Полный текст (8 511 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.
стр. 7841
تهدف نظرية الحقوق الصهيونية إلى تبرير استيلاء اليهود على الأرض الفلسطينية، الأمر الذي يتطلب التوصل إلى رؤية للذات الغازية (اليهود) ، ورؤية تكميلية للآخر موضوع الغزو (العرب) . وقد تناولنا رؤية الصهاينة لليهود باعتبارهم شعباً أبيض أو شعباً مقدَّساً يهودياً خالصاً أو شعباً اشتراكياً تقدمياً (انظر: «الاعتذاريات الصهيونية العنصرية ونظرية الحقوق اليهودية المطلقة» ) . وسنتناول في هذا المدخل رؤية الصهاينة للعرب.
يُلاحَظ أن طريقة صياغة الرؤية الصهيونية للعرب تتسم بكثير من سمات الخطاب الصهيوني، ابتداءً بالإبهام المتعمد وانتهاءً بالتزام الصمت، كما يُلاحَظ تصاعد معدلات التجريد إلى أن نصل إلى النقطة التي يتحقق فيها النموذج الصهيوني الإدراكي وهي التغييب الكامل للعرب:
١ ـ العربي كعضو في الشعوب الشرقية الملونة (تخفيض العربي) :
وهذا التصور هو تصور تكميلي لرؤية اليهود كأعضاء في الحضارة الغربية البيضاء، فالجنس الأبيض هو موضع القداسة أما الأجناس الأخرى فتقع خارجها، والعربي هو من هذه الأجناس المتخلفة.
وفي إطار هذا التصوُّر، يُقدِّم الصهاينة وصفاً للشخصية العربية على أنها شخصية متخلفة، ومثل هذا الوصف أمر شائع في الاعتذاريات العنصرية وفي أدبيات الاستعمار الأوربي، فالوصف هنا ليس وصفاً للعربي بقدر ما هو وصف لأي آسيوي أو أفريقي (أو حتى أي أمريكي أسود) . والاستعمار الصهيوني، في أحد تصوُّراته لنفسه، كان يرى أنه جزء (تابع) لا يتجزأ من الحركة الإمبريالية الغربية، ومن الهجمة العسكرية الحضارية على الشرق العربي لإدخال الحضارة والسكك الحديدية والبلاستيك والقنابل.
стр. 7842
وقد بلوَّر وايزمان قضية الصراع العربي الصهيوني بالأسلوب نفسه الذي بررت به الحضارة الغربية مشروعها الاستعماري في الأمريكتين وآسيا وأفريقيا. و"إننا ما زلنا نسمع حتى الآن أناساً يقولون: حسناً، ربما كان ما أنجزتموه عظيماً تماماً، ولكن العرب في فلسطين قد ألفوا حياة الدعة والسكينة، وكانوا يركبون الجمال، وكان منظرهم رائعاً، وكانت صورتهم منسجمة مع منظر الطبيعة. فلماذا لا تظل هذه الصورة كما لو كانت متحفاً أو حديقة عامة؟ لقد وفدتم إلى البلاد من الغرب حاملين معرفتكم وإصراركم اليهودي، ولذا فصورتكم لا تنسجم مع مناظر الطبيعة. إنكم تجففون المستنقعات، وتقضون على الملاريا بطريقة تؤدي إلى انتقال البعوض إلى القرى العربية. إنكم ما زلتم تتحدثون العبرية بلكنة سقيمة ولم تتعلَّموا حتى الآن كيف تستخدمون المحراث بطريقة سليمة، وتستخدمون بدلاً من الجمل سيارة. ومن جهة أخرى فإن هذا يُذكِّر المرء بالصراع الأبدي بين الجمود من جهة والتقدم والكفاءة والصحة والتعليم من جهة أخرى. إنها الصحراء ضد المدنية".
ولم يكن من الضروري في هذا الإطار الاستعماري العرْقي القيام بأية دراسة دقيقة للضحية، وإنما كان يُكتفَى بالحديث عن مدى تَقدُّم الحضارة الغربية، ومدى تَقدُّم الإنسان الأبيض، كما كان يُكتفَى بالإشارة إلى تخلُّف الإنسان غير الأبيض (سواء كان أسود أو أصفر أو أسمر) . فالأمور كانت واضحة للعيان، ومن هنا كانت هذه الأوصاف أوصافاً عمومية لا تُركِّز على السمات المتعيِّنة للضحية. وعلى أية حال، فإن أي تفكير عنصري لابد أن يتسم بهذا التعميم والتجريد والانتقاء، وإلا وجد نفسه أمام وجود متعين محسوس له قداسته وله قيمته الإنسانية والحضارية المحددة، وله كيانه الخاص، الأمر الذي يجعل من العسير تَقبُّل الاعتذاريات التي تُسوِّغ استغلاله أو إبادته.
стр. 7843
وصورة العربي المتخلف صورة مهمة في الأدبيات الصهيونية. فقد لاحظ المفكر الصهيوني آحاد هعام سنة ١٨٩١ أن المستوطنين الصهاينة يعاملون العرب باحتقار وقسوة، وينظرون إليهم باعتبارهم متوحشين صحراويين، وعلى أنهم شعب يشبه الحمير، لا يرون ولا يفهمون شيئاً مما يدور حولهم. كما لاحظ أحد الرواد الصهاينة في أوائل القرن أن الصهاينة يعاملون العرب كما يعامل الأوربيون السود. وأما أهارون أرونسون (١٨٧٦ ـ ١٩١٩) أحد زعماء المستوطنين في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، فقد حذر الرواد الصهاينة من أن يقطنوا بجوار الفلاح العربي القذر الجاهل الذي تتحكم فيه الخرافات، وأكد لهم أن كل العرب مرتشون.
ويتصف العربي، حسب تصور وايزمان، بصفات قريبة من التي ذكرناها من قبل، فهو عنصر منحط يحاول الجري قبل أن يستطيع السير، وهو شعب غير مستعد للديموقراطية ومن السهل أن يقع تحت تأثير البلاشفة والكاثوليك [كذا] كما ورد في رسالة وايزمان إلى أينشتاين بتاريخ ٣٠ نوفمبر ١٩٢٩. أما الفيلسوف الأمريكي هوراس كالن، فإنه لم يرى العربي إلا في صورة شيخ قبيلة من صحراء النقب، يلبس هو وأولاده ساعات مستوردة لا تبيِّن الوقت، ويحملون أقلاماً لا يستعملونها في جاكتات غربية يرتدونها فوق جلابيبهم، ووظيفتهم الأساسية هي تهريب الحشيش بطبيعة الحال. وفي أحد استطلاعات الرأي (نُشرت نتائجه عام ١٩٧١) ، جاء أن ٧٦% من الإسرائيليين يؤمنون بأن العرب لن يصلوا إلى مستوى التقدم الذي وصل إليه اليهود. ونعتقد أنه لا يفيد كثيراً أن نأتي بمزيد من الأدلة والقرائن والبراهين من أعمال بن جوريون أو جابوتنسكي أو غيرهما من الكُتَّاب الصهاينة، إذ أن مثل هذا سيكون مجرد توثيق كميّ وتمدُّد أفقي لا يغيِّر ملامح الصورة كثيراً.
стр. 7844
وفي هذا الإطار، نلاحظ أن العربي الجديد، وهو المقابل البنيوي لليهودي الأبيض، لا يأتي ذكره إلا في النادر. ومن هذه اللحظات النادرة ما دوَّنه هرتزل في يومياته حينما كان في القاهرة يتفاوض في شأن أحد مشروعاته الاستيطانية، فقد استمع الزعيم الصهيوني إلى محاضرة عن الري، ويبدو أنه رأى بعض المصريين واستمع إلى أسئلتهم، فكتب يقول: " [المصريون] هم سادة المستقبل هنا، ومن العجيب أن الإنجليز لا يرون ذلك، فهم يعتقدون أنهم سيتعاملون مع الفلاحين إلى الأبد". ثم أخذ هرتزل بعد ذلك يصف كيف أن الاستعمار نفسه يخلق الجرثومة التي تقضي عليه، وذلك لأنه يعلِّم الفلاحين الثورة. ثم أبدى هرتزل دهشته لفشل البريطانيين في إدراك هذه الحقيقة البسيطة. ويحق للمرء أن يتعجب لفشله هو نفسه في إدراكها، إذ أنه ذهب ليتفاوض في اليوم التالي بشأن منطقة العريش لتكون موطناً للاستيطان الصهيوني. ويبدو أن ما حدث هو لحظة إدراك تاريخية نادرة من جانب الزعيم الصهيوني فَهم فيها الاستعمار البريطاني باعتباره ظاهرة تاريخية إنسانية لا تتسم بالثبات. ولكنه غاص، مرة أخرى، في الأسطورة الصهيونية الحلولية العضوية، فاستثنى الاستعمار الصهيوني المقدَّس والمطلق من هذا القانون التاريخي الإنساني، ولم تُترجَم لحظة الإدراك نفسها إلى حكمة إنسانية أو سلوك عقلاني.
стр. 7845
وقد رسم هوراس كالن صورة الفلسطيني في المستقبل، كما يحب أن يراها، فقال: "لو حصل اللاجئون على جوازات سفر وغيرها من الوثائق التي تُمكِّنهم من التحرك بحرية، ولو حصلوا على مبلغ كاف من المال ليشقوا به طريقهم إلى مكان من المُتوقَّع أن يجدو فيه سبل العيش المعقولة. وقيل لهم إن هذا هو كل ما سيحصلون عليه ولا شيء آخر أبداً، لو حدث هذا لبدأوا عندئذ في الاعتماد على النفس"، أي أن تحديث الشخصية العربية سينتج عنه أن يفهم العرب الحقوق اليهودية في إطارها الحلولي العضوي باعتبارها حقوقاً مقدَّسة أزلية لا تقبل النقاش ولا تخضع للتغير.
