Полный текст (8 511 стр.). Показаны 7666–7705 · переход к 7671.
стр. 7666
ولكن المستوطنين الصهاينة، الذين تركوا بلادهم وأممهم ليحققوا الهوية المستقلة، كما عرَّفها الصهاينة، والذين يطمحون إلى أن يصبح اليهود متحكمين في مصيرهم لأول مرة منذ سقوط الهيكل الثاني، ويرون أنهم قادرين على وضع نهاية لعجز اليهود وعدم مشاركتهم في السلطة أو صنع القرار، هؤلاء المستوطنون الصهاينة تكمن مشكلتهم في أنهم حبيسو دورهم المملوكي الوظيفي الاستيطاني ولا يملكون منه فكاكاً. فعجزهم الاقتصادي يتزايد على مر الأيام، وبالتالي، يزداد اعتمادهم على الهبات الحكومية الأمريكية. وقد أصبح حجم هذه المساعدات من الضخامة بحيث تتضاءل بجواره المساعدات التي يرسلها يهود العالم. وبالتالي، يتناقص استقلالهم "اليهودي" المزعوم ويتآكل تَحكُّمهم في مصيرهم ويزداد تورُّطهم ويتعمق مأزقهم إلى أن وصل بهم الأمر إلى حد أنهم لم يبق لهم من السيادة القومية سوى رموزها اليهودية الصارخة، دون أيِّ مضمون حقيقي، حتى أصبحوا مرة أخرى مثل الجماعات اليهودية الوظيفية (مثل يهود الأرندا ومثل أقنان البلاط بل مثل كبار المرابين وصغارهم) أداة استغلال تابعة لصانع القرار (غير اليهودي) لا تشارك البتة في صنع القرار نفسه، الأمر الذي يطرح مشكلة عدم المشاركة في السلطة مرة أخرى وبحدة.
стр. 7667
بل إن الأمور قد ازدادت سوءاً عن ذي قبل، إذ أن المجتمع الإسرائيلي لم يصبح فقط مجتمعاً تابعاً لا يشارك في صنع القرار وإنما أصبح متسولاً. وقد استخدم سبير صورة الشحاذ المجازية عدة مرات في مقاله ليصف المجتمع الإسرائيلي على أنه "مجتمع يمدُّ يده لاستجداء الكرماء"؛ مجتمعاً "يأكل وجبات مجانية" وتعتمد قائمة طعامه على الزيت الذي يقطر من الخارج. وقد استخدم شنيتسر الصورة المجازية نفسها عندما تحدَّث عن المجتمع الإسرائيلي باعتباره مجتمعاً يعتمد على مائدة الولايات المتحدة، كما قال عنه زيفا ياريف إنه "مجتمع يُنفِّذ بكل خضوع رغبة من يقدِّم له الخبز". لقد أصبح المماليك الاستيطانية، إذن، شنورير (متسولين) يعيشون على الحالوقة (أي الصدقة (
ولكن إذا كان المتسول التقليدي يمدُّ يده في إطار ديني، يعد المتصدقين بالثواب وجنات النعيم، فإن الشحاذ الإسرائيلي سميك الجلد كل همه أن يستهلك المساعدات ويأخذ دون خجل ودون أن تعلو خدوده أية حمرة. وهو لن يحرم نفسه من المأكل والملذات ما دام هناك شخص آخر يقوم بتسديد الحساب، إنه يأخذ بكلتا يديه من صحن المساعدات، وبدلاً من أن يطلب للمحسن جنات النعيم، فإنه يَعد بإطلاق ألسنة الجحيم على المجتمعات المستهدفة.
والمجتمع الإسرائيلي ليس شحاذاً وحسب، وإنما هو مجتمع يشبه الطفل الذي يرضع المليارات من الدولارات، وهو يشبه المدمن أيضاً فهو يستسلم للمعونات كمن يستسلم للمخدر. وكل هذه الصور المجازية (التي وردت في كتابات إسرائيلية) تنطوي على عنصر فقدان الإرادة وانعدام القوة والتحوسل.
стр. 7668
وقيام الولايات المتحدة بتمويل الدولة الوظيفية بشكل مكثف هو الذي يجعل هذه الجماهير تخضع في نهاية الأمر لدورها المملوكي الاستيطاني القتالي، فحينما تتدفق الأموال تبهت كل الصراعات الاجتماعية والطبقية والإثنية (وقد تتفكك وتختفي) ، خصوصاً أن الدولة الوظيفية الصهيونية لا تقودها طبقة مستغلة أجنبية أو محلية وإنما نخبة حاكمة ليس لها مصالح طبقية مستقلة. وهي تدير المجتمع من خلال جهاز الدولة الذي يتكون من مجموعة من المؤسسات الجماعية مثل الهستدروت والكيبوتس والوكالة اليهودية، وبالتالي فإنها تقوم بتوزيع العائد المالي للوظيفة القتالية (الدعم الإمبريالي) على كل المستوطنين بكل طبقاتهم بشكل قد لا يتسم بالمساواة الكاملة، ولكنه، مع هذا، يكفل الحفاظ على الأمن الاجتماعي الداخلي وعلى استمرار جماهير الدولة الوظيفية في قبول الاستمرار في وظيفتهم، القتال في سبيل المال.
وقد لخص شنيتسر الموقف بقوله إن العلاقة مع الولايات المتحدة تشبه "المصيدة التي لا يمكن التخلص منها"، أي لا مفر ولا اختيار (إين بريرا) . ولكن العلاقة بين الغرب (ممثلاً في الولايات المتحدة) والدولة الوظيفية (إسرائيل) علاقة تعاقدية "فلا يوجد عطاء دون أخذ" على حد قول سبير. والدولة الوظيفية الصهيونية، كما يعرف الاستعمار وكما يعرف المماليك الاستيطانية، لا أهمية لها في حد ذاتها ولا قيمة، فهي تكتسب قيمتها (أو نفعها) من خلال الدور الذي تلعبه أو الوظيفة التي تؤديها. والمستوطنون، أي العنصر البشري الذي تم توظيفه، يعرفون تماماً أن الهبات ستستمر في التدفق إن اضطلعت دولتهم الوظيفية بالدور الذي أُسِّست من أجله.
د) الاستقلال النسبي للدولة الوظيفية:
стр. 7669
ورغم هذا الاعتماد الكلي على الدولة الراعية، تتمتع الدولة الوظيفية الصهيونية بقدر من الاستقلال النسبي، وقد يبدو هذا لأول وهلة وكأنه تناقض. ولكن التناقض سيختفي تماماً إن تَذكَّرنا أن الاستعمار الاستيطاني الصهيوني لا يشكل جزءاً عضوياً لا يتجزأ من الاستعمار الغربي وإنما هو مجرد آلة في يد الغرب. ومن المُلاحَظ أن كل الدول والجيوب الاستيطانية تعتمد على إحدى الدول الغربية، في المراحل الأولية من تطوُّرها. ويُحدِّد مدى هذا الاعتماد ومدته والشكل الذي يأخذه، مجموعة من الظروف التاريخية والسياسية. فبعض الجيوب الاستيطانية مثل أنجولا والجزائر تظل منفتحة تماماً على الوطن الأم، وتحتفظ بروابط قوية بل وعضوية معه، وتستمد إحساسها بهويتها منه، ولذا فإن كل ما يقرره الوطن الأم يكون بمنزلة القانون الذي يجب أن يُنفَّذ. ذلك لأن الجيب الاستيطاني، في هذه الحالة، مهما بلغ من قوة واستقلالية، لا يعدو أن يكون جزءاً عضوياً من الوطن المستعمر. وإذا تعارضت المصالح بين الوطن والجيب الاستيطاني، لسبب أو آخر، وثبت أن الأخير مُكلِّف ومُعوِّق، فإنه يتم تصفيته ويتم إعادة المستوطنين إلى أرضهم الأصلية التي نزحوا عنها، ويتم حسم الصراع لصالح الدولة الأم. ومن ناحية أخرى، توجد بعض الجيوب الاستيطانية التي تحصل على درجة من الحكم الذاتي والاستقلال النسبي عن الدولة الغربية التي ترعاها. ويستولي المستوطنون، إن عاجلاً أو آجلاً، على السلطة، ويقيمون دولة خاصة بهم، مقصورة عليهم، كما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة ودولة جنوب أفريقيا العنصرية.
стр. 7670
وكان المخطط الصهيوني يهدف إلى أن تكون الدولة الصهيونية الوظيفية من النمط المستقل. وحين سأل الاستعماري البريطاني سير سيسل روديس الزعيم الصهيوني وايزمان عن سبب اعتراضه على وجود سيطرة فرنسية محضة على الدولة الصهيونية، رد الأخير قائلاً: إن الفرنسيين ليسوا كالإنجليز، إذ أنهم يتدخلون دائماً في شئون السكان (أي المستوطنين) ويحاولون أن يفرضوا عليهم الروح الفرنسية.
وقد قام الصهاينة بطرد الفلسطينيين فعلاً، وأنشأوا دولتهم الصهيونية المستقلة. ولكن التطورات التاريخية أظهرت أن الجيب الصهيوني لا يندرج تحت أي نوع من أنواع الاستيطان المألوفة، فهو يعتمد على قوة غربية عظمى اعتماداً كاملاً، ولكنه في الوقت نفسه يتمتع بدرجة كبيرة من الاستقلال، ومثل هذا الوضع الشاذ يمكن إرجاعه إلى عدة عوامل خاصة بالصهيونية وحدها. فالمستوطنون الصهاينة لم ينشأوا في دولة أوربية واحدة يدينون لها وحدها بالولاء، وتقدم هي لهم بدورها الحماية أو المأوى في حالة تصفية الجيب الاستيطاني. فالصهاينة، على عكس سكان المستوطنات الآخرين، ليس لهم وطن أم، وإنما لهم زوجة أب فحسب (إن أردنا استخدام الصورة المجازية نفسها) مستعدة للتعاون معهم ولكن في حدود. فالعلاقة بين المستوطنين الصهاينة والدولة الغربية التي ترعاهم تستند إلى المصلحة المشتركة، فهي علاقة تعاقدية نفعية وليست نتاج روابط حضارية عميقة أو عضوية. ولذا، فإن الجيب الصهيوني لا يتمتع بالحماية الدائمة من جانب دولة واحدة وإنما يتمتع بالحماية المؤقتة من جانب عدد من الدول (الواحدة تلو الأخرى) . ولعل هذا يُفسِّر سبب انتقال القيادة الصهيونية من مركز جذب إلى آخر. ولكن، وبسبب هذا الوضع نفسه، حقق الجيب الاستيطاني قدراً كبيراً من الاستقلال يفوق كثيراً درجة الاستقلال التي تتمتع بها الجيوب الأخرى.
