← Общие книги

Общие книги · id 2074

موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية

عبد الوهاب المسيري

Полный текст (8 511 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

وقد نشرت إحدى الصحف مؤخراً خبراً مؤداه أن بعض تجار المخدرات في مصر طوَّروا أسلوباً جديداً لتقديم المخدرات في "الغرزة" باستخدام القرد. فالأسلوب التقليدي هو أن يمر الغرزجي (أي الشخص الذي يخدم داخل الغرزة) "بالجوزة" على جماعة المدمنين. والغرزجية جماعة وظيفية لها شعائرها وسماتها المحددة، فهم يقضون معظم ساعات اليوم في محل عملهم، أي أن الجيتو الخاص بهم هو مكان الإقامة والعمل في آن واحد. وتأخذ عملية العزل في حالتهم وضعاً بيولوجياً متطرفاً، إذ لابد لهم أن يتناولوا طاجناً يحتوي على قطع كبيرة من اللحوم مخلوطة بالخضر في مزيج من بقايا الحشيش. ومهمة هذا الطاجن هو إطعامهم، مثلهم في ذلك مثل البشر كافة، إلا أنه يزودهم بما يكفيهم من المخدر حتى لا يكونوا في حاجة إلى المشاركة في التدخين، فالطعام الذي يتناولونه له جانبه الفسيولوجي الواضح، ولكنه إلى جانب هذا يرمز إلى ناحية شعائرية ورمزية. فالطاجن يعني التضامن (وأكل العيش والملح) ويُقوِّي الأواصر بين أعضاء الجماعة الوظيفية. وهو يعني أيضاً إدمانهم هذا الطعام واعتمادهم الكامل عليه وضمان استمرارهم كجماعة وظيفية. فالطعام هنا بديل الوطن الأصلي (أو صهيون) ، فهو يفكِّك الأواصر التي تربط عضو الجماعة الوظيفية مع المجتمع المضيف ويُقوِّي صلاته مع أعضاء جماعته. وهو يشبه الطعام الشرعي عند اليهود الذي يجعل تناول الطعام مع الآخر أمراً شبه مستحيل تقريباً، ولذا تزداد غربة اليهودي عن المجتمع ويزداد ارتباطه بجماعته. والطاجن يشبه أيضاً عملية الخصي والمرتبات المرتفعة التي يتقاضاها بعض مثقفي العالم الثالث من المنظمات الدولية أو الدول الأجنبية أو النظم الحاكمة، فهذه المرتبات تمكِّنهم من العيش حسب أسلوب حياة معينة لا يمكنهم الاستغناء عنه (فهو كالطاجن الذي يدمنه الغرزجي) وبعد قليل يفقد هؤلاء الإرادة الحرة المستقلة (أي أنها عملية تشبه الخصي تماماً) فيعتمدون اعتماداً

стр. 842

كاملاً على ولي نعمتهم وينفذون أوامره دون تساؤل. إن الطاجن، مثله مثل الخصي أو صهيون أو المرتبات المرتفعة، كلها آليات للعزل عن المجتمع ولتقوية التضامن من الداخل. ولكن، رغم كل محاولات العزل الكاملة هذه، فإن الغرزجية يستبطنون أسلوب مرتادي الغرز تماماً ويتوحدون بهم، ولذا فإن أجورهم المرتفعة تغريهم باقتفاء أثر المدخنين فيدمنون أنواعاً أخرى من المخدرات ويتركون أعمالهم أياماً لينفقوا فيها مدخراتهم مقلدين الزبائن في منح البقشيش ودعوة الآخرين للتدخين على نفقتهم، أي أن عملية العزل الكاملة تؤدي إلى الانصهار الكامل في نمط حياة المدمنين، فيتحول الغرزجي إلى مدمن ويبدد نفسه، رغم أن المُفترَض فيه أنه هو نفسه أداة التبديد (وهذا مثل جيد على التمركز حول الذات الذي يؤدي إلى ذوبانها ومن ثم التمركز حول الموضوع) .

стр. 843

ولتلافي هذا الوضع، قام بعض تجار المخدرات من أصحاب الغرز بتدريب القرود على وظيفة الغرزجية بدلاً من البشر، وقد توصلوا بهذا إلى أداة كاملة ليست لها أية تطلعات إنسانية أو نقائص بشرية، فالقرود (عادةً) لا تتعاطى الحشيش ولا تدمنه، كما أنها ليست في حاجة إلى الطاجن الخاص ولا تتقاضى أجوراً، ومن ثم فإن تكاليفها بسيطة. وإلى جانب كل هذا، نجد أن القردة تلزم نفس المكان/الجيتو بطبيعتها ولا تُوجَد عندها رغبة في مغادرته لإنفاق مدخراتها وتبديد ذاتها. بل تم تدريبها على القيام بأعمال الري في زراعة المخدرات، بينما يتفرغ العنصر البشري لأعمال الحراسة التي قد تتطلب قدراً أعلى من الذكاء. واستخدام القرود كجماعة وظيفية يبيِّن مدى ذكاء تجار المخدرات وإدراكهم الغريزي لقانون الجماعة الوظيفية إذ أن القرد كائن ذو بُعد واحد، يمكن توظيفه من أجل المنفعة الاقتصادية (وهو يتجاوز تماماً مبدأ اللذة الذي يسبب التوترات في المجتمعات العلمانية ويضعف تماسكها) . والقرد إنسان وظيفي طبيعي ومادة محايدة تماماً ولا تؤرقه تطلعات أو محاولة لتجاوز ذاته المادية أو الطبيعة/المادة، فهو يعيش في المادة وبها وعليها، ومن ثم فهو تحقيق كامل لنبوءة داروين وتحقيق لنبوءة فيبر عن دخول القفص الحديدي (وهو يكاد يكون حرفياً في هذه الحالة، وإن كان مثل هذا النوع من القردة لا يكون في حاجة إلى القفص الحديدي إذ تم استئناسهم وترشيدهم تماماً في ضوء الطبيعة/المادة من الداخل والخارج) . وإن قبلنا اعتبار القرود جماعة وظيفية (مرتبطة ولا شك بصناعات اللذة الحديثة) ، فيمكننا أن نضمها لمتصلنا. وبدلاً من العبد والمجاهد كطرفين، يمكن لنا أن نضع القرد والمجاهد أي الحوسلة الكاملة متمثلة في الحيوان الذي هو ضرب من ضروب الإنسان الطبيعي الوظيفي المادي الاقتصادي الآلي مقابل الإرادة الكاملة والإنسان الرباني متمثلةً في المجاهد.

стр. 844

وقد يكون من المفيد ملاحظة أن جماعة وظيفية ما قد تضطلع في وقت واحد بوظيفة مالية واستيطانية، أو مالية وقتالية، أو مالية واستيطانية وقتالية، كما يمكن أن تتحول وظيفتها من مالية إلى قتالية. ولنضرب مثلاً على ذلك بالجماعات اليهودية في الغرب، فقد كانوا جماعة وظيفية استيطانية قتالية في المجر في القرن العاشر، ولكنهم فقدوا دورهم القتالي وأصبحوا جماعة وظيفية مالية، ولكن العثمانيين بعد فتحهم المجر حوَّلوهم إلى جماعة وظيفية استيطانية تدين لهم بالولاء. أما في بولندا، فقد توطن اليهود كجماعة وظيفية مالية. وبعد ضم أوكرانيا، تحولوا إلى جماعة استيطانية مالية شبه قتالية يساعدها الجيش البولندي. وقد اضطلع أعضاء الجماعة اليونانية في مصر بدور الجماعة الوظيفية المشينة (بغايا ومغنيات) أو مالية (مستثمرون صناعيون وبقالون) . ولكنهم، في فلسطين، اضطلعوا بوظيفة شبه أمنية إذ يبدو أن حكومة الانتداب البريطاني هناك قررت تجنيدهم داخل الجهاز الحكومي كموظفين حتى يمكنها أن تبقيهم بمعزل عن الفريقين المتصارعين (العرب والمستوطنين الصهاينة) وحتى يمكنها التحكم فيهم وضمان أدائهم لوظيفتهم بطريقة كفء. ويبدو أن الفرنسيين حولوا بعض أعضاء الجماعات الوظيفية المالية اليهودية إلى جماعة وظيفية قتالية بضمهم إلى الفرقة الأجنبية. وبإنشاء الدولة الصهيونية، حوَّلت الحضارة الغربية الملايين من اليهود إلى مادة بشرية وظيفية قتالية استيطانية. والساموراي، وهم جماعة وظيفية قتالية، تحوَّلوا إلى رأسماليين قامت على سواعدهم الرأسمالية اليابانية ذات الطابع الخاص شبه الإقطاعي. ويمكن أن تتعاون جماعة وظيفية قتالية مع جماعة وظيفية مالية كما حدث في مصر حينما تعاون المماليك مع التجار الأجانب من الإيطاليين والمالطيين وغيرهم. ومن المعروف أن بعض المموِّلين اليهود في الدولة العثمانية كانوا يتعاونون مع الإنكشارية بل مولوا تمردهم ضد السلطان العثماني.

стр. 845

ويمكن أن تكون وظيفة واحدة متميِّزة ومشينة ونافعة في آن واحد، فالمرابي يقوم بوظيفة متميِّزة، فهو يمتلك رأس المال ويحقق أرباحاً طائلة دون أن يبذل جهداً عضلياً (أو فكرياً) كبيراً. ولكنها وظيفة مشينة، فالمرابي شخصية طفيلية موضع كره الجميع. ولنضرب مثلاً آخر بوظيفة الحداد، فالحداد لابد أن يمتلك أسرار مهنته التي توارثها أباً عن جد. وهي مهنة غريبة، فهو يستخدم النار (التي لا جسد لها) فيطوع الحديد (الصلب) وهو ما يكسبه هيبة ومهابة. ولكنه، أثناء ممارسته مهنته، قد تحترق أطراف أصابعه، كما يعلو وجهه السواد، فهي مهنة خطرة وغير نظيفة. ولذا، كانت بعض المجتمعات تربط بين مهنة الحداد وبين السحر. وغني عن القول أن مهنة الحداد كانت دائماً مفيدة، بل أساسية وحيوية لكل المجتمعات. والبغاء أيضاً يتسم بنفس الازدواجية، فمن تقوم به أنثى متميزة (فهي محط رغبة الرجال) ومشينة (لأنهم يستخدمونها) . ويمكن أن تصبح مهنة مشينة مع التطور التاريخي (ومع تصاعد معدلات العلمنة) مهنة متميِّزة. فمهنة التمثيل في المجتمعات التقليدية والانتقالية مهنة مشينة لا يقوم بها سوى الغرباء ومن هنا كانت ممثلات مصر حتى عهد قريب مجندات من الخارج أو من بين صفوف الأقليات. وبالتدريج، بدأ يتم تجنيدهن من بين صفوف المجتمع (ومن بين خريجات المعهد العالي للسينما) . ثم تحَّولت المهنة المشينة إلى أكثر المهن تَميُّزاً، وأصبحت النجومية حلم كثير من الفتيات، وهو حلم كل فتاة في العالم الغربي، فالنجم هو قديس الحضارة العلمانية ورمزها الأكبر. وقل نفس الشيء عن وظيفة الدبلوماسي والمضيفة. الجماعات الوظيفية العميلة

