Полный текст (5 235 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
وذهبت جماعة أخرى من أهل العلم إلى أن كل من مات على الكفر فهو في النار ولو لم يأته نذير، واستدلوا بظواهر آيات من كتاب الله، وبأحاديث عن النبي ﷺ . فمن الآيات التي استدلوا بها قوله تعالى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ الآية، وقوله: ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وظاهر جميع هذه الآيات العموم؛ لأنها لم تخصص كافرًا دون كافر؛ بل ظاهرها شمول جميع الكفار.
ومن الأحاديث الدالة على أن الكفار لا يعذرون في كفرهم بالفترة ما أخرجه مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: أن رجلًا قال: يا رسول الله، أين أبي؟. قال: "في النار" فلما قفى دعاه فقال: "إن أبي وأباك في النار" اهـ.
وقال مسلم ﵀ في صحيحه أيضًا: حدثني يحيى بن أيوب، ومحمد بن عباد -واللفظ ليحيى- قالا: حدثنا مروان بن معاوية، عن يزيد يعني ابن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة
стр. 1682
قال: قال رسول الله ﷺ : "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي". حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب قال: حدثنا محمد ابن عبيد، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: زار النبي ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله؛ فقال: "استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت" اهـ. إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على عدم عذر المشركين بالفترة.
وهذا الخلاف مشهور بين أهل الأصول -هل المشركون الذين ماتوا في الفترة وهم يعبدون الأوثان في النار لكفرهم، أو معذورون بالفترة؛ وعقده في "مراقي السعود" بقوله:
ذو فترة بالفرع لا يراع ... وفي الأصول بينهم نزاع
وممن ذهب إلى أَنّ أهل الفترة الذين ماتوا على الكفر في النار: النووي في شرح مسلم، وحكى عليه القرافي -في شرح التنقيح- الإجماع؛ كما نقله عنه صاحب "نشر البنود".
وأجاب أهل هذا القول عن قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ من أربعة أوجه:
الأول: أن التعذيب المنفي في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ .. ﴾ الآية، وأمثالها من الآيات: إنما هو التعذيب الدنيوي؛ كما وقع في الدنيا من العذاب بقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وقوم موسى وأمثالهم. وإذًا فلا ينافي ذلك التعذيب
стр. 1683
في الآخرة. ونسب هذا القول القرطبي، وأبو حيان، والشوكاني وغيرهم في تفاسيرهم إلى الجمهور.
والوجه الثاني: أن محل العذر بالفترة المنصوص في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ .. ﴾ الآية، وأمثالها في غير الواضح الذي لا يخفى على أدنى عاقل، أما الواضح الذي لا يخفى على من عنده عقل كعبادة الأوثان فلا يعذر فيه أحد؛ لأن الكفار يقرون بأن الله هو ربهم، الخالق الرازق، النافع، الضار، ويتحققون كل التحقق أن الأوثان لا تقدر على جلب نفع ولا على دفع ضر، كما قال عن قوم إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)﴾ وكما جاءت الآيات القرآنية بكثرة بأنهم وقت الشدائد يخلصون الدعاء لله وحده، لعلمهم أن غيره لا ينفع ولا يضر، كقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ .. ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. ولكن الكفار غالطوا أنفسهم لشدة تعصبهم لأوثانهم، فزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى، وأنها شفعاؤهم عند الله، مع أن العقل يقطع بنفي ذلك.
الوجه الثالث: أن عندهم بقية إنذار مما جاءت به الرسل الذين أرسلوا قبل نبينا ﷺ ، كإبراهيم وغيره، وأن الحجة قائمة عليهم بذلك. وجزم بهذا النووي في شرح مسلم، ومال إليه العبادي في (الآيات البينات).
الوجه الرابع: ما جاء من الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ ،
стр. 1684
الدالة على أن بعض أهل الفترة في النار، كما قدمنا بعض الأحاديث الواردة بذلك في صحيح مسلم وغيره.
وأجاب القائلون بعذرهم بالفترة عن هذه الأوجه الأربعة: فأجابوا عن الوجه الأول، وهو كون التعذيب في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ إنما هو التعذيب الدنيوي دون الأخروي من وجهين:
الأول: أنه خلاف ظاهر القرآن؛ لأن ظاهر القرآن انتفاء التعذيب مطلقًا، فهو أعم من كونه في الدنيا، وصرف القرآن عن ظاهره ممنوع إلا بدليل يجب الرجوع إليه.
الوجه الثاني: أن القرآن دل في آيات كثيرة على شمول التعذيب المنفي في الآية للتعذيب في الآخرة، كقوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى﴾ وهو دليل على أن جميع أفواج أهل النار ما عذبوا في الآخرة إلا بعد إنذار الرسل، كما تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية.
وأجابوا عن الوجه الثاني: وهو أن محل العذر بالفترة في غير الواضح الذي لا يخفى على أحد - بنفس الجوابين المذكورين آنفًا؛ لأن الفرق بين الواضح وغيره مخالف لظاهر القرآن، فلابد له من دليل يجب الرجوع إليه، ولأن الله نص على أن أهل النار ما عذبوا بها حتى كذبوا الرسل في دار الدنيا، بعد إنذارهم من ذلك الكفر الواضح، كما تقدم إيضاحه.
وأجابوا عن الوجه الثالث الذي جزم به النووي، ومال إليه
стр. 1685
العبادي وهو قيام الحجة عليهم بإنذار الرسل الذين أرسلوا قبله ﷺ بأنه قول باطل بلا شك؛ لكثرة الآيات القرآنية المصرحة ببطلانه؛ لأن مقتضاه أنهم أنذروا على ألسنة بعض الرسل، والقرآن ينفي هذا نفيًا باتًا في آيات كثيرة، كقوله في "يس": ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦)﴾ و ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ نافية على التحقيق، لا موصولة، وتدل لذلك الفاء في قوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ (٦)﴾ وكقوله في "القصص": ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ .. ﴾ الآية، وكقوله في "سبأ": ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤)﴾ وكقوله في "ألم السجدة": ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ .. ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
وأجابوا عن الوجه الرابع: بأن تلك الأحاديث الواردة في صحيح مسلم وغيره أخبار آحاد يقدم عليها القاطع، وهو قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ وقوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى﴾ ونحو ذلك من الآيات.
وأجاب القائلون بالعذر بالفترة أيضًا عن الآيات التي استدل بها مخالفوهم كقوله: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ إلى آخر ما تقدم من الآيات = بأن محل ذلك فيما إذا أرسلت إليهم الرسل فكذبوهم بدليل قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾.
وأجاب القائلون بتعذيب عبدة الأوثان من أهل الفترة عن قول
стр. 1686
مخالفيهم: إن القاطع الذي هو قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ يجب تقديمه على أخبار الآحاد الدالة على تعذيب بعض أهل الفترة، كحديثي مسلم في صحيحه المتقدمين = بأن الآية عامة، والحديثين كلاهما خاص في شخص معين، والمعروف في الأصول أنه لا يتعارض عام وخاص؛ لأن الخاص يقضي على العام كما هو مذهب الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة ﵀، كما بيناه في غير هذا الموضع.