كما أن التصوُّر الصهيوني يقوم على أن تحديث الشخصية العربية قد يؤدي بالفعل إلى تلاشي الشخصية العربية نفسها، أو أنها ستكتشف أنه لا توجد هوية عربية، وإنما هوية سنية أو شيعية أو مصرية (فرعونية) . وهكذا تتبخر القومية العربية وتظهر الدويلات الإثنية الدينية على النمط الإسرائيلي. ولكن الحديث عن الإنسان العربي في المستقبل هو في نهاية الأمر حديث نادر في الكتابات الصهيونية.
٢ ـ العربي ممثلاً للأغيار (تجريد العربي: (
وينطلق هذا التصوُّر من التصوُّر الصهيوني لليهودي باعتباره يهودياً خالصاً (وأنه وحده موضع الحلول ويوجد داخل الدائرة المقدَّسة) . ويصبح العربي ممثلاً لكل الأغيار (الذين يقعون خارج نطاق دائرة الحلول والقداسة) ، أي أنه تصوُّر ينبع من الثنائية الحلولية الصلبة.
стр. 7846
وقد وُصف الأغيار في الأدبيات الصهيونية بأنهم: ذئاب، قتلة، متربصون باليهود، معادون أزليون لليهود. و «الأغيار» مقولة مجردة، بل إنها أكثر تجريداً من مقولة «اليهودي» في الأدبيات النازية، أو مقولة «الزنجي» في الأدبيات العنصرية البيضاء. وهي أكثر تجريداً لأنها لا تضم أقلية واحدة، أو عدة أقليات، أو حتى عنصراً بشرياً بأكمله، وإنما تضم كل الآخرين في كل زمان ومكان. وقد وضع الصهاينة الإنسان العربي على وجه العموم، والفلسطيني على وجه الخصوص، داخل مقولة «الأغيار» حتى يصبح بغير ملامح أو قسمات.
وتظهر مقولة «الأغيار» هذه في وعد بلفور (أهم الوثائق الصهيونية) حيث أشار إلى العرب (الذين كانوا يشكلون أكثر من حوالي ٩٣% من مجموع السكان) على أنهم الجماعات غير اليهودية، دون تحديد هذه الجماعات أو ذكر اسمها، حتى تظل هذه الجماعات عند مستوى عال من التجريد. إن هذه الجماعات غير اليهودية هي أية جماعة إنسانية تشغل الأرض التي سيستوطن فيها الشعب اليهودي. وبينما كان هرتزل يتفاوض بشأن كريت موقعاً للاستيطان الصهيوني كتب عن الجماعات غير اليهودية التي تقطنها بطريقة تنم عن عدم الاكتراث والتجريد، فقد وصفهم بأنهم "عرب، يونانيون، هذا الحشد المُختلَط من الشرق".
أما تشرنحوفسكي، في قصيدته «وقت الحراسة» التي كتبها في تل أبيب عام ١٩٣٦، فلم يُكلِّف خاطره الإشارة إلى العرب، بل يتحدث عن الأغيار فحسب، بوصفهم رجال الصحراء المتوحشين، وهم بهذا، يصبحون شيئاً عاماً مجرداً خالياً من القداسة، وجزء من الطبيعة يَسهُل التعامل معه واصطياده وإبادته.
стр. 7847
وفي إسرائيل، لا يتحدثون عن «اليهود والعرب» ، وإنما يتحدثون عن «اليهود وغير اليهود» . وكما يقول إسرائيل شاهاك، فإن كل شيء في إسرائيل ينقسم إلى يهودي وغير يهودي. وينطبق هذا التقسيم على كل مظاهر الحياة فيها، حتى على ما يزرع من خضراوات من طماطم وبطاطس وغيرها. وفي هذا الصدد، قد يكون من المفيد أن نتذكر أن الحاخام أبراهام أفيدان حين أوصى الجنود الإسرائيليين بقتل المدنييين الأغيار أو غير اليهود كان يعني في الواقع العرب فحسب، ولا شك في أن جنود جيش الدفاع الإسرائيلي يعرفون تماماً ما كان يرمي إليه الحاخام.
стр. 7848
هذا هو التصوُّر الصهيوني للعربي (الممثل للأغيار) في الماضي والحاضر، فماذا عن الإنسان العربي ممثل الأغيار في المستقبل؟ هنا نجد أن الزمان قد تجمَّد وأُلغي، كما هو شأن الكتابات الصهيونية دائماً، فالأغيار ذئاب في الماضي والحاضر والمستقبل. والإنسان العربي الخانع الخاضع للعنف الصهيوني، هو نفسه الإنسان العربي المقاتل الأزلي ضد اليهود: كلاهما جزء من مخطط ميلودرامي أزلي. وقد وصف رئيس جمهورية إسرائيل السابق إسحق بن تسفي المقاومة العربية في أوائل القرن الحالي بأنها مجرد مذبحة يرتكبها أعداء اليهودة في فلسطين، حرَّض عليها قنصل روسيا القيصري، أي أن معاداة اليهود هي هي لا تتغيَّر، فهي تأخذ شكل مذابح في روسيا أو مقاومة عربية في فلسطين! وفي المؤتمر الصهيوني السابع (١٩٠٥) ، طرح أحد الصهاينة تصوراً مماثلاً للتصور الذي طرحه هرتزل عن الإنسان العربي في المستقبل، وحذَّر من أن الفلاحين الفلسطينيين سيثورون ضد الاستعمار الصهيوني، كما طالب المستوطنين الصهاينة بأن يسلكوا سلوكاً مختلفاً حتى لا يشتد الصراع مع العرب. وقد ردَّ أحد المستوطنين الصهاينة بأن الفلاحين العرب سيتحولون ضد اليهود مهما كان تصرف وسلوك اليهود حيالهم، فثورة الفلسطينيين ليست محاولة لرد العدوان والظلم الواقع عليهم، وإنما هي تعبير عن العداء الأبدي الذي يبديه الأغيار نحو اليهود "هذا الشعب الذي طُرد من بلاده". وهذا التفسير السهل الذي يشرح كل شيء لا يزال شائعاً في إسرائيل حتى بين المثقفين. ويُفسِّر الكاتب الإسرائيلي يهوشاوا المقاومة العربية بأنها شيء غير مفهوم، ودوافعها غير عقلانية إلى حدٍّ كبير، فثمة شيء ما في اليهود يؤدي إلى إثارة جنون الأغيار. والعرب، بوصفهم أغياراً، لا يشذون عن هذه القاعدة. والواقع أن مقولة «الأغيار» (العرب) تُعفي الصهاينة من مسئولية التوجُّه المحدَّد للمسألة الفلسطينية وللإنسان العربي.
٣ ـ تهميش العربي:
стр. 7849
إن عملية التجريد السابقة تستهدف تهميش العربي حتى لا يشغل مركز الأحداث بالنسبة لفلسطين. والعربي الهامشي نمط أساسي في الإدراك الصهيوني للعرب. إن الصهاينة ينكرون وجود أية هوية سياسية للعرب عامة، وللفسطينيين على وجه الخصوص، أو أية مشاعر قومية من جانبهم. فالصهاينة في إدراكهم للثورات العربية ضدهم، ينكرون طبيعتها القومية والسياسية ويؤكدون لأنفسهم ولرفاقهم أن الدافع إليها ليس حب الأرض أو الوطن أو التمسك بالتراث، فالدافع إليها هو التعصب الديني. وقد كان الصهاينة يلومون المسيحيين العرب، أحياناً، باعتبارهم الأعداء الحقيقيين لمشروعهم الاستيطاني، ويصورون المسلمين في صورة الفريق الطيب الذي يمكن التفاهم معه. وكانوا أحياناً أخرى يفترضون العكس، فيؤكدون أن المسلمين هم العدو الحقيقي، وأن المسيحيين هم الفريق الذي يبدي استعداداً كبيراً للتعاون. وكانت الجماهير الفلسطينية بالنسبة إليهم مجرد غوغاء يتلاعب بها المهيجون الإقطاعيون والأفندية ولا تحركها الدوافع القومية. ويرى سمحا فلابان أن وايزمان كان يؤمن إيماناً راسخاً بأن تمرُّد هذه الجماهير ليس تعبيراً صادقاً عن حركة قومية خلاقة وإنما كانت تمليه الاعتبارات الإقطاعية والقَبَلية الضيقة.
стр. 7850
وإلى جانب هذا، كان الصهاينة يرون الفلسطيني أو العربي حيواناً أو مخلوقاً اقتصادياً محضاً تحركه الدوافع الاقتصادية المباشرة. ولذا، فيمكن حل المشكلة العربية (حسب هذا التصور) في إطار اقتصادي لا يكون سياسياً بالضرورة. ولعل من الأمثلة الأولى على هذه الإستراتيجية الإدراكية رشيد بك، هذا العربي الذي تم تخليقه حسب المواصفات الصهيونية في رواية هرتزل الأرض الجديدة القديمة، فهو يؤكد أن الوجود الصهيوني قد عاد على العرب بالنفع الكبير: لقد زادت صادرات البرتقال عشر مرات، كما أن الهجرة اليهودية كانت خيراً وبركة، خصوصاً بالنسبة لملاك الأراضي لأنهم باعوا أرضهم بأرباح كبيرة. وظل لفيف من الصهاينة يؤمنون إيماناً راسخاً بإمكان التغلب على معارضة الفلسطينيين عن طريق توضيح المزايا الاقتصادية الجمة التي سيجلبها الاستيطان الصهيوني، وعن طريق حثهم على الرحيل إلى البلاد العربية بعد إعطائهم التعويض الاقتصادي المناسب عن وطنهم. وكانت إحدى القناعات الإدراكية عند وايزمان أن تطوُّر فلسطين سيؤدي إلى أن يفقد العرب الاهتمام بالمعارضة السياسية.