стр. 7671
هذا الإيقاع المركب من الجذب والتنافر، من الحكم الذاتي والاعتماد المذل، ومن التحالف مع الدولة الحامية والصراع معها، هو الذي ميَّز العلاقات الصهيونية الغربية منذ البداية. وقد حاول كل جانب أن يستغل الآخر، وأن يحدِّد منطقة المصالح المشتركة بطريقة تخدم مصالحه هو أساساً. فالصهاينة لم يتمكنوا من اكتساب موطئ قدم في الأرض الفلسطينية إلا من خلال وعد بلفور والانتداب البريطاني وبصفة خاصة مؤسساته السياسية والعسكرية الذي فتح بوابات فلسطين على مصراعيها أمام الهجرة اليهودية. ولم يشدد المستوطنون الصهاينة قبضتهم على الأرض، ولم يتزايد عددهم، إلا بعد تعاونهم الكامل مع حكومة الانتداب. وعندما زادت المقاومة العربية في فلسطين، عام ١٩٣٠ وبعده، قامت بريطانيا بحماية الصهاينة بشكل علني وسري. وقد وصف بن جوريون موقف حكومة الانتداب والحكومة البريطانية أثناء هذه الفترة العصيبة بأنه أكبر نجاح سياسي منذ صدور وعد بلفور. وقد بيَّن أحد مراسلي هآرتس، في مقال له عن التوازن العسكري في فلسطين، أن قوة الصهاينة بعد ثورة عام ١٩٣٦ كانت تستند إلى التأييد القوي الذي تلقوه من جانب الحكومة والجيش البريطاني في فلسطين، وهو الأمر الذي أدَّى في نهاية الأمر إلى الانتصار الصهيوني عام ١٩٤٨، أي أن الراعي الإمبريالي لعب دوره كاملاً تجاه الجماعة الوظيفية الاستيطانية حتى تحولت إلى دولة وظيفية استيطانية.
стр. 7672
ولكن العلاقة بين الاستعمار البريطاني والجيش الوظيفي الاستيطاني ساءت تحت ضغط عوامل جديدة في الموقف من بينها الضغوط التي مارستها الحكومات العربية الصديقة على الحكومة البريطانية، وتَصاعُد المقاومة الفلسطينية، إلى جانب زيادة المخاوف البريطانية من احتمال تَغلغُل عملاء الجستابو بين صفوف المهاجرين اليهود. وقد ساد الاعتقاد في ذلك الحين (وتأكد فيما بعد) بأن النازين مدوا يد العون للهجرة الصهيونية (الهجرة غير الشرعية) ، وأنهم قرَّروا استغلالها كوسيلة لخلق مشاكل للبريطانيين في الشرق الأوسط (ومن الشائع أن تغيِّر الجماعة الوظيفية من ولائها من راع إلى آخر، فالحامية اليهودية في جزيرة إلفنتاين مثلاً كانت جماعة وظيفية قتالية زرعها فراعنة مصر هناك، ولكنها غيَّرت ولاءها مع الغزو الفارسي وأصبحت موالية للغزاة الفرس ضد المصريين) . وهذه العوامل الجديدة أدَّت إلى خلق التناقض بين الجماعة الصهيونية الاستيطانية الوظيفية وحكومة الانتداب، ومن ثم أصدرت الحكومة البريطانية عدداً من القوانين والكتب البيضاء التي تُظهر تَفهُّماً لمطالب العرب، وتم إحياء بعض المفاهيم الأساسية الشاملة ـ التي طالما تجاهلها البريطانيون ـ مثل الطاقة الاستيعابية لفلسطين. وقد كان التناقض بين الحكومة البريطانية والجيب الصهيوني يأخذ أشكالاً حادة ومتطرفة أحياناً كما ظهر في حالة نسف فندق الملك داود.
стр. 7673
بيد أن الصراع بين الطرفين تم احتواؤه، وقد حاول جابوتنسكي أن يبرر مناهضته المزعومة لبريطانيا (في خطاب أرسله إلى ليوبولد إمري عام ١٩٣٥) فأكد أنه، على الرغم من النقد الذي يوجِّهه إلى بريطانيا، لا يزال يُكّن لها الولاء والامتنان، وطالما ظل وعد بلفور قائماً، فهو يؤيد إنجلترا سواء أكانت على صواب أم كانت على خطأ. وكان بن جوريون مستعداً لأن يُقسم، حتى أثناء الفترة التي توترت فيها العلاقات بين إنجلترا والجيب الصهيوني، أن دولة اليهود الوظيفية في فلسطين ستقوم بحماية المصالح البريطانية. وبعد إنشاء الدولة الصهيونية، عادت العلاقات مع بريطانيا إلى سابق عهدها، وأصدرت بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية الإعلان الثلاثي لضمان إسرائيل. وقد وصل التعاون مع الإمبريالية الغربية، وخصوصاً بريطانيا، إلى ذروة جديدة مع العدوان الثلاثي على مصر عام ١٩٥٦. ولكن هذه العلاقات الطيبة لم تَدْم طويلاً؛ ففرنسا، في عهد ديجول على نحو الخصوص، اتخذت موقفاً أقل ممالأة لإسرائيل عن ذي قبل، وتبعتها إنجلترا وإن كان ذلك بدرجة أقل.
стр. 7674
ويُعقِّد الموقف تَمتُّع يهود العالم بدرجة من الاستقلال النسبي وإن كانوا يشكلون في الوقت نفسه جزءاً من كيان أكبر يخضعون لقوانينه وتوجيهاته. فالأمريكيون اليهود يمدون إسرائيل بالمساعدات المالية والسياسية بحماس شديد، ولكن مثل هذه المساندة ستستمر ما دامت هناك مصالح مشتركة أساسية بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ويلعب الصهاينة التوطينيون دوراً مزدوجاً، فهم يقومون بالضغط على الولايات المتحدة لتحصل إسرائيل على درجة من الحرية والاستقلال أكثر من أية دولة أخرى تابعة، ولكن هؤلاء التوطينيين كثيراً ما يجدون أنفسهم مضطرين في مرحلة ما (وهنا تكمن سخرية الموقف) إلى أن يمارسوا الضغط على إسرائيل عندما تقرر الولايات المتحدة أنه ينبغي على إسرائيل أن تغيِّر سياستها بطريقة تتمشى مع المصالح الدولية الأمريكية. إن تاريخ الصهيونية مليء بالتوترات، ليس بين الصهيونية ويهود العالم فحسب ولكن بين الصهيونية الاستيطانية والصهيونية التوطينية كذلك.
ومهما يكن الأمر، فإن علاقة الشد والجذب تُبيِّن مدى تعاقدية العلاقة ونفعيتها وموضوعيتها ومدى تَحوسُل الدولة الوظيفية التي يُنظَر لها بشكل محايد نفعي كدور يُلعَب ووظيفة تُؤدَّى.
٢ ـ العزلة والغربة:
стр. 7675
العزلة هي سبب ونتيجة في آن واحد لوضع أعضاء الجماعات اليهودية، إذ أن المُرتزق المقاتل الذي يُنكِّل بالجماهير ويُستخدَم أداةً لقمعها لابد أن يكون معزولاً عنها. ويجب هنا تأكيد أن عزلته ليست أمراً عرضياً يمكن للعنصر القتالي تَجاوُزه بعد مرحلة زمنية معيَّنة، وإنما هي جزء جوهري وعضوي لا يتجزأ من وظيفته، فالمرتزق لا يمكنه أداء وظيفته على أكمل وجه إن لم يكن معزولاً عن الجماهير التي يقوم بالتنكيل بها، إذ أن الدخول في علاقة إنسانية مع أعضاء المجتمع تجعل قيام عضو الجماعة الوظيفية القتالية بذبحهم عسيراً، فالإنسان لا يذبح في غالب الأحيان إلا الغريب المباح، أما القريب (الذي يقع داخل دائرة القداسة) فمن الصعب قتله. ولذا، فقد حرصت الطبقات الحاكمة دائماً على أن تكون العناصر القتالية (وخصوصاً التي تُستخدَم في المواقع الأمنية) عناصر مستوردة من خارج المجتمع، ضعيفة الانتماء له، هويتها مرتبطة بالوطن الأصلي الذي جاءوا منه وأرض الميعاد التي سيعودون إليها أو الجماعة الوظيفية الغريبة التي ينتمون إليها، فهي الوطن الوحيد الذي يعرفونه والكيان الذي يدينون له (ولراعيه) بالولاء. والتميز الإثني لأعضاء الجماعة الوظيفية يفرض عليها عزلة لا يمكنها الفكاك منها، إذ تصبح هذه الإثنية التي هي مصدر عزلتها، هي نفسها مصدر هويتها وكينونتها وأساس وظيفتها وسرّ كفاءتها وضمان استمرارها وبقائها. ولذا، كانت الطبقات الحاكمة تصر على أن يحتفظ العنصر القتالي الوافد بهويته الإثنية الخالصة، حتى تظل آليات العزلة والغربة ومقومات الكفاءة القتالية كامنة في أعضاء الجماعة الوظيفية، ومن هنا كان استيراد المماليك ضرورياً، ومن هنا أيضاً كان أبناؤهم، ممن وُلدوا في مصر ونشأوا فيها، لا يُجندون في صفوف النخبة العسكرية التي ينتمي إليها آباؤهم. هذا هو سبب العزلة. ولكن عضو الجماعة الوظيفية يصبح محط كراهية الجماهير فتزداد عزلته عنها ويزداد التصاقاً
стр. 7676
بالطبقة الحاكمة، واعتماداً عليها (لدعمه وحمايته وبقائه واستمراره) ومن ثم تتصاعد شراسته تجاه الجماهير.
ولهذا، كان نقل العنصر البشري اليهودي من الغرب إلى فلسطين محتماً ليتم توظيفه داخل الدولة الوظيفية الصهيونية، ومن هنا إصرار الدولة الراعية التي قامت بحوسلة اليهود، وكذلك الزعماء الصهاينة، على الهوية اليهودية المزعومة للدولة الصهيونية، فهذه الخاصية هي ضمان عزلتها، كما أن عزلتها هي ضمان ولائها للغرب وشراستها تجاه العرب.