فما أخرجه دليل خاص خرج من العموم، وما لم يخرجه دليل خاص بقي داخلًا في العموم؛ كما تقرر في الأصول.
وأجاب المانعون بأن هذا التخصيص يبطل حكمة العام؛ لأن الله جل وعلا تمدح بكمال الإنصاف؛ وأنه لا يعذب حتى يقطع حجة المعذب بإنذار الرسل في دار الدنيا، وأشار لأن ذلك الإنصاف الكامل، والإعذار الذي هو قطع العذر علة لعدم التعذيب، فلو عذب إنسانًا واحدًا من غير إنذار لاختلت تلك الحكمة التي تمدح الله بها، ولثبتت لذلك الإنسان الحجة التي أرسل الله الرسل لقطعها؛ كما بينه بقوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)﴾ كما تقدم إيضاحه.
وأجاب المخالفون عن هذا: بأنه لو سلم أن عدم الإنذار في دار الدنيا علة لعدم التعذيب في الآخرة، وحصلت علة الحكم التي هي عدم الإنذار في الدنيا، مع فقد الحكم الذي هو عدم التعذيب
стр. 1687
في الآخرة للنص في الأحاديث على التعذيب فيها؛ فإن وجود علة الحكم فقد الحكم المسمى في اصطلاح أهل الأصول بـ"النقض" تخصيص للعلة، بمعنى أنه قصر لها على بعض أفراد معلولها بدليل خارج كتخصيص العام؛ أي: قصره على بعض أفراده بدليل. والخلاف في النقض هل هو إبطال للعلة، أو تخصيص لها معروف في الأصول، وعقد الأقوال في ذلك صاحب "مراقى السعود" بقوله في مبحث القوادح:
منها وجود الوصف دون الحكم ... سماه بالنقض وعاة العلم
والأكثرون عندهم لا يقدح ... بل هو تخصيص وذا مصحح
وقد روي عن مالك تخصيص ... إن يك الاستنباط لا التنصيص
وعكس هذا قد رآه البعض ... ومنتقى ذي الاختصار النقض
إن لم تكن منصوصة بظاهر ... وليس فيما استنبطت بضائر
إن جا لفقد الشرط أو لما منع ... والوفق في مثل العرايا قد وقع
فقد أشار في الأبيات إلى خمسة أقوال في النقض: هل هو تخصيص، أو إبطال للعلة، مع التفاصيل التي ذكرها في الأقوال المذكورة.
واختار بعض المحققين من أهل الأصول: أن تخلف الحكم عن الوصف إن كان لأجل مانع من تأثير العلة، أو لفقد شرط تأثيرها فهو تخصيص للعلة، وإلا فهو نقض وإبطال لها، فالقتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص إجماعًا.
стр. 1688
فإذا وجد هذا الوصف المركب الذي هو القتل العمد العدوان، ولم يوجد الحكم الذي هو القصاص في قتل الوالد ولده لكون الأبوة مانعًا من تأثير العلة في الحكم = فلا يقال هذه العلة منقوضة؛ لتخلف الحكم عنها في هذه الصورة، بل هي علة منع من تأثيرها مانع، فيخصص تأثيرها بما لم يمنع منه مانع.
وكذلك من زوج أمته من رجل، وغره فزعم له أنها حرة فولد منها؛ فإن الولد يكون حرًا، مع أن رق الأم علة لرق الولد إجماعًا؛ لأن كل ذات رحم فولدها بمنزلتها؛ لأن الغرور مانع، منع من تأثير العلة التي هي رق الأم في الحكم الذي هو رق الولد.
وكذلك الزنى، فإنه علة للرجم إجماعًا.
فإذا تخلف شرط تأثير هذه العلة التي هي الزنى في هذا الحكم الذي هو الرجم، ونعني بذلك الشرط الإحصان، فلا يقال: إنها علة منقوضة، بل هي علة تخلف شرط تأثيرها. وأمثال هذا كثيرة جدًا، هكذا قاله بعض المحققين.
قال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر: أن آية "الحشر" دليل على أن النقض تخصيص للعلة مطلقًا، والله تعالى أعلم. ونعني بآية "الحشر" قوله تعالى في بني النضير: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣)﴾.
ثم بين جل وعلا علة هذا العقاب بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. وقد يوجد بعض من شاق الله ورسوله، ولم يعذب بمثل العذاب الذي عذب به بنو النضير، مع الاشتراك في العلة التي
стр. 1689
هي مشاقة الله ورسوله .. فدل ذلك على أن تخلف الحكم عن العلة في بعض الصور: تخصيص للعلة لا نقض لها. والعلم عند الله تعالى.
أما مثل بيع التمر اليابس بالرطب في مسألة بيع العرايا، فهو تخصيص للعلة إجماعًا لا نقض لها، كما أشار له في الأبيات بقوله:
• والوفق في مثل العرايا قد وقع*
قال مقيده -عفا الله عنه-: الظاهر أن التحقيق في هذه المسألة التي هي: هل يعذر المشركون بالفترة أو لا! هو أنهم معذورون بالفترة في الدنيا، وأن الله يوم القيامة يمتحنهم بنار يأمرهم باقتحامها، فمن اقتحمها دخل الجنة، وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا، ومن امتنع دخل النار وعذب فيها، وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا؛ لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل.
وإنما قلنا: إن هذا هو التحقيق في هذه المسألة لأمرين:
الأول: أن هذا ثبت عن رسول الله ﷺ ، وثبوته عنه نص في محل النزاع، فلا وجه للنزاع ألبتة مع ذلك.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها -بعد أن ساق الأحاديث الكثيرة الدالة على عذرهم بالفترة وامتحانهم يوم القيامة رادًا على ابن عبد البر تضعيف أحاديث عذرهم وامتحانهم، بأن الآخرة دار جزاء لا عمل، وأن
стр. 1690
التكليف بدخول النار تكليف بما لا يطاق وهو لا يمكن ما نصه-:
والجواب عما قال: أن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط، أفادت الحجة عند الناظر فيها.
وأما قوله: إن الدار الآخرة دار جزاء، فلا شك أنها دار جزاء، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار، كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة من امتحان الأطفال، وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ الآية.
وقد ثبت في الصحاح وغيرها: "أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة، وأن المنافق لا يستطيع ذلك، ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقًا واحدًا، كلما أراد السجود خر لقفاه"؛ وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجًا منها: "أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه ألا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرر ذلك منه، ويقول الله تعالى: يا ابن آدم، ما أغدرك! ثم يأذن له في دخول الجنة".
وأما قوله: فكيف يكلفهم الله دخول النار، وليس ذلك في وسعهم؟ فليس هذا بمانع من صحة الحديث؛ فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط "وهو جسر على متن جهنم أحد من السيف وأدق من الشعر، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم، كالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، ومنهم الساعي،
стр. 1691
ومنهم الماشي، ومنهم من يحبو حبوًا، ومنهم المكدوس على وجهه في النار" وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا، بل هذا أطم وأعظم!.