ويؤكد وولتر لاكير وغيره من المؤرخين أن السياسة الرسمية للصهيونية في العشرينيات (ويمكن أن نضيف: وبعدها) هي عدم الدخول في مناقشات سياسية مع العرب، بأية حال، وحصر أيَّ تفاوض في التعاون الاقتصادي وحده، وعدم التعرض لطبيعة النظام السياسي. ويُلاحَظ أن الإستراتيجية الإدراكية هنا تهدف إلى إسقاط الطبيعة القومية لردة الفعل العربية، فلو تم تصنيفها كحركة قومية فإن منطق التصنيف نفسه يؤدي إلى ضرورة الاعتراف بالعرب كجماعة قومية لها أرض قومية وتراث قومي ومجال قومي ومجموعة من الحقوق القومية تنسف الادعاءات الصهيونية القومية بشأن الأولوية القومية الأزلية لليهودي في أرض فلسطين.
стр. 7851
ومع هذا، فقد كانت القومية العربية أحياناً تفرض نفسها على الإدراك الصهيوني فرضاً كدافع محرك للجماهير العربية. وهنا، كان الصهاينة يتبنون إستراتيجيتين أخريين هما في جوهرهما تعبير أكثر حذقاً وصقلاً عن محاولة تهميش العربي ونزع الصبغة السياسية عنه. أما الأولى، فهي الاعتراف الجزئي بالطبيعة القومية للثورات الفلسطينية مع تفسيرها تفسيراً يجردها من مضمونها الإنساني ويفصلها عن الحركات القومية المماثلة فتصبح بالتالي قومية ناقصة لا تستحق أن تحصل على أية حقوق. والقومية العربية، حسب هذا الإدراك، إن هي إلا قومية مصطنعة تابعة للإنجليز وللقوى الخارجية وعميلة لهم. كما أن الصهاينة كانوا أحياناً يرون القومية العربية مجرد رد فعل للاستيطان الصهيوني ليست لها وجودها الحقيقي، ومحاولة لسلب الصهيونية ليست لها دينامية ذاتية مستقلة. وكان الصهاينة العماليون يصفون القومية العربية بأنها قومية رجعية، أو كما قال حاييم أرلوسوروف فإنهم قومية تهيمن عليها قوى الرجعية الاجتماعية والطغيان السياسي ولم تبرز داخلها قيادات سياسية مثل صن يات صن أوغاندي.
стр. 7852
وأما الإستراتيجية الإدراكية الثانية، فهي مواجهة القومية العربية كأمر واقع يفرض نفسه فيتم الاعتراف بها كقومية كاملة مع تقليص مجال فعاليتها بحيث لا تضم الفلسطينيين. ويقول أحد مؤرخي الحركة الصهيونية إن الإسهام الأساسي لوايزمان في النظرة الصهيونية إلى العرب تتلخص في تمييزه بين العرب والفلسطينيين، إذ كان يرى إمكانية التوصل إلى اتفاق مع القومية العربية، بل مساومتها، مقابل أن يتخلى العرب عن مطالبهم في فلسطين. وكان أيضاً، حسبما ورد في كتاب فلابان، صاحب النظرية القائلة بأن فلسطين جزء غير مهم من الوطن العربي الكبير. وكان أرلوسوروف موافقاً على التعاون مع العرب، ولكنه كان متشائماً بشأن التعاون مع الفلسطينيين. ويمكن أن نرى مفاوضات وايزمان/فيصل ومعظم اتصالات الصهاينة مع العرب في هذا الإطار. بل إن الصهاينة قدَّموا عام ١٩٣٠ مشروعاً طرحه موشيه بينكوس نائب رئيس تحرير دافار ونال تأييد بن جوريون الحذر، وهو في جوهره تعبير عن هذه الإستراتيجية. كان المشروع يدعو إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين تصبح جزءً من اتحاد فيدرالي يضم الشرق العربي بأسره. وكان المفروض أن يشكل الفلسطينيون أقلية داخل الدولة المفتوحة، ولكنها هي نفسها كانت تشكل أقلية داخل اتحاد الدول العربية.
ولعل هذه الإستراتيجيات الإدراكية هي أذكى الإستراتيجيات على الإطلاق وأكثرها تَفرُّد ودهاءً وتعبيراً عن خصوصية الصهيونية كحركة استيطانية إحلالية لا تهدف إلى غزو العالم واستبعاده (على طريقة النازية) وإنما إلى الاستيلاء على الأرض الفلسطينية وحدها دون سكانها. فعملية التهميش هنا تصبح مقصورة على الضحية المباشرة، أي الفلسطيني، دون حاجة إلى استجلاب عداء الآخرين، سواء في الشرق أو في الغرب. ولا تزال محاولة تهميش العرب نمطاً أساسياً في الإدراك الإسرائيلي للعربي.
٤ ـ العربي الغائب:
стр. 7853
إن ذكر العرب، ولو في مجال التشهير بهم، هو اعتراف ضمني بهم، ولكن الصهاينة يحاولون إخفاء العرب بإدخالهم في مفهوم مقولة «الأغيار» المجردة. هذا الاتجاه يصل إلى قمته فيما يمكن أن نسميه مقولة «العربي الغائب» ، فبدلاً من الإخفاء الجزئي خلف مقولة مجردة، تصل محاولة الإخفاء إلى حد الإغفال الكامل، فالصهاينة أحياناً لا يذكرون العربي بخير أو شر، ويلزمون الصمت حيال الضحية، ويُظهرون عدم الاكتراث الكامل بها (وهذه إحدى سمات الخطاب الصهيوني (.
والواقع أن مقولة «العربي الغائب» كامنة في مقولة «اليهودي الخالص» . وكلما تزايدت معدلات الحلولية العضوية وتركزت القداسة في اليهود، اتسعت الدائرة وزاد استبعاد الآخر تدريجياً إلى أن يختفي تماماً ويغيب حين يصبح اليهودي الخالص هو اليهودي المطلق ذي الحقوق المطلقة الخالدة التي لا تتأثر بوجود الآخرين أو غيابهم. وهكذا، فإن نظرية الحقوق المطلقة تعني غياب أية حقوق أخرى غياباً تاماً.
ويُفسِّر بعض المفكرين ظاهرة العربي الغائب بأنها محاولة للتهرب من حقيقة صلبة تتحطم عندها كل الآمال الصهيونية. فيقول عالم السياسة الإسرائيلي شلومو أفنيري: "إن الرواد الصهاينة الأولون لم يكن في مقدورهم مواجهة حقيقة أن ثمن الصهيونية هو نقل العرب، ولذا أخذت آليات الدفاع عن النفس شكل تَجاهُل تَعيُّن المشكلة العربية. فالتمسك بالرؤية الصهيونية لم يكن ممكناً دون اللجوء بشكل غير واع لخداع النفس. ويقول ليبوفيتس: إن الصهاينة الأوائل لم يريدوا (لأسباب نفسية واضحة) رؤية الحقيقة، ولم يدركوا أنهم كانوا يضللون أنفسهم ورفاقهم. ومهما كانت الدوافع، فإن من الواضح أن الصهاينة أرادوا أرض فلسطين دون فلسطينيين (أرضاً بلا شعب) ، ولذا كان يجب أن يختفي العرب ويزولوا.
стр. 7854
وإفراغ فلسطين من كل سكانها أو معظمهم (أي تغييبهم) هو أحد ثوابت الفكر الصهيوني، وهو عنصر مُتضمَّن بشكل صامت في الصيغة الصهيونية الأساسية. وهذا أمر منطقي ومفهوم، إذ لو تم الاستيلاء على الأرض وبقي سكانها عليها لأصبح تأسيس الدولة الوظيفية مستحيلاً، ولتم تأسيس دولة عادية تمثِّل مصالح سكانها بدرجات متفاوتة من العدل والظلم. فيهودية الدولة (مع افتراض تغييب السكان الأصليين) هو ضمان وظيفيتها وعمالتها.
ومن هنا، كان اختفاء العرب حتمياً، ومن هنا كانت الصفة الأساسية للاستعمار والاستيطان الصهيوني وهي كونه استعماراً إحلالياً، فصهيونيته تكمن في إحلاليته، كما أن إحلاليته هي التعبير الحتمي عن صهيونيته (ويهوديته المزعومة (.
ورغم أن رَصْد مقولة «العربي الغائب» وتوثيقها أمر بالغ الصعوبة لأن ما هو غائب لا يمكن رصده وتوثيقه بالطريقة التقليدية التي تعتمد على الاقتباسات والنصوص وتحليلها. ومع هذا، فإن هناك عدداً كبيراً من التصريحات والمفاهيم الصهيونية لا يمكن فهمها إلا في إطار مقولة «العربي الغائب» . ويمكن أن يندرج تحت هذا كل ذلك الحديث المستفيض عن الأرض المقدَّسة وإرتس يسرائيل وصهيون وأرض الميعاد، فهو حديث يستند في نهاية الأمر إلى افتراض غياب فلسطين العربية. والحديث عن استيطان المهاجرين من روسيا القيصرية باعتبارها «عاليا» ، أي «صعود» ، والحديث عنهم باعتبارهم «معبيليم» ، أي يهود يدخلون فلسطين كما دخلها العبرانيون القدامى رغم كل الصعاب والعوائق، هو أيضاً حديث يفترض غياب العرب وغياب تاريخهم. بل إنه يمكن القول بأن المصطلح الصهيوني ككل (نفي، عودة، تجميع المنفيين ... إلخ) يفترض هذا اليهودي الخالص الذي يفترض بدوره العربي الغائب. وقراءة أي نص صهيوني وفهم أي برنامج صهيوني أمر صعب جداً، إن لم يكن مستحيلاً، من دون افتراض مقولة العربي الغائب كمثل أعلى ونقطة تحقُّق.
стр. 7855
ويعبِّر الإدراك الصهيوني للعرب عن نفسه من خلال الهيكل الاقتصادي والقانوني للمستوطن الصهيوني ابتداءً من قانون العودة (عودة يهود المنفى إلى أرض الميعاد) ، مروراً بقوانين الصندوق القومي اليهودي (القوانين التي تمكِّن الشعب المقدَّس من الاستيلاء على الأرض المقدَّسة) ، وانتهاءً بالقوانين التي تمنع العرب من العودة إلى فلسطين (العربي الغائب أو الذي يجب أن يغيب (.