стр. 846

«الجماعة الوظيفية العميلة» هي جماعة وظيفية لا تقوم على خدمة أعضاء المجتمع كافة، فهي ترتبط ارتباطاً شبه عضوي بالطبقة الحاكمة التي تستخدمها كأداة لقمع المحكومين واستغلالهم. ولعل من أهم الأمثلة على الجماعة الوظيفية العميلة جماعات المرابين (من اليهود وغير اليهود) في العصور الوسطى في الغرب (وخصوصاً بعد القرن الخامس عشر) . فلم يكن المرابي، مثل التاجر، أداة توصيل للسلع بين المنتج والمستهلك، وإنما كان أداة استغلال في يد الحاكم. وكذلك الجنود المرتزقة حينما كانوا يضطلعون بوظيفة حماية الحاكم (مثل الحرس السويسري في فرنسا قبل الثورة الفرنسية) ، فهم أيضاً جماعة وظيفية عميلة لا يدافع أعضاؤها عن المجتمع المضيف (كالمماليك) وإنما يقومون بقمع الجماهير لصالح النخبة الحاكمة.

стр. 847

ويُلاحَظ أن الجماعة العميلة لا تبدأ بالضرورة كذلك، فقد تبدأ كجماعة وظيفية ثم تصبح من خلال الظروف التاريخية جماعة عميلة. ولتوضيح هذه الفكرة سنضرب مثلاً بالزرادشتيين، وهم عبدة نار هاجروا من إيران إلى الهند بعد الفتح الإسلامي واستقروا فيها، فقد كانوا يتحدثون الجوجورات ويلبسون أزياء الهنود وكانوا جماعة وظيفية تعمل بالزراعة والتجارة وتجارة الخمور، كما كان منهم الحرفيون. ورغم عزلتهم، فقد كانوا يضطلعون بوظيفة يحتاج إليها المجتمع، ولذا لم يكن هناك أي تحريض ضدهم. وبعد الاحتلال البريطاني للهند تحوَّل الزرادشتيون إلى جماعة عميلة، فأصبحوا ممثلين للشركات الأجنبية وتعاونوا مع ممثلي الاستعمار الإنجليزي. وبحلول عام ١٨٦٤، أصبحت بومباي مركز نشاط الزرادشتيين وازداد تركُّزهم فيها وأصبحوا من أكثر الجماعات في الهند تركُّزاً في المدن، واشتغلت أعداد كبيرة منهم بالتجارة وتبادل العملات والمزايدات والعقارات، كما أصبحوا رواداً في تأسيس مصانع النسيج والصحف والمدارس على النظام الغربي. وقد قاموا بتحديث دينهم نفسه وخدموا في الحكومة الهندية كمساعدين للإنجليز. وكانوا يرون أن وظيفتهم تتوقف أساساً على مدى ولائهم للنخبة الحاكمة، وكانوا أيضاً يعتبرون أن الحكم البريطاني قد أتى لهم بالاستقرار والأمن والسلام.

стр. 848

ومع بدايات الحركة القومية الهندية في أواخر القرن التاسع عشر، حينما كانت هذه الحركة لا تزال تتسم بما يُسمَّى «الاعتدال» ، أي عدم المواجهة مع الاستعمار الإنجليزي، انخرطت أعداد منهم في صفوف قيادتها. ولكن، مع حدة المواجهة، انسحب الزرادشتيون وبدأت تظهر بينهم اتجاهات معادية للهنود، ثم تَنصَّل الزرادشتيون من هويتهم "الشرقية" وعرَّفوا أنفسهم باعتبارهم من "الجنس الأبيض". ومع اقتراب استقلال الهند، حاولوا أن يحصلوا على دويلة مستقلة ولكن حزب المؤتمر عارض هذا الاتجاه. وبعد إعلان استقلال الهند، هاجرت أعداد كبيرة منهم إلى الولايات المتحدة. وهناك دياسبورا زرادشتية في الولايات المتحدة، وهي أقلية تشبه الجماعة اليهودية في الولايات المتحدة في كثير من الوجوه، فهم يتمتعون بدرجة عالية من التعليم وقد جرت علمنتهم ودمجهم وأمركتهم، لكنهم (مع هذا) يقاومون الاندماج ويتحدثون عن الهوية الزرادشتية المستقلة!

стр. 849

وقد حاول الاستعمار الغربي في العالم العربي أن يحقق شيئاً من هذا القبيل مع أعضاء الأقليات الدينية والإثنية، فحاول استقطابهم وتحويلهم إلى جماعات وظيفية عميلة تدين له بالولاء. فقامت جماعة الأليانس بنشر اللغة والثقافة الفرنسيتين بين أعضاء الجماعات اليهودية في العالم العربي، في مصر والجزائر وفي غيرهما من البلدان، كما أُتيحت لهم فرصة الحصول على الجنسيات الأوربية ومن ثم الاستفادة من المزايا الممنوحة للأجانب. ويمكننا أن ننظر لهذه العملية باعتبارها عملية مُكمِّلة للاستعمار الاستيطاني الغربي الذي وصل إلى قمته في تأسيس الدولة الصهيونية في فلسطين والجيب الاستيطاني في الجزائر. والاستعمار الاستيطاني هو وصول عنصر سكاني غريب يغرس نفسه غرساً في البلد المستعمر ويدين بالولاء للوطن الأم ويرتبط به ثقافياً ويدين له بالولاء ويدافع عن مصالحه. وهذه العملية لا تختلف عن ذلك كثيراً، ولكن بدلاً من استيراد عنصر بشري غريب يقوم الاستعمار بالبحث عن عنصر بشري محلي فيغويه ويستوعبه ويُحوِّله إلى عنصر غريب عميل يرتبط ثقافياً به ويدين له بالولاء ويدافع عن مصالحه. وقد نجح الاستعمار نجاحاً كبيراً حتى أن معظم يهود العالم العربي، عند إنشاء الدولة الصهيونية، كانوا قد أصبحوا (ثقافياً واقتصادياً) جزءاً من التشكيل الاستعماري الغربي، وحصلت أعداد كبيرة منهم على الجنسيات الأوربية (كل يهود الجزائر ومعظم يهود تونس والمغرب وأكثر من نصف يهود مصر ... وهكذا) ، أي أنهم تحولوا إلى جماعة وظيفية عميلة، ومن ثم كان من السهل عليهم الهجرة والانضمام إلى الدولة الوظيفية الاستيطانية والقتالية في إسرائيل.

стр. 850

والملاحظ أن يهود مصر كانوا مندمجين في مجتمعهم المصري اندماج أقباطها، إلا أن الاستعمار فشل في استقطاب أعضاء الجماعة القبطية وفي تحويلهم إلى جماعة وظيفية عميلة يتم حوسلتها لصالحه. ولعل هذا يعود إلى أن الجماعة القبطية في المجتمع المصري لم تتحول إلى جماعة وظيفية تتسم بسمات الجماعات الوظيفية (التعاقدية ـ العزلة والغربة والعجز ـ الانفصال عن المكان والزمان والهوية الوهمية ـ الحركية ـ ازدواجية المعايير والنسبية الأخلاقية) وظلت جزءاً من نسيج المجتمع المصري للأسباب التالية: ١ ـ لم يكن أقباط مصر عنصراً مُستجلَباً وإنما كانوا من سكان مصر الأصليين وكانت غالبيتهم من الفلاحين وكان من بينهم ملاك الأراضي والصناع والكتبة والمهنيون، أي أنهم كانوا يشغلون مختلف مواقع الهرم الإنتاجي، بل إنهم لم يكونوا مُمثَّلين في النخبة الحاكمة اليونانية والمغتصبة. وبعد الفتح الإسلامي، وفي إطار مفهوم أهل الذمة، لم يُحظَر عليهم الاشتغال بالزراعة أو الحرف (كما هو الحال في الحضارة الغربية الوسيطة) ، بل أصبح الهرم الإنتاجي مفتوحاً أمامهم، ولذا فإنهم لم يخضعوا لأي تمييز وظيفي أو مهني ولم يتم عزلهم نفسياً أو جسدياً ولم تتم حوسلتهم وترشيدهم إلا بالقدر المألوف في المجتمعات التقليدية واللازم لإدارة المجتمع، والذي يُطبَّق على كل قطاعات المجتمع البشرية. ٢ ـ تغيَّرت لغة أقباط مصر من القبطية إلى العربية، وهو ما يعني أنهم تبنوا الخطاب الحضاري الجديد دون أن يفقدوا بالضرورة هويتهم الدينية المتميِّزة، بل إن هذه الهوية الدينية نفسها تم تعريبها. أي أن أقباط مصر أمكنهم الاستمرار في الإبداع الحضاري وفي التعبير عن هويتهم من خلال الخطاب الحضاري القائم، وقد قلل هذا عزلتهم وغربتهم وعمَّق من انتمائهم إلى المجتمع.

стр. 851

٣ ـ الدين الإسلامي والمسيحي دينان مختلفان لهما رؤيتان مختلفتان للإنسان والكون، ومع هذا فإن ثمة رقعة مشتركة واسعة بينهما سواء في رؤية الخلق (قصة آدم) أو رؤية الإله باعتباره منزَّهاً عن التاريخ والطبيعة وباعتباره إله العالمين. ولكن ما يهمنا في السياق الحالي هو أن الرؤية الأخلاقية أو النسق القيمي مشترك بين الدينين، فهما لا يعترفان بازدواج القيم (معيار للمؤمنين وآخر لغير المؤمنين) ويدعوان إلى مجموعة من القيم المطلقة المشتركة، وباب الخلاص مفتوح أمام الجميع. ولا يوجد إحساس بأنهم الشعب المختار. ولعل هذه السمة البنيوية في كل من الإسلام والمسيحية كانت مسألة حاسمة في الحيلولة دون ظهور الأخلاقيات المزدوجة والنسبية الأخلاقية التي تسم أعضاء الجماعة الوظيفية، وهذا على عكس اليهودية التي تطرح رؤية أخلاقية مزدوجة في بعض صياغاتها. ٤ ـ الوطن القومي لأقباط مصر هو مصر وليس لهم وطن قومي آخر حقيقي أو وهمي. والأماكن المقدَّسة المسيحية تقع داخل الدولة الإسلامية في فلسطين التي تربطها علاقة خاصة بمصر والتي كانت تابعة إدارياً لها، وهي أماكن مقدَّسة وحسب وليست المكان الذي سيعود له الأقباط في آخر الأيام كما هو الحال مع اليهود. والكنيسة القبطية كنيسة مصرية لها هويتها الدينية والحضارية المستقلة عن كل الكنائس الأخرى. وقد ساهم ذلك ولا شك في تعميق ولاء الأقباط لمصر وتَجذُّرهم في أرضها وتاريخها (أي في المكان والزمان) . ٥ ـ لم تتكون دياسبورا قبطية خارج مصر تحاول تجنيد أعضاء الأقلية القبطية وتخلق بينهم لوبي يعمل لصالحها ويُولِّد الرغبة في الخروج والهجرة (الحركية) ، هذا على عكس اليهود حيث تُوجَد دياسبورا يهودية ضخمة في العالم. ويُلاحَظ، مع نهاية القرن التاسع عشر، أن أعداداً كبيرة من اليهود الأشكناز هاجرت إلى مصر فصبغت أعضاء الجماعة اليهودية فيها بالصبغة الغربية، وولَّدت لديهم قابلية للانخراط في الحضارة الغربية.