стр. 7677
وقد تم إنجاز ذلك أساساً من خلال الفكرة المحورية في الحضارة الغربية (وفي التراث الحلولي اليهودي) ، فكرة اليهود كشعب عضوي منبوذ، فهو شعب عضوي يرتبط عضوياً بأرض فلسطين، ولذا فهو يخرج من أوربا. ولكن، كيف يمكن توظيف هذا الشعب في خدمة الحضارة الغربية؟ سنجد أن هذا الشعب الذي طردته أوربا سيتحول بعد وصوله إلى فلسطين إلى شعب غربي يدور في إطار الحضارة الغربية ويرفع لواءها ويدافع عن مصالحها. ولا يجد الصهاينة والمستعمرون أية غضاضة في استخدام كل من الديباجة اليهودية (الحلولية العضوية) الخالصة والديباجة الغربية. فالأولى مناسبة للصهاينة الإثنيين (العلمانيين والدينيين) والثانية مناسبة للعواصم الغربية والصهاينة التوطينيين والعلمانيين الذين لا تهمهم الإثنية. فالمستوطنون الصهاينة هم يهود خُلَّص، يُوطَّنون في فلسطين حيث سيؤسسون دولة هي حصن للهوية اليهودية ضد الاندماج في الأغيار. ولكنهم هم أيضاً، في الوقت نفسه، حصن للحضارة الغربية ضد الهمجية الشرقية. ويحّل المؤرخ الإسرائيلي تالمون المشكلة بأن يقرِّر أن ما يُسمَّى «الحضارة اليهودية» جزء من التشكيل الحضاري الغربي. وهذا الإحساس بالانتماء للغرب أو للحضارة اليهودية أو للحضارة اليهودية الغربية، يجعل وجود إسرائيل في الشرق الأوسط مسألة عرضية غير مرتبطة بجذورها الحضارية وإنما بوظيفتها القتالية. فجذور المستوطنين الصهاينة تضرب في الغرب (وطنهم الأصلي) وفي الحضارة اليهودية، أما وظيفتهم فهي الدفاع عن الغرب في الشرق. فالمُستوطَن الصهيوني يوجد في الشرق العربي ولكنه ليس منه، شأنه في هذا شأن أية جماعة قتالية استيطانية. وهذا الإحساس يُذكِّر اليهودي بأنه منقول من مكان لآخر، وأنه ينتمي إلى حضارة أخرى، وأن دولته هي دولة الشتتل المشتولة.
стр. 7678
وقد تحوَّلت الدولة الصهيونية بالفعل إلى دولة جيتو أو شتتل تحاول الحفاظ على هويتها اليهودية أي عزلتها الكاملة؛ سكانها من اليهود الملحدين ذوي الديباجات الليبرالية أو الإثنية العلمانية أو من اليهود الملتحين المؤمنين ذوي الديباجات الإثنية الدينية. ويتحدث الجميع العبرية ويصرون على انتمائهم الغربي أو اليهودي في الصحراء العربية، فهم حصن (جيتو) للحضارة الغربية ضد الهمجية الشرقية (أي الجماهير المستغَلة) . ولا يهم في هذا المضمار إن كانت الدولة الوظيفية دولة تحافظ على قداسة حائط المبكى أم أنها هي نفسها تقف حائطاً منيعاً أمام زحف الهمجية الشرقية، فما يهم أن تظل هذه الدولة معزولة منبوذة.
ومن هذا المنظور، يمكننا أن نرى العلاقة العضوية بين إحلالية الاستعمار الصهيوني وعزلته السكانية من جهة، ووظيفته القتالية الإستراتيجية من جهة أخرى. فالدولة الوظيفية الصهيونية لم يكن أمامها مفر من أن تطرد العنصر العربي وتُحلّ محله العنصر اليهودي، ذلك أن وجود العنصر العربي (المحلى) داخل القاعدة الغربية كان من الممكن أن يُولِّد حركيات وتناقضات اجتماعية تُضعف مقدرته القتالية وقد تعدِّل مساره، بل قد تحوِّله إلى مجرد دولة أخرى قد تدخل التحالف الغربي وقد تخرج منه. أما الدولة اليهودية (الغربية) الخالصة، فهي بمعزل عن مثل هذه التوترات والديناميات، الأمر الذي يضمن استمرارها في أداء وظيفتها.
وقبل أن ننتقل إلى النقطة التالية قد يكون من المفيد ذكر العناصر التالية المرتبطة تماماً بالعزلة الوظيفية:
стр. 7679
١ ـ لم تكن الجماعات اليهودية الوظيفية المالية جزءاً من البناء الاجتماعي، ولذا فإنها لم تساهم في بناء الرأسمالية الرشيدة إذ ظلت رأسماليتها رأسمالية منبوذة تماماً مثل الجماعة الوظيفية. وهذا أيضاً هو البناء الاقتصادي للدولة الصهيونية، فهي غير مرتبطة بالاقتصاد القومي الجديد الذي يظهر في الشرق العربي لارتباطها بالاقتصاد الغربي الذي تدور في إطاره. كما أنها تعتمد اعتماداً اقتصادياً كاملاً على المعونات التي تتلقاها من العالم الغربي. ومن هنا محاولة إنشاء السوق الشرق أوسطية بديلاً عن السوق العربية المشتركة.
٢ ـ وقد كان المرابي اليهودي لا يستغل الفلاحين فحسب، وإنما كان يهدد الأساس المادي لوجودهم أيضاً، إذ كان ينزع ملكية الفلاحين بعد دورة الإقراض الطويلة. والاستعمار الصهيوني في علاقته بالفلسطينيين، بدأ أولاً بنزع ملكيتهم وتحطيم مجتمعهم والأشكال الإنتاجية التي يستندون إليها، ثم أخذ في استغلالهم بعد عام ١٩٦٧ باعتبارهم عمالة رخيصة متنقلة، أي أنه يستغلهم دون استيعابهم ودون الدخول معهم في علاقة اقتصادية متكاملة. كما أن الدولة الصهيونية دولة حديثة، ومع هذا فإنها لا تساهم في عملية التحديث، وهي دولة صناعية تُوقف التصنيع (في الضفة الغربية) ، ودولة متقدمة تقف ضد التقدم، ودولة منتجة لا ترى نفسها داخل إطار من التكامل الاقتصادي بل تحاول وقفه. وعلى أية حال، فإن هذا هو الهدف من غرسها في المنطقة، تماماً كما كانت النخب الحاكمة في الغرب تستخدم أعضاء الجماعة اليهودية الوظيفية المالية في ضرب البورجوازيات المحلية.
٣ ـ إحساس أعضاء التجمع الصهيوني بعدم الأمن (الذي يشبه إحساس أعضاء الجماعات الوظيفية المالية) هو ما يزيد تماسكهم الداخلي وتَقبُّلهم لقيادتهم التي تقوم بدور الوسيط بينهم وبين الممول الإمبريالي والتي تقوم بتوزيع الغنائم.
الدولة الصهيونية الوظيفية: بعض السمات الأخرى
стр. 7680
The Functional Zionist State: Some Other Traits
توجد أربعة سمات أخرى تتسم بها كل من الجماعة الوظيفية والدولة الوظيفية نوجزها فيما يلي:
١ ـ الانفصال عن المكان والزمان والإحساس بالهوية الوهمية:
تتسم الجماعة الوظيفية (نظراً لرؤيتها الحلولية الكمونية) بانفصالها عن الزمان والمكان. وهذا ما حدث للدولة الوظيفية الصهيونية، فهي ترى نفسها في الشرق الأوسط ولكنها ليست منه، وفلسطين، هذا المكان الذي يقطنه الفلسطينيون، يتجرد من مكانيته المتعيِّنة ليصبح مفهوماً تلمودياً أي إرتس يسرائيل، أي أنها تنفصل عن حركيات تاريخ المسلمين والعرب والمنطقة، وتصبح تعبيراً عن تاريخ يهودي عالمي. ولذا فالدولة الصهيونية الوظيفية تُنكر التاريخ العربي بل تنكر تواريخ الجماعات اليهودية، فكما أن فلسطين تتحول إلى أرض ويتحول الفلسطينيون إلى لا شعب (فهي أرض بلا شعب) ، يتحول اليهود أيضاً إلى شعب، يعيش في اللامكان فهو شعب بلا أرض!
هذه الدولة الصهيونية تُصر على يهوديتها، وعلى عزلتها كدولة يهودية، فهذه اليهودية هي أساس وظيفيتها، وحلوليتها هي أساس إحلاليتها. ولكن من المعروف أن الدولة الصهيونية ليس لها هوية يهودية، وإنما لها عدة هويات متداخلة مُستمدة من المجتمعات التي كان يعيش فيها أعضاء الجماعات اليهودية قبل استقرارهم في فلسطين. كما أن هذه الدولة خاضعة لعملية أمركة واسعة وعلى جميع المستويات، باعتبارها دولة تابعة تعيش في الشرق؛ واحة للديموقراطية الغربية! ونظراً لارتباط الهوية بالوظيفة، فهي تُغيِّر الهوية مع تَغيُّر الوظيفة. ولذا فنحن نتوقع أن تخفض الدولة الصهيونية لونها اليهودي قليلاً، حتى تستطيع أن تلعب دوراً أكثر نشاطاً في إطار السلم الذي فرضه النظام العالمي الجديد على المنطقة.
стр. 7681
كما أن الحركة الصهيونية التي تصر على الهوية اليهودية هي نفسها التي تدعو إلى تطبيع اليهود ليصبحوا شعباً مثل كل الشعوب، وإلى دَمْج الدولة الصهيونية في المجتمع الدولي لتصبح مثل كل الدول.
٢ ـ ازدواج المعايير والحكم بمقياسين (الأنا المقدَّس ضد الآخر المباح: (
تتبنى الجماعة الوظيفية معايير مزدوجة في الحكم على الذات وعلى الآخر. وتتضح هذه السمة بشكل جلي في الفكر الصهيوني في الفصل الحاد بين اليهود وغير اليهود، وفي بنية قوانين الدولة الصهيونية وفي نظرية الحقوق الصهيونية. فالفكر الصهيوني يُعطي اليهود الحقوق كافة مثل حق العودة إلى وطن يزعمون أنهم تركوه من آلاف السنين. وفي الوقت نفسه، فإنه ينكر الحق نفسه على الفلسطينيين الذين تركوا الوطن نفسه منذ بضع سنوات ويقفون على بواباته يريدون دخوله، ويقاتلون من أجله. وتعرض الدولة الصهيونية دفع تعويضات "للاجئين" الفلسطينيين لتوطينهم خارج فلسطين، في الوقت الذي تدفع فيه رشاوي للمهاجرين اليهود حتى يستوطنوا في فلسطين. كما يتضح ازدواج المعايير في موقف الإعلام الصهيوني، فحينما تقوم الطائرات الإسرائيلية بتدمير مخيمات الفلسطينيين وتقتل المئات، فإن هذا الإعلام قد لا يذكر هذه الواقعة، وإن ذكرها فإن ذلك يتم بطريقة إحصائية محايدة (عدد القتلى ومكان الحادث ونسبة التخريب) ، أما إن قُتل جندي أو مُستوطَن إسرائيلي، فإن هذا الإعلام نفسه يولول ويذكر اسم القتيل ومكان قتله والأثر الذي أحدثه قتله في أهله ... إلخ، وذلك باعتبار أن الفلسطيني مباح أما الإسرائيلي فمقدَّس وقتله حرام.