العربي كيهودي واليهودي كعربي
The Arab as a Jew and the Jew as an Arab
ثمة موضوعان أساسيان يتواتران في الكتابات الصهيونية: اليهودي كعربي والعربي كيهودي. ورغم أنهما نقيضان، إلا أنهما ينبعان من إحدى الأفكار الأساسية المتواترة في الفكر الصهيوني، وهي فكرة تصفية الدياسبورا (أي أعضاء الجماعات اليهودية في العالم) . والصهيونية تنطلق من الإيمان بأن الدياسبورا غير جديرة بالبقاء، فيهود المنفى شخصيات عليلة مريضة طفيلية. ومما يجدر ذكره أن أدبيات معاداة اليهود تحتوي على نقد متكامل متماسك لما يُسمَّى «الشخصية اليهودية» . وقد أصبح هذا الانتقاد جزءاً من الترسانة الإدراكية للصهيونية التي طرحت نفسها بوصفها الحركة التي ستُطبِّع اليهود، أي تجعلهم قوماً طبيعيين، وتُخلِّصهم من الصفات السلبية المفترضة اللصيقة بشخصيتهم.
стр. 7856
وقد تواتر الموضوع الأساسي الأول، أي اليهودي كعربي، في الكتابات الصهيونية التي صدرت قبل أن تتحدد معالم المشروع الاستيطاني الصهيوني تماماً، وقبل أن تتبلور خريطته الإدراكية، وقبل أن يتحول العربي إلى الآخر (ولعل هذا قد حدث بعد وعد بلفور) . وفي هذه المرحلة، كان من الممكن النظر إلى العربي على أنه الشرقي وممثل الأغيار الأصحاء الذين يمكن التشبه بهم والتوحد معهم للشفاء من أمراض المنفى، وحسب هذا الإدراك يتحوَّل العربي إلى بطل رومانسي تحيطه هالات أسطورية كثيفة. ويبدو أن بعض المستوطنين الصهاينة الأوائل من أعضاء جماعة البيلو، انطلاقاً من الرؤى الرومانسية التي كانت سائدة في أوربا آنذاك، كانوا ينظرون إلى استيطانهم في فلسطين باعتباره نوعاً من "العودة إلى الشرق" الطاهر (مقابل الغرب المدنَّس المليء بالشرور) . وأن «العربي» هو الحكيم الذي سيعلمهم كل الأسرار ويأخذ بيدهم ويهديهم سواء السبيل. وقد تبنَّى هذه الرؤية أحد زعماء موجة الهجرة الثانية، مائير ويلكانسكي، وتبعه في ذلك جوزيف لويدور (صديق الزعيم الصهيوني حاييم برنر وقد لقيا مصرعهما في إحدى المعارك مع العرب) . ويُلاحَظ أن أول جماعة عسكرية صهيونية، والتي كانت تُدعَى الحارس (هاشومير) ، كانت ترتدي زياً عربياً، وأن بعض أعضائها كانوا يعيشون مع البدو ليتعلموا طرقهم.
وكان الأدب الصهيوني في هذه المرحلة الأولى مفعماً بهذه الرؤية الرومانسية، فكتب موشيه سميلانسكي الكاتب الصهيوني سلسلة من الكتب، تحت اسم مستعار هو الخواجة موسى، يصوِّر فيها بإعجاب شديد حياة الفلسطينيين الذين تحولوا في هذه الكتب إلى بدو ورعاة جائلين يُذكِّرون القارئ بشخصيات العهد القديم. وفي قصة قصيرة كتبها زئيف يافيتس عام ١٨٩٢، يرد وصف لطفل يهودي في مستوطنة بتاح تكفا يتعلم من العرب كيف يدرب جسده على "الحرارة والصقيع وعلى الفيضانات والقحط".
стр. 7857
ومن أكثر الأمثلة تطرفاً وطرافة، مسرحية كتبها آرييه أورلوف أريلي نشرت عام ١٩١٢ في مجلة هاشيلواح (التي كان يحررها ويصدرها آحاد هعام في أوديسا) . تصور المسرحية جماعة من المستعمرين الرواد من موجة الهجرة الثانية كانوا يعيشون في مزرعة جماعية. وبطلة المسرحية هي المستوطنة الصهيونية ناعومي التي ترفض حب اثنين من زملائها وتؤثر عليهما بائعاً جوالاً عربياً يُدعَى علي! وحينما يقتل أحد الرواد شاباً عربياً، ينتقم علي لصديقه المذبوح بأن يقتل الصهيوني! ولكن حتى هذا الفعل لا يغيِّر من حب ناعومي له. وتنتهي المسرحية بمونولوج عاصف تقول فيه ناعومي مخاطبة إخوانها الصهاينة: "إن روحي تحتقركم أيتها الديدان المتحضرة. لقد تعلمت من العربي الضاري شيئاً، لقد تعلمت منه هذه الكلمات: الله كريم" (وهذا هو عنوان المسرحية) .
стр. 7858
ويبدو أن هذا التيار كان شائعاً لدرجة كبيرة حتى أن مجلة هاشيلواح نشرت مقالاً للناقد الصحفي الصهيوني جوزيف كلاوزنر وجه فيه اللوم للكُتَّاب الصهاينة المستوطنين في فلسطين الذين يصورون كل اليهود في فلسطين كمتحدثين بالعربية يشبهون العرب في كل شيء. وقد استمر هذا التيار وأخذ شكلاً مغايراً وهو الدعوة إلى الوحدة السامية والإيمان بالأصول السامية المشتركة لكلٍّ من العرب واليهود والتي عبَّر عنها فكر الحركة الكنعانية التي انتشرت بعض الوقت بين المثقفين الصهاينة. ويجب ملاحظة أن هذا الموقف من العربي، كبدوي وبطل رومانسي، يتسم بقدر كبير من التجريدية، فالعربي هنا ليس إنساناً حقيقياً تاريخياً وإنما هو مقولة رومانسية مجردة ليست ذات حقوق متعيِّنة. كما أن العربي هنا بدوي أي إنسان متنقل غير مرتبط بالأرض، الأمر الذي يخدم المصالح الصهيونية ولا شك. وتمجيد العربي هو في واقع الأمر فصله عن أرضه وعزله عن إنسانيته المتعيِّنة ليصبح شيئاً يشبه الآثار الساكنة (التي نسميها «الأنتيكة» في مصر) . والصهيونية في هذا، مرة أخرى، لا تختلف كثيراً عن العنصرية الغربية، التي كانت لا تمانع بتاتاً في الإعجاب بـ "الماضي التليد" و"الأمجاد الغابرة" ما دامت مقطوعة الصلة بالواقع وما دامت لا تُستخدَم كمؤشر على ما يمكن أن ينجزه صاحب هذا التراث في المستقبل. وقد اختفت هذه المقولة الإدراكية تماماً في الخطاب الصهيوني، ولم يبق لها سوى أصداء خافتة باهتة.
стр. 7859
أما مقولة «العربي كيهودي» فهي أكثر وضوحاً ومركزية وتواتراً، فنحن إذا نظرنا لكثير من المقولات الإدراكية الصهيونية (والإسرائيلية) ـ العربي كمتخلف، وتهميش العربي، والعربي كحيوان اقتصادي، والعربي كشخص له انتماء قومي محدد، والعربي كطفيلي، والعربي كشخص يحركه التعصب الديني، والقومية العربية كقومية عميلة للإنجليز، للاحظنا أن هذه هي نفسها صفات اليهودي في أدبيات معاداة اليهود في الغرب، والتي كانت تهدف إلى إسقاط حقوق اليهودي وطرده باعتباره شخصية طفيلية هامشية غير منتمية، وإلى إبادته في نهاية الأمر. وكما قلنا، كانت هذه المقولات جزءاً من الترسانة الإدراكية للصهيونية تشبعت بها وتبنتها وطبقتها على الآخَر (أي على يهود المنفى) ، ثم أسقطتها على الآخَر (أي العربي) ، كمحاولة لتغييبه وتهميشه وتجريده وطرده وإبادته واجتثاث علاقته بالأرض، تماماً كما فعل المعادون لليهود باليهود داخل التشكيل الحضاري الغربي (والطريف أن اليهودي هنا يصبح ممثل الأغيار الذي يذبح العربي كيهودي بعد أن ينسب إليه كل الشرور وينعته بكل الرذائل، تماماً كما كان الأغيار يُسقطون حقوق اليهود ثم يقومون بذبحهم) .
المضمون الصهيوني للممارسات الإسرائيلية العنصرية
Zionist Content of Israeli Discriminatory Practice
стр. 7860
تعاونت أجنحة الصهيونية كافة في مرحلة ما قبل ١٩٤٨ على إنجاز العنصر المُتضمَّن في الصيغة الصهيونية الأساسية، أي التخلص من السكان الأصليين وتغييبهم. وثمة أدبيات ثرية في هذا الموضوع توثق النية الصهيونية المبيتة لطرد العرب، وتبين الطرق المختلفة التي لجأت إليها قوات المستوطنين لطرد الفلسطينيين (ولسحق مقاومتهم سواء قبل ١٩٤٨ أو بعدها أو قبل الانتفاضة أو بعدها) . وقد علَّق حاييم وايزمان بأن خروج العرب بشكل جماعي كان تبسيطاً لمهمة إسرائيل ونجاحاً مزدوجاً: انتصاراً إقليمياً وحلاًّ ديموجرافياً نهائياً، بمعنى أن الأرض تم الاستيلاء علىها وتم تفريغها من سكانها حتى يتسنى للشعب الذي لا أرض له أن يهاجر إليها ويستوطنها.
