← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

آثار الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي (١) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن تأليف الشيخ العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (١٣٢٥ - ١٣٩٣) إشراف بكر بن عبد الله أبو زيد المجلد الأول الفاتحة - النساء دار عطاءات العلم - دار ابن حزم

стр. 2

مَدْخَل إلى مَشْروع (آثارِ الشَّيخ العلَّامة محمد الأمين الشِّنْقِيطي) وفيه: • مُقَدِّمة المُشْرِف العامّ على المشروع فضيلة الشيخ بَكْر بن عبد الله أبو زيد • خِطَّة العمل في المشروع لـ عليِّ بن محمَّد العِمْران • ترجمة مختصرة للشَّيخ العلامة محمد الأمين الشِّنْقِيطي للشيخ خالد بن عثمان السبت

стр. 3

مقدمة المشرف العام على مشروع (آثار الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي) فضيلة الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد -حفظه الله- رئيس مجمع الفقه الإسلامي بجدة الحمد لله على آلائه المتكاثرة ونعمه المتواترة، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم. أما بعد؛ فهذا مشروع جديد من سلسلة المشاريع العلمية المباركة -إن شاء الله تعالى-: التي بدأناها بـ: - آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال. وقد طبع منه ثلاثة عشر مجلدًا، والبقية تحت الإعداد. - ثم تبعها: آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال. وقد طبع منه ثمانية مجلدات، ومثلها في العدد سيطبع قريبًا. ولا زال العمل مستمرًا فيهما. - وهذا هو المشروع الثالث ضمن هذه السلسلة وهو: آثار فضيلة شيخنا العلامة الفقيه الأصولي المفسر المجتهد محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي ثم المدني، المولود سنة ١٣٢٥ - على الأرجح- والمتوفي سنة ١٣٩٣ - رحمه الله تعالى-. وقد بدأت طباعة كتب الشيخ -رحمه الله تعالى- في حياته مما ألفه هو، أو مما جمعه طلابه من محاضراته، وبعضها طبع بعد وفاته، وبعضها لم يطبع إلا قريبًا، وبعضها لم يطبع حتى الآن -وهو (الرحلة

стр. 4

إلى إفريقيا) و (الفتاوى) -. وفي عملنا هذا ضممنا جميع كتب الشيخ التي وقفنا عليها، فلم يبق له كتاب أو رسالة إلا دخلت ضمن هذا العمل، فجرى تحقيق جملةٍ منها مما وجدنا له أي أصلٍ يُعْتمد عليه، وصحَّحنا جملةً أخرى، حتى اكتمل عقدها في تسعة عشر مجلدًا. وقد استغرق العمل فيها من بدايته حتى استوى على سوقه نحو ثلاث سنوات مع الاشتغال بالمشاريع العلمية الأخرى، وهذا من ثمرات التعاون بين جميع المشاركين في هذا العمل. وسيأتي في (خطة العمل في هذا المشروع) شرح وافٍ لذلك. ونشير هنا إلى أمور: الأول: يسرُّ مجمع الفقه الإسلامي بجدة المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي أن تكون طباعة آثار العلامة الشنقيطي ضمن منشوراته؛ لما فيها من العلم والتحقيق الذي يلتقي مع أهداف المجمع الذي أُسِّس من أجلها. الثاني: من نعمة الله تعالى موافقة الشيخ سليمان بن عبد العزيز الراجحي على تمويل هذا المشروع بواسطة مؤسسته الخيرية، جزاه الله خيرًا. الثالث: في ترجمة شيخنا اكتفينا بترجمة مختصرة في مقدمة المشروع، لحين تيسر كتابة ترجمة واسعة لائقة بمكانة الشيخ -رحمه الله تعالى-. الرابع: بعد هذه التقدمة شرح مفصل لمراحل العمل في

стр. 5

المشروع، والكتب الداخلة فيه، وطريقة التحقيق والتصحيح، وذِكْر المشاركين فيه. خامسًا: نشكر جميع من أسهم في إنجاح هذا العمل العلمي المبارك، ونُهيب بكل من لديه فائدة أو مشورة تُعِين على تسديد هذا العمل وتكميله على التواصل معنا. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم. بكر بن عبد الله أبو زيد

стр. 6

خطة العمل في (آثار الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي) الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون. والحمد لله الذي لا يُؤدَّى شُكْرُ نعمةٍ من نِعَمِهِ إلا بنعمةٍ منه توجب على مُؤدِّي ماضي نعمه بأدائها نعمةً حادثةً يجب عليه شكره بها. ولا يبلغ الواصفون كُنه عظمته الذي هو كما وصَفَ نفسَه وفوقَ ما يصفُه به خلقُه. أحمده حمدًا كما ينبغي لكرم وجهه وعِز جلاله، وأستعينه استعانةَ من لا حول له ولا قوة إلا به، وأستهديه بهداه الذي لا يضل من أنعم به عليه، وأستغفره لما أَزلفتُ وأَخرتُ: استغفار من يُقر بعبوديته ويعلم أنه لا يغفر ذنبه ولا ينجيه منه إلا هو. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله (١). أما بعد: فهذا المشروع المبارك -إن شاء الله تعالى- هدفه طباعة جميع كتب الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي ﵀ سواء تلك الكتب التي ألَّفها، أو تلك الأمالي والمحاضرات التي كان يلقيها على الطلاب في المعاهد والكليات العلمية، فتُدَوَّن وتُعرض عليه ويجيزها، أو تلك الدروس التي ألقاها في مجالسه العلمية في المسجد النبوي وغيره وسجلت عنه في أشرطة، أو المحاضرات التي كان يلقيها _________ (١) اقتباس من مقدمة (الرسالة): ٨ - ٩ للشافعي.

стр. 7

أو يكتبها في الملتقيات الثقافية، أو الفتاوى التي كان يجيب بها على المستفتين. هذا هو شرط هذا المشروع في جميع الكتب التي أُدْرِجَت فيه، فلم نُدْخِل فيه المذكِّرات غير النصِّيَّة كـ (تفسير سورة هود وسورة النور) باعتناء الأهدل، والمقيَّدات في أثناء الدروس والمحاضرات، وكذا أعمال الجمع والترتيب من كلام الشيخ وكتبه كـ (سلالة الفوائد الأُصولية) للسديس وغيرها، والكتب الناقصة كـ (رسالة له في النحو) ... وغيرها. ولم ندخِل كذلك الإكمالات لما تركه الشيخ ناقصًا كـ (تكملة أضواء البيان) للشيخ عطية سالم وهي المجلدان الثامن والتاسع من المطبوع، و (تكملة شرح المراقي) لمن أكملها من طلابه، وهي شرح نحو مئة وستين بيتًا. وعليه فالكتب التي دخلت في هذا المشروع -بحسب ترتيبها فيه- هي: ١ - أضْوَاءُ البيَانِ في إيضَاحِ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ (١ - ٧). ٢ - العَذْبُ النَّمِيرُ مِنْ مَجَالِسِ الشِّنْقِيطِيِّ في التَّفْسِيرِ (١ - ٥). ٣ - دَفْعُ إيهَامِ الاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ. ٤ - مَنْعُ جَوَازِ المَجَازِ في المُنَزَّلِ للتَّعَبُّدِ والإعْجازِ. ٥ - شَرْحُ مَرَاقِي السُّعُوْدِ. المطبوع باسم (نَثْرُ الوُرُوْدِ) (١ - ٢). ٦ - مُذَكِّرَةُ أُصُوْلِ الفِقْهِ على رَوْضَةِ النَّاظِرِ. ٧ - آدابُ البحثِ والمناظرة. ٨ - رِحْلَةُ الحَجِّ إلى بَيتِ اللَّهِ الحَرامِ.

стр. 8

٩ - الرِّحْلَةُ إلى إفْرِيقِيا -يطبع لأول مرة-. ١٠ - الفَتَاوَى وهي خمس -تطبع لأول مرة-. ١١ - المُحَاضَرات [*]، وهي: • المصالحُ المُرْسَلَةُ. • منهجُ التشريعِ الإسلاميِّ وحِكْمَتُه. • الإسلامُ دِينٌ كامِلٌ. • منهجٌ ودراساتٌ لآياتِ الأسماءِ والصِّفاتِ. • المُثُلُ العُلْيا في الإسْلامِ. • فتوى في تحريم التعليم المُخْتَلَطِ. • بيانُ الناسِخِ والمنْسُوخِ من آيِ الذِّكْرِ الحكيم. وكان العمل في هذه الكتب على نوعين: الأول: تحقيق، وهي خمسة كتب: • العذب النمير، والرحلة إلى إفريقيا، كلاهما من تحقيق الشيخ خالد بن عثمان السبت. • شرح مراقي السعود (المطبوع باسم نثر الورود)، حققه: علي بن محمد العمران. • آداب البحث والمناظرة، حققه: الشيخ سعود بن عبد العزيز العريفي. • الفتاوى -وهي خمس-، حققها: الشيخ سليمان بن عبد الله العمير. _________ [*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: وأضيف لهم محاضرة ثامنة بعنوان «حول شبهة الرقيق» في هذا الطبعة