٣ ـ الحركية:
стр. 7682
يتسم أعضاء الجماعات الوظيفية بالحركية والمقدرة على الانتقال من مكان إلى آخر ومن راع لآخر. ولعله لا يمكن القول بأن دولة ما تتمتع بحركية عالية. ومع هذا، فيمكننا الإشارة إلى أن التجمع الصهيوني هو تجمُّع مهاجرين ونازحين وجماعة بشرية تم نقلها، وأن بنيته السكانية لم تستقر بعد بين الهجرة والنزوح. كما أن كثيراً من العمليات التي تقوم بها هذه الدولة مثل توريد السلاح للنظم الدكتاتورية العسكرية في أمريكا اللاتينية أو عمليات التجسس والإرهاب تتسم بهذه الحركية. وهى دولة لا يهمها القانون الدولى ولا النظام الدولى.
ومقدرة الدولة الصهيونية على تغيير وظيفتها أو لونها ينم عن هذه الحركية. فالحركة الصهيونية اتجهت إلى كل القوى الاستعمارية للبحث عن راع: إنجلترا ـ فرنسا ـ ألمانيا ـ روسيا ـ إيطاليا. واقترحت عدة مواقع لإنشاء الدولة الصهيونية: شبه جزيرة سيناء ـ منطقة العريش ـ جزء من قبرص ـ ليبيا ـ شرق أفريقيا ـ فلسطين. ولعل تشبيه إسرائيل بأنها حاملة طائرات هو تشبيه دقيق يبلور هذه الصفة الحركية في الدولة الوظيفية.
وتظهر هذه الحركية نفسها في استعداد الدول الصهيونية لتغيير دورها كي تلبي احتياجات الدولة الراعية. وفي الآونة الأخيرة، بدأت الدولة الوظيفية اليهودية تدرك أن دورها الإستراتيجي القتالي قد أصبح تقريباً غير ذي موضوع بعد سقوط المنظومة الاشتراكية وظهور النظام العالمي الجديد وبعد أن اهتز دورها القتالي التقليدي في حرب الخليج حيث طُلب منها ألا تحارب وأن تمارس ما يُسمَّى «ضبط النفس» حتى لا تسبب مشكلة لقوى التحالف. ولذا، بدأت الدولة الوظيفية الصهيونية في تغيير نفسها حتى يمكنها الاضطلاع بوظيفتها الجديدة وهي التصدي للإسلام والمسلمين، ولذا فإننا نجد أنها تخفف من ديباجاتها اليهودية ليظهر وجهها العلماني المستنير، وبذلك يمكنها التحالف مع البورجوازيات العربية العلمانية التي تم تغريبها ضد القوى الشعبية الإسلامية.
стр. 7683
٤ ـ التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع (الحلولية (:
تؤمن الجماعات الوظيفية برؤية حلولية عضوية ثنائية صلبة تُقسِّم العالم إلى الأنا المقدَّس (عضو الجماعة الوظيفية) ضد الآخر المباح (عضو مجتمع الأغلبية) . ويرتبط بهذا إحساس مزدوج بالحرية الكاملة والحتمية الكاملة. والدولة الصهيونية الوظيفية تسيطر عليها رؤية حلولية عضوية مماثلة لرؤية الجماعة الوظيفية للكون فقد حَوَّلت الدولة الصهيونية الوظيفية نفسها إلى المطلق اليهودي الأكبر (موضع الحلول الإلهي) الذي ينبغي على اليهود أن يلتفوا حوله، بل يضحوا بأنفسهم من أجله. وقد بدأ كثير من اليهود يظنون أن الدولة اليهودية هي المعبد الأكبر وأن رئيس وزرائها هو الحاخام الأكبر وأنها العجل الذهبي الذي يعبدونه من دون الإله (تمركز حول الذات) .
ويظهر مركب الشعب المختار في الخطاب الصهيوني الإثني الديني، خصوصاً في الصهيونية العضوية الحلولية، ولكنه يظهر أيضاً في الخطاب العمالي بدرجات أقل وضوحاً. والدولة الصهيونية الوظيفية وصفها بن جوريون بأنها نور الأمم، مشعل القيم الأخلاقية والحضارية، لأنها تعبير عن إرادة الشعب اليهودي، هذا الشعب الذي يتسم بالتماسك العضوي نتيجة كونه موضع الحلول الإلهي.
ويظهر الاستقطاب في الإحساس بالحرية المفرطة والحتمية المطلقة، فسكان المُستوطَن الصهيوني يشعرون بحريتهم المفرطة فجيشهم يعربد داخل وخارج لبنان، وسلاحهم الجوي يطير من المحيط إلى الخليج، وهم يستولون على الأرض التي يشعرون أنها لهم. ولكنهم في الوقت نفسه يسيطر عليهم إحساس عميق بالجبرية إذ يشعرون بأنه قد حكم عليهم بالدخول في الحرب المرة تلو الأخرى.
ويصل هذا الإيمان بالقضاء والقدر والمصير المحتوم إلى ذروته في أسطورة شمشون وماساده الانتحارية حيث يموت اليهود على مذبح الدولة الوظيفية المقدَّسة ويدرك الجميع أن لا اختيار: إين بريرا.
الدولة المملوكية
The Mamluke State
стр. 7684
في محاولتنا تصنيف الدولة الصهيونية الوظيفية وتعريف هويتها، استخدمنا مصطلح «الدولة المملوكية» ، وهو في تصوُّرنا مصطلح له قيمة تفسيرية تصنيفية عالية على المستويين التاريخي والبنيوي. أما من الناحية التاريخية، فقد أشرنا من قبل إلى أعضاء الجماعة الوظيفية اليهودية من يهود الأرندا في أوكرانيا (وغيرهم من أعضاء الجماعات الوظيفية اليهودية) باعتبارهم «مماليك مالية» ، وقد بيَّنا نقط التشابه التي دعتنا إلى استخدام المصطلح. ونحن نذهب إلى أن كل ما أنجزه المشروع الصهيوني هو تجنيد المماليك المالية ثم نقلهم بمعونة الدول الغربية إلى الشرق العربي حيث تحولوا إلى مماليك قتالية داخل إطار الدولة الوظيفية. وأصبحت الوظيفة المالية إما ثانوية أو غير مباشرة، فهي دولة وظيفية قتالية يمكن أن نسميها «دولة مملوكية» .
стр. 7685
ويمكننا أن نجد جوانب مملوكية عديدة للدولة الصهيونية، فعسكرة المجتمع الصهيوني ليست إلا تعبير عن هذه الظاهرة. كما أن الأموال الطائلة التي تصب فيه تعبير آخر عن الظاهرة نفسها، والإسرائيليون يعرفون جيداً أن هذه الأموال تُدفَع لهم لا حباً في التراث اليهودي أو لاهتمام العالم الغربي بهم (وهو العالم الذي نبذهم على أية حال) وإنما نظراً لاضطلاعهم بوظيفة محددة. وعزلة التجمُّع الصهيوني عن المنطقة العربية، وعلاقة العداء بينه وبين كل المجتمعات المحيطة به، وإحساسه بالغربة وإصراره عليها في الوقت نفسه، ومركب الشعب المختار، وتَميُّع البناء الاجتماعي والطبقي في المُستوطَن الصهيوني، كل هذه السمات تجمع بين الدولة الصهيونية والجماعات الوظيفية ومنها المماليك. بل إن طريقة التنشئة في الكيبوتس، هذه المؤسسة الزراعية العسكرية، هي الطريقة الحديثة لتنشئة المماليك الاستيطانية، وهي الطريقة المبتكرة لتحويل الفائض البشري اليهودي إلى مادة قتالية مملوكية نافعة. فالتنشئة في الكيبوتس تستبعد الملكية الفردية والحياة الخاصة وتتسم في بعض جوانبها بالتقشف، كما أن لها أبعاداً وأهدافاً عسكرية واضحة. ولكن أعضاء الكيبوتسات، مع هذا، يتمتعون بمستوى معيشي مرتفع بل ومترف، يفوق كثيراً مستوى بقية السكان، وهم كذلك على مستوى ثقافي رفيع. كما أن الكيبوتسات تُعَد من أهم مؤسسات الضغط التي تشارك في صنع القرار السياسي، بل تتحكم في بعض جوانبه. وهذا المزج بين الجماعية والعسكرية من جهة، والترف والثقافة من جهة أخرى، يُذكِّرنا ولا شك بالساموراي، فالكلمة تعني «الخادم» وتعني أيضاً «البوشي» أو «المحارب الأرستقراطي» . وقد كان المماليك أيضاً خدماً ولكنهم كانوا كذلك حكاماً وصناع قرار. وكان المملوك يتمتع بثروته أثناء حياته ولكنها كانت تُصادَر بعد موته. ولكن طبيعة الكيبوتس المملوكية تخبئها ديباجات حديثة بحيث تُفسَّر الجماعية الكيبوتسية على أنها
стр. 7686
اشتراكية، وإدارة الأرض الفلسطينية المسروقة على أنها شكل من أشكال الديموقراطية المتطرفة.
وقد تحدث أحد أعضاء الكنيست عما سماه عام «الخصب اليهودي» وطالب النساء الإسرائيليات بزيادة الإنجاب في هذا العام. وقد وصفت بعض النساء الإسرائيليات هذا التصريح بأنه محاولة لتحويلهن إلى «آلة الإنجاب اليهودي» ، فهي محاولة لحوسلتهم ليصبحن آلة حديثة لولادة المزيد من المقاتلين للمحافظة على الدور المملوكي (السلعة الأساسية الشاملة وأهم مصادر الدخل بعد أن نضب معين الفائض البشري) .
ويمكن القول بأن هناك شيئاً من التجاوز فيما قمنا به حين قارنا علاقة التجمع الصهيوني بالمجتمعات العربية المجاورة له بعلاقة المماليك بالمجتمعات نفسها ووحدنا بينهما. وقد يكون تشبيه يهود الكيان الصهيوني في الشرق الأوسط بيهود الأرندا في أوكرانيا فيه شيء من عدم الدقة. ولكن التطابق الكامل تكرار لا يوجد إلا في عالم الرياضة والهندسة والسحر. أما في عالم الإنسان، فأبعاد أية ظاهرة اجتماعية تاريخية متعددة ومركبة، وبعضها غير معروف إلا بصفة تقريبية وحسب، وتختلف الظواهر نفسها باختلاف الزمان والمكان. ولذا فإننا نقنع، في تصنيفنا للظواهر الإنسانية، بالبحث عن بعض مواطن التماثل الجوهرية ولا نطمح فيها إلى التطابق الكامل إلا إذا كنا ماديين، نرى الواقع البشري كذرات وأرقام. والمصطلح الذي صغناه، رغم كل هذه التحفظات، يصف في كثير من الدقة طبيعة علاقة التجمُّع الصهيوني بكل من الإمبريالية (مصدر المال) والدول العربية المجاورة (موضع القتال) ، بل يُفسِّر لنا طبيعة علاقته مع نفسه وسر إصراره على هويته المزعومة وانتمائه الغربي وعزلته الدائمة.