ولكن وايزمان كان مخطئاً في نبوءاته متعجلاً فيها، فالأرض لم يتم تفريغها تماماً من سكانها، فقد بقيت أقلية من العرب آخذة في التزايد. وقد لجأت دولة المستوطنين الصهاينة إلى اتخاذ إجراءات قانونية للضرب على يد هذه الأقلية العربية وتكبيلها. ولم يكن ذلك أمراً عسيراً إذ أنها ورثت فيما ورثت خاصية اليهودية باعتبارها خاصية رئيسية ومحورية تسم اليهود الذين تقوم على خدمتهم مجموعة من المؤسسات الاستيطانية المقصورة عليهم. وبصدور قانون العودة في يوليه ١٩٥٠، تحوَّلت خاصية اليهودية هذه إلى مقولة قانونية تمنح صاحبها حقاً تنكره على غير اليهود. ويمنح هذا القانون بشكل آلي جميع اليهود في العالم حق الهجرة إلى فلسطين والاستيطان فيها. وقد جاء في القانون أن من حق كل يهودي أن يأتي إلى إسرائيل كمهاجر، وأن تُمنَح تأشيرة لكل يهودي يعرب عن رغبته في الاستقرار في إسرائيل. وهكذا أصبح من حق أي يهودي، حتى وإن لم تطأ قدماه أرض فلسطين من قبل، أن يستقر في إسرائيل، بينما الفلسطيني الذي وُلد ونشأ في فلسطين ويريد العودة إلى وطنه لا يتمتع بهذا الحق وتُحرِّم عليه العودة.
стр. 7861
ويستند القانون إلى المفهوم الصهيوني الفريد الخاص باليهودي الخالص أو المطلق صاحب الحقوق المطلقة في أرض فلسطين، وإلى مفهوم الشعب اليهودي الواحد. وقد أكد بن جوريون المضمون الأيديولوجي للقانون بقوله: إن الدولة لا تنوي من وراء هذا المشروع أن تمنح اليهود حق المجيء إلى إسرائيل حيث إن هذا الحق مُتوارَث، وإنما يهدف القانون إلى تحديد طابع الدولة الصهيونية الفريد وهدفها الذي لا يقل تفرُّداً. فهذه الدولة تختلف عن بقية دول العالم من حيث عناصر قيامها وأهدافها. فسلطتها قد تكون محصورة في سكانها ولكن أبوابها مفتوحة لكل يهودي أينما كان، أي أنها دولة الشعب اليهودي بأسره. وقد قارن كثير من الكُتَّاب اليهود قانون العودة بالقوانين النازية، فهو يميِّز بين الأفراد على أساس ديني أو عرْقي.
ثم قُدِّم إلى الكنيست قانون الجنسية (باعتباره قانوناً مكملاً لقانون العودة) ، وتمت الموافقة عليه هو الآخر عام ١٩٥٢. وهذا القانون تجسيد للنزعة الاستيطانية الإحلالية الصهيونية التي تعبِّر عن نفسها من خلال قبولها ازدواج جنسية اليهود وجعلها مسألة صعبة بالنسبة إلى السكان الأصليين إذ عليهم أن يتقدموا بطلب للحصول عليها. وهذا القانون ينطلق، مثل سابقه، من مفهوم وحدة الشعب اليهودي، وهو شعب مُوزَّع في جميع أقطار العالم. ولذا، فقد نص القانون على أن الحصول على الجنسية الإسرائيلية لا يتوقف على التنازل عن جنسية سابقة.
هذا هو الجانب الذي يخص المستوطنين. أما بالنسبة إلى العرب، فقد نص القانون على منح الجنسية الإسرائيلية للمقيمين من غير اليهود وكانوا مواطنين فلسطينيين ومسجلين بموجب مرسوم تسجيل السكان الصادر عام ١٩٤٩. ولكن، وبينما يعطي هذا القانون الجنسية بشكل آلي للمهاجر الصهيوني، فإنه يُلزم الفلسطيني وحده باتباع إجراءات التجنيس الشائكة.
стр. 7862
ولابد، لكي نفهم وضع العرب في فلسطين، من النظر إلى قانوني العودة والجنسية في علاقتهما بالقوانين المتعسفة الأخرى التي تحكم حياة العرب اليومية. فهذه القوانين تُطبَّق اسماً على جميع مواطني إسرائيل، ولكنها فعلاً تُطبَّق على غير اليهود وحسب. وأهم هذه القوانين ما يُعرَف باسم «قانون وأنظمة الطوارئ» التي أصدرتها سلطات الاحتلال الإنجليزية في عام ١٩٣٦ ثم أُضيفت إليها نصوص جديدة عام ١٩٤٥. وقد صادق الكنيست على تمديدها بعد إجراء بعض التعديلات، فأصبحت سارية المفعول في الدولة الصهيونية، وعُمِّم تطبيقها على المناطق المحتلة بعد يونيه ١٩٦٧.
стр. 7863
وقد تم تكبيل العنصر البشري الفلسطيني عن طريق هذه القوانين التي بدأت بقانون العودة وتحوُّل خاصية اليهودية إلى مقولة قانونية. بقي بعد ذلك الاستيلاء على الأرض، وهنا نجد أن نقطة البدء هي دستور الصندوق القومي اليهودي الذي يستند أيضاً إلى خاصية اليهودية كمقولة قانونية. والصندوق القومي اليهودي مؤسسة ضمن عدة مؤسسات صهيونية أخرى مقصورة على اليهود تحوَّلت إلى مؤسسات حكومية رسمية بعد إعلان الدولة، ولعله أهمها على الإطلاق. وقد كان الصندوق مؤسسة خاصة للمساعدات الذاتية ينص دستوره على أنه شركة تحت سيطرة اليهود تهدف إلى توطين اليهود على الأراضي التي يتم الحصول عليها، والتي يحق لليهود وحدهم استخدامها. ولا تُنقَل ملكية هذه الأراضي بالبيع أو بأية طريقة أخرى، فهي مملوكة ملكية خالصة للشعب اليهودي. ويقوم الصندوق بمنح التبرعات التي من شأنها أن تخدم مصلحة اليهود. ولا يمكن، علاوة على هذا كله، استئجار غير اليهود للعمل في هذه الأراضي. فالصندوق يشجع الاستعمار الزراعي القائم على العمل العبري. وقد تم تعريف اليهودي بأنه اليهودي بالمفهوم الديني أو العرْقي أو بأنه يرجع إلى أصل يهودي. وتُجمع المصادر على أن حوالي ٩٠% من أراضي فلسطين المحتلة عام ١٩٤٨ تقع تحت سيطرة الصندوق. ويُعاقَب كل إسرائيلي يقوم باستئجار العمال العرب بدفع غرامة لانتهاكه دستور الصندوق الذي ينص على أن من حق الصندوق أن يحرم المالك اليهودي من أرضه، دون دفع أيِّ تعويض له إذا قام بانتهاك هذه المادة ثلاث مرات.
стр. 7864
وكما صدر قانون العودة كقانون يجسد الفكرة الصهيونية وتبعته بعض القوانين التي تترجم المقولة إلى إجراءات، فإن «دستور» الصندوق القومي اليهودي قد تبعته عدة قوانين خاصة بالأراضي تهدف إلى الاستيلاء عليها. يمنح "قانون" الهستدروت والوكالة اليهودية مزايا خاصة فقط للمواطنين اليهود. وهناك سلسلة من القوانين الأخرى تحصر الاستفادة من عدة مزايا اجتماعية فيمن أدوا الخدمة العسكرية وعائلاتهم (ومما هو معروف أن الخدمة العسكرية مقصورة على المستوطنين الصهاينة) . ويمكن القول بأن قانون المناسبات الرسمية وأيام العطل ذات مضمون إثني/ديني تميز ضد العرب، ولعل أهم هذه الأعياد هو إعلان استقلال إسرائيل الذي يسميه الفلسطينيون «النكبة» .
ويلاحظ أن المحاكم في الخمسينيات والستينيات كانت وسيلة من الوسائل المستخدمة لسلب المواطنين العرب أراضيهم، ولم تقدم أية مساعدة للمتضررين من الحكم العسكري في تلك الفترة. ولا يزال نظام المحاكم الجنائية في غير مصلحة العرب، فلا وجود لمحامين عرب على أي من مستوياته، وهذا يعبِّر عن قلة عدد المحامين العرب، ولكنه أكثر ارتباطاً بالعقبات الأمنية (كالحصول على تأشيرة أو تصديق أمني) التي تعترض تعيين العرب في أي منصب من مناصب النظام القضائي. وغالباً ما تكون الأحكام جائزة ضد العرب.
стр. 7865
والأمر الذي يجدر تأكيده هو أن التمييز العنصري في إسرائيل ليس أمراً ناجماً عن تعصب شخصي أو انحراف فردي وإنما هو أمر نابع من القوانين الإسرائيلية نفسها ومن صهيونية الدولة، فمقولة «يهودي» هي مقولة قانونية أساسية. فقوانين التمييز والتفرقة العنصرية تُشكِّل جزءاً عضوياً من الإطار القانوني للدولة الصهيونية. وهذه الخاصية بالذات هي ما يفصل بين التمييز العنصري الذي تمارسه الجيوب الاستيطانية، والتمييز العنصري في بقية أنحاء العالم. فالتمييز العنصري في الحالة الأولى يستند إلى قوانين الدولة نفسها، بينما يُمارَس التمييز العنصري في كل البلاد الأخرى ضد إرادة القانون. وقد انعكست هذه القوانين على أحوال العرب في المناطق المحتلة قبل ١٩٦٧ وبعدها في كثير من مجالات حياتهم.
وبطبيعة الحال تعبِّر العنصرية الصهيونية عن نفسها لا على المستوى الدستوري والقانوني وحسب وإنما على مستوى الممارسة في المجالات السياسية والثقافية والاجتماعية. وكما قال موشيه أرنس، قطب الليكود، ووزير الدفاع السابق: "هناك في دولة إسرائيل شيء يهودي خاص، فهل يتمكن العرب من الشعور بالانتماء الكامل له ... ؟ " فهناك بالفعل مجموعة من الثوابت التي تحكم الحياة السياسية، وهي قواعد عرفية وغير مقننة، ولا تنسجم بأية صورة مع أسس الديموقراطية. فعلى سبيل المثال لا يُعتبر أمراً شرعياً إقامة ائتلاف حكومي تدخل فيه أحزاب عربية، سن قوانين اعتماداً على أصوات غير يهودية في الكنيست.