стр. 9

الثاني: قراءة وتصحيح ، وهي بقية الكتب. أما العمل في هذه الكتب تحقيقًا وتصحيحًا فهدفه الأساس هو الخروج بنصٍّ صحيح خال من الأخطاء، أقرب ما يكون إلى ما تركه المؤلف. غير أن الكتب المحققة تمتاز بالعناية بنص الكتاب؛ بالاعتماد على أصوله الخطية أو المسموعة، وبالتخريج لآياته وأحاديثه وأشعاره، والترجمة لأعلامه، والتعليق على مسائله، وغيرها مما تتطلبه مهمة التحقيق. وفي مقدمات تلك الكتب المحققة ما يُغني عن تفصيل القول في كل كتاب هنا. أما الكتب المصححة، فنفصِّل القولَ فيها كالتالي: • أضواء البيان: وكان العمل فيه كالتالي: - اعتمدنا في المقابلة على النسخة المطبوعة في حياة الشيخ -رحمه الله تعالى- وهي طبعة المدني. - وضعنا أرقام صفحات الطبعة القديمة في هوامش طبعتنا لتسهيل الرجوع إليها. وهذا صنعناه في (أضواء البيان) خاصة. - صححنا الأخطاء المطبعية المنتشرة في الكتاب وهي كثيرة جدًّا، خاصة في النصوص الشعرية، واستفدنا من التصحيحات التي قيَّدها الشيخ عبد الرحمن السديس على نسخته. - أعدنا تنسيق نصوص الكتاب من جديد، فقسَّمنا النصَّ إلى

стр. 10

فقرات تُعِين على فهمه وترتيب أفكاره وموضوعاته، مع مراعاة عدم المبالغة في هذا الأمر، وأصلحنا الخلط الواقع فيها. - ومن ذلك أن جعلنا الآيات التي خصَّها الشيخ بالشرح تبدأ بفقرة جديدة وقبلها علامة (*). - راجعنا كثيرًا من النصوص التي ينقلها الشيخ من المصادر عند وجود إشكالٍ ما. - لم نتصرف في نصوص الكتاب بالتغيير ونحوه إلا عند التأكد من الخطأ. مع التقليل من الأقواس [] أو () عند إضافة نصٍّ أجنبي. - إذا لم يتبين لنا وجه الصواب في العبارة، تركناه كما هو مع الإشارة في الهامش إلى ذلك. - اعتنينا بعلامات الترقيم، بلا مبالغة أو تفريط. • مذكرة أصول الفقه: - اعتمدنا في المقابلة على الطبعة السلفية التي طبعت في حياة الشيخ عام ١٣٩١. - صححنا الكتاب بنحو ما تقدم في (أضواء البيان). - استفدنا من بعض التصحيحات في بعض الطبعات الأخرى. - أحلنا على "روضة الناظر" (١) في كل موضع يشرحه الشيخ، ووضعنا نصوص "الروضة" بين قوسين كبيرين بخط أثخن تمييزًا له. _________ (١) بتحقيق الشيخ عبد الكريم النملة، في ثلاثة مجلدات.

стр. 11

• دفع إيهام الاضطراب: - استفدنا من عدة طبعات للكتاب، الطبعة القديمة التي طبعت في حياة الشيخ، وطبعة أخرى في مجلة الجامعة الإسلامية، وطبعة مكتبة ابن تيمية. - صححنا الكتاب بنحو ما تقدم في أضواء البيان. - صححنا الكتاب أكثر من ثلاث مرات، وراجعنا لحل الإشكالات كتب الشيخ الأخرى. وكان في النية الإحالة على أضواء البيان في المواضع التي تعرَّض لشرحها، لكن لم يتيسر ذلك. • منع جواز المجاز: - اعتمدنا في المقابلة على الطبعة القديمة للكتاب، التي طبعت في حياة الشيخ ﵀. - صححنا الكتاب بنحو ما تقدم في أضواء البيان. - راجعنا الأشعار على مصادرها من كتب الشواهد والدواوين لكثرتها، وضبطنا ما هو بحاجة إلى ضبط. - أحلنا على الكتب التي صرح الشيخ بالنقل عنها. • رحلة الحج إلى بيت الله الحرام: - اعتمدنا في المقابلة على الطبعة الأولى التي طبعت عام ١٤٠٣ أي بعد وفاة الشيخ بعشر سنوات، مع أن الشيخ كان قد انتهى من إملائه قبل وفاته. - صححنا الكتاب بنحو ما تقدم في أضواء البيان.

стр. 12

- أعدنا تصحيحه والاعتناء به ثلاث مرات. • المحاضرات: - ضممنا تحت هذا العنوان كل المحاضرات التي عرفناها مما ألقاه أو أملاه الشيخ في المواسم الثقافية في الجامعة الإسلامية وهي خمس، ثم ألحقنا بها (فتوى في تحريم التعليم المختلط)، و (شرحًا لأبيات السيوطي في الناسخ والمنسوخ من الآيات) [*]. - اعتمدنا في تلك المحاضرات وما تبعها على أقدم الطبعات، غير محاضرة (منهج ودراسات لآياتِ الأسماءِ والصِّفاتِ) فقد حصلنا على شريط مسجل لها فكان عليه الاعتماد. و (تحريم التعليم المختلط) اعتمدنا على نسخة مكتوبة على الحاسب. - تراجع مقدمة (المحاضرات) لزيادة التفصيل. وبعد؛ فقد صار عدد مجلدات هذا المشروع تسعة عشر مجلدًا؛ سبعة (للأضواء)، وخمسة (للعذب النمير)، ومجلدان (لشرح المراقي)، ومجلد (للمذكرة)، ومجلد ضممنا فيه كتابين: (دفع الإيهام، ومنع جواز المجاز)، ومجلد (لآداب البحث)، ومجلد (لرحلة الحج)، ومجلد ضممنا فيه ثلاثة كتب: (الرحلة إلى أفريقيا، والفتاوى -وهي خمس-، والمحاضرات -وهي سبع [*]-). وكان من المؤمل صنع ترجمة كبيرة لائقة بالشيخ الأمين يكتبها تلميذه شيخنا العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد المشرف العام على المشروع لكن حال دون ذلك حوائل، ولذا اكتفينا بالترجمة الموجزة التي كتبها الشيخ خالد السبت في مقدمة (العذب النمير) مع بعض الزيادات. _________ [*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: أضيفت محاضرة (حول شبهة الرقيق)، في هذه الطبعة الجديدة، فعدد المحاضرات فيها ٨

стр. 13

ونحن نعقد العزم بعد الانتهاء من هذا المشروع الكبير على صنع فهارس شاملة مفصلة ومتنوعة، نظرية وعلمية لجميع الكتب، تجمع في مجلد واحد. وكان قد صنع بعض طلبة العلم فهارس متنوعة لأكثر كتب الشيخ إلا أنه بحاجة إلى بعض الإكمال والتصحيح وتحويل أرقام الصفحات إلى طبعاتنا. كما نشكر جميع المشايخ المشاركين في إنجاز هذا العمل الكبير سواء في التحقيق وهم: الشيخ سليمان بن عبد الله العمير الأستاذ بالجامعة الإسلامية بالمدينة، والشيخ خالد بن عثمان السبت الأستاذ بكلية المعلمين بالدمام، والشيخ سعود بن عبد العزيز العريفي الأستاذ بجامعة أم القرى بمكة. أو التقويم والتصحيح وهم: الشيخ أحمد حاج عثمان، والشيخ عبد الرحمن بن حسن بن قائد. وكذلك الأفاضل الذين شاركوا في المراجعة والمقابلة مثل: الأخ عبد الرحمن بن سالم الأهدل، ونايف بن محمد القطاع، وغيرهم. وفي ختام هذه المقدمة ندعو كل المهتمين بكتب العلامة الشنقيطي إلى التواصل معنا بكل ما يستدرك سواء من كتب أو أشرطة وقفوا عليها لم تدخل في المشروع، أو من تصحيحات في نصوص الكتب، أو اقتراحات تُثرْي العمل وتسدده. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. كتبه: علي بن محمد العمران ٨ / جمادى الآخرة / ١٤٢٦

стр. 14

تَرْجَمَةُ الشيخ العَلَاّمَةِ الْمُفَسِّرِ الأُصُولِيِّ مُحَمَّدِ الأَمِينِ الشَّنْقِيطِيِّ (١) أولا: اسْمُهُ وَنَسَبُهُ هو محمدُ الأمينُ بنُ محمدِ المختارِ بنِ عبدِ القادرِ بنِ محمدِ بنِ أحمدَ نوحِ بنِ محمدِ بنِ سَيِّدِي أحمدَ بنِ المختارِ. من أولادِ الطالبِ أوبك، الذي هو من أولادِ كريرِ بنِ الموافِي بنِ يعقوبَ بنِ جاكن الأبر، جد القبيلةِ المعروفةِ بالجكنيين، التي يَرْجِعُ نَسَبُهَا إلى حِمْيَرَ. ثانيا: مَوْلِدُهُ وَنَشْأَتُهُ وُلِدَ الشيخُ ﵀ سنةَ (١٣٢٥) عندَ ماءٍ يُسَمَّى (تَنْبَة) من أعمالِ (كيفا) من موريتانيا. وقد نشأ الشيخُ ﵀ يَتِيمًا؛ إذ تُوُفِّيَ والدُه وهو صبيٌّ صغيرٌ لا زَالَ يقرأُ في جزءِ عمَّ من القرآنِ الكريمِ. فَتَرَعْرَعَ الغلامُ في بيتِ أخوالِه الذين هُمْ من بَنِي عمومته؛ ذلك أن والدتَه كانت ابنةَ عمِّ أبيه، وكان ذلك البيتُ الذي تَرَبَّى فيه الشيخُ ﵀ يزخرُ بمزيدٍ من العلمِ فضلاً عمَّا يكتنفُ تلك البيئةَ من قُطْرِ شنقيطَ عمومًا من انتشارٍ _________ (١) مصادر الترجمة: ترجمة تلميذه الشيخ عطية سالم، وهي مطبوعة في آخر أضواء البيان، «علماء ومفكرون عرفتهم» للمجذوب (١/ ١٧١)، «ترجمة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي» للسديس، «جهود الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تقرير عقيدة السلف» للطويان (رسالة ماجستير مقدمة في الجامعة الإسلامية عام ١٤١٢ هـ ثم طُبِعت في مجلدين عن مكتبة العبيكان) وغيرها.