стр. 7687
ومن الحقائق التاريخية التي تدعو إلى شيء من التأمل، لطرافتها إن لم يكن أيضاً لدلالتها، أنه مثلما حاول الفرنجة أن ينشئوا تحالفاً مع المغول لسحق العالم العربي الإسلامي، كانت هناك محاولة لعقد اتفاق بين الجماعة الوظيفية القتالية التي حكمت مصر والشام (أي المماليك) والجماعة اليهودية الوظيفية المالية في أوربا. فبين عامي ١٧٧١ و١٧٧٣، حينما كانت روسيا متحالفة مع المملوك علي بك الكبير، والي مصر الذي تمرَّد على الدولة العثمانية، حاول بعض ضباط الأسطول الروسي، الذي كان راسياً في ليجورن، أن يدعموا حكمه عن طريق تأسيس دولة يهودية في القدس تابعة له متحالفة معه، أي دولة صهيونية مملوكية من الناحية البنيوية والفعلية. وهكذا كان من الممكن أن يقوم الحليفان، المماليك العسكرية في مصر والمماليك اليهودية المالية الغربية، بالقضاء على النفوذ العثماني في المنطقة تحت رعاية روسيا القيصرية، التي كانت تغازل آنذاك فكرة أن يكون لها مشروع استعماري في الشرق الأوسط! إن هذه واقعة تاريخية طريفة ودالة، ومع هذا فإننا لا نؤسس وجهة نظرنا مستخدمين هذه الواقعة كأحد الدلائل أو الشواهد، إذ أن أطروحتنا تَصدُر عن نموذج تفسيري أساسي هو الجماعة الوظيفية المالية أو القتالية والاستيطانية ولَّدنا منه أو استنبطنا منه العلاقة بين دور الجماعات اليهودية في الحضارة الغربية من جهة ودور المماليك في الشرق العربي من جهة أخرى، ومن ثم تحدثنا عن الدور المملوكي لكل من الجماعات اليهودية والدولة الصهيونية.
стр. 7688
الجزء الثاني: الدولة الاستيطانية الإحلالية
الباب الأول: الاستعمار الاستيطاني الصهيوني
أسطورة الاستعمارالاستيطاني الغربي
Myth of Western Settler Colonialism
الاستعمار الاستيطاني (الإحلالي أو المبني على الأبارتهايد) هو انتقال كتلة بشرية من مكانها وزمانها إلى مكان وزمان آخر، حيث تقوم الكتلة الواحدة بإبادة السكان الأصليين أو طردهم أو استعبادهم، أو خليط من كل هذه الأمور (كم حدث في أمريكا الشمالية وفي فلسطين) . ومهما بلغ الإنسان من وحشية وحياد، فهو لا يستطيع القيام بمثل هذه الأفعال إلا إذا كان هناك مبرر، وهذه هي وظيفة الأسطورة (التي نُعرِّفها بأنها نموذج معرفي، أي رؤية كاملة للكون [الإله ـ الإنسان ـ الطبيعة] ، ولكن علاقتها بالواقع واهية إلى أقصى درجة) .
١ ـ إذا كان جوهر الأسطورة، أية أسطورة، هو إلغاء الزمان أو تجميده والانفصال عن المكان، فإن هذا الاتجاه يأخذ شكلاً متطرفاً في حالة أسطورة الاستعمار الاستيطاني بشكل عام، الذي ينطلق من الإنكار الكامل للتاريخ بشكل متطرف، وإعلان نهايته. ويزداد الإنكار حدة وعنفاً في حالة المجتمعات الاستيطانية الإحلالية، التي لابد أن تُغيِّب السكان الأصليين تماماً. ونقطة البداية عند المستوطنين البيض المهاجرين من العالم الغربي هي عادةً رفض تاريخ بلادهم الأصلية، باعتباره تاريخ اضطهاد وكفر. ويحاول المهاجرون أن يضعوا "حلاً نهائياً" لمشاكلهم وأن يبدأوا من نقطة الصفر الفردوسية في الأرض الجديدة. ومع هذا يتباهى هؤلاء المستوطنون بانتمائهم للعالم الغربي الذي لفظهم. ويتضح هذا الجانب في أسطورة الاستيطان الصهيونية التي تبدأ برفض تاريخ اليهود في المنفى (وضمن ذلك العالم الغربي) . والصهيونية هي الحل النهائي الذي يطرحه الصهاينة والاستيطان في صهيون هو نقطة البداية والصفر، ومع هذا لا يكف الصهاينة عن الحديث عن دولتهم باعتبارها واحة الديموقراطية الغربية في الشرق وقاعدة الحضارة الغربية فيه.
стр. 7689
٢ ـ ينكر المستوطنون البيض تاريخ السكان الأصليين في الأرض التي سيهاجرون إليها ويستوطنون فيها. فهي عادةً أرض عذراء بلا تاريخ، غير مأهولة بالبشر (أرض بلا شعب) ، على عكس الأرض التي يأتي منها المستوطنون، فهي مكتظة بالسكان.
ومرة أخرى نجد أن أسطورة الاستيطان الصهيونية تعبِّر عن هذا بشكل متبلور، إذ يزعم الصهاينة أن فلسطين هي إسرائيل أو صهيون، وأن تاريخها قد توقَّف تماماً برحيل اليهود عنها. بل إن تاريخ اليهود أنفسهم قد توقَّف هو الآخر برحيلهم عنها، ولن يُستأنف هذا التاريخ إلا بعودتهم إليها، ولكنه تاريخ جديد خال من الاضطهاد والصراع، فهو أقرب إلى التاريخ المقدَّس.
٣ ـ لا تؤكد أسطورة الاستيطان الغربية نهاية التاريخ وحسب وإنما نهاية الجغرافيا كذلك، فالأرض التي يستوطن فيها الإنسان الأبيض هي أرض وحسب، ليس لها حدود واضحة، ولذا فهي تتسع حسب قوة الإنسان الأبيض الذاتية، كلما زاد عدد المستوطنين وازدادوا قوة اتسعت الحدود. ومن هنا فكرة الرائد والجبهة المتسعة دائماً. والرائد هو الذي يرتاد أرضاً جديدة دائماً، لا يعرف حدوداً ولا قيوداً ولا سدود. وارتباط نهاية التاريخ بنهاية الجغرافيا أمر متوقَّع، ففكرة الحدود فكرة إنسانية حضارية غير طبيعية، أما عالم الطبيعة فلا يعرف الإنسان، ومن ثم فهو لا يعرف الحدود.
وأسطورة الاستيطان الصهيونية هي أسطورة التوسع بالدرجة الأولى، فإرتس يسرائيل ليس لها حدود واضحة، فالعهد القديم يحتوي أكثر من خريطة. والمستوطنون الصهاينة أطلقوا على أنفسهم مصطلح «حالوتسيم» ، أي» رواد. «
стр. 7690
٤ ـ إذا حدث أن كانت الأرض العذراء مأهولة بالسكان فإن أسطورة الاستيطان الغربية تحاول تهميشهم، فهم قليلو العدد متخلفون يفتقرون إلى الفنون والعلوم والمهارات المختلفة، يهملون الثروات الطبيعية الكامنة في الأرض. وهم عادةً مجرد رحالة لا يستقرون في أرض ما، وهم شعب لا تاريخ له، فأعضاؤه جزء لا يتجزأ من الطبيعة (كالثعالب والذئاب) ومن ثم لا حقوق لهم. لكل هذا فإن وجود مثل هؤلاء الناس هو وجود عرضي ومن الضروري وضع حل جذري ونهائي للمشكلة الديموجرافية، أي مشكلة وجود السكان الأصليين في الأرض العذراء، وضرورة اجتثاث شأفتهم تماماً.
وأسطورة الاستيطان الصهيونية تنظر للوجود الفلسطيني في فلسطين باعتباره أمراً عرضياً هامشياً، والاعتذاريات الصهيونية مليئة بالحديث عن فلسطين باعتبارها أرض مهجورة مهملة، وكثيراً ما يتحدث الصهاينة عن الفلسطينيين كما لو كانوا جزءاً من الطبيعة بلا تاريخ. وكل هذا ينتهي بطبيعة الحال بتأكيد حق اليهود المطلق في فلسطين (ومن هنا قانون العودة) وينكرون هذا الحق على الفلسطينيين (ومن هنا مخيمات اللاجئين) . وتحاول الحركة الصهيونية وضع حل نهائي للمشكلة الديموجرافية فقامت أحياناً بالإبادة (دير ياسين ـ كفر قاسم) ولكن الطرد كان الشكل الأساسي. وبعد اتفاقيات أوسلو أخذ الحل النهائي شكل عزل السكان الأصليين داخل مجموعة من القرى والمدن ومحاصرتهم بالقوات العسكرية الإسرائيلية والطرق الالتفافية.
стр. 7691
٥ ـ تم تبرير الرؤى الاستيطانية الإحلالية عن طريق القصص الإنجيلية، وهنا يحدث تلاق كامل بين أسطورة الاستيطان الغربية العامة وأسطورة الاستيطان الصهيونية. فالمستوطنون البيض (وضمنهم الصهاينة) ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم من الآباء (البطارقة) الذين تركوا بلادهم ليستقروا في بلاد أكثر اتساعاً، أو في أرض عذراء لم يستوطن فيها أحد من قبل. وهم مثل العبرانيين يخرجون من مصر (أو بابل) أرض المنفى البغيضة، وينسلخون من تاريخها ليعودوا إلى صهيون (الجديدة) بأن "يصعدوا" لها. فإن وجدوها مأهولة فأهلها إذن من الكنعانيين الذين لا حق لهم في الأرض ومصيرهم هو الحل النهائي: الطرد أو الإبادة.
وغني عن القول أننا حينما نتحدث عن «أسطورة» فنحن لا نتحدث عن واقع تشكَّل ولا حتى عن برنامج عمل، وإنما عن قصة أو قصص يوجد فيها بشكل كامن نموذج معرفي، وهذه القصة مستبطنة تماماً، تعبِّر عن نفسها بشكل جزئي وتتحقق بعض جوانبها في أماكن وأزمنة متفرقة، ولا تتحقق مجتمعة إلا في لحظة نماذجية نادرة.
