية التوفيقية» التي تجمع بين التوجه الدبلوماسي التوطيني (التفاوض مع الدول الاستعمارية من أجل الحصول على براءة الاستيطان في فلسطين) والجهد الاستيطاني وتطوير الإثنية اليهودية. وقد أصبحت الصهيونية التوفيقية منذ ذلك الوقت الإطار الذي تحركت من خلاله الحركة الصهيونية. وبعد نهاية المؤتمر قام وايزمان بأول زيارة لفلسطين.
стр. 7105
اندلعت الحرب العالمية الأولى بعد وصول وايزمان إلى سويسرا بيوم، فقطع رحلته وعاد إلى إنجلترا حيث قدمه س. ب. سكوت محرر المانشستر جارديان لبعض الشخصيات الإنجليزية المهمة من بينهم لويد جورج وهربرت صمويل الذي كان قد أعد مذكرة بمبادرة منه لإقامة دولة يهودية في فلسطين بعد تقسيم تركيا. وكان إسكويث (رئيس الوزراء) قد رفض المذكرة الأمر الذي وضع حداً لكل الجهود الصهيونية. ولكن تغييراً حدث في الوزارة، فأصبح لويد جورج رئيساً للوزراء، وكان من قبل زيراً للإمدادات (وكان وايزمان قد ترك انطباعاً جيداً عنده باكتشافه الأسيتون) وكان بلفور وزير الخارجية، كما أن عدداً كبيراً من المشاركين في الوزارة (مثل سير مارك سايكس) كانوا مؤيدين متحمسين للمشروع الصهيوني كمحاولة لتقليص النفوذ الفرنسي في الشام، أي أن الجو كان مهيئاً لصدور وعد بلفور قبل صول وايزمان وبدون أن يبذل أي جهد. ولكن معارضة اليهود الإنجليز، وخصوصاً معارضة إدوين مونتاجو وكلود مونتفيوري، جعلته يشعر بالإحباط لدرجة أنه فكر في الاستقالة من اتحاد الصهاينة الإنجليز، ولكن آحاد هعام نصحه بألا يفعل ذلك وذكَّره بأنه لم يعيَّن من قبَل أحد، ولذا فلا يمكنه أن يقدِّم استقالته لأحد. وكان وايزمان قد قطع علاقته بالمكتب المركزي للمنظمة الصهيونية العالمية في برلين التي كانت وثيقة الصلة بالألمان والأتراك وبمكتب الاتصال التابع لها في كوبنهاجن، ثم صدر وعد بلفور.
стр. 7106
كان وايزمان يتوقع أن يُقوِّي صدور وعد بلفور مركزه ومركز الصهيونية أمام اليهود، ويفرض المؤسسة الصهيونية عليهم من أعلى. وهذا ما حدث بالفعل، فقد عُيِّن عام ١٩١٨ رئيساً للبعثة الصهيونية التي أُرسلت إلى فلسطين لتحديد الطرق الممكن اتباعها لتطوير فلسطين بما يتفق مع ما جاء في وعد بلفور. وذهب وايزمان إلى القاهرة وقابل فيصل ابن الشريف حسين محاولاً الوصول معه إلى تفاهم. ثم رأس وايزمان الوفد الصهيوني لمؤتمر السلام في فرساي عام ١٩١٩ ليطالب بالموافقة الدولية على وعد بلفور وبأن يوكل لبريطانيا الانتداب على فلسطين. انتُخب وايزمان رئيساً للمنظمة الصهيونية العالمية عام ١٩٢١ في المؤتمر الصهيوني الثاني عشر، ونشب خلاف بينه وبين برانديز بشأن طريقة إدارة المُستوطَن الصهيوني وتمويل المستوطنات حيث طالب برانديز (الذي كان لا يعرف شيئاً عن طبيعة الاستعمار الاستيطاني وعن الظروف في فلسطين) بإدارتها على أُسس نظام الاقتصاد الحر، ورفض وايزمان الرضوخ لذلك لأن مثل هذا الإجراء كان يمكن أن يودي بالمشروع الصهيوني تماماًَ. ولذا، وقف وايزمان وراء أشكال الاستيطان العمالية مثل الموشاف والكيبوتس. وقد نجح وايزمان في عقد تحالف بين الصهاينة العموميين ومعظمهم من التوطينيين، والعماليين الاستيطانيين، وانضم لهم حزب مزراحي ممثل الصهيونية الإثنية الدينية. وهذا الائتلاف الثلاثي هو الذي قاد الحركة الصهيونية وأشرف على نشاطها خلال فترة الانتداب البريطاني.
стр. 7107
كان وايزمان على خلاف مع جابوتنسكي الذي كان يتبنى خط الحد الأقصى ويصر على الإفصاح عن الهدف الصهيوني النهائي، وهو الأمر الذي وجده وايزمان غير مجد أو مثمر. وكان جابوتنسكي يطرح تصورات مثل خطة نوردو لتغيير الواقع السكاني في فلسطين بين عشية وضحاها، كما كان يلجأ إلى إصدار تصريحات من شأنها إثارة قلق السكان الأصليين. وحينما وسَّع وايزمان الوكالة اليهودية، حتى تضم يهوداً غير صهاينة كجزء من السياسة الصهيونية لغزو الجماعات اليهودية، وعُقد أول اجتماع للوكالة الموسعة عام ١٩٢٩، عارض جابوتنسكي هذا الإجراء.