стр. 15

للعلمِ وَذَوِيهِ، والأدبِ وأربابِه، والفروسيةِ ورجالاتها. وكان أبوه قد خَلَّفَ له ثروةً من المالِ والحيوانِ، ولم يُخَلِّفْ وَلَدًا سِوَاهُ. يقول الشيخُ ﵀ متحدثًا عن بعضِ أيامِ الصِّبا: "كنتُ أَمِيلُ إلى اللَّعِبِ أكثرَ من الدراسةِ، حتى حفظتُ الحروفَ الهجائيةَ، وبدءوا يُقْرِئُونَنِي إياها بالحركاتِ (ب، فتحة بَا، ب، كسرة بِي، ب ضمة بُو) وهكذا .. فقلتُ لهم: أَوَكُلُّ الحروفِ هكذا؟ قالوا: نَعَمْ، فقلتُ: كفى، إني أستطيعُ قِرَاءَتَهَا كُلَّهَا على هذه الطريقةِ؛ كي يتركوني، فقالوا: اقْرَأْهَا. فقرأتُ بثلاثةِ حروفٍ أو أربعةٍ، وتنقَّلْتُ إلى آخِرِهَا بهذه الطريقةِ، فعرفوا أني فهمتُ قَاعِدَتَها، واكتفوا مني بذلك، وتركوني، ومن ثم حُبِّبَتْ إِلَيَّ القراءةُ" ا. هـ. ولما أتم العاشرةَ من عمرِه فَرَغَ من حفظِ القرآنِ الكريمِ على خالِه عبدِ اللَّهِ بنِ محمدٍ المختارِ بنِ إبراهيمَ بنِ أحمدَ نوحٍ. ثالثا: طَلَبَهُ لِلْعِلْمِ بعدَ أن أَتَمَّ حفظَ القرآنِ في سِنِّ العاشرةِ تَعَلَّمَ رسمَ المصحفِ العثمانيِّ على ابنِ خالِه، وهو سيدي محمدِ بنِ أحمدَ بنِ محمدٍ المختار، كما قرأَ عليه التجويدَ في مَقْرَأِ نافعٍ، بروايةِ وَرْشٍ، من طريقِ أبي يعقوبَ الأزرقِ، وقالون من روايةِ أبي نشيطٍ، وأخذَ عنه سَنَدًا بذلك إلى النبيِّ ﷺ ، وكان قد بلغَ من العمرِ ستةَ عشرَ عامًا. كما دَرَسَ أثناءَ تلك القراءةِ بعضَ المختصراتِ في الفقهِ على

стр. 16

مذهبِ الإمامِ مالكٍ، كرجزِ ابن عَاشِرٍ، كما درسَ الأدبَ مع شيءٍ من التوسعِ على زوجةِ خالِه، وأخذَ عنها إضافةً إلى الأدبِ: مبادئَ النحوِ كالآجرومية، وبعضِ التمرينات، كما أخذَ عنها بتوسعٍ: أنسابَ العربِ وأيامَهم، والسيرةَ النبويةَ، ونظم الغزوات لأحمد البدوي الشنقيطي -وهو يَرْبُو على خمسمائة بيتٍ مع شَرْحِهِ لابنِ أختِ المؤلفِ المعروفِ بحماد-، ودرسَ عليها أيضا نظمَ عمودِ النسبِ للمؤلفِ نفسِه، وهو نظمٌ طويلٌ يُعَدُّ بالآلافِ، بالإضافةِ إلى شرحِه لابنِ أختِ المؤلفِ (القدر المتعلق بالعدنانيين). كُلُّ ذلك حَصَّلَهُ في بيتِ أخوالِه!! وقد أَخَذَ عن غيرِهم الفقهِ المالكيِّ من مختصرِ خليلٍ، والنحوَ من ألفيةِ ابنِ مالكٍ وغيرِها، والصرفَ، والأصولَ، والبلاغةَ، وشيئًا من الحديثِ، والتفسيرِ. أما المنطقُ وآدابُ البحثِ والمناظرةِ فكان تحصيلُه لها عن طريقِ المطالعةِ. يُحَدِّثُنَا الشيخُ ﵀ عن بدايةِ الطلبِ فيقول: "وَلَمَّا حَفِظْتُ القرآنَ، وأخذتُ الرسمَ العثمانيَّ، وتفوَّقْتُ فيه على الأقرانِ، عُنِيَتْ بي والدتي وأخوالي أَشَدَّ عنايةٍ، وعزموا على توجيهي للدراسةِ في بقيةِ الفنونِ، فجهَّزَتْنِي والدتي بِجَمَلَيْنِ، أحدهما عليه مَرْكَبِي وَكُتُبِي، والآخَرُ عليه نَفَقَتِي وَزَادِي، وصحبني خادمٌ ومعه عدةُ بقراتٍ، وقد هَيَّأَتْ لي مركبي كأحسنِ ما يكونُ من مركبٍ، وملابسَ كأحسنِ ما تكونُ، فَرَحًا بي، وَتَرْغِيبًا لي في طلبِ العلمِ، وهكذا سَلَكْتُ سبيلَ الطلبِ والتحصيلِ" اهـ.

стр. 17

رَابِعًا: هِمَّتُهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ كان الشيخُ ﵀ يتمتعُ بهمةٍ عاليةٍ في طلبِ العلمِ، فَلَمْ يكن يُفَوِّتُ مسألةً مما دَرَسَ دونَ استيعابٍ وتمحيصٍ، وإن كَلَّفَهُ ذلك جهودًا مضنيةً وأوقاتًا طويلةً، وإليك هذه الواقعةَ التي تُنَادِي بما ذكرتُ، يقولُ الشيخُ ﵀: "جِئْتُ للشيخِ في قراءتِي عليه، فَشَرَحَ لي كما كان يشرحُ، ولكنه لم يَشْفِ ما في نفسي على ما تَعَوَّدْتُ، ولم يَرْوِ لي ظَمَئِي، وقمتُ من عنده وأنا أَجِدُنِي في حاجةٍ إلى إزالةِ بعضِ اللبسِ، وإيضاحِ بعضِ المُشْكِلِ، وكان الوقتُ ظُهْرًا، فأخذتُ الكتبَ والمراجعَ، فَطَالَعْتُ حتى العصرِ، فلم أَفْرَغْ من حاجتِي، فعاودتُ حتى المغربِ، فلم أَنْتَهِ أيضًا، فَأَوْقَدَ لِي خَادِمي أعوادًا من الحطبِ أقرأُ على ضَوْئِهَا، كعادةِ الطلابِ، وواصلتُ المطالعةَ، وأتناولُ الشاهي الأخضرَ كُلَّمَا مَلِلْتُ أو كَسِلْتُ، والخادمُ بجواري يوقدُ الضوءَ، حتى انبثقَ الفجرُ وأنا في مجلسي لم أَقُمْ إلا لصلاةِ فرضٍ أو تناولِ طعامٍ، وإلى أن ارتفعَ النهارُ وقد فَرَغْتُ من درسي وزالَ عني لَبْسِي، ووجدتُ هذا المحلَّ من الدرسِ كغيره في الوضوحِ والفَهْمِ .. " ا. هـ هكذا كان يصنعُ ﵀ حينما يعرضُ له إشكالٌ!! بالإضافةِ إلى ما كانَ يكابدُه من سهرٍ في تَتَبُّعِ كلامِ الشُّرَّاحِ للكتابِ الذي يشتغلُ بدراستِه طَلَبًا لاستيفاءِ كُلِّ ما قِيلَ في المسألةِ أو البابِ. خَامِسًا: غَزَارَةُ عِلْمِهِ وَسِعَةُ اطِّلَاعِهِ حَبَا اللَّهُ الشيخَ ﵀ ذكاءً مُفْرطًا، وحافظةً نادرةً، وهمةً عاليةً، فَسَخَّرَ ذلك كُلَّهُ في تحصيلِ العلمِ وجَمْعِه بمختلفِ فنونِه