الاستعمار الاستيطاني الصهيوني: أهدافه وآلياته وسماته الأساسية
Zionist Settler Colonialism: Objectives, Methods, and Main Traits
تنطلق الحركة الصهيونية من أن اليهود شعب واحد بلا أرض، وأن فلسطين أرض بلا شعب. ومن ثم يرى الصهاينة أن فلسطين هي المسرح الذي يتحقق فيه الشروع الصهيوني، وأنها في واقع الأمر ملك للشعب اليهودي، سواء كان يشغلها الفلسطينيون أم لا.
стр. 7692
ووضع هذه الرؤية الأسطورية موضع التنفيذ لم يكن أمراً سهلاً، إذ أن المستوطنين الصهاينة حلّوا في أرض لا يعرفونها وهي أرض مأهولة بالسكان، ومن هنا كان من الضروري أن يُنظِّموا أنفسهم بطريقة صارمة، وأن تكون لهم مؤسساتهم الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية لوضع المشروع الصهيوني موضع التنفيذ. فتم تأسيس الوكالة اليهودية ومهمتها القيام بمعظم عمليات التخطيط والتطبيق الفعلي لهجرة وتدريب المستوطنين وتأمين كل ما يحتاجونه من وسائل وأدوات إنتاج وخدمات للمهاجرين. وكانت مهمة الصندوق القومي اليهودي شراء الأرض لصالح الفلسطيني. وتُعتبَر المؤسسة العسكرية والتنظيمات شبه العسكرية من أبرز القواعد التي تضطلع بتطبيق المخطط الاستيطاني الصهيوني والمحافظة على استمرار العملية الاستيطانية وحمايتها. فتقوم المؤسسة العسكرية بتعبئة الجماهير وتجنيدهم حول فكرة الاستيطان باعتبارها المثل الأعلى للمواطن الإسرائيلي. أما التنظيمات العسكرية وشبه العسكرية مثل الهاجاناه والناحال والجدناع فتقوم بأدوار الحراسة والأدوار الأمنية ورفع الروح المعنوية.
ويمكن القول بأن الأهداف والسمات الأساسية للاستيطان الصهيوني هي ما يلي:
١ ـ يهدف الاستيطان الصهيوني إلى أن تحل الكتلة البشرية (الصهيونية) الواحدة محل السكان الأصليين فهو استعمار إحلالي، وإحلاليته هي سمته الأولى والأساسية (حتى عام ١٩٦٧) . (انظر الباب المعنون «إحلالية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني» ) .
стр. 7693
٢ ـ حدَّدت منظمة الهاجاناه جوهر الإستراتيجية الاستيطانية عندما أكدت (عام ١٩٤٣) أن الاستيطان ليس هدفاً في حد ذاته، وإنما هو وسيلة الاستيلاء السياسي على البلد، أي فلسطين. وقد استمرت هذه السياسة قبل وبعد عام ١٩٤٨، أي أنها العنصر الأساسي الثابت في الإستراتيجية الصهيونية. ومن ثم عرَّف بن جوريون الصهيونية بأنها الاستيطان، وهو مُحق في ذلك تماماً. ولذا يمكن القول بأن الاستيطان هو نفسه التوسع الصهيوني، لا يوجد أيّ فاصل بينهما. وهذه هي السمة البنيوية الثانية من سمات الاستيطان الصهيوني.
٣ ـ ثمة سمة بنيوية ثالثة يتسم بها الاستيطان الصهيوني هي أنه ليس مشروعاً اقتصادياً وإنما مشروع عسكري إستراتيجي، ولذا فهو لا يخضع لمعايير الجدوى الاقتصادية، ولابد أن يموَّل من الخارج (الخارج يمكن أن يكون الدياسبورا اليهودية الثرية [أي الجماعات اليهودية في العالم] أو الراعي الإمبريالي) .
٤ ـ يتسم الاستيطان الصهيوني بأنه استيطان جماعي عسكري بسبب الهاجس الأمني (استجابة لمقاومة السكان) ولأن جماعة المستوطنين ترفض الاندماج في المحيط الحضاري الجديد الذي انتقلت إليه (انظر: «الاقتصاد الاستيطاني في فلسطين قبل عام ١٩٤٨: أسباب ظهوره» ) وتساهم عمليات التمويل من الخارج في تعميق هذه السمة.
٥ ـ ارتبط انتشار المستوطنات بحركة الهجرة اليهودية، وهو ما جعل إستراتيجية الاستيطان تتخذ خطاً متوازياً مع الخطوات التي قطعها المشروع الصهيوني لجذب المهاجرين اليهود واقتلاعهم من البلاد التي أقاموا فيها.
стр. 7694
٦ ـ من المُلاحَظ أن المؤسسات الاستيطانية الصهيونية تقف على رأسها بدلاً من أن تقف على قدميها (ويمكن أن نسميها الهرم الاستيطاني الصهيوني المقلوب) ، فقد كان هناك مزارع الكيبوتس وهي تنظيمات زراعية هدفها الاستيلاء على الأرض التي ستُزرع وتكوين طبقة مزارعين يهود. كما كان هناك الهستدروت، وهو نقابة عمال تهدف إلى خَلْق الطبقة العمالية (وذلك على خلاف النقابات العمالية التي لا تظهر إلا كتعبير عن وضع قائم بالفعل) . ثم كانت هناك جماعات الحراس المختلفة مثل الحارس والهاجاناه والبالماخ وهي تنظيمات عسكرية تهدف إلى خَلْق الشعب اليهودي (أي أن الجيش يسبق الشعب، أو كما قال شاعر إسرائيلي: كل الشعوب تملك سلاح طيران إلا في إسرائيل حيث يوجد سلاح طيران يملك شعباً) . بل إن الجامعة العبرية نفسها أُسِّست بادئ الأمر كمبان وهيئة تدريس في انتظار الطلبة. ويمكن سحب هذا المنطق على كل الحركة الصهيونية، فهي قد بدأت بتأليف الحكومة التي كان هدفها الأساسي إقامة الدولة التي كانت ترمي أساساً إلى تجميع السكان (حكومة فدولة فشعب) . وما من شك في أن هذا يعود إلى أن الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة هي صيغة غير يهودية تم تهويدها لتجنيد المادة البشرية التي رفضت هذه الصيغة أو تملَّصت منها. كما أن الأصول الطبقية لبعض العناصر البشرية المستوطنة صعَّبت عليهم الاضطلاع بوظائف معينة، ولذا كان حتمياً أن يسبق عملية الاستيطان مؤسسات استيطانية مختلفة، مهمتها جذب المستوطنين وتدريبهم. كما أن من أهم سمات الاستيطان الصهيوني أن الكيان الاجتماعي الصهيوني في فلسطين لم يكن متكاملاً، بل كان في مرحلة بداية التكوُّن والتشكُّل، ولم يكن هدف المستوطنين الاندماج في المجتمع القائم بل إقامة كيان اجتماعي وسياسي مستقل.
стр. 7695
ويُعَد عام ١٩٦٧ لحظة فارقة في تاريخ الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، إذ ضمت الدولة الصهيونية مساحات شاسعة من الأراضي، وقرَّرت الاحتفاظ بها وتأسيس المستوطنات فيها، رغم وجود كثافة سكانية فلسطينية فيها. ومن ثم تحوَّل الاستعمار الاستيطاني الصهيوني من استعمار استيطاني إحلالي إلى استعمار استيطاني مبني على الأبارتهايد وفكرة المعازل البشرية للسكان الأصليين. ولكن، مع هذا، لم تتغيَّر الثوابت الإستراتيجية الصهيونية، وإن اختلفت الأهداف والآليات بسبب تغيُّر الظروف.
ويمكن تحديد أهداف الاستيطان الصهيوني في الأراضي المحتلة بعد عام ١٩٦٧ بما يلي:
١ ـ تهيئة الفرصة لوجود عسكري إسرائيلي، سواء من خلال قوات الجيش الرئيسية أو عن طريق الاستعانة بمستوطنين مسلحين يتبعون هذه القوات أو باستخدام وحدات من جيش الاحتلال يتم نشرها.
٢ ـ أن تكون المستوطنات رأس جسر لكسب مزيد من الأرض من خلال نزع الملكية أو سُبل أخرى أكثر دهاءً مثل إزالة المزروعات واقتلاع الأشجار ورفض التصريح بإقامة مبان جديدة أو إصلاح المباني القديمة.
٣ ـ خَلْق الحقائق الاستيطانية الجديدة في الأراضي المحتلة بحيث تصبح العودة إلى حدود عام ١٩٦٧ مستحيلة. ومما يجدر ذكره أن الاستيطان قام، دائماً، بدور أساسي في رسم حدود الكيان الصهيوني، وخصوصاً منذ بداية عرض خطط تقسيم فلسطين في النصف الثاني من الثلاثينيات، وصولاً إلى صدور قرار تقسيمها سنة ١٩٤٧. ولا شك في أن الإسرائيليين يطمعون في أن يقوم الاستيطان الجديد بدور مماثل في توسيع حدود كيانهم.
واستهدفت السياسة الاستيطانية بناء خط من المستوطنات من الجولان حتى شرم الشيخ مروراً بغور الأردن. وأهم مشروع استيطاني كان مشروع إيجال آلون الذي استهدف بناء حاجز بين الضفتين الغربية والشرقية وتصحيح الحدود وتعديل مسار الخط الأخضر، وتجزئة الضفة الغربية إلى منطقتين.
стр. 7696
٤ ـ إيجاد القاعدة البشرية من المهاجرين اليهود من مختلف أنحاء العالم.
٥ ـ بعد فشل الصهاينة في "إقناع" الفلسطينيين (عن طريق شراء الأراضي والإرهاب) بترك الأرض بحيث تصبح أرضاً بلا شعب، قرَّر الصهاينة اللجوء إلى أسلوب الأبارتهايد التقليدي وهو تأسيس المعازل، ومن ثم أصبح من أهم أهداف المستوطنات قطع التواصل بين مناطق سكنى الفلسطينيين، بحيث ينقطع الاستمرار بين المراكز السكانية الفلسطينية الأساسية، أي أن وظيفة المستوطنات أصبحت تحويل الضفة الغربية إلى كانتونات ممزقة مفصولة بعضها عن بعض ولا تربطها سوى ممرات محدودة تحيط بها من كل جانب المستوطنات والثكنات العسكرية للجيش الإسرائيلي بحيث لا يستطيع الفلسطينيون التحرك بحرية داخل الأراضي المحتلة. وبالفعل قامت المستوطنات الموزَّعة في كتل أو أطواق بخدمة إستراتيجية "الفصل" و"الوصل" الاستيطانية. فالأطواق الاستيطانية المحيطة بالقدس تؤمن التواصل فيما بينها وبين القدس الغربية، وتفصل القدس الشرقية عن سائر الضفة، كما تفصل شمال الضفة عن جنوبها، في آن واحد. كما أن الشريط الاستيطاني المحاذي للخط الأخضر يُشكِّل استمراراً إقليمياً لفلسطين المحتلة سنة ١٩٤٨، وعازلاً بين الفلسطينيين على جانبي الخط، على غرار الهدف الذي حدده دروبلس لخطة "الكواكب السبعة". وينطبق الأمر نفسه على كتلتي الاستيطان في جنوب مرتفعات الجولان وشمالها، وعلى كتلة مستوطنات إيرز الناشئة في شمال قطاع غزة. أما كتلة قطيف الاستيطانية في جنوب القطاع فتُشكِّل تطويقاً لمدن القطاع، وعازلاً صهيونياً على الحدود الفلسطينية ـ المصرية.