ويقر سامي سموحا، وهو أكاديمي إسرائيلي يبحث في شئون الفلسطينيين في إسرائيل، بأن إسرائيل ليست ديموقراطية ليبرالية، ولكنها ديموقراطية من الدرجة الثالثة، ويفضل أن يطلق عليها عبارة "ديموقراطية عرْقية".
ونورد هنا بعض النقاط التي تظهر تردي أحوال السكان العرب قياساً بالسكان اليهود:
стр. 7866
١ - إن المخصصات المالية الحكومية للمجالس المحلية اليهودية تتخطى خمسة أضعاف مساهمة الحكومة لميزانية المجالس المحلية العربية.
٢ - إن المخصصات المالية لإعالة الأطفال وقروض السكان ونفقات الدراسة الجامعية للطلاب ترتبط جميعها بالخدمة العسكرية التي تمنح اليهود، بصورة آلية، مزية على العرب.
٣ - إن دعم الحكومة لتكلفة المياه التي يستهلكها المزارعون اليهود يناهز ما تمنحه للمزارعين العرب بمائة ضعف.
٤ - يبلغ عدد الأكاديميين في الجامعات الإسرائيلية نحو خمسة آلاف أكاديمي، لا يوجد بينهم سوى عشرة من العرب، في وقت تبلغ فيه نسبة العرب من ١٥ - ٢٠% من السكان.
٥ - تتاح للمهاجرين اليهود القادمين حديثاً دروساً جامعية بلغاتهم الأصلية، بينما يُجبر الطلاب العرب على الدراسة باللغة العبرية.
٦ - ثمة عربي واحد من مجموع ٢٤٠٠ يحتلون مراكز إدارية في الشركات التي تملكها الحكومة.
وبصورة عامة يمكن القول بأن الوضع الاقتصادي للأقلية العربية في إسرائيل يختلف اختلافاً جذرياً عن الوضع الاقتصادي للمستوطنين الصهاينة، فالوجود الفعال للعرب في قطاعي الزراعة والصناعة محظور، فمن غير المسموح لهم التواجد في المؤسسات التعاونية الزراعية؛ كما أنهم لا يستطيعون العمل في أية شركة صناعية إسرائيلية لها علاقة بصناعة السلاح؛ كذلك لا يحق لهم الوجود في المنشآت الحكومية المهمة.
أما من ناحية الدخل، فهنك فارق كبير بين معدل دخل الأسرة اليهودية ومعدل دخل الأسرة العربية. حتى أن التقديرات لسنة ١٩٨٣ تبيِّن أن معدل دخل الفرد العربي هو ٤٦% فقط قياساً بمعدل دخل الفرد اليهودي.
стр. 7867
والتمييز ضد العرب قائم في مرافق الحياة الإسرائيلية كافة. ويكفي المقارنة بين الوضع التعليمي للعرب بالوضع التعليمي لليهود في إسرائيل. ففي سنة ١٩٨٥، كانت نسبة من لا يذهب إلى المدارس من السكان اليهود فوق سن ١٤ عاماً لا تتجاوز ٥%، بينما بلغت هذه النسبة بين العرب أكثر من الضعف (١٣.٦%) . أما نسبة اليهود (فوق ١٤ عاماً) الذين دخلوا الجامعات فكانت ٢٢.٢%، في حين كانت لدى العرب ثلث ذلك تقريباً (٧.٨%) .
وأثار بعض العلماء من الصهاينة والمتعاطفين معهم كثيراً من الاعتراضات على وصف الصهيونية بالعنصرية، من أهم هذه الاعتراضات: كيف يمكن أن تكون الصهيونية حركة عنصرية إذا كان اليهود لا يعترفون بأنفسهم كعرْق؟. وبالفعل، تجنح الاعتذاريات الصهيونية الآن نحو الابتعاد عن استخدام لفظة «عرْق» ويشار بدلاً من ذلك إلى "الإثنية اليهودية". والاعتراض المثار اعتراض لفظي محض، ولكن حتى لو أخذنا به فإن من السهل دحضه. وقد أشرنا من قبل، أثناء حديثنا عن التعريف الصهيوني لليهودي، إلى تطوره التاريخي من تعريف عرْقي إلى تعريف إثني وإلى الأسباب التي أدَّت إلى ذلك (انظر: «الهويات اليهودية: التعاريف الصهيونية» ) . ويمكننا أن نضيف هنا أن ذلك لم ىكن تطوراً حقيقياً إذ أن كلمتي «عرْق» و «إثنية» تكادان تكونان مترادفتين. وقد عرَّف معجم وبستر العالمي الجديد (بالإنجليزية) كلمة «جنس» بالمعنى العرْقي المحدد، ولكنه أورد كذلك معنى أكثر اتساعاً: "حالة كون الإنسان عضواً في شعب أو جماعة إثنية". وقد خصَّص كاتب مدخل «العلاقات العرْقية» في الموسوعة البريطانية قسماً كاملاً من مقاله لمشكلة التعريف بدأه بقوله: "إن كلمة «عرْق» نفسها من الصعب تعريفها"، واقترح أن نستغني تماماً عنها وأن تحل محلها كلمة «جماعة إثنية» التي يمكن وصفها بأنها ذات "نمط جسدي موروث (أي عرْقي) أو حضارة أو قومية موروثة (أي إثنية) أو خليط من كل هذه الصفات". وقد حاول اغناتز
стр. 7868
زولتشان، باعتباره أحد المفكرين الصهاينة، إثبات أن اليهود عرْق، ولكنه كان مع هذا يتحدث عن اليهود كأمة من الدم الخالص احتفظت بأعظم الصفات الإثنية، أي أن الكلمتين حتى وإن لم تكونا مترادفتين تماماً فإنهما وثيقتا الصلة الواحدة بالأخرى.
وعلى كل حال، مهما كان ما أصاب المجال الدلالي من اضطراب، ومهما اختلطت معاني الكلمات، فإن كلمة «عنصرية» تظل مصطلحاً يشير إلى نسق من القوانين والممارسات مبني على التفاوت، ويعمقه، ويمنح أفراد مجموعة بشرية بعينها عدداً من المزايا ينكرونها على سائر أعضاء المجتمع بسبب خاصية مقصورة على هؤلاء ولا يمتلكها الآخرون. وفي إسرائيل، فإن هذه الخاصية هي «اليهودية» سواء عُرِّفت تعريفاً عرْقياً أو عُرِّفت إثنياً علمانياً أو إثنياً دينياً. وانطلاقاً من هذا أصدرت هيئة الأمم المتحدة (عام ١٩٧٥) قرارها الذي يقضي بأن الصهيونية حركة عنصرية، وهو القرار الذي ألغته عام ١٩٩١ مع تغيُّر موازين القوى في العالم.
الباب الثانى: الإرهاب الصهيوني/الإسرائيلي حتى عام ١٩٤٨
العنف والرؤية الصهيونية للواقع والتاريخ
Violence and the Zionist View of Reality and History
» العنف «هو «الشدة والقسوة» وهو ضد الرفق واللين، وهي من «عَنَّف» بمعنى «عامله بشدة وقسا عليه» . وأحد الأشكال الأساسية «للعنف الصهيوني» هو رفض الصهاينة قبول الواقع والتاريخ العربي في فلسطين باعتبار أن الذات الصهيونية واليهودية هي مركز هذا الواقع ومرجعيته الوحيدة. ولذا يستبعد الصهاينة العناصر الأساسية (غير اليهودية) المكونة لواقع فلسطين وتاريخها من وجدانهم ورؤيتهم وخريطتهم الإدراكية. والإرهاب الصهيوني إن هو إلا محاولة تستهدف فرض الرؤية الصهيونية الاختزالية على الواقع المركب، ولذا يمكن القول بأن الإرهاب هو العنف المسلح (مقابل العنف الإدراكي (.
стр. 7869
والعنف النظري والإدراكي سمة عامة في الفكر العلماني الشامل الإمبريالي. والصهيونية لا تمثل أي استثناء من القاعدة، فقد نشأت في تربة أوربا الإمبريالية التي سادت فيها الفلسفات النيتشوية والداروينية والرؤية المعرفية الإمبريالية التي تتخطى الخير والشر والتي تحوسل العالم والناس بحيث يصبح الآخر مجرد أداة أو شيئاً يُستخدَم. ومع هذا يظل العنف الصهيوني ذا جذور خاصة تمنحه بعض السمات المميزة:
١ ـ لم تكن الصهيونية حركة استعمارية وحسب وإنما هي حركة استيطانية إحلالية (أرض بلا شعب) وهو ما يعني ضرورة أن تُخلي الأرض التي سيُنفَّذ فيها المشروع الصهيوني من السكان الأصليين، ولا يمكن أن يتم هذا إلا من خلال أقصى درجات العنف النظري والإرهاب الفعلي.
٢ ـ من السمات الأساسية للأيديولوجيات العلمانية الحلولية العضوية أنها تحوي مركزها أو مرجعيتها (أو مطلقها) داخلها، ومن ثم فهي تشكل نسقاً مغلقاً ملتفاً حول نفسه يخلع القداسة على الذات ويجعلها موضع الحلول والكمون ويحجبها عن الآخرين (الذين يقعون خارج دائرة القداسة) فيهدر حقوقهم ويبيدهم، فهم ليسوا موضع الحلول.
والصهيونية وريثة الطبقة الحلولية اليهودية (داخل التركيب الجيولوجي اليهودي) هي عقيدة علمانية حلولية كمونية تجعل اليهود شعباً عضوياً ذا علاقة عضوية خاصة بالأرض (إرتس يسرائيل) أي فلسطين، وهي علاقة تمنحهم حقوقاً مطلقة فيها، الأمر الذي يعني طَرْد السكان الأصليين الذين لا تربطهم بأرضهم رابطة عضوية حلولية مماثلة.