стр. 852

٦ ـ لعل قضية العدد هنا قضية مهمة، فبينما كان عدد يهود مصر صغيراً، كان عدد أقباطها كبيراً، فهم يُكوِّنون نسبة مئوية لها وزنها. وهذا يعني أن أعدادهم كافية لأن يُمثَّلوا في كل مستويات الهرم الإنتاجي وفي كل المجالات الثقافية. كما يعني أيضاً أنهم في احتكاك يومي فعلي بمعظم أعضاء الأغلبية، الأمر الذي جعل من العسير فرض صورة إدراكية عنصرية بسيطة عليهم أو عزلهم وجدانياً عن أعضاء الأغلبية. وأخيراً، أدَّى العدد الكبير إلى إفشال الخطة الاستعمارية الرامية إلى تغريب الأقباط عن طريق منحهم الامتيازات الأجنبية، وعن طريق فتح المدارس الأجنبية أمامهم وإكسابهم الخبرات اللازمة للانخراط في القطاع الاقتصادي الغربي الجديد. فإذا كانت هناك نسبة ما من أقباط مصر قد استفادت من هذا الوضع، فإن السواد الأعظم من الفلاحين وأعضاء الطبقة المتوسطة المصرية من الأقباط ظلوا بمنأى عنه لا يتمتعون بالمزايا ولا يعانون من الاقتلاع، وظلوا داخل التشكيل الحضاري المصري العربي الإسلامي "لهم ما لنا وعليهم ما علينا". ٧ ـ لكل هذه الأسباب، قاوم الأقباط حملات الاستعمار الرامية إلى فصلهم عن مجتمعاتهم العربية الإسلامية (ومن ذلك الحملات التبشيرية المسيحية التي حاولت إلحاقهم بالمسيحية الأوربية، وخصوصاً البروتستانتية، وفصلهم عن تراثهم الديني) . ولذا، فقد ساهم الأقباط في الثورات القومية المختلفة وظهر من بينهم مفكرون يبدعون من خلال المعجم الحضاري العربي الإسلامي ويثرونه، كما ساهموا في الهرم الإنتاجي وأحرزوا التقدم مع مجتمعهم وتخلفوا معه وانتصروا وانكسروا بانتصاره وانكساره. ولعل موقف الكنيسة القبطية في مصر من الصراع العربي الإسرائيلي تعبير عن هذه الظاهرة في المجال السياسي.

стр. 853

ولا يختلف موقف المسيحيين العرب كثيراً عن موقف أقباط مصر، فهم أيضاً مواطنون أصليون لم يُستجلَبوا من الخارج وليس لهم وطن قومي آخر ولا يحنون إلى صهيون بعيدة أو في آخر الزمان. فعلى سبيل المثال، كانت قبائل الغساسنة في الشام قبل الفتح الإسلامي، تتحدث العربية الفصحى وكان لها قبل الفتح الإسلامي وبعده شعراؤها وأدباؤها الذين ساهموا في هذا الفتح وساندوه. وقد استمرت هذه القبائل في نمط حياتها، ولم ينقطع الإبداع الحضاري لأبنائها قط لأن الحضارة الإسلامية لم تفرض عليهم وظيفة متميِّزة أو مشينة ولم تحوسلهم بأي شكل كان. ولا شك في أن مفهوم أهل الذمة حدَّد وضعهم منذ البداية وحدَّد أن لهم كل الحقوق وعليهم كل الواجبات إلا فريضة الجهاد باعتبارها فريضة دينية، وقد أُعفوا منها نظير البدل العسكري أو الجزية. والنظام القيمي عند المسيحيين العرب المُستمَد من الدين المسيحي، لا يعاني من أية ازدواجية، ويُلاحَظ أن معظم المسيحيين العرب من الأرثوذكس وأقلية منهم كاثوليك، كما أن إرساليات التبشير البروتستانتية لم تنجح كثيراً في تجنيد أعداد كبيرة منهم، وكل هذا يدل على أن هويتهم المسيحية العربية قوية. والكثافة السكانية للمسيحيين العرب كبيرة، ولذا كان بوسعهم أن ُيمثَّلوا في كل درجات الهرم الإنتاجي، كما أنهم لا يعيشون محميين ومعزولين داخل جيتو مقصور عليهم وإنما يعيشون مع أعضاء الأغلبية يحتكون بهم في كل المجالات ويعيشون معهم في السراء والضراء وبالقدر الإنساني المعقول من الحب والكره. الدولة الوظيفية يمكن إعادة إنتاج نمط الجماعة الوظيفية على مستوى الدولة في أشكال مختلفة:

стр. 854

١ ـ يمكن اعتبار الدول الاستيطانية دولاً وظيفية يسكنها عنصر سكاني تم نقله من وطنه الأصلي ليقوم على خدمة مصالح الدولة الإمبريالية الراعية التي أشرفت على عملية النقل السكاني وساهمت في عملية قمع السكان الأصليين (عن طريق الإبادة أو الطرد أو الإرهاب) وضمنت له الاستمرار والبقاء. ويمكن النظر إلى دويلات الفرنجة في الشام وفلسطين (الإمارات الصليبية) باعتبارها مثلاً جيداً على ذلك. وفي العصر الحديث يمكن الإشارة إلى الجيب الفرنسي الأبيض في الجزائر وجنوب إفريقيا، وبطبيعة الحال الدولة الصهيونية الوظيفية. ٢ ـ يمكن تحويل دولة صغيرة ليست بالضرورة استيطانية، إلى دولة وظيفية. وتتم عملية التحويل هذه عن طريق عملية رشوة لشعب هذه الدولة، بحيث يرتفع مستوى معيشته ويتزايد اعتماده على قوة خارجية تضمن بقاءه واستمراره بحيث لا يمكنه أن يحقق البقاء (كدولة مستقلة) دون استمرار الدعم الخارجي. ٣ ـ يمكن تحويل اتجاه دولة ما بحيث تنحو منحى وظيفياً عن طريق تحويل النخبة الحاكمة إلى جماعة وظيفية تدين بالولاء للاستعمار (الغربي) . وتنظر للمجتمع الذي تنتمي إليه نظرة تعاقدية باردة فتنعزل عنه وتشعر بالغربة ويزداد ارتباطها العاطفي والثقافي والاقتصادي بالمركز الإمبريالي. السمات الأساسية للجماعات الوظيفية تتسم الجماعات الوظيفية بعدة سمات أساسية قمنا في عرضنا لها بفصل كل سمة عن الأخرى، وهذا فصل تعسفي ذو طابع تحليلي. فكل سمة من السمات مرتبطة بالأخرى، ومن هنا كان التداخل فيما بينها. وينبغي ملاحظة أن ما نقدمه هنا هو بمنزلة نموذج تحليلي وليس وصفاً لواقع تاريخي أو تجريبي. ومن ثم، قد تتحقق بعض أو معظم هذه السمات في كثير من الجماعات الوظيفية، ولكنها لا تتحقق كلها إلا في لحظات نماذجية نادرة. ١ ـ التعاقدية (النفعية والحياد والترشيد والحوسلة) :

стр. 855

أ) يُلاحَظ أن العلاقة بين أعضاء الجماعة الوظيفية والمجتمع المضيف علاقة نفعية واحدية واضحة صلبة مُصمَتة مادية ليست مركبة أو متعددة الأبعاد لا تتسم بأي إبهام، فهى علاقة تبادُل بسيطة بين الطرفين يُفتَرض أن هدفها واضح، وتحدِّدها شروط مسبقة واضحة مفهومة تماماً للطرفين (بشكل واع أو غير واع) . وما يضمن استمرار العلاقة هو استمرار المنفعة، فأعضاء الجماعة الوظيفية هم مصدر نفع وحسب بالنسبة لمجتمع الأغلبية، والمجتمع المضيف هو مصدر رزق وحسب بالنسبة لأعضاء الجماعة الوظيفية، فإن انتفت المنفعة توقفت العلاقة تماماً لأنها تصبح بغير أساس. وإذا كان عضو الجماعة الوظيفية مرتبطاً بقطاع اللذة في المجتمع (الرقص ـ البغاء ـ التمثيل) ، فإن منفعته هي ما يقدمه من ترفيه ولذة. ب) ويمكن القول بأن كل الجماعات الوظيفية "تبيع" للمجتمع المضيف شيئاً ما لا يمكن الحصول عليه إلا من خلالها، فعضو الجماعات الوظيفية القتالية يبيع للمجتمع مقدرته العسكرية وجسده، والشيء نفسه يُقال عن أعضاء الجماعة الاستيطانية الذين يبيعون للمجتمع أجسادهم وخبراتهم ومقدرتهم على الريادة. ومن هنا، فإن العلاقة الأساسية بين المجتمع وعضو الجماعة الوظيفية تشبه علاقة البائع بالمشتري. وعضو الجماعات الوظيفية هو حقاً الإنسان الاقتصادي (والإنسان الجسماني) الذي اكتشفه الفكر العلماني الغربي فيما بعد. بل إن عضو المجتمع المضيف يصبح هو نفسه إنساناً اقتصادياً وجسمانياً حين يدخل في علاقة مع أعضاء الجماعة الوظيفية.