стр. 18

وصنوفِه، من عقيدةٍ، وتفسيرٍ، وحديثٍ، وأصولٍ، وعربيةٍ ... وكان كلامُه في العلمِ يَشُدُّ كُلَّ مَنْ سَمِعَهُ، حتى يُخَيَّلَ للسامعِ أن الشيخَ أَفْنَى عمرَه في ذلك الفنِّ ولا يُحْسِنُ غيرَه! وهذه ليست من المبالغةِ في شيءٍ، وَمَنْ قَرَأَ كتابَه "الرحلة"، أو سَمِعَ شيئًا من محاضراتِه ومناظراتِه، سواءً في المدينةِ النبويةِ، أو ما سُجِّلَ له إبِّانَ زيارتِه لعشرِ دولٍ إفريقيةٍ على رأسِ وَفْدٍ من الجامعةِ، عَرَفَ حقيقةَ ما ذَكَرْتُ، كما أن دروسَه الْمُسَجَّلَةَ في التفسيرِ أكبرُ شاهدٍ على ذلك. ولقد صدقَ ﵀ حينما قال: "لَا توجدُ آيةٌ في القرآنِ إلا دَرَسْتُهَا عَلَى حِدَةٍ" ا. هـ. وقال: "كُلُّ آيَةٍ قال فيها الأَقْدَمُونَ شيئًا فهو عِنْدِي"!! ولما قال له أحدُ الأشخاصِ: "إن سليمانَ الجَمَلِ -صاحبَ حاشيةِ الجَمَلِ على الجَلَالَيْنِ- لم يَقُلْ هَذَا". قال: "أَحْلِفُ لكَ باللَّهِ أني أعلمُ بكتابِ اللَّهِ من سليمانَ الجملِ بكذا؛ لأني أخذتُ المصحفَ من أَوَّلِهِ إلى آخِره، ولم تَبْقَ آيةٌ إلا تَتَبَّعْتُ أقوالَ العلماءِ فيها، وعرفتُ ما قالوا". وكان ﵀ يحفظُ من أشعارِ العربِ وشواهدِ العربيةِ الآلافَ المؤلفةَ من الأبياتِ، كما كان يحفظُ أكثرَ أحاديثِ الصحيحين، وألفيةَ ابنِ مالكٍ، وَمَرَاقِي السعودِ، وألفيةَ العراقي، وغيرَ ذلك من المنظوماتِ في السيرةِ النبويةِ، والغزواتِ، والأنسابِ، والمتشابِه من

стр. 19

ألفاظِ القرآنِ، وشيئًا من المتونِ في الفقهِ نَثْرًا ورَجَزًا. وَمَنْ يسمع شيئًا من دروسِ التفسيرِ لم يَسْتَكْثِرْ ذلك عليه. سَادِسًا: عَقِيدَتُهُ إن من الأمورِ البارزةِ التي تَشُدُّ انتباهَ المستمعِ لدروسِ الشيخِ ﵀ أو القارئِ لهذا المكتوبِ منها، كثرةَ تقريرِه لاعتقادِ أهلِ السنةِ والجماعةِ في جميعِ الأبوابِ الاعتقاديةِ -خاصةً ما يتعلقُ بالأسماءِ والصفاتِ- فهو يُقَرِّرُ ذلك كُلَّهُ بعبارةٍ واضحةٍ على قواعدَ راسخةٍ مع حشدٍ من الأدلةِ النقليةِ والعقليةِ، حتى إن المستمعَ لكلامِه أو القارئَ له يُخيَّلُ إليه أن الشيخَ ﵀ لا يُحْسِنُ غيرَ هذا البابِ من العلمِ. وَمَعَ تَوَسُّعِ الشيخِ ﵀ في تقريرِ عَامَّةِ هذه المسائلِ وإفاضتِه في الاحتجاجِ للمعتقَد الحقِّ فيها، كانَ لا يَكِلُّ ولا يَمَلُّ من تَكْرَارِ ذلك عند كُلِّ مُنَاسَبَةٍ، فنجدُ أنه يتكلمُ في بيانِ الأُسُسِ الثلاثةِ التي يُبْنَى عليها المعتقدُ الصحيحُ في الصفاتِ في ثمانيةِ مواضعَ من هذه الدروسِ التي وَصَلَتْ إلينا، وهكذا كلامُه على موضوعِ التشريعِ وَالْحُكْمِ بغيرِ ما أنزل اللَّهُ، وكذا عند بيانِ اختصاصِ اللَّهِ تعالى بعلمِ الغيبِ، كما نجدُ الردَّ على القدريةِ في سبعةِ مواضعَ، وكذا عَرْضُ المناظرةِ بين الإسفرائيني والقاضي عبدِ الجبارِ في الْقَدَرِ، وفي ستةِ مواضعَ يُقَرِّرُ صفةَ الاستواءِ، وفي مِثْلِهَا يذكرُ المحاورةَ التي وَقَعَتْ بين الأعرابيِّ وعمرِو بنِ عُبَيْدٍ في القدرِ، إلى غيرِ ذلك مما يتكررُ في هذه الدروسِ المباركةِ من مسائلِ الاعتقادِ. وهذا التقريرُ لمسائلِ الاعتقادِ لا يقتصرُ على الدروسِ التي كان

стр. 20

يُلْقِيهَا في التفسيرِ في مسجدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ بل نَجِدُهَا مبثوثةً في كُتُبِهِ، لا سيما "أضواء البيان" (١). ولم يكن تَمَكُّنُ الشيخِ ﵀ مُقْتَصِرًا على اعتقادِ أهلِ السنةِ، بل هو راسخُ المعرفةِ بمذاهبِ المتكلمين ووجوهِ بُطْلَانِهَا، وهذا ظاهرٌ بجلاءٍ فيما يُقَرِّرُهُ في هذه الدروسِ وفيما ذَكَرَهُ في كُتُبِهِ، وقد قال ﵀ عندَ تفسيرِ الآيةِ رقمِ (٥٤) من سورةِ الأعرافِ، وهي قولُه تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ... ﴾ [الأعراف / ٥٤] بعد تقريرِه للمعتقدِ الصحيحِ في بابِ الصفاتِ وبيانِ بُطْلَانِ مذهبِ المتكلمين في ذلك: "ونحنُ نقولُ لكم هذا وَنُقَرِّرُ لكم مذهبَ السلفِ على ضوءِ القرآنِ العظيمِ مع أنَّا ما دَرَسْنَا دراسةً شديدةً مثل علومِ الكلامِ والمنطقِ، وما تَنْفِي به كُلُّ طائفةٍ بَعْضًا من صفاتِ اللَّهِ، ونحن مُطَّلِعُونَ على جميعِ الأدلةِ وعلى تَرْكِيبِهَا التي نُفِيَ بها بعضُ الصفاتِ، عارفونَ كيف جاءَ البُطْلَانُ، ومن الوجهِ الذي جاءَ البُطْلَانُ، واسمُ الدليلِ الذي تُرِدُ به، ولكن ذلك لا يَلِيقُ في هذا المجلسِ الحافلِ؛ لأنه لا يَعْرِفُهُ إلا خَوَاصُّ الناسِ، فبعدَ النظرِ العامِّ الطويلِ في علمِ الكلامِ وما يستدلُّ به طوائفُ المتكلمين، وما تَرُدُّ به كُلُّ طائفةٍ على الأخرى، والأقيسةِ المنطقيةِ التي رَتَّبُوهَا وَنَفَوْا بها بعضَ الصفاتِ، ومعرفتنا من الوحيِ ومن نَفْسِ الكلامِ والبحوثِ والمناظراتِ كيف يَبْطُلُ ذلك الدليل، ومن أين جاء الخطأُ، وَتَحَقَّقْنَا من هذا كُلِّهِ، بعد ذلك كُلِّهِ تَحَقَّقْنَا كُلَّ التحققِ أن السلامةَ كُلَّ السلامةِ، _________ (١) وقد جُمع في ذلك رسالة علمية تقدمت الإشارة إليها.

стр. 21

والخيرَ كُلَّ الخيرِ في اتباعِ نورِ هذا القرآنِ العظيمِ، والاهتداءِ بِهَدْيِ هذا النبيِّ الكريمِ ... " إلخ. وبعدَ هذا العرضِ بَقِيَ أن تعلمَ أن الشيخَ ﵀ لم يَحْصُلْ له هذا الرسوخُ في هذا البابِ في أُخْرَيَاتِ حياتِه بل تجدُ ذلك أيضا في بعضِ مؤلفاتِه القديمةِ قبل استقرارِه في هذه البلادِ، ومن ذلك ما كَتَبَهُ في كتابِه (رِحْلَةُ الْحَجِّ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ) جوابًا على سؤالٍ وُجِّهَ إليه عَنْ مذهبِ أهلِ السنةِ في الصفاتِ فأجابَ بنفسِ الأسلوبِ والمستوى الذي كان يُقَرِّرُ فيه اعتقادَ أهلِ السنةِ في هذا البابِ في أخرياتِ حياتِه. فَرَحِمَهُ اللَّهُ رحمةً واسعةً. سَابِعًا: الْوَظَائِفُ وَالأَعْمَالُ الَّتِي تَقَلَّدَهَا فِي بِلَادِهِ تَصَدَّى الشيخُ ﵀ للتدريسِ وَالْفُتْيَا، كما اشْتُهِرَ بالقضاءِ، وكانت طريقتُه فيه أن يَسْتَكْتِبَ الْمُتَقَاضِيَيْنِ رَغْبَتَهُمَا في التقاضِي إليه، وقبولهما ما يَقْضِي به، ثم يستكتبُ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ، ويكتبُ جوابَ الْمُدَّعَى عليه أسفلَ كتابةِ الدَّعْوَى، ثم يكتبُ الحكمَ مع الدعوى والإجابةَ، ثم يُحِيلُهُمَا إلى مَنْ شَاءَا من المشايخِ أو الحكامِ للتصديقِ عليها وتنفيذِها. وكان يقضي في كُلِّ شيءٍ إلا في الدماءِ والحدودِ، إِذْ كان للدماءِ قضاءٌ خاصٌّ، وكان الحاكمُ الفرنسيُّ في البلادِ يقضي بالقصاصِ في القتلِ بعدَ محاكمةٍ وَمُرَافَعَةٍ، وبعدَ تمحيصِ القضيةِ وإنهاءِ المرافعةِ، وصدورِ الحكمِ، يُعْرَضُ على عَالِمَيْنِ من علماءِ البلادِ للمصادقةِ عليه، ويطلقُ على الْعَالِمَيْنِ: لجنةُ الدماءِ، وكان ﵀ أحدَ عُضْوَيْ هذه

