← Тафсир

Тафсир · id 20766

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم

محمد الأمين الشنقيطي

Полный текст (5 235 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الذين يفترون عليه الكذب -أي: يختلقونه عليه- كدعواهم أنه حرم هذا، وهو لم يحرمه، ودعواهم له الشركاء والأولاد لا يفلحون؛ لأنهم في الدنيا لا ينالون إلا متاعًا قليلًا لا أهمية له، وفي الآخرة يعذبون العذاب العظيم، الشديد المؤلم. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله في يونس: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ وقوله: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ وقوله: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقوله: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: متاعهم في الدنيا متاع قليل. وقال الزمخشري: منفعتهم في الدنيا متاع قليل. وقوله: ﴿لَا يُفْلِحُونَ﴾ أي: لا ينالون الفلاح، وهو يطلق على معنيين: أحدهما: الفوز بالمطلوب الأكبر. والثاني: البقاء السرمدي؛ كما تقدم بشواهده. • قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ .. ﴾ الآية. هذا المحرم عليهم، المقصوص عليه من قبل المحال عليه هنا هو المذكور في (سورة الأنعام) في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا

стр. 1577

حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾. وجملة المحرمات عليهم في الآية الكريمة ظاهرة، وهو كل ذي ظفر: كالنعامة والبعير، والشحم الخالص من البقر والغنم (وهو الثروب) وشحم الكلي. أما الشحم الذي على الظهر، والذي في الحوايا وهي الأمعاء، والمختلط بعظم كلحم الذنب وغيره من الشحوم المختلطة بالعظام - فهو حلال لهم؛ كما هو واضح من الآية الكريمة. • قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١)﴾. أثني الله جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين على نبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: بأنه أمة؛ أي: إمام مقتدي به، يعلم الناس الخير، كما قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وأنه قانت لله، أي: مطيع له وأنه لم يكن من المشركين، وأنه شاكر لأنعم الله، وأن الله اجتباه، أي: اختاره واصطفاه، وأنه هداه إلى صراط مستقيم. وكرر هذا الثناء عليه في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ وقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١)﴾ وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾ وقوله عنه: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ وقوله:

стр. 1578

﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في الثناء عليه. وقد قدمنا معاني "الأمة" في القرآن. • قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً .. ﴾ الآية. قال بعض العلماء: الحسنة التي أتاه الله في الدنيا: الذرية الطيبة، والثناء الحسن. ويستأنس لهذا بأن الله بين أنه أعطاه بسبب إخلاصه لله، واعتزاله أهل الشرك: الذرية الطيبة. وأشار أيضًا لأنه جعل له ثناء حسنًا باقيًا في الدنيا؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾ وقال: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ وقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾. • قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾ . ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أوحي إلى نبينا ﷺ الأمر باتباع ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين. وبين هذا أيضًا في غير هذا الموضع كقوله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ إلى قوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية، وقوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ .. ﴾

стр. 1579

الآية، إلى غير ذلك من الآيات، والملة: الشريعة. والحنيف: المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق. وأصله من الحنف: وهو اعوجاج الرجلين، يقال: برجله حنف، أي: اعوجاج. ومنه قول أم الأحنف بن قيس ترقصه وهو صبي: والله لولا حنف برجله ... ما كان في فتيانكم من مثله وقوله: ﴿حَنِيفا﴾ حال من المضاف إليه، على حد قول ابن مالك في الخلاصة: أو كان جزء ماله أضيفا ... أو مثل جزئه فلا تحيفا لأن المضاف هنا وهو ﴿مِلَّةَ﴾ كالجزء من المضاف إليه وهو ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ لأنه لو حذف لبقي المعنى تامًا؛ لأن قولنا: أن اتبع إبراهيم، كلام تام المعنى كما هو ظاهر، وهذا هو مراده بكونه مثل جزئه. • قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أمر الله جل وعلا نبيه ﷺ في هذه الآية الكريمة: أن يجادل خصومه بالطريق التي هي أحسن طرق المجادلة: من إيضاح الحق بالرفق واللين. وعن مجاهد ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ قال: أعرض عن أذاهم. وقد أشار إلى هذا المعنى في قوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ أي: إلا الذين نصبوا للمؤمنين الحرب فجادلهم بالسيف حتى يؤمنوا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. ونظير ما ذكر هنا من المجادلة بالتي هي أحسن: قوله

стр. 1580

لموسي وهارون في شأن فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ ومن ذلك القول اللين: قول موسى له: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩)﴾. • قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾ . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أعلم بمن ضل عن سبيله، أي: زاغ عن طرق الصواب والحق، إلى طريق الكفر والضلال. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله في أول القلم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨)﴾ وقوله في الأنعام: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾ وقوله في النجم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا. والظاهر أن صيغة التفضيل التي هي: ﴿أَعْلَمُ﴾ في هذه الآيات يراد بها مطلق الوصف لا التفضيل؛ لأن الله لا يشاركه أحد في علم ما يصير إليه خلقه من شقاوة وسعادة، فهي كقول الشنفري: وإن مُدَّت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل أي: لم أكن بعجلهم. وقول الفرزدق: إن الذي سمك السماء بني لنا ... بيتًا دعائمه أعزُّ وأطول

стр. 1581

أي: عزيزة طويلة. • قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ نزلت هذه الآية الكريمة من سورة النحل بالمدينة، في تمثيل المشركين بحمزة ومن قتل معه يوم أحد. فقال المسلمون: لئن أظفرنا الله بهم لنمثلن بهم، فنزلت الآية الكريمة، فصبروا لقوله تعالى: ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ أن سورة النحل مكية، إلا هذه الآيات الثلاث من آخرها. والآية فيها جواز الانتقام والإرشاد إلى أفضلية العفو. وقد ذكر تعالى هذا المعنى في القرآن، كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ إلى قوله ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ وقوله: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ إلى قوله ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾ كما قدمنا. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة المسألة الأولى: يؤخذ من هذه الآية حكم مسألة الظفر، وهي أنك إن ظلمك إنسان: بأن أخذ شيئًا من مالك بغير الوجه الشرعي ولم يمكن لك إثباته، وقدرت له على مثل ما ظلفك به على وجه تأمن معه الفضيحة والعقوبة؛ فهل لك أن تأخذ قدر حقك أو لا؟. أصح القولين وأجراهما على ظواهر النصوص وعلى القياس: أن لك أن تأخذ قدر حقك من غير زيادة، لقوله تعالى في هذه الآية: ﴿فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ

стр. 1582

بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾. وممن قال بهذا القول: ابن سيرين، وإبراهيم النخعي، وسفيان ومجاهد، وغيرهم. وقالت طائفة من العلماء منهم مالك: لا يجوز ذلك، وعليه درج خليل بن إسحاق المالكي في مختصره بقوله في الوديعة: "وليس له الأخذ منها لمن ظلمه بمثلها". واحتج من قال بهذا القول بحديث "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" اهـ. وهذا الحديث على فرض صحته لا ينهض الاستدلال به؛ لأن من أخذ قدر حقه ولم يزد عليه لم يخن من خانه، وإنما أنصف نفسه ممن ظلمه. المسألة الثانية: أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة المماثلة في القصاص. فمن قتل بحديدة قتل بها، ومن قتل بحجر قتل به. ويؤيده رضه ﷺ رأس يهودي بين حجرين قصاصًا لجارية فعل بها مثل ذلك. وهذا قول أكثر أهل العلم خلافًا لأبي حنيفة ومن وافقه زاعمًا أن القتل بغير المحدد شبه عمد، لا عمد صريح حتى يجب فيه القصاص. وسيأتي لهذا إن شاء الله تعالى زيادة إيضاح في سورة الإسراء. المسألة الثالثة: أطلق جل وعلا في هذه الآية الكريمة اسم العقوبة على الجناية الأولى في قوله: ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ والجناية الأولى ليست عقوبة؛ لأن القرآن بلسان عربي مبين ومن أساليب اللغة العربية المشاكلة بين الألفاظ فيؤدي لفظ بغير معناه

стр. 1583

الموضوع له مشاكلة للفظ آخر مقترن به الكلام؛ كقول الشاعر: قالوا: اقترح شيئًا نجد لك طبخه ... قلت: اطبخوا لي جبة وقميصا أي: خيطوا لي. وقال بعض العلماء: ومنه قول جرير: هذه الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر بناء على القول بأن الأرامل لا تطلق في اللغة إلا على الإناث. ونظير الآية الكريمة في إطلاق إحدى العقوبتين على ابتداء الفعل مشاكلة للفظ الآخر قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ .. ﴾ الآية، ونحوه أيضًا قوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ مع أن القصاص ليس بسيئة، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ الآية؛ لأن القصاص من المعتدي أيضًا ليس باعتداء كما هو ظاهر، وإنما أدي بغير لفظه للمشاكلة بين اللفظين. • قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ الآية. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه ﷺ مأمور بالصبر، وأنه لا يمتثل ذلك الأمر بالصبر إلا بإعانة الله وتوفيقه؛ لقوله: ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ وأشار لهذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ لأن قوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ .. ﴾ الآية، معناه أن خصلة الصبر لا يلقاها إلا من كان له عند الله الحظ الأكبر والنصيب الأوفر، بفضل الله عليه، وتيسير ذلك له.

стр. 1584

• قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه مع عباده المتقين المحسنين. وقد تقدم إيضاح معنى التقوى والإحسان. وهذه المعية خاصة بعباده المؤمنين، وهي بالإعانة والنصر والتوفيق. وكرر هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ وقوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ وقوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ وقوله: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وأما المعية العامة لجميع الخلق فهي بالإحاطة التامة والعلم، ونفوذ القدرة، وكون الجميع في قبضته جل وعلا؛ فالكائنات في يده جل وعلا أصغر من حبة خردل، وهذه هي المذكورة أيضًا في آيات كثيرة؛ كقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾ وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ .. ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. فهو جل وعلا مستو على عرشه كما قال، على الكيفية اللائقة بكماله وجلاله، وهو محيط بخلقه، كلهم في قبضة يده، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين.

стр. 1585

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سُورة بني إسرائيل

стр. 1586

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ • قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى . .﴾ الآية. قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، ويكون في الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول. فإنا نبين ذلك. فإذا علمت ذلك. فاعلم أن هذا الإسراء به ﷺ المذكور في هذه الآية الكريمة. زعم بعض أهل العلم أنه بروحه ﷺ دون جسده زاعمًا أنه في المنام لا اليقظة؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي. وزعم بعضهم: أن الإسراء بالجسد، والمعراج بالروح دون الجسد. ولكن ظاهر القرآن يدل على أنه بروحه وجسده ﷺ يقظة لا منامًا، لأنه قال: ﴿بِعَبْدِهِ﴾ والعبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، ولأنه قال: ﴿سُبْحَانَ﴾ والتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام. فلو كان منامًا لم يكن له كبير شأن حتى يتعجب منه. ويؤيده قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾ لأن البصر من آلات الذات لا الروح، وقوله هنا: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾.

стр. 1587

ومن أوضح الأدلة القرآنية على ذلك قوله جل وعلا: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ فإنها رؤيا عين يقظة لا رؤيا منام؛ كما صح عن ابن عباس وغيره. ومن الأدلة الواضحة على ذلك: أنها لو كانت رؤيا منام لما كانت فتنة، ولا سببًا لتكذيب قريش؛ لأن رؤيا المنام ليست محل إنكار؛ لأن المنام قد يرى فيه ما لا يصح. فالذي جعله الله فتنة هو ما رآه بعينه من الغرائب والعجائب؛ فزعم المشركون أن من ادعي رؤية ذلك بعينه فهو كاذب لا محالة، فصار فتنة لهم. وكون الشجرة الملعونة التي هي شجرة الزقوم على التحقيق فتنة لهم - أن الله لما أنزل قوله: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾ قالوا: ظهر كذبه؛ لأن الشجر لا ينبت بالأرض اليابسة، فكيف ينبت في أصل النار! كما تقدم في البقرة. ويؤيد ما ذكرنا من كونها رؤيا عين يقظة قوله تعالى هنا: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ الآية، وقوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ وما زعمه بعض أهل العلم من أن الرؤيا لا تطلق بهذا اللفظ لغة إلا على رؤيا المنام مردود. بل التحقيق: أن لفظ الرؤيا يطلق في لغة العرب على رؤية العين يقظة أيضًا، ومنه قول الراعي وهو عربي قح: فكبر للرؤيا وهش فؤاده ... وبشر نفسًا كان قبل يلومها فإنه يعني رؤية صائد بعينه. ومنه أيضًا قول أبي الطيب: • ورؤياك أحلى في العيون من الغمض*