стр. 7108
وكان قد تم تعيين السير هربرت صمويل مندوباً سامياً لبريطانيا في فلسطين (وكان يهودياً نشأ وترعرع داخل تقاليد صهيونية غير اليهود ذات الديباجات المسيحية والعلمانية) وكان من المتوقع أن يتعاون مع وايزمان، ولكن طبيعة علاقة الدولة الإمبريالية (بمصالحها العالمية) مع السكان الأصليين تختلف عادةً عن طبيعة علاقة المستوطنين بهم، ومن هنا نشأ الاختلاف في الرؤية وتولَّدت التوترات. وكان وايزمان يحاول حل هذه المشكلة عن طريق إطلاق التصريحات الأخلاقية عن حقوق العرب وضرورة ألا تُمس شعرة في رأسهم، وفي الوقت نفسه كان يضع الخطط التي تهدف إلى تغييبهم وإخلاء فلسطين منهم لوعيه التام بخطورة العنصر العربي على الدولة الصهيونية الاستيطانية الإحلالية، وكان يرى أن أي سلام مع العرب هو سلام القبور. وحينما عرف بطرد العرب من فلسطين عام ١٩٤٨، تحدَّث عن هذه العملية على أنها معجزة أدَّت إلى تطهير أرض إسرائيل! ومن الواضح أنه يتحرك داخل إطار حلولي عضوي (حلولية بدون إله) في موقفه من الشعب اليهودي وعلاقته بالأرض. فحينما عُرض عليه أن يَقْبل اليهود وضع الأقلية في فلسطين وأن يتعايشوا مع العرب، انفجر متمتماً بكلمات ذات طابع حلولي واضح: "الرب سيضع يده مرة ثانية ليستعيد بقية شعبه ويرفع راية لكل الأمم، وسيجمع المشردين من إسرائيل وسيجمع المشتتين من يهودا من أركان الأرض الأربعة"! وهكذا.
وكانت إدارة الانتداب والحكومة البريطانية تضطر من آونة لأخرى لإعادة تفسير وعد بلفور، كما حدث عام ١٩٣٠ حيث أصدر سكرتير المستعمرات في وزارة العمال البريطانية كتاب باسفيلد الأبيض الذي اعتبره الصهاينة قضاء على المشروع الصهيوني بأكمله، فاستقال وايزمان من رئاسة المنظمة عام ١٩٣٠ وتراجعت الحكومة البريطانية وأرسل رئيس الوزراء خطاباً لوايزمان يعبر له فيه عن تأكيده استمرار التزام حكومته بالمشروع الصهيوني.
стр. 7109
وتتبدَّى مرونة وايزمان العلنية ومقدرته على استخدام الخطاب الصهيوني المراوغ في تصريحه عام ١٩٣١ بأن وجود أغلبية يهودية في فلسطين ليست مسألة ضرورية، وقد صرح بهذا من قبيل تهدئة الخواطر ولكنه كان يؤمن بأنه ستكون هناك أغلبية يهودية في نهاية الأمر من خلال الجهد البطيء الذي يخلق حقائق جديدة، من خلال بناء منزل وراء منزل ودونم وراء دونم، ومستوطنة بعد مستوطنة. والواقع أن خلق الحقائق الجديدة أصبحت الإستراتيجية المستقرة للصهيونية، ولكن يبدو أن ذلك كان يتم هذه المرة عَبْر الخط الأحمر دون أن يدري، وأن حجم المراوغة كان أكبر مما يتحمل الصهاينة، ولذا فقد كلَّفه هذا التصريح رئاسة المنظمة. ولكن، مع هذا، تم اختيار صديقه الحميم سوكولوف خلفاً له، فالخلاف لم يكن جوهرياً وإنما كان خطأ خاصاً بطريقة التعبير.
ومع صعود هتلر للسلطة، زاد عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين وزاد حجم رأس المال اليهودي فيها. وأعيد انتخاب وايزمان للرئاسة عام ١٩٣٥. وكان وايزمان من المؤمنين بضرورة ترك يهود أوربا لمصيرهم على أن يتركز الجهد الصهيوني على تهجير بعض العناصر اليهودية التي ستساهم في بناء المُستوطَن الصهيوني. وتظهر مرونة وايزمان مرة أخرى عام ١٩٣٧ حينما طُرحت فكرة تقسيم فلسطين إذ قبله رغم صغر حجم الجزء الممنوح للدولة اليهودية لأن قبول الحد الأدنى علنياً لا يعني عدم المقدرة على العمل في الخفاء للحصول على الحد الأقصى "وصحراء النقب" التي لم تكن جزءاً من الدولة اليهودية حسب خطة التقسيم "لن تفر"، حسب قوله، بل هي باقية يمكن الاستيلاء عليها فيما بعد.
стр. 7110
وظلت العلاقة بين الصهاينة والحكومة البريطانية متعثرة، إلى أن نشبت الحرب العالمية الثانية. وقد حاول وايزمان تجديد جهوده العلمية حتى يزداد نفوذه أمام الحكومة البريطانية، ولكن عرضه رُفض وتم تأييد طلب جابوتنسكي بالسماح بتشكيل اللواء اليهودي للاشتراك كقوة صهيونية مستقلة (إلى جانب الحلفاء) ولتدعيم مركز المستوطنين، لكنَّ هذا لم يَعُقه عن مقابلة موسوليني شخصياً عدة مرات ليحصل منه على تأييده للمشروع الصهيوني.
وظلت علاقة الصهاينة ببريطانيا متعثرة حتى ظهور الولايات المتحدة كمركز للثقل الإمبريالي، فبدأوا في تحويل ولائهم. وقضى وايزمان وقتاً طويلاً (١٩٤١ ـ ١٩٤٢) ورك حتى يمكنه تجنيد القيادة الأمريكية إلى جانب المشروع الصهيوني.
следующие страницы →