стр. 856

جـ) العلاقة بين أعضاء الجماعة الوظيفية والمجتمع المضيف علاقة برانية (إمبريالية) ، بمعنى أن كل طرف فيها ينظر إلى الآخر من الخارج باعتباره موضوعاً مجرداً، ودوراً يُلعب، ووظيفة تُؤدَّى، ومادة نافعة يتم التعامل معها بمقدار نفعها، وشيئاً مباحاً يُستَغل ويُسخَّر ويُقهَر، وأداة تُستخدَم، ومادة محايدة لا قداسة لها ولا حرمة تُوظَّف وُتحوسَل. ويرى كل طرف الآخر باعتباره وسيلة لا غاية. (ويقف هذا على الطرف النقيض من العلاقات الإنسانية التراحمية حيث ينظر الإنسان إلى الآخر ذاتاً مُتعيِّنة لها قيمة في ذاتها وتتمتع بالقداسة وتقع داخل منطقة المحرَّم، ولذا فالرؤية جوانية) . د) ومن هنا، تتسم العلاقة بين أعضاء الجماعات الوظيفية والمجتمع المضيف بالحياد والبرود والعقلانية والتجرد، لا بالدفء والتراحم، فهى علاقة رشيدة تماماً (في الإطار المادي) تم حسابها من منظور الربح والخسارة، والعرض والطلب، دون أن تشوبها أية شوائب عاطفية أو أخلاقية. هـ) قد يكون من المفيد، من الناحية التحليلية، أن ننظر إلى عضو الجماعة الوظيفية لا باعتباره بشراً مُتعيِّناً، موضعاً للحب والكره، وإنما باعتباره وضعاً اقتصادياً محضاً ومجرد وظيفة، أو ربما كأداة إنتاج أو أداة فتك أو استثمار. ويجري تعريف عضو الجماعة الوظيفية من خلال الوظيفة التي يضطلع بها وحسب، فيُرَدُّ إلى الوظيفة تماماً خارج أية صفات إنسانية، خاصة أو عامة. وهو على كلٍّ أمر مُفترَض من البداية حينما يقبل عضو الجماعات الوظيفية أن يبيع بدنه وذاته. ٢ ـ العزلة والغربة والعجز والالتصاق بالنخبة الحاكمة: أ) العزلة:

стр. 857

يحتفظ المجتمع المضيف بمسافة بينه وبين الجماعة الوظيفية، وذلك بأن يقوم بعزل أعضائها. فحينما يستجلب المجتمع المضيف عنصراً بشرياً حركياً محايداً، فإنه يتعامل معه بشكل رشيد محسوب دون عاطفة أو مودة أو تراحم، وهو لا يلتزم أخلاقياً تجاهه، بل يقوم بعزله لحماية نفسه من هذا العنصر الذي تمت حوسلته تماماً وفَقَد إنسانتيه وأصبح مادة محايدة لا قداسة لها ولا حرمة. ويعيش أعضاء الجماعة الوظيفية في جيتو خاص بهم، يرتدون أزياء مختلفة عن أزياء المجتمع المضيف، ويتحدثون لغة مختلفة عن لغته، بل يدينون في كثير من الأحيان بدين مختلف. والعزلة، في حالة الجماعة الوظيفية، شكل من أشكال الترشيد، ولكنه ترشيد ينصرف فقط إلى علاقة الجماعة الوظيفية بالمجتمع المضيف إذ يحتفظ أعضاء المجتمع بعلاقات المودة والتراحم والإحساس بالقداسة فيما بينهم، تماماً كما يحتفظ أعضاء الجماعة الوظيفية فيما بينهم بالتراحم بل التلاحم والإحساس بقداستهم. أما العلاقة بين الجماعة والمجتمع، فهى ـ كما أسلفنا ـ علاقة موضوعية عقلانية مجردة رشيدة تستند إلى حسابات المكسب والخسارة والعرض والطلب. والهدف من عملية العزل هنا أن تظل هذه العلاقات غير الإنسانية الرشيدة الأحادية على هامش المجتمع لا في داخله، وذلك حتى لا يفقد المجتمع تَراحُمه وتلاحمه وقداسته، كما أنه يضمن أن يظل العنصر الوظيفي غريباً مميَّزاً بغير قاعدة جماهيرية أو أساس للقوة.

стр. 858

وتأخذ العزلة أشكالاً مختلفة، فهى قد تكون مكانية فعلية كأن يعيش أعضاء الجماعة الوظيفية في جيتو خاص بهم، وقد تكون رمزية فيرتدون أزياء خاصة بهم، أو تكون لغوية فيتحدثون لغة أو لهجة أو رطانة مختلفة عن بقية أعضاء المجتمع. وقد يتم العزل عن طريق الخصي (وفي العصر الحديث عن طريق الدخل المرتفع والتوجه الحضاري المختلف) . وقد تتم العزلة على جميع هذه المستويات وغيرها. ولكن، مهما اختلفت أشكال العزلة، فإن الوظيفة التي يضطلع بها أعضاء الجماعة الوظيفية يتم عزلها عن بقية الوظائف الاجتماعية والسياسية والإنسانية الأخرى بحيث لا تصبح لهم علاقة حية بالطبقات الأخرى (العلىا أو الدنيا) ، فهم أداة وحسب. ب) الغربة: يقابل عملية العزل البرانية من قبَل المجتمع إحساس جواني عميق بالغربة لدى عضو الجماعة الوظيفية، فهو عادةً ما يشعر بأنه ينتمي إلى "وطن أصلي" يشعر بالحنين إليه ويصبح موضع عاطفته المشبوبة وبؤرة عواطفه، كما أن ولاءه الحقيقي يتجه نحو وظيفته وجماعته الوظيفية. بل إن أعضاء الجماعة الوظيفية يتمسكون برموز العزلة المفروضة عليهم ويستبطنونها تماماً ويتوحدون بها حتى تصبح من علامات تميُّزهم عن الأغلبية. ومما يُعمِّق إحساس عضو الجماعة الوظيفية بالغربة نحو مجتمع الأغلبية أن هذا المجتمع يُحوسله تماماً وينبذه.

стр. 859

ويؤدي تزايد العزلة والغربة إلى تَزايُد اعتماد عضو الجماعة الوظيفية على جماعته ليضمن بقاءه ووجوده واستمراره وهويته، فهو غريب في محيط معاد له يَصعُب عليه الاندماج فيه. فالجماعة، إذن، تزود أعضاءها (من خلال شبكة القرابة القوية) بالأمن والأمان. كما أن هذه الشبكة تُسهِّل عملية تجنيد الأعضاء الجدد من الوطن الأصلي أو غيره من المصادر، وتُدرِّبهم وتُورِّثهم الخبرة وأسرار المهنة. وفي حالة الجماعة الوظيفية المالية الوسيطة، تضمن الشبكة سرعة نقل البضائع، كما قامت في الماضي بتنظيم عملية الائتمان والقروض عبر مسافات طويلة في وقت لم تكن توجد فيه مصارف أو وسائل اتصال. ومثل هذه العمليات المُركَّبة، التي تقوم بها الشركات متعددة القوميات والمصارف الدولية في الوقت الحالي، كان من المستحيل القيام بها إلا بهذه الطريقة قبل ظهور البنية التحتية للعصر الحديث. كما أن العزلة الوظيفية والسياسية تؤدي إلى زيادة الرغبة في مراكمة الثروة، كمصدر من مصادر القوة وبديل لها، وتحسين الخبرة والأداء ليظل المجتمع المضيف بحاجة إلى الجماعة الوظيفية. وحيث إن الجماعة الوظيفية أساسية لبقاء العضو، كان من اليسير على قيادة الجماعة أن تقوم بعملية الضبط الاجتماعي، ومراقبة سلوك الأعضاء، وإنزال أشد العقوبات بالمخالفين لمعايير الجماعة كالمقاطعة والحرمان والطرد. ومما يُسهِّل عملية الضبط هذه أن الرقابة عادةً ما تتم من خلال شبكة القرابة، فالجماعة الوظيفية مُكوَّنة أساساً من الأقارب. ويُقال إن بعض الشباب اليهودي في دمشق، في القرن التاسع عشر، حاولوا أن يَتنصَّروا، لكنهم لم يجدوا عملاً لأن الكفاءات التي كانت عندهم كانت تؤهلهم للعمل في مهن محددة (مثل الصاغة) كانت تحتكرها الجماعة اليهودية الوظيفية.

стр. 860

ولعل عزلة الجماعة الوظيفية وبقاءها واستمرارها من خلال عملية الضبط الاجتماعي الصارمة هي التي تُفسِّر النفوذ الذي يتمتع به أثرياء هذه الجماعات ونخبتها الثقافية والقائدة، فهم يشكلون الشريحة التي تقوم بعملية الضبط هذه، وهم المسئولون عن ضمان بقاء الجماعة واستمرار أدائها بكفاءة. وعملية العزل والإحساس بالغربة قد تبدأ بشكل واع أو بشكل غير واع، لكن آليات العزل تعمل بقوتها الذاتية بعد حين، ذلك أن أعضاء الجماعة الوظيفية يشكلون شبكة عائلية أو قَبَلية مُحكَمة تهيمن بالتدريج على مجموعة من الوظائف دون غيرها وتستبعد منها كل العناصر البشرية الأخرى، وافدة كانت أم محلية. وتبدأ الجماعة في تَوارُث الخبرات وأسرار المهنة ومراكمتها وتحسينها، وتزداد كفاءة أعضائها في أداء وظائفهم فيزداد تَركُّزهم ومن ثم تزداد عزلتهم وغربتهم. كما يتزايد تَميُّز أسلوب حياتهم الخاص، بل إنهم يكتسبون سمات إنسانية مرتبطة تماماً بوظيفتهم. فهم، مثلاً، بسبب عزلتهم وغربتهم وعدم إحساسهم بالطمأنينة، يحاولون تعويض هذا عن طريق مراكمة رأس المال فيعملون كثيراً ويُقتِّرون على أنفسهم ولا يرحمون أنفسهم وكذلك لا يرحمون الآخرين. ويؤدي هذا إلى تَزايُد إنغلاقهم نظراً لتجانسهم الإثني والحضاري واللغوي، وخصوصاً أن وظيفتهم تتطلب الانغلاق، إذ أن هذا يضمن المحافظة على الخبرات وأسرار المهنة وشبكة الاتصالات والعلاقات. وهكذا يقاوم أعضاء الجماعة الوظيفية كل عوامل الاندماج مع أعضاء المجتمع المضيف، فلا يسكنون بينهم ولا يتزاوجون منهم، ويبذلون قصارى جهدهم في المحافظة على عزلتهم. وعلى هذا النحو، فإن ما بدأ كعملية قسر خارجية يتم استبطانه ويتحول إلى رغبة داخلية وَمَثل أعلى، ومن ثم تصبح العزلة، التي كانت مفروضة عليهم في بادئ الأمر، هي مطلبهم الأساسي.