стр. 1588

قاله صاحب اللسان: وزعم بعض أهل العلم: أن المراد بالرؤيا في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ ... ﴾ الآية، رؤيا منام، وأنها هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ الآية. والحق الأول. وركوبه ﷺ على البراق يدل على أن الإسراء بجسمه؛ لأن الروح ليس من شأنه الركوب على الدواب كما هو معروف، وعلى كل حال. فقد تواترت الأحاديث الصحيحة عنه: أنه أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأنه عرج به من المسجد الأقصى حتى جاوز السموات السبع. وقد دلت الأحاديث المذكورة على أن الإسراء والمعراج كليهما بجسمه وروحه، يقظة لا منامًا، كما دلت على ذلك أيضًا الآيات التي ذكرنا. وعلى ذلك من يعتد به من أهل السنة والجماعة، فلا عبرة بمن أنكر ذلك من الملحدين. وما ثبت في الصحيحين من طريق شريك عن أنس ﵁: أن الإسراء المذكور وقع منامًا = لا ينافي ما ذكرنا مما عليه أهل السنة والجماعة، ودلت عليه نصوص الكتاب والسنة، لإمكان أن يكون رأى الإسراء المذكور نومًا، ثم جاءت تلك الرؤيا كفلق الصبح فأسرى به يقظة تصديقًا لتلك الرؤيا المنامية. كما رأى في النوم أنهم دخلوا المسجد الحرام، فجاءت تلك الرؤيا كفلق الصبح فدخلوا المسجد الحرام في عمرة القضاء عام سبع يقظة لا منامًا تصديقًا لتلك الرؤيا، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا

стр. 1589

بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ... ﴾ الآية. ويؤيد ذلك حديث عائشة الصحيح "فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح"، مع أن جماعة من أهل العلم قالوا: إن شريك بن عبد الله ابن أبي نمر ساء حفظه في تلك الرواية المذكورة عن أنس، وزاد فيها ونقص، وقدم وأخر. ورواها عن أنس غيره من الحفاظ على الصواب، فلم يذكروا المنام الذي ذكره شريك المذكور. وانظر رواياتهم بأسانيدها ومتونها في تفسير ابن كثير رحمه الله تعالى، فقد جمع طرق حديث الإسراء جمعًا حسنًا بإتقان. ثم قال ﵀: والحق أنه ﵊ أسرى به يقظة لا منامًا من مكة إلى بيت المقدس راكبًا البراق، فلما انتهى إلى باب المسجد ربط الدابة عند الباب، ودخله فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين، ثم أتى بالمعراج وهو كالسلم ذو درج يرقى فيها، فصعد فيه إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السموات السبع، فتلقاه من كل سماء مقربوها، وسلم على الأنبياء الذين في السموات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مر بموسى الكليم في السادسة، وإبراهيم الخليل في السابعة، ثم جاوز منزليهما صلى الله وسلم عليهما وعلى سائر الأنبياء، حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام -أي: أقلام القدر- بما هو كائن، ورأى سدرة المنتهى، وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب وألوان متعددة، وغشيتها الملائكة، ورأى هناك جبريل على صورته وله ستمائة جناح، ورأى رفرفًا أخضر قد سد الأفق، ورأى البيت المعمور، وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضية مسندًا ظهره إليه؛ لأنه الكعبة السماوية يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة، يتعبدون فيه ثم لا يعودون إليه

стр. 1590

إلى يوم القيامة، ورأى الجنة والنار، وفرض الله عليه هناك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس رحمة منه ولطفًا بعباده. وفي هذا اعتناء بشرف الصلاة وعظمتها، ثم هبط إلى بيت المقدس، وهبط معه الأنبياء، فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة، ويحتمل أنها الصبح من يومئذ. ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء. والذي تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس، ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه، والظاهر أنه بعد رجوعه إليه؛ لأنه لما مر بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحدًا واحدًا وهو يخبره بهم، وهذا هو اللائق؛ لأنه كان أولًا مطلوبا إلى الجانب العلوي ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى. ثم لما فرغ من الذي أريد به اجتمع به هو وإخوانه من النبيين، ثم أظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل ﵇ في ذلك، ثم خرج من بيت المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس. والله أعلم. انتهى بلفظه من تفسير الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: ثبت الإسراء في جميع مصنفات الحديث، وروي عن الصحابة في كل أقطار الإسلام، فهو متواتر بهذا الوجه. وذكر النقاش ممن رواه: عشرين صحابيًا، ثم شرع يذكر بعض طرقه في الصحيحين وغيرهما، وبسط قصة الإسراء، تركناه لشهرته عند العامة، وتواتره في الأحاديث. وذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في آخر كلامه على هذه الآية الكريمة فائدتين، قال في أولاهما: فائدة حسنة جليلة -

стр. 1591

وروى الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب (دلائل النبوة) من طريق محمد بن عمر الواقدي: حدثني مالك بن أبي الرجال، عن عمر بن عبد الله، عن محمد بن كعب القرظي قال: بعث رسول الله ﷺ دحية بن خليفة إلى قيصر .. فذكر وروده عليه وقدومه إليه، وفي السياق دلالة عظيمة على وفور عقل هرقل، ثم استدعى من بالشام من التجار فجيء بأبي سفيان صخر بن حرب وأصحابه، فسألهم عن تلك المسائل المشهورة التي رواها البخاري ومسلم كما سيأتي بيانه. وجعل أبو سفيان يجتهد أن يحقر أمره ويصغره عنده، قال في هذا السياق عن أبي سفيان: والله ما منعني من أن أقول عليه قولًا أسقطه به من عينه إلا أني أكره أن أكذب عنده كذبة يأخذها على ولا يصدقني في شيء. قال: حتى ذكرت قوله ليلة أسري به، قال: فقلت: أيها الملك، ألا أخبرك خبرًا تعرف به أنه قد كذب. قال: وما هو؟ قال: قلت: إنه يزعم لنا أنه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة، فجاء مسجدكم هذا مسجد إيلياء، ورجع إلينا تلك الليلة قبل الصباح. قال: وبطريق إيلياء عند رأس قيصر، فقال بطريق إيلياء: قد علمت تلك الليلة. قال: فنظر إليه قيصر وقال: وما علمك بهذا؟ قال: إني كنت لا أنام ليلة حتى أغلق أبواب المسجد؛ فلما كانت تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني، فاستعنت عليه بعمالي ومن يحضرني كلهم فغلبنا، فلم نستطع أن نحركه كأنما نزاول به جبلًا، فدعوت إليه النجاجرة فنظروا إليه فقالوا: إن هذا الباب سقط عليه النجاف والبنيان ولا نستطيع أن نحركه، حتى نصبح فننظر من أين أتى! قال: فرجعت وتركت البابين مفتوحين. فلما أصبحت