стр. 7697
وشهد الاستيطان الإسرائيلي، خلال هذه الفترة، تقلبات في الوتيرة وتغيرات في التركيز الجغرافي، تعود أساساً إلى اختلاف الحزب/الائتلاف الحزبي الحاكم، وبالتالي، اختلاف تكتيكه الاستيطاني باختلاف نظرته السياسية الأمنية إلى الأراضي المحتلة ومتسقبلها. ومع ذلك، فإن الخريطة الاستيطانية الراهنة جاءت نتاجاً للتفاعل والتجاذب بين هذا التباين التكتيكي والإجماع القومي الإستراتيجي الذي يلف مختلف الأحزاب الصهيونية (عدم العودة إلى حدود ١٩٦٧، وخصوصاً تهويد القدس وضمها إلى إسرائيل) .
ففي بداية الاستيطان بعد حرب يونيه ١٩٦٧، كان هناك منطق سياسي وراء إنشاء المستوطنات، إذ تم تحضيرها استناداً إلى الخطة التي وضعها ييجال آلون، وعلى أساس الاحتياجات "الأمنية" الحيوية لدولة إسرائيل، وأصبحت هذه الخطة منذ أن وُضعت الموجِّه الأساسي لسياسة حزب العمل تجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما كانت الموجِّه الأساسي لنمط الحلول السياسية التي تقترحها أو تقبلها إسرائيل.
ولكن حتى حكومات حزب العمل، خرجت عن معايير مشروع آلون، إما خضوعاً للمتزمتين حين أنشأوا مستعمرة كريات أربع في الخليل، أو نزوة وزير الدفاع موشي ديان، الذي أنشأ مستعمرة يميت في سيناء، أو نتيجة صراعات داخلية بين إسحق رابين وشمعون بيريز في عهد حكومة رابين الأولى، حيث حدث توسُّع في مناطق معينة في الضفة الغربية لا تشملها خطة آلون. ولكن سلوكها كان محكوماً بالمنطق الداخلي لبنية الاستيطان الصهيوني، التي تتجه نحو المزيد من ضم الأراضي والتوسع.
стр. 7698
والخروج على قواعد خطة آلون في عهد حزب العمل كان بمنزلة قطرات خفيفة نسبياً، ولكن هذه القطرات تحوَّلت في عهد حكومات الليكود إلى طوفان، وبعد إخلاء مستعمرة يميت إثر توقيع الصلح المصري ـ الإسرائيلي، وبعد الفشل في حرب لبنان عام ١٩٨٢، أرادت حكومات حزب الليكود إرضاء ناخبيها فضاعفت زخم الاستيطان، ولم يعارض حزب العمل ذلك، وغطى موافقته آنذاك، بموقف سياسي يقول "ضمن العلاقات السلمية من الممكن أن تظل مستوطنات يهودية تحت السيادة العربية، كما توجد مدن وقرى عربية تحت السيادة الإسرائيلية".
لقد جاءت المحصلة الاستيطانية منسجمة مع جوهر الإستراتيجية الاستيطانية الصهيونية سواء من جهة انتشار المستوطنات أو تركيزها. فمن جهة الانتشار غطت المستوطنات مختلف أنحاء الأراضي العربية المحتلة بهدف إحكام السيطرة عليها، فأُقيمت مستوطنات لا مبرر أمنياً لها ولا جدوى اقتصادية لها، مثل مستوطنة نتساريم في غزة، وهذه حال المستوطنات التي أقامها المعراخ في وسط الجولان إثر حرب ١٩٧٣، والمستوطنات التي نثرها الليكود في سائر أنحاء الضفة خارج مناطق الأمن.
الطبيعة العسكرية للاستعمار الاستيطانى الصهيوني
Military Nature of Zionist Settler Colonialism
стр. 7699
اختيرت فلسطين كبقعة لتوطين اليهود فيها وإقامة الدولة الوظيفية القتالية بسبب موقعها الإستراتيجي. ففلسطين ليست معروفة بثرواتها الطبيعية، وهي صغيرة الرقعة، وأرضها ليست خصبة (فهي ليست في ثراء ولا خصوبة أوغنده التي وقع عليها الاختيار في بادئ الأمر لتكون الوطن اليهودي الجديد ثم عُدل عنها) . وموقع فلسطين هو الذي جعلها ضحية مباشرة للاغتصاب الاستعماري الغربي ثم الصهيوني. وقد قال نابليون: "إن من يسيطر في المعركة على تقاطع الطرق يصبح سيد الأرض". وفلسطين التي تطل على البحر المتوسط والأحمر وقناة السويس، والتي تُقسِّم العالم العربي إلى قسمين وتقع على نقطة الالتقاء بين آسيا وأفريقيا، هي ولا شك موقع ممتاز لإقامة قاعدة لخدمة مصالح الاستعمار الغربي ليفرض إرادته وهيمنته. وبالفعل، لا يمكن أن نرى الدولة الصهيونية إلا باعتبارها معسكراً كبيراً يخضع أساساً للاعتبارات الإستراتيجية العسكرية وليس للاعتبارات الاقتصادية.
стр. 7700
وينطبق الشيء نفسه على الاستيطان الصهيوني ككل فهو مشروع عسكري بالدرجة الأولى، وهو كذلك الهدف الكامن وراء كل مستوطنة على حدة، فهي كيان صهيوني مُصغَّر في طبيعة بنائها ونوعية أعمال مستوطنيها أنفسهم وموقعها (وبخاصة قبل عام ١٩٤٨) . فهندسة بناء المستوطنات وطبيعة تنظيمها الداخلي آنذاك تكشف عن أغراض هي أقرب ما تكون إلى الطبيعة العسكرية البحتة. إذ كان يُخطِّط لبناء المستوطنات في أماكن يَسهُل الدفاع عنها كرؤوس التلال والهضاب وعلى مشارف الوديان والممرات. وليس من الصدفة أن تكون أول مستوطنة صهيونية في فلسطين (عام ١٨٦٨) قد أقيمت على جبل الكرمل المشرف على حيفا. وأن تكون معظم المستوطنات التي أنشئت بعد ذلك، خلال فترة الاستعمار البريطاني، قد أنشأت على مفارق الطرق، وعلى المرتفعات المشرفة على أماكن التجمُّعات العربية في المدن والقرى، وعلى الطريق بين يافا والقدس. وليس غريباً أن نجد أن العسكريين البريطانيين هم الذين اختاروا في بداية الأمر كل المستوطنات الأولى. وليس غريباً أن نجد كذلك أن مواقع بعض المستوطنات الزراعية في ذلك الوقت لا تؤهلها للزراعة. وبيَّن آلون كيف أن الموقع الدقيق للمباني والمنشآت وجميع المرافق في كل مستوطنة جديدة كانت تقرر اختياره هيئة أركان الهاجاناه، بغية تأمين الترتيب الأفضل للهجوم والدفاع (حبيب قهوجي) .
وقد كان الفلاحون العرب يسمون هذه المستوطنات «القلاع» ، وكانوا محقين تماماً في تسميتهم هذه. فكل مستعمرة صُمِّمت لتكون بمنزلة قلعة حصينة قادرة على الدفاع عن نفسها وعن المستعمرات المجاورة أيضاً (وهي تُذكِّر الدارس بالمعبد/القلعة في أوكرانيا إبان حكم الإقطاع الاستيطاني البولندي فيها) . ويُعتبَر هذا التصميم تطبيقاً للتشكيل العسكري الروماني المعروف باسم «الدفاع على شكل أضلاع مغلقة» حيث كانت كل مستعمرة تقوم بتوفير الاحتياجات الأساسية لأعضائها ذاتياً.
стр. 7701
ورغم أن المستوطنات كانت مستوطنات زراعية إلا أن الزراعة الاستيطانية لا علاقة لها بالاستثمار الزراعي. فالموقع وليس التربة هو العنصر الذي يتم على أساسه الاختيار. ولذا فنحن نسميها «الزراعة المسلحة» .
وكان المستوطنون يقيمون مستوطناتهم الزراعية على طريقة السور والبرج. فكانوا يأتون بألواح جاهزة وبرج مراقبة وسياج وخيام على أن تنقل كلها خلسة في ليلة واحدة بمساعدة مئات المستوطنين ويحيطون الأرض العربية المغتصبة بسور من الأسلاك الشائكة ثم يبنون برج مراقبة مزوداً بالأسلحة. وفي الصباح تكون المستوطنة الجديدة جاهزة، وقادرة على صد "الإرهابيين" العرب الذين اغتُصبت أرضهم أثناء الليل. ثم تبدأ عملية الزراعة والقتال.
وكانت كل مستعمرة (شأنها شأن المُستوطَن الصهيوني ككل) تتخذ موقعها ضمن إقليم عربي لتخترق تماسكه وتجانسه وأمنه وفي دفاعها عن "أمنها" تدخل حالة صراع مع المجتمع المحيط بها وتستولى على مزيد من الأرض.
والطبيعة العسكرية للاستيطان هي رد فعل للرفض العربي. ولكنها، في الوقت نفسه، جزء لا يتجزأ من المخطَّط الصهيوني الإستراتيجي الذي يهدف إلى تأسيس تجمُّع استيطاني له هويته وحدوده الحضارية والاقتصادية والاجتماعية التي تفصله عما حوله والاستيلاء على الأرض العربية، ويهدف كذلك إلى تقسيم العالم العربي عن طريق عملية الاستيلاء هذه. ويمكن تلخيص تكامل البُعْد الاستيطاني والبُعْد العسكري في المستوطنات بأن الواحد منهما يخدم الآخر، فالاستعمار الاستيطاني يخدم العمل العسكري فيما يلي:
١ ـ تشارك المستوطنات في عملية البناء العسكري الدفاعي، وخصوصاً فيما يتعلق بتأمين الحدود الخارجية والمناطق الداخلية الحيوية.