стр. 22

اللجنةِ. ولم يَخْرُجِ الشيخُ ﵀ من بلادِه حتى عَلَا قَدْرُهُ، وذاعَ صِيتُهُ، وَعَظُمَتْ مَنْزِلَتُهُ بين الخاصِّ والعامِّ والقاصِي والدَّانِي، وصارَ عَلَمًا من أعلامِ البلادِ، وموضعًا لثقةِ الجميعِ. ثَامِنًا: سَفَرُهُ إِلَى الْحَجِّ وَاسْتِقْرَارُهُ فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَأَثَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِنَ النَّاحِيَةِ الْعِلْمِيَّةِ سَافَرَ الشيخُ ﵀ من بلادِه لسبعٍ مَضَيْنَ من جُمَادَى الآخرةِ، من سنةِ سبعٍ وستين وثلاثِمائةٍ وألفٍ، قاصدًا الحجَّ عن طريقِ البرِّ على نيةِ العودةِ بعدَ ذلك إلى البلادِ، وقد كانت تلك السَّفْرَةُ حافلةً بالفوائدِ والمباحثاتِ العلميةِ القَيِّمَةِ التي تُبَرْهِنُ على رسوخِ الشيخِ في العلمِ، وطولِ بَاعِهِ فيه، يُسلِّمُ بذلك كُلُّ مَنْ قَرَأَ ما دَوَّنَهُ في تلك الرحلةِ بعنوانِ: "الرِّحْلَةُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ". وبعدَ فراغِ الشيخِ من مناسكِ الحجِّ تَوَجَّهَ صوبَ المدينةِ النبويةِ، ثم عزمَ على البقاءِ والاستقرارِ فيها، وكان ﵀ يقول: "لَيْسَ مِنْ عَمَلٍ أعظمَ من تفسيرِ كتابِ اللَّهِ في مسجدِ رسولِ اللِّهِ ﷺ ". وقد كان لاستقرارِه في هذه البلادِ أثرٌ ظاهرٌ في زيادةِ اطِّلَاعِهِ، وتوسيعِ دائرةِ عِلْمِهِ؛ ذلك أن الدراسةَ في بلادِه كانت مُنْصَبَّةً على الفقهِ في مذهبِ الإمامِ مالكٍ خاصةً دونَ غَيْرِهِ من المذاهبِ، إضافةً إلى علومِ العربيةِ، والأصولِ، والسيرةِ، والتفسيرِ، والمنطقِ، ولم تَكُنْ دِرَاسَةُ الحديثِ تَحْظَى بما يَحْظَى به غيرُها، لاقتصارِ الناسِ على مذهبِ مَالِكٍ ﵀.

стр. 23

فلما بدأ الشيخُ ﵀ يزاولُ التدريسَ في المسجدِ النبويِّ، وخالطَ العامةَ والخاصةَ، أَلْفَى مَنْ يُمَثِّلُ المذاهبَ الأربعةَ، وَمَنْ يُنَاقِشُ فيها، ويبحثُ عن الدليلِ ويتطلبُه، كما وجدَ الدراسةَ في المسجدِ النبويِّ لا تَقْتَصِرُ على مذهبٍ مُعَيَّنٍ، فكان من الْمُتَعَيَّنِ على مَنْ تَصَدَّرَ للتدريسِ في مثلِ هذه البيئةِ الاطلاعُ على سائرِ المذاهبِ الْمُعْتَبَرَةِ، والوقوفُ على أقوالِ العلماءِ في المسألةِ، مع التضلعِ بعلومِ الكتابِ والسنةِ، فَدَأَبَ الشيخُ ﵀ في تحصيلِ ذلك، وقد سَاعَدَهُ على هذا التوسعِ تَمَكُّنُهُ من علومِ الآلةِ. وإن هذا الأثرَ المشارَ إليه تَجِدُهُ بارزًا في كتابِه "أَضْوَاءُ الْبَيَانِ" عندما يتعرضُ للمسائلِ الفقهيةِ. تَاسِعًا: الأَعْمَالُ الَّتِي زَاوَلَهَا ﵀ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ فِي بِلَادِ الْحَرَمَيْنِ: ١ - تفسيرُ القرآنِ الكريمِ في المسجدِ النبويِّ، وقد أَتَمَّ تفسيرَ جميعِ القرآنِ، ثم شَرَعَ في تفسيرِه ثانيةً -كما ذكر ذلك في بعض دروسه- إلا أن المنيةَ وافته، فَمَاتَ ﵀ ولم يُجَاوِزْ سُورَةَ بَرَاءَةٍ (١)، وقد فرِّغ ما وجد من هذه الدروس وطبع بعنوان "العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير" في خمسة مجلدات. ٢ - تدريسُ التفسيرِ في (دَارِ الْعُلُومِ) في المدينةِ النبويةِ منذ عامِ _________ (١) انظر مقدمة (العذب النمير): ١/ ١٨، بينما ذكر تلميذه الشيخ أحمد بن محمد الأمين أنه شرحه ثلاث مرات.

стр. 24

(١٣٦٩) إلى أن انتقلَ إلى الرياضِ عامَ (١٣٧١). ٣ - تدريسُ التفسيرِ والأصولِ منذُ سنةِ (١٣٧١) حينما افْتَتَحَتِ الإدارةُ العامةُ للمعاهدِ والكلياتِ بالرياضِ معهدًا عِلْمِيًّا، تَلَاهُ عدةُ معاهدَ، وَكُلِّيَّتَا الشريعةِ واللغةِ العربيةِ، وكان الشيخُ ﵀ ممن اخْتِيرَ للتدريسِ هناك، فانتقلَ إلى الرياضِ، وبقي يُدَرِّسَ هناك حتى انتقلَ إلى المدينةِ كما سيأتي. - تدريسُ بعضِ مؤلفاتِ شيخِ الإسلامِ ﵀ حيثُ خَصَّصَ الشيخُ ﵀ -إضافةً إلى ما سَبَقَ- دَرْسًا لِمُدَرِّسِي المعهدِ في بعضِ كتبِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ ﵀، وكان ذلك في صَحْنِ المعهدِ بِدَخْنَةَ بين العِشَاءَيْنِ. - تدريسُ الأصولِ، وذلك في مسجدِ الشيخِ محمدِ بنِ إبراهيمَ ﵀ حيث كان الأمينُ (أكرمَ اللَّهُ مَثْوَاهُ) يُدَرِّسُ الأصولَ لكبارِ الطلبةِ. - تدريسُ الأصولِ لخواصِّ تلامذتِه في بَيْتِهِ بعدَ العصرِ، كما أَمْلَى على أَحَدِ تلامذتِه شرحًا لـ"مَرَاقِي السُّعُودِ". ٤ - التدريسُ في الجامعةِ الإسلاميةِ منذ سنةِ (١٣٨١) حينما افْتُتِحَتِ الجامعةُ الإسلاميةُ بالمدينةِ النبويةِ، فانتقلَ الشيخُ ﵀ للتدريسِ فيها، إضافةً إلى كَوْنِهِ عضوًا في مَجْلِسِهَا، وقد اسْتَمَرَّ على ذلك يُدَرِّسُ التفسيرَ والأصولَ حتى وَافَاهُ الأَجَلُ، كما دَرَّسَ فيها آدابَ البحثِ والمناظرةِ.