وأيضًا: فقد ثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار فإنه يكون عليه بردًا وسلامًا؛ فهذا نظير ذلك.
وأيضًا: فإن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، فقتل بعضهم بعضا حتى قتلوا فيما قيل في غداة واحدة سبعين ألفًا، يقتل الرجل أباه وأخاه، وهم في عماية غمامة أرسلها الله عليهم، وذلك عقوبة لهم على عبادة العجل. وهذا أيضًا شاق على النفوس جدًا لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور. والله أعلم. انتهى كلام ابن كثير بلفظه.
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى أيضًا قبل هذا الكلام بقليل ما نصه:
ومنهم من ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة في عرصات المحشر، فمن أطاع دخل الجنة، وانكشف علم الله فيه بسابق السعادة، ومن عصى دخل النار داخرًا، وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة.
وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة، الشاهد بعضها لبعض.
وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن على بن إسماعيل
стр. 1692
الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب (الاعتقاد) وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ والنقاد. انتهى محل الغرض من كلام ابن كثير رحمه الله تعالى، وهو واضح جدًا فيما ذكرنا.
الأمر الثاني: أن الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن بلا خلاف؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، ولا وجه للجمع بين الأدلة إلا هذا القول بالعذر والامتحان، فمن دخل النار فهو الذي لم يمتثل ما أمر به عند ذلك الامتحان، وتتفق بذلك جميع الأدلة، والعلم عند الله تعالى.
ولا يخفى أن مثل قول ابن عبد البر رحمه الله تعالى: إن الآخرة دار جزاء لا دار عمل = لا يصح أن ترد به النصوص الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ ، كما أوضحناه في كتابنا "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب".
• قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾
في معنى قوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ في هذه الآية الكريمة ثلاثة مذاهب معروفة عند علماء التفسير:
الأول: وهو الصواب الذي يشهد له القرآن، وعليه جمهور العلماء: أن الأمر في قوله: ﴿أَمَرْنَا﴾ هو الأمر الذي هو ضد النهي، وأن متعلق الأمر محذوف لظهوره. والمعنى: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ بطاعة الله وتوحيده، وتصديق رسله واتباعهم فيما جاءوا به ﴿فَفَسَقُوا﴾
стр. 1693
أي: خرجوا عن طاعة أمر ربهم، وعصوه وكذبوا رسله ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ أي: وجب عليها الوعيد ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾ أي: أهلكناها إهلاكًا مستأصلًا. وأكد فعل التدمير بمصدره للمبالغة في شدة الهلاك الواقع بهم.
وهذا القول الذي هو الحق في هذه الآية تشهد له آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ .. ﴾ الآية. فتصريحه جل وعلا بأنه لا يأمر بالفحشاء دليل واضح على أن قوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا﴾ أي: أمرناهم بالطاعة فعصوا، وليس المعنى أمرناهم بالفسق ففسقوا؛ لأن الله لا يأمر بالفحشاء.
ومن الآيات الدالة على هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾ فقوله في هذه الآية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ .. ﴾ الآية، لفظ عام في جميع المترفين من جميع القرى أن الرسل أمرتهم بطاعة الله فقالوا لهم: إنا بما أرسلتم به كافرون، وتبجحوا بأموالهم وأولادهم. والآيات بمثل ذلك كثيرة.
وبهذا التحقيق تعلم: أن ما زعمه الزمخشري في كشافه من أن معنى: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ أي: أمرناهم بالفسق ففسقوا، وأن هذا مجاز تنزيلًا لإسباغ النعم عليهم الموجب لبطرهم وكفرهم منزلة الأمر بذلك = كلام كله ظاهر السقوط والبطلان؛ وقد أوضح إبطاله أبو حيان في "البحر"، والرازي في تفسيره، مع أنه لا يشك منصف عارف في بطلانه.
стр. 1694
وهذا القول الصحيح في الآية جار على الأسلوب العربي المألوف، من قولهم: أمرته فعصاني، أي: أمرته بالطاعة فعصى. وليس المعنى: أمرته بالعصيان كما لا يخفى.
القول الثاني في الآية: هو أن الأمر في قوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ أمر كوني قدري، أي: قدرنا عليهم ذلك وسخرناهم له؛ لأن كلًا ميسر لما خلق له، والأمر الكوني القدري كقوله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ وقوله: ﴿عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ وقوله: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾.
القول الثالث في الآية: أن ﴿أَمْرُنَا﴾ بمعنى أكثرنا، أي: أكثرنا مترفيها ففسقوا.
وقال أبو عبيدة ﴿أَمْرُنَا﴾ بمعنى أكثرنا لغة فصيحة كآمرنا بالمد. ويدل لذلك الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد عن سويد بن هبيرة أن النبي ﷺ قال: "خير مال امرئ مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة".
قال ابن كثير: قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ في كتابه (الغريب): المأمورة: كثيرة النسل، والسكة: الطريقة المصطفة من النخل، والمأبورة: من التأبير، وهو تعليق طلع الذكر على النخلة لئلا يسقط ثمرها. ومعلوم أن إتيان المأمورة على وزن المفعول يدل على أن أمر بفتح الميم مجردًا عن الزوائد متعد بنفسه إلى المفعول، فيتضح كون أمره بمعنى أكثر. وأنكر غير واحد تعدي أمر الثلاثي بمعنى الإكثار إلى المفعول وقالوا: حديث سويد
стр. 1695
ابن هبيرة المذكور من قبيل الازدواج، كقولهم: الغدايا والعشايا، وكحديث "ارجعن مأزورات غير مأجورات" لأن الغدايا لا يجوز، وإنما ساغ للازدواج مع العشايا، وكذلك مأزورات بالهمز فهو على غير الأصل؛ لأن المادة من الوزر بالواو. إلا أن الهمز في قوله: "مأزورات" للازدواج مع "مأجورات". والازدواج يجوز فيه ما لا يجوز في غيره كما هو معلوم. وعليه فقوله: "مأمورة" إتباع لقوله: "مأبورة" وإن كان مذكورًا قبله للمناسبة بين اللفظين.
وقال الشيخ أبو عبد الله القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: قوله تعالى: ﴿أَمْرُنَا﴾ قرأ أبو عثمان النهدي، وأبو رجاء، وأبو العالية، والربيع، ومجاهد، والحسن ﴿أَمْرُنَا﴾ بالتشديد. وهي قراءة على ﵁، أي: سلطنا شرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم.
وقال أبو عثمان النهدي: ﴿أَمْرُنَا﴾ بتشديد الميم: جعلناهم أمراء مسلطين.