стр. 1592

غدوت عليهما، فإذا المجر الذي في زاوية المسجد مثقوب، وإذا فيه أثر مربط الدابة. قال: فقلت لأصحابي: ما حبس هذا الباب الليلة إلا على نبي وقد صلى الليلة في مسجدنا اهـ. ثم قال في الأخرى: فائدة: قال الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية في كتابه (التنوير في مولد السراج المنير) وقد ذكر حديث الإسراء من طريق أنس وتكلم عليه فأجاد وأفاد. ثم قال: وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء عن عمر بن الخطاب وعلي، وابن مسعود وأبي ذر، ومالك بن صعصعة، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عباس، وشداد بن أوس، وأبي بن كعب، وعبد الرحمن بن قرط، وأبي حبة، وأبي ليلى الأنصاريين، وعبد الله بن عمر، وجابر وحذيفة، وبريدة، وأبي أيوب، وأبي أمامة، وسمرة بن جندب، وأبي الحمراء، وصهيب الرومي، وأم هانئ، وعائشة، وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق ﵃ أجمعين. منهم من ساقه بطوله، ومنهم من اختصره على ما وقع في المسانيد، وإن لم تكن رواية بعضهم على شرط الصحة. فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون، وأعرض عنه الزنادقة والملحدون، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ اهـ من ابن كثير بلفظه. وقد قدمنا أن أحسن أوجه الإعراب في ﴿سُبحَانَ﴾ أنه مفعول مطلق، منصوب بفعل محذوف: أي: أسبح الله سبحانًا، أي: تسبيحًا. والتسبيح: الإبعاد عن السوء. ومعناه في الشرع: التنزيه عن كل ما لا يليق بجلال الله، كما قدمنا وزعم بعض أهل العلم: أن لفظة ﴿سُبْحَانَ﴾ علم للتنزيه: وعليه فهو علم جنس لمعنى التنزيه

стр. 1593

على حد قول ابن مالك في الخلاصة. مشيرًا إلى أن علم الجنس يكون للمعنى كما يكون للذات: ومثله برة للمبرة ... كذا فجار علم للفجرة وعلى أنه علم فهو ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون. والذي يظهر لي والله تعالى أعلم: أنه غير علم؛ وأن معنى ﴿سُبْحَانَ﴾ تنزيهًا لله عن كل ما لا يليق به. ولفظة: ﴿سُبْحَانَ﴾ من الكلمات الملازمة للإضافة، وورودها غير مضافة قليل؛ كقول الأعشى: فقلت لما جاءني فخره ... سبحان من علقمة الفاخر ومن الأدلة على أنه غير علم: ملازمته للإضافة، والأعلام تقل إضافتها، وقد سمعت لفظة: ﴿سُبْحَانَ﴾ غير مضافة مع التنوين والتعريف؛ فمثاله مع التنوين قوله: سبحانه ثم سبحانا نعوذ به ... وقبلنا سبح الجودي والجمد ومثاله معرَّفًا قول الراجز: • سبحانك اللهم ذا السبحان* والتعبير بلفظ العبد في هذا المقام العظيم يدل دلالة واضحة على أن مقام العبودية هو أشرف صفات المخلوقين وأعظمها وأجلها؛ إذ لو كان هناك وصف أعظم منه لعبر به في هذا المقام العظيم، الذي اخترق العبد فيه السبع الطباق، ورأى من آيات ربه الكبرى. وقد قال الشاعر في محبوب مخلوق، ولله المثل الأعلى:

стр. 1594

يا قوم قلبي عند زهراء ... يعرفه السامع والرائي لا تدعني إلا بيا عبدها ... فإنه أشرف أسمائي واختلف العلماء في النكتة البلاغية التي نكر من أجلها ﴿لَيْلًا﴾ في هذه الآية الكريمة. قال الزمخشري في الكشاف: أراد بقوله: ﴿لَيْلًا﴾ بلفظ التنكير تقليل مدة الإسراء، وأنه أسري به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة. وذلك أن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية، ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحذيفة "من الليل" أي: بعض الليل، كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً﴾ يعني بالقيام في بعض الليل اهـ. واعترض بعض أهل العلم هذا. وذكر بعضهم: أن التنكير في قوله: ﴿لَيْلًا﴾ للتعظيم؛ أي: ليلًا أي ليل، دنا فيه المحب إلى المحبوب! وقيل فيه غير ذلك. وقد قدمنا: أن أسرى وسرى لغتان. كسقى وأسقى، وقد جمعهما قول حسان ﵁: حي النضيرة ربة الخدر ... أسرت إليك ولم تكن تسري بفتح التاء من "تسري" والباء في اللغتين للتعدية، كالباء في: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ وقد تقدمت شواهد هذا في (سورة هود). تنبيه اختلف العلماء: هل رأى رسول الله ﷺ ربه ليلة الإسراء بعين رأسه أو لا؟ فقال ابن عباس وغيره: رآه بعين رأسه، وقالت عائشة وغيرها: لم يره. وهو خلاف مشهور بين أهل العلم معروف.

стр. 1595

قال مقيده -عفا الله عنه-: التحقيق الذي دلت عليه نصوص الشرع: أنه ﷺ لم يره بعين رأسه. وما جاء عن بعض السلف من أنه رآه، فالمراد به الرؤية بالقلب، كما في صحيح مسلم: أنه رآه بفؤاده مرتين، لا بعين الرأس. ومن أوضح الأدلة على ذلك: أن أبا ذر ﵁ (وهو هو في صدق اللهجة) سأل النبي ﷺ عن هذه المسألة بعينها، فأفتاه بما مقتضاه: أنه لم يره. قال مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن يزيد بن إبراهيم، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ : هل رأيت ربك؟ قال: "نور!! أنى أراه"؟. حدثنا محمد بن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي (ح) وحدثني حجاج بن الشاعر، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا همام، كلاهما عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته، فقال: عن أي شيء كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله: هل رأيت ربك؟ قال أبو ذر: قد سألت فقال: "رأيت نورًا" هذا لفظ مسلم. وقال النووي في شرحه لمسلم: أما قوله ﷺ "نور؟ أنى أراه"!! فهو بتنوين "نور" وفتح الهمزة في "أنى" وتشديد النون وفتحها. و"أراه" بفتح الهمزة هكذا رواه جميع الرواة في جميع الأصول والروايات. ومعناه: حجابه نور، فكيف أراه!!.