стр. 25

٥ - السَّفَرُ في الدعوةِ إلى اللَّهِ (تعالى) وذلك في عامِ (١٣٨٥) حيث سَافَرَ الشيخُ ﵀ على رأسِ بعثةٍ من الجامعةِ الإسلاميةِ إلى عشرِ دولٍ إفريقيةٍ، بَدَأَتْ بالسودانِ، وانتهت بموريتانيا، وكانت سفرتُه هذه حافلةً بالدروسِ والمحاضراتِ، واللقاءاتِ العلميةِ، والمباحثاتِ النافعةِ، وقد كانت مدةُ تلك السفرةِ تزيدُ على الشهرين. وقد سُجِّلَتْ هذه المحاضراتُ في عدةِ أشرطةٍ، وفُرِّغَتْ واعْتُنِيَ بها وَطُبِعَتْ ضمن هذا المشروع بعنوانِ "الرِّحْلَةُ إِلَى أَفْرِيقْيَا". ٦ - التدريسُ في المعهدِ العاليِ للقضاءِ منذُ افتتاحِه سنةَ (١٣٨٦) في مدينةِ الرياضِ، وكانت الدراسةُ فيه آنذَاك على نظامِ استقدامِ الأساتذةِ الزائرين، فكان ﵀ يذهبُ هناك لإلقاءِ المحاضراتِ المطلوبةِ في التفسيرِ والأصولِ. ٧ - في (٨/ ٧ / ١٣٩١) تم تَشْكِيلُ هيئةِ كبارِ العلماءِ من سبعةَ عشرَ عضوًا، وكان الشيخُ ﵀ واحدًا من هؤلاء الأعضاءِ. ٨ - كان الشيخُ ﵀ أحدَ أعضاءِ المجلسِ التأسيسيِّ لرابطةِ العالمِ الإسلاميِّ. عَاشِرًا: زُهْدُهُ وَوَرَعُهُ إن الْعَالِمَ بِحَقٍّ مَنْ حَمَلهُ عِلْمُهُ على خشيةِ اللَّهِ وَمُرَاقَبَتِهِ، مع مجانبةِ أعمالِ السفهاءِ من التكالبِ على الدنيا، والتهارشِ عليها، والتشاغلِ بها عن اللَّهِ والدارِ الآخرةِ. وإن المرءَ ليشتدُّ عَجَبُهُ حينما يقفُ على حالِ الشيخِ ﵀)

стр. 26

في هذا البابِ، حتى يُخَيَّلَ إليكَ أن المترجمَ واحدٌ من أولئك السلفِ الصالحِ الْمُقْتَدَى بهم في العلمِ والعملِ، والزهدِ والورعِ. كان الشيخُ ﵀ يقول: "الَّذِي يُفْرِحُنَا أنه لو كانت الدنيا مَيْتَةً لأباحَ اللَّهُ منها سَدَّ الخَلَّةِ" "ويُحَذِّرُ ابنَه مِنْ جَمْعِهَا والحرصِ عليها بحجةِ التصدقِ، وبناءِ المدارسِ، والأربطةِ، لأنها كالماءِ الملحِ، وَاللَّهُ لم يُوجِبْ على العبدِ جمعَ المالِ من أجلِ التصدقِ به، مع أن الواقعَ في الغالبِ أن العبدَ إذا جَمَعَ المالَ لا يُعْطِيهِ للناسِ" (١). وقال الشيخُ ﵀: "وأنا أَقْدَرُ الناسِ على أن أكونَ أَغْنَى الناسِ، وَتَرَكْتُ الدنيا لأني أعلمُ أنه إذا تلطخَ بها العبدُ لا يَنْجُو منها، إلا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ". وكان الشيخُ ﵀ لا يُبْقِي عندَه من المالِ إلا ما يَكْفِيهِ في الشهرِ، ويوزعُ ما زَادَ على ذلك على فقراءِ الطلبةِ، والعجزةِ، والأراملِ من قرابتِه، وكان يقول: "وَاللَّهِ لو عندي قوتُ يَوْمِي ما أخذتُ رَاتِبًا من الجامعةِ، ولكنني مُضْطَرٌّ، لا أعرفُ أشتغلُ بيدي، وأنا شايبٌ ضعيفٌ". ولم يكن الشيخُ ﵀ يبيعُ كُتُبَهُ التي أَلَّفَهَا، وكان يقول: "عِلْمٌ نَتْعَبُ عليه ويباعُ وأنا حَيٌّ؟ لا يمكنُ هذا، ولكن أنا أَدْفَعُ العلمَ، وواحدٌ يدفعُ الفلوسَ، وَيُوَزِّعُ للناسِ مجانًا. وأنا أعلمُ أنه سيصلُ إلى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ، ولكن سيصلُ أيضا إلى مَنْ لَا يستطيعُ الحصولَ عليه بالفلوسِ" (٢). _________ (١) هذا الكلام خلاصة لبعض كلام الشيخ ﵀ رواية ابنه عبد الله. (٢) قال شيخنا بكر أبو زيد في كتابه "فقه النوازل - رسالة حق التأليف": (٢/ ١٨٣): =

стр. 27

بل كان الشيخُ ﵀ لا يميزُ بَيْنَ فئاتِ العملةِ الورقيةِ، وكان يقول: "لقد جئتُ من البلادِ ومعي كَنْزٌ قَلَّ أن يوجدَ عند أحدٍ، وهو القناعةُ، ولو أردتُ المناصبَ لَعَرَفْتُ الطريقَ إليها، فإني لا أُوثِرُ الدنيا على الآخرةِ، ولا أبذلُ العلمَ لنيلِ المآربِ الدنيويةِ". والشيخُ ﵀ مِنْ أَبْعَدِ الناسِ عنايةً بالمظهرِ، وربما خَرَجَ بِنَعْلَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ أَحَدُهُمَا أحمرُ والآخرُ أخضرُ. ويقول الشيخُ محمدُ العثيمين ﵀: "كُنَّا طُلَاّبًا في المعهدِ العلميِّ في الرياضِ، وكنا جَالِسِينَ في الفصلِ، فإذا بشيخٍ يدخلُ علينا إذا رأيتَه قلتَ: هذا بَدَوِيٌّ من الأعرابِ، ليس عندَه بضاعةٌ مِنْ عِلْمٍ!! رَثُّ الثيابِ، ليس عليه آثارُ الهيبةِ، لا يهتمُّ بمظهرِه، فَسَقَطَ مِنْ أَعْيُنِنَا، فتذكرتُ الشيخَ عبدَ الرحمنِ السعديَّ، وقلتُ في نفسي: أتركُ الشيخَ عبدَ الرحمنِ السعديَّ وأجلسُ أمامَ هذا البدويِّ؟! فلما ابْتَدَأَ الشنقيطيُّ دَرْسَهُ انْهَالَتْ علينا الدُّرَرُ من الفوائدِ العلميةِ من بحرِ عِلْمِهِ الزَّاخِرِ، فَعَلِمْنَا أننا أمامَ جَهْبَذٍ من العلماءِ، وَفَحْلٍ من فحولها، فَاسْتَفَدْنَا من عِلْمِهِ، وَسَمْتِهِ، وَخُلُقِهِ، وَزُهْدِهِ، وَوَرَعِهِ" (١) ا. هـ. وَقَدِمَ إلى الرياضِ في بعضِ زياراتِه لمعهدِ القضاءِ، وعليه ثوبٌ _________ = "قلت له -أي للشيخ الشنقيطي- لو طُبع أضواء البيان طبعة تجارية لكان أكثر لانتشاره، فقال: لا أتاجر في البيان لكتاب الله تعالى، وما أظن أحدًا يجترئ على كتابي فيبيعه فأدعو عليه إلا أن تصيبه الدعوة. هكذا شافهني وأنا بجانبه في المسجد النبوي الشريف -رحمه الله تعالى-" ا. هـ. (١) مجلة الحكمة، العدد الثاني، ص ٢٢.

стр. 28

مبتذلٌ، فَلَمَّا كَلَّمَهُ أحدُ تلامذتِه في ذلك، أجابه بقوله: "يَا فُلَانُ القضيةُ ليست بالثيابِ، وإنما ما تحتَ الثيابِ من العلمِ" وقد صَوَّرَ الشافعيُّ ﵀ هذا المعنَى بقوله: عَلَيَّ ثَيِابٌ لَوْ تُبَاعُ جَمِيعُهَا ... بِفِلْسٍ لَكَانَ الفِلْسُ مِنْهُنَّ أَكْثَرَا وَفِيهِنَّ نَفْسٌ لَوْ تُقَاسُ بِبَعْضِهَا ... نُفُوسُ الْوَرَى كَانَتْ أَجَلَّ وَأَكْبَرَا وَمَا ضَرَّ نَصْلَ السَّيْفِ إِخْلَاقُ غِمْدِهِ ... إِذَا كَانَ عَضْبًا حَيْثُ وَجَّهْتَهُ فَرَى فَإِنْ تَكُنِ الأَيَّامُ أَزْرَتْ بِبَزَّتِي ... فَكَمْ مِنْ حُسَامٍ فِي غِلَافٍ تَكَسَّرَا (١) وَلَمَّا حاولَ أحدُ تلامذتِه - وهو أحمدُ بنُ محمد الأمين الذي شَرَحَ له مَرَاقِيَ السعودِ - ثَنْيَهُ عن الحجِّ في العامِ الذي تُوُفِّيَ فيه لِضَعْفِ صِحَّتِهِ أَجَابَهُ بقوله: «دَعْ عَنْكَ المحاولةَ، سَفَرِي إلى لَنْدَنَ أريدُ الشفاءَ بها لا بدَّ أن أُكَفِّرَ عنه بِحَجٍّ». وماتَ الشيخُ ﵀ ولم يُخَلِّفْ شيئًا من حُطَامِ الدنيا، فَرَحِمَهُ اللَّهُ رحمةً واسعةً. الْحَادِي عَشَرَ: مُؤَلَّفَاتُهُ ترك لنا الشيخُ ﵀ مجموعةً من المؤلفاتِ، وهي من جهةِ التعلقِ بزمنِ التأليفِ على ثلاثةِ أقسامٍ: القسمُ الأولُ: ما أَلَّفَهُ في بلادِه وهي: _________ (١) الأبيات في ديوانه ص ٤٣ - ٤٤ سوى الأخير، وهو في الحلية (٩/ ١٣١).