وقاله ابن عزيز: وتأمر عليهم تسلط عليهم. وقرأ الحسن أيضًا، وقتادة، وأبو حيوة الشامي، ويعقوب، وخارجة عن نافع، وحماد بن سلمة عن ابن كثير وعلي وابن عباس باختلاف عنهما "آمرنا" بالمد والتخفيف، أي: أكثرنا جبابرتها وأمراءها، قاله الكسائي.
وقال أبو عبيدة: "آمرته -بالمد- وأمرته لغتان بمعنى أكثرته؛ ومنه الحديث "خير المال مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة" أي: كثيرة النتاج والنسل. وكذلك قال ابن عزيز: آمرنا وأمرنا بمعنى واحد،
стр. 1696
أي: أكثرنا. وعن الحسن أيضًا، ويحيى بن يعمر: أمرنا -بالقصر وكسر الميم- على فعلنا، ورويت عن ابن عباس. قال قتادة والحسن: المعنى أكثرنا، وحكى نحوه أبو زيد وأبو عبيد. وأنكره الكسائي وقال: لا يقال من الكثرة إلا آمرنا بالمد، وأصلها أأمرنا فخفف. حكاه المهدوي.
وفي الصحاح: قال أبو الحسن: أمر ماله -بالكسر- أي: كثر. وأمر القوم، أي: كثروا، قال الشاعر وهو الأعشى:
طرفون ولادون كل مبارك ... أمرون لا يرثون سهم القعدد
وآمر الله ماله -بالمد-. الثعلبي: ويقال للشيء الكثير: أمر، والفعل منه أمر القوم يأمرون أمرًا: إذا كثروا.
قال ابن مسعود: كنا نقول في الجاهلية للحى إذا كثروا: أمر أمر بني فلان؛ قال لبيد:
كلُّ بني حُرَّة مصيرُهُمُ ... قُلٌّ وإن أكثرَتْ من العدد
إن يُغْبَطوا يُهْبَطوا وإن أَمِروا ... يومًا يصيروا للهُلْك والنكدِ
قلت: وفي حديث هرقل الحديث الصحيح: لقد أَمر أمرُ ابن أبي كبشة، إنه ليخافه ملك بني الأصفر؛ أي: كثر، وكلها غير متعد، ولذلك أنكره الكسائي. والله أعلم.
قال المهدوي: ومن قرأ أمر فهي لغة. ووجه تعدية أمر أنه شبهه بعمر من حديث كانت الكثرة أقرب شيء إلى العمارة؛ فعدى كما عدى عمر - إلى أن قال: وقيل: أمرناهم جعلناهم أمراء؛ لأن
стр. 1697
العرب تقول: أمير غير مأمور، أي: غير مؤمر. وقيل معناه: بعثنا مستكبريها. قال هارون: وهي قراءة أبي: بعثنا أكابر مجرميها ففسقوا فيها. ذكره الماوردي.
وحكى النحاس: وقال هارون في قراءة أبي: وإذا أردنا أن نهلك قرية بعثنا فيها أكابر مجرميها فمكروا فيها فحق عليها القول اهـ. محل الغرض من كلام القرطبي.
وقد علمت أن التحقيق الذي دل عليه القرآن أن معنى الآية: أمرنا مترفيها بالطاعة فعصوا أمرنا؛ فوجب عليهم الوعيد فأهلكناهم كما تقدم إيضاحه.
تنبيه
في هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يقال: إن الله أسند الفسق فيها لخصوص المترفين دون غيرهم في قوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ مع أنه ذكر عموم الهلاك للجميع المترفين وغيرهم في قوله: ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾ يعني القرية، ولم يستثن منها غير المترفين؟
والجواب من وجهين:
الأول: أن غير المترفين تبع لهم، وإنما خص بالذكر المترفين الذين هم سادتهم وكبراؤهم؛ لأن غيرهم تبع لهم، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧)﴾ وكقوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ الآية، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ
стр. 1698
أَضَلُّونَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (١٧) .. ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
الوجه الثاني: أن بعضهم إن عصى الله وبغى وطغى، ولم ينههم الآخرون فإن الهلاك يعم الجميع، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ وفي الصحيح من حديث أم المؤمنين زينب بنت جحش ﵂: أنها لما سمعت النبي ﷺ يقول: "لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل، هذه -وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها-" قالت له: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا كثر الخبث" وقد قدمنا هذا المبحث موضحًا في سورة المائدة.
• قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أهلك كثيرًا من القرون من بعد نوح؛ لأن لفظة ﴿وَكَمْ﴾ في قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾ خبرية، معناها الإخبار بعدد كثير، وأنه جل وعلا خبير بصير بذنوب عباده. وأكد ذلك بقوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ﴾ الآية.
وما دلت عليه هذه الآية الكريمة أوضحته آيات أخر من أربع جهات:
стр. 1699
الأول: أن في الآية تهديدًا لكفار مكة، وتخويفًا لهم من أن ينزل بهم ما نزل بغيرهم من الأمم التي كذبت رسلها، أي: أهلكنا قرونًا كثيرة من بعد نوح بسبب تكذيبهم الرسل، فلا تكذبوا رسولنا لئلا نفعل بكم مثل ما فعلنا بهم.
والآيات التي أوضحت هذا المعنى كثيرة، كقوله في قوم لوط: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ وكقوله فيهم أيضًا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾ وقوله فيهم أيضًا: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾ وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾ وقوله بعد ذكره جل وعلا إهلاكه لقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب في سورة الشعراء: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾ وقوله في قوم موسى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على تخويفهم بما وقع لمن قبلهم.
الجهة الثانية: أن هذه القرون تعرضت لبيانها آيات أخر؛ فبينت كيفية إهلاك قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وفرعون وقومه من قوم موسى، وذلك مذكور في مواضع متعددة معلومة من كتاب الله تعالى، وبين أن تلك القرون كثيرة في قوله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨)﴾ وبين في موضع آخر: أن منها ما لا يعلمه إلا الله جل وعلا، وذلك
стр. 1700
في قوله في سورة إبراهيم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ الآية. وبين في موضعين آخرين أن رسلهم منهم من قص خبره على نبينا ﷺ ، ومنهم من لم يقصصه عليه، وهما قوله في سورة النساء: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ وقوله في سورة المؤمن: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية.
الجهة الثالثة: أن قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ يدل على أن القرون التي كانت بين آدم ونوح أنها على الإسلام، كما قال ابن عباس: كانت بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام. نقله عنه ابن كثير في تفسير هذه الآية.
وهذا المعنى تدل عليه آيات أخر، كقوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ الآية؛ لأن معنى ذلك على أصح الأقوال أنهم كانوا على طريق الإسلام، حتى وقع ما وقع من قوم نوح من الكفر، فبعث الله النبيين ينهون عن ذلك الكفر، مبشرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرين من عصاهم بالنار، وأولهم في ذلك نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
ويدل على هذا قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ الآية، وفي أحاديث الشفاعة الثابتة في الصحاح وغيرها أنهم يقولون لنوح: إنه أول رسول بعثه الله لأهل الأرض
стр. 1701
كما قدمنا ذلك في سورة البقرة.