стр. 1596

قال الإمام أبو عبد الله المازري ﵀: الضمير في "أراه" عائد إلى الله ، ومعناه: أن النور منعني من الرؤية، كما جرت العادة بإغشاء الأنوار الأبصار، ومنعها من إدراك ما حالت بين الرائي وبينه: وقوله ﷺ : "رأيت نورًا" معناه: رأيت النور فحسب ولم أر غيره. قال: وروى "نوراني" بفتح الراء وكسر النون وتشديد الياء. ويحتمل أن يكون معناه راجعًا إلى ما قلناه، أي: خالق النور المانع من رؤيته، فيكون من صفات الأفعال. قال القاضي عياض ﵀: هذه الرواية لم تقع إلينا! ولا رأيناها في شيء من الأصول اهـ محل الغرض من كلام النووي. قال مقيده -عفا الله عنه-: التحقيق الذي لا شك فيه هو: أن معنى الحديث هو ما ذكر، من كونه لا يتمكن أحد من رؤيته لقوة النور الذي هو حجابه. ومن أصرح الأدلة على ذلك أيضًا حديث أبي موسى المتفق عليه "حجابه النور، أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" وهذا هو معنى قوله ﷺ : "نور! أنى أراه"؟، أي: كيف أراه وحجابه نور، من صفته أنه لو كشفه لأحرق ما انتهى إليه بصره من خلقه. وقد قدمنا: أن تحقيق المقام في رؤية الله جل وعلا بالأبصار: أنها جائزة عقلًا في الدنيا والآخرة، بدليل قول موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ لأنه لا يجهل المستحيل في حقه جل وعلا، وأنها

стр. 1597

جائزة شرعًا، وواقعة يوم القيامة، ممتنعة شرعًا في الدنيا قال: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ إلى قوله ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾. ومن أصرح الأدلة في ذلك حديث "إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا" في صحيح مسلم، وصحيح ابن خزيمة كما تقدم. وأما قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ الآية - فذلك جبريل على التحقيق، لا الله جل وعلا. • قوله تعالى: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ أظهر التفسيرات فيه: أن معنى ﴿بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ أكثرنا حوله الخير والبركة بالأشجار والثمار والأنهار. وقد وردت آيات تدل على هذا، كقوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١)﴾ وقوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١)﴾ فإن المراد بتلك الأرض: الشام، والمراد بأنه بارك فيها: أنه أكثر فيها البركة والخير بالخصب والأشجار والثمار والمياه كما عليه جمهور العلماء. وقال بعض العلماء: المراد بأنه بارك فيها أنه بعث الأنبياء منها. وقيل غير ذلك. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ الظاهر إنما أراه الله من آياته في هذه الآية الكريمة: أنه أراه إياه رؤية عين؛ فهمزة التعدية داخلة على رأى البصرية؛ كقولك: أرأيت زيدًا دار عمرو؛ أي: جعلته يراها بعينه. و ﴿مِن﴾ في الآية للتبعيض، والمعنى ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ أي: بعض آياتنا فنجعله يراها بعينه، وذلك ما رآه ﷺ بعينه

стр. 1598

ليلة الإسراء من الغرائب والعجائب؛ كما جاء مبينًا في الأحاديث الكثيرة. ويدل لما ذكرنا في الآية الكريمة قوله تعالى في سورة النجم: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾. • قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ لما بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة عظم شأن نبيه محمد ﷺ ، ذكر عظم شأن موسى بالكتاب العظيم، الذي أنزله إليه وهو التوراة، مبينًا أنه جعله هدى لبني إسرائيل. وكرر جل وعلا هذا المعنى في القرآن؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ الآية، وقوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. • قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢)﴾ اعلم أن هذا الحرف قرأه جمهور القراء "ألا تتخذون" بالتاء على وجه الخطاب، وعلى هذا فـ"أن" هي المفسرة، فجعل التوراة هدى لبني إسرائيل مفسر بنهيهم عن اتخاذ وكيل من دون الله؛ لأن الإخلاص لله في عبادته هو ثمرة الكتب المنزلة على الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه. وعلى هذه القراءة فـ"لا" في قوله: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا﴾ ناهية. وقرأه أبو عمرو من السبعة "ألا يتخذوا من دوني وكيلا" بالياء على

стр. 1599

الغيبة. وعلى هذه القراءة فالمصدر المنسبك من "أن" وصلتها مجرور بحرف التعليل المحذوف، أي: وجعلناه هدى لبني إسرائيل لأجل ألا يتخذوا من دوني وكيلا؛ لأن اتخاذ الوكيل الذي تسند إليه الأمور، وتفوض من دون الله ليس من الهدى، فمرجع القراءتين إلى شيء واحد، وهو أن التوكل إنما يكون على الله وحده لا على غيره. وكرر هذا المعنى في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾ وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ﴾ وقوله: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾ وقوله: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣)﴾ وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا. والوكيل: فعيل من التوكل، أي: متوكلًا عليه، تفوضون إليه أموركم، فيوصل إليكم النفع، ويكف عنكم الضر. وقال الزمخشري: ﴿وكيلًا﴾ أي: ربًا تكلون إليه أموركم.

стр. 1600

وقال ابن جرير: حفيظًا لكم سواي. وقال أبو الفرج ابن الجوزي: قيل للرب: وكيل لكفايته وقيامه بشئون عباده، لا على معنى ارتفاع منزلة الموكل وانحطاط أمر الوكيل اهـ؛ قاله أبو حيان في البحر. وقال القرطبي: ﴿وَكِيلًا (٢)﴾ أي: شريكًا، عن مجاهد، وقيل: كفيلًا بأمورهم، حكاه الفراء. وقيل: ربًا يتوكلون عليه في أمورهم، قاله الكلبي. وقال الفراء: كافيًا اهـ. والمعاني متقاربة، ومرجعها إلى شيء واحد، وهو أن الوكيل. من يتوكل عليه، فتفوض الأمور إليه، ليأتي بالخير، ويدفع الشر، وهذا لا يصح إلا لله وحده جل وعلا، ولهذا حذر من اتخاذ وكيل دونه؛ لأنه لا نافع ولا ضار، ولا كافي إلا هو وحده جل وعلا. عليه توكلنا، وهو حسبنا ونعم الوكيل. • قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾ . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة من حملهم مع نوح؛ تنبيهًا على النعمة التي نجاهم بها من الغرق، ليكون في ذلك تهييج لذرياتهم على طاعة الله. أي: يا ذرية من حملنا مع نوح فنجيناهم من الغرق، تشبهوا بأبيكم، فاشكروا نعمنا. وأشار إلى هذا المعنى في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ الآية. وبين في مواضع أخر الذين حملهم مع نوح من هم؟ وبين الشيء الذي حملهم فيه، وبين من بقي له نسل وعقب منهم، ومن

стр. 1601

انقطع ولم يبق له نسل ولا عقب. فبين أن الذين حملهم مع نوح: هم أهله ومن آمن معه من قومه في قوله: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ﴾ وبين أن الذين آمنوا من قومه قليل بقوله: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾. وبين أن ممن سبق عليه القول من أهله بالشقاء امرأته وابنه. قال في امرأته: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ﴾ إلى قوله ﴿وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾ وقال في ابنه: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾ وقال فيه أيضًا: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ الآية. وقوله: ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي: الموعود بنجاتهم في قوله: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ الآية، ونحوها من الآيات. وبين أن الذي حملهم فيه هو السفينة في قوله: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا .. ﴾ الآية، أي: السفينة، وقوله: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ .. ﴾ الآية، أي: أدخل فيها، أي: السفينة ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾. وبين أن ذرية من حمل مع نوح لم يبق منها إلا ذرية نوح في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ وكان نوح يحمد الله على طعامه وشرابه، ولباسه وشأنه كله، فسماه الله عبدًا شكورًا. وأظهر أوجه الإعراب في قوله: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا﴾ الآية: أنه منادى بحرف محذوف.