стр. 29

١ - نَظْمٌ فِي أنسابِ العربِ، سَمَاهُ: (خَالِصُ الْجُمَانِ فِي ذِكْرِ أَنْسَابِ بَنِي عَدْنَانَ). وقد أَلَّفَهُ قبلِ البلوغِ، ثم دَفَنَهُ بعدَ ذلك، مُعَلِّلاً هذا الصنيعَ بأنه كَتَبَهُ على نيةِ التفوقِ على الأقرانِ. وقد قال فيه: سَمَّيْتُهُ بِخَالِصِ الْجُمَانِ ... فِي ذِكْرِ أَنْسَابِ بَنِي عَدْنَانِ ٢ - رَجَزٌ فِي فُرُوعِ مَذْهَبِ مَالِكٍ ﵀، يختصُّ بالعقودِ من البيوعِ والرهونِ، وهو يُعَدُّ بِالآلَافِ. ٣ - أَلْفِيَّةٌ فِي الْمَنْطِقِ. ٤ - نَظْمٌ فِي الْفَرَائِضِ. الْقِسْمُ الثَّانِي: ما كَتَبَهُ أو أَمْلَاهُ في طريقِه إلى الحجِّ وهو قادمٌ من بلادِه: ١ - شَرْحٌ عَلَى سُلَّمِ الأَخْضَرِيِّ في المنطقِ. ٢ - الرحلةُ إلى بيتِ اللَّهِ الحرامِ. طُبِعَ بعدَ وفاتِه بعشرِ سنواتٍ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ: ما كَتَبَهُ بعد استقراره في هذه البلاد: ١ - مَنْعُ جَوَازِ الْمَجَازِ في الْمُنَزَّلِ لِلتَّعَبُّدِ وَالإِعْجَازِ. ٢ - دَفْعُ إِيهَامِ الاِضْطِرَابِ عَنْ آيات الْكِتَابِ. وقد كَتَبَهُ الشيخُ ﵀ في خمسَ عشرةَ ليلةً، وهي إجازةُ الامتحاناتِ عامَ (١٣٧٣). ٣ - مذكرةُ أصولِ الفقهِ على روضةِ الناظرِ. وقد أَمْلَاهَا على طلابِه في كُلِّيَّةِ الشريعةِ التي افْتُتِحَتْ في الرياضِ

стр. 30

عامَ (١٣٧٤) فَأَمْلَاهَا في السنواتِ الأُولَى من تدريسِه في الرياضِ. ولم تُطبع إلا في عام (١٣٩١). ٤ - آدَابُ البَحْثِ والمناظرةِ. وقد فَرَغَ من الجزءِ الأولِ بتاريخِ (٢٨/ ٣ / ١٣٨٨) كما فَرَغَ من الجزءِ الثانِي بتاريخِ (١٤/ ٥ / ١٣٨٨). ٥ - أَضْوَاءُ الْبَيَانِ في إيضاحِ القرآنِ بالقرآنِ (بلغَ فيه سورةَ قَدْ سَمِعَ) (مطبوع)، وهو أكبرُ كُتُبِهِ وأعظمُها. ٦ - بَيَانُ الناسخِ والمنسوخِ في آيِ الذكرِ الحكيمِ (مَطْبُوعٌ فِي آخِرِ أَضْوَاءِ الْبَيَانِ). وهي رسالةٌ صغيرةٌ تقعُ في نحوِ أربعِ صفحاتٍ وَنِصْفٍ، شرح فيها الأبيات العشرةِ التي ذَكَرَهَا السيوطيُّ في "الإتقانِ" في الآياتِ المنسوخةِ. ٧ - شَرْحٌ على مَرَاقِي السعودِ. أَمْلَاهُ على أحدِ تلامذتِه، وهو الشيخُ أحمدُ بنُ محمد الأمين الشنقيطيُّ، وقد فَرَغَ منه بتاريخِ (٢٢/ ٧ / ١٣٧٥) وكان قد شَرَحَ جميعَ الْمَرَاقِي، لَكِنَّ قِطْعَةً من النظمِ تقربُ من أربعةٍ وستين ومائةِ بيتٍ لم يُدَوَّنْ شَرْحُهَا. وقد طُبِعَ هذا الكتابُ بعنوانِ "نَثْرُ الْوُرُودِ عَلَى مَرَاقِي السُّعُودِ"، وهذه التسميةُ من مُحَقِّقِهِ لأَنَّ المؤلفَ لم يُسَمِّهِ. وللشيخِ ﵀ عددٌ من الفتاوى والأجوبةِ على أسئلةٍ وُجِّهَتْ

стр. 31

إليه، فَمِمَّا عُرِفَ منها: ٨ - فتوى في التعليلِ بالحكمةِ، والسائلُ هو الشيخُ عبدُ الله بنُ منيع. ٩ - وجهةُ نظرٍ في حُكْمِ السَّعْيِ فوقَ سقفِ الْمَسْعَى. ١٠ - رسالةٌ فِي حُكْمِ الصلاةِ في الطائرةِ. وهي رسالةٌ صغيرةٌ تقعُ في سِتِّ صفحاتٍ، كَتَبَهَا عَامَ (١٣٨٥). ١١ - رسالةٌ في جوابِ سؤالٍ وَرَدَ إليه مِنْ أَحَدِ أمراءِ بلادِ شنقيطَ، يسألُه عن العَالَمِ هل هو مخلوقٌ ومرزوقٌ من بركةِ النبيِّ ﷺ ، أو ذلك بأسبابٍ أُخْرَى؟ ويقعُ الجوابُ في سِتَّ عشرةَ صفحةً. ١٢ - رسالةٌ في جوابِ سؤالاتٍ ثلاثةٍ، مُقَدَّمَةٌ من الشيخِ محمدِ الأمينِ بن الشيخِ محمد الخضر، والسؤالاتُ هي: أ - أَيْنَ مَقَرُّ العقلِ في الإنسانِ؟ ب - هَلْ يشملُ لفظُ (المشركين) أهلَ الكتابِ؟ ج - هَلْ يجوزُ للكافرِ أن يدخلَ مساجدَ اللَّهِ غيرَ المسجدِ الحرامِ. ويقعُ الجوابُ في إحدى عشرةَ صفحةً. وللشيخِ ﵀ العديدُ من المحاضراتِ، وقد طُبِعَ بعضُها، ومن ذلك: ١٣ - مَنْهَجُ التشريعِ الإسلاميِ وَحِكْمَتُهُ. أَلْقَاهَا عامَ (١٣٨٤).

стр. 32

١٤ - الْمُثُلُ الْعُلْيَا. ١٥ - الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ. ألقاها عام (١٣٩٠). ١٦ - الإسلامُ دينٌ كاملٌ، وهي شرحٌ لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ... ﴾ الآيةَ، وكانت بالمسجدِ النبويِّ عامَ (١٣٧٨)، بحضورِ محمدٍ الخامسِ مَلِكِ المغربِ. ١٧ - مَنْهَجٌ ودراساتٌ لآياتِ الأسماءِ والصفاتِ. وقد أَلْقَاهَا ﵀ في الجامعةِ الإسلاميةِ بتاريخِ (١٣/ ٩ / ١٣٨٢). ١٨ - محاضرةٌ حولَ شبهةِ الرقيقِ، ألقاها نيابةً عنه تلميذُه الشيخُ عطيةُ سالم في الموسمِ الثقافيِّ بالجامعةِ الإسلاميةِ، ولا تزال مخطوطة [*]. الثَّانِيَ عَشَرَ: تَجَافِيهِ عَنِ الْفُتْيَا فِي أُخْرَيَاتِ حَيَاتِهِ غَلَبَ على الشيخِ ﵀ في السنواتِ الأخيرةِ من حياتِه التحرزُ الشديدُ من الْفُتْيَا، والتباعدُ عنها، وكان إذا اضْطَرَّهُ أحدٌ إلى الجوابِ يقولُ: "لَا أَتَحَمَّلُ فِي ذِمَّتِي شَيْئًا، العلماءُ يقولونَ كَذَا وَكَذَا". وَلَمَّا سُئِلَ عن ذلك أجابَ بقولِه: "إن الإنسانَ في عافيةٍ ما لم يُبْتَلَ، والسؤالُ ابْتِلَاءٌ؛ لأنكَ تقولُ عن اللَّهِ ولا تدري أتصيبُ حُكْمَ اللَّهِ أم لا؟ فما لم يكن عليه نَصٌّ قَاطِعٌ من كتابِ اللَّهِ أو سنةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ وَجَبَ التحفظُ فيه". وكان يتمثلُ بقولِ الشاعرِ (١): إِذَا مَا قَتَلْتَ الشَّيْءَ عِلْمًا فَقُلْ بِهِ ... وَلَا تَقُلِ الشَّيْءَ الَّذِي أَنْتَ جَاهِلُهْ _________ (١) البيت الأول في جامع بيان العلم (٢/ ٨٤٢)، بلا نسبة. [*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: بل قامت الجامعة بطبعها، وذكرها الشيخ عطية محمد سالم ضمن محاضرات الشيخ المطبوعة في تقديمه لـ «رحلة الحج» للمؤلف ص ٢٨، ثم طُبعت ضمن هذا المشروع «آثار العلامة الشنقيطي» في هذه الطبعة