стр. 861

ونظراً لعزلة أعضاء الجماعة الوظيفية وغربتهم، فهم يكونون في المجتمع وليسوا منه، لا يلعبون دوراً أساسياً في المجتممع. وإن لعبوا مثل هذا الدور، فهم يظلون خارج النظام السياسي: فيهيمنون عليه بأن يصبحوا نخبته الحاكمة التي تحتفظ بمسافة بينها وبين الجماهير، أو يقوموا بالتدخل لصالح فئة ما على حساب فئة أخرى. ويظهر عدم انتماء أعضاء الجماعات الوظيفية سياسياً في شكل ظاهرتين مختلفتين متناقضتين ظاهرياً. فأعضاء الجماعة الوظيفية عادةً ما يُظهرون عدم اكتراث بسياسات البلد الذي يعيشون فيه أو بمصيره. ولكنهم، وهنا تكمن المفارقة الكبرى، عادةً ما تكون لديهم قابلية غير عادية لتَبَنِّي الأيديولوجيات الثورية الطوباوية الأممية (التروتسكية ـ التطرف الشعبوي ... إلخ) فهي أيديولوجيات تُعبِّر عن عدم اكتراث بالوضع السياسي المُركَّب المُتعيِّن للوطن وللمجتمع وعن عدم اهتمام بمصيره المحدد، فهو اهتمام بمطلقات لا تاريخية مثل الإنسان الأممي ومستقبل البشرية جمعاء. ولذا، نجد أن أعضاء الجماعات الوظيفية، حينما ينضمون لإحدى الجماعات الثورية، يكونون عادةً من المتطرفين المدافعين عن النقاء الثوري والحلول الجذرية المتطرفة، أي أنهم في عدم اكتراثهم بالسياسة وفي اشتغالهم بها ينتمون إلى نموذج أحادي اختزالي نُقِّي تماماً من عناصر الزمان والمكان ليصبح نموذجاً «طاهراً نقياً» .

стр. 862

ومن المهم أن نلاحظ أن أعضاء الجماعة الوظيفية عرضة للإحساس بالتغير بشكل جذري أكثر من أية جماعة أخرى. ويعود هذا إلى علاقة أعضاء الجماعة الوظيفية بالبناء الطبقي للمجتمع، فكل أعضاء المجتمع يتحركون إما إلى أعلى أو إلى أسفل البناء الطبقي والنظام الاجتماعي. أما أعضاء الجماعة الوظيفية، فإن وظائفهم مُحدَّدة وثابتة، والوظائف الأخرى مُوصَدة دونهم (إما لعدم خبرتهم بها، أو لأن المجتمع لا يريد أن يوكلها إلى عنصر غريب) . والحراك إلى أعلى أو إلى أسفل لا ينطبق علىهم، فبابه مُوصَد دونهم أيضاً لأنهم ليسوا جزءاً من الكتلة الاجتماعية أو السياسية. ولذا، يصبح الحراك داخل المجتمع أمراً مستحيلاً، فيتم الحراك عن طريق الخروج من المجتمع والدخول إلى مجتمع آخر، ومن هنا تكون هجرتهم الدائمة. وهناك، بطبيعة الحال، إمكانية التحرك الأفقي من مسام المجتمع إلى صلبه، ولكن الجماعة الوظيفية تفقد هنا وظيفتها وبالتالي هويتها. كما أن هناك الإبادة؛ وهي حل جاهز للجماعة الوظيفية التي فقدت وظيفتها ولا يمكن استيعاب أفرادها. جـ) العجز والارتباط بالنخبة الحاكمة:

стр. 863

تؤدي العزلة إلى ارتباط أعضاء الجماعة الوظيفية ارتباطاً وثيقاً بأعضاء النخبة الحاكمة (كما هو الحال مع المرتزقة والمرابين) ، فهي التي استجلبتهم في المقام الأول، وهي التي عزلتهم حتى تضمن أن يظلوا بدون قاعدة جماهيرية أو أساس للقوة (في حالة خوف دائم من الجماهير) ، وهي التي حولتهم إلى أداة استغلال في يدها، بصورة واضحة مباشرة، وهم عادةً ما يُوجَدون على مقربة منها في العاصمة أو مركز السلطة. ولكنها هي أيضاً التي تضمن بقاءهم واستمرارهم وتمنحهم الامتيازات. والطبقة الحاكمة تُؤثرهم على غيرهم بسبب عدم وجود قاعدة جماهيرية لهم، ومن ثم فإن ما أنجزوه من خدمات للطبقة الحاكمة سوف يقبضون أجرهم عنه وحسب، ولن يكون بمقدورهم ترجمة قوتهم المتزايدة إلى المشاركة في السلطة، أي أنهم يعيشون في حالة عجز كاملة. ولكن علاقة أعضاء الجماعة الوظيفية بالنخبة الحاكمة ليست علاقة عضوية وإنما هي علاقة نفعية، شأنها شأن مجمل علاقتها بالمجتمع المضيف. ولذا، فحينما يتلاشى السبب النفعي وتنتفي حاجة النخبة الحاكمة إلى الجماعة الوظيفية، فإنها تتخلى عنها ويتم طرد أعضائها أو إبادتهم أو تركهم للجماهير كبش فداء. ومما يُسهِّل ذلك أن الجماعات الوظيفية ليست ذات قاعدة جماهيرية. ويمكن أن تختفي الجماعة الوظيفية بطريقة سلمية من خلال الاندماج والانصهار.

стр. 864

ويتركز أعضاء الجماعة الوظيفية في وظائف معيَّنة وفي قطاعات بعينها وهي في العادة وظائف في قمة الهرم الإنتاجي تتطلب خبرة خاصة لا يمتلكها أعضاء مجتمع الأغلبية إذ يتطلب أداؤها استخدام أدوات خاصة بطريقة خاصة أو نظماً إدارية متقدمة غير مألوفة لأعضاء المجتمع. ولهذا يحقق أعضاء الجماعة الوظيفية بروزاً غير عادي، دون أن تكون لديهم قوة حقيقية لبُعدهم عن قاعدة الهرم الإنتاجي ولأنهم غير مُمثَّلين في كل مستوياته ومجالاته ولانفصالهم عن الجماهير ـ كما أسلفنا. كل هذا يجعلهم محط السخط الشعبي، وخصوصاً أن كثيراً من الوظائف التي يتركزون فيها ذات طابع استغلالي أو قمعي. كما أن سماتهم الخاصة وأسلوب حياتهم المميَّز يؤدي إلى أن ينسج الوجدان الشعبي الأساطير من حولهم: فهم أقوياء جداً أو ضعفاء جداً، وهم شرهون أو متقشفون جداً، ومسرفون ومُقتِّرون جداً، وهم كذا وكذا بطبيعتهم، وبعد قليل يسود الاعتقاد بأن طبيعتهم البشرية مختلفة عن طبيعة بقية البشر. وهذا الموقف إن هو إلا الثمرة المتعينة لعملية التجريد المبدئية لأعضاء الجماعات الوظيفية. ويبدو أن سمات الجماعة الوظيفية تفرض نفسها فرضاً على أعضاء الجماعة وتستوعبهم تماماً. فالباكستانيون في بلادهم أهل كرم ومروءة، ولكن يُلاحَظ أن المهاجرين الباكستانيين إلى إنجلترا قد فقدوا كثيراً من صفاتهم واكتسبوا الطبيعة الوظيفية الجديدة. والصينيون غير مشهورين بالبخل في بلادهم، ولكنهم حينما تحوَّلوا إلى جماعة وظيفية (في جنوب شرق آسيا) أصبحوا مشهورين بالتقتير على النفس والحرص البالغ والإقبال على مراكمة رأس المال. ولكل ما سبق يُلاحَظ أنه إذا اندلعت ثورة شعبية، بسبب تَزايُد التوترات والأحقاد، فإنه يكون من السهل على الجماهير الغاضبة التعرف على أعضاء الجماعة الوظيفة، فهم مختلفون في ردائهم ولغتهم وطعامهم ومكان إقامتهم وعزلتهم. ومن ثم فإنهم يسقطون ضحية سهلة لمثل هذه الثورات.

стр. 865

٣ ـ الانفصال عن المكان والزمان والإحساس بالهوية (الوهمية ( عادةً ما ينتمي أعضاء الجماعات الوظيفية إلى "وطن أصلي". وهذا الوطن الأصلي يمكن أن يكون بلداً فعلياً قائماً كما هو الحال مع الصينيين في جنوب شرقي آسيا والهنود في أفريقيا وانجلترا وغيرها من البلدان. وأحياناً يكون أعضاء الجماعة الوظيفية من أصل اختفى كوحدة سياسية مستقلة (وسيعودون إليه في آخر الزمان) ، كما هو الحال مع اليهود والزرادشتيين. وكثيراً ما يصبح الوطن الأصلي هو الجماعة العرقية أو الإثنية أو العائلية التي ينتمي إليها عضو الجماعة الوظيفية. وسواء أكان الوطن الأصلي وطناً موجوداً فعلاً أم وطناً مختفياً وغير قائم أم عائلة أم قبيلة، فإن هذا الوطن الأصلي يصبح البؤرة التي تتركز فيها عواطفهم الإنسانية الجياشة ويتجه نحوها ولاؤهم، ويصبح النقطة المرجعية الصامتة، فيفكرون في أنفسهم وفي الآخرين وفي واقعهم من خلاله. وقد يتحدثون عن العودة إليه إذا كان الوطن موجوداً فعلاً، ولكنهم عادةً لا يفعلون، إذ أن الولاء الحقيقي والفعلي لعضو الجماعة الوظيفية يتجه إلى وظيفته وجماعته الوظيفية، فهي ليست وطنه الأصلي وإنما وطنه الفعلي. وهكذا تتسرب العواطف الإنسانية لعضو الجماعة عبر قنوات تصب بعيداً عن المجتمع المضيف إما خارجه تماماً (في الوطن الأصلي) أو نحو جماعته الوظيفية، مما يُضعف أواصر الصلة بالوطن المضيف ويزيد عدم الانتماء له ويُعمِّق الحياد تجاهه ويضمن غربة أعضاء الجماعة الوظيفية تجاه مجتمع الأغلبية فيعيشون في المجتمع (في مسامه أو في هامشه) وهم يشعرون بأنهم شعب مقدَّس منفيّ.