стр. 1602

• قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية. أظهر الأقوال فيه: أنه بمعنى أخبرناهم وأعلمناهم. ومن معاني القضاء: الإخبار والإعلام، ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾ والظاهر أن تعديته بـ ﴿إِلَى﴾ لأنه مضمن معنى الإيحاء. وقيل: مضمن معنى: تقدمنا إليهم فأخبرناهم. قال معناه ابن كثير. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من أحسن -أي: بالإيمان والطاعة- فإنه إنما يحسن إلى نفسه؛ لأن نفع ذلك لنفسه خاصة. وأن من أساء -أي: بالكفر والمعاصي- فإنه إنما يسيء على نفسه؛ لأن ضرر ذلك عائد إلى نفسه خاصة. وبين هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ وقوله: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. واللام في قوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ بمعنى على، أي: فعليها، بدليل قوله: ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ ومن إتيان اللام بمعنى على قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ الآية؛ أي: عليها، وقوله: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ﴾ الآية؛ أي: سلام عليك. على ما قاله بعض العلماء. ونظير ذلك من كلام العرب: قول جابر التغلبي، أو شريح العبسي، أو زهير المزني أو غيرهم:

стр. 1603

تناوله بالرمح ثم انثنى له ... فخر صريعًا لليدين وللفم أي: على اليدين وعلى الفم. والتعبير بهذه اللام في هذه الآية للمشاكلة؛ كما قدمنا في نحو: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ ... ﴾ الآية، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ ... ﴾ الآية. • قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ... ﴾ الآية. جواب: "إذا" في هذه الآية الكريمة محذوف، وهو الذي تتعلق به اللام في قوله: ﴿لِيَسُوءُوا﴾ وتقديره: فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم ليسوءوا وجوهكم؛ بدليل قوله في الأولى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا .. ﴾ الآية، وخير ما يفسر به القرآن القرآن. قال ابن قتيبة في (مشكل القرآن): ونظيره في حذف العامل قول حميد بن ثور: رأتني بحبليها فصدت مخافة ... وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق أي: رأتني أقبلت، أو مقبلًا. وفي هذا الحرف ثلاث قراءات سبعيات: قرأه على الكسائي "لنسوء وجوهكم" بنون العظمة وفتح الهمزة؛ أي: لنسوءها بتسليطنا إياهم عليكم يقتلونكم ويعذبونكم. وقرأه ابن عامر وحمزة وشعبة عن عاصم: ﴿ليسوء وجوهكم﴾ بالياء وفتح الهمزة والفاعل ضمير عائد إلى الله؛ أي: ليسوء هو؛ أي: الله وجوهكم بتسليطه إياهم عليكم. وقرأه الباقون: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ بالياء وضم الهمزة بعدها واو الجمع التي هي فاعل الفعل، ونصبه بحذف

стр. 1604

النون، وضمير الفاعل الذي هو الواو عائد إلى الذين بعثهم الله عليهم؛ ليسوءوا وجوههم بأنواع العذاب والقتل. • قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ لما بين جل وعلا أن بني إسرائيل قضى إليهم في الكتاب أنهم يفسدون في الأرض مرتين، وأنه إذا جاء وعد الأولى منهما: بعث عليهم عبادًا له أولى بأس شديد فاحتلوا بلادهم وعذبوهم، وأنه إذا جاء وعد المرة الآخرة: بعث عليهم قومًا ليسوءوا وجوههم، وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة، وليتبروا ما علوا تتبيرًا. وبين أيضًا: أنهم إن عادوا للإفساد المرة الثالثة فإنه جل وعلا يعود للانتقام منهم بتسليط أعدائهم عليهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ ولم يبين هنا: هل عادوا للإفساد المرة الثالثة، أو لا؟ ولكنه أشار في آيات أخر إلى أنهم عادوا للإفساد بتكذيب الرسول ﷺ ، وكتم صفاته ونقض عهوده، ومظاهرة عدوه عليه، إلى غير ذلك من أفعالهم القبيحة، فعاد الله جل وعلا للانتقام منهم تصديقًا لقوله: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ فسلط عليهم نبيه ﷺ والمسلمين، فجرى على بني قريظة، والنضير، وبني قينقاع، وخيبر ما جرى من القتل والسبي والإجلاء، وضرب الجزية على من بقي منهم، وضرب الذلة والمسكنة. فمن الآيات الدالة على أنهم عادوا للإفساد قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ

стр. 1605

يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾ وقوله: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ. .﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ .. ﴾ الآية، ونحو ذلك من الآيات. ومن الآيات الدالة على أنه تعالى عاد للانتقام منهم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا .. ﴾ الآية، ونحو ذلك من الآيات. وتركنا بسط قصة الذين سلطوا عليهم في المرتين؛ لأنها أخبار إسرائيلية، وهي مشهورة في كتب التفسير والتاريخ. والعلم عند الله تعالى. • قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾ في قوله: ﴿حَصِيرًا (٨)﴾ في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند العلماء، كل منهما يشهد لمعناه قرآن. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن الآية قد يكون فيها وجهان أو أوجه، وكلها صحيح، ويشهد له قرآن، فنورد جميع ذلك لأنه كله حق.