٢ ـ تشكل المستوطنات قواعد للقوات المسلحة ومراكز لوثوبها خارج أراضي إسرائيل لتحقيق المزيد من التوسع الإقليمي.
٣ ـ المستوطنات في واقع الأمر مستودع للقوى البشرية المدربة عسكرياً واللازمة للقوات المسلحة.
стр. 7702
٤ ـ بعد ضم المناطق الجديدة تقوم المستوطنات بملء الفراغ وخلق الوجود المادي السكاني لها.
وإذا كانت المستوطنات تخدم الإستراتيجية العسكرية الصهيونية فالعكس أيضاً صحيح فالمؤسسة العسكرية تخدم المستوطنات.
١ ـ تقوم القوة العسكرية الصهيونية بتوفير الأراضي والمشاركة في الدفاع عنها، وبالتالي تهيئة الظروف المناسبة لازدهار الاستعمار الاستيطاني.
٢ ـ تقوم المؤسسة العسكرية بتخليق الزارع الجندي اللازم لإقامة المستعمرات الدفاعية الحصينة وتأمين الحدود.
إن الاستيطان الصهيوني هو جوهر المشروع الاستيطاني الصهيوني الذي يهدف إلى اغتصاب الأرض الفلسطينية العربية من أهلها وإحلال عنصر بشري وافد محلهم، ولذا فهو مشروع لا يمكن تنفيذه إلا بالعنف، ومن هنا طبيعته العسكرية. ويمكن دراسة طريقة توزيع المستوطنات الصهيونية وإعادة انتشار القوات المسلحة الإسرائيلية في الإطار نفسه.
الاستعمار الاستيطاني الصهيوني قبل عام ١٩٤٨: تاريخ
Zionist Settler Colonialism before ١٩٤٨: History
قبل ظهور الحركة الصهيونية، لم يكن ثمة استيطان يهودي في فلسطين. فأعضاء الجماعات اليهودية (الذين لم يتجاوز عددهم ٢٥ ألفاً) كانوا يقطنون في التجمعات المدنية، وبخاصة مدن القدس وطبريه وصفد، وقد استقروا في فلسطين لأسباب دينية لا علاقة لها بالمشروع الصهيوني، ولم يكن هناك وجود للاستيطان الزراعي الذي لم يبدأ إلا عام ١٨٧٨ عندما توجهت مجموعة من يهود القدس ـ بعد حصولها على دعم خارجي ـ إلى السهل الساحلي حيث تمكَّنت من تأسيس مستوطنة بتاح تكفا. ومع ظهور حركة أحبّاء صهيون وبداية موجات الهجرة الاستيطانية عام ١٨٨٠، أمكن تأسيس عدد من المستوطنات الزراعية. فتم عام ١٨٨٢ تأسيس مستوطنات ريشون لتسيون، وزخرون يعقوب، وروش بينا. وفي سنة ١٨٨٣، أُسِّست مستوطنتا يسود همعلية وإكرون، وأُقيمت مستوطنة جديرا عام ١٨٨٤.
стр. 7703
غير أن هذه المستوطنات لم تلبث أن تعرضت لخسائر فادحة ولجأت إلى الاعتماد على الدعم الخارجي، وبخاصة البارون روتشيلد. وقد مكَّن هذا الدعم المستوطنات القديمة من الاستمرار، كما مكَّن من إقامة ثلاث مستوطنات أخرى عام ١٨٩٠ (رحوبوت، ومشمارهياردن، والخضيرة) . ولكن مع إقامة تنظيمات صهيونية توطينية ابتداءً من عام ١٨٩١، انتهى دور البارون روتشيلد وانتقلت مسئولية رعاية المستوطنات إلى الجمعية الاستعمارية اليهودية (بيكا) التي عملت في البداية على تزويد المستوطنات القائمة بالقروض المالية، وإقامة المزارع التدريبية للعمال الزراعيين، وذلك بعد أن نقلت هذه المسئوليات من رجال البارون روتشيلد. وحتى سنة ١٨٩٨، كان قد تم تأسيس ٢٢ مستوطنة يهودية (بلغت مجموع مساحاتها نحو ٢٠٠ ألف دونم) وبلغ مجموع سكانها (آنذاك) ٤٩٠٠ نسمة تقريباً.
ومع انعقاد المؤتمر الصهيوني الثاني ١٨٩٨ وإقرار قانون المنظمة الصهيونية العالمية، أخذت هذه المنظمة على عاتقها كل الشئون المتعلقة باستيطان فلسطين ـ وبذلك انتهى ما يُسمَّى «الصهيونية العملية» أو «التسللية» . وبدأت هذه المنظمة نشاطها الفعلي عام ١٩٠١ مع تأسيس الصندوق القومي اليهودي. وأسهم تأسيس مكتب فلسطين برئاسة آرثر روبين عام ١٩٠٧ ـ ١٩٠٨ في زيادة نشاط هذه المؤسسة حيث باشرت أعمالها الفعلية عام ١٩٠٨ بتأسيس مشروعها الأول وهو مزرعة أم جوني في الجانب الغربي لنهر الأردن جنوب بحيرة طبرية، وفيما بعد شرقي النهر في المستوطنات التي أصبحت تحمل اسم «كينرت دجانيا» . ومع بداية الحرب العالمية الأولى عام ١٩١٤، كان هناك ٤٧ مستوطنة يهودية في فلسطين أُقيمت ١٤ منها بدعم من المنظمة الصهيونية بإشراف مكتب فلسطين.
стр. 7704
وتُعتبَر مرحلة الانتداب البريطاني على فلسطين (أي وضع فلسطين في قبضة الراعي الإمبريالي) المرحلة الذهبية للصهيونية. فبعد صدور وعد بلفور عام ١٩١٧ ومنح القوة الإمبريالية الغربية دعمها القوي للمشروع الصهيوني وبداية موجة الهجرة الصهيونية الثالثة ١٩١٩ وإعلان شرعية الهجرة ١٩٢١، وتأسيس قسم الاستيطان في المنظمة الصهيونية الذي حل محل مكتب فلسطين، وتنامي الوجود السياسي للحركة الصهيونية، توسعت النشاطات الاستيطانية واكتسبت أبعاداً أيديولوجية مع تبلور الأنماط الأساسية الثلاث للمستوطنات: الكيبوتس والموشاف والقرى التعاونية أو تعاونيات الطبقة المتوسطة.
وقد أخذت النوايا السياسية لعمليات الاستيطان في الاتضاح للفلسطينيين، الأمر الذي فجّر عمليات المقاومة، حيث هوجم عدد من المستوطنات التي أُقيمت في الجليل الأعلى (تل حاي وكفار جلعادي) ، وبدأت عام ١٩٢٩ أول دراسة علمية لخدمة أغراض التخطيط الاستيطاني على المستوى القطري.
ومع صدور الكتاب الأبيض عام ١٩٣٠، قرَّرت المنظمة الصهيونية الإسراع في عمليات الاستيطان وفي إقامة نقاط قوية في المناطق التي لم يسكن بها المستوطنون الصهاينة في السابق، وذلك بهدف خلق خريطة سكانية يهودية تشمل أوسع مساحة جغرافية ممكنة للاستعداد لاحتمال طرح تقسيم فلسطين، حيث جرى تركيز عمليات الاستيطان باتباع مبدأ الزراعة المختلطة للمساعدة في عمليات الاكتفاء الذاتي الغذائي للمستوطنة في أعقاب تأزم الأوضاع داخل فلسطين. ويُطلَق على المستوطنات التي أُقيمت خلال تلك الفترة اسم «السور والبرج» (بالعبرية: خوما ومجدال) وصفاً للطابع العسكري لتلك المستوطنات التي ترافقت مع بداية الثورة الفلسطينية عام١٩٣٦.
стр. 7705
وفي غضون الحرب العالمية الثانية وبعدها، أُقيم نحو ٩٤ مستوطنة. وبعد انتهاء الحرب، اتجهت الجهود الاستيطانية للتوسع الجغرافي لاستيطان منطقة النقب في عامي ١٩٤٦ و١٩٤٧، ومرت أنابيب المياه إلى هذه المستوطنات من المناطق الوسطى في فلسطين. ونشطت الوكالة اليهودية في فترة الانتداب في تنظيم عمليات الاستيطان وأقامت لذلك عدداً من المشاريع الاستيطانية الخاصة ابتداءً من سنة ١٩٣٠ وحتى الحرب العالمية الثانية. ومن هذه المشاريع مشروع الألف عائلة الذي تم بمقتضاه إقامة عدة مستوطنات في السهل الساحلي، وكذلك مشاريع توطين اليهود المشردين في أعقاب عام ١٩٣٣.
واستمرت محاولات الاستيلاء على الأراضي في أية بقعة يمكن الوصول إليها، إلا أن التركيز كان على المناطق السهلية بشكل عام حيث تتميَّز الأراضي بالجودة ووفرة المياه. وحتى عام ١٩٤٨، كان حوالي ٢٥% من المستوطنات اليهودية موجودة في منطقة سهول الخضيرة، ونسبة ١٢% منها في سهول يافا، و١٧% في سهول طبريا والحولة وبيسان، و١١% في سهل الجليل الأسفل ومرج ابن عامر، و٤% في كل من منطقتي الجليل الأعلى ومرتفعات القدس. أما منطقة النقب، فقد بلغت نسبة المستوطنات اليهودية فيها ٩% تقريباً من إجمالي المستوطنات اليهودية. وبلغت مساحة الجزر التي أُقيمت عليها إسرائيل في فلسطين حسب خطوط الهدنة عام ١٩٤٧ حوالي ٢٠.٧٠٠.٠٠٠ دونم منها ٤٢٥ ألف دونم مسطحات مائية.
وقد تزايد عدد المستوطنات في الفترة من ١٨٢٢ ـ ١٨٩٩ ليصبح ٢٢ مستوطنة استوطنها ٥٢١٠ مستوطنين، وزاد في الفترة ١٩٠٠ ـ ١٩٠٧ ليصبح ٢٧ مستوطنة اتسعت لـ ٧٠٠٠ مستوطن، وزاد ليصبح ٤٧ مستوطنة في الفترة ١٩٠٨ ـ ١٩١٤ حيث وسعت ١٢ ألف مستوطن. وارتفع عام ١٩٢٢ فأصبح ٧١ مستوطنة وسعت ١٤.٩٢٠ مستوطناً. وفي عام ١٩٤٤، وصل عدد المستوطنات إلى ٢٥٩ مستوطنة ضمت ١٤٣.٠٠٠ مستوطناً. وعند قيام الدولة الصهيونية كانت تضم ٢٧٧ مستوطنة.
следующие страницы →