وقد حوَّلت الصهيونية العهد القديم إلى فلكلور للشعب اليهودي، وهو كتاب تفيض صفحاته بوصف حروب كثيرة خاضتها جماعة يسرائيل أو العبرانيون مع الكنعانيين وغيرهم من الشعوب، فقاموا بطرد بعضهم وإبادة البعض الآخر. وجماعة يسرائيل يحل فيها الإله الذي يوحي لها بما تريد أن تفعل، ويبارك يدها التي تقوم بالقتل والنهب، فكل أفعال الشعب مباركة مقدَّسة لأن الإله يحل فيه.
стр. 7870
٣ ـ ورثت الصهيونية ميراث الجماعة الوظيفية اليهودية بفصلها الحاد بين الشعب المقدَّس والأغيار وبما يتسم به ذلك من ازدواجية في المعايير تجعل الآخر مباحاً تماماً وتجعل استخدام العنف تجاهه أمراً مقبولاً.
لكل هذا، أصبح العنف إحدى المقولات الأساسية للإدراك الصهيوني للواقع والتاريخ. وقد أعاد الصهاينة كتابة ما يسمونه «التاريخ اليهودي» فبعثوا العناصر الحلولية الوثنية مؤكدين جوانب العنف فيه. فصوروا الأمة اليهودية في نشأتها جماعةً محاربة من الرعاة الوثنيين الغزاة. فبيردشفسكي، على سبيل المثال، ينظر إلى الوراء إلى الأيام التي كانت فيها "رايات اليهود مرتفعة"، وينظر إلى الأبطال المحاربين "اليهود الأوائل". كما أنه يكتشف أن ثمة تياراً عسكرياً في التراث اليهودي، فالحاخام إليعازر قد بيَّن أن السيف والقوس هما زينة الإنسان، ومن المسموح به أن يظهر اليهودي بهما يوم السبت. هذه الرؤية للتاريخ تتضح في دعوة جابوتنسكي لليهودي أن يتعلم الذبح من الأغيار. وفي خطاب له إلى بعض الطلاب اليهود في فيينا، أوصاهم بالاحتفاظ بالسيف لأن الاقتتال بالسيف ليس ابتكاراً ألمانياً، بل إنه ملك "لأجدادنا الأوائل ... إن التوراة والسيف أنزلا علينا من السماء"، أي أن السيف يكاد يكون المطلق، أصل الكون وكل الظواهر. ولهذا لا يتردد جابوتنسكي في رفض التاريخ اليهودي الذي يسيطر عليه الحاخامات والمفكرون اليهود.
стр. 7871
ويبدو أن هذا السيف المقدَّس (رمز الذكورة والقوة والعنف) كان محط إعجاب كل الصهاينة الذين كثيراً ما عبَّروا عن إعجابهم وانبهارهم بالعسكرية البروسية الرائعة (هذا بالطبع قبل أن يهوى هذا السيف البروسي على الرقاب اليهودية في أوشفتس) . وتمتلئ كتابات هرتزل بعبارات الإعجاب بهذا السيف، إذ كتب في مذكراته يشيد ببسمارك الذي أجبر الألمان على شن عدة حروب، الواحدة تلو الأخرى، وبذلك فرض عليهم الوحدة وبدأ تاريخهم الحديث كدولة موحدة. فالعنف العسكري هو وحده محرك التاريخ الحقيقي، "إن شعباً كان نائماً زمن السلم، رحب بالوحدة في ابتهاج في زمن الحرب". وبينما كان هرتزل ينظر من نافذة أحد المسئولين الألمان شاهد مجموعات من الضباط الألمان يسيرون بخطى عسكرية، فعبَّر عن انبهاره بهم في يومياته وذهب إلى أن هؤلاء هم صناع تاريخ ألمانيا: "ضباط المستقبل لألمانيا التي لا تُقهَر". بل إنهم قد يكونون أيضاً صناع التاريخ الصهيوني نفسه، إذ يشير هرتزل إلى تلك "الدولة التي تريد وضعنا تحت حمايتها".
وتَغنَّى ناحوم جولدمان أيضاً بهذه الروح العسكرية البروسية في شبابه: "ألمانيا تجسد مبدأ التقدم ونجدها واثقة من النصر. ألمانيا ستنتصر وستحكم الروح العسكرية العالم. ومن يريد أن يندم على هذه الحقيقة ويعبِّر عن حزنه فله أن يفعل، ولكن محاولة إعاقة هذه الحقيقة هي شيء من قبيل العناد وجريمة ضد عبقرية التاريخ الذي تحركه السيوف وقعقة السلاح".
وقد تبع مناحم بيجين أستاذه جابوتنسكي، وكل الصهاينة من قبله، في تأكيد أهمية السيف باعتباره محركاً للتاريخ إذ يقول: "إن قوة التقدم في تاريخ العالم ليست السلام بل السيف".
стр. 7872
وغني عن القول أن العنف الصهيوني الإدراكي يصل إلى ذروته في إدراك العرب والتاريخ العربي، إذ يحاول الصهاينة، بسبب مشروعهم الإبادي الإحلالي، أن يلتزموا الصمت تماماً تجاهه، فلا يذكرونه من قريب أو بعيد. أو أن يغمغموا بأصوات ليبرالية تخبئ الحد الأقصى من العنف. فحينما اكتشف أحد الزعماء الصهاينة في المؤتمر الصهيوني الأول (١٨٩٧) أن فلسطين ليست أرضاً بلا شعب كما كان الادعاء، جرى إلى هرتزل وأخبره باكتشافه، فهدَّأ الأخير من روعه وقال له إن الأمر ستتم تسويته فيما بعد. وكان هرتزل يعرف تماماً كيف كانت تتم تسوية مثل هذه الأمور على الطريقة الإمبريالية، ونحن نعرف كيف تمت تسويتها في فلسطين. وعلى كل فإن الحديث الصهيوني المستمر عن السيف كمحرك للتاريخ ليس تعبيراً عن رغبة الصهاينة في ممارسة رياضة محببة لبعض النفوس وإنما هو تعبير عن برنامج محدد لتغيير الواقع.
ويُعَد هذا العنف الإدراكي لبنة أساسية في التصور الصهيوني للذات والواقع والتاريخ والآخر، وهو قد يعبِّر عن نفسه بطريقة مباشرة، كما بيَّنا في الاقتباسات السابقة، ولكنه قد يعبِّر عن نفسه بطريقة غير مباشرة عن طريق عشرات القوانين والمؤسسات. وما قانون العودة الإسرائيلي إلا ترجمة لهذا العنف حين يُعطي أيُّ يهودي في العالم حق "العودة" إلى إسرائيل في أي وقت شاء ويُنكر هذا الحق على ملايين الفلسطينيين الذين طُردوا من فلسطين على دفعات منذ عام ١٩٤٨، رغم أن يهود العالم لا يودون الهجرة إلى إسرائيل بينما يقرع الفلسطينيون أبوابها. ولكنها الرؤية المعرفية العلمانية الإمبريالية التي تحوسل كل البشر (العرب واليهود) والزمان (تواريخ الجماعات اليهودية وتاريخ فلسطين) والمكان (فلسطين) . وما الإرهاب الصهيوني الذي لم يهدأ إلا تعبيراً عن رؤية الصهاينة التي تحاول أن تصل إلى نهاية التاريخ: نهاية تاريخ الجماعات اليهودية في العالم، ونهاية التاريخ العربي في فلسطين.
стр. 7873
العنف الصهيوني وتحديث الشخصية اليهودية
Zionist Violence and the Modernization of the Jewish Personality
ثمة عنف أساسي في الإدراك الصهيوني للواقع والتاريخ. ولم يكن هناك مفر من أن يُترجم هذا الإدراك نفسه لإجراءات وعنف مسلح لتغيير الواقع ولرفض الرؤية اليهودية الحاخامية. ولتحقيق هذا الهدف كان حتمياً أن تُنتَج المادة البشرية القتالية القادرة على تحريك التاريخ لا من خلال التوراة وإنما من خلال السيف، وهذا ما سماه الصهاينة «تحديث الشخصية اليهودية» ، أي علمنتها وجعلها قادرة على تغيير قيمها حسبما تقتضيه الظروف والملابسات، وتبنِّي قيم نيتشوية وداروينية لا علاقة لها بمكارم الأخلاق أو بالمطلقات الإنسانية والأخلاقية والدينية.
стр. 7874
وقد بيَّن الصهاينة أن اليهودية الحاخامية طلبت من اليهود الانتظار في صبر وأناه لعودة الماشيَّح، وألا يتدخلوا في مشيئة الإله، لأن في هذا كفراً وتجديفاً. ولكن الصهاينة، الرافضين للعقيدة اليهودية، تمردوا على هذا الموقف أو وصفوه بالسلبية ونادوا بأن يتمرد اليهودي على وضعه وألا ينتظر وصول الماشيَّح، إذ ينبغي أن يعمل اليهودي بكل ما لديه من وسائل على العودة إلى أرض الميعاد. فالمنفى بالنسبة إلى بن جوريون يعني الاتكال، الاتكال السياسي والمادي والروحي والثقافي والفكري، "وذلك لأننا غرباء وأقلية محرومة من الوطن ومُقتلَعة ومشرَّدة عن الأرض، وعن العمل وعن الصناعة الأساسية. واجبنا هو أن ننفصل كلياً عن هذا الاتكال، وأن نصبح أسياد قدرنا". ويلخص بن جوريون برنامجه الثوري في أنه لا يرفض الاستسلام للمنفى فحسب، بل يحاول أيضاً إنهاءه في التو، وهو يعتقد أن هذا هو حجر الزاوية:"القضية الحقيقية الآن، كما كانت في الماضي، تتركز فيما لو كان علينا أن نعتمد على قوة الآخرين أم على قوتنا. على اليهودي من الآن فصاعداً ألا ينتظر التدخل الإلهي لتحديد مصيره، بل إن عليه أن يلجأ إلى الوسائل الطبيعية العادية" (مثل الفانتوم والنابالم مثلا) . وهذا ما يُسمَّى أيضاً في الأدبيات الصهيونية «إشكالية العجز وعدم المشاركة في السلطة» (انظر المدخل بهذا العنوان) .