стр. 866

ولكن العزلة والغربة تعطي عضو الجماعة الوظيفية إحساساً عميقاً بأنه ذو هوية مستقلة خاصة مصدرها علامات العزل المفروضة عليه التي استبطنها هو وتبناها وأصبحت جزءاً من كيانه، فهي مثل شعائر الطهارة التي تؤدي إلى عزل الطاهرين عن المدنسين. وقد يتعمق الإحساس بالتميُّز إلى أن يصل إلى مُركَّب الشعب المختار صاحب الرسالة. ورغم هذا الإحساس العميق بالتميُّز، فإن أعضاء الجماعة الوظيفية يستمدون خطابهم الحضاري في واقع الأمر من المجتمع المضيف، فقد عاشوا في كنفه سنوات طويلة، كما أن خطابهم الحضاري الأصلي قد اختفى ولم يبق منه شيء سوى عادات ورموز سطحية. ولذا، فإن قشرة الهوية الصلبة قد تكون غريبة ومتميِّزة، ولكن جوهرها الكامن ينتمي إلى المجتمع المضيف. وثنائية الظاهر والباطن هذه أساسية حتى يتسنى لعضو الجماعة الوظيفية أن يلعب دوره الوظيفي، وحتى يكون في المجتمع دون أن يكون منه، يتعامل مع أعضاء المجتمع المضيف دون أن يتعاطف معهم أو يذوب فيهم. ٤ ـ ازدواجية المعايير والنسبية الأخلاقية: أ) يتعامل أعضاء الجماعات الوظيفية مع أعضاء المجتمع المضيف بشكل موضوعي محايد لا يتسم بأي التزام أخلاقي. فالمجتمع المضيف بالنسبة إليهم هو مادة نافعة وشيء مباح لا يتمتع بأية قداسة ولا حرمة له يُعظِّمون من خلاله منفعتهم ولذتهم دون أي اعتبار لمنظومته الأخلاقية التي لا يشعرون تجاهها بكثير من الاحترام (فهي أحد أسباب عزلتهم واستبعادهم) . وفي الوقت نفسه، نجد أن أعضاء الجماعات الوظيفية يلتزمون تجاه جماعتهم بقوانين أخلاقية صارمة، فأعضاء الجماعة محل قداسة ولهم حرمتهم الواجب مراعاتها.

стр. 867

ب) يُلاحَظ أن أعضاء المجتمع المضيف يشعرون بحرمة إخوانهم من أعضاء المجتمع، وأن المعايير الأخلاقية التي تسري على تعاملاتهم فيما بينهم لا تسري على أعضاء الجماعة الوظيفية، فهم مجرد مادة نافعة، ولذا فلا قداسة لهم ولا حرمة. ويُعظِّم المجتمع منفعته ولذته على حسابهم دون أي اعتبار لقيمهم الأخلاقية. جـ) يَنتُج عن ذلك ازدواج المعايير الأخلاقية (ونسبية أخلاقية) إذ يتبنَّى كل من أعضاء المجتمع وأعضاء الجماعات الوظيفية معيارين مختلفين للحكم. فنجد أن أعضاء جماعات الغجر مثلاً يسرقون من أعضاء المجتمع ولكنهم لا يقومون أبداً بممارسة هذا النشاط الإجرامي فيما بينهم، ويُقال إن الشيء نفسه ينطبق على مهربي المخدرات. وقد تبيح الجماعة الوظيفية الإقراض بالربا الفاحش لأعضاء المجتمع المضيف وتحرِّمه بين أعضائها. والمجتمع المضيف يفعل الشيء نفسه، فهو يحتفظ بطُهره وتراحُمه وإحساسه بقداسة أعضائه، بينما يُخضع أعضاء الجماعة الوظيفية لمجموعة من القيم النفعية والمادية بهدف تعظيم العائد من وجودهم. فالآخر (سواء من منظور الجماعة الوظيفية أو مجتمع الأغلبية) مدنَّس مباح يقع خارج نطاق المحرمات والمطلقات الأخلاقية. ٥ـ الحركية: أ) يتسم أعضاء الجماعات الوظيفية بالحركية فهم لا يرتبطون بالمكان/الوطن الذي يعيشون فيه، فهم يُجلَبون إليه ويُطردون منه ببساطة، فهم مجرد آلة نافعة لا قيمة لها في ذاتها تُنبَذ حين ينتهي نفعها. وإذا كان المجتمع المضيف لا يعترف بإنسانيتهم المتعينة ولا يضع فيهم ثقته قط، فهم بدورهم لا يدينون له بالولاء. ب) في معظم الأحيان، يتوقف وجود أعضاء الجماعة الوظيفية على هذه الحركية. فعضو الجماعة، كجندي مرتزق أو جامع ضرائب أو رائد أو مستوطن، لابد أن يكون دائب الحركة لا جذور له في وطن أو أرض.

стр. 868

جـ) يحس عضو الجماعة الوظيفية دائماً بعدم الأمن وانعدام الانتماء وبأنه يعيش في مسام المجتمع وهامشه لا في صميمه وقلبه، أي بأنه فيه وليس منه، يعمل فيه دون أن يشارك في قراراته، ويؤدي كل هذا إلى زيادة حركيته وتَناقُص ولائه. ويمتد ولاؤه إلى الوظيفة وحسب. وقد عبَّر أحد المؤرخين عن موقف يهود جنوب أفريقيا من وطنهم بأنهم يجلسون دائماً على حقائبهم (استعداداً للرحيل) . وفي تفسير هذا، تُقال العبارة اللاتينية «أوبي بيني أوبي باتريا ubi bene ubi patria» (حرفياً: «أينما تُوجَد مصلحتي يُوجَد وطني» ) أي «المكان الذي يخدم مصلحتي هو وطني» . د) تؤدي الحركية (والغربة) إلى تَركُّز أعضاء الجماعات الوظيفية في وظائف بعينها في قمة الهرم الإنتاجي، وهي وظائف ذات عائد سريع ومباشر وتتسم بإمكانات النمو وتتطلب رأس مال سائلاً يمكن نقله بسهولة (أحجار كريمة ـ تُحَف ـ معادن ثمينة ـ أدوات إنتاج خفيفة ـ مقدرات عقلية ... إلخ) . ولذا، فإن أعضاء الجماعات الوظيفية لا يعملون عادةً بالتعدين أو الزراعة، وإن عملوا بالزراعة فإنهم عادةً ما يتخصصون في زراعة المحاصيل التي تُزرَع بهدف الاستثمار أو في المحاصيل ذات العائد المباشر، ولا يستثمرون البتة في المشاريع التي تتطلب استثمارات بعيدة المدى، كما أنهم لا يُوجَدون في الوظائف الأساسية في المجتمع ولا في القطاعات الأولية في الإنتاج. ٦ ـ التمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع (الحلولية ( أ) يؤمن عضو الجماعة الوظيفية بمجموعة من القيم المطلقة التي تكون مقصورة عليه وعلى جماعته الوظيفية (ازدواج المعايير ومركب الشعب المختار) ، ولكنه في علاقته بالمجتمع لا يؤمن إلا بمتعته ولذته، ولذا فهو قادر على استغلال المجتمع وتوظيفه وحوسلته لصالحه دون أي اعتبار للقيم الأخلاقية الخاصة بالمجتمع (تَمركُز حول الذات) .

стр. 869

ب) ولكن المجتمع المضيف ينظر لعضو الجماعة الوظيفية باعتباره مجرد أداة متحوسلة لا جذور لها ولا انتماء، وباعتباره أداة تُعزَل بصرامة، ولذا فإن المجتمع يدخل معه في علاقة تعاقدية موضوعية غير مفعمة بالحب. وعضو الجماعة الوظيفية لا وجود له خارج جماعته ومعتقداتها وآلياتها، ولا كيان له خارج الوظيفة المقدَّسة الرشيدة التي يقوم بها، فهو يُرشِّد كل جوانب حياته من أجل أداء وظيفته (تَمركُز حول الموضوع) . والسمات الأساسية السابقة (التعاقدية ـ العزلة والغربة والعجز ـ الانفصال عن المكان والزمان والإحساس العميق بالهوية الوهمية والاختيار والتميُّز ـ ازدواجية المعايير [أي النسبية الأخلاقية]ـ الحركية ـ التمركز حول الذات والموضوع) كلها من سمات الإنسان العلماني الحديث والإنسان الذي يتحرك داخل أطر حلولية كمونية. ولذا فإن من غير المستغرب أن نجد أن أعضاء الجماعات الوظيفية ينحون منحى حلولياً كمونياً في رؤيتهم للكون، وأنهم أصبحوا من حَمَلة الفكر العلماني الشامل، الواحدي المادي. الباب الثانى: الجماعات الوظيفية والحلولية والعلمانية الشاملة الجماعات الوظيفية والثنائية الصلبة الجماعة الوظيفية تدور في إطار الرؤية الحلولية الكمونية، ولذا يتبدى من خلالها نمط الواحدية الذاتية والموضوعية، والثنائية الصلبة بشكل متبلور. فثنائية الأنا والآخر والتمركز حول الذات والتمركز حول الموضوع من السمات الأساسية للجماعة الوظيفية ولأعضائها. وبإمكان القارئ أن يجد رصداً لهذا الجانب في مداخل هذا الباب. الحلولية الكمونية الواحدية والجماعات الوظيفية

стр. 870

من الظواهر الجديرة بالملاحظة، والتي تحتاج إلى مزيد من الدراسة، أن رؤية أعضاء الجماعات الوظيفية للكون تنحو منحى حلولياً كمونياً (ثنائياً صلباً) في رؤيتهم لذاتهم (الساموراي والبوذية من طراز الزن ـ الإنكشارية والبكتاشية ـ جماعات التجار والتصوف الحلولي ... إلخ) . وقد حاولنا في دراستنا لهذه الظاهرة التركيز على الجماعات اليهودية في أنحاء العالم. ومن هنا، فإن تعميماتنا تستند إلى دراسة هذه الحالة أساساً، وإن كنا قد درسنا بعض الحالات الأخرى بشكل أقل تَعمُّقاً.