الجهة الرابعة: أن قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾ فيه أعظم زجر عن ارتكاب ما لا يرضى الله تعالى.
والآيات الموضحة لذلك كثيرة جدًا، كقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ وقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾ وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا هذا المبحث موضحًا في أول سورة هود. ولفظة ﴿وَكَمْ﴾ في هذه الآية الكريمة في محل نصب مفعول به لـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾ و ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ بيان لقوله: ﴿وَكَمْ﴾ وتمييز له كما يميز العدد بالجنس. وأما لفظه ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ فالظاهر أنها لابتداء الغاية، وهو الذي اختاره أبو حيان في "البحر". وزعم الحوفي أن ﴿مِنْ﴾ الثانية بدل من الأولى، ورده عليه أبو حيان. والعلم عند الله تعالى.
• قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ .
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ أي: عمل لها عملها الذي تنال به، وهو امتثال أمر الله، واجتناب نهيه بإخلاص على الوجه المشروع ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أي: موحد لله جل وعلا، غير مشرك به ولا كافر به، فإن الله يشكر سعيه، بأن يثيبه الثواب الجزيل عن عمله القليل.
стр. 1702
وفي الآية الدليل على أن الأعمال الصالحة لا تقع إلا مع الإيمان بالله؛ لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة؛ لأنه شرط في ذلك قوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾.
وقد أوضح تعالى هذا في آيات كثيرة: كقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾ وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
ومفهوم هذه الآيات: أن غير المؤمنين إذا أطاع الله بإخلاص لا ينفعه ذلك، لفقد شرط القبول الذي هو الإيمان بالله جل وعلا.
وقد أوضح جل وعلا هذا المفهوم في آيات أخر، كقوله في أعمال غير المؤمنين: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا .. ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
وقد بين جل وعلا في مواضع آخر: أن عمل الكافر الذي يتقرب به إلى الله يجازى به في الدنيا، ولا حظ له منه في الآخرة؛ كقوِله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي
стр. 1703
حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾.
وثبت عن النبي ﷺ نحو ما جاءت به هذه الآيات؛ من انتفاع الكافر بعمله في الدنيا من حديث أنس.
قال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب -واللفظ لزهير- قالا: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسناته ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أمضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها".
حدثنا عاصم بن النضر التيمي، حدثنا معتمر قال: سمعت أبي، حدثنا قتادة عن أنس بن مالك: أنه حدث عن رسول الله ﷺ : "أن للكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة من الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يدخر له حسناته في الآخرة، ويعقبه رزقًا في الدنيا على طاعته".
حدثنا محمد بن عبد الله الرازي، أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبي ﷺ بمثل حديثهما.
واعلم أن هذا الذي ذكرنا أدلته من الكتاب والسنة من أن الكافر ينتفع بعمله الصالح في الدنيا: كبر الوالدين، وصلة الرحم، وإكرام الضيف والجار، والتنفيس عن المكروب ونحو ذلك، كله
стр. 1704
مقيد بمشيئة الله تعالى؛ كما نص على ذلك بقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ .. ﴾ الآية.
فهذه الآية الكريمة مقيدة لما ورد من الآيات والأحاديث. وقد تقرر في الأصول أن المقيد يقضي على المطلق، ولاسيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا. وأشار له في "مراقي السعود" بقوله:
وحمل مطلق على ذاك وجب ... إن فيهما اتحد حكم والسبب
• قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ .
الظاهر أن الخطاب في هذه الآية الكريمة. متوجه إلى النبي ﷺ ؛ ليشرع لأمته على لسانه إخلاص التوحيد في العبادة له جل وعلا؛ لأنه ﷺ معلوم أنه لا يجعل مع الله إلهًا آخر، وأنه لا يقعد مذمومًا مخذولًا.
ومن الآيات الدالة دلالة واضحة على أنه ﷺ يوجه إليه الخطاب، والمراد بذلك التشريع لأمته لا نفس خطابه هو ﷺ = قوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ لأن معنى قوله: ﴿﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ .. ﴾ الآية: أي: إن يبلغ عندك والدك أو أحدهما الكبر فلا تقل لهما أف. ومعلوم أن والديه قد ماتا قبل ذلك بزمن طويل، فلا وجه لاشتراط بلوغهما أو أحدهما الكبر بعد أن ماتا منذ زمن طويل، إلا أن المراد التشريع لغيره ﷺ . ومن أساليب اللغة العربية خطابهم إنسانًا والمراد بالخطاب غيره. ومن الأمثلة السائرة في ذلك قول
стр. 1705
الراجز، وهو سهل بن مالك الفزاري:
إياك أعني واسمعي يا جاره
وسبب هذا المثل: أنه زار حارثة بن لأم الطائي فوجده غائبًا؛ فأنزلته أخته وأكرمته، وكانت جميلة، فأعجبه جمالها، فقال مخاطبًا لأخرى غيرها ليسمعها هي:
يا أخت خير البدو والحضاره ... كيف ترين في فتى فزاره
أصبح يهوى حرة معطاره ... إياك أعني واسمعي يا جاره
ففهمت المرأة مراده، وأجابته بقولها:
إني أقول يا فتى فزاره ... لا أبتغي الزوج ولا الدعاره
ولا فراق أهل هذه المحاره ... فارحل إلى أهلك باستحاره
والظاهر أن قولها: "باستحارة" أن أصله استفعال من المحاورة بمعنى رجع الكلام بينهما، أي: ارحل إلى أهلك بالمحاورة التي وقعت بيني وبينك، وهي كلامك وجوابي له، ولا تحصل مني على غير ذلك! والهاء في "الاستحاره" عوض من العين الساقطة بالإعلال، كما هو معروف في فن الصرف.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الخطاب في قوله: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ ونحو ذلك من الآيات = متوجه إلى المكلف.
ومن أساليب اللغة العربية: إفراد الخطاب مع قصد التعميم، كقول طرفة بن العبد في معلقته:
стр. 1706
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وقال الفراء، والكسائي، والزمخشري: ومعنى قوله: ﴿فَتَقْعُدَ﴾ أي: تصير. وجعل الفراء منه قول الراجز:
لا يقنع الجارية الخضاب ... ولا الوشاحان ولا الجلباب
من دون أن تلتقى الأركاب ... ويقعد الأير له لعاب
أي: يصير له لعاب.
وحكى الكسائي: قعد لا يسأل حاجة إلا قضاها؛ بمعنى صار. قاله أبو حيان في البحر.
ثم قال أيضًا: والقعود هنا عبارة عن المكث، أي؛ فتمكث في الناس مذمومًا مخذولًا، كما تقول لمن سأل عن حال شخص: هو قاعد في أسوأ حال. ومعناه ماكث ومقيم، سواء كان قائمًا أم جالسًا. وقد يراد القعود حقيقة؛ لأن من شأن المذموم المخذول أن يقعد حائرًا متفكرًا، وعبر بغالب حاله وهو القعود. وقيل: معنى: ﴿فَتَقْعُدَ﴾ فتعجز. والعرب تقول: ما أقعدك عن المكارم اهـ محل الغرض من كلام أبي حيان.