стр. 7875
لكل هذا تنطلق الصهيونية من نقد نيتشوي للشخصية اليهودية في المنفى فيقول ماكس نوردو إن اليهودي، خلال ثمانية عشر قرناً من النفي، أصبح مترهل العضلات (وهذه هي إحدى الأوصاف السائدة لليهود بين أعداء اليهود) . ولذلك "أقترح أن يُقلع اليهودي عن قهر جسده، وأن يعمل على تنمية قواه الجسدية وعضلاته، أسوة بذلك البطل بركوخبا، آخر تجسيد لتلك اليهودية في صلابة عودها المقاتل وحبها لقعقعة السلاح". والفكرة نفسها تَرد في كتابات جابوتنسكي الذي رفض أخلاقيات العبيد ونادى بتفضيل العقل على الفكر وأخلاق السادة على أخلاق العبيد والسيف على الكتاب حتى يظهر اليهودي الجديد المتحرر من أغلال الدين والقيم.
стр. 7876
إن العنف هنا يصبح الأداة التي يتوسل بها الصهاينة لإعادة صياغة الشخصية اليهودية. فاليهودي، في هذا التصور، يحتاج إلى ممارسة العنف لتحرير نفسه من نفسه ومن ذاته الطفيلية الهامشية. وكان الكاتب الصهيوني بن هكت يشعر بسعادة في قرارة نفسه في كل مرة يقتل فيها جندياً بريطانياً لأنه، على حد قوله، كان يتحرر من مخاوفه ويُولَد من جديد، تماماً مثل شارلوت كورداي في قصيدة لجابوتنسكي بعنوان "شارلوت المسكينة". فشارلوت تتخلص من رتابة حياتها وسخافتها وتروي تَعطُّشها للعمل البطولي بأن تقوم بتسديد الضربة إلى جان مارا فترديه قتيلاً في الحمام. العنف هنا يصبح مثل الطقوس الدينية التي تستخدمها بعض القبائل البدائية حينما يصل أحد أفرادها إلى سن الرجولة. فاليهودي حينما يقوم بهذا الفعل الذي كان يخاف منه أجداده (ذبح أحد الأغيار) يتخلص من مخاوفه، ويصبح جديراً بحمل رمز الذكورة. وهذا الجانب من الفكر الصهيوني يتضح بجلاء في كتاب الثورة الذي ألفه مناحم بيجين، والذي يقلب فيه عبارة ديكارت المعروفة "أنا أفكر، إذن أنا موجود" لتصبح "أنا أحارب، إذن أنا موجود". ثم يضيف: "من الدم والنار والدموع والرماد سيخرج نموذج جديد من الرجال، نموذج غير معروف البتة للعالم في الألف وثماني السنين الماضية: اليهودي المحارب".
стр. 7877
وحتى الليبرالي الأمريكي الهادئ برانديز، يُشير (باستحسان شديد) إلى وظيفة العنف الصهيوني في إعادة صياغة الشخصية اليهودية: "غرست الصهيونية في الشباب اليهودي الشجاعة، فألفوا الجمعيات، وتدربوا على الأعمال الرياضية وعلى اللعب بالسيف، وصارت الإهانة تُرَدُّ بإهانة مثلها. وفي الوقت الحاضر، يجد أفضل لاعبي السيف الألمان أن الطلبة الصهيونيين يستطيعون أن يُدموا الخدود، كما يفعل التيوتون، ويرون أيضاً أن اليهود سوف يكونون أفضل لاعبي السيف في الجامعة" (وفي الشرق الأوسط فيما بعد) . لقد كان برانديز يفكر في الطالب الآري "وحش نيتشه الأشقر" حينما كان يتحدث عن بطله اليهودي.
стр. 7878
والعنف عند بن جوريون يقوم بالوظيفة نفسها في إعادة صياغة الشخصية اليهودية، إذ يصف الرواد الصهاينة بأنهم لم يكن لهم حديث إلا الأسلحة "وعندما جاءتنا الأسلحة لم تسعنا الدنيا لفرط فرحتنا، كنا نلعب بالأسلحة كالأطفال ولم نعد نتركها أبداً. كنا نقرأ ونتكلم والبنادق في أيدينا أو على أكتافنا". إن موقف بن جوريون مبني على تصوُّر جديد للشخصية اليهودية باعتبارها شخصية محاربة منذ الأزل "إن موسى، أعظم أنبيائنا، هو أول قائد عسكري في تاريخ أمتنا". ومن هنا يكون الربط بين موسى النبي وموشى ديان مسألة منطقية بل حتمية، كما لا يكون من الهرطقة الدينية في شيء أن يؤكد بن جوريون أن خير مفسر للتوراة هو الجيش، فهو الذي يساعد الشعب على الاستيطان على ضفاف نهر الأردن، فيفسر بذلك كلمات أنبياء العهد ويحققها. ولنلاحظ النمط الحلولي الكموني الذي يبدأ بوضع السيف في خدمة التوراة، ثم يصبح السيف موازياً لها، ثم تصبح هي تابعة له، فالسيف هو الذي يفسر التوراة ويفرض عليها المعنى، وكأنه أحد نقاد ما بعد الحداثة أو هارولد بلوم الناقد الأمريكي القبَّالي الذي يرى أن الناقد هو الذي يفرض المعنى على النص، أو كأنه "الشعب المختار" اختاره الإله ثم حل فيه ثم أصبح تابعاً له، أو كأنه الشريعة الشفوية (تفاسير البشر) التي جاءت للوجود لتفسر الشريعة المكتوبة ولكنها حلت محلها بالتدريج.
الإرهاب الصهيوني: تعريف
Zionist Terrorism: Definition
стр. 7879
«الإرهاب» بالمعنى الضيق للكلمة هو القيام بأعمال عنف كالقتل وإلقاء المتفجرات أو التخريب لتحقيق غرض ما مثل بث الرعب في قلب سكان منطقة ما ليرحلوا عنها أو لتتم الهيمنة عليهم وتوظيفهم وإجبارهم على قبول وضع قائم مبني على الظلم (من منظور الضحية) . ويمكن أن يتسع مفهوم الإرهاب ليشمل مختلف الممارسات الاقتصادية السياسية والعسكرية، المادية والمعنوية. وفي حالة الإرهاب الصهيوني فإن هذا يتضمن سرقة الأراضي بالاحتيال والتزوير والقانون إلى طَرْد أصحابها بقوة السلاح، ومن فرض أنظمة تعليمية تُشوه الوعي الفلسطيني إلى تحقيق شروط اقتصادية غير مواتية لنمو المنتجين العرب. وإذا كان الإدراك الصهيوني للواقع والتاريخ (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض) هو عنف إدراكي، فإن الإرهاب الصهيوني هو الممارسات التي تُحوِّل النظرية والإدراك إلى واقع قائم "وتخلق حقائق جديدة" على حد قول موشيه ديان، وسنتناول في مداخل هذا الباب الإرهاب بالمعنى الضيق والمباشر.
والإرهاب الصهيوني ليس حدثاً عابراً عرضياً وإنما هو أمر كامن في المشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي وفي الصيغة الصهيونية الأساسية الشاملة. كما أن حلقات وآليات هذا الإرهاب مترابطة متلاحقة، فالهجمات الإرهابية التي شُنَّت ضد بعض القرى العربية أدَّت إلى استسلام بقية سكان الأراضي المحتلة، أي أن المذابح والاعتقالات والإبعادات إن هي إلا آلية من آليات الاستيطان الصهيوني الإحلالي، ولا يمكن تَخيُّل إمكانية تَحقُّق المشروع الصهيوني بدونها.
стр. 7880
والإرهاب الصهيوني هو الآلية التي تم بها تفريغ جزء من فلسطين من سكانها وفرض المستوطنين الصهاينة ودولتهم الصهيونية على شعب فلسطين وأرضها. وقد تم هذا من خلال الإرهاب المباشر، غير المنظم وغير المؤسسي، الذي تقوم به المنظمات الإرهابية غير الرسمية (المذابح ـ ميليشيات المستوطنين ـ التخريب ـ التمييز العنصري) والإرهاب المباشر، المنظم والمؤسسي، الذي تقوم به الدولة الصهيونية (التهجير ـ الهيكل القانوني للدولة الصهيونية ـ التفرقة العنصرية من خلال القانون ـ الجيش الإسرائيلي ـ الشرطة الإسرائيلية ـ هدم القرى) .
ورغم أننا نفرِّق بين الإرهاب المؤسسي وغير المؤسسي إلا أنهما مرتبطان تمام الارتباط ويتم التنسيق بينهما ويجمع بينهما الهدف النهائي، وهو إفراغ فلسطين من سكانها أو إخضاعهم وحصارهم. ولعل واقعة دير ياسين (قبل عام ١٩٤٨) وفرق الموت المعروفة باسم «المستعرفيم» هي أمثلة أخرى واضحة على هذا التعاون والتنسيق.
والإرهاب الصهيوني مرتبط تمام الارتباط بالدعم الإمبريالي الغربي حين قامت حكومة الانتداب بحماية المستوطنين وتأمين موطئ قدم لهم وسمحت بتأسيس البنية التحتية العسكرية المكونة من المستوطنات التعاونية (وبخاصة الكيبوتس) فيما نسميه «الزراعة المسلحة» ،كما ساعدت المنظمات الصهيونية المسلحة المختلفة ودعمتها، فكانت بمنزلة قوة مسلحة كامنة قامت بالانقضاض على أرض فلسطين وأهلها عام ١٩٤٨. وبعد إنشاء الدولة، استمرت الدول الغربية "الديموقراطية" في دَعْم الكيان الاستيطاني الإحلالي الصهيوني، رغم ممارساته الإرهابية التي تتسم بكل الجدة والاستمرار، ورغم الحروب العديدة التي شنها على العرب ورغم توسعيته التي لا تعرف أية حدود.
следующие страницы →