стр. 1606

الأول: أن الحصير: المحبس والسجن، من الحصر وهو الحبس. قال الجوهري: يقال: حصره يحصره حصرًا: ضيق عليه وأحاط به، وهذا الوجه يدل له قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣)﴾ ونحو ذلك من الآيات. الوجه الثاني: أن معنى ﴿حَصِيًرا﴾ أي: فراشا ومهادًا، من الحصير الذي يفرش؛ لأن العرب تسمي البساط الصغير حصيرًا. قال الثعلبي: وهو وجه حسن. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ الآية، ونحو ذلك من الآيات. والمهاد: الفراش. • قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ الآية. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن هذا القرآن العظيم الذي هو أعظم الكتب السماوية، وأجمعها لجميع العلوم، وآخرها عهدًا برب العالمين جل وعلا: يهدي للتي هي أقوم، أي: الطريقة التي هي أسد وأعدل وأصوب، فـ"التي" نعت لموصوف محذوف، على حد قول ابن مالك في الخلاصة: وما من المنعوت والنعت عقل ... يجوز حذفه وفي النعت يقل وقال الزجاج، والكلبي، والفراء: للحال التي هي أقوم الحالات، وهي توحيد الله والإيمان برسله. وهذه الآية الكريمة أجمل الله جل وعلا فيها جميع ما في القرآن من الهدي إلى خير الطرق وأعدلها وأصوبها، فلو تتبعنا تفصيلها على وجه الكمال لأتينا على جميع القرآن العظيم،

стр. 1607

لشمولها لجميع ما فيه من الهدى إلى خير الدنيا والآخرة، ولكننا إن شاء الله تعالى سنذكر جملًا وافرة في جهات مختلفة كثيرة من هدي القرآن للطريق التي هي أقوم بيانًا لبعض ما أشارت إليه الآية الكريمة، تنبيهًا ببعضه على كله من المسائل العظام، والمسائل التي أنكرها الملحدون من الكفار، وطعنوا بسببها في دين الإسلام، لقصور إدراكهم عن معرفة حكمها البالغة. فمن ذلك توحيد الله جلا وعلا؛ فقد هدى القرآن فيه للطريق التي هي أقوم الطرق وأعدلها، وهي توحيده جل وعلا في ربوبيته، وفي عبادته، وفي أسمائه وصفاته. وقد دل استقراء القرآن العظيم على أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: توحيده في ربوبيته، وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه فطر العقلاء، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ .. ﴾ الآية، وقال: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ وإنكار فرعون لهذا النوع من التوحيد في قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالمِينَ (٢٣)﴾ تجاهل من عارف أنه عبد مربوب؛ بدليل قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ وهذا النوع من التوحيد لا ينفع إلا بإخلاص العبادة لله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ والآيات الدالة على ذلك كثيرة جدًا. الثاني: توحيده جل وعلا في عبادته. وضابط هذا النوع من

стр. 1608

التوحيد هو تحقيق معنى "لا إله إلا الله" وهي متركبة من نفي وإثبات، فمعنى النفي منها: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله كائنة ما كانت في جميع أنواع العبادات كائنة ما كانت. ومعنى الإثبات منها: إفراد الله جل وعلا وحده بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام. وأكثر آيات القرآن في هذا النوع من التوحيد، وهو الذي فيه المعارك بين الرسل وأممهم ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾. ومن الآيات الدالة على هذا النوع من التوحيد قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ . .﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ وقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)﴾ فقد أمر في هذه الآية الكريمة أن يقول: إنما أوحي إليه محصور في هذا النوع من التوحيد؛ لشمول كلمة "لا إله إلا الله" لجميع ما جاء في الكتب؛ لأنها تقتضي طاعة الله بعبادته وحده، فيشمل ذلك جميع العقائد والأوامر والنواهي، وما يتبع ذلك من ثواب وعقاب، والآيات في هذا النوع من التوحيد كثيرة. النوع الثالث: توحيده جل وعلا في أسمائه وصفاته. وهذا النوع من التوحيد ينبني على أصلين:

стр. 1609

الأول: تنزيه الله جل وعلا عن مشابهة المخلوقين في صفاتهم؛ كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. والثاني: الإيمان بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ على الوجه اللائق بكماله وجلاله، كما قال بعد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ مع قطع الطمع عن إدراك كيفية الاتصاف، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ وقد قدمنا هذا المبحث مستوفى موضحًا بالآيات القرآنية "في سورة الأعراف". ويكثر في القرآن العظيم الاستدلال على الكفار باعترافهم بربوبيته جل وعلا: على وجوب توحيده في عبادته، ولذلك يخاطبهم في توحيد الربوبية باستفهام التقرير، فإذا أقروا بربوبيته احتج بها عليهم على أنه هو المستحق لأن يعبد وحده، ووبخهم منكرًا عليهم شركهم به غيره، مع اعترافهم بأنه هو الرب وحده؛ لأن من اعترف بأنه هو الرب وحده لزمه الاعتراف بأنه هو المستحق لأن يعبده وحده. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ إلى قوله ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ فلما أقروا بربوبيته وبخهم منكرًا عليهم شركهم به غيره بقوله: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾. ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ فلما اعترفوا وبخهم منكرًا عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ ثم قال: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ

стр. 1610

وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ فلما أقروا وبخهم منكرًا عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧)﴾ ثم قال: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ فلما أقروا وبخهم منكرًا عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾. ومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ فلما صح الاعتراف وبخهم منكرًا عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾. ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فلما صح إقرارهم وبخهم منكرًا عليهم بقوله: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾. ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فلما صح اعترافهم وبخهم منكرًا عليهم شركهم بقوله: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فلما صح إقرارهم وبخهم منكرًا عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾ وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فلما صح اعترافهم وبخهم منكرًا عليهم بقوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ ولا شك أن الجواب الذي لا جواب لهم البتة غيره: هو أن القادر على خلق السموات والأرض وما ذكر معها خير من جماد لا يقدر على

стр. 1611

شيء، فلما تعين اعترافهم وبخهم منكرًا عليهم بقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾ ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ ولا شك أن الجواب الذي لا جواب غيره كما قبله، فلما تعين اعترافهم وبخهم منكرًا عليهم بقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١)﴾ ثم قال جل وعلا: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ ولا شك أن الجواب كما قبله، فلما تعين إقرارهم بذلك وبخهم منكرًا عليهم بقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ ولا شك أن الجواب كما قبله، فلما تعين إقرارهم بذلك وبخهم منكرًا عليهم بقوله: ﴿أإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)﴾ ثم قال جل وعلا: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ولا شك ان الجواب كما قبله، فلما تعين الاعتراف وبخهم منكرًا عليهم بقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾ وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ولا شك أن الجواب الذي لا جواب لهم غيره هو: لا! أي: ليس من شركائنا من يقدر على أن يفعل شيئًا من ذلك المذكور، من الخلق والرزق والإماتة والإحياء، فلما تعين اعترافهم وبخهم منكرًا عليهم بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. والآيات بنحو هذا كثيرة جدًا. ولأجل ذلك ذكرنا في غير هذا الموضع: أن كل الأسئلة المتعلقة بتوحيد الربوبية استفهامات تقرير، يراد منها أنهم إذا أقروا رتب لهم التوبيخ والإنكار على ذلك