والمذموم هنا: هو من يلحقه الذم من الله ومن العقلاء من الناس، حيث أشرك بالله ما لا ينفع ولا يضر، ولا يقدر على شيء.
والمخذول: هو الذي لا يضره من كان يؤمل منه النصر، ومنه قوله:
إن المرء ميتًا بانقضاء حياته ... ولكن بأن يبغى عليه فيخذلا
стр. 1707
• قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ .
أمر جل وعلا في هذه الآية الكريمة بإخلاص العبادة له وحده، وقرن بذلك الأمر بالإحسان إلى الوالدين.
وجعله بن الوالدين مقرونًا بعبادته وحده جل وعلا المذكور هنا ذكره في آيات أخر، كقوله في سورة "النساء": ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية، وقوله في البقرة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية، وقوله في سورة لقمان: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ وبين في موضع آخر أن برهما لازم ولو كانا مشركين داعيين إلى شركهما، كقوله في "لقمان": ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ وقوله في "العنكبوت": ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ .. ﴾ الآية.
وذكره جل وعلا في هذه الآيات: بر الوالدين مقرونًا بتوحيده جل وعلا في عبادته، يدل على شدة تأكد وجوب بر الوالدين. وجاءت عن النبي ﷺ في ذلك أحاديث كثيرة.
وقوله جل وعلا في الآيات المذكورة: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ بينه بقوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ لأن هذا من الإحسان إليهما المذكور في الآيات. وسيأتي إن شاء الله تعالى إيضاح معنى
стр. 1708
خفض الجناح، وإضافته إلى الذل في سورة "الشعراء" وقد أوضحنا ذلك غاية الإيضاح في رسالتنا المسماة "منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز".
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ معناه: أمر وألزم، وأوجب ووصى ألا تعبدوا إلا إياه.
وقال الزمخشري: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ أي: أمر أمرًا مقطوعًا به. واختار أبو حيان في "البحر المحيط" أن إعراب قوله: ﴿إِحْسَانًا﴾ أنه مصدر نائب عن فعله؛ فهو بمعنى الأمر، وعطف الأمر المعنوي أو الصريح على النهي معروف؛ كقوله:
وقوفًا بها صحبى على مطيهم ... يقولون: لا تهلك أسى وتجمل
وقال الزمخشري في الكشاف: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أي: وأحسنوا بالوالدين إحسانًا، أو بأن تحسنوا بالوالدين إحسانًا.
• قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)﴾ .
الضمير في قوله: ﴿عَنْهُمُ﴾ راجع إلى المذكورين قبله في قوله: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ .. ﴾ الآية. ومعنى الآية: إن تعرض عن هؤلاء المذكورين فلم تعطهم شيئًا لأنه ليس عندك. وإعراضك المذكور عنهم ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ أي: رزق حلال، كالفيء يرزقكه الله فتعطيهم منه ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)﴾ أي: لينًا لطيفًا طيبًا، كالدعاء لهم بالغنى وسعة الرزق. ووعدهم بأن الله إذا يسر من فضله رزقًا أنك تعطيهم منه.
стр. 1709
وهذا تعليم عظيم من الله لنبيه لمكارم الأخلاق، وأنه إن لم يقدر على الإعطاء الجميل فليتجمل في عدم الإعطاء؛ لأن الرد الجميل خير من الإعطاء القبيح.
وهذا الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، صرح به الله جل وعلا في سورة "البقرة" فى قوله: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ الآية. ولقد أجاد من قال:
إلا تكن ورق يوما أجود بها ... للسائلين فإني لين العود
لا يعدم السائلون الخير من خلقي ... إما نوالي وإما حسن مردودي
والآية الكريمة تشير إلى أنه ﷺ لا يعرض عن الإعطاء إلا عند عدم ما يعطي منه، وأن الرزق المنتظر إذا يسره الله فإنه يعطيهم منه، ولا يعرض عنهم. وهذا هو غاية الجود وكرم الأخلاق.
وقال القرطبي: ﴿قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)﴾ مفعول بمعنى الفاعل من لفظ اليسر كالميمون.
وقد علمت مما قررنا أن قوله: ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ متعلق بفعل الشرط الذي هو ﴿تُعْرِضَنَّ﴾ لا بجزاء الشرط.
وأجاز الزمخشري في الكشاف تعلقه بالجزاء وتقديمه عليه. ومعنى ذلك: فقل لهم قولًا ميسورًا ابتغاء رحمة من ربك، أي: يسر عليهم والطف بهم، لابتغائك بذلك رحمة الله. ورد ذلك عليه أبو حيان في "البحر المحيط" بأن ما بعد فاء الجواب لا يعمل فيما قبله. قال: لا يجوز في قولك: إن يقم فاضرب خالدًا = أن تقول: إن يقم خالدًا فاضرب. وهذا منصوص عليه - انتهى.
стр. 1710
وعن سعيد بن جبير ﵀، أن الضمير في قوله: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ راجع للكفار، أي: إن تعرض عن الكفار ابتغاء رحمة من ربك، أي: نصر لك عليهم، أو هداية من الله لهم. وعلى هذا فالقول الميسور: المداراة باللسان. قاله أبو سليمان الدمشقي، انتهى من البحر. ويسر بالتخفيف يكون لازمًا ومتعديًا، وميسور من المتعدي، تقول: يسرت لك كذا إذا أعددته. قاله أبو حيان أيضًا.
• قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾ .
بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من قتل مظلومًا فقد جعل الله لوليه سلطانًا، ونهاه عن الإسراف في القتل، ووعده بأنه منصور.
والنهي عن الإسراف في القتل هنا شامل ثلاث صور:
الأولى: أن يقتل اثنين أو أكثر بواحد، كما كانت العرب تفعله في الجاهلية، كقول مهلهل بن ربيعة لما قتل بجير بن الحارث بن عباد في حرب البسوس المشهورة: بؤ بشسع نعل كليب، فغضب الحارث بن عباد، وقال قصيدته المشهورة:
قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب واتل عن حيال
قربا مربط النعامة منى ... إن بيع الكرام بالشسع غالي - الخ
وقال مهلهل أيضًا:
كل قتيل في كليب غره ... حتى ينال القتل آل مره
стр. 1711
ومعلوم أن قتل جماعة بواحد لم يشتركوا في قتله إسراف في القتل داخل في النهي المذكور في الآية الكريمة.
الثانية: أن يقتل بالقتيل واحدًا فقط ولكنه غير القاتل؛ لأن قتل البريء بذنب غيره إسراف في القتل، منهي عنه في الآية أيضًا.
الثالثة: أن يقتل نفس القاتل ويمثل به، فإن زيادة المثلة إسراف في القتل أيضًا.
وهذا هو التحقيق في معنى الآية الكريمة. فما ذكره بعض أهل العلم -ومال إليه الرازي في تفسيره بعض الميل- من أن معنى الآية: فلا يسرف الظالم الجاني في القتل، تخويفًا له من السلطان، والنصر الذي جعله الله لولي المقتول = لا يخفى ضعفه، وأنه لا يلتئم مع قوله بعده: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾.