стр. 871

يتبنَّى أعضاء الجماعة الوظيفية رؤية حلولية كمونية واحدية (ثنائية صلبة) تَرُدُّ العالم بأسره إلى مبدأ واحد كامن في العالم، وتختزل الواقع بكل تعينه وتركيبيته إلى مستوى واحد. هذا المبدأ الواحد بالنسبة لأعضاء الجماعة الوظيفية هو الوظيفة نفسها، أو الوظيفة باعتبارها تَجسُّداً للمبدأ الواحد، وتحل الوظيفة محل الأرض في الثالوث الحلولي. فبدلاً من الثالوث الحلولي التقليدي (الشعب ـ الإله ـ الأرض) ، يكون الثالوث الوظيفي هو: الجماعة الوظيفية ـ الإله ـ الوظيفة. ولذا، يمكننا أن نتحدث عن «الحلولية الكمونية الوظيفية» وعن «الواحدية الوظيفية» ، فعلاقة عضو الجماعة الوظيفية بجماعته وبوظيفته علاقة حلولية كمونية عضوية (روحية) . والوظيفة هي المبدأ الواحد (الإله) ، قوة شاملة بسيطة، لا انقطاع فيها ولا فراغات ولا ثنائيات، تزود عضو الجماعة الوظيفية برؤية للكون وتوجِّه سلوكه. وعلاقة عضو الجماعة الوظيفية بوظيفته لا تختلف كثيراً عن علاقة عضو الشعب المختار بشعبه وبأرض الميعاد، وكما أن أرض الميعاد تنتظر شعبها المقدَّس المختار ولا يمكن أن تسترد حياتها إلا من خلاله، ولا يمكنه هو أن يحيا حياته كاملة إلا فيها، فإن أعضاء الجماعة الوظيفية هم وحدهم القادرون على الاضطلاع بوظيفتهم وهم يستمدون كينونتهم منها. وحين يتوحد عضو الجماعة الوظيفية بالمبدأ الواحد، أي الوظيفة فإنه يفنى فيها ويجسدها في الوقت نفسه، وفي كلتا الحالتين فإنه يتم اختزاله إلى مستوى واحد أو وظيفة "مقدَّسة" واحدة يكتسب منها هويته، فهو جزء من كل، يفقد ذاته فيها، ويخضع للقوانين النابعة منه والكامنة فيه. وحين تجسد الجماعة الوظيفية المبدأ الواحد تصبح مرجعية ذاتها، علة ذاتها، مكتفية بذاتها، فيمكنها أن تلغي الآخر وتراه غائباً أو ترى حضوره بغير معنى. وبحلول القداسة الكاملة في الجماعة الوظيفية يصبح أعضاؤها ذوي قيمة نهائية كامنة لا تظهر لأعضاء الأغلبية الموجودين

стр. 872

خارج دائرة القداسة. إن الرؤية الحلولية الكمونية تحل لأعضاء الجماعة الوظيفية إشكاليات عاطفية ومعرفية عميقة وتُعقلن وضعهم كعنصر بشري منبوذ متحوسل، فهي رؤية تجعلهم أو تجعل جماعتهم (الوظيفية) أو وظيفتهم موضع قداسة خاصة وكامنة فيهم، بل ركيزة نهائية في الكون. كما أنها تفسر لهم تَحوْسلهم وتَحوُّلهم إلى أداة، فقداستهم هي سبب تَحْوسلهم (تماماً كما أن عملية النبذ هي إحدى علامات الاختيار في اليهودية التي يعاني منها الشعب العضوي المختار وحده دون غيره من الشعوب غير المختارة غير المقدَّسة غير المنبوذة) ، وهي تفسر أيضاً وجودهم في المجتمعات الإنسانية (المادية) وعدم انتمائهم لها، فهم ينتمون إلى الشعب الوظيفي المقدَّس وحسب. فأعضاء الجماعة الوظيفية يجعلون أنفسهم موضع قداسة خاصة، أما أعضاء المجتمع المضيف فهم محرومون تماماً من القداسة، فهم مادة صرف، يعيشون في وحدة وجود مادية دون إله. ويمكننا الآن أن ننظر للسمات الأساسية للجماعة الوظيفية (كما حددناها في المدخل السابق) ، ولعلاقتها بالحلولية الكمونية، وكيف أن القداسة التي تسري في الوظيفة رسَّخت السمات الأساسية للجماعة الوظيفية وجعلت عضو الجماعة الوظيفية قادراً على أن يلعب دوره: ١ ـ التعاقدية (والنفعية والحيادية والترشيد والحوسلة ( أشرنا إلى أن الوظيفة تصبح المبدأ الواحد المطلق والمرجعية والركيزة النهائية التي تستند إليه الحلولية الكمونية الوظيفية. أ) المبدأ الواحد قوة لا متعينة لا تكترث بالتمايز الفردي، أي أنها تختزل الجماعة الوظيفية إلى مستوى واحد أو وظيفة واحدة؛ هي مجرد وسيلة وليست غاية.

стр. 873

ب) يُلاحَظ أن الوظيفة هنا تصبح المطلق الذي يتوحد به عضو الجماعة الوظيفية ويستبطنه، ويبدأ في صياغة حياته ويُرشِّدها ويجردها في ضوئه حتى يؤدي وظيفته على أكمل وجه ويُحوسل ذاته تماماً (فهو علاقة إنتاج أو أداة إنتاج) . والترشيد هنا هو تحقيق للذات المقدَّسة أو الرسالة المقدَّسة (من وجهة نظر عضو الجماعة الوظيفية) وعلامة على الاختيار. ولذا، تصبح الحَوسلة عملية غير مؤلمة على الإطلاق لأنها عملية جوانية نابعة من أعماق الذات. وإذا كان أعضاء الأغلبية يرون الاضطلاع بالوظيفة أمراً يحط من شأن المرء، فإن هذا يعود إلى أنهم لا يعرفون الحقيقة، إذ كيف يتأتى لمثل هؤلاء من البشر العاديين إدراك القداسة الكامنة في الذات الوظيفية المقدَّسة؟ جـ) يؤدي عضو الجماعة الوظيفية وظيفته ويتبع الإجراءات ويُطبِّقها بصرامة وكأنها شعائر عقيدة وثنية، فهو بذلك يصبح الأداة الكفء الرشيدة التي يجب أن يكونها. د) الذات المقدَّسة الوظيفية يمكنها أن تدخل علاقات تعاقدية نفعية محايدة مع الآخر، ذلك لأن الجوانب الإنسانية المركبة يمكن استبعادها (ويمكن التعبير عنها داخل الجيتو [المقدَّس] وتسريبها عبر قنوات أخرى تصب خارج المجتمع المضيف مثل صهيون وآخر الزمان) ، فالذات هنا أصبحت موضوعاً وتَجسُّداً لمبدأ واحد ووظيفة واحدة.

стр. 874

هـ) يمكن دراسة البغاء المقدَّس في الديانات الوثنية القديمة باعتباره نقطة تلتقي فيها الرؤية الحلولية الكمونية الكونية والواحدية الوظيفية (أو الحلولية الكمونية الوظيفية) ، فالبغي لم تكن تقوم بوظيفة تُدخل عليها المتعة وإنما كانت مجرد أداة تُستخدَم ووظيفة تُؤدَّى ودور يُلعب، أي أنها أداة في يد المبدأ الواحد والقوة الفاعلة المقدَّسة الكامنة في جسدها، بل إنها كانت رمز الرحم الكوني الأعظم الذي يحاول الإنسان العودة إليه والالتحام به (الذي يصبح الأرض المقدَّسة في المنظومة الحلولية الكمونية الروحية وأرض الأجداد أو تراب الوطن في المنظومة الحلولية الكمونية المادية) . ولذا، فإن أداءها لوظيفتها كان تنفيذاً لواجب مقدَّس يعطي لصاحبتها مكانة اجتماعية مرموقة وتُحقِّق كينونتها من خلال وظيفتها هذه (التمركز حول الذات) . ولكن هذه القداسة الكامنة في جسدها هي نفسها التي تجعلها مجرد أداة محايدة بالنسبة للعابدين، فهم يتواصلون مع المبدأ الواحد (الإله والرحم الكوني الأعظم في حالتهم) من خلالها ولا يكترثون بها ويدفعون لها ما تريد من أموال، أي أنهم يتعاقدون معها (تمركز حول الموضوع) ، ومن ثم يصبح المقدَّس والمُتحوسِّل شيئاً واحداً، بل إن القداسة تغدو سبب الحَوسَلة وتغدو الحَوسَلة علامة القداسة. ٢ ـ العزلة والغربة والعجز: أ) أعضاء الجماعة الوظيفية الذين يضطلعون بالوظيفة (المقدَّسة) يؤمنون بأنهم هم وحدهم الذين تَكمُن فيهم القداسة، ولذا فلا يمكنهم أن يختلطوا بالآخر، أي أعضاء المجتمع المضيف الذين لا تكمن فيهم أية قداسة، ولابد أن يعزل أعضاء الجماعة الوظيفية أنفسهم من خلال الأسماء واللغة، والمسكن والجيتو، ومن خلال العقيدة الدينية (إن أمكن) . وهكذا تصبح آليات العزل شيئاً شبيهاً بشعائر الطهارة في العقائد الحلولية الكمونية.

стр. 875

ب) وإذا كانت العقيدة الدينية هي نفس عقيدة أعضاء المجتمع المضيف، فإن أعضاء الجماعة الوظيفية يعزلون أنفسهم عن طريق تكوين جماعة دينية مغلقة أو طريقة صوفية ذات طابع حلولي كموني قوي تجعلهم موضع قداسة خاصة، مقصورة عليهم تساهم في عزلهم عن المسار العام. جـ) كما أن أعضاء الجماعة الوظيفية لا يمكن أن يكشفوا أسرار المهنة (المقدَّسة) لأعضاء المجتمع، فهي أسرار مقدَّسة تُخبَّأ وتُحفظ وليست مجرد معلومات يتداولها الناس والعوام. وأداء الوظيفة أمر مقدَّس يشبه الشعائر المقدَّسة في العقائد الحلولية حيث يصبح شكل الشعائر أهم كثيراً من أي مضمون أخلاقي لها. د) ولا شك في أن عملية العزل هذه، وهي من علامات تَميُّز الجماعة الوظيفية المقدَّسة، قد تؤدي إلى عجزها وفقدانها السيادة بسبب انعزالها عن الجماهير (المدنَّسة) ، ولكن أعضاء الجماعة الوظيفية (المقدَّسة) يعلمون تمام العلم أنهم سيحققون ذاتهم إما في الجيتو (المقدَّس) أو في آخر الزمان. ٣ ـ الانفصال عن الزمان والمكان والإحساس العميق بالهوية (مركب الشعب المختار المنفي (

стр. 876

يعيش أعضاء الجماعة الوظيفية من الناحية الوجدانية في زمانهم المقدَّس ومكانهم المقدَّس ووظيفتهم المقدَّسة. أما من الناحية الفعلية، فهم يعيشون في الحاضر وفي الجيتو بين أعضاء الأغلبية. ولكن وجودهم (وهم الجماعة موضع الحلول) في مثل هذين الزمان والمكان هو وجود عرضي مؤقت، إذ أنهم جماعة وظيفية مقدَّسة، هوية أعضائها المقدَّسة مرتبطة بالزمان والمكان المقدَّسين وبالوظيفة المقدَّسة، ولكن تم نفيهم إلى هذين المكان والزمان المدنَّسين. ولذا، فإنهم يتذكرون البلد الأصلي والعصر الذهبي حين كانوا يعيشون فيه (قبل السقوط والتبعثر والشتات) كجزء من الشعب العضوي موضع الحلول والكمون. وهم يتطلعون دائماً إلى العودة إلى هذا البلد الأصلي (أرض الميعاد والموعد والمعاد ـ صهيون) في آخر الزمان ونهاية التاريخ والعصر المشيحاني حين تتضح قداستهم الكامنة مرة أخرى ويذوبون في الكل المقدَّس الأكبر (العودة إلى الرحم حيث يعيشون حالة جنينية لا تعرف الحدود أو القيود أو السدود) . ومع هذا، فليس عليهم الانتظار حتى آخر الزمان، فهم يستعيدون قدراً من قداستهم الضائعة في المجتمع حينما يمارسون وظيفتهم المقدَّسة. والعلاقة الحلولية بين الزمان الماضي والمستقبل، وبين المكان الماضي والمكان المستقبل، جعل الحس التاريخي والسياسي عند عضو الجماعة الوظيفية ضامراً، فتَطلُّعه لكلٍّ من الماضي والمستقبل يعني، في واقع الأمر، عدم الارتباط بالحاضر أو الانتماء للوطن (وهذا الارتباط والانتماء يهددان عضو الجماعة الوظيفية لأنهما يقوضان موضوعيته وحياده وكل الصفات التي لابد أن تتوافر له ليؤدي وظيفته) .