стр. 1612

الإقرار؛ لأن المقر بالربوبية يلزمه الإقرار بالألوهية ضرورة؛ نحو قوله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ وإن زعم بعض العلماء أن هذا استفهام إنكار؛ لأن استقراء القرآن دل على أن الاستفهام المتعلق بالربوبية استفهام تقرير، وليس استفهام إنكار؛ لأنهم لا ينكرون الربوبية، كما رأيت كثرة الآيات الدالة عليه. والكلام على أقسام التوحيد ستجده إن شاء الله في مواضع كثيرة من هذا الكتاب المبارك، بحسب المناسبات في الآيات التي نتكلم على بيانها بآيات أخر. ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: جعله الطلاق بيد الرجل؛ كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ .. ﴾ الآية، ونحوها من الآيات؛ لأن النساء مزارع وحقول، تبذر فيها النطف كما يبذر الحب في الأرض؛ كما قال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾. ولا شك أن الطريق التي هي أقوم الطرق: أن الزارع لا يرغم على الازدراع في حقل لا يرغب فيه؛ لأنه يراه غير صالح له، والدليل الحسي القاطع على ما جاء به القرآن من أن الرجل زارع، والمرأة مزرعة: أن آلة الازدراع مع الرجل؛ فلو أرادت المرأة أن تجامع الرجل وهو كاره لها، لا رغبة له فيها لم ينتشر، ولم يقم ذكره إليها فلا تقدر منه على شيء، بخلاف الرجل فإنه قد يرغمها وهي كارهة فتحمل وتلد، كما قال أبو كبير الهذلي: ممن حملن به وهن عواقد ... حبك النطاق فشب غير مهبل فدلت الطبيعة والخلقة على أنه فاعل وأنها مفعول به؛ ولذا

стр. 1613

أجمع العقلاء على نسبة الولد له لا لها. وتسوية المرأة بالرجل في ذلك مكابرة في المحسوس، كما لا يخفى. ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: إباحته تعدد الزوجات إلى أربع، وأن الرجل إذا خاف عدم العدل بينهن لزمه الاقتصار على واحدة، أو ملك يمينه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ولا شك أن الطريق التي هي أقوم الطرق وأعدلها هي إباحة تعدد الزوجات؛ لأمور محسوسة يعرفها كل العقلاء. منها: أن المرأة الواحدة تحيض وتمرض، وتنفس إلى غير ذلك من العوائق المانعة من قيامها بأخص لوازم الزوجية، والرجل مستعد للتسبب في زيادة الأمة، فلو حبس عليها في أحوال أعذارها لعطلت منافعه باطلًا في غير ذنب. ومنها: أن الله أجرى العادة بأن الرجال أقل عددًا من النساء في أقطار الدنيا، وأكثر تعرضًا لأسباب الموت منهن في جميع ميادين الحياة؛ فلو قصر الرجل على واحدة، لبقى عدد ضخم من النساء محرومًا من الزواج، فيضطرون إلى ركوب الفاحشة، فالعدول عن هدي القرآن في هذه المسألة من أعظم أسباب ضياع الأخلاق، والانحطاط إلى درجة البهائم في عدم الصيانة، والمحافظة على الشرف والمروءة والأخلاق! فسبحان الحكيم الخبير، ﴿ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾.

стр. 1614

ومنها: أن الإناث كلهن مستعدات للزواج، وكثير من الرجال لا قدرة لهم على القيام بلوازم الزواج لفقرهم، فالمستعدون للزواج من الرجال أقل من المستعدات له من النساء؛ لأن المرأة لا عائق لها، والرجل يعوقه الفقر وعدم القدرة على لوازم النكاح، فلو قصر الواحد على الواحدة لضاع كثير من المستعدات للزواج أيضًا بعدم وجود أزواج، فيكون ذلك سببا لضياع الفضيلة وتفشي الرذيلة، والانحطاط الخلقي، وضياع القيم الإنسانية، كما هو واضح. فإن خاف الرجل ألا يعدل بينهن، وجب عليه الاقتصار على واحدة، أو ما ملك يمينه؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية. والميل بالتفضيل في الحقوق الشرعية بينهن لا يجوز، لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ أما الميل الطبيعي بمحبة بعضهن أكثر من بعض، فهو غير مستطاع دفعه للبشر؛ لأنه انفعال وتأثر نفساني لا فعل، وهو المراد بقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ الآية، كما أوضحناه في غير هذا الموضع. وما يزعمه بعض الملاحدة من أعداء دين الإسلام، من أن تعدد الزوجات يلزمه الخصام والشغب الدائم المفضي إلى نكد الحياة؛ لأنه كلما أرضى إحدى الضرتين سخطت الأخرى؛ فهو بين سخطتين دائمًا، وأن هذا ليس من الحكمة. فهو كلام ساقط، يظهر سقوطه لكل عاقل؛ لأن الخصام والمشاغبة بين أفراد أهل البيت لا انفكاك عنه ألبتة، فيقع بين الرجل وأمه، وبينه وبين أبيه، وبينه وبين أولاده، وبينه وبين زوجته الواحدة، فهو أمر عادي ليس له كبير شأن، وهو في جنب المصالح العظيمة التي ذكرنا في

стр. 1615

تعدد الزوجات من صيانة النساء وتيسير التزويج لجميعهن، وكثرة عدد الأمة لتقوم بعددها الكثير في وجه أعداء الإسلام - كلا شيء؛ لأن المصلحة العظمى يقدم جلبها على دفع المفسدة الصغرى. فلو فرضنا أن المشاغبة المزعومة في تعدد الزوجات مفسدة، أو أن إيلام قلب الزوجة الأولى بالضرة مفسدة، لقدمت عليها تلك المصالح الراجحة التي ذكرنا، كما هو معروف في الأصول. قال في مراقي السعود عاطفًا على ما تلغى فيه المفسدة المرجوحة في جنب المصلحة الراجحة: أو رجح الإصلاح كالأسارى ... تفدى بما ينفع للنصارى وانظر تدلى دوالى العنب ... في كل مشرق وكل مغرب ففداء الأسارى مصلحة راجحة، ودفع فدائهم النافع للعدو مفسدة مرجوحة، فتقدم عليها المصلحة الراجحة. أما إذا تساوت المصلحة والمفسدة، أو كانت المفسدة أرجح كفداء الأسارى بسلاح يتمكن بسببه العدو من قتل قدر الأسارى أو أكثر من المسلمين، فإن المصلحة تلغى لكونها غير راجحة كما قال في المراقي: اخرم مناسبا بمفسد لزم ... للحكم وهو غير مرجوح علم وكذلك العنب تعصر منه الخمر وهي أم الخبائث، إلا أن مصلحة وجود العنب والزبيب والانتفاع بهما في أقطار الدنيا مصلحة راجحة على مفسدة عصر الخمر منها ألغيت لها تلك المفسدة المرجوحة.
следующие страницы →