стр. 33

فَمَنْ كَانَ يَهْوَى أَنْ يُرَى مُتَصَدِّرًا ... وَيَكْرَهُ "لَا أَدْرِي" أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهْ ولَا يَخْفَى أن هذا الصنيعَ -أَعْنِي التحرزَ من الفُتْيَا- هو حالُ السلفِ الصالحِ، والمنقولُ عنهم في هذا المجالِ كثيرٌ لا يسعُ المقامُ نقلَه، فَلْيُرَاجَعْ فِي مَظَانِّهِ (١). الثَّالِثَ عَشَرَ: رُجُوعُهُ لِلْحَقِّ إِذَا ظَهَرَ لَهُ ذَلِكَ لم يكن الشيخُ ﵀ مِمَّنْ يأنفُ من إعلانِ رجوعِه إلى الحقِّ إذا تَبَيَّنَ له ولو كان القولُ الذي رَجَعَ عنه قد أَذَاعَهُ وَنَشَرَهُ وانتصرَ له سنينَ متطاولةً، وهذا نَجِدُهُ جَلِيًّا عندَ كلامِ الشيخِ ﵀ على الآيةِ رقمِ (٥) من سورةِ براءةٍ حين تَعَرَّضَ للكلامِ على القتالِ في الأشهرِ الْحُرُمِ حيث يقولُ: "وكنا نَرَى هذا القولَ -وهو نسخُ تحريمِ القتالِ فيها- مَكَثْنَا كثيرًا من الزمنِ ونحنُ نَنْصُرُ هذا القولَ ونقررُ أنه الأصوبُ، ثم ظَهَرَ لنا بعدَ ذلك أن أصوبَ القولين وَأَوْلَاهُمَا بالصوابِ أن تحريمَ الأشهرِ الْحُرُمِ بَاقٍ لم يُنْسَخْ" ا. هـ. وقال عندَ تفسيرِ الآيةِ رقم (٣٤) من السورةِ نفسِها: "وَقَدْ ذَكَرْنَا بالأمس أن الذي كانَ يظهرُ لنا وننصرُه أن تحريمَ الأشهرِ الحرمِ قد نُسِخَ وأن الذي تَحَقَّقْنَاهُ بعدَ ذلك وَصِرْنَا نجزمُ به أنها باقيةُ التحريمِ إلى الآن ... " ا. هـ. ومن ذلك عدةُ مسائلَ كان يُقَرِّرُهَا في "شرحِ مَرَاقِي السعودِ" ثم يُخَالِفُهَا ويتراجعُ عنها في "أَضْواءِ الْبَيَانِ". _________ (١) انظر: الفقيه والمتفقه (٢/ ١٦٥ - ١٧٥)، جامع بيان العلم (٢/ ٨٢٦ - ٨٤٣).

стр. 34

الرَّابِعَ عَشَرَ: وَفَاتُهُ وتوفي الشيخُ ﵀ ضُحَى يومِ الخميسِ، السابعَ عشرَ من شهرِ ذِي الحجةِ، عامَ ثلاثٍ وتسعينَ وثلاثِمائةٍ وألفٍ، في منزلِه في مكةَ المكرمةِ، وقد صَلَّى عليه سماحةُ الشيخِ عبدُ العزيزِ بنُ بازٍ بعدَ صلاةِ الظهرِ من ذلكَ اليومِ، ودُفِنَ بمقبرةِ المَعْلَاة برِيْعِ الحَجُونِ، فَرَحِمَهُ اللَّهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً.

стр. 35

آثار الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي (١) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن تأليف الشيخ العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي ١٣٢٥ - ١٣٩٣ إشراف بكر بن عبد الله أبو زيد المجلد الأول [الفاتحة - النساء] دار عطاءات العلم دار ابن حزم

стр. 36

مقدمة المؤلف

стр. 37

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد ﷺ ، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذي اصطفاه وجعله سيد ولد آدم أجمعين. الحمد لله الذي أنزل على خاتم الرسل والأنبياء أكمل كتاب، فكشف به ظلمات الجهل وأسباب العذاب، وأماط به عن نفائس العلوم وذخائرها الحجاب، وكشف به عن حقائق الدين وأسراره ومحاسنه النقاب، وأخلص به العبادة للعزيز الوهاب، وفتح به لنيل مآرب الدارين الباب، وأغلق باتباعه والعمل به دون الشر جميع الأبواب، تحيى بوابل علومه القلوب النيرة أعظم مما تحيى الأرض بوابل السحاب، يتميز بتدبر آياته الخطأ من الصواب، والقشور من اللباب، وتجل ألفاظه ومعانيه وأحكامه وأخباره عن الوصمة والعاب ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ وعد الله متبعه ما هو خير وأبقى، وقال فيه: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾. وأوعد المعرضين عنه من جميع الأحزاب النار، قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ وهو عام للكفار، وشبه بالحمر

стр. 38

المعرضين عنه من الكفرة، قال: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠)﴾ فيكفي المعرض عنه أنه حمار، وأنه من حمير النار. وبين تعالى أن المعرض عنه يحمل يوم القيامة ما لا يستطيع له حملًا، قال: ﴿وَقَدْ آتَينَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١)﴾ فتح الله تعالى به قلوبًا غلفًا، وأعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقال فيه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على طول التكرار، ما تعاقب الليل والنهار، رفع الله تعالى به قومًا ووضع به آخرين، وقال: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾ وهو آخر الكتب السماوية عهدًا برب العالمين، فكل الشر في الإعراض عنه، وكل الخير في الإقبال عليه، فطوبى لمن كان حجة له، وويل لمن كان حجة عليه ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾ ففيه للمطيع أعظم وعد وللعاصي أشد وعيد. ومع هذا كله، فإن أكثر المنتسبين للإسلام اليوم في أقطار الدنيا معرضون عن التدبر في آياته غير مكترثين بقول من خلقهم: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ لا يتأدبون بآدابه، ولا يتخلقون بما فيه من مكارم الأخلاق يطلبون الأحكام في التشريعات الضالة المخالفة له، غير مكترثين بقول ربهم: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ وقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ بل المتأدب بآداب القرآن المتخلق بما فيه من مكارم

стр. 39

الأخلاق محتقر مغموز فيه عند جلهم إلا من عصمه الله فهم يحتقرونه واحتقاره لهم أشد كما قال الشافعي ﵀: فهذا زاهد في قرب هذا ... وهذا فيه أزهد منه فيه وإياك يا أخي ثم إياك، أن يزهدك في كتاب الله تعالى كثرة الزاهدين فيه، ولا كثرة المحتقرين لمن يعمل به ويدعو إليه، واعلم أن العاقل الكيس الحكيم لا يكترث بانتقاد المجانين، واسمع قول الأديب الكبير محمد بن حنبل الشنقيطي الحسني ﵀: لا تسؤ بالعلم ظنًّا يا فتى ... إن سوء الظن بالعلم عطب لا يزهدك أخي في العلم أن ... غمر الجهال أرباب الأدب إن تر العالم نِضْوًا مرملا ... صفر كف لم يساعده سبب وتر الجاهل قد حاز الغنى ... محرز المأمون من كل أرب قد تجوع الأسد في آجامها ... والذئاب الغبش تعتام القتب جرع النفس على تحصيله ... مضض المرين ذل وسغب لا يهاب الشوك قطاف الجنى ... وإبار النحل مشتار الضرب أما بعد: فإنا لما عرفنا إعراض أكثر المتسمين باسم المسلمين اليوم عن كتاب ربهم ونبذهم له وراء ظهورهم، وعدم رغبتهم في وعده، وعدم خوفهم من وعيده؛ علمنا أن ذلك مما يعين على من أعطاه الله علمًا بكتابه أن يجعل همته في خدمته من بيان معانيه؛ وإظهار محاسنه، وإزالة الإشكال عما أشكل منه، وبيان أحكامه، والدعوة إلى العمل به؛ وترك كل ما يخالفه.

стр. 40

واعلم أن السنة كلها تندرج في آية واحدة من بحره الزاخر؛ وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ومن أهم المقاصد في ذلك، هذا الكتاب المبارك الذي هذه ترجمته، واعلم أن من أهم المقصود بتأليفه أمران: أحدهما: بيان القرآن بالقرآن لإجماع العلماء على أن أشرف أنواع التفسير وأجلها تفسير كتاب الله بكتاب الله، إذ لا أحد أعلم بمعنى كلام الله جل وعلا من الله جل وعلا، وقد التزمنا أنا لا نبين القرآن إلا بقراءة سبعية، سواء كانت قراءة أخرى في الآية المبينة نفسها، أو آية أخرى غيرها، ولا نعتمد على البيان بالقراءات الشاذة وربما ذكرنا القراءة الشاذة استشهادًا للبيان بقراءة سبعية، وقراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف ليست من الشاذ عندنا ولا عند المحققين من أهل العلم بالقراءات. والثاني: بيان الأحكام الفقهية في جميع الآيات المبينة بالفتح في هذا الكتاب، فإننا نبين ما فيها من الأحكام، وأدلتها من السنة، وأقوال العلماء في ذلك، ونرجح ما ظهر لنا أنه الراجح بالدليل من غير تعصب لمذهب معين، ولا لقول قائل معين، لأننا ننظر إلى ذات القول لا إلى قائله، لأن كل كلام فيه مقبول ومردود، إلا كلامه ﷺ ، ومعلوم أن الحق حق ولو كان قائله حقيرًا. ألا ترى أن ملكة سبأ في حال كونها تسجد للشمس من دون الله هي وقومها لما قالت كلامًا حقًّا صدقها الله فيه، ولم يكن كفرها مانعًا من تصديقها في الحق الذي قالته، وذلك في قولها فيما ذكر الله عنها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ فقد قال تعالى
следующие страницы →