стр. 877

لكن الرؤية الحلولية الكمونية التي تُقوِّض ارتباطه بوطنه الحالي وزمانه الحاضر تُعمِّق ارتباطه بوطنه الوهمي وبماضيه وبمستقبله المستقل وبوظيفته المقدَّسة، الأمر الذي يعني تعميق عزلته عن المجتمع وتَزايُد ارتباطه بالجماعة الوظيفية، ومن ثم يُمكِّنه ذلك من أن يظل بمنأى عن السلطة السياسية أو قريباً منها لصيقاً بها يقوم على خدمتها (كعميل وجندي مرتزق ومراب) دون أن يشارك فيها ودون أن تكون له قاعدة قوة في المجتمع. ومع هذا، فإن ثمة جماعات وظيفية تفقد صلتها بالماضي تماماً ولا تملك رؤية للمستقبل، فيعيش أعضاؤها في الحاضر ويحاولون أن يحققوا ذواتهم فيه دون ماض أو مستقبل، وهذا يتفق مع النسق الحلولي الكموني السائل الذي انتشر في العصر الحديث. وبالمثل، فإن رؤية البغايا للواقع تُركِّز في كثير من الأحيان على الحاضر أساساً (ولكن كثيراً من العاهرات يعشن فترة العمالة حتى يمكنهن مراكمة رأس المال اللازم لبدء حياة عادية [بعد التوبة] فيَعُدن إلى القرية أو الوطن الأصلي ويبدأن حياتهن بشكل طبيعي) . ومع هذا، يُلاحَظ أن المتركزين فيما نسميه «قطاع اللذة» في المجتمع يتبنون رؤية للزمن مرتبطة بالواحدية الكونية السائلة التي تنفي الماضي والمستقبل تركز على الحاضر. وأخيراً، فإن عدم الانتماء للزمان والمكان المباشرين يعني حركية هائلة، فعضو الجماعة الوظيفية لن يضرب بجذوره في الواقع المحيط به. ٤ ـ ازدواجية المعايير: أ) يؤمن عضو الجماعة الوظيفية بازدواجية المعايير التي تسم المنظومات الحلولية الكمونية الثنائية الصلبة، كما أنه يرى أن جماعته، التي يرتبط بها ارتباطاً عضوياً، جماعة مقدَّسة تسري عليها معايير أخلاقية قَبَلية صارمة لا تسري على أعضاء المجتمع.

стр. 878

ب) تبرر الرؤية الحلولية وضع الازدواج الرهيب الذي يعيش فيه عضو الجماعة الوظيفية، فهو منبوذ من المجتمع ولكنه أساسي وحيوي له، وبدون وظيفته لا تقوم للمجتمع قائمة، ولذا فإن الثنائية الصلبة تؤكد له أن سبب هذه الازدواجية هو أنه موضع حلول وكمون، فقد حل مركز المجتمع أو الكون في أعضاء الجماعة الوظيفية من أعضاء الشعب المقدَّس المختار، ومن هنا فإن العزلة المادية والنفسية تصبح أمراً مفهوماً تماماً. جـ) عضو الجماعة الوظيفية يضحي بذاته من أجل جماعته المقدسة ويفنى فيها ويتحد بها، فهو إنسان مقدس في علاقته بجماعته، ولكنه إنسان اقتصادي ذو بُعد واحد يحافظ على مصلحته ويبحث فقط عن المنفعة واللذة وتعظيم الربح والعائد في علاقته بالأغلبية، ذلك لأنها جماعة مدنَّسة يمكن استغلالها بطريقة محايدة لا علاقة لها بأي أخلاق أو معايير. د) يكمن الشر في المنظومة الحلولية الكمونية في الخلل في الإجراءات، فلا علاقة له بالقيم أو بالخير والشر (ويُلاحَظ في المنظومات الحلولية أن الحل السحري هو حل يرفض مقولات الخير والشر ويدور في إطار المعرفة التي تؤدي إلى التحكم أو في إطار الجهل الذي يؤدي إلى الخضوع ـ فالمعرفة هي القوة) . ويمكن أن نقول نفس الشيء عن عضو الجماعة الوظيفية، فالخلل في الإجراءات هو الشر الأعظم لأنه تدنيس للوظيفة المقدَّسة كما أنه تدنيس للرسالة الوظيفية المقدَّسة. ٥ ـ الحركية: غني عن القول أن العناصر السابقة كلها، من تعاقدية ونفعية إلى إحساس بالعزلة والغربة وعدم انتماء للزمان والمكان (وانتماء للزمان المقدَّس وانتماء للمكان المقدَّس) وازدواجية المعايير، تؤدي إلى حركية بالغة. ٦ ـ التمركز حول الذات (والحرية المطلقة) والتمركز حول الموضوع (والمصير المحتوم (

стр. 879

يرتبط بكل المفاهيم السابقة (التعاقدية ـ العزلة والغربة والعجز ـ إلغاء الزمان والمكان والهوية الوهمية ـ الحركية ـ ازدواج المعايير ... إلخ) موقفان متناقضان من الحرية يُعبِّران عن الاستقطاب الأعمق: التمركز حول الذات التي تجسد المبدأ الواحد وتصبح مركز الكون والغاية من وجوده وموضع الحلول وينجم عن هذا إحساس عميق بالحرية الكاملة الناجمة عن عدم خضوع الذات لأية قوانين أخلاقية أو اجتماعية، أما الموقف الثاني فهو التمركز حول الموضوع، أي الجماعة الوظيفية التي تتم حوسلتها وترشيدها لصالح الوظيفة الموضوعية وفي خدمة أعضاء الأغلبية. وينتج عن هذا إحساس بالحتمية وبأن لا خيار أمام عضو الجماعة الوظيفية وبأنه يفعل ما يفعل لأن هذا مقدر له، فذاته لا وجود لها خارج الوظيفة التي يضطلع بها أو خارج وضعه في المجتمع، لأنها ذات متحوسلة تماماً. (وقد بيَّنا أن هذه الازدواجية الحادة وهمية، تشبه الحالة الجنينية التي تنتهي عادةً بالواحدية) . ويظهر هذا الوضع في حالة البغايا بشكل حاد ومتبلور، فالبغي متحررة تماماً من أية قوانين أخلاقية، وهي تقف خارج حدود المجتمع ترتدي ما تريد من أزياء وتسلك بالطريقة التي تعجبها متمركزةً تماماً حول ذاتها، ولكنها مع هذا شخصية منبوذة تماماً غير قادرة على الاضطلاع بأية وظائف أخرى. ومن المعروف أن البغايا يُؤمنّ إيماناً عميقاً بأنهن يعملن بوظيفتهن لأنه أمر مقدر لهن (مكتوب على الجبين) ، وهذه هي الطريقة الوحيدة التي تتيح لها أن تستمر في حالة الحوسلة الكاملة (حوسلة الجسد والعواطف) والتَموضُع المطلق (التمركز حول الموضوع) التي تعيش فيها. فكأن عضو الجماعة الوظيفية يتأرجح بين الحرية المطلقة للشعب المختار والمصير المحتوم المفروض على الإنسان المختار المتحوسل. وهذا الاستقطاب هو إحدى السمات الأساسية للرؤى الحلولية الكمونية (المركز الكامن يتجسد في الفرد فيتمركز حول ذاته ويصبح حراً بشكل يتجاوز ما هو

стр. 880

إنساني، والمركز الكامن يسري في الظواهر فيتمركز حول الموضوع ويخضع له كل شيء، وضمن ذلك الإنسان (. ويمكننا الآن مناقشة علاقة الجماعات الوظيفة (باعتبارها تعبيراً عن الحلولية الكمونية) بالدولة القومية العلمانية (وهي تعبير آخر عن الحلولية الكمونية) . تقبل المجتمعات التقليدية وجود الجماعات الوظيفية فيها داخل جيتوات حيث تتمركز كل جماعة حول هويتها ووظيفتها ومطلقها، وهو أمر ممكن إذا كان المركز القومي ضعيفاً وكانت الدولة تتسم بعدم المركزية. ومع الثورة البورجوازية، يظهر الفكر القومي العضوي والدولة القومية المركزية العلمانية المطلقة، وهي دولة تجعل ذاتها موضع الحلول والكمون الوحيد، وأقصى تَركُّز له، والمركز (الموضوع) الوحيد الذي يلتف حوله المواطنون. فالدولة القومية تطلب من الجميع التخلي عن هويتهم ليدينوا لها وحدها بالولاء، وعليهم التخلي عن مطلقاتهم الدينية (أو على الأقل إخفاؤها) داخل ما يُسمَّى بالحياة الخاصة خارج رقعة الحياة العامة أو المدنية، أي أن الحلولية الكمونية القومية تحل محل كل الحلوليات الهامشية، وضمنها حلولية أعضاء الجماعة الوظيفية، إذ يَتجسَّد المركز في الدولة المطلقة وعلى كل الأطراف اتباعه. وبسيادة الدولة القومية، وتَزايُد عمليات الترشيد في المجتمع، تتم حوسلة كل أعضاء المجتمع ويتوحد الجميع بالمبدأ الواحد والمطلق العلماني والركيزة النهائية (مصلحة الدولة) ، ويدخل الجميع في علاقات تعاقدية نفعية وظيفية ويصبح الجميع حركيين لا انتماء لهم يعيش كل فرد في الجيتو الخاص به، أي تتم حوسلة الجميع ويصبح الجميع وظيفيين ويصبح كل البشر مثل أعضاء الجماعة الوظيفية. وهكذا، يسود الفكر العلماني، أي الفكر الحلولي الكموني المادي (وهذا ما سماه ماركس عملية «تهويد المجتمع» ) . وحين يسود هذا الوضع على المستوى العالمي، ويتم فرض الواحدية على شعوب الأرض كافة، فإننا ندخل عصر الحلولية الشاملة السائلة وما بعد
следующие страницы →