وهذا السلطان الذي جعله الله لولي المقتول لم يبينه هنا بيانًا مفصلًا، ولكنه أشار في موضعين إلى أن هذا السلطان: هو ما جعله الله من السلطة لولي المقتول على القاتل، من تمكينه من قتله إن أحب. ولا ينافي ذلك أنه إن شاء عفا على الدية أو مجانًا.
الأول: قول هنا: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ بعد ذكر السلطان المذكور؛ لأن النهي عن الإسراف في القتل مقترنًا بذكر السلطان المذكور يدل على أن السلطان المذكور هو ذلك القتل المنهي عن الإسراف فيه.
الموضع الثاني: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى -إلى قوله- وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ .. ﴾ الآية. فهو يدل
стр. 1712
على أن السلطان المذكور هو ما تضمنته آية القصاص هذه، وخير ما يبين به القرآن القرآن.
مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة
المسألة الأولى: يفهم من قوله: ﴿مَظْلُومًا﴾ أن من قتل غير مظلوم ليس لوليه سلطان على قاتله، وهو كذلك؛ لأن من قتل بحق فدمه حلال، ولا سلطان لوليه في قتله، كما قدمنا بذلك حديث ابن مسعود المتفق عليه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ﷺ إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة" كما تقدم إيضاحه في سورة "المائدة".
وبيان هذا المفهوم في قوله: ﴿مَظْلُومًا﴾ يظهر به بيان المفهوم في قوله أيضًا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾.
وأعلم: أنه قد ورد في بعض الأدلة أسباب أخر لإباحة قتل المسلم غير الثلاث المذكورة، على اختلاف في ذلك بين بعض العلماء.
من ذلك: المحاربون إذا لم يقتلوا أحدًا؛ عند من يقول بأن الإمام مخير بين الأمور الأربعة المذكورة، في قوله: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا .. ﴾ الآية، كما تقدم إيضاحه مستوفى في سورة "المائدة".
ومن ذلك: قتل الفاعل والمفعول به في فاحشة اللواط، وقد قدمنا الأقوال في ذلك وأدلتها بإيضاح في سورة "هود".
стр. 1713
وأما قتل الساحر فلا يبعد دخوله في قتل الكافر المذكور في قوله: "التارك لدينه المفارق للجماعة" لدلالة القرآن على كفر الساحر في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُر .. ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
وأما قتل مانع الزكاة: فإنه إن أنكر وجوبها فهو كافر مرتد داخل في "التارك لدينه المفارق للجماعة" وأما إن منعها وهو مقر بوجوبها فالذي يجوز فيه: القتال لا القتل، وبين القتال والقتل فرق واضح معروف.
وأما ما ذكره بعض أهل العلم من: أن من أتى بهيمة يقتل هو وتقتل البهيمة معه لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه".
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": رواه أبو يعلى، وفيه محمد بن عمرو بن علقمة، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات. ورواه ابن ماجه عن طريق داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا. وأكثر أهل العلم على أنه لا يقتل؛ لأن حصر ما يباح به دم المسلم في الثلاث المذكورة في حديث ابن مسعود المتفق عليه أولى بالتقديم من هذا الحديث، مع التشديد العظيم في الكتاب والسنة في قتل المسلم بغير حق، إلى غير ذلك من المسائل المذكورة في الفروع.
стр. 1714
قال مقيده -عفا الله عنه-: هذا الحصر في الثلاث المذكورة في حديث ابن مسعود الثابت في الصحيح لا ينبغي أن يزاد عليه، إلا ما ثبت بوحي ثبوتًا لا مطعن فيه، لقوته. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الثانية: قد جاءت آيات أخر تدل على أن المقتول خطأ لا يدخل في هذا الحكم، كقوله: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ وقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا .. ﴾ الآية، لما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس وأبي هريرة: أن النبي ﷺ لما قرأها، قال الله: نعم قد فعلت. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ ثم بين ما يلزم القاتل خطأ بقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا .. ﴾ الآية. وقد بين ﷺ الدية قدرًا وجنسًا كما هو معلوم في كتب الحديث والفقه كما سيأتي إيضاحه.
المسألة الثالثة: يفهم من إطلاق قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ أن حكم الآية يستوي فيه القتل بمحدد كالسلاح، وبغير محدد كرضخ الرألس بحجر ونحو ذلك؛ لأن الجميع يصدق عليه اسم القتل ظلمًا فيجب القصاص. وهذا قول جمهور العلماء، منهم مالك، والشافعي، وأحمد في أصح الروايتين.
وقال النووي في "شرح مسلم": هو مذهب جماهير العلماء.
وخالف في هذه المسألة الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى فقال: لا يجب القصاص إلا في القتل بالمحدد خاصة، سواء كان من حديد، أو حجر، أو خشب، أو فيما كان معروفًا بقتل الناس
стр. 1715
كالمنجنيق، والإلقاء في النار.
واحتج الجمهور على أن القاتل عمدًا بغير المحدد يقتص منه بأدلة:
الأول: ما ذكرنا في إطلاق النصوص في ذلك.
الثاني: حديث أنس بن مالك المشهور الذي أخرجه الشيخان، وباقي الجماعة: أن يهوديًا قتل جارية على أوضاح لها، فرضخ رأسها بالحجارة، فاعترف بذلك فقتله رسول الله ﷺ بين حجرين، رض رأسه بهما.
وهذا الحديث المتفق عليه نص صريح صحيح في محل النزاع، تقوم به الحجة على الإمام أبي حنيفة ﵀، ولاسيما على قوله: باستواء دم المسلم والكافر المعصوم الدم كالذمي.
الثالث: ما أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه وغيرهما، عن حمل بن مالك من القصاص في القتل بالمسح.
قال النسائي: أخبرنا يوسف بن سعيد، قال حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال أخبرني عمرو بن دينار: أنه سمع طاوسًا يحدث عن ابن عباس، عن عمر ﵁: أنه نشد قضاء رسول الله ﷺ في ذلك، فقام حمل بن مالك فقال: كنت بين حجرتي امرأتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى النبي ﷺ في جنينها بغرة، وأن تقتل بها.
وقال أبو داود: حدثنا محمد بن مسعود المصيصي، حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار: أنه سمع
стр. 1716
طاوسًا عن ابن عباس، عن عمر: أنه سأل في قضية النبي ﷺ في ذلك فقام حمل ابن مالك بن النابغة فقال: كنت بين امرأتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله ﷺ في جنينها بغرة، وأن تقتل.
قال أبو داود: قال النضر بن شميل: المسطح هو الصولج.
قال أبو داود: وقال أبو عبيد: المسطح عود من أعواد الخباء.
وقال ابن ماجه: حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي، ثنا أبو عاصم، أخبرني ابن جريج، حدثني عمرو بن دينار: أنه سمع طاوسًا، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب أنه نشد الناس قضاء النبي ﷺ في ذلك (يعني في الجنين) فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين امرأتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وقتلت جنينها، فقضى رسول الله ﷺ في الجنين بغرة عبد، وأن تقتل بها. انتهى من السنن الثلاث بألفاظها.
ولا يخفى أن هذا الإسناد صحيح، فرواية أبي داود، عن محمد بن مسعود المصيصي، وهو ابن مسعود بن يوسف النيسابوري، ويقال له: المصيصي أبو جعفر العجمي نزيل طرسوس والمصيصة، وهو ثقة عارف، ورواية ابن ماجه عن أحمد بن سعيد الدارمي، وهو ابن سعيد بن صخر الدارمي أبو جعفر، وهو ثقة حافظ، وكلاهما (أعني محمد بن مسعود المذكور عند أبي داود، وأحمد ابن سعيد المذكور عند ابن ماجه) روى هذا الحديث عن أبي عاصم، وهو الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني، وهو أبو عاصم النبيل، وهو ثقة ثبت، والضحاك رواه عن ابن
стр. 1717
جريج، وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وهو ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل، إلا أن هذا الحديث صرح فيه بالتحديث والإخبار عن عمرو بن دينار، وهو ثقة ثبت، عن طاوس، وهو ثقة فقيه فاضل، عن ابن عباس، عن حمل، عن النبي ﷺ .
وأما رواية النسائي فهي عن يوسف بن سعيد، وهو ابن سعيد بن مسلم المصيصي، ثقة حافظ، عن حجاج بن محمد، وهو ابن محمد المصيصي الأعور أبو محمد الترمذي الأصل نزيل بغداد ثم المصيصة، ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغداد قبل موته، عن ابن جريج، إلى آخر السند المذكور عند أبي داود وابن ماجه.
وهذا الحديث لم يخلط فيه حجاج المذكور في روايته له عن ابن جريج، بدليل رواية أبي عاصم له عند أبي داود وابن ماجه، عن ابن جريج كرواية حجاج المذكور عند النسائي، وأبو عاصم ثقة ثبت. ورواه البيهقي، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج.
وجزم بصحة هذا الإسناد ابن حجر في الإصابة في ترجمة حمل المذكور.
وقال البيهقي في "السنن الكبرى" في هذا الحديث: وهذا إسناد صحيح. وفيما ذكر أبو عيسى الترمذي في كتاب "العلل" قال: سألت محمدًا (يعني البخاري) عن هذا الحديث فقال: هذا حديث صحيح، رواه ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس. وابن جريج حافظ اهـ.
стр. 1718
فهذا الحديث نص قوي في القصاص في القتل بغير المحدد؛ لأن المسطح عمود.
قال الجوهري في صحاحه: والمسطح أيضًا عمود الخباء. قال الشاعر وهو مالك بن عوف النصري:
تعرض ضيطار وخزاعة دوينا ... وما خير ضيطار يقلب مسطحا
يقول: تعرض لنا هؤلاء القوم ليقاتلونا وليسوا بشيء؛ لأنهم لا سلاح معهم سوى المسطح والضيطار، هو الرجل الضخم الذي لا غناء عنده.
الرابع: ظواهر آيات من كتاب الله تدل على القصاص في القتل بغير المحدد، كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ وقوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ الآية.
وفي الموطأ ما نصه: وحدثني يحيى عن مالك، عن عمر بن حسين مولى عائشة بنت قدامة: أن عبد الملك بن مروان أقاد ولي رجل عن رجل قتله بعصًا، فقتله وليه بعصا.
قال مالك: والأمر المجتمع عليه الذي لا اختلاف فيه عندنا: أن الرجل إذا ضرب الرجل أو رماه بحجر، أو ضربه عمدًا فمات من ذلك، فإن هذا هو العمد وفيه القصاص. قال مالك: فقتل العمد عندنا أن يعمد الرجل إلى الرجل فيضربه حتى تفيض نفسه اهـ.
стр. 1719
وقد قدمنا أن هذا القول بالقصاص في القتل بالمثقل هو الذي عليه جمهور العلماء، منهم الأئمة الثلاثة، والنخعي، والزهري، وابن سيرين، وحماد، وعمرو بن دينار، وابن أبي ليلى، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد. نقله عنهم ابن قدامة في المغني.
وخالف في ذلك أبو حنيفة، والحسن، والشعبي، وابن المسيب، وعطاء، وطاوس ﵏ فقالوا: لا قصاص في القتل بالمثقل. واحتج لهم بأدلة:
منها: أن القصاص يشترط له العمد، والعمد من أفعال القلوب، ولا يعلم إلا بالقرائن الجازمة الدالة عليه، فإن كان القتل بآلة القتل كالمحدد، علم أنه عامد قتله، وإن كان بغير ذلك لم يعلم عمده للقتل، لاحتمال قصده أن يشجه أو يؤلمه من غير قصد قتله فيئول إلى شبه العمد.
ومنها: ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: "قضى رسول الله ﷺ في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغرة عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله ﷺ بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها".
وفي رواية "اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها".
قالوا: فهذا حديث متفق عليه، يدل على عدم القصاص في
стр. 1720
القتل بغير المحدد؛ لأن روايات هذا الحديث تدل على القتل بغير محدد؛ لأن في بعضها أنها قتلتها بعمود، وفي بعضها أنها قتلتها بحجر.
ومنها: ما روي عن النعمان بن بشير، وأبي هريرة، وعلي، وأبي بكرة ﵃ مرفوعًا: أن النبي ﷺ قال: "لا قود إلا بحديدة" وفي بعض رواياته "كل شيء خطأ إلا السيف، ولكل خطأ أرش".
وقد حاول بعض من نصر هذا القول من الحنفية رد حجج مخالفيهم؛ فزعم أن رض النبي ﷺ رأس اليهودي بين حجرين إنما وقع بمجرد دعوى الجارية التي قتلها، وأن ذلك دليل على أنه كان معروفًا بالإفساد في الأرض؛ ولذلك فعل به ﷺ ما فعل.
ورد رواية ابن جريج عن طاوس عن ابن عباس المتقدمة = بأنها مخالفة للروايات الثابتة في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما: أن النبي ﷺ قضى بالدية على عاقلة المرأة لا بالقصاص.
قال البيهقي في (السنن الكبرى) بعد أن ذكر صحة إسناد الحديث عن ابن عباس بالقصاص من المرأة التي قتلت بمسطح كما تقدم ما نصه: إلا أن في لفظ الحديث زيادة لم أرها في شيء من طرق هذا الحديث، وهي قتل المرأة بالمرأة. وفي حديث عكرمة عن ابن عباس موصولًا، وحديث ابن طاوس عن أبيه مرسلًا، وحديث جابر وأبي هريرة موصولًا ثابتًا = أنه قضى بديتها على العاقلة. انتهى محل الغرض من كلام البيهقي بلفظه.
следующие страницы →